← Тафсир

Тафсир · id 545

تفسير العثيمين: آل عمران

ابن عثيمين

Полный текст (1 207 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

مثل مضروب في القرآن فإنه دليل على ثبوت القياس؛ لأنه إلحاق المورد بالمضروب، يعني أنك ألحقت الممثل بالممثل به. ٤ - إثبات القول للرب ؛ لقوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ﴾. ٥ - أن قول الله بصوت مسموع وبحروف مرتبة؛ لقوله: ﴿قَالَ لَهُ كُنْ﴾، فسيسمع هذا القول بحرف مرتب. ٦ - إثبات صفة الخلق لله (خلقه) والخلق صفة ذاتية أو فعلية؟ فعلية، من الصفات الفعلية لكن قد مرَّ علينا أن جنس الصفات الفعلية ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال فعّالًا. * * * • ثم قال الله : ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠]. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾، الحق: خبر المبتدأ المحذوف والتقدير (ذلك الحق) أي: هذا الذي قصَّ عليك هو الحق، وعلى هذا تكون شبه الجملة وهي ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ تكون في موضع نصب علي الحال من الحق، ويحتمل على بُعدٍ أن يكون ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ و ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ خبره. وفائدة هذا التركيب علي هذا الإعراب: أنك لا تطلب الحق من غير الله، فكأنه يقول: مصدر الحق من الله فلا تطلبه من غيره، الحق يوصف به الحكم ويوصف به الخبر، فإن وصف به الحكم صار معناه العدل، وإن وصف به الخبر صار معناه الصدق، والصدق والعدل كلاهما ثابت، ولهذا وصفا بالحق، وأصل الحق من حقَّ الشيء إذا ثبت كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣]، حقت: يعني ثبتت، إذن في إعرابها وجهان.

стр. 352

من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الله تعالى لا يصدر منه إلا الحق ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾. ٢ - فضيلة رسول الله ﷺ بإضافة الربوبية إليه، وذلك لأن الربوبية هذه خاصة، والربوبية الخاصة تفيد معنى أخص من الربوبية العامة. ٣ - النهي عن الشك فيما أخبر الله به؛ لقوله: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. ٤ - أن الممترين كثيرون؛ لقوله: ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، وإن كان يحتمل أن يراد به الجنس فيصدق بواحد، لكن الظاهر الأول، ولا شك أن الممترين من بني آدم كثيرون؛ لأن ذرية بني آدم منهم تسعمائة وتسع وتسعون كلهم من أهل النار. ٥ - جواز التعريض، أو جواز المخاطبة بالتعريض؛ لأن قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، لا يعني أن الرسول يمكن أن يكون منهم، بل هو تعريض بهؤلاء وأنهم ذوو خلق سيئ، فلا تكن منهم وإن كان هو ليس منهم لا باعتبار الواقع ولا المستقبل. * * * • ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]. ﴿حَاجَّكَ﴾ أي: جادلك، وسميت المجادلة محاجة؛ لأن كل واحد من المتجادلين يدلي بحجته من أجل أن يخصم الآخر ويحجه، ومنه الحديث: "تحاجَّ آدم وموسى" (١)، أي: طلب كل

стр. 353

واحد منهما أن يَحُجَّ الآخر، وأيهما الذي حجَّ؟ آدم، حاجك إذن بمعني جادلك، وسميت المجادلة محاجة؛ لأن كل واحد من المتجادلين يدلي بحجته ليغلب الآخر. وقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ﴾، (مَنْ) هذه شرطية، وجواب الشرط ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾. وقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾، الضمير يعود علي عيسي والمراد بالمحاجة في عيسي ليس في ذاته؛ لأن عيسي معلوم أنه بشر لكن في شأنه وقضيته. وقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ مَنْ الذي يمكن أن يحاجَّ النبي ﷺ في عيسي؟ هم النصاري، وهذه الآية وما قبلها كلها نزلت في وفد نجران من النصاري. ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: يعني بعد أن علمت قضيته وشأنه وتيقنت، فالذي يحاجك فيه ادعه للمباهلة. وفي قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، أتي بـ (من) الدالة علي أن النبي ﷺ أمر بالمباهلة بعد أن تروي من العلم؛ لأن ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ تدل على أن هناك مهلة بين العلم الذي جاءه وبين المحاجة التي وقعت، بخلاف لو قال: (فمن حاجك فيه بعدما جاءك)، فإنها تفيد البعدية لكن لا تدل علي التراخي والمباعدة، ومعلوم أن الإنسان كلما تمعن في النظر فيما علم ازداد به علمًا ويقينًا. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، عن أي طريق؟ عن

стр. 354

طريق الله ، فإن الله تعالي أوحي إلي نبيه محمد ﷺ في شأن عيسي من العلم ما لم يكن عند غيره، فقال تعالي: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾، قلنا: إن (قل) جواب الشرط. (وتعالوا) فعل أمر مبني علي حذف النون، والواو فاعل. وفيه إشكال؛ لأن (تعالوا) جمع و (من حاجك) مفرد فكيف صحَّ أن يكون الجمع عائدًا علي مفرد؟ الجواب: أن الأسماء الموصولة وأسماء الشرط المشتركة التي تصلح للمفرد وغيره يجوز في العائد إليها أن يعود إليها باعتبار اللفظ، وأن يعود إليها باعتبار المعني، فإن عاد إليها باعتبار اللفظ صار مفردًا، وباعتبار المعني صار جمعًا، ولا فرق بين أن يكون هذا الجائز في كلام واحد أو في كلامين، قال تعالي: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الطلاق: ١١]. ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾. كيف قال: ندع، ولم يقل: أدع؟ نعم لم يقل ذلك لأنهم إذا جاءوا معه صاروا جماعة. ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾. هذه الآية كما ترون بصيغة الجمع ﴿أَبْنَاءَنَا﴾ والرسول واحد ﵊ ﴿وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ هم جماعة لا بأس ﴿وَنِسَاءَنَا﴾، الرسول واحد ولم يقل: نسائي ﴿وَنِسَاءَكُمْ﴾ جماعة واضح. ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ الرسول واحد وهم عدة أنفس؟ اختلف المفسرون في ذلك، فقال بعض المفسرين: المراد بقوله: ﴿أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾، المراد بأبنائنا الحسن والحسين، ﴿وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾، المراد بنسائنا فاطمة بنت الرسول ﷺ ﴿وَأَنْفُسَنَا﴾ المراد بالأنفس علي بن أبي طالب، فيكون العدد أربعة

стр. 355

﴿أَبْنَاءَنَا﴾ الحسن والحسين، ﴿وَنِسَاءَنَا﴾ فاطمة، ﴿وَأَنْفُسَنَا﴾ علي بن أبي طالب، أما هؤلاء النفر الوافدون فليس معهم نساء وليس معهم أولاد، كلهم رجال بالغون عاقلون، إما أربعة عشر أو اثنان، المهم أنهم رجال ليس معهم أحد. وقال بعض أهل العلم: المراد ندع نحن المسلمين أبناءنا، يعني أبناء المسلمين، يعني ننتخب طائفة منا تأتي هي وأبناؤها ونساؤها وأنتم كذلك تنتخبون جماعة يأتون بأبنائهم ونسائهم وأنفسهم نجتمع ونبتهل. وهذا القول لا شك أنه موافق تمامًا لظاهر الآية؛ لأن الآية بصيغة الجمع، والعادة جرت بأن التباهل وكذلك التفاخر وغيره يكون بين جماعات. وقد ذهب إلي هذا محمد رشيد رضا في "تفسيره" وهو لا شك تفسير مطابق لظاهر الآية تمامًا، لكن أكثر المفسرين يختارون القول الأول أن المراد بأبنائنا الحسن والحسين، ونسائنا فاطمة، وأنفسنا علي بن أبي طالب؛ لحديث ورد في ذلك، والمسألة لا توافق ظاهر الآية، يعني هذا القول لا يوافق ظاهر الآية، أولًا: أن أبناء جمع ونساء جمع، وإذا قلنا: الحسن والحسين صار اثنين، ابنان لجمع أو لواحد؟ لواحد، أيضًا النساء لم يرد في اللغة العربية أن المراد بالنساء: البنات، المراد بالنساء في اللغة العربية الزوجات، وأيضًا أنفسنا كيف يعبر الرسول ﵊ عن علي بن أبي طالب بنفسه ولا يعبر عن الحسن والحسين بنفسه، أيهما أقرب؟ الحسن والحسين حتى إن الحسن سماه الرسول ابنه فقال: "إن ابني هذا سيد" (١) ولهذا ظاهر الآية لا يطابق هذا التفسير، وقد زعم محمد رشيد رضا أن تفسيرها

стр. 356

بالأربعة من تفسير الرافضة، وقال: إن الآية لا تنطبق عليهم، لكن الحديث الوارد في ذلك يدل علي أن لها أصلًا، ولا شك أن آل البيت يدخل فيهم هؤلاء الأربعة، لكن انطباقه على الآية في النفس منه شيء. علي كل حال المسألة انتهت، لكن ما المراد بالأنفس والأبناء والنساء؟ المراد أنهم يريدون أن يجمعوا جماعة معهم أبناؤهم ونساؤهم وأنفسهم، وهذا أعز ما يكون عند الإنسان في الدنيا، هذا أعز ما يكون، نفسه، أبناؤه، زوجاته يحضرون، ويحضر الخصم أيضًا نفسه وأبناؤه ونساؤه. من فوائد الآية الكريمة: ١ - إثبات أن ما جاء به الرسول ﷺ حق، لأن الله أمره أن يلتعن مع هؤلاء. ٢ - أنه لا تجوز المباهلة إلا بعلم يقيني، أما إذا كان الإنسان شاكًّا فلا يجوز له؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾. ٣ - جواز طلب المباهلة عند عناد الخصم؛ لقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤]. ٤ - أن من آداب الالتعان إحضار النساء والأولاد؛ لأنه أشد خوفًا للنساء في المباهلة. ٥ - جواز الدعاء بالله على من خالف الحق لكن بالوصف لا بالشخص؛ لأن الكاذبين وصف، أما الشخص فلا يجوز الدعاء عليه حتى لو كان كافرًا؛ لأن النبي ﷺ لما دعا علي أبي جهل وغيره من كبار قريش نهاه الله عن ذلك.

стр. 357

٦ - جواز المباهلة لكن اشترط العلماء لجواز المباهلة شرطين: الشرط الأول: العلم، والثاني: أن تكون في أمر هام، أما الأمور التي ليست بهامة فلا ينبغي للإنسان أن يعرّض نفسه للخطر. ٧ - هل يستفاد من الآية الكريمة جواز انغمار الشخص في العدو في باب المقاتلة؛ لأن هذا الإنسان الذي علم أن الحق معه وجاز أن يلتعن فيما قد يكون سببًا لهلاكه، فلما كان علي حق وأجزنا له أن يدخل في هذا الأمر لأنه يخشي أن يكون كاذبًا فتنطبق عليه اللعنة، ربما يؤخذ لكن مأخذه بعيد. * * * • قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦٢]. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾. هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: المؤكد الأول: (إنَّ)، لأن إنَّ للتوكيد، والمؤكد الثاني: (اللام)، والمؤكد الثالث: (هو)، لأن هو ضمير فصل، وضمير الفصل له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: الحصر. الفائدة الثانية: التوكيد. الفائدة الثالثة: الفرق بين الصفة والخبر. يتضح ذلك بالمثال، فإذا قلت: (زيد هو الفاضل) هنا (هو) ضميرُ فصل أفادت الفوائد الثلاث، أفادت الحصر، حصر الفضل في زيد، وأفادت التوكيد؛ لأن قولك: زيد الفاضل أقل من

стр. 358

قولك: زيد هو الفاضل في توكيد الأفضلية، وأفادت الفرق بين الصفة والخبر لأنك لو قلت: (زيد الفاضل) تَشَوَّفَ المخاطب إلى خبر، وإذا قلت: زيد هو الفاضل علم أن كلمة الفاضل هي الخبر وهنا لو كانت: (هذا القصص الحق) لاستقام الكلام ولكن تفوت هذه المؤكدات الثلاث. وقوله : ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المشار إليه ما ذكره الله في شأن عيسى ابن مريم ﵊، وتعرفون أن الله تعالى تحدث عن عيسي ابن مريم في هذه الآيات حديثًا مسهبًا طويلًا عنه وعن أمه. وقوله: ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾، القصص: مصدر قصَّ يقصُّ قصًّا وقصصًا، ولكنه هنا يحتمل أن يكون مصدرًا بمعني الفعل، ويحتمل أن يكون مصدرًا بمعني اسم المفعول أي: إن هذا لهو المقصوص الحق، وسواء قلنا بهذا أو بهذا فالمؤدي واحد، فإن هذا القصص الحق، والحق هنا صفة للقصص، والحق إن قيل في مقابلة الحكم فهو بمعني العدل، وإن قيل في مقابلة الخبر فهو بمعني الصدق؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾. هذه الجملة أيضًا كما نري فيها حصر وفيها توكيد، أما الحصر فطريقه النفي والإثبات، النفي في قوله: (ما) والإثبات في قوله: ﴿إِلَّا﴾ وأما التوكيد ففي قوله: ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ لأن (من) حرف جر زائد من حيث الإعراب لكنه يزيد المعني، ماذا يزيد المعني؟ يزيد المعنى توكيدًا، ولهذا نقول: إن الحروف الزائدة في

стр. 359

القرآن الكريم هي زائدة، زائدة من حيث الإعراب، زائدة من حيث المعني، أي: أنها تفيد معني زائدًا علي ما لو لم تكن موجودة. وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾، إله بمعني: مألوه، والمألوه هو المعبود محبة وتعظيمًا، ولا يصدق هذا حقًّا إلّا علي الله ، وكلمة (إله) هنا علي وزن فعال ولكنها بمعني مفعول، والكلمة هذه -يعني إله بمعني مألوه أو فعال بمعني مفعول- كثيرة في اللغة العربية؛ كالغراس والبناء والفراش والوطاء وما أشبه ذلك، غراس بمعني: مغروس، وبناء بمعني: مبني، وفراش بمعني: مفروش، وإله بمعني: مألوه، فما معني المألوه؟ قلنا: هو المعبود محبة وتعظيمًا هذا مألوه. وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾، (إلا) هذه أداة استثناء، والجملة التي قبلها فيها شيء محذوف تقديره: وما من إلهٍ حقّ إلا الله، وعلي هذا فنعرب كلمة (الله) بدلًا من الخبر المحذوف الذي تقديره (وما من إله حق إلا الله) إلا الله يعني: خالق السموات والأرض ، فعيسي ليس بإله، وأمه ليست بإله، وجبريل ليس بإله، وميكائيل ليس بإله، ولا أحد يستحق هذا الوصف إلا خالق السموات والأرض ، ولهذا قال: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. الحكيم مشتقة من الحكم والإحكام، وكل عزيز إذا اقترن في عزته الحكمة والحكم كملت عزته، وذلك لأن العزيز إذا غلب ولم يكن له حكمة أدته غلبته إلي الطيش وعدم ضبط النفس، فإذا

стр. 360

اجتمعت العزة والحكمة كمل الموصوف بهما. إذن أقول: الحكيم من الحكم والإحكام، فهو الحاكم ولا حاكم غيره، وهو المحكم أي المتقن لما حكم به سواء كان الحكم كونيًا أو شرعيًا، والحكمة أو الإحكام الذي بمعني الإتقان هو وضع الشيء في موضعه اللائق به بحيث لا يقال: إن هذا غير لائق أو هذا غير موافق، بل يكون موافقًا مطابقًا لما تقتضيه المصلحة، إذن الحكيم مشتق من الحكم والإحكام. ثم نقول: الحكم نوعان: حكم كوني، وحكم شرعي. فالحكم الكوني: ما قضي به الله قدرًا. والحكم الشرعي: ما قضي به شرعًا. والفرق بينهما ظاهر؛ الحكم الشرعي يتعلق فيما يحبه الله فعلًا أو تركًا، فإن نهي عن شيء فهو يحب تركه، وإن أمر بشيء فهو يحب فعله. ويمكن أن يتخلف الحكم الذي حكم الله به، هذا الحكم الشرعي. أما الحكم الكوني فيتعلق فيما يحبه وما لا يحبه، ولا يمكن أن يتخلف، لابد أن يكون. من فوائد الآية الكريمة: ١ - تأكيد أن ما أخبر الله به عن عيسى ابن مريم هو الحق، ويتفرع من هذه القاعدة أن كل ما خالفه مما تكلمت به النصاري في شأن عيسي فهو كذب باطل لا يوافق الواقع. ٢ - أن من بلاغة الكلام أن يكون مطابقًا للواقع أو موافقًا لمقتضي الحال، وجه ذلك أن هذه الجملة ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾، أكدت بثلاثة مؤكدات؛ لأن المقام يقتضي هذا، إذ إن

стр. 361

دعاية النصاري قوية لا يبطلها إلا كلام مؤكد، إما باللفظ وإما بالحال، يعني إما بالمقال وإما بالحال، وهكذا ينبغي لكل إنسان أن يتكلم بكلام تقتضيه الحال، فإن كانت الحال تقتضي أن يكون الكلام مؤكدًا فإن مقتضى البلاغة أن يؤكد. ٣ - أن القصص قد يكون حقَّا وقد يكون باطلًا، القصص من حيث هو، بِغَضِّ النظر عن القاص، قد يكون حقًّا وقد يكون باطلًا كذبًا، ويؤخذ هذا من وصف القصص بالحق؛ لأن الأصل في الصفة أن تكون لِما عدا الموصوف، هذا هو الأصل، ولهذا لو جاءت صفة غير مخرجة لما سوى الموصوف يسمونها صفة كاشفة لا مانعة. ٤ - أنه لا إله في الوجود إلا الله، ولكن يراد لا إله حق، ويتعين أن يكون ذلك هو المراد لأن هناك آلهة باطلة موجودة تعبد من دون الله وتسمي آلهة، وينكر حصر الآلهة بواحد، قالت قريش في مخاطبتها للنبي ﵊: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٤، ٥]، الله أكبر، العُجاب أن تكون الآلهة إلهًا واحدًا أو تكون آلهة متعددة؟ ! ٥ - أن في سلامة العقيدة الراحة التامة؛ لأنك إذا سلمت عقيدتك وآمنت بأنه ما من إله إلا الله، فإنك لن تتجه إلي من سوي الله، ولا شك أن هذا راحة، انحصار الهدف والمقصود من أكبر أسباب راحة الإنسان، وإذا تعددت الأهداف والمقاصد تبلبل الإنسان، ولهذا يذكر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (من بورك له في شيء فليلزمه) (١)، أي شيء يبارك لك فيه، وتري

стр. 362

أنك مطمئن إليه سواء كان سيارة أو بيتًا أو زوجةً أو صاحبًا فالزمه، فإنه خيرٌ مِنْ أن تنتقل إلي غيره، بعض الناس يقول: أقرأ اليوم زاد المستقنع، وغدًا المنتهى، وبعده الإقناع، وبعده المهذب، وبعده المدونة لمالك، كل يوم له كتاب، فهذا يفوت عليه الوقت ولا يستفيد شيئًا لماذا؟ لأن الهدف لم يتحدد، وهكذا هؤلاء المشركون أيضًا، هذا يعبد اللات، فإذا لم تنفع راح للعزي، وإذا لم تنفع لمناة، وإذا لم ينفع عجن عبيطًا من التمر وجعله إلهًا، وإذا لم تنفع راح للشمس أو القمر. وعلي كل حال إذا كانت العقيدة سليمة بأن لا يتجه الإنسان إلا إلي الله، ولا يعبد إلا الله، فإنه يجد الراحة التامة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾، وفي هذا ردّ علي النصاري الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، لأنه قال: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾، والعجيب أنه من سفه النصاري وضلالهم أنهم يقولون: الآلهة ثلاث لكنها واحد، كيف ثلاث وواحد؟ هل يمكن أن يكون الثلاثة واحدًا؟ إذا جعلت الثلاثة واحدًا صار الإله الأول ثُلُثًا، والإله الثاني ثُلُثًا، والإله الثالث ثُلُثًا، أما أن يكون كل واحد مستقلًا ثم نقول: هم واحد، فهذه مكابرة وضلال. ٦ - إثبات العزة بل تمام العزة لله؛ لقوله: ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، و (ال) هنا تفيد الاستغراق، أي: جميع أنواع العزة ثابتة لله ، وفيه إثبات الحكمة لله في قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ وإثبات الحكم أيضًا، فيتفرع علي هذا أنه لا حاكم إلا الله، الحكومة السلطانية القدرية والحكومة الشرعية هي لله وحده، فمن سيطر علي الخلق بالحكم السلطاني ولم يراقب الرب فقد

стр. 363

شارك الله أو فقد جعل نفسه شريكًا مع الله في هذا الحكم، ومن شرع للناس قوانين مخالفة لشرعه فقد جعل نفسه شريكًا مع الله، واتخذ لنفسه منصبًا لا يستحقه؛ لأن الذي يشرع ويحكم هو الله : ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ﴾، لا سواه، ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ويتفرع علي هذا أيضًا أن واجبنا نحو أحكام الله الكونية والشرعية التسليم والرضا والقناعة وأن لا نطلب سواها؛ لأننا نعلم أنها مبنية علي الحكمة، ولهذا كان السلف الصالح ﵃ بل كل مؤمن إذا قضي الله ورسوله أمرًا لم يكن لهم الخيرة من أمرهم، حتى إنهم يجيبون إذا سئلوا عن الحكمة بقال الله وقال رسوله، عائشة ﵂ لما سألتها المرأة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (١)، والمؤمن حقًّا، والعابد حقًّا هو الذي يقتنع بما لا يعرف حكمته كما يقتنع بما يعرف حكمته، هذا هو المؤمن حقًّا، أما الذي لا يقتنع بحكم الله إلا إذا عرف حكمته فهو في الحقيقة ليس عابدًا لله علي وجه الكمال، بل هو عابد لهواه، إن تبينت له الحكمة اقتنع، وإن لم تتبين لم يقتنع، ولهذا نري أن في إيجاب رمي الجمرات -وهي الحصي- في مكان معين نري أن فيها مع إقامة ذكر الله الذي نصَّ عليه الرسول ﷺ تمام العبودية وكمالها؛ لأن كون الإنسان يحمل حصي يرميها في مكان معين تعبدًا لله هو من كمال العبودية، أما كون الإنسان -مثلًا- يصلي أو يتجنب الزني خوفًا من الله،

стр. 364

ورجاءً لثوابه في الصلاة فهذا واضح الحكمة فيها، لكن كونه يرمي حجرات -حصيات- في مكان معين قد لا تتضح الحكمة فيها لولا أن الرسول ﷺ بيّن أنها لإقامة ذكر الله وفيها تمام العبودية. فالمهم أنك متى آمنت أن الله له الحكمة في حكمه الكوني والشرعي، ازددت قناعة وحكمة بما حكم به. أما الحكم الكوني فسترضي به أو سينفذ عليك سواء رضيت أو لم ترضَ، لكن الشأن كل الشأن في الحكم الشرعي الذي هو باختيارك، أما الكوني فليس باختيارك، سيكون عليك مهما كان الأمر. * * * • ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران: ٦٣]. قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، الضمير يعود علي هؤلاء النصاري الذين طلب منهم الرسول ﷺ المباهلة يقول: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]، وسبق أنهم ابتعدوا عن المباهلة؛ لأنهم يعلمون أنهم لو باهلوا لأخذهم العذاب؛ لأن الرسول ﷺ حق وهم علي باطل، يقول الله : ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، يعني عن المباهلة وعن اتباعك يا محمد فإنما هم مفسدون، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾، ولم يقل: عليم بهم، بل أظهر في موضع الإضمار، والإظهار في مواضع الإضمار له فوائد:

стр. 365

الفائدة الأولي: التسجيل أو انطباق الوصف في هذا المظهر علي من يعود عليه، يعني هذا الوصف الذي جعل في موضع الضمير ينطبق علي مرجع الضمير، فكأنه قال: فإن تولوا فإن الله عليم بهم، لكن وصفهم بالفساد. الفائدة الثانية: العموم؛ لأنه لو جاء الضمير هنا حسب السياق، فإن الله عليم بهم، لاختص العلم بهم وحدهم، لكن إذا قال: ﴿بِالْمُفْسِدِينَ﴾ صار عامًا فيهم وفي غيرهم. الفائدة الثالثة: أن هذا الفعل الذي حصل من هؤلاء الذين جاء الإظهار في موضع الإضمار عنهم مرفوع من هذا الوصف الذي عبر به في موضع الضمير، يعني أن فعلهم فساد وهو التولي والإعراض عن دين الله، ففي هذه الآية الكريمة تهديد من تولي. من فوائد الآية الكريمة: ١ - تهديد من تولى عن دين الله ، ووجه ذلك قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾، لأن المقصود من ذكر علمه بهم تهديدهم، وأنه لا يخفى عليه حالهم، وسيعاقبهم بما تقتضيه حالهم. ٢ - أن التولي عن دين الله فساد كما قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، وهل التولي نفسه فساد أو أنه يسبب الفساد؟ الجواب عن هذا أن نقول: هو فساد وسبب للفساد، ووجه كونه فسادًا أنه إذا تولي عن دين الله حلَّ محله ما سواه، ومعلوم أن دين الله صلاح وما سواه فساد، ولهذا نجد القوانين المحكّمة في عباد الله لا تصلح الخلق، لا يصلح الخلق منه إلا ما وافق الشرع، وأما ما خالف

стр. 366

الشرع، فإنه فساد مهما كان وضع القوانين في الذكاء والفهم لأحوال الناس، فإنهم إذا وضعوا من القوانين ما يخالف شرع الله فإنه فساد بكل حال، إذن نفس التولي فساد، ثم هو أيضًا سبب للفساد؛ لأن الجدب والقحط وضيق الرزق والفتن كلها سببها المعاصي، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦] , وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]، إذن التولي عن دين الله فساد وسبب للفساد. ٣ - أن كل من تولي عن دين الله فهو مفسد، ولو زعم أنه مصلح؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾، ولهذا قال كثير من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، قال: أي لا تفسدوها بالمعاصي، فكل عاصٍ فهو مفسد شاء أم أبي، وكل مطيعِ فهو مصلح؛ لأن بضدها تتبين الأشياء، فإذا كان العاصي مفسدًا فالطائع مصلحًا، لكن الطائع في الحقيقة قد يكون صالحًا بنفسه غير مصلح لغيره، وقد يكون صالحًا في نفسه مصلحًا لغيره، وإذا كان عابدًا داعيًا إلي الله صار صالحًا مصلحًا، وإذا كان عابدًا غير داعٍ لله صار صالحًا غير مصلح لكنه ليس علي وجه التمام في صلاحه؛ لأنه من تمام الصلاح أن تدعو إلي الله .

стр. 367

• ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]. الخطاب في قوله: ﴿قُل﴾ للرسول ﷺ . وقد مرّ بنا قاعدة أن الله تعالى إذا صدر الشيء بقل الموجه للرسول ﷺ فإنه يقتضي زيادة العناية به؛ لأنه أمر بأن يبلغ هذا الشيء بخصوصه وإلا فإن جميع القرآن مأمور النبي ﷺ أن يقوله. ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾، أهل الكتاب يعني بهم اليهود والنصاري، وعلي هذا فالمراد بالكتاب الجنس ليكون شاملًا. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أمر الرسول ﵊ أن يدعو أهل الكتاب إلى هذه الكلمة السواء؛ لقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾، وهنا سؤال: هل الرسول قال بذلك؟ نعم قالها حتى كان يكتب بها إلى الملوك، لم يكتب إلي كسري ولكنه كتب إلي غيره: يا أهل الكتاب تعالوا إلي كلمة سواء بيننا وبينكم، لكنه يقول: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾، من كمال أدبه، إذا قال: قل يا أهل الكتاب، فكأنه يقول: إنما كتبت لكم هذه الآية بأمر الله، لكن لو قال: يا أهل الكتاب بدون (قل)، لكان فيها احتمال أنه كتبها من عند نفسه، فالمهم أن الرسول ﵊ قال ذلك، ودعاهم إلي هذه الكلمة، لكنهم أبوا وامتنعوا لأنهم مصرُّون معاندون إلا من هدي الله، فقد هدي الله من النصاري أقوامًا، ومن اليهود أقوامًا، ومن المشركين أقوامًا. ٢ - التنازل مع الخصم لإلزامه بالحق، كيف ذلك؟ لأنه

стр. 368

قال: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ والحق بلا شك مع الرسول ﷺ ، لكن من أجل إلزام الخصم وإقامة الحجة عليه تنازل معه. ٣ - وجوب استعمال العدل في المناظرة حتى مع العدو؛ لأن الرسول أمر بأن يعلن هذا، وإذا كان هذا واجبًا في مناظرة المسلمين مع الكفار، فهو في مناظرة المسلمين بعضهم مع بعض أوجب وأوكد، ولهذا نقول: من الخطأ العظيم أن بعض الناس إذا رأي رأيًا قال عما سواه: خطأ، وخطّأ غيره، هو قد يكون خطأ باعتبار اعتقاده لا ننكر عليه، لأنه من المعلوم إذا اختار ضده فهو عندهم خطأ ولا ينكر عليه، لكن الإنكار أن يُخَطِّئ من قال به، وهذا فرق دقيق، فرق بين أن أعتقد أن هذا القول خطأ ولا آخذ به، وبين أن أخطّئ من قال به؛ لأني إذا خطّأته ادعيت العصمة لي والزلل له وهذا خطأ، ولهذا يجب في المناظرة بين المسلمين كما يجب في المناظرة بين المسلمين والكفار أن تكون بالعدل، ومن المعلوم أن الميزان العدل في ذلك كتاب الله وسنة الرسول ﷺ ، لكن المشكل أنه ليس كل أحد يفهم الكتاب والسنة كما ينبغي، يعني من الناس من يكون ظاهريًا محضًا لا ينظر إلي مقاصد الشريعة ومعانيها العظيمة التي يقصد بها إصلاح الخلق، فتجده مثلًا يريد أن ينفذ شيئًا من المسائل التي لا تعتبر ذات شأن كبير في الإسلام وإن فات بذلك مصلحة عظيمة كبيرة، منها مسائل الخلاف التي يظهر فيها النزاع والمباينة بين المسلمين. ولهذا أمثلة كثيرة، تجد مثلًا بعض الناس يقول: لابد أن ننفذ هذا الشيء وإن كان سنة، وإن كان يلزم علي تنفيذه تفرق المسلمين وعدوانهم وحدوث البغضاء بينهم، لا ينظر إلي أن الشرع في الحقيقة مبني علي الألفة وائتلاف القلوب، فالشرع حرَّم

стр. 369

البيع علي بيع المسلم لأن ذلك يؤدي إلي العداوة والبغضاء، وحرَّم النجش، والخطبة علي خطبة أخيه، أشياء كثيرة إذا تأملتها وجدت أن هذا الشرع يرمي إلي أن يأتلف الناس وتتفق القلوب وتتحد الأهداف. وأن المسائل الجزئية إذا خيف منها فتنة تترك والحمد لله، أنت هل عليك لوم إذا تركت الأدني للأعلي؟ ليس عليك لوم بل لك مدح، اللوم أن تفعل الأدني لتفرط في الأعلي، ولهذا نعلم علم اليقين أن الصحابة أفقه منا بكثير، وأقوم منا في أعمالهم، وأشد منا حبًّا لشريعة الإسلام، ومع ذلك يتوافق بعضهم مع بعض في أمور لا يرونها ولكن من أجل المصلحة وائتلاف الناس واتفاق القلوب، ولا يخفي عليكم أن رسول الله ﷺ امتنع عن هدم الكعبة وبنائها علي قواعد إبراهيم مع أن هذا هو الذي يتمناه، وهو الذي همّ به؛ خوفًا من الفتنة؛ لأن قريشًا كانوا حديثي عهد بكفر (١). وكان ﵊ يترك ما يحب لمصلحة الناس، كان يصوم في السفر، فلما قيل: إن الناس قد شق عليهم، أفطر بعد العصر ورفع الماء وهو علي بعيره علي فخذه وشربه والناس ينظرون (٢)، لم يقل: لم يبق إلا جزء يسير من النهار فأريد أن أكمل. والصحابة ﵃ في خلافة عثمان، حيث بقي

стр. 370

- ﵁ سبع أو ثمان سنوات في خلافته يقصر الصلاة في مني وبعد مضي أكثر خلافته رأي ﵁ لسبب من الأسباب أن يتم الصلاة فأتم، فبلغ ذلك من بلغ من الصحابة فأنكروا عليه قالوا: كيف يقصر الرسول ﷺ وأبو بكر وعمر وأنت في أول خلافتك والآن تتم، حتى إن ابن مسعود ﵁ لما بلغه ذلك استرجع، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون (١)، كأنه أمر كبير، ومع ذلك يصلون خلفه، يصلون أربعًا مع اعتقادهم أنها خلاف السنة، وذلك من أجل اتحاد الكلمة وعدم التفرق، ولما سئل ابن مسعود قيل: كيف تنكر فعل عثمان وتصلي خلفه أربعًا، قال: (الخلاف شر). هذا والله هو الفقه، وهذه هي الشريعة. أما أن يتفرق الناس، ويتخاصمون، ولا يتعاملون بالعدل، ويقول كل واحد للآخر: قولي هو الحق، وقولك الخطأ، وأنت مخطئ، فهذا ليس من طريق الشرع، بل هذا خلاف الشرع، وإن زعم من تمسك به أنه علي الشرع، وأنه هو الذي يصدع بالحق، وأنه هو المعصوم، فإن دعواه هذه هي التي جعلته مخطئًا، من ادعي العصمة فأول زلل زل به ادعاؤه العصمة، وأنه هو الصواب وغيره علي خطأ. ٤ - أن جميع الرسل متفقون علي هذه الكلمة ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ لأنه ما دام أنها كلمة سواء بيننا وبينهم، معناه أنها عندهم كما هي عندنا، وهذا هو الواقع، أن جميع الرسل متفقون علي هذه الكلمة، لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا، بل إن الله تعالى قال في كتابه العظيم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ

стр. 371

وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، الخلق الذين خلقوا من آدم، ومن قبل آدم الجن، ما خلقوا إلا لهذا الأمر العظيم، لعبادة الله. لم يخلقوا ليتمتعوا في الدنيا، ولينالوا الشهوات، لا والله ولكن لعبادة الله وحده لا شريك له. ومع هذا فإنهم إذا عبدوا الله صلحت دنياهم، والغريب -لكن ابن آدم نظره قاصر- أنه إذا صلح الدين صلحت الدنيا، لكن لا يلزم من صلاح الدنيا صلاح الدين. بل إنها ربما إذا اعتني بها أكثر من الدين فسد الدين، كما قال الرسول ﵊: "والله ما الفقر أخشي عليكم وإنما أخشي عليكم أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم فتهلككم كلما أهلكتهم" (١). ٥ - أن الحكم لله بين الناس، وأنه ليس لأحد أن يشرع من دون الله؛ لقوله: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. ٦ - أن الحكم بين الناس والعبادة مقترنان؛ لأن الله قرن بينهما، ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، لأنك لن تعبد الله إلا بشريعته، إذن يلزم أن يكون المشرع هو المعبود. ما دمت تعبد الله فلن تعبده إلا بشريعته. فالمشرع هو المعبود الذي يعبد، لأنه سنَّ طريقًا أو وضع طريقًا وقال: اسلكوا هذا لتصلوا إلي، إذن كل طريق يخالفه فلن يوصل إلي الله، وهذا وجه التلازم بين قوله: (أن لا نعبد) وقوله: (ولا يتخذ)، فإن من اتخذ ربًّا من دون الله يتبعه في التحليل والتحريم فإنه لم يعبد الله؛ لأن عبادة الله لا تكون إلا بموافقة الشرع.

стр. 372

٧ - أن من دعا الناس إلى حل أو حرام، لكن بإذن الله وشرعه، فهو علي حق، تؤخذ من قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فهو لم يقل: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾ فحسب بل قال: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. فائدة: بعض الناس إذا زلَّ بعض العلماء مثلًا ووقعوا في أخطاء أخذ هؤلاء يكتبون في المجلات والصحف أخطاءهم بحجة أنهم يبينون الحق. وهذا من الغلط، والحقيقة أن هذا الفعل فيه مضرة من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أنها مضرة على الكاتب؛ لأن الذين يثقون بالشخص الآخر يرون أن هذا مخطئ ويقل وزنه عندهم. الوجه الثاني: أن فيه أيضًا إضعافًا للثاني المردود عليه، ومعلوم أنه إذا ضعفت منازل العلماء في الأمة ضاعت الأمة؛ لأن العلماء هم القادة، فإذا ضعفت منازلهم عند العامة ضاعوا وصاروا كالإبل التي ليس لها راع، أو كالغنم التي ليس لها راعٍ. الوجه الثالث: أن فيها أيضًا إضعافًا للشرع؛ لأن العالم الذي ردَّ أو المردود عليه إذا قال قولًا غير هذه المسألة شكَّ الناس فيه وقالوا: لعل هذه من خطأ فلان، فصار فيه مضرة من ثلاثة وجوه، والواجب على العلماء فيما بينهم إذا أخطأ أحدهم أن يتصلوا به فيناقشوه، فإن كان الصواب معه تبعوه، وإن كان الصواب معهم يتبعهم، ثم لو فرض أنه أصرَّ على ما هو عليه وله وجه -لأن المسألة مسألة اجتهاد- فلا أري أن يرد عليه أبدًا؛

стр. 373

لأن الرد والأخذ والمناقشة في مسائل الاجتهاد بين العامة -لا شك- أنه ضرر، خصوصًا في هذا الوقت حيث يوجد أناس يدعون إلي التقليل من شأن العلماء، والكلام فيهم في المجالس؛ لأنهم فقدوا الزعامة التي يريدونها فصاروا مثل الزعماء الآخرين الذين عارضوا دعوة الرسول ﵊ لما فقدوا الزعامة التي يريدونها، ليس لهم سبيل إلي ما يريدون إلا أن يضعفوا الجانب الآخر. وهذا علي خطر عظيم جدًا، فأنا أري أنه إذا وجد خطأ من أي عالم -والإنسان غير معصوم، فقد يخطئ ولا يتبين له الخطا إلا بالمناقشة- أن يتصل به ويبحث معه، فإن تبين الحق وجب علي من تبين له الحق أن يتبعه، وإن لم يتبين وصارت المسألة فيها مساغ للاجتهاد فالواجب عَدم الرَّدِّ عليه. ٨ - أنه إذا تولي الخصم بعد إقامة الحجة عليه فإنه يعلن له بالبراءة منه، والتزام الحق؛ لقوله: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. ٩ - أنه ينبغي للمسلم أن يعتز بدينه، وأن يعلنه، ويشهره، خلافًا للضعفاء الذين عندهم ضعف في الشخصية، وقلة الدين، الذين يتسترون بدينهم مخافة أن يعيروا به، حتى إن بعضهم كما قيل لي يخجل أن يصلي بين الناس، يقول: أخشي أن أنسب إلي الدين، والعياذ بالله. وهذا يدل علي قلة الإيمان، وعلي ضعف الشخصية، وأن الإنسان ليس عنده رصيد يفتخر به ويعتز به. ١٠ - إشهاد الخصم علي الحال التي يكون عليها خصمه؛ لقوله: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. لما في ذلك من الغضاضة عليه، وكسر جبروته، وعدم انقياده للحق.

стр. 374

• ثم قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥]. الظاهر أن هذه الآية منفصلة عما قبلها يقول الله : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ويعني بهم اليهود والنصاري. ووصفوا وحْدَهم بذلك لأنهم هم الذين بقيت كتبهم قائمة يهتدي بها إلي أن بعث النبي ﷺ . قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾، الاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ. فقولُه: ﴿لِمَ﴾ "ما" اسم استفهام مجرور باللام، و"ما" الاستفهامية إذا جرت بالحرف فإنها تحذف ألفها كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١]، ومنه قولهم: [علام تفعل؟ ]، فهذه أيضًا ليس فيها ألف وتغيرت (عَلَي) من أجلها؛ لأن علي تكتب ألفها ياءً لكنها إذا دخلت علي (ما) الاستفهامية كتبت ألفها ألفًا. علامَ مثل (علّام). قوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ﴾ أي: تخاصمون، وسميت المخاصمة محاجة؛ لأن كل واحد من المتخاصمين يدلي بحجته يريد أن يخصم صاحبه. وقوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: في شأنه، وفي حاله، وفي دينه. وليس المراد في ذاته؛ لأن إبراهيم ﵊ بشر متفق عليه، ولا محاجة فيه، لكن المحاجة في شأنه وحاله (لم تحاجون فيه)، وكيفية هذه المحاجة اختلف فيها أهل العلم علي قولين: القول الأول: ادعاؤهم أنهم على ملة إبراهيم. اليهود يقولون: نحن علي ملة إبراهيم، والنصاري يقولون: نحن علي ملة إبراهيم.

стр. 375

القول الثاني: أن اليهود يقولون: إن إبراهيم يهودي علي دين اليهود، والنصاري يقولون: إن إبراهيم نصراني علي دين النصاري. وهذا الوجه عكس الوجه الذي قبله؛ لأن الوجه الذي قبله يدعون فيه أنهم علي دين إبراهيم، وفي هذا الوجه يدَّعون أن إبراهيم علي دينهم. كيف تحاجون فيه وتقولون إن إبراهيم علي ديننا أو تقولون إنكم علي دين إبراهيم، كيف المحاجة وكيف يكون إبراهيم علي دينكم والتوراة لم تنزل بعد أيها اليهود؟ ! وكيف يكون إبراهيم علي دينكم والإنجيل لم ينزل بعد أيها النصاري؟ ! أو تقولون إنكم علي دينه وأنتم علي الإنجيل والإنجيل ليس هو دين إبراهيم، أو علي دين التوراة والتوراة ليست هي دين إبراهيم؟ . إبراهيم له شرعة خاصة: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، فكيف تحاجون في هذا؟ ! تدعون أن إبراهيم علي التوراة أو علي الإنجيل، أو تدعون أنكم أيها المتمسكون بالتوراة أو المتمسكون بالإنجيل علي دين إبراهيم مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده، هذا هوس وسخافة كيف يكون إبراهيم علي دين كتاب لم ينزل بعد، التوراة نزلت على موسى، والإنجيل نزل على عيسى، وهما بعد إبراهيم بأزمنة كثيرة، فكيف يكون إبراهيم علي هذا؟ ولهذا قال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (١)؟ والاستفهام هنا للتوبيخ يعني أفلا

стр. 376

يكون لكم عقول تعقلون بها ما تقولون؟ وهذا فيه غاية اللوم والتوبيخ. وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ المراد بالعقل هنا عقل الرشد وليس عقل الإدراك؛ لأن هؤلاء عندهم عقل إدراك، والفرق بينهما أن عقل الإدراك مناط التكليف، وعقل الرشد مناط التصرف، يعني أن عقل الرشد يكون به حسن التصرف من العاقل، وعقل الإدراك يكون به توجيه التكليف إلي العقل، ولهذا يقال للرجل العاقل الذكي إذا أساء في تصرفه، يقال: هذا مجنون، هذا غير عاقل مع أنه من حيث عقل الإدراك عاقل. المنفي هنا في حق هؤلاء عقل الرشد، أي أفلا يكون لكم عقل ترشدون به. من فوائد الآية الكريمة: ١ - توبيخ أهل الكتاب بكونهم يحاجون ويجادلون في إبراهيم ﵊. ٢ - علو شأن إبراهيم ومنزلته بين جميع الطوائف .. اليهود والنصاري والمسلمين. ٣ - بيان الاحتجاج بالعقل؛ لقوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾، فكيف تحاجون به مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده. وهذا خلاف العقل. ويتفرع علي هذه الفائدة:

стр. 377

٤ - أنه لا ينبغي إهمال العقل في الاستدلال، كما لا ينبغي الاعتماد عليه وترك النص. فالناس في الاستدلال بالعقل طرفان ووسط: طرف غَلا فيه حتى قدَّمه على السمع، وذلك بالنسبة للفقهاء من أصحاب الرأي والقياسيين الذين يعتمدون على الرأي وإن خالف النص .. وفي باب العقائد جميع أهل البدع يعتمدون علي العقل ويدعون السمع. مع أن العقل الذي يعتمدون عليه ليس إلا شبهات، وليس براهين ودلالات. لكنهم ينظرون أن العقل يقتضي كذا فيثبتونه، ويقتضي نفي كذا فينفونه، ولا يرجعون في هذا إلي السمع، ومن ذلك الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم. كل من نفي صفة أثبتها الله لنفسه بشبهة عقلية فإنه داخل فيمن يغالي في الاستدلال بالعقل .. الطرف الثاني: من أنكر الاعتماد علي العقل بالكلية، وقال: ليس للعقل مدخل في إثبات أي حكم أو أي خبر. فأنكروا القياس. وهذا مثل أهل الظاهر، أنكروا نهائيًا، وقالوا: لا يمكن أن نرجع للعقل في شيء .. ومن الناس من هم وسط: رجعوا إلى العقل فيما لا يخالف الشرع؛ لأن العقل إذا لم يخالف الشرع فإن الله تعالى يحيل عليه في مسائل كثيرة مثل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]، ومثل هذه الآية: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، واستدلال الله تعالى على إحياء الموتي بإحياء الأرض بعد موتها استدلال عقلي حسي، فهو حسي لأنه مشاهد، وهو عقلي لأنه يستدل به علي نظيره الذي لا يخالفه تمامًا.

стр. 378

فالحاصل أن في هذه الآية اعتبار العقل دليلًا؛ ولكن بشرط أن لا يخالف الشرع، فإن خالف الشرع فالأصح أن نقول: إنه ليس بعقل؛ لأن صحيح المنقول لا يعارض صريح المعقول أبدًا. لكن إذا ظن أن العقل يخالفه فإما أن تكون لا مخالفة، وإما أن يكون السمع غير ثابت، وإما أن يكون العقل غير صحيح، ملوث بالشبهات والشهوات. ٥ - إثبات أن التوراة والإنجيل منزلة من عند الله؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾، فإن قال قائل: كيف تستدلون بهذه الآية علي أن التوراة والإنجيل منزل من عند الله؟ مع أن الفعل هنا ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ﴾، يعني كيف يستقيم الاستدلال بهذه الآية علي أن التوراة والإنجيل نازلة من عند الله مع أن الفعل مبني للمجهول؟ . الجواب: أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، وفي هذه السورة نفسها، وفي أولها ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣] فالمنزل للتوراة والإنجيل هو الله، وحينئذٍ نقول: بني الفعل للمجهول للعلم بالمنزل وهو الله، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] الخالق هو الله لكن حذف للعلم به، ولكن لما كان الضعف صفة نقص بني الفعل هنا للمجهول كما بني للمجهول في قوله: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] الشر لم يضيفوه إلي الله مباشرة قال: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾، والرشد أضافوه إلي الله مباشرة ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. ٦ - إثبات علو الله؛ لأن النزول لا يكون إلا من أعلي.

стр. 379

ولا شك أن التوراة منزلة من عند الله، لكن الله كتب التوراة. ولهذا قال بعض أهل العلم: لا نستطيع أن نثبت بأن التوراة من كلام الله، لكن الله كتبها بلا شك، وهي نازلة من عنده، أما الإنجيل فهو كالقرآن، ليس فيه أن الله تعالى كتبه، وإنما قال أنزله وهو كلام فيكون كلامه. أما التوراة فقد قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]. ٧ - النداء على بني إسرائيل بالسفه، وأن تصرفاتهم كما هي مخالفة للمنقول فهي مخالفة للمعقول. ومن أراد أن يعرف سفاهة هؤلاء القوم فليرجع إلى كتاب [إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان] لابن القيم ﵀، ذكر أشياء عجيبة من سفه الأمة الغضبية والأمة الضالة. الأمة الغضبية هم اليهود، والأمة الضالة هم النصارى. ولو لم يكن إلا أن الله تعالى نعي عليهم عقولهم في هذه الآية، وفي آية: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]، فاليهود أمة غضبية جاهلية في أبعد ما يكون عن الرشد. ٨ - الإشادة بالعقل، وأن العقل لا يحمل صاحبه إلا علي السداد والصواب؛ لقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والمراد بالعقل هنا عقل الرشد يعني عقل التصرف الذي به الرشد، لا عقل الإدراك الذي هو مناط التكليف؛ لأن هؤلاء اليهود والنصاري عندهم عقل، العقل الذي هو عقل الإدراك الذي هو مناط التكليف، هذا ثابت عند اليهود والنصاري، ولولا ذلك ما كلفوا.

стр. 380

• ثم قال تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦]. قوله: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ الهاء للتنبيه، وأنتم ضمير منفصل مبتدأ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ الهاء للتنبيه، و (أولاء) منادي، والتقدير: هأنتم يا هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم. ونقول في قوله: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ﴾ ما قلناه في قوله: (لم تحاجون) من حيث الإعراب. ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أولًا التنبيه هنا حسن، وذلك لأنه يخاطب قومًا لمزهم بعدم العقل، والذي ليس عنده عقل ينبغي أن يصدر الخطاب له بما يقتضي تنبيهه لأنه غافل، والغافل يتصرف تصرف مجنون فاحتيج إلي أن ينبه، فلذلك أتي بهاء التنبيه. إذن المشار إليه قريب ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ ومع قربهم أتي (بهاء) التنبيه للدلالة علي بلادتهم، فإنهم مع قربهم وقرب الإشارة إليهم علي بلادة عظيمة يحتاجون إلي تنبيه. ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ﴾. يعني خاصمتم غيركم فيما لكم به علم، وهو التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصاري، يعني أنكم إذا حاججتم في التوراة والإنجيل وكانت المحاجة في التوراة من اليهود وفي الإنجيل من النصاري فهذه محاجة فيما فيه علم لكم، لكن لم تحاجون فيما ليس لكم به علم؟ وهو إبراهيم وما هو عليه من الدين. وقيل: المراد بقوله: ﴿حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، أي: في دين الإسلام، يعني حاججتم فيه وخاصمتم، تقولون: ليس

стр. 381

علي دين إبراهيم، دين إبراهيم دين اليهود والنصاري، وأنتم تعلمون أن الإسلام دين الله الحق؛ لأن اليهود والنصاري يعلمون أن دين محمد ﷺ هو الدين الحق، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، فصارت المحاجة الآن إما في الكتابين وإما في دين الإسلام وما جاء به الرسول ﵊ ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ والمحاجة التي يراد بها إثبات الباطل وإبطال الحق مذمومة، حتى وإن كانت عن علم، بل هي إن كانت عن علم أشد ذمًا، فكيف تحاجون فيما ليس لكم به علم وهو إبراهيم ﵊؟ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. والله يعلم الأمر علي ما هو عليه في شأن إبراهيم، وفي شأن محمد ﷺ ، وفي شأن موسي وعيسي، وأنتم لا تعلمون ما يعلمه الله تعالى من هذا وغيره. ولكن نفي العلم عنهم هنا ليس رفعًا للإثم عنهم، ولكنه إيذان بجهلهم وجهالتهم، وأن تصرفهم كتصرف الجاهل. فهو في الأول قال: لا تعقلون، وفي الثاني قال: لا تعلمون، فجمعوا بين السفه في الرأي والتدبير، وبين الجهل في العلم والتصور، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. من فوائد الآية الكريمة: ١ - التنزل مع الخصم يعني لو فرضنا أن المحاجة قبلت منكم فيما لكم به علم، فإنها لا تقبل منكم فيما ليس لكم به علم. ٢ - ذم المحاجة بغير علم؛ لقوله: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ

стр. 382

لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ وما أكثر هذا الواقع المؤسف المر في زمننا هذا، كثير من الناس اليوم يحاجون فيما ليس لهم به علم، بل بما تقتضيه عقولهم القاصرة، فيقول مثلًا: لم صار كذا؟ ولم صار كذا؟ لماذا كان هذا حرامًا وكان هذا حلالًا؟ لماذا كان هذا واجبًا وكان هذا غير واجب؟ وما أشبه ذلك، فيحاجون فيما ليس لهم به علم. وكثير من العامة الذين عندهم لَسَن وبيان، -وإن من البيان لسحرًا- يجادل طالب العلم في أمر لا يعلمه هو، بل مجرد مجادلة ومراء. ٣ - إقرار الإنسان على المحاجة بالعلم، ولكن بشرط أن يكون قصده حسنًا، بحيث يريد من المجادلة الوصول إلي الحق، فيثبت الحق ويبطل الباطل. أما الذي يجادل ولو فيما له فيه علم إذا كان قصده إبطال الحق وإثبات الباطل فلا شك أنه مذموم ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦]. ٤ - إثبات العلم لله ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ٥ - أن المحاج فيما ليس له به علمٍ ليس عنده علم؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ بل ليس عنده عقل أيضًا؛ لأن المحاجة فرع من العلم، فمن حاج بغير علم فلا عقل له كما أنه لا علم عنده. ٦ - إثبات علم الله في الحاضر؛ لأن قوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ فعل مضارع. والأصل في المضارع أنه موضوع للحاضر والمستقبل وربما يتمحض للماضي وربما يتمحض للمستقبل. فيتمحض للماضي إذا دخلت عليه (لَمْ). ويتمحض للمستقبل مع السين

стр. 383

وسوف. وإذا خلا فهو صالح للحاضر والمستقبل. فهنا يقول: ﴿يَعْلَمُ﴾ يعني أن علمه مستمر دائمًا. * * * • ثم ذكر الله حال إبراهيم ذكرًا صادرًا عن علم، لا عن جهل، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]. يعني ليس على ملتكم أيها اليهود ولا علي ملتكم أيها النصاري. وهذا علي قول من يقول: إن محاجتهم في إبراهيم أن اليهود يقولون: هو منا، والنصاري يقولون: هو منا، فنفي الله ذلك. وعلي القول الثاني يعني ما كان إبراهيم علي ما أنتم عليه من التعصب والتمسك بدينكم وإن كان منسوخًا باطلًا بدين الإسلام ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾، فلو أن إبراهيم كان حيًّا لاتبع محمدًا ﷺ ، ولم يكن كحالكم يبقي علي ما هو عليه في دينه، كما بقيتم أنتم. فالآية تحتمل الوجهين بناءً علي القولين السابقين، أي ما كان إبراهيم يسير سير اليهود فيتعصب، أو يسير سير النصاري فيتعصب، وليس المعني علي القول الثاني، أنه ما كان يهوديًا أي علي دين اليهود، أو علي دين النصاري، بل ما كان علي طريقتهم في التعصب لما هم عليه، وإن تبين أن الحق في خلافه، ولكن كان حنيفًا مسلمًا ﵊. ﴿حَنِيفًا﴾ أي مائلًا عن الشرك؛ لأن الحنف في الأصل الميل فهو مائل عن الشرك، مثبت للتوحيد، ولهذا قال: ﴿مُسْلِمًا﴾ فهو جامع ﵊ بين البراءة من الشرك

стр. 384

براءة كاملة، وبين تحقيق الإسلام تحقيقًا كاملًا. وقوله: ﴿مُسْلِمًا﴾ يعني: مسلمًا لله ظاهرًا وباطنًا، فيشمل الإسلام الذي هو عمل بالجوارح والإيمان الذي هو اعتقاد القلوب وأعمال القلوب. وهذه قاعدة مهمة وهي أنه إذا أطلق الإسلام وأفرد شمل الإيمان، وإذا أطلق الإيمان وأفرد شمل الإسلام .. وإذا اقترنا صار الإسلام في الظاهر، والإيمان في الباطن. وهذه هي قاعدة أهل السنة والجماعة، وعليها يدل الكتاب والسنة، فقد وصف النبي ﷺ الإيمان لوفد عبد قيس بالإسلام بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة (١). ووصف الله الصلاة بالإيمان في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: صلاتكم إلي بيت المقدس. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وهو يشمل كل الدين؛ الإيمان وأفعال الجوارح. فمسلمًا هنا: مسلمًا لله ظاهرًا وباطنًا، فيشمل الإيمان والإسلام: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هذا تأكيد لقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ وإن كانت معطوفة بالواو، ولكنها في المعني مؤكدة لما سبق. يعني ما كان من الذين يشركون بالله، لا شركًا خفيًا ولا شركًا ظاهرًا، بل كان يحارب الشرك، وصبر علي الدعوة إلي التوحيد، إلي أن ألقي في النار ﵊. ولكن كان جزاؤه علي ذلك أن قيل للنار: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩].

стр. 385

من فوائد الآية الكريمة: ١ - تبرئة إبراهيم من دين اليهود والنصاري، أو من طريق اليهود والنصاري. فقد ذكرنا أن الآية لها معنيان؛ فإبراهيم ﵊ ليس يتدين بدين اليهود؛ لأن دين اليهود من بعده. ولا بدين النصاري؛ لأن دين النصاري من بعده. كذلك أيضًا إبراهيم ﵊ ليس كالنصاري واليهود يتعصبون لما هم عليه بحق أو بباطل، بل كان حنيفًا مسلمًا، منقادًا لأمر الله، يأتمر بأمر الله، وينتهي بنهي الله. ٢ - أنه ينبغي لمن لم يتصف بوصف أن يُبيِّن براءته منه، ولو كان هذا الوصف في أصله محمودًا. لكن إذا كان لم يتصف به فالواجب أن يُبَيَّن؛ لأن الله نفي أن يكون إبراهيم يهوديًا أو نصرانيًا. مع أن اليهودية بعد بعثة موسي والنصرانية بعد بعثة عيسي كانتا حقًّا قبل أن تنسخا. ٣ - الثناء علي إبراهيم؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وجه الثناء عليه: بأنه وصفه بالتوحيد الخالص الذي لا يشوبه أي نوع من الشرك. ٤ - الإشارة إلي ما اشتهر عند الناس من أن (التخلية قبل التحلية). يعني البداءة بالنفي قبل الإثبات؛ لأن النفي تخلية والإثبات تحلية. فهنا بدأ بالنفي وهو ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ ثم أثبت بقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ والظاهر أن هذا الترتيب موافق للطبيعة؛ لأنك تخلي الشيء مما يشينه أولًا، ثم تضيف ما يكون به الكمال ثانيًا، وفي حديث الاستفتاح: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق

стр. 386

والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد" (١) فالمباعدة أن لا أمارس الذنوب والخطايا، والتنقية أن تزال، أن يزال هذا الأذي، والغسل أن يطهر وينظف. وأضرب مثلًا يتبين به المعني: إنسان معه أذي يريد أن يضعه علي بساط الصلاة فأقول: لا تضعه. هذه مباعدة. وآخر جاء به فوضعه فقلت: انزعه. هذه تنقية. المرتبة الثالثة: لما نزعه قد يكون في مكانه أثر أقول: اغسله. ٥ - أنه لابد في التوحيد من شيئين: نفي وإثبات، النفي في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾ والإثبات في قوله: ﴿مُسْلِمًا﴾ لأن الحنيف هو المائل عن الشرك وعن كل دين يخالف الإسلام. والإسلام هو إثبات الاستسلام لله ، وأكد ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، والتوحيد لا يتم إلا بإثبات ونفي .. والتعليل ظاهر جدًّا؛ لأن النفي تعطيل، والإثبات بدون نفي لا يمنع المشاركة، والجمع بينهما إثبات مع نفي المشاركة. نضرب مثلًا: إذا قلت: ليس هنا أحد قائم، هذا نفي، هذا تعطيل. يعني صفة القيام الآن معطلة لم يتصف بها أحد. وإذا قلت: زيد قائم، هذا إثبات أن زيدًا قائم، فأثبت القيام الآن لواحد من الناس. لكن هل هذه العبارة تمنع أن يكون غير زيد قائمًا؟ الجواب: لا تمنع، قد يكون واحد آخر غير زيد قائمًا. ولهذا إذا قلت أنا:

стр. 387

زيد قائم. فقلت أنت: وعمرو قائم، لا يعتبر قولك هذا ردًّا علي كلامي. بل إضافة إلي الكلام. فإذا قلت: لا قائم إلا زيد. هذا فيه نفي وإثبات. حينئذٍ حصل التوحيد. صار المتفرد بالقيام زيدٌ. فتبين أنه لا توحيد إلا بنفي وإثبات. ولهذا قال الله عن وصف إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ٦ - أن الإسلام إذا أطلق أو أفرد دخل فيه الإيمان. وجهه أن الله وصف إبراهيم بالإسلام، وهو كذلك. فالإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، والإيمان إذا أفرد دخل فيه الإسلام، وإذا اقترنا افترقا صار الإسلام علانية والإيمان في القلب .. ففي حديث جبريل (١) اجتمعا فافترقا .. ولهذا فسر النبي ﷺ الإسلام بشيء وفسر الإيمان بشيء آخر .. وفي قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، اجتمعا فافترقا .. فصار الإيمان الذي ادعوه غير الإسلام الذي أثبته الله لهم قال: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، وفي قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] اجتمعا فافترقا. الإخراج لم يكن إلا للمؤمنين، لوط وأهله إلا زوجته. فصار الذين أخرجوا هم المؤمنين الخلص. البيت يشتمل علي أهله الذين آمنوا إيمانًا خالصًا وعلي امرأته التي خانته فهي مسلمة، وليست مؤمنة. فالبيت كله باعتبار الكل مسلم. ولهذا قال: ﴿فَمَا

стр. 388

وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وأما من زعم أن الإسلام هو الإيمان، واستدل بالآية فقد أبعد النجعة للفرق بين التعبيرين ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل: من المسلمين .. قال: من المؤمنين ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. فالإسلام الذي هنا في الآية الكريمة: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ يشمل الإيمان؛ لأنه أفرد. ٧ - الثناء علي إبراهيم ﵊ بأنه لم يكن فيه صفة من صفات المشركين ولهذا قال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ولم يقل: لم يكن مشركًا. فليس فيه صفة من صفات المشركين أبدًا، لا الشرك ولا غيره. وهكذا ينبغي لكل مؤمن أن لا يتصف بأي صفة من صفات المشركين. فمثلًا من صفات المشركين كراهتهم للتوحيد، وينكرونه ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] فمن كره التوحيد وإن لم يكن مشركًا ففيه من صفات المشركين، بل قد يكون كافرًا. * * * • ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَي النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]. هذا حكم بين هؤلاء الخصوم. الخصوم ثلاثة: اليهود، والنصاري، والمسلمون. من الحكم العدل ﴿إِنَّ أَوْلَي النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، قدم هنا ما كان ينبغي أن يكون خبرًا وجعله هو المبتدأ الذي هو ركن الجملة الذي يسند إليه الخبر، فقال ﴿إِنَّ أَوْلَي النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ ولم يقل: إن الذين اتبعوه أولي به؛ لأجل أن يحكم بأن الأولوية لهؤلاء لا لغيرهم ﴿أَوْلَي

стр. 389

النَّاسِ﴾ من اليهود، والنصاري، والمشركين، وأصحاب الأوثان، وغيرهم للذين اتبعوه. فتكون الجملة مؤكدة بمؤكدين بإن واللام. قال: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. للذين اتبعوه من بني إسرائيل ممن سبق النبي ﷺ . ولا شك أنه تبعه كثير من المؤمنين الذين آمنوا به في حياته، والذين اتبعوا طريقته بعد مماته. ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ المشار إليه محمد ﵊، وكفي به فخرًا أن يشير إليه رب العالمين، هذا شرف عظيم لرسول الله ﷺ أن يكون الله يشير إليه بهذه الإشارة المفيدة للقرب، ولم يقل: وذلك النبي، بل قال: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ إشارة إلي قربه لأنه ﷺ أقرب الناس منزلة إلي الله : ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ فيها قراءة النبيء أيضًا .. وعلي هذه القراءة النبيء مشتق من النبأ، فهو فعيل بمعني فاعل وبمعني مفعول .. بمعني فاعل لأنه مُنبِئ مُخْبِر، وبمعني فعيل لأنه مُخْبَر، ولهذا قال ابن مسعود ﵁ -في وصف الرسول-: [وهو الصادق المصدوق] (١) .. فهو فعيل بمعني مفعول، وفعيل بمعني مُفْعِل، وقد جاءت في القرآن، والقرآن حجة، وإذا أردت أن نأتي بحجة من كلام العرب فاسمع إلي قول الشاعر: أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع

стр. 390

السميع بمعني المُسْمِع .. فهذه سميع بمعني مُسْمِع في لغة العرب، علي أننا في الحقيقة لا نحتاج إلي استشهاد للقرآن لإثبات أن هذا لغة بل القرآن يُستشهد به، ولا يستشهد عليه، لكن من المعلوم أنه كلما زادت البينات ازداد الإنسان طمأنينة .. أما علي قراءة النبي بدون همزة ففيها وجهان: الوجه الأول: أنها مسهلة من النبيء بالهمز يعني أن الهمزة جعلت ياءً للتسهيل. وهذا موجود في اللغة العربية. "أئمة" يقال فيها في اللغة العربية: أيمة .. وعلي هذا الوجه يكون النبي في النبأ. الوجه الثاني: إن الياء أصلية وليست مسهلة من النبيء، وعلي هذا فيكون مشتقًا من النَّبْوَة .. وهي الشيء المرتفع الناتئ. يقال: نبا ينبو. يعني ارتفع. وذلك لارتفاع مرتبة النبي، لأن الرسل ومنهم خاتم الرسل محمد ﷺ أرفع الناس قدرًا عند الله، ولهذا بدأ الله بهم في صدر من أنعم عليهم ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ٦٩] .. والقول الراجح أنه إذا احتمل اللفظ معنيين بدون تضاد حمل عليهما؛ لأن ذلك أوثق في المعني. أما مع التضاد فإنه ينظر للراجح ويحمل عليه. لكن مع إمكان الجمع يجب أن يحمل علي المعنيين جميعًا. فإذا قال قائل: هذا استعمال لمشترك في معنييه (١).
следующие страницы →