والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد" (١) فالمباعدة أن لا أمارس الذنوب والخطايا، والتنقية أن تزال، أن يزال هذا الأذي، والغسل أن يطهر وينظف. وأضرب مثلًا يتبين به المعني: إنسان معه أذي يريد أن يضعه علي بساط الصلاة فأقول: لا تضعه. هذه مباعدة. وآخر جاء به فوضعه فقلت: انزعه. هذه تنقية. المرتبة الثالثة: لما نزعه قد يكون في مكانه أثر أقول: اغسله.
٥ - أنه لابد في التوحيد من شيئين: نفي وإثبات، النفي في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾ والإثبات في قوله: ﴿مُسْلِمًا﴾ لأن الحنيف هو المائل عن الشرك وعن كل دين يخالف الإسلام. والإسلام هو إثبات الاستسلام لله ، وأكد ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، والتوحيد لا يتم إلا بإثبات ونفي .. والتعليل ظاهر جدًّا؛ لأن النفي تعطيل، والإثبات بدون نفي لا يمنع المشاركة، والجمع بينهما إثبات مع نفي المشاركة. نضرب مثلًا: إذا قلت: ليس هنا أحد قائم، هذا نفي، هذا تعطيل. يعني صفة القيام الآن معطلة لم يتصف بها أحد. وإذا قلت: زيد قائم، هذا إثبات أن زيدًا قائم، فأثبت القيام الآن لواحد من الناس. لكن هل هذه العبارة تمنع أن يكون غير زيد قائمًا؟ الجواب: لا تمنع، قد يكون واحد آخر غير زيد قائمًا. ولهذا إذا قلت أنا:
стр. 387
زيد قائم. فقلت أنت: وعمرو قائم، لا يعتبر قولك هذا ردًّا علي كلامي. بل إضافة إلي الكلام.
فإذا قلت: لا قائم إلا زيد. هذا فيه نفي وإثبات. حينئذٍ حصل التوحيد. صار المتفرد بالقيام زيدٌ. فتبين أنه لا توحيد إلا بنفي وإثبات. ولهذا قال الله عن وصف إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
٦ - أن الإسلام إذا أطلق أو أفرد دخل فيه الإيمان. وجهه أن الله وصف إبراهيم بالإسلام، وهو كذلك. فالإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، والإيمان إذا أفرد دخل فيه الإسلام، وإذا اقترنا افترقا صار الإسلام علانية والإيمان في القلب .. ففي حديث جبريل (١) اجتمعا فافترقا .. ولهذا فسر النبي ﷺ الإسلام بشيء وفسر الإيمان بشيء آخر .. وفي قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، اجتمعا فافترقا .. فصار الإيمان الذي ادعوه غير الإسلام الذي أثبته الله لهم قال: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، وفي قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] اجتمعا فافترقا. الإخراج لم يكن إلا للمؤمنين، لوط وأهله إلا زوجته. فصار الذين أخرجوا هم المؤمنين الخلص. البيت يشتمل علي أهله الذين آمنوا إيمانًا خالصًا وعلي امرأته التي خانته فهي مسلمة، وليست مؤمنة. فالبيت كله باعتبار الكل مسلم. ولهذا قال: ﴿فَمَا
стр. 388
وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وأما من زعم أن الإسلام هو الإيمان، واستدل بالآية فقد أبعد النجعة للفرق بين التعبيرين ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل: من المسلمين .. قال: من المؤمنين ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. فالإسلام الذي هنا في الآية الكريمة: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ يشمل الإيمان؛ لأنه أفرد.
٧ - الثناء علي إبراهيم ﵊ بأنه لم يكن فيه صفة من صفات المشركين ولهذا قال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ولم يقل: لم يكن مشركًا. فليس فيه صفة من صفات المشركين أبدًا، لا الشرك ولا غيره. وهكذا ينبغي لكل مؤمن أن لا يتصف بأي صفة من صفات المشركين. فمثلًا من صفات المشركين كراهتهم للتوحيد، وينكرونه ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] فمن كره التوحيد وإن لم يكن مشركًا ففيه من صفات المشركين، بل قد يكون كافرًا.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَي النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨].
هذا حكم بين هؤلاء الخصوم. الخصوم ثلاثة: اليهود، والنصاري، والمسلمون. من الحكم العدل ﴿إِنَّ أَوْلَي النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾، قدم هنا ما كان ينبغي أن يكون خبرًا وجعله هو المبتدأ الذي هو ركن الجملة الذي يسند إليه الخبر، فقال ﴿إِنَّ أَوْلَي النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ ولم يقل: إن الذين اتبعوه أولي به؛ لأجل أن يحكم بأن الأولوية لهؤلاء لا لغيرهم ﴿أَوْلَي
стр. 389
النَّاسِ﴾ من اليهود، والنصاري، والمشركين، وأصحاب الأوثان، وغيرهم للذين اتبعوه.
فتكون الجملة مؤكدة بمؤكدين بإن واللام.
قال: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾.
للذين اتبعوه من بني إسرائيل ممن سبق النبي ﷺ . ولا شك أنه تبعه كثير من المؤمنين الذين آمنوا به في حياته، والذين اتبعوا طريقته بعد مماته.
﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ المشار إليه محمد ﵊، وكفي به فخرًا أن يشير إليه رب العالمين، هذا شرف عظيم لرسول الله ﷺ أن يكون الله يشير إليه بهذه الإشارة المفيدة للقرب، ولم يقل: وذلك النبي، بل قال: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ إشارة إلي قربه لأنه ﷺ أقرب الناس منزلة إلي الله : ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ فيها قراءة النبيء أيضًا .. وعلي هذه القراءة النبيء مشتق من النبأ، فهو فعيل بمعني فاعل وبمعني مفعول .. بمعني فاعل لأنه مُنبِئ مُخْبِر، وبمعني فعيل لأنه مُخْبَر، ولهذا قال ابن مسعود ﵁ -في وصف الرسول-: [وهو الصادق المصدوق] (١) .. فهو فعيل بمعني مفعول، وفعيل بمعني مُفْعِل، وقد جاءت في القرآن، والقرآن حجة، وإذا أردت أن نأتي بحجة من كلام العرب فاسمع إلي قول الشاعر:
أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع
стр. 390
السميع بمعني المُسْمِع .. فهذه سميع بمعني مُسْمِع في لغة العرب، علي أننا في الحقيقة لا نحتاج إلي استشهاد للقرآن لإثبات أن هذا لغة بل القرآن يُستشهد به، ولا يستشهد عليه، لكن من المعلوم أنه كلما زادت البينات ازداد الإنسان طمأنينة .. أما علي قراءة النبي بدون همزة ففيها وجهان:
الوجه الأول: أنها مسهلة من النبيء بالهمز يعني أن الهمزة جعلت ياءً للتسهيل. وهذا موجود في اللغة العربية. "أئمة" يقال فيها في اللغة العربية: أيمة .. وعلي هذا الوجه يكون النبي في النبأ.
الوجه الثاني: إن الياء أصلية وليست مسهلة من النبيء، وعلي هذا فيكون مشتقًا من النَّبْوَة .. وهي الشيء المرتفع الناتئ. يقال: نبا ينبو. يعني ارتفع. وذلك لارتفاع مرتبة النبي، لأن الرسل ومنهم خاتم الرسل محمد ﷺ أرفع الناس قدرًا عند الله، ولهذا بدأ الله بهم في صدر من أنعم عليهم ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ٦٩] .. والقول الراجح أنه إذا احتمل اللفظ معنيين بدون تضاد حمل عليهما؛ لأن ذلك أوثق في المعني. أما مع التضاد فإنه ينظر للراجح ويحمل عليه. لكن مع إمكان الجمع يجب أن يحمل علي المعنيين جميعًا.
فإذا قال قائل: هذا استعمال لمشترك في معنييه (١).
стр. 391
يقول بعض العلماء: إن المشترك لا يمكن أن يحمل علي معنييه؛ لأن كل معني منهما يضاد الآخر. ولكن الصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم أنه يجوز أن يحمل علي معنييه بشرط عدم التعارض. فإن تعارض وجب طلب المرجح.
قوله: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ معطوف علي قوله: ﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ فهو في محل رفع بل هو مرفوع .. النبي بدل من اسم الإشارة، واسم الإشارة كما نعلم مبني علي السكون. قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ آمنوا بهذا النبي. والإيمان بالنبي ﷺ يتضمن الإيمان بكل شريعته. وهذا الإيمان أيضًا يستلزم القبول والإذعان. أن يقبل ما جاء به النبي ﷺ وأن يذعن له.
ثم قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ولي كل مؤمن من هؤلاء وغيرهم، كل مؤمن فالله وليه. كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وهذه الولاية ولاية خاصة تقتضي أن ييسر المؤمن لليسري، ويجنب العسري. وهناك ولاية عامة شاملة لكل أحد. فالله تعالى ولي كل أحد ولهذا قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦١ , ٦٢]، فجعل الله تعالى مولي لهولاء وهم كفار لكن هذا بالولاية العامة، والولاية العامة هي ولاية التصرف .. التصرف في الكون والتدبير، والولاية الخاصة ولاية العناية بالمولي، وعليه فإن الله تعالى يعتني به فييسره لليسري ويجنبه العسري.
стр. 392
من فوائد الآية الكريمة:
١ - في الآية دليل علي أن الأولويات تختلف، أي أن الناس يتفاضلون بالأولوية والولاية؛ لقوله: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾ و ﴿أَوْلَى﴾ اسم تفضيل، والتفضيل يدل علي المفضل والمفضل عليه. ولا شك أن الولاية درجات .. فأحق الناس بالولاية لإبراهيم من اتبعه، يعني القوم الذي اتبعوه في عهده؛ لأن القوم الذين اتبعوه في عهده اتبعوه في أصل الدين، وفي فروع الدين، يعني في جليل الدين ودقيقه. ولهذا قدم الذين اتبعوه علي النبي والذين آمنوا؛ لأن النبي ﷺ والذين آمنوا لم يتبعوا إبراهيم في فروع الشريعة بل ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] لكن اتبعوه في أصل الدين والاستسلام لله . وإلا فلا شك أن النبي محمدًا ﷺ أفضل من الذين اتبعوا إبراهيم، بل وأتباع الرسول أفضل من أتباع إبراهيم.
٢ - شرف النبي ﷺ ومن آمن معه، لكونهم أولي الناس بإبراهيم الذي تتنازعه الأمم، كل أمة تقول أنا أولي به.
٣ - الرد علي اليهود والنصاري حيث ادعوا أنهم أولي الناس بإبراهيم فكذبهم الله.
٤ - تشريف النبي ﷺ بالإشارة إليه من رب العالمين في قوله: ﴿وَهَذَا اَلنَّبيُّ﴾.
٥ - إثبات نبوة الرسول ﷺ . وهذا أمر لا شك فيه، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فهو رسول. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]،
ثم قال في هؤلاء النبيين: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾
стр. 393
[النساء: ١٦٥]، فكل من وصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول بدليل آية النساء ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥].
٦ - إثبات ولاية الله للمؤمنين في قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذه الولاية كما قلنا آنفًا ولاية خاصة تقتضي عناية تامة.
٧ - كل من كان أكمل إيمانًا فولاية الله له أكمل، هذه فائدة أخذناها من قاعدة معروفة عند أهل العلم وهي: [أن الحكم المعلق بوصف يزداد قوة بقوة هذا الوصف فيه] هذه قاعدة مفيدة .. كل حكم معلق بوصف فإن هذا الحكم يزداد قوة بقوة الوصف الذي علق عليه الحكم. فإذا قلت مثلًا: أنا أحب الصالحين معناه كل من كان أصلح فهو أحب إليَّ؛ لأن المحبة علقت بالصلاح، فكلما ازداد الصلاح ازدادت المحبة ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ علقت الولاية بالإيمان، فكلما كان الإنسان أقوي إيمانًا، كانت ولاية الله له أتم وأخص.
ويتفرع علي هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يحقق إيمانه ويكمله بقدر استطاعته، من أجل أن ينال ولاية الله؛ لأن كل إنسان عاقل يسعي في الحقيقة إلي أن يكون الله له وليًّا، نقول: الأمر سهل .. حقق الإيمان يكون الله لك وليًّا، وكلما ازداد تحقيقك الإيمان ازدادت ولاية الله لك. وإلا فكلنا يطلب ذلك .. ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أوليائه. كلنا يطلب هذا، لكن فقط حقق الإيمان. من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالي في الله، وعادي في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك (١) .. هذه من أسباب الولاية أن يكون
стр. 394
حبك وبغضك وكراهتك وعداوتك وولايتك لله لا للدنيا.
٨ - إثبات الأسباب .. وجه ذلك: أن الإيمان جعله الله سببًا لولاية الله، ولا شك أن الأسباب ثابتة، والأسباب شرعية وعقلية وحسية؛ فالأسباب الشرعية: ما جعلها الله تعالى سببًا في القرآن، فمثلًا: الإيمان سبب لدخول الجنة. هذا سبب شرعي، ودخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، هذا سبب شرعي .. والعسل سبب للشفاء (١)، هذا سبب قدري علمنا به من طريق الشرع يعني من طريق الوحي .. كذلك كون الماء سببًا لنبات الأرض سبب حسي. فما شاهدناه بأنفسنا فهو سبب حسي، الأدوية الطبيعية التي تستخرج بالتجارب أسباب حسية.
أما الأسباب العقلية: فهي كثيرة جدًّا، كل شيء يترتب علي شيء عقلًا فهو سبب عقلي، والأسباب الشرعية والحسية والعقلية كلها مؤثرة بذاتها، حيث أودع الله فيها التأثير. وإنما قلت ذلك لأن بعض الناس غالي في التنزيه فقال: إن الأسباب لا تؤثر بذاتها وإنما يكون الأثر عندها لا بها، فقالوا مثلًا: إن الاحتراق بالنار ليس بالنار لكن حصل الاحتراق عند تماس النار بما يقبل الاحتراق فحصل الاحتراق. أما النار فلا
стр. 395
تحرق! لو جعلت النار تحرق وتقلب الشيء عما كان عليه لأثبت مع الله خالقًا وصرت مشركًا! ! .
لكننا نقول: الأسباب مؤثرة. وقد أودع الله فيها هذا التأثير، ولولا أن الله أودع فيها هذا التأثير ما أثرت، ولهذا لما ألقي إبراهيم في النار فقال الله لها: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] ما أثرت؟
إذن عرفنا الآن أن الأسباب جعلها الله مؤثرة وليست هي التي تخلق، أو خلقت بذاتها، ولكن الله أودع فيها هذه القوة التي يكون بها المسبب، هذا هو المعقول فنحن لا نغالي في إثبات الأسباب فنقول: إن هذا يكون بدون الله، ولا نغالي في التنزيه فنقول: إن الأسباب لا توثر وإنما يحصل الأثر عندها لا بها، كلا الأمرين خطأ، والوسط في الغالب هو الحق لأنك تجد كلا الطرفين أخذ بجانب من الحق وترك جانبًا، والوسط يأخذ بالجانبين فيكون وسطًا.
* * *
• قال تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران: ٦٩].
﴿وَدَّتْ﴾ أي: أحبت. والود خالص المحبة. ومن أسماء الله تعالى (الودود) بمعني الواد، والمودود. فهو سبحانه وادٌ لأوليائه وأصفيائه، وهو أيضًا مودود من أوليائه وأصفيائه، فالوُد إذن خالص المحبة، يعني أحب هؤلاء أو هذه الطائفة بكل خالص المحبة.
وقوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الطائفة يعني الجماعة،
стр. 396
والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصاري. ولكن الأغلب هم اليهود؛ لأنهم أكثر ممارسة للعرب من النصاري. فإن اليهود كانوا في المدينة، قدموا من أذرعات، ومن الشام، ينتظرون النبي الذي بشرت به التوراة. قدموا من بلاد الشام لأنهم علموا أن مهاجر هذا النبي المدينة حسب ما في التوراة من البشارات به، فقالوا: نذهب إلي هناك لنكون معه ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩].
﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ .. ﴿لَوْ﴾ مصدرية بمعني أَنْ. والقاعدة في (لو) أنها إذا أتت بعد ما يفيد الود والمحبة تكون مصدرية ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] أي: ودوا أن تدهن ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩] أي: ودوا أن يردوكم، فهي هنا مصدرية. وقد علم أنها تأتي شرطية؛ حرف امتناع لامتناع. مثل: لو جاء زيد لأكرمتك. فهنا امتنع إكرامي إياك لامتناع مجيء زيد.
يقول الله : ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ يعني ودوا أن يضلوكم. والإضلال: بمعني الإتاهة عن الحق. يعني ودوا أن يخرجوكم من الهدي إلي الضلال. وهذا الضلال الذي أرادوه بالمسلمين يمكن أن يفسر بالآية الثانية التي في سورة البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩].
يقول : ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ يعني بمحاولتهم وودهم هذا لا يضلون إلا أنفسهم، المعروف عند
стр. 397
أكثر المفسرين أن المعني: وما يهلكون إلا أنفسهم، وذلك لأنهم إذا تمنوا لكم الضلال أثموا علي ذلك فصاروا هم كالضالين. وقيل: بل المعني: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أنهم إذا اشتغلوا بمحاولة إضلالكم اشتغلوا عما فيه هداهم. كما هو الواقع أن الإنسان إذا أراد أن يرد الحق، وأن يضل غيره اشتغل بمحاولة إضلال غيره عن محاولة هداية نفسه، فيكون المعني: وما يضلون إلا أنفسهم لأنهم اشتغلوا بمحاولة إضلالهم إياكم عن طلب هدايتهم؛ لأن العادة أن الإنسان إذا اشتغل بمحاولة إضلال غيره تجده يطرق كل باب ويسلك كل طريق يحاول به إضلال الغير وينسي نفسه. وهذا واقع كثيرًا، حتى بين طلبة العلم أحيانًا، يريد الإنسان أن ينتصر لنفسه ولقوله، ولو كان علي خطأ، فتجده يحاول أن يلتمس الأعذار والتحريفات والتأويلات وصرف النصوص عن ظاهرها من أجل أن توافق قوله، وينسي أن يكون الواجب عليه إذا عورض أن يطلب الحق، وأن يراجع نفسه، لعل الصواب مع غيره. كما يقع كثيرًا عندما يختار الإنسان قولًا أو يقول قولًا ثم يراجع فيه فيتبين له أن الصواب خلاف ما كان يعتقده أولًا.
إذن ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ فيها رأيان:
الرأي الأول: ما يضلون إلا أنفسهم بالإهلاك وكثرة العقاب حيث حاولوا صد الناس عن دين الله.
الرأي الثاني: ما يضلون إلا أنفسهم بانشغالهم بمحاولة إضلالكم عن طلب هداية أنفسهم. قال بعض المفسرين: وهذا
стр. 398
أولي؛ وذلك لأن الوعيد عليهم بما يكون في الآخرة غير مُجد في هذا المقام؛ لأنهم أصلًا لا يؤمنون بمن أنذر بهذا حتى يقال إنهم لا يهلكون إلا أنفسهم. ولكن الواقع أن هذا غير وارد، يعني بمعني أن الله يتكلم عن الأمر الواقع، فالآية محتملة للمعنيين.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: يعني ما يشعرون أنهم أضاعوا الوقت في محاولة إضلالكم، ونسوا أنفسهم؛ لأن الإنسان في غمرة الغلبة، أو حب الغلبة، وسكرة حب الظهور ينسي، ولا يشعر بالوقت إذا ضاع عليه. فهؤلاء لا يشعرون بأن الوقت ضاع عليهم بانشغالهم بطلب أو بمحاولة إضلالكم. والشعور هو المعني النفسي الذي يشعر به الإنسان في نفسه توبيخًا وتنديمًا أحيانًا، أو عكس ذلك تفريحًا وتفاعلًا.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين حيث يودون لهم الإضلال، والطائفة من القوم، والغالب أن مشرب بقية القوم مشربها، فإذا كانت هذه الطائفة تود هذا فغيرها كذلك.
٢ - التحذير من أهل الكتاب وأنهم يحاولون صد المسلمين عن دينهم كالمشركين، وكل من الطائفتين تودان من المسلمين الضلال، يقول تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩] وقال تعالى عن المشركين من قريش: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢]، فكل المشركين، وكل الملحدين، وكل من ادعي أنه صاحب كتاب، كلهم يودون من المسلمين أن يكفروا ويضلوا بعد هدايتهم وإيمانهم. وإذا كان كذلك فيجب علينا
стр. 399
الحذر منهم، واعتقاد أنهم أعداء ألداء، ويودون أن يقضوا علينا، وعلى ديننا بين عشية وضحاها.
٣ - أن المعتدي يجازى بمثل عدوانه، ويبتلى بمثل ما ابتلى غيره به؛ لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾.
٤ - تعزية المسلمين بما يريده بهم هؤلاء من الإضلال. فكأن الله قال: لا تخافوا منهم فإن الإضلال إنما يعود عليهم، ولكن هذا في حق المؤمنين حقًّا الذين يؤمنون بدينهم تمامًا ويفخرون به، ويعتزون به، دون الذين يجعلون دينهم أقوالًا باللسان، أو حروفًا على الأوراق، وهم في الحقيقة يتبعون غيرهم، ويعظمون غيرهم في نفوسهم، فإن هؤلاء ربما يصابون برجس هؤلاء الكفار الذين يريدون إضلالهم.
٥ - أن الإنسان قد يعمى عن الباطل مع ممارسته له؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
٦ - إحاطة علم الله بما في قلوب الخلق؛ لقوله: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ﴾ فإن الود محله القلب، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله.
٧ - أننا نرد على كل شخص يدعي أو يتوهم أن الكفار يريدون الخير بالمسلمين بهذه الآية؛ لأننا نقول له: إنك لا تعلم ما في قلوبهم، واسمع إلى علام الغيوب يقول: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ فأنت لا تعلم، فلا تغتر بمصانعتهم ومخادعتهم ومكرهم.
стр. 400
• ثم قال الله : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠ - ٧١].
خطاب من الله لأهل الكتاب على سبيل التوبيخ ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى وبالأخص اليهود.
﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾، (ما) اسم استفهام حذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها، والاستفهام هنا للتوبيخ.
﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ آيات الله جمع آية وهي العلامة الدَّالة على الله . وكل آية من آيات الله تدل على صفة من صفاته؛ فالانتقام آية تدل على الغضب. وبسط الرزق، إذا لم يكن الإنسان على معصية الله، آية تدل على الرضا والرحمة، فالآيات تتنوع بحسب متعلقها، فهؤلاء كفروا بآيات الله الشرعية التي نزلت على رسلهم وعلى محمد ﷺ ، فاليهود كفروا بآيات الله وهي: التوراة. والنصارى كفروا بآيات الله وهي الإنجيل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، لم يقل: أبناءَهم وبناتهم؛ لأن معرفة الإنسان لابنه أقوى من معرفته لبنته لشدة تعلقه به فهو لا يجهل شيئًا منه، فهم يعرفون الرسول ﷺ كما يعرفون أبناءهم؛ لأن نعته موجود عندهم في التوراة والإنجيل ولكنهم كفروا بآيات الله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾
стр. 401
إذن آيات الله تشمل: التوراة والإنجيل والقرآن، كفروا بهذه الثلاثة كلها ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ لم يقل: وأنتم تعلمون؛ لأن الشهادة أقوى لكونها تقتضي أن يكون العالم كالمشاهد للشيء بحسه، والمشاهدة بالحس أقوى من المشاهدة بالذهن، أو من العلم بالذهن. فهم يشهدون الآيات ويعلمونها ومع ذلك يكفرون بهذه الآيات.
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾.
وهم في كفرهم مخادعون يلبسون الحق بالباطل. ومعنى لبس الحق بالباطل خلط الحق بالباطل، فهم يأتون بالباطل ويموهونه بحق. ووجه ذلك أنهم لو جاءوا بالباطل صراحًا ما قبل منهم لكنهم يأتون به مخلوطًا بحق من أجل أن يكون في ذلك تمويه على من لا يعرف الحقائق. وهذا من المكر والخداع لكل مبطل يموه الحق بالباطل، ومن ذلك أن يأتي بعبارات مجملة تحتمل حقًّا وباطلًا، ولكن هو يريد بها الباطل، ومن سمعها قد يحملها على إرادة الحق، وهذا أيضًا من لبس الحق بالباطل.
﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾.
تكتمون الحق: أي تخفونه. وهنا قد يقول قائل: كيف قال: تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق، أليس في هذا تناقض؟
الجواب: لا. ليس في هذا تناقض؛ لأنهم يكتمون الحق الصريح ويأتون به مخلوطًا مموهًا بالباطل. وليس قصدهم أيضًا الحق إذا جاءوا بالحق مخلوطًا مع الباطل بل قصدهم الباطل، وهذا الحق الذي جاءوا به كالثوب الذي يخفي العيب.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تعلمون الحق، بل وتعلمون حالكم أنكم
стр. 402
لابسو الحق بالباطل. فهم يعلمون الأمرين: يعلمون الحق الصريح، ويعلمون أنهم قد خلطوا الحق بالباطل. ولاسيما اليهود؛ لأن اليهود عصوا الله وهم يعلمون أنهم عصوه، عصوا الله على بصيرة.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
١ - توبيخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله.
٢ - ومن فوائد الآية الأولى أن هذا التوبيخ واقع موقعه أنهم كفروا بآيات الله وهم يشهدون.
٣ - الحكم الصريح الذي لا يقبل التأويل على أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ بالكفر ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ولا يوبخ إلا على أمر واقع، والكفر بآيات الله كفر بالله. وبه نعلم أنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالله فهم كافرون به كفرًا صريحًا خالصًا.
٤ - أن هؤلاء الكفار كفروا عن علم وشهادة؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾.
٥ - أن هؤلاء الكفار من أهل الكتاب كانوا يخادعون ويمكرون بلبس الحق بالباطل. وما أكثر ما يموّهون بالقرآن الكريم على بطلان ما ذهبوا إليه، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]، فيقول إن الذين آمنوا: أي المسلمين، والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله منهم واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم. فجعلنا نحن وأنتم في صف واحد، المؤمن منا بالله واليوم الآخر له الأجر، ولو كنا مخالفين لكم ما كان لنا أجر! ويقولون: عيسى
стр. 403
ابن مريم بشَّر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد ولم يأتِ بعد! فالذي جاء اسمه محمد. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩]، فنحن ننتظر أحمد! فهم يلبسون الحق بالباطل ويمكرون. ولكن من أعطاه الله علمًا وفهمًا تبين له أنهم ملبسون. وقد ألف علماء المسلمين -ولله الحمد- في بيان باطلهم ودحض حججهم ما هو كالشمس إضاءةً ونورًا يخفي ضوؤه كل ساطع.
والجواب عن هاتين الشبهتين أن يقال: في الآيات الأولى قيد الله من له الأجر من هؤلاء الأصناف بقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [المائدة: ٦٩] فأنتم ما آمنتم بالله واليوم الآخر بنص هذه الآية: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. أنتم مؤمنون لما كانت رسالة النبي الذي أرسل إليكم قائمةً، أما وقد نسخت، فإذا بقيتم عليها فأنتم كفار.
وقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] إذن فأحمد جاءكم ولا نعلم أن نبيًا جاء بعد عيسى إلا محمد ﷺ . وعلى هذا فيكون هذا التمويه لا يخفى على الإنسان الذي يعطيه الله تعالى علمًا وبصيرة، وقد ألف شيخ الإسلام ﵀ كتابًا سماه: "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" والرد على النصارى من أئمة المسلمين كثير.
٦ - أنه يجب الحذر من أهل الباطل إذا لبسوا الحق بالباطل، وألا نغتر بهم لأنهم يأتون بزخرف القول غرورًا. ومن هذا ما حصل للمبتدعة من هذه الأمة، فإنك إذا سمعت كلامهم قلت: لا أعدل بذلك شيئًا، هذا هو الحق ولن أتجاوزه، ولكنه كما قيل:
стр. 404
حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقًّا وكل كاسر مكسور
حججهم كلها متهافتة ليس لها ما يقيمها على قدميها فضلًا عن أن تكون مهاجمة، هي لا تدافع عن نفسها فضلًا عن أن تهاجم غيرها، لكن مع ذلك يموهون. فعلى الإنسان أن يحترز من هؤلاء الذين يلبسون الحق بالباطل.
٧ - التوبيخ لمن سلك هذا المسلك. ووجه ذلك: أن تخصيص التوبيخ لأهل الكتاب ليس تخصيصًا للشخص والعين، ولكنه بالجنس والنوع والوصف، فكل من كان على شاكلتهم فإنه يستحق هذا التوبيخ.
٨ - وجوب بيان الحق على من عَلِمَه؛ لقوله: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أما من لم يعلم فعذره ظاهر، ثم اعلم أن بيان الحق يجب عند السؤال عنه إما بلسان الحال وإما بلسان المقال. السؤال بلسان المقال أن يأتيك شخص ويقول: ما حكم كذا وكذا؟ والسؤال بلسان الحال أن يقع الناس في معصية يحتاجون إلى أن تبيَّن لهم، لا تقل: إن الناس لما لم يأتوا إلي ويسألوني فأنا لست بملزم. أنت ملزم لابد أن تبين لهم الحق ولا تكتم.
* * *
• لما ذكر الله تعالى مكرهم بالقول ذكر مكرهم بالحيل الفعلية فقال: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢].
﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني القرآن، وإن شئت فقل الشريعة كلها، آمنوا به ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ أي: أوله. والدليل على أن المراد بوجه النهار أوله قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾.
стр. 405
وهذه إحدى الطرق التي يعلم بها معنى الكلمات في القرآن الكريم، أن يعلم معنى الكلمة بذكر مقابلها كقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] ثباتٍ يعني وحدانًا متفرقين.
﴿لَعَلَّهُمْ﴾ الضمير يعود على المؤمنين.
﴿يَرْجِعُونَ﴾ أي: يرجعون عن دينهم؛ لأنكم أنتم أهل كتاب، فإذا آمنتم أول النهار ثم رجعتم قال الناس: لولا أنهم علموا أن هذا دين باطل لم يرجعوا.
أرأيتم كيف المكر، ادخلوا معهم في أول النهار وصلوا كما يصلون، واحضروا مجالس الذكر وإن وجد بكاء فابكوا، كونوا معهم تمامًا، فإذا كان في آخر النهار اكفروا، قولوا: كفرنا بهذا الدين؛ لأن الناس إذا فعلتم هكذا قالوا لولا أن هذا الدين باطل ما كفر به هؤلاء بعد إيمانهم؛ لأن الإنسان إذا آمن بدين وكان الدين حقًّا ثبت عليه ولم يرجع .. والدليل على هذا أن هرقل سأل أبا سفيان حينما لاقاه في الشام عن أصحاب الرسول ﵊: هل يرجع أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه؟ .
قال: لا، لا يرجع أحد .. قال: وَكَذَلِكَ الإيمانُ إذا خَالَطَ بَشَاشَةَ القُلوبِ ... أو كلمة نحوها (١).
• قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [آل عمران: ٧٣].
стр. 406
﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾:
هذا من قول الطائفة أي: لا تظهروا ما أنتم عليه إلا لمن تبع دينكم؛ لأنكم لو أظهرتم للمسلمين أنكم آمنتم ثم رجعتم من أجل إفساد دينهم ما قبلوا منكم هذا، ولا رجعوا. لكن إذا أخبرتم بهذا المكر والخديعة من تبع دينكم سلم لكم الأمر .. كأنهم يقولون: اخفوا هذه الطريقة إلا على من تبع دينكم، فمن تبع دينكم أخبروه، أما غيرهم فلا تخبروهم.
قال : ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾.
وهذه الجملة معترضة، لكنها في محل موافق تمامًا؛ لأنه لما كان الغرض من هذا العمل الماكر أن يضلوا الناس عن دينهم صار من المناسب تمامًا أن يفسد هذا المكر ببيان أن الهدى هدى الله، والتوفيق بيد الله بأن يقول: لن ينفعكم هذا المكر والخداع، فإن الهدى هدى الله حتى لو عملتم هذه الطريقة الماكرة الخادعة، فإن ذلك لن يضر المسلمين شيئًا؛ لأن الهدى هدى الله.
ثم قال: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾:
هذه أشكلت على المفسرين والمعربين كثيرًا، وأظهر ما نقول فيها أنها متعلقة بقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ يعني ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، يعني لا تخبروا أحدًا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم لأنكم لو قلتم للناس إنكم ستؤتون مثل ما أوتينا من الكتاب والفضائل وغيرها؛ لأن الله آتى بَني إسرائيل كتبًا بل آتاهم التوراة التي فيها الهدى والنور، وآتاهم فضائل: ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وقتل عدوهم اللدود حتى شاهدوه. يقول: لا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل
стр. 407
ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم؛ لأنكم لو قلتم للناس: إن هذه الأمة الإسلامية ستؤتى مثل ما أوتينا من الفضائل والشرائع لكان في ذلك حثٌّ على تمسكهم بدينهم.
وقيل المعنى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا تخبروا بهذا المكر والخداع أنكم تؤمنون أول النهار وتكفرون آخره من أجل أن يرجع المسلمون عن دينهم، لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم يعني لا تخبروا أحدًا إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى مثل ما أوتيتم من هذا المكر وهذا الخداع.
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يعني ولا تؤمنوا أيضًا أن يحاجوكم عند الله؛ لأنكم لو آمنتم بذلك وأنكم يوم القيامة سيحاجكم هؤلاء عند الله ما قبل أحد منكم هذه الحيلة. كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج: ١٧]. فأنتم لا تخبرون الناس بهذا إلا لمن تبع دينكم .. فهم إذن يؤمنون بأنهم سوف يحاجهم المسلمون يوم القيامة عند الله.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ كما قالوا لا تؤمنوا لأحد أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ حتى لو حاولتم أن تخفوا ما يمنُّ الله به من الفضائل على هذه الأمة، فإن ذلك لن يمنع الأمر الواقع؛ لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد آتى الله هذه الأمة -ولله الحمد- ما يربو بكثير على الفضائل التي أوتيها بنو إسرائيل.
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ واسع في كل صفاته، واسع العلم،
стр. 408
واسع الرحمة، واسع الحكمة، واسع القدرة، في كل الصفات. عليم بمن يستحق الفضل ، فهو يؤتي فضله من يشاء عن علم وحكمة.
* * *
• قال تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤].
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: يختص بمعنى يخص بالرحمة من يشاء. ولكنه يختص برحمته من هو أهل للرحمة كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] كل فعل من أفعال الله قرن بالمشيئة فهو تابع للحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠] فهو سبحانه عليم حكيم يؤتي فضله من يشاء ممن يستحق ذلك الفضل.
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
﴿ذُو الْفَضْلِ﴾: أي صاحب الفضل. ﴿الْعَظِيمِ﴾: أي الواسع الكثير، فلا فضل أعظم من فضل الله ، وانظر إلى ما أنعم الله به على العباد من أول الدنيا إلى آخرها، وكل ذلك لم ينقص مما عند الله شيئًا. قال الله تعالى في الحديث القدسي: "لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر" (١) .. اغمس المخيط في البحر وأخرجه، هذا البلل الذي حمله المخيط هل ينقص
стр. 409
البحر شيئًا .. ؟ أبدًا فهكذا كل فضل أعطاه الله لو فرض أنه خارج عن ملكه، فإنه لن ينقص ملكَ الله شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر، وهذا لا ينقص البحر شيئًا.
من فوائد الآيات الكريمة:
من فوائد قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٢ - ٧٣]:
١ - بيان كيد الكفار للمسلمين، وذلك بسلوك طرق الحيل المتنوعة؛ لأنهم قالوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
٢ - أن أهل الكتاب قد يكون فيهم منافقون؛ لقوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾، فإن المؤمن حقًّا لابد أن يستقر الإيمان في قلبه ولا يكفر ويرجع.
٣ - أن المؤمن قد يخدع بمثل هذه الخديعة، فيتظاهر عدوه بأنه موافق له ثم يتبرأ منه في النهاية كقوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، فيريدون أن يرجع المسلمون عن دينهم من أجل أن هؤلاء رجعوا.
٤ - تعصب أهل الكتاب لدينهم على ضلالهم؛ لقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾.
٥ - أن المسلم يرد كيد هؤلاء بإعلان أن الهدى هدى الله، وأنهم مهما حاولوا أن يصدونا عن ديننا وقد أراد الله هدايتنا؛ فإن
стр. 410
ذلك لا يضرنا، ويتفرع على هذه الفائدة أنه ينبغي للعبد أن يعتمد على ربِّه في طلب الهدى، وأن لا يعتمد على نفسه؛ لأنه إذا اعتمد على نفسه خذل مهما كان من الذكاء والحيلة.
٦ - أن هؤلاء الذين صنعوا هذه الخديعة بينوا وأظهروا أن الذي حملهم على ذلك هو الحسد؛ لقوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾؛ لأن اليهود من أبرز صفاتهم الحسد: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩].
٧ - أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث والحساب؛ لقوله: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾، ولذلك اتفقت اليهودية والنصرانية والدين الإسلامي على الإيمان بالبعث. لكن ليس كل من آمن بالبعث يعمل له، فاليهود والنصارى ما داموا على كفرهم بمحمد ﷺ فإنهم لم يعملوا لهذا البعث، إذ لو عملوا له لآمنوا بالرسول ﷺ .
٨ - إثبات أن العطاء عطاء الله، وأن الله إذا منّ على أحد بفضل فلن يستطيع أحد منعه؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
٩ - إثبات اليد لله ؛ لقوله: ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾ وهذه اليد يد حقيقية يقبضها الله ويقبض بها ويأخذ بها كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] وأخبر النبي ﷺ : "أن الله تعالى يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل" (١)، وأخبر
стр. 411
النبي ﷺ أن "من تصدق بعدل تمرة -أي بما يعادل التمرة- من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلُوَّه" (١) .. الحديث.
أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن ذلك حق على حقيقته؛ لأن الله أخبر به عن نفسه وهو أعلم بنفسه وأعلم بغيره، وأخبر به عن نفسه بكلام فصيح بيِّن لا يحتمل الشك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، وأخبر به عن نفسه بخبر هو أصدق الأخبار؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، فخبر الله أصدق الأخبار، وأخبر به عن نفسه ليهتدي الناس به كما قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]. فهذه أربعة أوصاف اتصف بها خبر الله تعالى عن نفسه:
الوصف الأول: أنه خبر صادر عن علم.
الوصف الثاني: أن كلام الله أحسن حديث في الفصاحة والبيان والوضوح.
الوصف الثالث: أن خبر الله عن نفسه أصدق خبر.
الوصف الرابع: أن الله يريد بما أخبر به عن نفسه أن يهتدي الناس به لئلا يضلوا.
فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة في كلام لم يبقَ فيه
стр. 412
أدنى شك، ولا يمكن أن نقول إنه من المتشابه خلافًا لمن زعم أن آيات الصفات من المتشابه، ولهذا قالوا: إنها من المتشابه وإن فَرْضَنا نحوها أن نمرها دون أن نتعرض لمعناها، وهذا خطأ، بل نقرأ آيات الصفات ونتعرض لمعناها، ونسأل عن معناها، لكن لا نسأل عن الكيفية. نسأل ما معنى ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] لكن لا نسأل كيف استوى .. فهنا (يد الله) هذه اليد حسية يأخذ بها ويقبض . ولكن لا نسأل عن كيفيتها.
فإن قال قائل: إنه جاء في حديث عن النبي ﷺ : "إن الله خلق آدم على صورته" (١)، وفي رواية: "على صورة الرحمن" (٢)، وهذا يقتضي أن تكون صفات الله كصفات المخلوق، فوجهه كوجه المخلوق، ويده كيد المخلوق، وعينه كعين المخلوق، وساقه كساق المخلوق، وقدمه كقدم المخلوق، فما الجواب؟
الجواب على ذلك: أن هذا لا يمكن أن يكون مراد الحديث؛ لأنه لو كان هذا مراد الحديث لكان تكذيبًا لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وخبر الله ورسوله لا يتكاذب بل يصدق بعضه بعضًا، فإذا كان كذلك فالجواب أن نقول:
أ - لا يلزم من كون آدم على صورة الله أن يماثله، فقد يكون الشيء على صورة الشيء من حيث العموم لا من حيث التفصيل. ويدل لهذا أن النبي ﷺ أخبر أن أول زمرة تدخل الجنة
стр. 413
على صورة القمر ليلة البدر (١). وهل يلزم من ذلك أن يكونوا مثل القمر؟ . أبدًا لكن من حيث الإجمال على صورة القمر وإلا فليس للقمر أنف، وليس له عين، وليس له فم، وأهل الجنة لهم أنوف وأعين وأفواه. وهذا وجه قوي جدًّا ويبقي النص على ظاهره.
ب - والوجه الثاني أن نقول: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن أي على الصورة التي اختارها الله كما لو قلت: هذا الباب صنعه فلان يعني هو الذي صنعه. فالله هو الذي صور آدم، وإضافة صورة آدم إلى الله تقتضي التشريف، ولذلك جاءت هذه الجملة في بعض الأحاديث تعليلًا للنهي عن ضرب الوجه وتقبيح الوجه لأن آدم خلق على صورة الرحمن (٢). فإذا ضربت الوجه الذي خلقه الله واختار هذه الصورة له؛ فإن ذلك الضرب قد يخدشه ويغيره، وإذا قبحت الوجه فقلت: ما أقبح هذا الوجه، فإن هذا أيضًا قدح في الصورة التي خلقها الله واختارها لهذا الوجه. وعلى هذا فيكون إضافة الصورة إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه كقوله: ناقة الله، وبيت الله، ومساجد الله وما شابه ذلك .. فحينئذٍ تبقى النصوص -ولله الحمد- سليمة لا تتناقض ولا تتعارض. فاليد ثابتة لله على الوجه اللائق به من غير مماثلة، نجزم ونعلم علم اليقين أنه لا مماثلة بين صفات الخالق وصفات المخلوق.
стр. 414
١٠ - أنه ينبغي للإنسان أن يعلق الرجاء بالله خوفًا وطمعًا؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾. فإذا علمت أن الفضل بيد الله، تسأل الفضل من الله، وإذا علمت أن الفضل بيد الله فالذي تخاف أن يمنع الفضل عنك هو الله. إذن فينبغي بل يجب على المؤمن أن يعلق قلبه بالله تعالى رجاءً وخوفًا.
١١ - إثبات قيام الأفعال الاختيارية بالله ، وأن الله يوصف بصفات الأفعال المتعلقة بمشيئته؛ لقوله: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فالإيتاء فعل عُلِّق بالمشيئة. فنؤمن بأن الله له أفعال يفعلها، ويحدثها تتعلق بمشيئته. ففيه ردٌّ على المعطلة الذين قالوا: إن الله تعالى لا يوصف بالصفات الفعلية الاختيارية؛ لأنه لا يوجد عندهم صفة لله تتعلق بالمشيئة، كل الصفات أزلية، فليس هناك صفات تحدث بمشيئة الله. وهذه الآية ترد عليهم؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يفعل. يقولون: إن الله لا يستوي على العرش استواء فعليًا، ولا ينزل للسماء الدنيا، ولا يأتي للفصل بين عباده، قالوا: لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، والله تعالى ليس بحادث، الله أزلي أبدي ، فإذا أُثبتت له الأفعال الاختيارية المتعلقة بالمشيئة أثبت قيام فعل حادث به، ولا يقوم الحادث إلا بحادث! .
والجواب:
أ - أن هذه القضية أو هذا الحكم حكم عقلي معارض للنص؛ لأنه يتضمن رد كل نص يدل على قيام الأفعال الاختيارية بالله، وما تضمن رد النصوص فهو باطل؛ لأن ما تضمن رد الحق فهو باطل.
стр. 415
ب - أن هذا القضية أو القاعدة التي ذكرتم قاعدة باطلة، فإن الأفعال تأتي بعد الفاعل، ولا يلزم أن تكون قديمة بقدمه، ولا يلزم أن يكون حادثًا بحدوثها، ولذلك نحن نأكل اليوم، وأكلنا بالأمس، وما قبل أمس. فهل يلزم إذا أكلنا اليوم أننا لم نوجد إلا اليوم؟ ! ، إن وجودنا يسبق أفعالنا. فكذلك أفعال الله اختيارية، وجود الله سابق عليها، ولا يلزم أن نقول: إذا أثبتنا الأفعال الحادثة قد أثبتنا حدوث الفاعل أبدًا. فهذه الملازمة العقلية ملازمة باطلة لذاتها. وهي أيضًا ملازمة باطلة لمصادمتها للنصوص.
١٢ - إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾. ولا أحد ينكر إثبات المشيئة لله فيما يتعلق بفعله أنه تابع لمشيئته، ولا يكون إلا بمشيئته، ولكن اختلفت الأمة في فعل العبد هل يكون بمشيئة الله أو لا يكون؟ فأهل السنة والجماعة قالوا: إنه يكون بمشيئة الله مع إثبات إرادة العبد، أي فعل العبد بمشيئة الله مع إثبات إرادة العبد له. وذهبت القدرية مجوس هذه الأمة إلى أن فعل العبد لا يقع بمشيئة الله، وأن العبد حر يفعل ما يشاء، ولا تعلق لإرادة الله ومشيئته بفعله، وبهذا سُمّوا مجوس هذه الأمة؛ لأنهم اعتقدوا أن العبد مستقل بما يحدثه، فجعلوا للحوادث خالقين: الله فيما يتعلق بفعل نفسه، والإنسان فيما يتعلق بفعل نفسه أيضًا. فالله خالق لأفعاله والإنسان خالق لأفعاله. والله شاءٍ لأفعاله والإنسان شاءٍ لأفعاله، ولا تعلق لمشيئة الله بفعل العبد.
وهناك طائفة أخرى وهم الجبرية قابلتهم فقالت: أفعال العبد بمشيئة الله ولا إرادة للعبد فيها. إن قام فهو مجبر، وإن جلس فهو مجبر، وإن نزل من السطح على الدرج فهو مجبر، وإن
стр. 416
تدحرج رغمًا عنه فهو مجبر، وإن مات فهو مجبر، وإن شرب فهو مجبر .. كله إجبار ما له اختيار. وهؤلاء أيضًا خالفوا المعقول والمنقول والمحسوس. لو أن أحدًا منهم وقف أمامنا وقال: الإنسان مجبر على فعله فقام أحدنا وضربه كفًّا وقال: أنا مجبر على أن أضربك كفًّا فلن يرضى. ولهذا يذكر أن عمر بن الخطاب ﵁ رُفع إليه سارق فأمر بقطع يده، فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، والله ما سرقت إلا بقدر الله -يعني غصبًا علي- فقال: ونحن لا نقطع يدك إلا بقدر الله. فردَّ عليه بحجته. مع أن أمير المؤمنين يقطع يد السارق بقدر الله وشرع الله.
ومشيئة الله مقيدة بالحكمة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]، يدل على أن مشيئة الله مقرونة بالعلم والحكمة وهو كذلك، فلا يشاء شيئًا إلا لحكمة. ولكن الحكمة قد تبين لنا وقد تخفى علينا؛ لأن عقولنا قاصرة. قد نظن مثلًا أن نزول المطر في هذا الوقت ضرر وليس بضرر. وقد نظن أن حبس المطر عنا ضرر وليس بضرر.
١٣ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما ﴿وَاسِعٌ﴾ والثاني ﴿عَلِيمٌ﴾ واسع في كل صفاته. كل صفاته سبحانه واسعة، رحمته وسعت كل شيء، وعلمه وسع كل شيء، وسلطانه شمل كل شيء، وقدرته على كل شيء ﴿وَاسِعٌ﴾ بكل معناه حتى إن الله قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]، أي مكان تولي وجهك له فالله أمامك، إذا كنت في الصلاة فإن الله تعالى يراك وهو أمامك كما قال ﵊: "إذا كان
стр. 417
أحدكم يصلي فلا يبصق قِبَلَ وجهه؛ فإن الله قِبَلَ وجهه إذا صلى" (١)، الذين يستقبلون المشرق كالذين يقعون غربًا عن مكة، والذين يستقبلون المغرب كالذين يقعون شرقًا عن مكة، والذين يستقبلون الجنوب، كالذين يقعون عنها شمالًا، والذين يستقبلون الشمال كالذين بقعون عنها جنوبًا، كل هؤلاء أينما تولوا فثم وجه الله؛ لأن الله واسع عليم. ولكن لا تظن أن الله في الأرض قبل وجهك وأنت تصلي، فإنه قبل وجهك وهو في السماء؛ لأن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته. وإذا كان المخلوق وهو مخلوق يمكن أن يكون في السماء وقبل وجهك فما بالك بالخالق، لو استقبلت الشمس حين شروقها لكانت قبل وجهك وهي في السماء، وكذلك عند الغروب تكون قبل وجهك وهي في السماء. فالحاصل أن الله تعالى واسع بجميع صفاته وبكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
١٤ - إثبات علم الله في قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ العلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه، فمن لم يدرك الشيء فليس بعالم، وإن أدركه على خلاف ما هو عليه فليس بعالم. والأول جاهل بسيط، والثاني جاهل مركب. فلو سألنا سائل: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: كانت في السنة الثالثة من الهجرة، فالقائل جاهل جهلًا مركبًا، ولو سألنا سائل: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: الله أعلم، فالقائل جاهل لكن جهله بسيط،
стр. 418
والأول أشدهما عمى؛ لأنه جاهل وهو جاهل أنه جاهل. ولهذا قيل: إن الجهل المركب أشد قبحًا من الجهل البسيط، فعالم لم ينتفع بعلمه أشد إثمًا من الجاهل؛ لأن العالم الذي لم ينتفع بعلمه علم ولكنه -والعياذ بالله- لم يعمل بعلمه.
ولو سأل سائل: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: في السنة الثامنة في رمضان لكان عالمًا. إذن الله تعالى عالم، مدرك للأشياء على ما هي عليه، وعلمه تعالى تام من كل وجه أزلًا وأبدًا، فلم يزل عالمًا يعلم ما سيكون. وإذا علم وهو عالم فلن ينسى، كما قال موسى ﵇: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢].
قال أهل العلم: لا يوصف الله بأنه عارف؛ لأن المعرفة انكشاف بعد لبس وخفاء. ولهذا إذا علمت الصبي تقول له: هل عرفت؟ فيقول: نعم. يعني بعد أن كان خافيًا عليه صار الآن معلومًا له، فمن أجل أنها انكشاف بعد خفاء لم يصح إطلاقها على الله؛ لأن الله لم يزل ولا يزال عالمًا.
ثانيًا: أن المعرفة تطلق على العلم والظن، ولهذا إذا قلنا: العلم معرفة الحق بدليله شمل قولنا: (معرفة الحق بدليله) العلم والظن؛ لأن المعلومات إما علمية وإما ظنية، لهذا لا يصح أن يطلق على الله أنه عارف.
فإن قال قائل: كيف تقولون هذا وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: "تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" (١). (يعرفك) وهذا فعل.
стр. 419
فالجواب عن ذلك: أن هذه معرفة خاصة تستلزم العناية بالذي تعرّف إلى الله من قبل. والدليل على أنها ليست معرفة العلم بل هي معرفة العناية قوله: "تعرف إلى الله" مع أن الله يعرفك سواء قمت، بعبادته أم لم تقم. لكن إذا قمت بعبادته فقد تعرفت إليه، فإذا تعرفت إليه في الرخاء عرفك في الشدة.
ومن فوائد قوله : ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
١ - أن الله قد يرحم بعض العباد رحمة خاصة؛ لقوله: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، وقد بيَّن الله في آية أخرى أن الله يرحم من يستحق أن يرحم، وهو الذي تعرض لأسباب الرحمة، قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦] .. وأن من كان على العكس لم يأت بما يقتضي الرحمة، فإنه ليس أهلًا لها، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. وقال : ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥].
٢ - أنه لا اعتراض على الله في كونه يختص برحمته زيدًا ويمنع رحمته عن عمرو؛ لأن الأمر إليه وهو فضل إن شاء منعه وإن شاء أعطاه. ويتفرع على هذه الفائدة أن من مُنِعوا فضل الله لم يكونوا قد ظُلموا شيئًا؛ لأن فضل الله يؤتيه من يشاء، ويختص برحمته من يشاء. أرأيت لو كان أمامك عشرة رجال فأعطيت واحدًا عشرة، وواحدًا تسعة، وواحدًا ثمانية، وواحدًا سبعة، وواحدًا ستة، وواحدًا خمسة، وواحدًا أربعة، وواحدًا ثلاثة، وواحدًا اثنين، وواحدًا واحدًا. هل ظلمت من لم تعطه إلا درهمًا
стр. 420
واحدًا؟ لا، ما ظلمته لأن هذا فضل منك فلا يقال إنك ظلمت من أعطيته درهمًا واحدًا لأنك أعطيت الأول عشرة دراهم، ولو استأجرت عشرة أجراء على عشرة دراهم كل يوم، فقاموا بالعمل، فأعطيت واحدًا عشرة دراهم؛ والثاني تسعة، والثالث ثمانية، وهكذا تنقص، لعددت ظالمًا؛ لأن هذا ليس من العدل أن يقوم الجميع بما استأجرتهم عليه ثم تعطي بعضهم وتحرم بعضًا. والفرق بين هذه والتي قبلها أن الأولى فضل وإحسان، والثانية عدل. والعدل يجب أن يعطى فيه كل ذي حق حقه.
٣ - جواز وصف غير الله بالعِظَم؛ لقوله: ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، لأن الفضل هنا يحتمل: أن يُراد بها الفضل الذي هو فضل الله أي عطاؤه، أو أن المراد بها المُتفضَّل به وهو المُعطى، فعلى الثاني لا إشكال في استنباط الفائدة التي ذكرناها (أن العِظَم يوصف به غير الله) وعلى الأول إذا قلنا: إن الفضل هو نفس فعل الله فوصفه بالعِظم لا إشكال فيه؛ لأنه من صفات الله، وصفات الله كذاته عظيمة.
فإن قال قائل: ما دام الاحتمالان قائمين فلا دلالة على أنه يوصف بالعِظم من سوى الله. ما دمنا نقول يحتمل أن يكون الفضل هنا صفة لله، وصفة الله عظيمة كذات الله.
فالجواب عن هذا أن يُقال: اقرأ قول الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] فوصف العرش بالعِظم مع أن عرشها مخلوق .. إذن يصح أن نقول: هذا الفعل عظيم، وهذا رجل عظيم، هذه سيارة عظيمة، هذا بيت عظيم، وما أشبه ذلك، ولا يضر، كما أنه يصح أن نقول: فلان عزيز، فلان قوي، ولا حرج
стр. 421
في ذلك، ولكن يجب أن نعلم أن ما نصف به المخلوق من صفات الله لا يماثل صفات الله ولا يُدانيها أيضًا؛ لأن الصفة تكون لموصوف تُناسبه.
* * *
• قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٥ - ٧٦].
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾.
لما ذكر الله خيانة أهل الكتاب في الأمور الدينية ولبسهم الحق بالباطل، وعُتوَّهم وعنادهم ونفاقهم وتغريرهم للمؤمنين، ذكر حالهم في الأمور الدنيوية في المال، فقسَّمهم الله تعالى إلى قسمين:
فقال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ فهذا يشمل اليهود والنصارى، وسُموا أهل كتاب لأنهم هم الذين عندهم بقايا من الدين النازل على الأنبياء. فاليهود عندهم بقايا من التوراة، والنصارى عندهم بقايا من الإنجيل.
﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ هنا يجب الإظهار؛ لأن الهمزة همزة قطع، فيقال: ﴿مَنْ إِنْ﴾ خلاف لما يصدر من بعض الناس، حتى من أئمة المساجد، بقول: (من ان تأمنه)! وهذا خطأ، لأنه إذا قال: (من ان تأمنه) جعل الهمزة همزة وصل، وهي همزة قطع؛ لأنها (إن) الشرطية ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾.
стр. 422
والخطاب في قوله: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ يعود على المُخاطب، يعني ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ أيها المخاطَب ﴿بِقِنْطَارٍ﴾ يعني على قنطار ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾.
والقنطار عبارة عن المال الكثير من الذهب، حدَّه بعضهم بألف دينار، وبعضهم بملء مسك الثور، يعني جلد الثور، من الدنانير، ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ أي: يرُدُّه إليك من غير تغيير ولا نقص. والأداء هو إبلاغ الشيء، ومنه أداء الحديث، ومنه أداء الأمانات: أي إبلاغها إلى مستحقها، فمن يؤده إليك: أي يُعطه إياك سالمًا من كل نقص، وهذا أمين.
وفي قوله: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ قراءتان: قراءة بكسر الهاء ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ وأخرى بالسكون "يُؤدِّهْ إِلَيْكَ".
ومنهم القسم الثاني: الخائن الذي لا يؤتمن: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾.
والدينار هو الوحدة من النقد الذهبي، وهو ما يُسمى عندنا بالجنيه.
﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ أي: لا يرده إليك سالمًا بل يُنقِصه ويخون فيه.
﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ بمعنى إلا إذا بقيت قائمًا عليه، مراقبًا له، ناظرًا في أحواله. فحينئذٍ تَسلَم من خيانته، أما إذا غفلت أدنى غفلة فإنه سوف يخونك. فقسَّم الله أهل الكتاب الآن إلى قسمين:
القسم الأول: أمين إذا ائتمنته على المال الكثير لم يُنقصه شيئًا، وإن ائتمنته على المال القليل لم يُنقص من باب أولى؛ لأنه
стр. 423
إذا كان لا يُنقص المال الكثير شيئًا مع أن المال الكثير إذا أخذ منه الشيء القليل لا يتبين، فائتمانه بالمال القليل من باب أولى.
والقسم الثاني: من هو خائن لو ائتمنته على أقل القليل، على وحدة من النقود، فإنه لا يؤديها إليك إلا إن كنت قائمًا عليه مراقبًا له، فحينئذٍ تسلم من شره، وإلا فإنه يمكن أن ينقص الواحد من الدنانير، وإن ائتمنته على أقل من دينار فكذلك لا يؤده، وعلى أكثر من باب أولى.
ثم قال الله معلِّلًا خيانتهم للأمانة: ﴿ذَلِكَ﴾ أي ما ذُكر من خيانتهم.
﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا﴾ الباء هنا للسببية، أي أن عدم أمانتهم بأنهم قالوا، أي بسبب قولهم: ليس علينا في الأُمِّيّين سبيل .. (الأميون) هم العرب وسُمُّوا أميين نسبة إلى الأم. والإنسان الأمِّي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] يعني لا يعلمونه إلا قراءة، أما الأمي في الأصل فهو الذي لا يقرأ ولا يكتب. وبهذا كان العرب لا يقرؤون ولا يكتبون إلا بعد أن بعث الرسول ﷺ .. فكانت لهم القراءة والكتابة .. الأمية عيب ذكرها الله بصفة القدح، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] وأشار إليها أيضًا في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
والضلال لا أحد يرى أنه مدح، ولكنها بالنسبة للنبي ﷺ تزكية؛ لأن كونه أميًّا ويأتي بهذا الكتاب العظيم يدل على أنه
стр. 424
صادق؛ لأن الأمي لا يمكن أن يأتي بمثل هذا الكتاب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] ونحن أمة أمية كما قال النبي ﵊ (١)، ولكن بعد أن فتح الله علينا، وآتانا العلم والحكمة صرنا أمة علمية لا أمة أمية.
وإذا قال قائل: هذا ينتقض عليك؛ لأن الرسول ﷺ قال: "إنا أمة أمية" في المدينة بعد أن نزل عليه الكتاب .. نقول: نعم هو قاله باعتبار الهلال .. ونحن باعتبار الهلال حتى بعد الفتوحات أمة أمية لا ندري عن حساب الأهلة ولا نعرفها.
وقال بعض المفسرين: المراد بالأميين من سوى أهل الكتاب. فيكون المراد بالأمي من ليس له كتاب، ويكون هؤلاء اليهود والنصارى يقولون: كل الناس سوى أهل الكتاب ليس علينا فيهم سبيل؛ لنا أن نظلمهم، نأخذ أموالهم، نقتلهم، نسبي نساءهم، لأننا نحن المختارون عند الله وغيرنا عبيدٌ لنا، والإنسان يفعل في عبيده ما شاء، ولهذا تقول اليهود: إنهم شعب الله المختار. ولكن الله اختارهم على عالَمِي زمانهم، ولم يشكروا هذه النعمة.
﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ من نظر إلى الآية وأنها في سياق الائتمان على المال قيَّد هذا بأنه ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ فيما يتعلق بالمال. ومن نظر إلى العموم قال إنها تشمل أنهم يدعون أنهم لا سبيل عليهم في الأميين في أموالهم ودمائهم .. وهذا المعنى
стр. 425
أعم. وإذا كان المعنى أعم واللفظ لا يُنافيه فالاختيار أن تأخذ بالأعم؛ لأن الأعم يشمل الأخص، ولا عكس.
وقولهم: ﴿سَبِيلٌ﴾ السبيل في الأصل الطريق، والمراد به هنا اللوم، أي ليس علينا سبيل في اللوم أو سبيل إلى اللوم أي أننا لا نُلام ولا نذم ولا نأثم فيما يتعلق بالأميين.
هذا القول الذي يقولونه ليسوا ينسبونه لأنفسهم، وأنهم هم الذين أباحوا لأنفسهم الاعتداء على الأميين، وإنما يجعلون هذا شرعًا من عند الله، يقولون: إن الله أباح لنا ذلك ولم يجعل علينا سبيلًا فيما يتعلق بالأميين.
ولهذا قال الله : ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
أي: أنهم يكذبون على الله، ويفترون على الله، ويدَّعون هذا شرعًا من الله، وهم يعلمون أن الله حرم عليهم أكل أموال الناس بالباطل ودماء الناس وأعراضهم، يعلمون هذا لكنهم يكذبون على الله.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ هنا مضمَّنَةٌ معنى يفترون .. فـ (يقولون) أي: يفترون على الله الكذب. والتضمين مختلف فيه، هل تضمِّن الفعل معنى يناسب المعمول، أو أننا نجعل التضمين في الحرف. والقول الراجح أننا نُضمِّن، الفعل معنى يناسب الحرف. ومن أبرز الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦].
﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ الباء بمعنى (مِن): أي يشرب منها. وعلى هذا القول تكون يشرب على ظاهرها من الشرب. وبعضهم قال: بل إن يشرب بمعنى يروَى، وعلى هذا فالباء للسببية وليست