في ذلك، ولكن يجب أن نعلم أن ما نصف به المخلوق من صفات الله لا يماثل صفات الله ولا يُدانيها أيضًا؛ لأن الصفة تكون لموصوف تُناسبه.
* * *
• قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٥ - ٧٦].
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾.
لما ذكر الله خيانة أهل الكتاب في الأمور الدينية ولبسهم الحق بالباطل، وعُتوَّهم وعنادهم ونفاقهم وتغريرهم للمؤمنين، ذكر حالهم في الأمور الدنيوية في المال، فقسَّمهم الله تعالى إلى قسمين:
فقال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ فهذا يشمل اليهود والنصارى، وسُموا أهل كتاب لأنهم هم الذين عندهم بقايا من الدين النازل على الأنبياء. فاليهود عندهم بقايا من التوراة، والنصارى عندهم بقايا من الإنجيل.
﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ هنا يجب الإظهار؛ لأن الهمزة همزة قطع، فيقال: ﴿مَنْ إِنْ﴾ خلاف لما يصدر من بعض الناس، حتى من أئمة المساجد، بقول: (من ان تأمنه)! وهذا خطأ، لأنه إذا قال: (من ان تأمنه) جعل الهمزة همزة وصل، وهي همزة قطع؛ لأنها (إن) الشرطية ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾.
стр. 422
والخطاب في قوله: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ يعود على المُخاطب، يعني ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ أيها المخاطَب ﴿بِقِنْطَارٍ﴾ يعني على قنطار ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾.
والقنطار عبارة عن المال الكثير من الذهب، حدَّه بعضهم بألف دينار، وبعضهم بملء مسك الثور، يعني جلد الثور، من الدنانير، ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ أي: يرُدُّه إليك من غير تغيير ولا نقص. والأداء هو إبلاغ الشيء، ومنه أداء الحديث، ومنه أداء الأمانات: أي إبلاغها إلى مستحقها، فمن يؤده إليك: أي يُعطه إياك سالمًا من كل نقص، وهذا أمين.
وفي قوله: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ قراءتان: قراءة بكسر الهاء ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ وأخرى بالسكون "يُؤدِّهْ إِلَيْكَ".
ومنهم القسم الثاني: الخائن الذي لا يؤتمن: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾.
والدينار هو الوحدة من النقد الذهبي، وهو ما يُسمى عندنا بالجنيه.
﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ أي: لا يرده إليك سالمًا بل يُنقِصه ويخون فيه.
﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ بمعنى إلا إذا بقيت قائمًا عليه، مراقبًا له، ناظرًا في أحواله. فحينئذٍ تَسلَم من خيانته، أما إذا غفلت أدنى غفلة فإنه سوف يخونك. فقسَّم الله أهل الكتاب الآن إلى قسمين:
القسم الأول: أمين إذا ائتمنته على المال الكثير لم يُنقصه شيئًا، وإن ائتمنته على المال القليل لم يُنقص من باب أولى؛ لأنه
стр. 423
إذا كان لا يُنقص المال الكثير شيئًا مع أن المال الكثير إذا أخذ منه الشيء القليل لا يتبين، فائتمانه بالمال القليل من باب أولى.
والقسم الثاني: من هو خائن لو ائتمنته على أقل القليل، على وحدة من النقود، فإنه لا يؤديها إليك إلا إن كنت قائمًا عليه مراقبًا له، فحينئذٍ تسلم من شره، وإلا فإنه يمكن أن ينقص الواحد من الدنانير، وإن ائتمنته على أقل من دينار فكذلك لا يؤده، وعلى أكثر من باب أولى.
ثم قال الله معلِّلًا خيانتهم للأمانة: ﴿ذَلِكَ﴾ أي ما ذُكر من خيانتهم.
﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا﴾ الباء هنا للسببية، أي أن عدم أمانتهم بأنهم قالوا، أي بسبب قولهم: ليس علينا في الأُمِّيّين سبيل .. (الأميون) هم العرب وسُمُّوا أميين نسبة إلى الأم. والإنسان الأمِّي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] يعني لا يعلمونه إلا قراءة، أما الأمي في الأصل فهو الذي لا يقرأ ولا يكتب. وبهذا كان العرب لا يقرؤون ولا يكتبون إلا بعد أن بعث الرسول ﷺ .. فكانت لهم القراءة والكتابة .. الأمية عيب ذكرها الله بصفة القدح، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] وأشار إليها أيضًا في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
والضلال لا أحد يرى أنه مدح، ولكنها بالنسبة للنبي ﷺ تزكية؛ لأن كونه أميًّا ويأتي بهذا الكتاب العظيم يدل على أنه
стр. 424
صادق؛ لأن الأمي لا يمكن أن يأتي بمثل هذا الكتاب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] ونحن أمة أمية كما قال النبي ﵊ (١)، ولكن بعد أن فتح الله علينا، وآتانا العلم والحكمة صرنا أمة علمية لا أمة أمية.
وإذا قال قائل: هذا ينتقض عليك؛ لأن الرسول ﷺ قال: "إنا أمة أمية" في المدينة بعد أن نزل عليه الكتاب .. نقول: نعم هو قاله باعتبار الهلال .. ونحن باعتبار الهلال حتى بعد الفتوحات أمة أمية لا ندري عن حساب الأهلة ولا نعرفها.
وقال بعض المفسرين: المراد بالأميين من سوى أهل الكتاب. فيكون المراد بالأمي من ليس له كتاب، ويكون هؤلاء اليهود والنصارى يقولون: كل الناس سوى أهل الكتاب ليس علينا فيهم سبيل؛ لنا أن نظلمهم، نأخذ أموالهم، نقتلهم، نسبي نساءهم، لأننا نحن المختارون عند الله وغيرنا عبيدٌ لنا، والإنسان يفعل في عبيده ما شاء، ولهذا تقول اليهود: إنهم شعب الله المختار. ولكن الله اختارهم على عالَمِي زمانهم، ولم يشكروا هذه النعمة.
﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ من نظر إلى الآية وأنها في سياق الائتمان على المال قيَّد هذا بأنه ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ فيما يتعلق بالمال. ومن نظر إلى العموم قال إنها تشمل أنهم يدعون أنهم لا سبيل عليهم في الأميين في أموالهم ودمائهم .. وهذا المعنى
стр. 425
أعم. وإذا كان المعنى أعم واللفظ لا يُنافيه فالاختيار أن تأخذ بالأعم؛ لأن الأعم يشمل الأخص، ولا عكس.
وقولهم: ﴿سَبِيلٌ﴾ السبيل في الأصل الطريق، والمراد به هنا اللوم، أي ليس علينا سبيل في اللوم أو سبيل إلى اللوم أي أننا لا نُلام ولا نذم ولا نأثم فيما يتعلق بالأميين.
هذا القول الذي يقولونه ليسوا ينسبونه لأنفسهم، وأنهم هم الذين أباحوا لأنفسهم الاعتداء على الأميين، وإنما يجعلون هذا شرعًا من عند الله، يقولون: إن الله أباح لنا ذلك ولم يجعل علينا سبيلًا فيما يتعلق بالأميين.
ولهذا قال الله : ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
أي: أنهم يكذبون على الله، ويفترون على الله، ويدَّعون هذا شرعًا من الله، وهم يعلمون أن الله حرم عليهم أكل أموال الناس بالباطل ودماء الناس وأعراضهم، يعلمون هذا لكنهم يكذبون على الله.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ هنا مضمَّنَةٌ معنى يفترون .. فـ (يقولون) أي: يفترون على الله الكذب. والتضمين مختلف فيه، هل تضمِّن الفعل معنى يناسب المعمول، أو أننا نجعل التضمين في الحرف. والقول الراجح أننا نُضمِّن، الفعل معنى يناسب الحرف. ومن أبرز الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦].
﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ الباء بمعنى (مِن): أي يشرب منها. وعلى هذا القول تكون يشرب على ظاهرها من الشرب. وبعضهم قال: بل إن يشرب بمعنى يروَى، وعلى هذا فالباء للسببية وليست
стр. 426
بمعنى (من) أي يروَى بها عباد الله. وهذا المعنى أصح لأنه إذا ضُمِّنت يشرب معنى يروى فإنه لا ري إلا بعد شرب، وعلى هذا يكون الفعل (يروى) دالًا على معنى الشرب وزيادة. لكن إذا قلت يشرب على ظاهرها والباء بمعنى (من) لم نستفد هذه الفائدة، وهي الرِّيُّ.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ الجملة حال من الواو في قوله: (يقولون) يعني يقولون وهم يعلمون أنهم كاذبون، فيكون قولهم أشد من قول من يقول الكذب وهو لا يعلم أنه كذب.
ثم قال الله : ﴿بَلَى﴾ و"بلى" حرف إبطال -في هذا المقام أو في هذا السياق- لِما قالوه وهو ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أي: بلى عليهم سبيل؛ لأنهم إذا خانوا الأمانة فإن عليهم السبيل، وكل من خان أمانته فعليه السبيل هم أو غيرهم، فتكون (بلى) حرف جيء به لإبطال ما ادَّعوه في قولهم: ليس علينا في الأميين سبيل.
ثم قال: ﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾ الجملة هذه استئنافية، و ﴿أَوْفَى﴾ بمعنى أتم، فهي فعل ماض، وليست اسم تفضيل من ﴿أَوْفَى﴾ يعني أتم بعهده أي بما عاهد عليه غيره ﴿وَاتَّقَى﴾ الله في هذا الإيفاء، فإن الله يحب المتقين.
والعقد عهد، فإن كلًا من المتعاقدين يُعاهد الآخر على إتمام ما تمَّ العقد عليه، وإن لم يذكرا العهد باللفظ، لكن هذا مقتضى العقد. أني إذا تعاقدت معك أن أفي لك بما تم العقد عليه، فيكون كل عقد عهدًا.
(اتقى) الله بوفائه بالعهد. ومن اتقائه الله أن لا يخون،
стр. 427
والتقوى مأخوذة من الوقاية، وهي اسم جامع لفعل ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه، فإن ذُكرَت مع البر اختصت بالمناهي، واختص البر بالأوامر، كقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] أي: فعل الأوامر واجتناب النواهي، أما إذا ذُكرت التقوى وحدها فهي شاملة لفعل الأوامر واجتناب النواهي، ولفظها يدل على هذا، لأنها مأخوذة من الوقاية، ولا وقاية من عذاب الله إلا بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، هذه هي التقوى، وقال بعض العلماء: (التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله)، فجمع بين العلم والعمل والاحتساب.
أن تعمل بطاعة الله: هذا هو العمل، على نور من الله: وهذا هو العلم، ترجو ثواب الله: وهذا هو الاحتساب.
وأن تترك ما نهى الله عنه على نور من الله، تخشى عقاب الله، أيضًا جمع بين العلم والعمل والاحتساب.
وقال آخرون في تعريف التقوى:
خلِّ الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى
واعمل كماشٍ فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرَنَّ صغيرةً ... إن الجبال من الحصى
وهذا أيضًا لا يُنافي ما سبق، لكن اختلاف في التعبير.
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
هنا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ولم يقل: (فإن الله يحبه)، ومثل هذا التعبير يُسمى الإظهار في موضع الإضمار. والإظهار في موضع الإضمار له فوائد، منها:
أولًا: تنبيه المخاطب. ووجه ذلك أن الكلام إذا كان على
стр. 428
نسق واحد لم يكن فيه ما يستدعي الانتباه. ولهذا يمشي المخاطب أو المتكلم ولا يوجد في كلامه ما يستدعي الانتباه، فإذا تغير الأسلوب وجاء الاسم مظهرًا بموضع الإضمار فإن الإنسان ينتبه.
ثانيًا: أن في الإظهار في موضع الإضمار التعليل للحكم الذي جاء فيه الإظهار في موضع الإضمار، وذلك أن قوله: (فإن الله يحبه) ليس فيه إظهار العلة، كقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ لأنه إذا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ لتقواهم فأفاد العلة.
ثالثًا: أنها تفيد التعميم أي: كل من يَعُمُّه هذا المظهر، واقرأ قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]. ولم يقل: (فإن الله عدو له) لأجل أن يشمل كل كافر سواء كان كفره بهذه العداوة، أو بغيرها، فيكون في هذا تعميم الحكم.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
١ - بيان انقسام أهل الكتاب إلى قسمين: أمين وخائن، كما انقسموا إلى قسمين: مؤمن وكافر، فمثلًا عبد الله بن سلام ﵁ كان من أحبار اليهود فمنَّ الله عليه بالإسلام فأسلم. وكعب بن أشرف من أشراف اليهود ولكنه بقي على كفره فلم يؤمن، فهم كما انقسموا إلى كافر ومؤمن انقسموا أيضًا إلى خائن وأمين، ولقد عامل النبي ﷺ اليهود، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي (١)،
стр. 429
وهذا يدل على أن من اليهود من هو أمين وإلا كيف يرهن الرسول ﷺ الدرع وهو من آلات الحرب عند هذا الرجل اليهودي؟
٢ - أنه يجب الحذر من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) لأنهم ما داموا ينقسمون إلى قسمين، فإننا لا ندري حين نعاملهم من أي القسمين هؤلاء، فيجب علينا الحذر لاسيما إذا تبيَّن لنا أنهم خونة، وأهل غدر، وأنهم لا يسعون لمصالحنا أبدًا كما هو الواقع، فإن الواقع في الوقت الحاضر أن اليهود والنصارى لا يسعون أبدًا لمصالح المسلمين، بل يسعون للإضرار بالمسلمين والإفساد عليهم، حتى إنهم إذا رأوا الدولة متجهة إلى الإسلام من دول المسلمين فإنهم يحاولون إسقاطها، والتضييق عليها من الناحية الاقتصادية، والعسكرية، والسياسية، وهذا شيء يعرفه كل من تدبر وتأمل في الحوادث اليوم. إذن يجب علينا أن نحذر غاية الحذر من اليهود والنصارى، وأن نعلم أن اليهود والنصارى كل واحد منهم وليٌّ للآخر، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]، مهما طال الأمد فهم أولياء ضد عدو مشترك وهم المسلمون.
لكن أعمال الدولة لا ينبغي أن يؤتمنوا فيها، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨]، ولهذا لما كتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن عندنا رجلًا نصرانيًا جيدًا في الكتابة والحساب أريد أن أجعله على بيت المال، قال: لا تجعله، كيف تأتمن من خوَّنه الله، فكتب إليه مرة ثانية وقال: يا أمير المؤمنين، إن الرجل جيد،
стр. 430
نحن في حاجة إليه. فردَّ عليه عمر: من عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب السلام عليكم، مات النصراني. والسلام. إذا مات تحييه لأجل أن يكتب لك؟ لا تحييه. قدِّر أنه مات وانتهى. ولهذا ذكر شيخ الإسلام في عدة مواضع من كتبه أنه لا يجوز أن يؤتمن غير المسلمين على أسرار المسلمين، وأن ذلك من الخيانة، وأن ذلك خطر على الدولة الإسلامية، وذكر أشياء عجيبة ﵀ في خطر هؤلاء على الأمة الإسلامية إذا ولوا أشياء من أسرار الدولة. وهو صادق لا شك في هذا، لا شك أنهم أعداء مهما كان.
٣ - جواز الاقتصار على المثال ليقاس عليه ما يشبهه؛ لأنه قال قنطار ودينار، ولو ائتمنه على سيارة أو لعبة صبي. فكذلك. لكن ذكر الله الدينار والقنطار على سبيل التمثيل.
٤ - إعجاب أهل الكتاب بأنفسهم واحتقارهم لغيرهم؛ لأنهم قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. وهذا يدل على العُجب بالنفس واحتقار الغير.
٥ - أن أهل الكتاب لا يقتصرون على الظلم والعدوان، ويجعلون ذلك من تلقاء أنفسهم بل ينسبونه إلى شريعة الله. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ فهم يقولون على الله الكذب في هذا وفي غيره.
٦ - أن من افترى الكذب على الله فيما يُفتي به أو يحكم به بين الناس ففيه شَبَهٌ باليهود والنصارى. وقد وُجِدَ في هذه الأمة من يفتري الكذب على الله سواء في الحكم بين الناس أو في الفتوى التي ليست بحكم ولكنها إخبار عن الشرع.
стр. 431
٧ - أن من افترى على الله الكذب وهو يعلم، أشد إثمًا وعدوانًا ممن لا يعلم، وإن كان كلٌ منهم على خطأ، لكن ليس المتعمِّد كغير المتعمد. لذلك قال النبي ﷺ : "من كذب علي متعمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار" (١).
٨ - الإشارة إلى أن الجهل المركب أقبح من الجهل البسيط؛ لأن الذي يكذب وهو يعلم أقبح من الذي يكذب ولا يعلم. فالجاهل المركب الذي يتقدم بالشيء وهو يعلم أنه ليس عنده علم، أقبح من الشخص الذي يرى أن هذا هو العلم.
٩ - الثناء على الموفين بالعهد؛ لقوله: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
١٠ - أن الوفاء بالعهد من أسباب محبة الله؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
١١ - أن تقوى الله عمومًا سببٌ لمحبته.
١٢ - الرد على الأشاعرة وغيرهم من أهل التعطيل الذين أنكروا محبة الله وقالوا: (إنه لا يجوز أن تثبت أن الله (يُحب) قالوا: إذا أثبتَّ أن الله يحب فقد وصفته بالنقص والعيب؛ لأن هذا من خصائص المحدثات، ولأن المحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين.
وقالوا: (ليس المراد بإثبات المحبة نفس المحبة، بل المراد بذلك لازِمُها وهو الإثابة، فمعنى (يحب المتقين) يعني يثيب المتقين أما أن يكون يحبهم فكلا.
стр. 432
ولكن نقول: هذا تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأن النصوص لا تكاد تحصر في إثبات محبة الله وأنه يُحِب ويُحَب ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] والمحبة غير الثواب، إذا أحب الله العبد أثابه، فالإثابة من لازم المحبة، وقولهم: (إنها لا تكون إلا بين متناسبين) هذا غير صحيح، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال في أُحُد: "جبل يحبنا ونحبه" (١)، ولا مناسبة بين البشر والجبل؟ .
وثبت بالواقع المحسوس أن بعض الحيوان يحب البشر، فالناقة تحب صاحبها، وتأتي إليه من بين الناس، تبرك عنده، ولو جاء أحد غير صاحبها لنفحته برجلها، أو عضته بفمها، لكن صاحبها تحنُّ إليه وتجلس عنده، وإذا سمعت صوته وإن لم تره حنت، وكذلك بقية الحيوانات، شيء مشاهد، وهذه محبة.
الهرة تحب بعض أهل البيت دون بعض، إذا جاء أحد من أهل البيت الذين لا تحبهم هربت، وإذا جاء الذي تحب دنت منه، وجعلت تتمسح به. وهذا الشيء مشاهد، ما الذي جعلها تتمسح بهذا وتهاديه وتجلب ودَّه والثاني تهرب منه وتعاتبه؟ إنها المحبة، فدعواهم بأن المحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين يكذبها السمع والواقع. السمع، لقول النبي ﷺ في أُحد "جبل يحبنا ونحبه" والواقع لا يحتاج إلى إقامة بينة؛ لأن كل واحد يعرفه.
стр. 433
١٣ - ينبغي مراقبة الخائن والقيام عليه. فإذا أعطيت مالك من ليس بأمين فإنه ليس من الحزم ولا من العزم أن تدعه، بل احترز منه، وإذا كان هذا في الائتمان على الأموال، فالائتمان على الأعراض من باب أولى. ولهذا حذر النبي ﷺ من الدخول على النساء فقال: "إياكم والدخول على النساء"، قالوا: يا رسول الله، أرأيت الحمو؟ قال: "الحمو الموت" (١).
فكل شيء تخشى منه تضييع الأمانة فاحرص على أن تكون مراقبًا له وقائمًا عليه، ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾.
١٤ - أن هؤلاء الخونة من اليهود عندهم ما يُلَبِّسون به باطلهم في قولهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾.
١٥ - أن اليهود وغيرهم سواء في أن كل من اعتدى على أحد فعليه السبيل، ولهذا قال الله : ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾، وهو يدل على أن الأميين وغيرهم سواء في تحريم الاعتداء عليهم.
١٦ - أن هؤلاء اليهود عليهم السبيل في الأميين سواء اعتدوا على دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم؛ لقوله تعالى: ﴿بَلَى﴾ أي عليهم السبيل في الأميين كما أن عليهم سبيلًا فيما لو اعتدى بعضهم على بعض.
١٧ - الحث على تقوى الله؛ لأن كل إنسان يحب أن يحبه الله؛ فإذا أردت ذلك فما عليك إلا أن تقوم بتقوى الله؛ لأن
стр. 434
محبة الله متعلقة بالعامل، ومتعلقة بالعمل، ومتعلقة بالزمن، ومتعلقة بالمكان.
فهي متعلقة بالعامل كما في هذه الآية: ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، وكما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]. وكما في قوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
ومتعلقة بالعمل: "أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها" (١).
ومتعلقة بالزمن: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر" (٢)، وقد يقال: إن هذا متعلق بالعمل لا بالزمن.
ومتعلقة بالمكان كمحبة الله لمكة كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال فيها: "إنك لأحبُّ البقاع إلى الله" (٣). فمحبة الله إذن متعلقة بالعامل والعمل والزمان والمكان.
стр. 435
• قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧].
هذه الآية لها صلة بما قبلها، وهي أن هذا العمل من جنس العمل السابق ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦]، فهذه الآية فيها أيضًا نوع من أكل أموال الناس بالباطل.
قوله: ﴿يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقال: ﴿يَشْتَرُونَ﴾ ويقال: (يشرون).
البائع مُعطي، والمشتري آخذ. الشاهد لهذا من القرآن قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]. يعني يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، أي يبيع نفسه، وأما الاشتراء الذي بمعنى الأخذ ففي مثل هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، يعني يأخذون ثمنًا قليلًا بعهد الله، فينكثون عهد الله من بعد ميثاقه، ويحلفون على الكذب بالأيمان من أجل الدنيا.
وقوله: ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون المراد بما عاهدوا الله عليه، ويحتمل أن يكون المراد بما عاهدوا الخلق عليه، فأما على الأول أي بما عاهدوا الله عليه، فهو ظاهر من الآية؛ لأن الله أضاف العهد إليه، ومثاله: أن يكتم العالم علمه من أجل عرَض من الدنيا، فإن الله عهد إلى العلماء أن يُبيِّنوا العلم
стр. 436
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
فإن قال قائلٌ: كيف أخذ الله العهد على العلماء ونحن لم نعلم أن أحدًا من العلماء أجرى صفقة عهدٍ مع الله؟ .
فالجواب: لمّا أعطى الله العلماء العلم كان إعطاؤهم إياه عهدًا بأن يقوموا بنشره وإعلانه بين الخلق، فإذا لم يقوموا بذلك فإنهم لم يَفُوا بعهد الله.
القول الثاني: يشترون بعهد الله أي بعهدهم مع الناس، وأضافَهُ الله لنفسه ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ لأنه أمر بالوفاء به، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، فسمَّى الله معاهدة المؤمنين لغيرهم، سمَّاها عهدًا له ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ مع أنهم ما عاهدوا الله وإنما عاهدوا الخلق، لكنه أضافه إلى نفسه لأنه أمر بالوفاء به، فصحَّ أن يُقال أوفوا بعهد الله.
فقوله: ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ يشمل المعنيين جميعًا؛ أي بما عاهدوا الله عليه أو بما عاهدوا الخلق عليه، فعلى الوجه الأول المعنى ظاهر وواضح ليس فيه إشكال. وعلى الوجه الثاني فيه شيء من الإشكال حيث سمَّى عهد المخلوقين عهدًا لله. ولكن الجواب عنه أن يقال: أضافه الله لنفسه لأنه أمر بوفائه.
وقوله: ﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾ يعني ويشترون أيضًا بأيمانهم ثمنًا قليلًا، والأيمان جمع يمين، وهي الحلفُ بالله ، فيشترون باليمين ثمنًا قليلًا مثل أن يحلف على جَحْد حقٍّ واجبٍ عليه، أو
стр. 437
يحلف على دعوي حقٍّ له وهو كاذب، وهذه هي اليمين الغموس التي قال عنها النبي ﷺ : "من حلف على يمين هو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" (١). والعياذ بالله.
وقوله: "هو فيها فاجر" يعني كاذب، فهذا اشترى باليمين ثمنًا قليلًا.
مثال: اليمين في دعوى ما ليس له: أن يدّعي على شخص أن في ذمته له مائة ريال، فيقول الشخص: ليس في ذمتي شيء، فيقول القاضي للمدَّعي: هل لك بينِّة؟ فيقول المدعي: لا، فيقول القاضي للمنكِر: احلف. فيقول: لا أحلف. حلِّفه هو، وإذا حلف هو سأُعطيه. فيحلف المُدَّعي بأن في ذمة فلان له مائة ريال وهو يكذب.
فهذا اشترى باليمين ثمنًا قليلًا.
ومثال الحلف على إنكار ما يجب عليه، مثل أن يدعي على شخص بأن في ذمته له مائة درهم فينكر المُدَّعى عليه وهو يعلم أن في ذمته مائة درهم لفلان، ويحلف على أنه ليس في ذمته له شيء. فهذا حلف، على إنكار ما يجب عليه. فالقاضي في مثل هذه الحال يُبرئ المُدَّعى عليه وُيخلي سبيله؛ لأنه حلف، فكلا الرجلين اشترى بيمينه ثمنًا قليلًا.
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾.
стр. 438
﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم الذين اشتروا بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا.
وقوله: ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: لا نصيب لهم في الآخرة كما قال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، أي من نصيب، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ [البقرة: ٢٠١ - ٢٠٢]. قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ في مقابل قوله: ﴿لَا خَلَاقَ﴾ فدلَّ ذلك على أن الخلاق هو النصيب.
﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: في الدار الآخرة وذلك يوم القيامة، وسُمِّي يوم القيامة دارًا آخرة؛ لأنه آخر مراحل البشر بل الخلق، فالإنسان له مراحل في هذه الدنيا: في بطن الأم، وفي الدنيا، وفي البرزخ، وفي الآخرة.
أربعة دور. وفي الدار الأولى له حالان: حال حياة، وحال موت، فهو قبل أن تُنفخ فيه الروح ميت، وبعد أن تنفخ فيه الروح حي، وآخِرُ مرحلة هي الآخرة، إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولهذا قال: ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ وفي الدنيا يمكن أن يكون لهم خلاق، أي نصيب من هذا الثمن القليل الذي اشتروه، أرأيت لو حلف على دعوى مليون ريال لجاءه مليون ريال - هذا نصيب في الدنيا، لكنه والله بئس النصيب. كل الدنيا ليست بشيء.
لو ساوت الدنيا جناح بعوضةٍ ... لم يسق منها الرب ذا الكفرانِ
لكنها والله أحقر عنده ... من ذا الجناح القاصر الطيرانِ
стр. 439
﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾:
أولئك أيضًا لا يكلِّمهم الله تكليم رضا، ولكنه قد يكلمهم تكليم إهانة. فإن الله يقول لأهل النار: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وهذا كلام من الله، ولكنه كلام تقريع وتوبيخ وإهانة، والمنفي هو تكليم الرضا.
﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾:
يعني ولا ينظر إليهم نظر رحمة وعطف ورأفة: وذلك لأنهم ليسوا أهلًا للرحمة. قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وأما غيرهم فليس لهم من رحمة الله نصيب في الآخرة.
وقوله: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ فيها قراءة "إليهُم" ولا ينظر إليهُم، وعندي قاعدة في هذا مكتوبة عندي في المصحف، تقول: هذه ضوابط فى في القراءات عامة في جميع القرآن: ضمير "هو وهي" الأولى بضم الهاء "هُو" والثانية بكسرها "هِي" عند جمهور القراء مطلقًا، وسكَّن الهاء فيهما الكسائي وقالون وأبو عمرو بعد الواو والفاء واللام .. مثل: فَهْو، فَهْي، وَهْو، لَهْي "لهو الغني" "لهى الحيوان" ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، يجوز القراءة السبعية ونقول على رأي الجمهور (لهي) بكسر الهاء وسكنها الكسائي وقالون أيضًا في قوله: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١].
وضمير (عليهِم) (لديهِم) (إليهِم) مكسور الهاء. وقرأه حمزة بضم الهاء (عليهُم) (إليهُم) (لديهُم)، مكسور الهاء ﴿غَيْرِ
стр. 440
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ٤٤]، ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ يقول: وقرأه حمزة بضم الهاء ومنه قوله هنا: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢].
﴿يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾:
يوم القيامة هو يوم البعث، وسُمِّي يوم القيامة لأمور ثلاثة:
الأول: قيام الناس من قبورهم .. والثاني: يوم يقوم الأشهاد، والثالث: يقام فيه العدل. ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾:
يعني: ولا يطهرهم من آثار رجسهم التي تلوثوا بها في الدنيا. فآثامهم باقية لا تغفر -والعياذ بالله- فلا زكاء لهم عند الله لأنهم ليسوا أهلًا للتزكية.
ولهذا ينادى يوم القيامة على الظالمين ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] يعني طردهم وإبعادهم عن رحمته.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
(العذاب) معناه النكال والعقوبة و (أليم) بمعنى مؤلم، لأن فعيلًا في اللغة العربية تأتي على عدة أوجه: تأتي بمعنى فاعل، وتأتي بمعنى مفعول، وتأتي بمعنى مفعل. مثالها بمعنى فاعل
стр. 441
سميعٌ بصيرٌ رحيمٌ، كلها بمعنى فاعل. ومثالها بمعنى مفعول: قتيلٌ جريحٌ ذبيحٌ وما أشبهها. ومثالها بمعنى مفعِل: هنا في هذه الآية أليم بمعنى مؤلم.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - تهديد هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا، وينصبُّ هذا على العلماء الذين يكتمون ما أنزل الله مداهنة أو مراعاة أو من أجل مال، فإنهم اشتروا بعهد الله ثمنًا قليلًا؛ لأن الله عهد إلى العلماء أن يبيِّنوا العلم. وقد مرَّ بنا أن العلماء ثلاثة أقسام:
عالم أمة، وعالم دولة، وعالم ملة، فعالم الملة لا يشتري بعهد الله ثمنًا قليلًا، بل يبين الملة ولا يبالي. وعالم الدولة يشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا ليكون له جاه عند الدولة، وربما ليعطى مالًا، وعالم الأمة هو الذي يراعي الأمة، ينظر ماذا تشتهي الأمة "أي عامة الناس" فيُفتي به أو يقول به، وما لا تشتهيه الأمة يسكت عنه، فإذا رأى الأمة على شيء غير سائغ في الشرع سكت عنه، وإذا طلبوا منه شيئًا غير سائغ في الشرع ولكنه يرى أنه يرضيهم وافقهم عليه.
٢ - تحريم اليمين الغموس؛ لقوله: ﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾.
٣ - أن اليمين الغموس، وعدم القيام بعهد الله، من كبائر الذنوب. وكون ذلك من كبائر الذنوب أمر زائد على كونه محرمًا؛ لأن الكبيرة أعظم من مطلق التحريم، ووجه كونها كبيرة لأن فيها وعيدًا، وكل ذنب رتِّب عليه وعيد فهو من كبائر الذنوب.
стр. 442
٤ - أن مَنْ وفى بعهد الله، وحلف على صدق، فإنه لا يحرم النصيب في الآخرة. ووجهه أنه إذا كان من اشترى بعهد الله ثمنًا قليلًا أو بيمينه لا خلاق له في الآخرة، فإن ضده له خلاق. وهذا الطريق من الاستدلال أخذناه من قول الشافعي ﵀ على قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] قال: في هذه الآية دليل على رؤية المؤمنين لله؛ لأنه لما حجب هؤلاء في الغضب كان دليلًا على رؤية الآخرين في حال الرضا.
٥ - إثبات الآخرة؛ لقوله: ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾.
٦ - أنه ينبغي للإنسان أن تكون الآخرة هي هدفه، ومغزاه، ومراده. ولهذا قال: ﴿لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ولم يقل في الدنيا؛ لأنه قد يكون لهم نصيب في الدنيا ولكن لا خير فيه.
٧ - إثبات الكلام لله، لقوله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ ووجه ذلك أنه لو كان الله لا يتكلم لم يكن لنفي الكلام مع هؤلاء فائدة. فلولا أنه يكلم ما صار عدم تكليمه لهؤلاء عقوبة.
٨ - أنَّ كلام الله من أفعاله الاختيارية التي يفعلها متى شاء؛ لأن هذا الكلام الذي نفى الله عنهم نفاه في وقت معين، وهو يوم القيامة، فدلَّ ذلك على أن الكلام من أفعال الله الاختيارية التي تكون بمشيئته .
٩ - أن من عقوبة هؤلاء مع حرمانهم من النصيب في الآخرة أن الله لا يكلمهم. وهذا من أعظم العقوبات -والعياذ بالله- ولهذا كان النظر إلى وجه الله من أفضل
стр. 443
الثواب، وأعظمه، وأعلاه، بل هو غاية الثواب والفضل.
١٠ - إثبات نظر الله؛ لقوله: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ وهل فيه دليل على إثبات العين لله؟ لا لأنه لا يلزم من النظر العين كما قلنا، إننا نثبت سمع الله ولا يلزم أن نثبت الأذن. وهذه مسألة يجب أن نتفطن لها؛ لأنه لا يلزم من الكلام وجود اللسان والشفتين، ولا يلزم من السمع وجود الأذنين، ولا يلزم من النظر وجود العينين.
وهنا مسألة: يوم القيامة تحدث الأرض أخبارها فهل لها لسان وشفتان؟
الجواب: لا. وكان الحصى يسبح بين يدي رسول الله ﷺ فهل له لسان وشفتان؟ لا.
وهنا مسألة أخرى: هل تسمع الأرض أو لا تسمع؟
الجواب: تسمع؛ لأنها تحدث أخبارها. فلولا أنها تسمع ما حدثت، ولما قال الله تعالى للسموات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] خاطبهما فسمعتا أولًا؟ فقالتا: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].
فقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]، أي ما عُمل عليها كما قال السلف، ما عُمل عليها من خير وشر. والذي يُعمل على الأرض إما قول يسمع وإما فعل ينظر، إذن فهي ترى ومع ذلك لا نقول لها عينان. فإذن لا يلزم من ثبوت نظر الله ثبوت العين. ولكن العين ثابتة بنصوص أخرى. فإن لله تعالى عينين اثنتين لا تماثلان أعين الخلق؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ
стр. 444
بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، إلا أن إثبات العينين ليس من هذه الآيات ولكن من أدلة أخرى كقول النبي ﷺ : "إن ربكم ليس بأعور" (١).
الجمع في الآيات من أجل التعظيم كقوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١]، مع أن الله ليس له إلا يدان اثنتان.
١١ - أن هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، والمراد به النظر الخاص، أما النظر العام فإن الله تعالى لا يحجب عن بصره شيء.
١٢ - إثبات يوم القيامة وأنه حق؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
١٣ - إثبات ما تضمنه هذا الوصف، وهو أنه يقام فيه العدل، ويقوم فيه الناس من قبورهم لرب العالمين، ويقام فيه الأشهاد.
١٤ - أن هؤلاء المشترين بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا لا يزكيهم الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا جاءت الكلمة ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ بعد قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فهؤلاء لا يزكيهم الله في الدنيا بل يظهر عُوارهم ويفضحهم في الدنيا حتى يعرفهم العباد ويعرفوا سقوط عدالتهم وزوال زكائهمٍ، كذلك لا يزكيهم الله يوم القيامة، فلا يقبل منهم صرفًا ولا عدلًا.
стр. 445
١٥ - إثبات العذاب؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والعذاب قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة، والكائن في الدنيا قد يكون بفعل الله، وقد يكون بفعل عباد الله الذين هم حزبه، فمن أمثلة ما يكون على يد عباد الله قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤] وما حصل على الكفار في غزوة بدر وغيرها. ومما يكون من فعل الله ما حصل يوم الأحزاب، فإن الأحزاب تفرقوا عن المدينة لا بفعل الرسول ﷺ وأصحابه ولكن بما أرسل الله عليهم من الريح والجنود.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨].
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على أهل الكتاب؛ لأن الآيات سياقها واحد، وفي أول الآيات قال: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وهنا قال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾، اللّي معناه: العطف، ومنه ليّ الحبل. فمعنى يلوون ألسنتهم: أي يعطفونها. و"اللي" هنا يشمل "اللي" اللفظي و"اللي" المعنوي. واللي اللفظي تارة يأتون بكلام من عندهم ويقرأونه قراءة الكتاب المنزل فيتوهم مَن يسمعه من الناس أنه من الكتاب المنزل، يعني يلحن الكلام كما يلحن القرآن، فيظنه السامع أنه من عند الله، هذا نوع. والنوع الثاني من اللي اللفظي التحريف، تحريف الكلم بلفظه كما حرف بعض المبتدعة قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] إلى قوله: "وكلَّم اللهَ موسى تكليمًا" يريد بذلك أن يكون التكليم من موسى إلى الله.
стр. 446
أما التحريف المعنوي فهو تفسير الكلام بغير ما أراد الله، فيقول: معنى الآية كذا وكذا على خلاف ما أرادها الله به، فصار اللي ثلاث أقسام:
الأول: لي باللفظ، لكنه لا يتعلق بنفس الكتاب المنزل، إنما يأتي بكلام من عنده فيأتي به يتغنى به كما يتغنى بالكتاب المنزل، فيظن السامع أنه من عند الله.
والثاني من اللي: ليٌّ لفظي يتعلق بتغيير هيئة الكتاب المنزل وذلك ما يسمى بالتحريف اللفظي.
والثالث: اللي المعنوي، فيقول: معنى الآية كذا وكذا، وهذا لا شك أنه لي باللسان يلوون ألسنتهم بالكتاب؛ لأن الكتاب يريد كذا وهم يقولون المراد كذا.
هؤلاء المحرِّفة الذين يحرِّفون الكلم عن مواضعه.
﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾:
اللام هذه يحتمل أن تكون للتعليل، ويحتمل أن تكون للعاقبة. والفرق بينهما أن لام التعليل تحمل على الشيء، ولام العاقبة تكون غاية للشيء. فمثلًا إذا قلت: حضرت لأقرأ، اللام للتعليل، يعني أن الذي حملني على الحضور هو القراءة. وإذا قلت: اصطدت هذا الصيد ليكون غداءً لي، هذه للعاقبة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، فإن آل فرعون لم يلتقطوه لهذا السبب أبدًا، ولو علموا أنه يكون عدوًا وحزنًا لهم ما التقطوه. هنا ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ هل المعنى أنهم يلوون ألسنتهم بالكتاب من أجل أن يضلوكم فتظنوا أنه من عند الله، أو أنهم يلوون ألسنتهم بالكتاب من غير قصد فتظنونه من عند الله؟
стр. 447
الظاهر الأول. أنهم يفعلون هذا ليوهموا الناس أنه من عند الله. ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي لتظنوه من الكتاب المنزل، وهو من الكتاب الملوي الذي حصل به اللي والتبديل.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾:
هذا إبطال له لما أرادوه من ليِّهم ألسنتهم بالكتاب فيظن الظان أنه من الكتاب فقال الله: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ والكتاب الذي أشير إليه هنا التوراة إذا كان هذا اللي واقعًا من اليهود، والإنجيل إذا كان هذا اللي واقعًا من النصارى، و"الكتاب" اسم جنس صالح لهذا وهذا.
﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾:
الضمير يعود على مَنْ لووا ألسنتهم بالكتاب يقولون: هو من عند الله. فأبطل الله هذه الدعوى بقوله: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولهذا يحسن بالقارئ أن يقف فيقول مثلًا: ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ثم يقول: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ويقف، ثم يقول: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾:
أيضًا هم يقولون على الله الكذب سواء بالتحريف اللفظي أو بالتحريف المعنوي.
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ يقولون هنا مضمنة معنى يفترون، ولهذا تعدت بعلى "يقولون على الله الكذب" في أحكامه وفي أفعاله وفي أسمائه وفي صفاته، وفي كل ما يتعلق به ، فهم مثلًا قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، وكذبوا، وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وكذبوا،
стр. 448
وقالوا: إن الله تعب واستراح، وكذبوا. وكل ما وصفوا الله به مما لا يليق به فهم كاذبون فيه.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾:
الجملة حالية حال من الواو في يقولون، يعني يقولون الكذب وهم عالمون بأنه كذب. فيكون هذا أشد إثمًا ممن قال الكذب وهو لا يعلم أنه كذب.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].
قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ كلمة "ما كان" تستعمل في الشيء الممتنع شرعًا أو قدرًا.
فقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ﴾. هذا ممتنع شرعًا وقدرًا. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] ممتنع قدرًا، بل ممتنع وصفًا؛ لأنه لا يتصور أن يأتي به القدر، مستحيل أن يكون الله تعالى ناسيًا أو منسيًا. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] ممتنع شرعًا، ولو شاء أن يعذبهم وهو فيهم لعذبهم، ولكنه ممتنع شرعًا.
﴿لِبَشَرٍ﴾ البشر هو الإنسان من بني آدم، وسمي بشرًا لظهور بشرته. فإن بشرة الإنسان ظاهرة بارزة ليمس عليها شعر ولا صوف ولا وبر ولا ريش ولا زعانف بادية. وقيل: سمي بشرًا لظهور أثر البشارة عليه فيما إذا أخبر بما يسره، ولا مانع من أن يكون سمي بشرًا لهذا ولهذا، والحكمة من أن الله تعالى جعل الآدمي بارز
стр. 449
البشرة ليعلم الآدمي أنه مفتقر إلى اللباس الحسي، فينتقل من ذلك إلى العلم بأنه مفتقر إلى اللباس المعنوي وهو التقوى. وأنه بحاجة إلى أن يعمل الأسباب التي تستره معنى كما هو يعمل الأسباب التي تستره حسًّا، وهذا من حكمة الله . يقول: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ أي واحد من البشر، أي إنسان، أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾ أي يعطيه إياه إيتاءً شرعيًا، وكذلك إيتاءً قدريًا.
﴿وَالْحُكْمَ﴾ الحكم أي بما أوحي من الكتاب، كما قال الله تعالى للنبي محمد ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩].
﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ يعني الإخبار بالوحي، وإنما قال: "والنبوة" مع قوله: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ﴾، قال ذلك لأنه قد يطلق إيتاء الكتاب على من أرسل إليهم به، لا من أرسل به، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، فالذين أوتوا الكتاب هنا ليسوا أنبياء. إذن لا يلزم ممن أوتي الكتاب أن يكون نبيًّا، ولهذا قال: ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ لئلا يتوهم واهم أن الذين أوتوا الكتاب هم الذين أرسل إليهم بالكتاب، والمراد بالذين أوتوا الكتاب هنا الذي أرسل بالكتاب لا الذي أرسل إليهم به، بل الذي أرسل بالكتاب إلى غيره.
وقوله: ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ النبوة بتشديد الواو: إما أنها من النَّبْوَة وهي الارتفاع، وعلى هذا فتكون الواو أصلية؛ لأن رتبة النبي أعلى طبقات الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ
стр. 450
وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] وإما أن تكون الواو مسهلة وأصلها النبوءة فتكون مأخوذة من النبأ، وهو الخبر، وذلك لأن الرسول مُنَبأ ومنبِئ، منبأ من قبل الله ، ومنبئ لمن أرسل إليهم يخبرهم ويبشرهم وينذرهم.
وقوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، هذا هو الممتنع، وهو الذي انصب عليه النفي، أي ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب بالرسالة والحكم بين الناس بهذا الكتاب والنبوة أي الرفعة ثم بعد ذلك يقول للناس: كونوا عبادًا لي من دون الله. أي: كونوا متعبدين لي، اعبدوني من دون الله، اعبدوني بالطاعة، اسجدوا لي، اركعوا لي، انذروا لي، وما أشبه ذلك، هذا لا يمكن؛ لأن من آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة إنما جاء لضد هذه الأشياء، ليمحق هذا الشيء، لا ليدعو الناس إليه.
وقوله: ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، إذا قال قائل: هل المراد اعبدوني ولا تعبدوا الله؟ أو المراد اعبدوني وإن عبدتم الله؟ المسألة إما أن يكون الإنسان عابدًا لله وحده أو عابدًا لغيره، أو عابدًا معه غيره .. أما العابد لله وحده، فهذا مخلص، والعابد لغير الله دون الله هذا مشرك، أو نقول: مستكبر عن عبادة الله ومتعبد لغيره .. والعابد لله ولغيره هذا مشرك، فتقول: من دعا الناس إلى عبادته وحده دون الله فهذا قد دعاهم إلى عبادته دون الله، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه ولم ينههم عن عبادة الله فإن حقيقة دعوته أنه دعا الناس ليعبدوه دون الله؛ لأن الله غني عن عبادة هؤلاء. فإذا أشركوا بالله غيره تمحضت العبادة لغير الله؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن
стр. 451
الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (١)، وبهذا يزول الإشكال في قوله: ﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فنقول: هل أحد قال للناس: اعبدوني ولا تعبدوا الله، أو هل أن المراد بالآية هذه هذا المعنى؟ فنقول: لا، لا يتعين، فالآية تشمل الوجهين جميعًا، تشمل من دعا إلى عبادة نفسه وأن لا يعبد الله، ومن دعا إلى عبادة نفسه وإن عبد معه الله؛ لأن الأول واضح أن يقول: اعبدوني ولا تعبدوا الله .. والثاني من لازم الإشراك أن لا تكون العبادة لله؛ لأن الإنسان إذا أشرك مع الله أحدًا فإن عبادته لله باطلة، يعني سواء وجدت أم لم توجد. ويحتمل أن يكون المراد بالدون هنا معنى سوى، [من دون الله] أي من سواه. وليس المراد منع الجمع بل من سواه أي معه، فإن صحَّ هذا التفسير فلا إشكال، وإن لم يصح فقد تقدم الإشكال وجوابه.
﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ هذا الاستدراك استدراك واقع في مقابلة النفي الذي صدرت به الآية: "ما كان لبشر أن يؤتيه الله ثم يقول .. ولكن". إذن لابد أن يكون هناك حذف وتقديره: ولكن (يقول) كونوا ربانيين، أي (يقول للناس) كونوا ربانيين، كونًا شرعيًا، لا يملك أن يقول لهم كونوا كونًا قدريًا. لكن يملك أن يأمرهم شرعًا بأن يكونوا ربانيين، ﴿رَبَّانِيِّينَ﴾ نسبة إلى الربِّ، ونسبة إلى التربية، فالرباني هو من كان عبدًا للرب ، الرباني هو الذي يربي الناس على شريعة الله بالعلم والدعوة والعبادة والمعاملة، فالرباني منسوب إلى التربية وإلى الربوبية، فباعتباره
стр. 452
مضافًا إلى الله ربوبية، وباعتباره مضافًا إلى الإصلاح تربية.
﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ أي مخلصين للرب متعبدين له.
﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ أي مربين للخلق على ما تقتضيه الشريعة.
﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾:
الباء هنا للسببية، أي بسبب تعليمكم الكتاب ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ لأن الذي يعلم الكتاب مربٍّ. ولهذا كلما كثر الطلبة عند شخص كثرت تربيته للناس؛ لأن المفروض في المعلم أن لا يكون معلمًا للناس تعليمًا نظريًا جدليًا؛ لأن هذا يمكن أن يدركوه بالكتب، لكنه ينبغي أن يعلمهم تعليمًا نظريًا وتعليمًا تربويًا. وهذا هو هدي النبي عليه أفضل الصلاة والسلام وأصحابه، إذا نظرنا إلى السيرة النبوية وجدنا كيف كان الرسول ﷺ يعلم الناس تعليمًا مقرونًا بالتربية مصحوبًا بها، وإذا تأملنا سيرة الخلفاء الراشدين وجدناها كذلك، فلننظر مثلًا إلى سيرة عمر بن الخطاب ﵁ فقد رفع عقوبة الخمر إلى ثمانين ليردع الناس، ومنع المطلق ثلاثًا من الرجوع إلى زوجته من أجل أن يردع الناس. فالحقيقة أن المعلم ليس هو الذي يملأ أذهان الناس علمًا فحسب، ولكن الذي يملأ أفكارهم أو أذهانهم علمًا وأخلاقهم تربية.
قال: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ﴾ الباء هذه للسببية و"ما" مصدرية أي بكونكم، وعلامة (ما) المصدرية أن يحول ما بعدها إلى مصدر، فقوله: بما كنتم أي بكونكم تعلمون. وقوله: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ فيها قراءتان: إحداهما (تعلِّمون) أي تعلمون غيركم، من التعليم، وقراءة أخرى بما كنتم (تعلَمون) أي تعلمون أنتم بأنفسكم.
стр. 453
وقوله: ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ أعم، لأنه لن يعلِّم إلا من عَلِم. ولكن مع ذلك نقول: إن القراءتين كل واحدة منهما تدل على معنى لازم للآخر، فيكون المعنى بما كنتم تعلِّمون وتعلَمون.
وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ هذا مفعول أول على التشديد، أي: تعلِّمون، لكنه مفعول واحد وحذف المفعول الثاني أي بما كنتم تعلمون الناسَ الكتابَ. وأما على قراءة (تعلمون) فالكتاب مفعول واحد فقط ولا تتعدى إلى مفعولين.
وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ المراد بالكتاب الجنس، يشمل التوراة والإنجيل والبعض منها والكل.
﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾:
أي: بما كنتم تقرأون أنتم، بما كنتم تعلمون وتدرسون تقرأونه، فيكون عندكم للكتاب علم لفظي وعلم معنوي. فالعلم اللفظي يكون بالدراسة، والمعنوي يكون بالعلم والتعليم، وقوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾، نقول فيها ما قلنا فيما سبقها بأن الباء للسببية و"ما" مصدرية.
* * *
• ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠].
قوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾:
فيها قراءتان: قراءة (ولا يأمرْكم) وقراة ولا (يأمرَكم)، أما عن قراءة النصب (ولا يأمرَكم) فهي معطوفة قوله: (ثم يقولَ للناس) يعني وما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يأمركم أن تتخذوا الملائكة .. فتكون معطوفة على قوله: (ثم
стр. 454
يقول للناس). وأما على قراءة التسكين فإن الفتحة تقدر عليها؛ لأن التسكين هنا ليس تسكين إعراب ولكنه تسكين تخفيف، تخفيف اللفظ؛ لأن قول القائل: (ولا يأمرْكم) أخف من قوله: (ولا يأمرَكم) ولهذا نقول هو منصوب على القراءتين لكنه منصوب على قراءة الفتح بالفتحة على الأصل، ومنصوب على قراءة التسكين بفتحة مقدرة على آخره، وسكن للتخفيف.
﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾:
يعني وما كان له أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا، كما أنه لا يقول لكم: كونوا عبادًا لي، فإن هذا مستحيل غاية الاستحالة أن يمنَّ الله على شخص بالكتاب والحكمة، ثم يأمر الناس بعبادته أو يقول: اعبدوا الملائكة والنبيين واتخذوهم أربابًا. هذا شيء مستحيل.
وقوله: ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ الملائكة جمع ملك، وأصله: مألك من الألوكة، وهي الرسالة، فصار قلب على وجه الإعلال الصرفي إلى ملأك، فزحزحت الهمزة إلى مكان اللام، وقدمت اللام إلى مكان الهمزة. وأصل الألوكة الرسالة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١].
والملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله من نور، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتناسلون، وإنما هم عباد لله مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، ولهم أعمال وأوصاف.
ثم قال: ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءة (والنبيئين) على تحقيق الهمزة.
﴿أَرْبَابًا﴾ جمع ربٍّ يعني أربابًا تعبد من دون الله، وتقصد
стр. 455
من دون الله. فإن هذا مستحيل أن يقع ممن آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة.
قال الله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾:
الاستفهام هنا للنفي، يعني لا يمكن أن يأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون، وفي قوله: (يَأمُرُكُم) قراءتان (يأمرْكم) تخفيفًا (ويأمرُكم) على الأصل.
وقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يعني بعد أن تقرر إسلامكم وثبت، فإنه لا يمكن أن يأمركم بالكفر.
من فوائد الآيات الكريمة:
من فوائد قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾:
١ - أن فريقًا من أهل الكتاب يحرِّفون الكلم، إما لفظًا، وإما معنى.
٢ - سوء مقصد هؤلاء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، وهو إضلال الناس ليحسبوه من الكتاب.
٣ - أن الله يحب لعباده الهدى، وأن يهتدوا، ولهذا قال: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ حتى لا يغتر الناس بهذا الذي حصل من هؤلاء.
٤ - الحذر من الكفار ومن زخارف القول التي تصدر منهم؛ لأنهم يلبسون الحق بالباطل، ويريدون أن يضلوا الناس.
٥ - الحذر ممن اتصف بصفاتهم من هذه الأمة فصاروا يلوون ألسنتهم بالكتاب. وإنما قلنا ذلك؛ لأن الرسول ﷺ قال:
стр. 456
"لتركبن سنن من كان قبلكم" (١)، فإذا كان في أهل الكتاب من يلوون ألسنتهم بالكتاب فسيوجد في هذه الأمة أيضًا من يلوي لسانه بالكتاب.
٦ - أن أهل الكتاب منهم من يفتري الكذب على الله، ومن ذلك كذبهم في عقوبة الزاني المحصن. فإن عقوبة الزاني المحصن عندهم الرجم، أن يرجم حتى يموت، ولكن لما كثر الزنا في أشرافهم عدلوا عن هذا، وقالوا: نسوِّد وجهه، ونطوف به هو والمرأة التي زنى بها على حمار، يكون دبر أحدهما إلى دبر الآخر. وهما راكبان على الحمار، ونطوف بهم في العشائر بين الناس. فحرَّفوا وكتموا، حرَّفوا حيث ادعوا أن هذا هو حد الزنى للمحصن، وكتموا حيث قالوا: ليس في التوراة الرجم. ولهذا لما أنكروا أن يكون في التوراة الرجم طلب النبي ﷺ منهم أن يأتوا بالتوراة فأتوا بها، فجعل القارئ يقرأ، ووضع يده على آية الرجم لأجل أن يخفيها. ولكن أُمِر أن يرفع يده، فلما رفع يده وإذا بآية الرجم تلوح بيّنة واضحة، فأمر النبي ﷺ برجمهما (٢)، أي رجم الزاني والزانية. فالحاصل أنه من طريق أهل الكتاب أنهم يقولون على الله الكذب وهم يعلمون.
٧ - الرد على النصارى الذين زعموا أن عيسى ﵊ له الحق في أن يعبد من دون الله، ولهذا يقول الله له
стр. 457
يوم القيامة: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] فيقول: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ يعني لا يمكن أن أقول هذا، والنصارى يدعون أنَّ من دينهم التثليث، أي أن الله ثالث ثلاثة.
ومن فوائد قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾:
١ - أن مَن مَنَّ الله عليه بالعلم النافع فإنه لا يمكن أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
٢ - أن من ألزم الناس أو أراد منهم أن يتبعوا قوله مهما كان فإنه قد جعلهم عبادًا له؛ لأن طاعة الشخص من العبادة، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، فقال له عدي بن حاتم: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، قال: "أليس يحلُّون ما حرَّم الله فتحلُّونه، ويحرِّمون ما أحل الله فتحرِّمونه؟ قال: نعم، قال: فتلك عبادتهم" (١)، فقد لا يقول الإنسان للناس: اعبدوني، اركعوا لي، واسجدوا، لكنه قد يقول: التزموا بما أقول، وهذا نوع من العبادة.
٣ - أن من منَّ الله عليه بالكتاب والحكمة والنبوة فإنه لا يأمر إلا بخير؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾.
٤ - الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يكون معلمًا ربانيًا؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾، أما ما يحصل من بعض الناس وهو أن
стр. 458
يكون معلمًا لا ربانيًا؛ فإن علمه قاصر جدًّا؛ لأن فائدة العلم وثمرته هي العمل والتأدب بآداب العلم. فإذا كان هذا الرجل يملأ أدمغة الطلاب علمًا ولكن ليس هناك سلوك وأخلاق وأعمال وعبادة، فإن تعليمه ناقص جدًا، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾.
٥ - الرد على منكري الأسباب؛ لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ والباء للسببية، ولا شك أن الأسباب ثابتة، ولكنها ليست مستقلة بالإيجاد أو العدم، بل هي مؤثرة بما أودع الله فيها من قوة التأثير. وبهذا ندفع شبهة من قالوا بنفي الأسباب محتجين بأن إثبات الأسباب يستلزم إثبات خالق مع الله. ونحن نقول لهم: إننا نثبت الأسباب، لكنها لا تؤثر بنفسها بل بما أودع الله فيها من القوة. والدليل على هذا أن إبراهيم ﵊ لما ألقي في النار قال الله للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا عليه، لم يتأثر بها مع أنها محرقة. قال أهل العلم: ولو قال الله تعالى: ﴿كُونِي بَرْدًا﴾ ولم يقل: ﴿وَسَلَامًا﴾ لأهلكته من البرد؛ لأنها تمتثل أمر الله .
٦ - أن المعلم للناس يصح أن نسميه ربانيًا؛ لأنه قال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ ولهذا نجد في تراجم العلماء ﵏ نجد كثيرًا ما يصفون العالم بأنه العالم الرباني.
ومن فوائد قوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾:
١ - إثبات الملائكة، والإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة، فلا يتم إيمان العبد حتى يؤمن بالملائكة.
стр. 459
٢ - أن الذي مَنَّ الله عليه بالكتاب والحكم والنبوة لا يمكن أن يأمر غيره باتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا، كما أنه لا يدعو الناس إلى عبادة نفسه.
٣ - أن من أمر غيره أن يكون عبدًا له فقد أمر بالكفر، ومن أمر أن تتخذ الملائكة والنبيون أربابًا فقد أمر بالكفر؛ لقوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
٤ - أن هذا الكفر مخرج عن الملة؛ لقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
* * *
• ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].
(إذ) مفعول لفعل محذوف تقديره: (اذكر)، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ يعني: اذكر يا محمد لمن أرسلناك إليهم، اذكر هذا العهد والميثاق. (والميثاق) هو العهد، وسمي الميثاق عهدًا؛ لأن كلًّا من المتعاهدين يتوثق به مع الآخر (كالوثاق) الحبل الذي يشد به الإنسان.
وقوله: ﴿مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ يشمل الرسل؛ لأن كل رسول فهو نبي.
وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ فيها ثلاث قراءات (لَمَا آتيتكم)، (لِما أتيتكم)، (لَمَا آتيناكم).
وعلى كل القراءات ففيها التفات من الغيبة إلى الحضور.
وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ في اللام قراءتان الكسر والثانية الفتح.
стр. 460
وقوله: ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ يعني أعطيتكم. والإيتاء هنا يراد به ما آتاه الله النبيين من أمور الشريعة، ولهذا قال ﴿مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الكتاب: معروف كالتوراة والإنجيل. والحكمة: الحكم بين الناس، وإصابة الصواب؛ لأن الحكم بين الناس وإصابة الصواب من تنزيل الأشياء منازلها، وهذا هو الحكمة.
﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾: يعني ما آتيتكم من الكتاب والحكمة إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم فإنكم تؤمنون به وتنصرونه. وقوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ له معنيان:
المعنى الأول: أنه يصدق ما سبقه من الكتب، ويقول مثلًا: إن التوراة حق، والإنجيل حق، وما أشبه ذلك.
والمعنى الثاني: أنه يقع مصداقًا لما سبقه من الكتاب؛ لأن الكتب أخبرت به. فإذا جاء مطابقًا لما أخبرت به صار مصدقًا لها. فيكون على هذا الوجه شهادة لهذا الكتاب بأنه حق، ويكون مع الوجه الأول شهادة بأن الكتب السابقة حق؛ لأن الله تعالى يقول في النبي ﷺ : ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فإذا جاء على الوصف الذي جاءت به التوراة والإنجيل وقع مصداقًا؛ لأنها أخبرت بشيء فجاء هذا الشيء فيكون مصدقًا. أرأيت لو أن أحدًا من الناس قال: إن فلانًا سيقدم اليوم بعد الظهر فقدم، صار هذا الذي قدم مصدقًا لما أخبر به. إذن لما قالت الرسل: إن محمدًا رسول الله يبعث على الوجه الذي ذكر الله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فجاء مطابقًا لما أخبرت به صار مصدقًا لها ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ أي للذي معكم من الكتب السابقة التي جاؤوا بها.