"لتركبن سنن من كان قبلكم" (١)، فإذا كان في أهل الكتاب من يلوون ألسنتهم بالكتاب فسيوجد في هذه الأمة أيضًا من يلوي لسانه بالكتاب.
٦ - أن أهل الكتاب منهم من يفتري الكذب على الله، ومن ذلك كذبهم في عقوبة الزاني المحصن. فإن عقوبة الزاني المحصن عندهم الرجم، أن يرجم حتى يموت، ولكن لما كثر الزنا في أشرافهم عدلوا عن هذا، وقالوا: نسوِّد وجهه، ونطوف به هو والمرأة التي زنى بها على حمار، يكون دبر أحدهما إلى دبر الآخر. وهما راكبان على الحمار، ونطوف بهم في العشائر بين الناس. فحرَّفوا وكتموا، حرَّفوا حيث ادعوا أن هذا هو حد الزنى للمحصن، وكتموا حيث قالوا: ليس في التوراة الرجم. ولهذا لما أنكروا أن يكون في التوراة الرجم طلب النبي ﷺ منهم أن يأتوا بالتوراة فأتوا بها، فجعل القارئ يقرأ، ووضع يده على آية الرجم لأجل أن يخفيها. ولكن أُمِر أن يرفع يده، فلما رفع يده وإذا بآية الرجم تلوح بيّنة واضحة، فأمر النبي ﷺ برجمهما (٢)، أي رجم الزاني والزانية. فالحاصل أنه من طريق أهل الكتاب أنهم يقولون على الله الكذب وهم يعلمون.
٧ - الرد على النصارى الذين زعموا أن عيسى ﵊ له الحق في أن يعبد من دون الله، ولهذا يقول الله له
стр. 457
يوم القيامة: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] فيقول: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ يعني لا يمكن أن أقول هذا، والنصارى يدعون أنَّ من دينهم التثليث، أي أن الله ثالث ثلاثة.
ومن فوائد قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾:
١ - أن مَن مَنَّ الله عليه بالعلم النافع فإنه لا يمكن أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
٢ - أن من ألزم الناس أو أراد منهم أن يتبعوا قوله مهما كان فإنه قد جعلهم عبادًا له؛ لأن طاعة الشخص من العبادة، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، فقال له عدي بن حاتم: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، قال: "أليس يحلُّون ما حرَّم الله فتحلُّونه، ويحرِّمون ما أحل الله فتحرِّمونه؟ قال: نعم، قال: فتلك عبادتهم" (١)، فقد لا يقول الإنسان للناس: اعبدوني، اركعوا لي، واسجدوا، لكنه قد يقول: التزموا بما أقول، وهذا نوع من العبادة.
٣ - أن من منَّ الله عليه بالكتاب والحكمة والنبوة فإنه لا يأمر إلا بخير؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾.
٤ - الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يكون معلمًا ربانيًا؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾، أما ما يحصل من بعض الناس وهو أن
стр. 458
يكون معلمًا لا ربانيًا؛ فإن علمه قاصر جدًّا؛ لأن فائدة العلم وثمرته هي العمل والتأدب بآداب العلم. فإذا كان هذا الرجل يملأ أدمغة الطلاب علمًا ولكن ليس هناك سلوك وأخلاق وأعمال وعبادة، فإن تعليمه ناقص جدًا، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾.
٥ - الرد على منكري الأسباب؛ لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ والباء للسببية، ولا شك أن الأسباب ثابتة، ولكنها ليست مستقلة بالإيجاد أو العدم، بل هي مؤثرة بما أودع الله فيها من قوة التأثير. وبهذا ندفع شبهة من قالوا بنفي الأسباب محتجين بأن إثبات الأسباب يستلزم إثبات خالق مع الله. ونحن نقول لهم: إننا نثبت الأسباب، لكنها لا تؤثر بنفسها بل بما أودع الله فيها من القوة. والدليل على هذا أن إبراهيم ﵊ لما ألقي في النار قال الله للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا عليه، لم يتأثر بها مع أنها محرقة. قال أهل العلم: ولو قال الله تعالى: ﴿كُونِي بَرْدًا﴾ ولم يقل: ﴿وَسَلَامًا﴾ لأهلكته من البرد؛ لأنها تمتثل أمر الله .
٦ - أن المعلم للناس يصح أن نسميه ربانيًا؛ لأنه قال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ ولهذا نجد في تراجم العلماء ﵏ نجد كثيرًا ما يصفون العالم بأنه العالم الرباني.
ومن فوائد قوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾:
١ - إثبات الملائكة، والإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة، فلا يتم إيمان العبد حتى يؤمن بالملائكة.
стр. 459
٢ - أن الذي مَنَّ الله عليه بالكتاب والحكم والنبوة لا يمكن أن يأمر غيره باتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا، كما أنه لا يدعو الناس إلى عبادة نفسه.
٣ - أن من أمر غيره أن يكون عبدًا له فقد أمر بالكفر، ومن أمر أن تتخذ الملائكة والنبيون أربابًا فقد أمر بالكفر؛ لقوله تعالى: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
٤ - أن هذا الكفر مخرج عن الملة؛ لقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
* * *
• ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].
(إذ) مفعول لفعل محذوف تقديره: (اذكر)، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ يعني: اذكر يا محمد لمن أرسلناك إليهم، اذكر هذا العهد والميثاق. (والميثاق) هو العهد، وسمي الميثاق عهدًا؛ لأن كلًّا من المتعاهدين يتوثق به مع الآخر (كالوثاق) الحبل الذي يشد به الإنسان.
وقوله: ﴿مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ يشمل الرسل؛ لأن كل رسول فهو نبي.
وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ فيها ثلاث قراءات (لَمَا آتيتكم)، (لِما أتيتكم)، (لَمَا آتيناكم).
وعلى كل القراءات ففيها التفات من الغيبة إلى الحضور.
وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ في اللام قراءتان الكسر والثانية الفتح.
стр. 460
وقوله: ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ يعني أعطيتكم. والإيتاء هنا يراد به ما آتاه الله النبيين من أمور الشريعة، ولهذا قال ﴿مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الكتاب: معروف كالتوراة والإنجيل. والحكمة: الحكم بين الناس، وإصابة الصواب؛ لأن الحكم بين الناس وإصابة الصواب من تنزيل الأشياء منازلها، وهذا هو الحكمة.
﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾: يعني ما آتيتكم من الكتاب والحكمة إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم فإنكم تؤمنون به وتنصرونه. وقوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ له معنيان:
المعنى الأول: أنه يصدق ما سبقه من الكتب، ويقول مثلًا: إن التوراة حق، والإنجيل حق، وما أشبه ذلك.
والمعنى الثاني: أنه يقع مصداقًا لما سبقه من الكتاب؛ لأن الكتب أخبرت به. فإذا جاء مطابقًا لما أخبرت به صار مصدقًا لها. فيكون على هذا الوجه شهادة لهذا الكتاب بأنه حق، ويكون مع الوجه الأول شهادة بأن الكتب السابقة حق؛ لأن الله تعالى يقول في النبي ﷺ : ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فإذا جاء على الوصف الذي جاءت به التوراة والإنجيل وقع مصداقًا؛ لأنها أخبرت بشيء فجاء هذا الشيء فيكون مصدقًا. أرأيت لو أن أحدًا من الناس قال: إن فلانًا سيقدم اليوم بعد الظهر فقدم، صار هذا الذي قدم مصدقًا لما أخبر به. إذن لما قالت الرسل: إن محمدًا رسول الله يبعث على الوجه الذي ذكر الله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فجاء مطابقًا لما أخبرت به صار مصدقًا لها ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ أي للذي معكم من الكتب السابقة التي جاؤوا بها.
стр. 461
﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ هذا محل الميثاق يعني إذا جاءكم هذا الرسول المصدق لما معكم فإن ميثاقي عليكم لتؤمنن به ولتنصرنه (تؤمنن به) أي تؤمنن بأنه حق (وتنصرنه) أي تعينونه على نشر رسالته، وعلى قتال أعدائه؛ لأن النصر هنا يشمل النصر بالعلم وبالسلاح.
﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾:
لما أخبر أنه أخذ عليهم العهد والميثاق قررهم في هذا: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾.
وقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أي اعترفتم والتزمتم بذلك.
وقوله: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ أي أخذتم العهد الثقيل؛ لأن الإصر الذي جمعه آصار بمعنى الأشياء الثقيلة. فإصري أي العهد الثقيل.
﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ فيها قراءة (آقررتم) بمد الألف الأولى.
﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ أي اعترفنا والتزمنا بأن نؤمن به وننصره.
﴿قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: اشهدوا يعني ليشهد بعضكم على بعض، ولتشهدوا كلكم على الميثاق الذي بيني وبينكم وأنا معكم من الشاهدين، وكفى بالله شهيدًا، فاستشهدهم على أنفسهم، وشهد عليهم بما حصل.
* * *
• ثم قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢ - ٨٣].
﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾:
أي بعدما ذكر من هذا البيان والإيضاح، وأن محمدًا ﷺ قد
стр. 462
أُخذ على جميع الأنبياء أن يؤمنوا به، وأن ينصروه، وما أخذ على المتبوع مأخوذ على التابع؛ يعني ما أخذ على الأنبياء مأخوذ على أتباعهم أيضًا. فإذا كان واجبًا على الأنبياء أن يؤمنوا به وينصروه كان واجبًا على أتباعهم أن يؤمنوا به وينصروه. ولهذا لما رأى الرسول ﷺ مع عمر بن الخطاب شيئًا من التوراة غضب وقال: "ألم آت بها بيضاء نقية؟ لو كان أخي موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي" (١). كيف تأتي بالتوراة؟ القرآن فيه غنى عن كل كتاب، كل ما في الدنيا من الكتب فالنافع منها موجود في القرآن لا حاجة إليها. لاسيما وأنها الآن ليست من الكتب المنزلة من السماء بل فيها من التحريف والتبديل والإخفاء ما الله به عليم.
﴿فَمَنْ تَوَلَّى﴾ يعني من أُمَمِ هؤلاء الأنبياء، ولا ترد هذه الشرطية على الأنبياء؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام شهدوا على أنفسهم وشهد الله معهم، لكن إنما ترد هذه الشرطية على أتباعهم، يعني: فمن تولى من أتباع الأنبياء بعد ما ذكر من هذا الميثاق العظيم فهو فاسق.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل. والفاسقون هم الذين خرجوا عن مستوى العدل، وعن مستوى الرجولة، وعن مستوى الإيمان. خرجوا عن الطاعة، تولوا وأعرضوا، هؤلاء هم الفاسقون. والمراد بالفسق هنا فسق الكفر؛ لأن الفسق يطلق على فسق المعاصي وعلى فسق الكفر؛ فمن الأول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. هذا فسق
стр. 463
المعصية. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠] المراد بالفسق: فسق الكفر؛ لأنه جاء في مقابل الإيمان، جاء قسيمًا للإيمان. وقسيم الشيء غير الشيء، فأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] فهل هو فسق كفر أو فسق معصية؟ قيل: معصية، وقيل: كفر، وقيل بالتفصيل.
ثم قال: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾:
الدين يطلق على الجزاء وعلى الشرط، يعني على العمل وجزائه.
فمن إطلاقه على الجزاء قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٩].
وقال تعالى في سورة الفاتحة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤] الدين هنا بمعنى الجزاء.
ومن إتيان الدين بمعنى العمل والشريعة قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦] وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] أي شريعة. وهنا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ دين الله يعني شريعته التي شرعها لعباده، وأضافها الله لنفسه، بيانًا لأهميتها، وأنها الشريعة العادلة النافعة التي لا يقوم الخلق إلا بها؛ لأنها شريعة الله، فهي أكمل الشرائع. وأضافها
стр. 464
لنفسه أيضًا لأنه الذي شرعها. أحيانًا يضاف الدين إلى العامل مثل قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] أصلها (ولي ديني) فيضاف إلى العامل باعتبار أنه أخذ به وتمسك به، ويضاف إلى الله باعتبار أنه هو الذي شرعه ووضعه لعباده.
وقوله: ﴿يَبْغُونَ﴾ أي يطلبون. وهذا الاستفهام للإنكار والتوبيخ. ينكر على من يطلب غير دين الله ويوبخه. وفيها قراءة "تبغون" (أفغير دين الله تبغون) قراءة سبعية، وعلى هذا يحسن أن نقرأ أحيانًا (أفغير دين الله تبغون) وأحيانًا نقول: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ إلا إذا كنا بحضرة عوام فلا نقرأ القراءتين وإنما نقرأ عندهم ما يعرفون؛ لأنك لو قرأت عند العامة بالقراءتين لتسلطوا عليك من جهة، ولَانْحَطَّ قدر القرآن في أعينهم من جهة أخرى، ولأجلبوا عليك بالخيل والرجل، وقالوا: ما بقي عليك إلا أن تغير القرآن، ولتحسَّبوا عليك ليلًا ونهارًا. فإذن لا تقرأ بغير ما يعرفون. أما فيما بينك وبين الله فاقرأ هذا أحيانًا، وهذا أحيانًا، بشرط أن تكون متيقنًا لهذه القراءة، لأن هذا كلام الله فلابد أن تتيقن.
قال: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾:
الواو هذه للحال، يعني والحال أنه أسلم له من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا "أسلم" إسلامًا كونيًا ليس إسلامًا شرعيًا؛ لأن الإسلام الشرعي ليس فيه إكراه؛ ولأن الإسلام الشرعي لا يعم من في السماء والأرض بل يعم من في السماء، ولا يعم من في الأرض وقوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ أي انقاد انقيادًا كونيًا، وإنما قال: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ بعد قوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ لإقامة الحجة على من لم يسلم لله شرعًا ولم يتبع دينه.
стр. 465
كأنما يقال: لقد أسلمت لله كونًا، فيجب أن تسلم له شرعًا؛ لأن الربَّ الذي يدبر الخلق كما يشاء، شاءوا أم كرهوا، هو الذي يجب أن نتمشى على شرعه. فيكون هذا كالدليل لما سبق.
وقوله: ﴿أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ﴿مَنْ﴾ أتى بمن الدالة على العاقل تغليبًا لجانب العقلاء؛ لأننا لو قسنا من في السموات والأرض لكان الأكثر العقلاء؛ لأن السموات ما من موضع أربعة أصابع إلا وملكٌ قائم لله أو راكع أو ساجد (١)، والسماء واسعة جدًّا، ما يعلم سعتها إلا الله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]، السماء الدنيا أوسع بكثير من الأرض، والسماء الثانية أوسع بكثير من السماء الدنيا، وهلُمَّ جرًّا .. كل سماء أوسع مما تحتها.
وقوله: ﴿وَالْأَرْضِ﴾ الأرض مفرد لكن المراد بها الجنس فيشمل الأرضين، والأرضون سبع بظاهر القرآن وصريح السنة. ظاهر القرآن قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، فإن المثلية هنا ليست بالكيفية، وليست بالكمية يعني بالثقل، السماء أعظم من الدنيا، لكنها بالعدد مثلهن في العدد.
وصريح السنة قوله ﷺ : "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين" (٢)، وفي هذا الحديث
стр. 466
دليل على أن السبع متطابقة يعني بعضها داخل بعض؛ لأنه يقول طوقه يوم القيامة من سبع أرضين، وهو إنما غصبه من الأرض العليا الظاهرة. فتكون الثانية في جوفها، والثالثة في جوف الثانية، وهلم جرا، تكون متطابقة. وبه نعرف أن من قال: إن المراد بالسبع سبع القارات فقد أخطأ؛ لأنها لو كانت سبع قارات فما هي صلة الأرض الثانية والثالثة وما بعدها بالأرض التي حصل فيها الغصب.
وقوله: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ طوعًا يحتمل أن يكون مصدرًا منصوبًا على أنه صفة لمصدر محذوف، والتقدير إسلامًا طوعًا. ويحتمل أنه مصدر منصوب على الحال مؤول باسم الفاعل. حال من قوله: ﴿أَسْلَمَ مَنْ﴾ يعني التقدير: وله أسلم من في السموات والأرض طائعين ومكرهين.
والطوع ما فعل بالاختيار، والإكراه ما فعل بغير الاختيار.
قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾:
وفي قراءة (ترجعون) بناءً على القراءة في (تبغون). يعني هؤلاء الذين هم مسلمون لله سوف يرجعون إلى الله ، وينبئهم بما عملوا، ويحاسبهم على ما أرسل إليهم من الرسل.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة قالوا مثلًا: لو اختلفت القراءة في آية فهل لك أن تقرأ في أولها بقراءة واحدة وفي آخرها بقراءة أخرى.
أ - فمن العلماء من قال: نعم يصح؛ لأن الكل وارد ولكن الراوي أو القارئ الذي رواها هو الذي يبقي على ما روى، أما
стр. 467
أنا فمنقول إلي، وقد ثبت أن الرسول ﷺ قرأ أول الآية على هذا الوجه وآخر الآية على هذا الوجه، فلي أن أقرأها بالوجهين، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح.
ب - وبعضهم قال: لا، إذا قرأت بقراءة واحدة لا تقرأ بقراءة الثاني في آخر الآية، فمثلًا في الآية التي معنا: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يصح، ويكون المراد ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ من في السموات والأرض.
أما في الإعراب فنقول: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ فيها استفهام يليه حرف عطف، وقد ذكرنا في مثل هذا التركيب للعلماء قولين:
القول الأول: أن الهمزة للاستفهام، وحرف العطف الذي بعدها عاطف لما بعده على مقدر بينه وبين الهمزة يعينه السياق.
والقول الثاني: أن الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف على ما سبق، لكنها أخرت لتكون الصدارة للاستفهام، وتقدير الكلام على هذا الوجه (فأغير دين الله يبغون)، وهذا الوجه أحسن من الوجه الأول؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير؛ ولأن الأول الذي يحتاج إلى تقدير قد يعييك في بعض الأحيان أن تجد شيئًا تقدره يناسب المقام، مثلًا: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٩]، إذا قلنا إنها معطوف على محذوف قد تقدر أغفلوا فلم يسيروا في الأرض. هنا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ أضلوا فغير دين الله يبغون؛ لأن من بغى غير دين الله فهو ضال.
стр. 468
وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يعني كما أنه له السلطان الكامل عليهم في الدنيا فإنهم أيضًا يرجعون إليه في الآخرة. وتقديم المتعلق يدل على العموم أو يدل على التخصيص؛ لأن المتعلق هو مفعول الفعل، وتقديم المفعول يفيد الحصر يعني يرجعون إلى الله لا إلى غيره، وسوف ينبئهم بما عملوا إذا رجعوا إليه.
من فوائد الآيات الكريمة:
من فوائد قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]:
١ - أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مربوبون، متعبدون لله ، كما أن غيرهم كذلك. ووجهه من الآية: أن الله أخذ عليهم الميثاق بالتكليف.
٢ - إثبات أن الميثاق يكون بما أعطاهم الله من الكتاب والحكمة، بناء على القراءة الثانية (لِمَا آتيتكم من كتاب). أما القراءة التي في المصحف "لَمَا" فإنه يستفاد منها فائدة وهي: أن الله أعطاهم العهد أو أخذ منهم العهد والميثاق بما آتاهم من الكتاب والحكمة. يعني لكونهم أوتوا الكتاب والحكمة صاروا أهلًا لهذا الميثاق العظيم، وأنهم مهما أوتوا فلابد أن يؤمنوا بهذا الرسول.
٣ - ما مَنَّ الله به على النبيين من الكتاب والحكمة. ويتفرع على هذه الفائدة أن من ورث هذا الكتاب والحكمة فإنه قد أخذ بحظ وافر مما أنعم الله به على النبيين. ولهذا جاء في الحديث
стр. 469
عن النبي ﷺ : "إن العلماء ورثة الأنبياء" (١)، فيجب عليهم إذ ورثهم الله علم الأنبياء أن يقوموا مقام الأنبياء في الدعوة إلى الله، ونشر العلم، والجهاد في سبيله، ومن توانى منهم عن ذلك فقد قصر.
٤ - فضيلة نبينا محمد ﷺ ، لكون الله أخذ على جميع الأنبياء الميثاق والعهد أن يؤمنوا به.
فإن قال قائل: كلمة ﴿رَسُولٌ﴾ نكرة، فما الذي جعلك تجعلها للنبي ﷺ والأصل في النكرة أنها اسم جنس شائع لا يختص به واحد دون آخر؟
فالجواب عن ذلك أن يقال: إن هذا الوصف الذي وصف به هذا الرسول ينطبق تمامًا على النبي ﷺ . ويدل لذلك أن رسول الله ﷺ قال لعمر: "لو كان أخي موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي" (٢)، ويدل لذلك أيضًا أن النبي ﷺ لما جمع الله له الأنبياء ليلة المعراج صار هو إمامهم فصار هو المتبوع، لا التابع ﵊.
٥ - أن رسالة النبي ﷺ جامعة للتصديق بجميع الرسالات؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾، ولهذا كانت هذه الأمة -ولله الحمد- وأسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم -هي المصدقة تمامًا لجميع الرسل، وهذه ميزة ليست لغيرها.
стр. 470
٦ - أنه يجب على الأنبياء أن يؤمنوا بهذا الرسول الذي يأتيهم مصدقًا لما معهم، وأن ينصروه؛ لقوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾. وإذا كان هذا واجبًا على الأنبياء، كان واجبًا على أممهم؛ لأن ما وجب على الإمام وجب على تابعه. فيجب على جميع الأمم أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ، وأن ينصروه. ومن لم يكن كذلك فقد كفر برسوله؛ لأن رسوله قد أعطى الله هذا الميثاق. ومعلوم أنهم إذا كانوا صادقين في اتباع رسولهم أن يتبعوا ما التزم به رسولهم.
٧ - أنه يجوز بل يشرع في الأمور الهامة أن يقرر من أخذ عليه العهد حتى يقر ويعترف زيادة على العقد الأول الذي جرى بينه وبين معاهده؛ لقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ وهذا يرد في الأمور العظيمة العامة، ونظيره من بعض الوجه أن النبي ﷺ لما قرر من اعترف بالزنا سأله: أفعلت كذا، أفعلت كذا حتى قال له: أنكتها ولم يُكَنِّ. قال: نعم، قال: كما يغيب الرشأ في البئر والمرود في المكحلة (١)، قال: نعم. كل ذلك من أجل التثبيت.
٨ - إثبات كلام الله ، وأنه متعلق بمشيئته؛ لقوله: قال: أأقررتم، قالوا: أقررنا، قال: فاشهدوا. وكل هذا يدل على أن كلامه بصوت مسموع، وأنه متعلق بمشيئته. فيكون فيه الرد على الأشاعرة الذين قالوا: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأنه لا يتعلق بمشيئته؛ لأنه وصف لازم له لزوم العلم والحياة.
٩ - جواز إشهاد الإنسان على نفسه إذا قلنا: إن قوله: ﴿قَالَ
стр. 471
فَاشْهَدُوا﴾، خطاب لكل إنسان على حدة. وأما إذا قلنا: (اشهدوا) أي بعضكم على بعض، فليس في الآية دليل على ذلك. لكن الإشهاد على النفس أمر جاءت به الشريعة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥].
١٠ - تقوية هذا العهد بهذه التقريرات والإشهادات المختومة بقوله: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، وما أعظم شهادة الله في أمر من الأمور. وهذا كله مما يزيد فضيلةً لرسول الله ﷺ ، أن يؤخذ مثل هذا العهد المؤكد بهذه المؤكدات من أجل الإيمان به ﷺ ونصرته.
١١ - أنه إذا كان واجبًا على الأنبياء والأمم السابقين أن يؤمنوا برسول الله ﷺ وينصرونه، كان إيماننا نحن به ونصرته من باب أولى؛ لأننا ننتسب إليه، وننتمي إليه، ونعتقده إمامنا، ﵊، فكان واجبًا علينا أن ننصره. ومن المعلوم أن نصره في حياته هو الجهاد معه جنبًا إلى جنب، وأما نصره بعد وفاته فهو نصر سنته ونشرها، وبيانها للناس، والدفاع عنها، والجهاد في نصرتها، كل هذا واجب على الأمة الإسلامية. وبناء على ذلك يجب على الأمة الإسلامية أن ترفض كل وارد إليها من أعداء الله إذا كان مخالفًا للسنة؛ كل شيء يرد علينا من الكفار من عقائد وأخلاق وأعمال ومعاملات وغيرها إذا كان مخالفًا لسنة الرسول ﷺ ، فإن أقل ما يقال في النصرة أن يرفض هذا الشيء، وأن يضرب به وجه مورده، وأن لا يكون له مكان بين الأمة الإسلامية؛ لأنه كيف يكون نصره ونحن نستورد من أعداء هذه النصرة ما يخالف هذه النصرة؟ من ادعى ذلك فهو كاذب. فإن
стр. 472
فعله يكذب قوله، ولو كان قوله صادقًا لكان أول ما يقوم به من نصرة شريعة الله أن يرفض كل ما خالف شريعة الله.
ومن فوائد قوله : ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢]:
١ - أن الفسق يطلق على الكفر. ومن شواهد ذلك قوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠].
٢ - أن من تولى قبل قيام الحجة عليه، لم يحكم عليه بالفسق؛ لقوله: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ويتفرع على هذا فائدة مهمة وهي: أن الشرائع لا تلزم قبل العلم. وهذه مسألة عظيمة جدًّا، اختلف فيها العلماء اختلافًا طويلًا عريضًا، لكن من تأمل نصوص الكتاب والسنة، وتأمل أيضًا ما لله من صفات عظيمة، تبين له أن الشرائع لا تلزم قبل العلم؛ لأن الله كتب على نفسه أن رحمته سبقت غضبه. ولو قلنا بوجوب الشرائع قبل العلم لكان الغضب سابقًا على الرحمة؛ لأننا نلزم الإنسان بشيء لم يعلمه. لكن ربما يكون من الإنسان تفريط في السؤال، أي لا يسأل، فحينئذٍ قد نلزمه قبل أن يعلم من أجل تفريطه. أما لو لم يكن مفرطًا كإنسان نشأ في بادية، ولا يعلم شيئًا عن الدين، وليس عنده عالم، ولا طرأ على باله، فكان يصلي على جنابة بدون اغتسال، وبقي على ذلك عشر سنوات أو أكثر، فجاء يسأل نقول له: ليس عليك شيء؛ لأنك لم تعلم بوجوب الغسل من الجنابة. لكن لو كان في البلد، ويسمع ويستطيع أن يسأل، فربما نلزمه
стр. 473
بقضاء ما مضى. ومن ذلك ما يحدث لكثير من النساء التي تبلغ بالحيض وهي صغيرة، ولكنها لا تصوم بناء على أنها صغيرة، وأن الصوم لا يلزم إلا من تمَّ لها خمس عشر سنة، ثم تأتي تسأل، فإذا علمنا من حالها أنها معذورة بالجهل فإننا لا نلزمها بقضاء ما فات من الصيام لأنها معذورة. وهذا في الذي ينتسب إلى الإسلام نعذره، ونحكم بإسلامه، ونصلي عليه إذا مات، أمَّا من لا ينتسب إلى الإسلام فهذا كافر، كافر في الدنيا، وأما في الآخرة فعلمه عند الله، فالقوم الذين لم تبلغهم الدعوة وهم كفار، هؤلاء كفار في الدنيا لو ماتوا لا نصلي عليهم، ولا ندعو لهم. لكن في الآخرة، الصحيح أن أمرهم إلى الله، وأن الله تعالى يمتحنهم بما يشاء من تكليف. فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، وهذه مسألة يجب الانتباه إليها.
أما من ينتسب إلى الإسلام ولكنه على حال تكفره؛ من تَرْكِ واجب، أو فِعْلِ محرم، وهو لم يبلغه الشرع فإن القول الراجح أنه لا يحكم بكفره؛ لأنه معذور. ولهذا تجد في نصوص الكتاب والسنة كلها أو غالبها مقيدًا ببلاغ الرسالة بالعلم، أو بالتبين وما أشبه ذلك. وهذا كما قلت لكم هو مقتضى صفة الله وهي أن رحمته سبقت غضبه، والحمد لله رب العالمين. ولهذا يقول ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾. وأما من قال: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ إن هذا القيد من أجل عظم الشناعة عليهم، وأن من تولى وإن لم يتبين له الأمر فهو فاسق، لكن قيده بالبعدية من أجل عظم الشناعة عليهم، فهذا خلاف الأصل؛ لأن الأصل أن ما قيد بوصف فالوصف عائد له نفسه، لا إلى شيء آخر. وهنا الذي قيِّد بالبعدية التولي، فإذا تولى بعد أن بلغه العلم فهو فاسق.
стр. 474
ومن فوائد قوله : ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]:
١ - أن من ابتغى غير دين الله، ولو في التنظيم، وما يسمى بالقانون، فإنه مستحق لهذا التوبيخ العظيم. ويدل لذلك قوله تعالى في سورة المائدة، وهي من آخر ما نزل: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، وحكم الجاهلية: كل ما خالف حكم الشرع، فهو حكم جاهلية؛ لأن حكم الشرع مبني على علم، وما سواه مبني على جهل. وهذا في غاية ما يكون من التوبيخ والتقريع أن تبتغي حكمًا جاهليًا وتدع حكم العليم الخبير، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، وبه نعرف أن من ابتغى حكمًا غير حكم الله فهو من أضل عباد الله، وأسفه عباد الله، وأخسر عباد الله، وأنه لن تصلح له أمور دينه ولا دنياه والعياذ بالله.
٢ - أن من شرط صحة العمل وقبوله أن يكون موافقًا لشرع الله، وجهه أن الله أنكر على من بغى دينًا غير دين الله، ولهذا كان من شرط العبادة الإخلاص لله، وموافقة شريعة الله.
٣ - تشريف هذا الدين الذي شرعه الله؛ لأن الله أضافهُ إلى نفسه فقال: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾.
٤ - إقامة الحجة على أنه لا يليق بالإنسان أن يبغيَ دينًا غير دين الله وهو مربوب مملوك لله؛ لقوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾. وقد تقدم أن هذه الجملة يحتمل أن تكون حالية، ويحتمل أن تكون استئنافية.
стр. 475
٥ - عموم ملك الله وسلطانه. ويؤخذ من قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾، وهذا تمام السلطان والملك أن كل من في السموات والأرض فهو مستسلم لله، طائعًا كان أم مكرهًا.
ولذلك لا أحد يمكنه أن يشذ أو يقاوم قدر الله. لو جاء أعتى خلق الله يريد أن يقاوم ما أراد الله تعالى قدرًا لا يمكنه ذلك أبدًا. فرعون جبار عنيد أغرق بما كان يفتخر به: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١] أُهلك بالماء الذي كان يفتخر به. وعادٌ استكبروا في الأرض وقالوا: من أشد منا قوة، فأهلكوا بالريح، هواء سخره الله عليهم حتى دمرهم، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم. هذا تمام القوة والقدرة. وضعفاء الإيمان اليوم إذا قيل لهم: ارجعوا إلى دينكم، تُنصَروا على أعدائكم، قالوا: كيف ونحن لا نعرف أن نصنع الإبرة، كيف نقاوم أهل الصواريخ، والمدافع، وأهل القنابل الموجهة؟ ! لم يعلموا أن الأمر بيد الله ، وأنه إذا شاء أطبق عليهم الأرض تطبيقًا وخسف بهم إلى السابعة بكلمة واحدة. لو صدقنا الله لصدقنا الله، ولكننا في الحقيقة ضيعنا أمر الله، فلما نسينا الله نسينا الله وتركنا.
سمعت أنا قبل سنوات أن الله أرسل على واشنطن، عاصمة أمريكا، أرسل عليها صواعق من هذا الغمام الذي هو مثل القطن، صواعق دمرتها تقريبًا، حتى قطعت أسلاك الكهرباء، وسكتت المكائن، وصارت هذه العاصمة التي هي من أكبر عواصم الدنيا صارت دامسة، وحصل سطو ونهب عظيم على
стр. 476
الفنادق ومحلات التجارة، وهذه الصواعق من أدنى شيء. الزلزال يضرب الأرض، وفي لحظة واحدة يدمر مئات المدن والقرى. قد حصل هذا الزلزال بكلمة واحدة (كن) انقلب أعلى الأرض أسفلها، وتغيرت معالم الأرض كلها.
فنحن إذا صدقنا الله صدقنا الله. يذكر أن سعد بن أبي وقاص ﵁، وهو يطارد الفرس من مدينة إلى مدينة، حتى وصل إلى دجلة، فانتقل الفرس إلى المدائن من وراء دجلة من الشرق، وأغرقوا السفن، وكسروا الجسور، من أجل أن لا يعبر إليهم المسلمون. وقف سعد ليس معه إلا الإبل والخيول والراجلة، لا يستطيع أن يجاوز مكانه، فنادى سلمان الفارسي ﵁ وقال له: يا سلمان، أعطنا من تصميمك للحرب؛ لأنه هو الذي أشار على الرسول ﷺ بحفر الخندق. قال: والله يا سعد لا حيلة إلا ما كان من تقوى الله، ولكن دعني أنظر في القوم -يعني الجند- إن كانوا على تقوى من الله، فإن الذي فلق البحر لموسى سييسر لنا العبور على هذا البحر؛ لأن هذه الأمة خير من أمة موسى -الله أكبر، إنه الإيمان-.
فذهب سلمان فنظر في الجند فوجدهم في الليل يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا، وفي النهار في شأن الحرب، وما يصلح الحرب. فرجع إليه بعد ثلاث وقال: هم على خير ما يرام، ولكن استعن بالله واعبر، فنادى سعد بن أبي وقاص في القوم وقال: إنا عابرون إن شاء الله، ولكن سأقف، وأقول: باسم الله، وأكبر الله ثلاثًا، فإذا كبرت الثالثة فاعبروا. ففعل فقال: بسم الله، ثم كبر، ولما كبر الثالثة عبر الناس يمشون على الماء، والنهر يسير ويقذف بزبده، وليس مثل البحر واقفًا، ولكنه يجري، يقول أهل التاريخ:
стр. 477
حتى إن الفَرَس إذا تعب أنشأ الله له ربوة من الأرض، فوقف الفرس عليها يستريح، حتى عبروا دجلة. فلما رآهم الفرس ضجوا وصاحوا وقالوا: إنكم إنما تقاتلون جنًّا، لا طاقة لكم بهؤلاء، فِرُّوا، ففروا وخرجوا من المدائن، وانكسروا ولله الحمد براية التوحيد والجهاد الذي أْنشئ على التقوى؛ لتكون كلمة الله هي العليا وليس طلبًا للشهرة، وليس من أجل القومية، أو العصبية، أو الوطن، ليس على بالهم إلا أن تكون كلمة الله هي العليا، يكون هذا القرآن هو القانون لأهل الأرض.
أهل المدائن هربوا منها، عاصمة الفرس، فجاء المسلمون وفتحوها، وكسبوا من الأموال ما لا يعلمه إلا رب العباد مثل ما قال النبي ﷺ : "لتنفقن كنوزهما -كنوز كسرى وقيصر- في سبيل الله" (١)، وأخذوا التاج -تاج كسرى- وهو الذي يجلس تحته، ويضعه فوق رأسه، مرصع باللآلئ والذهب، وما شاء الله من حلي الدنيا، فأرادوا أن ينقلوه، فلم يجدوا إلا جملين كبيرين يحملانه من المدائن إلى المدينة، فحملوه على جملين، من المدائن إلى المدينة ثم وضعوه بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ -وما أدراك ما عمر- الذي عدل فعدلوا، وأمن فأمنوا، قال وهو ينظر إليه: والله إن قومًا أدوا هذا لأمناء. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: نعم يا أمير المؤمنين إنهم أمناء لأنك كنت أمينًا، ولو أنك رتعت لرتعوا؛ -الله أكبر- فهذا تاج كسرى من المدائن يوزع بين المسلمين في المدينة. من الذي
стр. 478
نصرهم حتى عبروا النهر بخيلهم ورجلهم إلا الله . لماذا لا نؤمن بهذا؟ والله إننا ضعفاء الإيمان. أليس الرب وهو أصدق القائلين وأقدر الفاعلين يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠، ٤١] تأكيدات لفظية ومعنوية في الآيتين من الله ، توجب علينا الأخذ بما جاء في هذه الآية الكريمة.
بأي شيء ننصر الله؟ لأن الله شرط: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠].
نرى الآن النكبات تأتي على المسلمين متنوعة وما رأينا أحدًا إلا القليل النادر يقول: يا جماعة، ارجعوا إلى دينكم، البلاء منكم. من الذي يتكلم ويقول: إن الخطأ خطؤنا، والظلم ظلمنا، فلنرجع إلى ربنا، حتى لا يسلط علينا هؤلاء الظالمين؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩]، تأتي النكبات وكأنها حوادث مادية، لا علاقة لها بالدين مع أننا مسلمون. هذه الحوادث ما تكون إلا بفعلنا. الكافر ربما يعطى في الدنيا ما يريد لأنهُ عجلت له طيباته في الحياة الدنيا، ينعم في الدنيا أكثر مما ينعم المسلم، حتى إذا انتقل إلى الآخرة صار العذاب عليه أشد؛ لأنه ينتقل من نعيم إلى عذاب. فيفقد هذا الذي يدركه في الدنيا فيكون عليه أشد وأعظم. لهذا وصيتي للمخلصين في مثل هذه الظروف أن يدعُوا الناس ويقولوا: ليس ما أصابنا هو حدث مادي أو خلاف من أجل المال أو الاقتصاد أو الحدود أو الأرض أو ما أشبه ذلك، وإنما هو قدر
стр. 479
إلهي سلط بعضنا على لأننا أضعنا أمر الله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، أما أن نبقى هكذا، كأن شيئًا لم يجرِ، التاجر في كذبه وغشه، والموظف في خيانته وعدم القيام بالعمل، كل إنسان في الذي هو فيه، فهذا لا شك يدل على موت القلوب وقسوتها، وأنها لا تتعظ، وأن الأمور والحوادث يوشك أن تتطور وتتغير إلى أسوأ؛ لأن الله يقدر مثل هذه الأمور لعلنا نحدث توبة، كما قال الرسول ﷺ في الكسوف: ". . . ولكنها آيات من آيات الله ﵎ يعتبر بها عباده، فينظر من يحدث له منهم توبة" (١)، ولكن أين القلوب الواعية؟ ! نسأل الله تعالى أن يعيذنا من قسوة القلوب وغفلتها.
الحاصل أن الله ينكر على هؤلاء الذين يبغون دينًا غير دين الله، ويقول: كيف تبغون غير دين الله، والأمر كله لله، وله أسلم من في السموات والأض طوعًا وكرهًا.
٦ - إثبات السموات وأنها عدد، وقد جاءت الأدلة بأنها سبع، وكذلك الأرضين سبع، لكن لم يفصح الله تعالى بها في القرآن، بل قال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، وجاء الإفصاح بها في السنة.
٧ - أن الرجوع إلى الله ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يرجعون في الدنيا، ويرجعون في الآخرة. أما في الدنيا فإن المرجع إلى الله في الأحكام؛ الحكم لله، العبادة لله، والأمر كله لله، والنهي كله لله. نرجع إليه، وإلى شرعه، لا إلى رأي فلان وفلان، ولا
стр. 480
إلى قانون فلان وفلان، ولا إلى نظام فلان وفلان، إنما نرجع إلى الله. كذلك نرجع إليه في الآخرة، وسوف يحاسب كل إنسان على ما عمل. فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره.
٨ - إثبات البقاء لله؛ لأنه إذا كان مرجع كل الخلق لزم من ذلك أنه سيبقى ليكون مرجعًا لجميع الخلق.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤].
الخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ . والخطاب للنبي ﷺ خطاب له وللأمة، ما لم يقم دليل على أنه خاص به. والمتأمل في الخطاب الموجه للنبي ﷺ يتبين له أنه على ثلاثة أقسام:
قسم دلَّ الدليل على أنه خاص به، وقسم دلَّ الدليل على أنه له وللأمة، وقسم ليس فيه دليل.
أما ما دلَّ الدليل على أنه خاص به فهو له، يختص به، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٣]، وقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١].
وأما ما دلَّ الدليل على العموم، فهو على العموم، مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]، وما سوى ذلك فإنه يكون عامًّا له وللأمة، لكن وُجِّه الخطاب إليه باعتباره الإمام لأمته ﵊. والخطاب
стр. 481
الموجه للإمام موجه له ولمن كان مؤتمًا به. ولهذا لو وجه الضابط أمرًا إلى القائد لكان هذا الأمر للقائد، ولمن كان تبعًا له. فهنا يقول الله : ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ فالخطاب للنبي ﷺ ، والمراد هو وأمته. بيان أن هذا هو المراد قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]. فقال: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ والإيمان بالله يتضمن أمورًا: الأمر الأول: الإيمان بوجوده، الثاني: الإيمان بربوبيته، الثالث: الإيمان بألوهيته، الرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته. لكن الثلاثة الأخيرة لابد من توحيده بذلك أي توحيده بالربوبية، وبالألوهية، وبالأسماء والصفات. أما الوجود فشامل له ولغيره، وإن كان وجود الخالق يختلف عن وجود المخلوق. فمن لم يؤمن بوجود الله فهو ليس بمؤمن. ومن آمن بوجوده ولم يؤمن بربوبيته على وجه عام شامل، فهو لم يؤمن بالله. ومن آمن بالله وربوبيته ولكن لم يؤمن بالألوهية فليس بمؤمن. ومن آمن بذلك كله ولم يؤمن بأسمائه وصفاته فليس بمؤمن. لكن الأخير فيه تفصيل، قد يخرج من الإيمان بالكلية وقد لا يخرج.
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾:
وهو القرآن الكريم، والسنة النبوية، كلاهما منزل. قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] فيشمل القرآن والسنة.
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾:
وما أنزل على إبراهيم الخليل ﵊، وهو أبو الأنبياء. والذي نعرف مما أنزل إليه الصحف كما ذكر الله ذلك في موضعين من القرآن؛ في سورة النجم، وسورة الأعلى،
стр. 482
فقال تعالى في سورة النجم: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾، وقال في سورة الأعلى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾.
وإسماعيل، لم يصل إلينا كتابه الذي نزل إليه، ولم نعرف إلا أنه أُنزل إليه، ولكن مع هذا يجب علينا أن نؤمن بما أُنزل على إسماعيل.
وإسماعيل هو الولد الأول لإبراهيم، وهو أبو العرب، وهو الذي صبر ذلك الصبر العظيم حين قال له أبوه: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢]، فقال هذا الابن الحليم: ﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢].
ولله درُّه من ابن، ابن لم يبلغ، ولكنه بلغ مع أبيه السعي، وهو أشد ما تكون النفس تَعلُّقًا به؛ لأن الكبير من الأولاد قد زلت النفس عنه، والصغير لم تتعلق به بعدُ ذلك التعلُّق. ومع ذلك فإن إبراهيم الخليل ﵊ نفَّذ ما أمره الله به، قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤، ١٠٥]. لكن أرحم الراحمين نسخ هذا الأمر حين أسلما وتلَّه للجبين.
(أسلما): يعني استسلما وانقادا لأمر الله، وتلَّه للجبين كابًّا له على الأرض، لئلا يرى وجهه حين يذبحه، فلما قارب أن يذبحه جاء الفرج من الله . وهكذا يكون الفرج، كلما اشتدت الكرب، فانتظر الفرج. كما قال النبي ﷺ : "واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر
стр. 483
يُسرًا" (١) ولن يغلب عسر يُسرين كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦].
والحاصل أن إسماعيل هو الولد الأكبر لإبراهيم، وهو الذبيح بلا شك؛ لأن الله ذكر قصَّة الذبح في سورة الصافات قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٢] بعد هذا.
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾. "وإسحاق" ذكر بعده للترتيب الزمني، والظاهر -والله أعلم- للترتيب المنزلي أيضًا؛ لأن إسماعيل أفضل من إسحاق؛ لأن إسماعيل أبٌ لأشرف الخلق محمد ﷺ ، وإن كان إسحاق أبًا لأكثر الأنبياء، فالأنبياء من ولد إسحاق أكثر من الأنبياء من ولد إسماعيل، لكن العبرة بالأفضلية. محمد ﷺ أشرف الخلق من ذرية إسماعيل، فالظاهر -والعلم عند الله- أنه أخره ذِكرًا؛ لأن إسماعيل أفضل منه وأسبق. أفضل منه قدرًا، وأسبق زمنًا .. ومع ذلك فكل منهم في المرتبة الأولى من مراتب الخلق ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] أسأل الله أن يجعلنا من رفقائهم.
قال : ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ ويعقوب بن إسحاق وهو الملقب بإسرائيل، والذي ينسب إليه بنو إسرائيل. وأخره عن الاثنين؛ لأنه متأخر عنهما زمنًا.
﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾: جمع سبط. وأصل السبط في اللغة ابن البنت، ولهذا يقال في الحسن والحسين ﵄ سبطا
стр. 484
رسول الله ﷺ . وابن الابن يسمى حفيدًا ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢] أي أبناء ابن، وفي المراد بهم قولان:
القول الأول: أن المراد بالأسباط أولاد يعقوب وأنهم أنبياء.
القول الثاني: أن المراد بهم شعوب بني إسرائيل الذين فيهم الأنبياء، وعلى هذا فيكون في الآية على هذا المعنى، تقدير: أي وما أنزل على أنبياء الأسباط. ويؤيد القول الأول أنه لا يحتاج إلى تقدير؛ لأن الثاني يحتاج إلى تقدير، وتقديره أنبياء الأسباط. وإذا دار الكلام بين أن يكون ذا تقدير أو خاليًا منه حُمِل على الخالي منه لأنه الأصل، والأصل عدم التقدير. لكن يضعفه أن الأسباط هم أبناء البنات، وهنا لا يتناسب مع الآية؛ لأن أولاد يعقوب أحفادٌ لإسحاق أو أحفادٌ لإبراهيم وليسوا أسباطًا، والقرآن نزل باللغة العربية فيجب أن تحمل الكلمة في القرآن على المعنى اللغوي ما لم تكن حقيقة شرعية تمنع من حمله على المعنى اللغوي، فإذا وجد حقيقة شرعية تمنع من حمله على المعنى اللغوي اتبعنا الحقيقة الشرعية، كالصلاة مثلًا في اللغة: الدعاء، وفي الشرع: هي التعبد لله تعالى بذات الأقوال والأفعال المعلومة؛ المفتتحة بالتكبير، المختتمة بالتسليم.
يضعفه كذلك أنه لم يقم دليل على نبوة أولاد يعقوب إلا يوسف، ويوسف من الأنبياء لا شك، أما أولاده الآخرون الأحد عشر فإنه لم يقم دليلٌ على كل واحدٍ منهم بخصوصه أنه نبي، والنبوة وصف عظيم يحتاج إلى بينة ودليل وبرهان تدل على أن هذا الشخص متصف بها.
стр. 485
ثم يضعفه أمرٌ ثالث وهو فعل أبناء يعقوب بأخيهم يوسف، وما حصل منهم من الكذب حيث جاءوا على قميصه بدم كذب، وقالوا: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٧]، ثم اتهامهم لأبيه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]، المهم أن هناك قرائن تدل على ضعف أن يكون المراد بالأسباط أولاد يعقوب، ويخرج منهم يوسف بدلالة الكتاب والسنة على أنه نبي.
إذن يترجح القول الثاني أن المراد بالأسباط الشعوب، يعني وما أنزل على الأسباط بواسطة أنبيائهم؛ لأن المنزل على أنبيائهم منزلٌ عليهم: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ العدول عن التعبير بالإنزال إلى الإيتاء.
فقال بعضهم: لأن ما أوتيه موسى وعيسى نوعان: وحي، وآيات كونية محسوسة بقي ذكرها إلى نزول القرآن الكريم، ومعلوم أن الوحي يُسمَّى إيتاءً؛ لقول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٢] .. والآيات المؤيِّدة للرسالة هي أيضًا إيتاء. فقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ يشمل ما نزل من الوحي، وما حصل من الآيات، وذكر هذا لأن ذكر الآيات والعلم بها بقي إلى نزول القرآن الكريم.
﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾: وحي وآيات، أما الوحي فالتوراة التي هي أفضل كتاب بعد القرآن، وأشمل كتاب وأعم كتاب وأهدى كتاب بعد القرآن: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا
стр. 486
أَتَّبِعْهُ﴾ [القصص: ٤٩]. فقرنها الله مع القرآن. هذه التوراة نزلت على موسى، وهذا إيتاء الوحي، وأما إيتاء الآيات، فمن أعظم ما حصل له العصى واليد، وقد حصل في العصا ثلاث آيات عظيمة:
ألقاها على سحرة آل فرعون فالتهم جميع حبالهم وعصيِّهم، فالتهمها التهامًا، وهي ثعبان، والحبال والعصي قد ملأت الأرض، ومع ذلك هذا الثعبان يأكلها، ولا يُدرى أين تذهب؛ لأنها أكبر منه حجمًا، ولكن مع ذلك -قدرة الله فوق كل شيء- ولم يتماسك السحرة لما رأوا هذه الآية العظيمة، حتى خرُّوا ساجدين. ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٠]. في كلمة ﴿أُلْقِيَ﴾ انظر كلمة ألقي كأنهم جاءوا وسجدوا من غير عقل، لقوة ما ورد على قلوبهم من الآيات التي يعرفون أنها ليست سحرًا.
والآية الثانية في العصى: أنه ضرب بها البحر فانفلق، صار اثني عشر طريقًا، بين كل طريق وآخر كُتَلٌ من الماء كأنها جبال، كل جبل كالطود العظيم. وقد ذكر بعض العلماء أن الله جعل في هذا الماء فُرجًا من أجل أن يطمئن الناس بعضهم إلى بعض، يُشاهد بعضهم بعضًا مَن هذه الفرج .. هذا الماء الذائب المائع كأنه مسلح، وبلحظة ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧].
لو اجتمعت نيران الدنيا كلها لتيبس أرض البحر في هذه اللحظة ما تمكنت، أو رياح الأرض كلها، أو المخترعات، ما تمكَّنت، ولكن قدرة من يقول للشيء "كن" فيكون، جعلت هذا أمرًا ممكنًا واقعًا.
الثالث من الآيات العظيمة للعصى: أنهم إذ استسقوا، يعني حصل عليهم نقص في الماء، ضرب موسى الحجر بهذه العصا
стр. 487
فتفجَّر اثنتا عشرة عينًا، كل عين لسبطٍ من أسباط بني إسرائيل حتى لا يقع النزاع بينهم والمزاحمة والمشاقة. هذه من الآيات التي أوتيها موسى.
أما عيسى فأوتي أيضًا وحيًا، وآيات؛ الوحي: الإنجيل الذي كان متمِّمًا للتوراة مبنيًا عليها. وآياتٌ حسيَّة منها: أنه يُبرئ الأكمه والأبرص، وُيحيي الموتى، ويُخرجهم من القبور، ويخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيرًا يطير.
قال تعالى: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ [آل عمران: ٤٩]، وفي قراءة "طائرًا" .. والفائدة من القراءتين أنه يكون طيرًا ويطير، وقد يكون الشيء على هيئة طير ولكن ما يطير، وقد يطير وليس بطير، كالطائرة -مثلًا- لكن هذا يكون طيرًا يطير، يخلق بإذن الله شيئًا على صورة الطير، والتصوير هنا جائز؛ لأنه بأمر الله، والأصل في الطاعة أمر الله. أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم فسجدوا، فكان سجودهم طاعةً لله، وأمر إبراهيم أن يقتل ابنه فامتثل، فكان امتثاله لهذا الأمر طاعة، المهم من الطاعة طاعة الله إذا أمر بأي شيء، فامتثال هذا الأمر طاعة وإن كان في آنٍ آخر يكون شركًا -مثلًا- أو كبيرة من كبائر الإثم.
﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ [آل عمران: ٤٩] الأكمه: الذي خُلق بلا عينٍ، ممسوح العين، يُبرئه.
﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [آل عمران: ٤٩] يقف على الميت جثة فيُحييه؛ يقول له كلمة فيحيا.
أبلغ من هذا: يُخرج الموتى من القبور، يقف على القبر، ويُكلِّم صاحب القبر، ويقوم صاحب القبر حيًّا من القبر! ! هذه آية
стр. 488
من أعظم الآيات الدالة على كمال قدرة الله، وعلى إمكان البعث، كالبعث يوم القيامة يخرج الناس من قبورهم بزجرة واحدة ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣، ١٤]. هذه الزجرة بلا تريّث ولهذا قال: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ (إذا) فجائية، تدل على المفاجأة في الحال، قال تعالى فى سورة القمر كلمة عامة في كل مأموراته. ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] .. (لمح البصر): يُضرب به المثل في السرعة. واحدة فقط، إذا أمر الله بالشيء أمرًا واحدًا .. "كن فيكون" كلمح البصر. سبحان الله. فإذن هذه الآيات التي أُعطيها عيسى فيها دليل على إمكان البعث.
﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾:
لما جاء الجمع والنبيون دون التخصيص، جاء بالإيتاء دون الإنزال، من أجل أن يشمل الآيات التي قد يكون أُعطيها بعض النبيِّين فجاءت ﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ عطفًا على ﴿مُوسَى وَعِيسَى﴾، كما جاء ذلك في سورة البقرة: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]. ﴿وَالنَّبِيُّونَ﴾ المراد بهم هنا الرسل. وكل من وُصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول، وكل من ذُكر في القرآن فإنه رسول؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]. إذن فكل من قصَّ الله علينا في القرآن فهو رسول، وإن كان لم يوصف في القرآن إلا بالنبوة، لكنه رسول بدليل هذه الآية.
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾:
كل هؤلاء نؤمن بهم على سبيل السواء، بدون تفريق،
стр. 489
والإيمان بهؤلاء إيمان مجمل، ولكن كل ما صحَّ عنهم أنهم أخبروا به وجب علينا الإيمان به، ولو تفصيلًا .. هذا في الأخبار، لكن في الأحكام لا نتَّبع إلا ما حكمت به شريعة محمد ﷺ ، فهو الذي كُلِّفنا به، ووجب علينا اتِّباعه، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] فالاتِّباع لمحمد ﷺ ، أما الإيمان فهو عام لجميِع الرسل بدون تفريق. فإذا صحَّ عن موسى أنه أخبر بخبرٍ يتعلّق بالله، أو بخبرٍ يتعلَّق بيوم القيامة، أو بالجنة، أو بالنار، وجب علينا أن نؤمن به إذا صحَّ. أمَّا ما يُروى من الإسرائيليات فقد يكون صحيحًا وقد لا يكون. واعلم أن شريعتنا في الأحكام بالنسبة لمن سبق على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما ردت شريعتنا بخلافه فهذا لا نعمل به؛ لأن شريعتنا ناسخة الأديان، مثال ذلك: القصاص في النفس والأطراف كان في التوراة واجبًا مفروضًا، ولا عفو، لكن في الشريعة الإسلامية كان مخيَّرًا فيه، فَنتْبَع القرآن.
القسم الثاني: ما ورد شرعنا بوفاقه فإننا نعمل به اتِّباعًا لشريعتنا المصدِّقة لما سبق من الشرائع، ولا نخالفه، وهذا كثير، مثل الطيبات، أحل الله الطيبات لنا ولغيرنا، لكن حَرَّم على بني إسرائيل بعض الطيِّبات بسبب ظلمهم.
القسم الثالث: ما لم يرد في شرعنا له وفاق ولا خلاف. هذا محل نزاع بين أهل العلم، وبحثه موجودٌ في أصول الفقه،
стр. 490
فمن العلماء من قال: إنه شرعٌ لنا، ومنهم من قال: إنه ليس بشرع، والصحيح أنه شرع لنا، لدلالة شرعنا عليه. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] .. وكذلك النبي ﷺ أحيانًا كان يُسند الحكم إلى أنه فعله أخي فلان من الأنبياء، وما أشبه ذلك، والمعنى يقتضي ذلك أيضًا، لأنه لولا أن لنا فائدة من قصص الأنبياء السابقين -ومن الفوائد أن نعتبر ونعمل بما عملوا- لم يكن لذكر هذه القصص شيء من الفائدة كثير.
وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ في الإيمان؛ لأنهم رسلٌ صادقون فيما أخبروا به، واجبٌ اتباعهم فيما أمروا به أو نهوا عنه، لكن بالنسبة لنا لا يجب علينا متابعتهم في الأحكام على التفصيل الذي سمعتم.
قال: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾:
الضمير يعود على الله ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ لأنه الأصل في سياق هذا الكلام، وكل ما بعدها معطوف عليها، فلو قال قائل: لماذا لا تجعل الضمير يعود على (أحد) في قوله ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ لأنه أقرب مذكور، أي ونحن لهذا الأحد مسلمون؟ قلنا: لا يستقيم الكلام؛ لأن أصل الكلام مداره على أول جملة فيه ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ فيكون مرجع الضمير ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ إلى الله . يعني: ونحن لله مسلمون، أي: مستسلمون ظاهرًا وباطنًا،
стр. 491
بالقلب، واللسان، والجوارح. فهو المستحق لذلك وحده لا شريك له، لأن من لم يستسلم لله استسلم لغيره، ولابد أن ننتبه لهذه القاعدة المفيدة: من لم يستسلم لله استسلم لغيره ولابد. إما أن نستسلم لله، وننقاد لأمره، وإلا فإنك سوف تستسلم لهواك وتنقاد لهواك، وهواك تابعٌ للشيطان، فتكون مستسلمًا للشيطان؛ لأن كل إنسان لابد له من إرادة وهمة، ولا يوجد أحد يخلو من إرادة أبدًا، كلٌّ له إرادة، فإما أن يكون مرادك مرضاة الله ، فتستسلم له أو مرضاة نفسك فتستسلم للهوى والشيطان.
وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ قدم المُتعلِّق على المتعلَّق لإفادة الحصر، يعني ونحن له لا لغيره مسلمون. ولهذا نقول: إن المؤمن إذا تعارض عنده أمر الله وأمر الخلق قدم أمر الله مهما كان الآمر، حتى أبوك وأمك، لو أمراك بخلاف أمر الله فقدِّم أمر الله.
لو قالت لك أمك: يا بني لا تخرج لصلاة الفجر، فالمسجد بعيد، ويُخشى عليك من كلب، لا تذهب للمسجد .. فلا تُطاع.
ولو قال أبوك: يا بُني لا تطلب العلم، فهل الإنسان يمتثل أمر أبيه في هذه الحال؟ . لا.
ومن أحسن ما رأيت في هذا الموضوع ما قاله شيخ الإسلام ﵀: "إنه لا تجب طاعة الوالدين في ترك أمرٍ ينفعك ولا يضرُّهما" .. هذا كلام جيد يُكتب بماء الذهب، فكل شيءٍ ينفعك ولا يضُرُّ والديك فإنه لا تجب طاعتهما فيه. كما لو طلبتَ العلم.
стр. 492
ولا يرد على هذا مسألة الجهاد -أن بر الوالدين أفضل من الجهاد- لأن الجهاد فيه تعريض للنفس بالقتل، والقتل يُقلق راحة الوالدين.
وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مستسلمون شرعًا وقدَرًا، لكن الاستسلام القدري لا مدح فيه، لأنه سيكون سواء قلته أم لم تقله، لكن يُحمد على الصبر عليها؛ لأن الصبر على المصائب استسلامٌ شرعي.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - وجوب الإقرار بالإيمان باللسان، كما هو واجب بالقلب؛ لأن قوله: ﴿قُلْ﴾ يعني باللسان المعبر عما في القلب، وإن الخطاب الموجَّه للرسول ﷺ خطابٌ له وللأمة في قوله: ﴿قُلْ آمَنَّا﴾ ولم يقل: (قل آمنت) فهذا له وللأمة.
٢ - أن الإيمان بالله هو أصل كل شيء، مقدّم على كل شيء؛ لقوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، وجعل ما بعده معطوفًا عليه.
٣ - وجوب الإيمان بما أنزل علينا، وهو القرآن، يجب الإيمان به تصديقًا بالخبر، وامتثالًا للأمر، واجتنابًا للنهي؛ لأنه شريعة ومنهاج لنا.
٤ - وجوب الإيمان بما أنزل على الرسل السابقين؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى آخره. ولكن الإيمان بما أُنزل إليهم هو التصديق بما جاءت به هذه الكتب من الأخبار، وأما الأحكام فإن ما خالف شرعنا ليس شرعًا لنا بالاتِّفاق، وما وافق شرعنا هو شرع لنا بالاتفاق، لثبوته بشرعنا، وما لا هذا ولا هذا، ففيه خلاف بين العلماء، والصواب أنه شرع لنا.
стр. 493
٥ - ثبوت نبوَّة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾.
٦ - وجوب الإيمان بالأسباط، وقد سبق لنا أن القول الراجح أن المراد بهم شعوب بني إسرائيل، أي ما أُنزل عليهم بواسطة رسلهم.
٧ - وجوب الإيمان بما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم، من الآيات الكونية التي يُسميها بعض العلماء (المعجزات)، ومن الآيات الشرعية التي هي الشريعة التي يمشي عليها هؤلاء، فنؤمن بما أتوا، لكن العمل بالشرائع السابقة تقدم حكمها.
٨ - ثبوت نبوَّة موسى وعيسى؛ لقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾.
٩ - أنه يجب علينا أن نؤمن بكل الأنبياء إجمالًا؛ لأنه خصَّص ثم عمَّم.
١٠ - أن هذا الدين الإسلامي ليس فيه عصبية، ولا يجوز أن يتخذ الإسلام منه عصبية؛ لقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ .. بخلاف ما يسلكه بنو إسرائيل حيث لا يؤمنون إلا بما جاء عن أنبيائهم فقط. أما هذا الدين الإسلامي فـ ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾، كلهم عندنا رسل الله، لكن نفرِّق في العبادات، لا نتعبَّد إلا بما أُمرنا بالتعبد به، ويُذكر أن شخصًا حاجَّ عالمًا من علماء المسلمين، فقال له: لماذا تُجيزون لأنفسكم أن تتزوَّجوا ببناتنا، ولا تُجيزون لنا أن نتزوَّج ببناتكم، فقال له العالم: لأننا نؤمن برسولكم ولا تؤمنون برسولنا، فألقمه حجرًا.
١١ - وجوب الاستسلام لله وحده؛ لقوله: ﴿وَنَحْنُ
стр. 494
لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. ووجه التخصيص تقديم المتعلِّق على المتعلَّق. والمتعلِّق معمول للمتعلَّق، وتقديم المعمول يُفيد الحصر. إذن في قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩] فائدتان: إخلاص الإسلام لله، ووجوب الإسلام له.
١٢ - أن لا نستسلم لأحد استسلامًا يُخالف الاستسلام لله. ووجه الدلالة أن هذا هو فائدة الاختصاص؛ أن لا نستسلم لأحد إلا لله. فإذا جاءنا أمر من مخلوق يخالف أمر الله فإننا لا نستسلم له؛ لأننا لو استسلمنا له لم نكن أخلصنا الاستسلام لله .
١٣ - أنه ينبغي للإنسان أن يشعر في كل حياته العملية -قولًا كان أو فعلًا أو تركًا- أنه مستسلم لله حتى يستفيد من العمل. عندما أتوضَّأ أشعر بأنني أُنفِّذ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] هل أنت أيها المسلم تستشعر هذا؟ الله أعلم لكن يغيب عن كثير من الناس هذا الأمر، لا يشعر الإنسان حينما يتوضَّأ، ويغسل وجهه ويديه، ويمسح رأسه، ويغسل رجليه، أنه يمتثل لأمر الله أبدًا.
ولذلك ينبغي أن نستشعر في هذه الحال أمرين: امتثال أمر الله، واتِّباع رسول الله ﷺ . يعني تشعر وأنت تغسل وجهك كأن الرسول ﷺ أمامك يغسل وجهه، لتكون متَّبعًا له، وكذلك نقول في الصلاة والزكاة والصيام والحج، وغيرها. المهم أن نستشعر أو نُشعر أنفسنا أننا نفعل ذلك امتثالًا لأمر الله، واتِّباعًا لرسوله ﷺ ، حتى نحقِّق شرطي العبادة في كل عمل.
стр. 495
• ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
(من) شرطية، و ﴿يَبْتَغِ﴾ مكسورة، مجزومة بحذف حرف الياء؛ لأن أصلها (يبتغي).
وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾:
﴿غَيْرَ﴾: مفعول يبتغِ، و ﴿دِينًا﴾: يصح أن تكون مفعولًا ثانيًا، أي: (من يطلبه دينًا)، أو تكون تمييزًا (لغير) المبهمة؛ لأن (غير) اسم مبهم. و (يبتغي): بمعنى يطلب.
وقوله: ﴿غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ المراد بالإسلام هنا: الإسلام الخاص وهو الذي جاء به محمد ﷺ ، وإن كان الإسلام في الأصل يُطلق على: الاستسلام لله في كل زمانٍ ومكان، وكما ذُكِر عن الأنبياء السابقين أنهم يُطلقون الإسلام: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]، والآيات في هذا كثيرة، أن الرسل وأتباعهم مسلمون، ولكن هذا هو الإسلام العام، أما بعد بعثة الرسول ﷺ ، فكل ما يُسمَّى إسلامًا فهو ما جاء به الرسول ﷺ فقط.
إذن ﴿غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ أي: غير شريعة محمد ﷺ ؛ لأننا نقول: المراد بالإسلام هنا الإسلام الخاص الذي هو شريعة محمد ﷺ .
﴿دِينًا﴾: أي عملًا يَدين به الله، ويرجو أن يُدان به بالثواب من عند الله؛ لأن الدين يُطلق على الجزاء والعمل. ففي قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون] المراد به العمل، وفي قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧، ١٨] المراد به الجزاء، وفي قوله هنا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ المراد به العمل.