بالقلب، واللسان، والجوارح. فهو المستحق لذلك وحده لا شريك له، لأن من لم يستسلم لله استسلم لغيره، ولابد أن ننتبه لهذه القاعدة المفيدة: من لم يستسلم لله استسلم لغيره ولابد. إما أن نستسلم لله، وننقاد لأمره، وإلا فإنك سوف تستسلم لهواك وتنقاد لهواك، وهواك تابعٌ للشيطان، فتكون مستسلمًا للشيطان؛ لأن كل إنسان لابد له من إرادة وهمة، ولا يوجد أحد يخلو من إرادة أبدًا، كلٌّ له إرادة، فإما أن يكون مرادك مرضاة الله ، فتستسلم له أو مرضاة نفسك فتستسلم للهوى والشيطان.
وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ قدم المُتعلِّق على المتعلَّق لإفادة الحصر، يعني ونحن له لا لغيره مسلمون. ولهذا نقول: إن المؤمن إذا تعارض عنده أمر الله وأمر الخلق قدم أمر الله مهما كان الآمر، حتى أبوك وأمك، لو أمراك بخلاف أمر الله فقدِّم أمر الله.
لو قالت لك أمك: يا بني لا تخرج لصلاة الفجر، فالمسجد بعيد، ويُخشى عليك من كلب، لا تذهب للمسجد .. فلا تُطاع.
ولو قال أبوك: يا بُني لا تطلب العلم، فهل الإنسان يمتثل أمر أبيه في هذه الحال؟ . لا.
ومن أحسن ما رأيت في هذا الموضوع ما قاله شيخ الإسلام ﵀: "إنه لا تجب طاعة الوالدين في ترك أمرٍ ينفعك ولا يضرُّهما" .. هذا كلام جيد يُكتب بماء الذهب، فكل شيءٍ ينفعك ولا يضُرُّ والديك فإنه لا تجب طاعتهما فيه. كما لو طلبتَ العلم.
стр. 492
ولا يرد على هذا مسألة الجهاد -أن بر الوالدين أفضل من الجهاد- لأن الجهاد فيه تعريض للنفس بالقتل، والقتل يُقلق راحة الوالدين.
وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مستسلمون شرعًا وقدَرًا، لكن الاستسلام القدري لا مدح فيه، لأنه سيكون سواء قلته أم لم تقله، لكن يُحمد على الصبر عليها؛ لأن الصبر على المصائب استسلامٌ شرعي.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - وجوب الإقرار بالإيمان باللسان، كما هو واجب بالقلب؛ لأن قوله: ﴿قُلْ﴾ يعني باللسان المعبر عما في القلب، وإن الخطاب الموجَّه للرسول ﷺ خطابٌ له وللأمة في قوله: ﴿قُلْ آمَنَّا﴾ ولم يقل: (قل آمنت) فهذا له وللأمة.
٢ - أن الإيمان بالله هو أصل كل شيء، مقدّم على كل شيء؛ لقوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، وجعل ما بعده معطوفًا عليه.
٣ - وجوب الإيمان بما أنزل علينا، وهو القرآن، يجب الإيمان به تصديقًا بالخبر، وامتثالًا للأمر، واجتنابًا للنهي؛ لأنه شريعة ومنهاج لنا.
٤ - وجوب الإيمان بما أنزل على الرسل السابقين؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى آخره. ولكن الإيمان بما أُنزل إليهم هو التصديق بما جاءت به هذه الكتب من الأخبار، وأما الأحكام فإن ما خالف شرعنا ليس شرعًا لنا بالاتِّفاق، وما وافق شرعنا هو شرع لنا بالاتفاق، لثبوته بشرعنا، وما لا هذا ولا هذا، ففيه خلاف بين العلماء، والصواب أنه شرع لنا.
стр. 493
٥ - ثبوت نبوَّة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾.
٦ - وجوب الإيمان بالأسباط، وقد سبق لنا أن القول الراجح أن المراد بهم شعوب بني إسرائيل، أي ما أُنزل عليهم بواسطة رسلهم.
٧ - وجوب الإيمان بما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم، من الآيات الكونية التي يُسميها بعض العلماء (المعجزات)، ومن الآيات الشرعية التي هي الشريعة التي يمشي عليها هؤلاء، فنؤمن بما أتوا، لكن العمل بالشرائع السابقة تقدم حكمها.
٨ - ثبوت نبوَّة موسى وعيسى؛ لقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾.
٩ - أنه يجب علينا أن نؤمن بكل الأنبياء إجمالًا؛ لأنه خصَّص ثم عمَّم.
١٠ - أن هذا الدين الإسلامي ليس فيه عصبية، ولا يجوز أن يتخذ الإسلام منه عصبية؛ لقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ .. بخلاف ما يسلكه بنو إسرائيل حيث لا يؤمنون إلا بما جاء عن أنبيائهم فقط. أما هذا الدين الإسلامي فـ ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾، كلهم عندنا رسل الله، لكن نفرِّق في العبادات، لا نتعبَّد إلا بما أُمرنا بالتعبد به، ويُذكر أن شخصًا حاجَّ عالمًا من علماء المسلمين، فقال له: لماذا تُجيزون لأنفسكم أن تتزوَّجوا ببناتنا، ولا تُجيزون لنا أن نتزوَّج ببناتكم، فقال له العالم: لأننا نؤمن برسولكم ولا تؤمنون برسولنا، فألقمه حجرًا.
١١ - وجوب الاستسلام لله وحده؛ لقوله: ﴿وَنَحْنُ
стр. 494
لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. ووجه التخصيص تقديم المتعلِّق على المتعلَّق. والمتعلِّق معمول للمتعلَّق، وتقديم المعمول يُفيد الحصر. إذن في قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩] فائدتان: إخلاص الإسلام لله، ووجوب الإسلام له.
١٢ - أن لا نستسلم لأحد استسلامًا يُخالف الاستسلام لله. ووجه الدلالة أن هذا هو فائدة الاختصاص؛ أن لا نستسلم لأحد إلا لله. فإذا جاءنا أمر من مخلوق يخالف أمر الله فإننا لا نستسلم له؛ لأننا لو استسلمنا له لم نكن أخلصنا الاستسلام لله .
١٣ - أنه ينبغي للإنسان أن يشعر في كل حياته العملية -قولًا كان أو فعلًا أو تركًا- أنه مستسلم لله حتى يستفيد من العمل. عندما أتوضَّأ أشعر بأنني أُنفِّذ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] هل أنت أيها المسلم تستشعر هذا؟ الله أعلم لكن يغيب عن كثير من الناس هذا الأمر، لا يشعر الإنسان حينما يتوضَّأ، ويغسل وجهه ويديه، ويمسح رأسه، ويغسل رجليه، أنه يمتثل لأمر الله أبدًا.
ولذلك ينبغي أن نستشعر في هذه الحال أمرين: امتثال أمر الله، واتِّباع رسول الله ﷺ . يعني تشعر وأنت تغسل وجهك كأن الرسول ﷺ أمامك يغسل وجهه، لتكون متَّبعًا له، وكذلك نقول في الصلاة والزكاة والصيام والحج، وغيرها. المهم أن نستشعر أو نُشعر أنفسنا أننا نفعل ذلك امتثالًا لأمر الله، واتِّباعًا لرسوله ﷺ ، حتى نحقِّق شرطي العبادة في كل عمل.
стр. 495
• ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
(من) شرطية، و ﴿يَبْتَغِ﴾ مكسورة، مجزومة بحذف حرف الياء؛ لأن أصلها (يبتغي).
وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾:
﴿غَيْرَ﴾: مفعول يبتغِ، و ﴿دِينًا﴾: يصح أن تكون مفعولًا ثانيًا، أي: (من يطلبه دينًا)، أو تكون تمييزًا (لغير) المبهمة؛ لأن (غير) اسم مبهم. و (يبتغي): بمعنى يطلب.
وقوله: ﴿غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ المراد بالإسلام هنا: الإسلام الخاص وهو الذي جاء به محمد ﷺ ، وإن كان الإسلام في الأصل يُطلق على: الاستسلام لله في كل زمانٍ ومكان، وكما ذُكِر عن الأنبياء السابقين أنهم يُطلقون الإسلام: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]، والآيات في هذا كثيرة، أن الرسل وأتباعهم مسلمون، ولكن هذا هو الإسلام العام، أما بعد بعثة الرسول ﷺ ، فكل ما يُسمَّى إسلامًا فهو ما جاء به الرسول ﷺ فقط.
إذن ﴿غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾ أي: غير شريعة محمد ﷺ ؛ لأننا نقول: المراد بالإسلام هنا الإسلام الخاص الذي هو شريعة محمد ﷺ .
﴿دِينًا﴾: أي عملًا يَدين به الله، ويرجو أن يُدان به بالثواب من عند الله؛ لأن الدين يُطلق على الجزاء والعمل. ففي قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون] المراد به العمل، وفي قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧، ١٨] المراد به الجزاء، وفي قوله هنا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ المراد به العمل.
стр. 496
لكن الدين لا يكون إلّا في عمل يرجو الإنسان ثوابه، أي يرجو أن يُدان به، ولهذا يُقال: "كما تُدين تُدان".
وقوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾:
الفاء رابطة للجواب ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾: أي ذلك الدين.
لم يقل: (فلن يقبل الله منه)، ليعم الرفض والرد من الله ، ومن الرسول، ومن المسلمين، ولهذا لا يجوز للمسلمين أن يُقِرُّوا أحدًا على دين خلاف شريعة الرسول ﷺ .
والمراد بالقبول هنا قبول الصحة، ودليل ذلك قوله ﷺ فيما أخرجه الشيخان عن عائشة ﵂: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١)، أي: مردود.
فمن دان بغير الإسلام، سواء في الأصل أو في الفرع، فإن دينه هذا مرفوض، ومردود، ولن يُقبل منه، ولا يُعطى ثوابًا في الآخرة على عمله.
ولهذا قال: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: وهذه والله هي الخسارة العظيمة، أن يعيش الإنسان في الدنيا ما شاء الله أن يعيش ثم لا يكتسب ما ينفعه في الآخرة، فإذا قدم إلى ربه لم يجد شيئًا كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩]، (القيعة) يعني: الأرض المستوية الواسعة، هذه الأرض إذا كانت في شدة الحر يتراءى للإنسان من بعيد أن فيها ماء يسمى (السراب)، فإذا جاء الإنسان ظمآنًا رأى هذا السراب
стр. 497
الذي كأنه ماء بحر، فرح، وأسرع إليه، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، فصارت خيبة الأمل بعد قوة الرجاء. وهذا أشد ما يكون حسرة على الإنسان، أن تكون خيبة أمله عند قوة رجائه؛ لأن الإنسان لو لم يرجُ من الأصل لهان عليه الأمر، لكن المشكلة كونه يرجو ثم ينتكس، هذا يكون أشد. نسأل الله العافية. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩] .. كل من لم يَدِن بالإسلام فإنه في الآخرة خاسر .. ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
وقوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ يشمل خسارة النفس، وخسارة المال، وخسارة الأهل.
أما خسارة النفس فإنه لن يستفيد من عمله شيئًا، وأما خسارة المال فإنه لو أنفق ماله كله فيما ينفع الخلق، لم ينتفع به في الآخرة، أي لو أصلح الطرق، وبنى المساجد، وبنى المدارس، فإنه لا ينفعه، أظنكم لا تتوقَّعون أن يكون هذا من الكافر الصريح أن يبني المساجد والمدارس، لكن يكون من الكافر المرتد، فرجلٌ مثلًا لا يُصلِّي لكنه صاحب خير، يبني المساجد، ويبني المدارس ويُصلح الطرق، ويُطعم المساكين، لكنه لا يُصلِّي، لا ينتفع بشيء من هذا العمل لأنه كافر، والكافر لن ينفعه عمله يوم القيامة أبدًا.
وخسارة الأهل أنهم لا ينتفع بهم في الدنيا، لو دعَوا له لم ينتفع بذلك؛ لأن الله يقول: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] ولا ينتفعون بالدعاء. كذلك في
стр. 498
الآخرة لا ينتفعون بأهليهم؛ لأن كل واحدٍ منفصلٌ عن الآخر، في نار جهنم، بخلاف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] .. لو كان لك ذرية وتكون في الدرجة الخامسة، وأنت في الدرجة السابعة، تُرَقَّى الذرية من الخامسة إلى السابعة، ولا تُنقَصُ أنت شيئًا، لا يُقال: انزل درجة وهم يرقون درجة وتكونون في السادسة.
فالله يعامل بالفضل ، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾، لأنه ربما يتوهم متوهم أنه إذا رُقِيت الذرية نقص ثواب الآباء، فقال: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] ولو أننا نزَّلنا الآباء ما صار العامل رهينًا بما كسب.
قوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ .. الواو معطوفة على جواب الشرط، يعني: ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فإنه يترتَّب عليه شيئان: الأول الرد وعدم القبول، والثاني أنه خاسر في الآخرة، لأنه يعمل عملًا لن ينفعه.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - بطلان كل عمل ليس على دين الإسلام؛ لقوله: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.
٢ - أن جميع الأديان غير دين الإسلام غير مقبولة عند الله، ولا نافعة للمتدين بها؛ لعموم قوله: ﴿غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾، فيشمل دين المسيحية، ودين اليهودية، ودين البوذية، ودين المجوسية، وكل دين، فإن الله لا يقبل غير الإسلام.
٣ - الثناء على دين الإسلام، وأنه هو المقبول المحبوب
стр. 499
إلى الله، ويؤخذ هذا من المفهوم؛ لأن المفهوم من قوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، أن من ابتغى الإسلام دينًا يقبل منه.
٤ - أن هؤلاء الذين يدينون بدين غير الإسلام يُتعبون أبدانهم، ويهلكون أموالهم، وربما يموتون جوعًا وعطشًا وحرًا وبردًا في الدعوة إلى غير دين الإسلام، كالذين يسمونهم المبشرين، وهم في الحقيقة منصِّرون مضلِّلون، هؤلاء ينفقون أموالًا كثيرة، ويتعبون تعبًا عظيمًا، ويتعرضون للهلاك، وكل هذه الأعمال نتيجتها هباء: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، لا يستفيدون منها إطلاقًا لأنها على غير شريعة الله، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦]، يغلبون إذا قام المسلمون بما يجب عليهم من نصرة دين الإسلام، ولهذا نأسف أن النصارى لهم هذا النشاط في دعوتهم إلى الضلال، والمسلمون نشاطهم لا يبلغ ولا عشر معشاره مع أنهم على حق. ولكن الحق لابد أن ينتصر ولو بعد حين.
٥ - إثبات الآخرة؛ لقوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وفيها أن الآخرة فيها خسارة وربح أعظم من خسارة الدنيا وربحها، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]، ليس التغابن الدنيا أن يكون عند الرجل قصور، وسيارات، ونساء، وأولاد، وحشم، وخدم، والآخر ليس له إلا
стр. 500
ثوب يكسو عورته. هذا ليس بغبن في الحقيقة، الغبن يوم القيامة حينما يُحشَر المتقون إلى الرحمن وفدًا ويُساقُ المجرمون إلى جهنم وردًا، هذا الغبن العظيم، وهذه الخسارة العظيمة. ولهذا يجب أن نعلم أن الخسران المبين هو خسارة يوم القيامة: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥].
* * *
• قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩].
قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦]:
﴿كَيْفَ﴾ استفهام بمعنى الاستبعاد، أي: يَبعُد جدًّا -إن لم يمتنع- أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم، يعني: ارتدُّوا بعد أن آمنوا، وعرفوا الحق، فإن هدايتهم بعيدة، وذلك لأن من عرف الحق ثم ارتد عنه، فهو أعظم جرمًا ممن لم يعرف الحق، ولم يدخل فيه وبقي على كفره، ولهذا نقول: الكافر المرتد أعظم من الكافر الأصلي في الدنيا وفي الآخرة، ففي الدنيا يترك الكافر الأصلي على دينه، ولا يُجبر على تركه، لكن المرتد لا يُقرُّ على ردته، بل يُجبر على أن يعود إلى الإسلام أو يُقتل؛ لقول
стр. 501
النبي ﷺ : "من بدَّل دينه فاقتلوه" (١).
فالله يقول: يبعد أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم، أما من كانوا على الكفر أصلًا فما أكثر الذين اهتدوا بعد أن كانوا على الكفر وشهدوا أن الرسول حق.
﴿الرَّسُولَ﴾ (ال) للعهد الذهني؛ لأنه لم يسبق له ذكر لكنه معلوم ذهنًا، وبالمناسبة نقول: إن (العهدية) تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
فالعهد الذكري: أن تكون داخلة على ما سبق ذكره.
والعهد الحضوري: أن تكون داخلة على شيء حاضر.
والعهد الذهني: أن تكون داخلة على شيء معلوم في الذهن.
فمثلًا: قوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ المراد به رسول الله محمد ﷺ ؛ لأن قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ معناه: أن يتوقع أن يُهدون، وهذا لا يمكن بعد نزول القرآن إلا أن يكون الرسول محمد ﷺ . ونقول مثلًا: وأنت في البلد جاء القاضي، أي قاضٍ هو؟ قاضي البلد المعروف.
العهد الذكري: أن تدخل على شيء قد سبق ذكره، مثل: قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥، ١٦]. المراد بالرسول: الرسول الأول الذي أُرسل إلى فرعون وهو موسى. وهنا العهد ذكريّ.
стр. 502
والعهد الحضوري: أن تكون داخلة على شيء حاضر، وهذه أكثر ما تكون في (ال) الواقعة بعد اسم الإشارة للحضور، للعهد الحضوري؛ لأن الإشارة تدل على المشار إليه. والمشار إليه يكون حاضرًا، فنقول: (هذا اليوم شديد الحر) أي اليوم الحاضر.
وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] اليوم يعني اليوم الحاضر. وقسيمة لـ"أل" العهدية هي (ال) الجنسية. (ال) الجنسية تكون لبيان الحقيقة، ولبيان استغراق الحقيقة. فإذا قلت: الرجال أكمل من النساء، هذه لبيان الحقيقة (الجنس)؛ جنس الرجال أفضل من جنس النساء. ولا يعني أن كل واحدٍ من الرجال أكمل من كل امرأة من النساء. ففي النساء من هي خير من كثير الرجال.
وتكون للعموم مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] يعني كل إنسانٍ، وهذه علامتها أن يحل محلها (كل) بتشديد اللام.
﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾:
حق ثابتٌ صادقٌ فيما أخبر، عادلٌ فيما حكم به ﷺ .
﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾:
يعني: الآيات البينات التي تُبيِّن صدق ما جاء به الرسول ﷺ ، والبينات مؤنث، ولم يؤنَّث فعله لوجهين:
الوجه الأول: أن تأنيثه غير حقيقي.
الوجه الثاني: أنه فصل بينه وبين الفعل.
وقد جاء في القرآن مؤنثًا: ﴿جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢١٣]، لأنه يجوز هذا وهذا.
стр. 503
وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾:
الجملة استئنافية، وهي كالتعليل لما قبلها من حيث المعنى، كأنه يقول: إنما لا يهديهم الله لأنهم ظلمة. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. الذين ظلموا أنفسهم حيث بان لهم الحق، واتَّضح وجهه، ومع ذلك كفروا.
"وشهدوا" معطوفة على كفروا، ولكن يُحتمل معنى آخر، وهو أن تكون للحال، يعني: وقد شهدوا أن الرسول حق، وكفروا بعد إيمانهم.
ثم قال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: ٨٧]:
﴿أُولَئِكَ﴾: أي المشار إليهم، وهم الذين كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا أن الرسول حق، وجاءهم البينات، وأتى بصيغة الإشارة على وجه البعد إشارة إلى انحطاط مرتبتهم؛ لأن الإشارة إلى القريب بصيغة البعد قد تكون إشارة إلى علو المرتبة، وقد تكون إشارة إلى انحطاط المرتبة، وهنا إشارة إلى انحطاط مرتبتهم، فهم لانحطاط مرتبتهم بعيدون، يُشار إليهم إشارة البعد.
﴿جَزَاؤُهُمْ﴾: مكافأتهم على عملهم. ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾: (على) تُفيد أن اللعنة أتتهم على وجه الاستحقاق، ومن أمر عالٍ؛ لأنها لعنة الله، ولعنة الله هي طرده وإبعاده عن رحمته، أي: أنه طردهم وأبعدهم عن رحمة الله.
و(لعنة الملائكة) الملائكة: جمع مَلَك وأصله (مألك) وهي من (الألوكة) وهي الرسالة، لكن صار فيه إعلال بالقلب، يعني قلب المكان وليس قلب الحرف، وذلك بأن قُدِّمت اللام وأُخرت
стр. 504
الهمزة، وصار (ملأك) .. وجمع (ملأك) ملائكة، ثم سُهِّل وقيل (ملك) بدل (ملأك).
والملائكة هم: جنس من المخلوقات، عالم غيبي، خلقهم الله تعالى من نور وجعلهم صُمْدًا، لا يأكلون ولا يشربون. وإذا لم يأكلوا، ولم يشربوا، فهم لا يبولون ولا يتغوَّطون، ولهذا وصفهم الله بأنهم مطهَّرون، فقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩].
﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ الناس هم بنو آدم وأصلها (أناس) فحُذِفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ توكيد لما قبلها مباشرة، أو لما قبلها وما قبل الذي قبلها؟ للجميع، الملائكة أجمعين، والناس أجمعين.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: حال يعني: خالدين في هذه اللعنة، ماكثين فيها، إما على سبيل الأبد، وإما على سبيل المكث الطويل؛ لأن الخلود كما قال أهل اللغة يُستعمل في المكث الطويل ويستعمل في المكث الدائم، ولكن هنا يُراد به (الدائم)، لأن هؤلاء كفرة، والكفرة خالدون خلودًا دائمًا في العذاب "لا يُخفَّف عنهم العذاب" يعني. التخفيف ضد التثقيل، أي: لا يمكن أن يُهوَّن عليهم العذاب يومًا واحدًا، ولهذا قال الذين في النار لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩]. طلبوا دعاء الملائكة ليكونوا واسطة بينهم وبين الله، ثم مع ذلك لم يقولوا: (ادعوا ربنا)، قالوا: (ادعوا ربكم) من شدة خجلهم وانكسارهم أمام الله، ثم قالوا: ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] ولم يطلبوا الإنقاذ من العذاب مطلقًا، ولم يطلبوا أن
стр. 505
يخفف عنهم العذاب دائمًا؛ لأنهم عارفون أنهم مخطئون بل خاطئون، ولذلك طلبوا أن يُخفف عنهم العذاب يومًا واحدًا، ولكن لن يكون ذلك.
ولهذا قال: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ العذاب: العقوبة.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: أي يُمهلون ويؤخرون، بل يُبادرون بالعذاب.
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧١]. وقال في أهل الجنة: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] (جاءوها وفتحت) فصار هناك فرق بين هؤلاء وهؤلاء؛ لأن أهل النار يُبَادرون لفتحها فيقابلهم العذاب أول ما يقدمون عليها.
وأما أهل الجنة فإنهم إذا وصلوا إلى الجنة وقفوا على قنطرة بين الجنة وبين النار، فيُقتص لبعضهم من بعض، اقتصاصًا خاصًّا، غير الاقتصاص الأول الذي يكون في عرصات القيامة من أجل أن يزال ما في قلوبهم من الغل والحقد، حتى يدخلوا الجنة وهم على أصفى ما يكونون من المودة، إخوانًا على سررٍ متقابلين.
ولهذا نقول في الواو هنا: إنها (عاطفة على جواب الشرط المحذوف) حتى إذا جاءوها حصل كيت وكيت، وفُتحت أبوابها. وليست زائدة كما قيل به، ولا واو ثمانية كما قيل به أيضًا، بل هي واو عاطفة على الوجه المعتاد والمعطوف عليه محذوف.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: لا يُمهلون ويؤخر عنهم العذاب،
стр. 506
بل يُبادرون به، بل إنهم يُبادرون به قبل أن تقوم الساعة. كما قال الله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
بل إنهم يُبادرون بالعذاب قبل أن يموتوا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠] .. ويوبَّخون قبل أن يموتوا: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]. وتأمل قوله: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ إنهم والله لأشحاء في هذه الأنفس، أشحاء؛ لأن النفس إذا بُشرت بالعذاب نكصت واشمأزَّت ورجعت في الجسد (أخرجوا أنفسكم) أعطونا إياها إلى العذاب: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] .. فما بالكم والعياذ بالله بهذه البشارة السيئة القبيحة في حال الخروج من الدنيا، ومفارقة الأهل، والأموال، والأوطان، إنها لساعة حرجة نعوذ بالله، ونسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة، فهم لا يُمهلون، ولا يُنظرون في العذاب من حين أن يأتيهم الأجل إلى أبد الآبدين. نسأل الله لنا ولكم العافية.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٩]:
اللهم لك الحمد، رحمة الله سبقت غضبه. هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق، وجاءتهم البيِّنات،
стр. 507
وقامت عليهم الحجة من كل وجه، إذا تابوا إلى الله تاب الله عليهم. ﴿الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾.
﴿تَابُوا﴾ أي: رجعوا إلى الله. فالتوبة هي الرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته. ومن الهرب عنه إلى اللجوء إلى بابه، وللتوبة خمسة شروط:
الشرط الأول: الإخلاص لله. بأن يقصد الإنسان بتوبته وجه الله، وأن يتوب عليه ويتجاوز عنه، لا أن يقصد بتوبته مراءاة الخلق أو شيئًا من أمور الدنيا؛ لأن التائب قد يريد مراءاة الخلق، ليعلم الناس أنه تاب ورجع، فيمدحوه على ذلك. هذا لا تنفعه التوبة ولا تُقبل منه. أو يقصد بتوبته شيئًا من أمور الدنيا، يسمع أن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤] وهو يريد زوجة، يقول: لعلي أتَّقي الله حتى يُيسِّر الله لي زوجة، هذه التقوى أو التوبة ضعيفة جدًّا، ولهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد -باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا-: "فهذه إرادة نازلة، لكنها ليست كالأول. الأول يريد أن يتقرَّب إلى الناس بما يتقرب به إلى الله، وهذا شيء عظيم أن يجعل ما لله للخلق، أما هذا فأراد أن يتقرب إلى الله من أجل أن ييسِّر له شيئًا من أمور الدنيا، والآخرة هو في غفلة عنها" .. إذن هذا الذي أراد بالتوبة أحد الأمرين: توبته مردودة عليه بالنسبة للأول الذي أراد الرياء، وضعيفة جدًّا بالنسبة للثاني.
الشرط الثاني: الندم على ما فعل من الذنب، والندم أشكل على بعض الناس، ولكنه في الحقيقة لا إشكال فيه إطلاقًا؛ لأن
стр. 508
معنى الندم أن يشعر الإنسان بالحسرة على ما فعل، لا أن يكون الفعل أو عدمه عنده سواءً.
الشرط الثالث: أن يقلع عن المعصية في الحال، فإن كانت لله، فإمَّا أن تكون ترك واجب أو فعل محرم، فإن كانت فعل محرم أقلع عنه، أي فارقه حتى لو كانت شربة الخمر في فمه، وجب عليه أن يمجَّه، وإن كانت للمخلوق فلابد أن يُعطيه حقه أو يتحلله منه إن كان ماليًا أو بدنيًا أو عرضًا علم صاحبه.
بدنيًا: مثل الضرب، ماليًّا: مثل أخذ المال أو جحد مال يجب عليه لشخص، عرضًا: مثل الغيبة.
هذه إن كان الذي جُنِيَ عليه قد علم بالغيبة، فلابد من استحلاله، وإن لم يعلم فلا حاجة إلى إخباره، ثم استحلاله؛ لأنه ربما إذا علم لا يُحِل، ولكن بدل أن دنَّس سمعته في مجلس من المجالس، يمدحه بما فيه في نفس ذلك المجلس؛ لأن الحسنات يُذهبن السيئات.
وإذا كان لله، إن كان فِعْلَ محرَّم فلابد أن يُقلع عنه، وإن كان ترك واجب وجب عليه أن يتلافاه إن كان يمكن تلافيه، وإن كان لا يمكن سقط.
مثال: رجل غصب أرضًا وجعل فيها زرعًا، وفي أثناء وجوده فيها تاب إلى الله، فمشيه داخلها مشي في معصية، وبقاؤه إن بقي معصية، فماذا يفعل؟
قال العلماء: إن مشيه خارجًا منها ليس بمعصية؛ لأنه خروج للتخلص من المعصية. والتخلص من الشيء لا يعطى حكم الشيء، ولهذا لو أن المُحرم تلطَّخ بطيب وأراد أن يغسله فلابد
стр. 509
أن يُباشره، ومباشرته للطيب عند غسله جائزة؛ لأنه يريد أن يتخلص منه.
كذلك الاستنجاء، الإنسان إذا أراد أن يستنجي يُباشر النجاسة بيده، وهذه المباشَرة مباشرة جائزة؛ لأنها من أجل التخلص من هذه النجاسة وإزالتها.
وكذلك الذي تاب من الأرض المغصوبة وكان في وسط الأرض، ومشى، فنقول: هذا المشي طاعة؛ لأنك إنما مشيت من أجل التخلُّص.
الشرط الرابع: أن يعزم على ألا يعود. فإن تاب وهو لم يعزم على عدم العود فإن توبته لا تصح، كرجل من عادته أن يسهر في شرب الخمر في أماكنها -والعياذ بالله-. وفي ليلة من الليالي صارت السماء ممطرة وجاء إلى المكان، فوجده مغلقًا فقال: "تبت"، لكن من نيته أنه إذا كانت القابلة صحوًا، وفتح المكان، فسيحضر ويشرب الخمر. هذا ليس بتائب، هذا أقرب أن تكون توبته سخرية.
ورجل أراد أن يتوب من الغيبة وهو مع أصحابه الذين يأكلون لحوم عباد الله -والعياذ بالله-، فقال أحدهم: "أستغفر الله وأتوب إليه، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" يا فلان ما تقول بفلان؟ فهذا توبته غير صحيحة لأنه لم يقلع، ولو أقلع في حال قوله: أستغفر الله وأتوب إليه، فهو لم يعزم على ألا يعود بدليل أنه من حين قال هذا الكلام قال: ما تقولون في فلان؟ هذا الرجل لم يتب توبة حقيقية؛ لأنه لم يعزم ألا يعود.
стр. 510
ولو تاب حقًا ثم سوَّلت له نفسه فيما بعد فعاد، هل تبطل التوبة الأولى أو لا؟ لا تبطل التوبة الأولى، لكن يحتاج إلى توبة جديدة للعودة الأخيرة، أما التوبة الأولى فقد تمت. ولهذا نقول الشرط: العزم أن لا يعود، لا أن لا يعود، لو أنه عاد وتاب توبة نصوحًا ثم عاد، يتوب، ثم عاد، يتوب. وقد أخبر النبي ﷺ أن رجلًا كان يذنب ذنبًا فتاب منه، ثم أذنب ذنبًا فتاب منه، ثم أذنب فتاب، فقال الله تعالى: "علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ به، قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء" (١) لأن هذا الرجل كان مخلصًا، ولكن هذا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لا ينطبق على كل تائب، إنما أخبرنا الرسول ﵊ عن رجل حصل منه هذا الشيء ولكن لا يحصل لكل تائب.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت القبول. فإن انقطع وقت القبول فلا توبة. وانقطاع وقت القبول نوعان: عام، وخاص. فالخاص: حضور الأجل لكل إنسان بعينه. والعام: طلوع الشمس من مغربها، فإذا حضر الأجل فإن التوبة لا تنفع؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨] وإذا كان هذا الشرط محققًا، دلَّ هذا على أن التوبة واجبة على الفور؛ لأن أحدًا لا يعلم متى يأتيه الموت. فإذا كنت لا تعلم متى يأتيك الموت، لزم من ذلك أن تبادر بالتوبة، وأن يكون دائمًا على بالك
стр. 511
أنك تائب إلى ربك، وراجع إليه، حتى إذا قدر أن الأجل أتاك بغتة، إذا أنت على أتم الاستعداد. نسأل الله أن يقينا من غفلة القلوب.
القلوب غافلة لا تحتسب لهذا الشيء حسابًا. والواجب أن الإنسان يحسب لهذا الشيء حسابه، يكون دائمًا على ذكر التوبة، ولهذا كان نبينا ﷺ يستغفر الله أكثر من سبعين مرة، ويتوب إليه أكثر من سبعين مرة (١).
أما العام فهو طلوع الشمس من مغربها؛ لأن الشمس هذه تدور بإذن الله منذ خلقها الله إلى أن يأذن الله بوقوفها. والعجيب أنها لا تتقدم ولا تتأخر. انظر إلى طلوعها مثلًا اليوم الثاني من برج السنبلة؛ تطلع في الساعة كذا، الدقيقة كذا، هذا اليوم نفسه من مئات السنين السابقة وهي تطلع عليه على هذا القدر من الساعات والدقائق، لو أحصيت منذ علم الناس التاريخ لوجدت أنها لم تختلف إلى يوم القيامة، وهي إذا غربت كما قال النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى: "إذا غربت تسجد تحت العرش تعظيمًا لله ، وتستأذن هل تخرج وإلا ترجع، إما أن يؤذن لها وإما أن يقال: ارجعي من حيث جئت، فترجع من حيث جاءت وتخرج من مغربها فإذا رآها الناس آمنوا كلهم" (٢) كلهم يؤمنون، لأنهم حينئذ يعلمون أن لها ربًّا مدبرًا وكانوا قبل ذلك يظن بعضهم أن هذا طبيعة تسير العالم على هذا النظام، ولكن كما قال الله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ
стр. 512
رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، لا ينفعهم الإيمان؛ لأن هؤلاء آمنوا كإيمان الذين نزل بهم العذاب، والله تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤، ٨٥].
فتبين أن شروط التوبة إذن خمسة، وقد قال بعض العلماء إنها ثلاثة، فأسقطوا الإخلاص، وأسقطوا أن تكون في وقت القبول، ولكن لابد من هذين الشرطين.
قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ (إلا) أداء استثناء، والذين مستثنى. والأصل في المستثنى أن يكون من جنس المستثنى منه. وإن خرج عن جنسه فهو على خلاف الأصل. ولابد من دليل يدل على أنه ليس من الجنس، ويسمى المستثنى الذي من غير الجنس استثناء منقطعًا. لكن الاستثناء هنا متصل قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ هذا مستثنى من قوله: ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ يعني إلا الذين تابوا من بعد الكفر بعد الإيمان، يعني فإن الحكم يختلف فيهم. والتوبة كما أسلفنا الرجوع من معصية الله إلى طاعته.
قال: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما سبق من الكفر. وأتي بإشارة البعيد لانحطاط مرتبته؛ لأن البعد قد يكون من عال وقد يكون من نازل، فإن كان البعد من عال، أشير إليه إشارة البعيد لعلوه فهو ثناء، وإن كان أشير إليه إشارة البعيد لدنوه وسفوله فهو قدح.
قال: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾: يعني أصلحوا ما جرى، أو ما كان فعلهم سببًا في فساده، يعني أصلحوا ما أفسدوه مباشرة أو
стр. 513
تسببًا. فمثلًا إذا كان هؤلاء أئمة قادة، لمَّا كفروا كفر من يتبعهم، فإن توبتهم لا تكفي حتى يصلحوا ما فسد على أيديهم، وذلك بمحاولة إرجاع الذين كفروا تبعًا لهم إلى الإيمان. إذا كان الإنسان كفر بكتابة ما يخالف الدين، فلا يكفي أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، ولن أعود إلى كتابة ما يخالف الدين، حتى يصلح ما أفسد بأن يكتب ردًّا على ما كتب أولًا؛ لأن المفاسد المتعدية لابد فيها من إصلاح، ولهذا قال: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والجواب هنا قد يبدو غير مطابق لما سبق؛ لأنه قد يتوقع السامع أن يكون الجواب فإن الله يتوب عليهم، ولكن الجواب كان ثناءً على الله باسمين من أسمائه وهما الغفور والرحيم، قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولكن يؤخذ من هذين الاسمين أن هؤلاء الذين تابوا وأصلحوا يغفر الله لهم؛ لأن مقتضى هذين الاسمين يعمهم فيغفر الله لهم ويرحمهم، الغفور هو من يغفر الذنوب. ومغفرة الذنوب هو سترها والتجاوز عنها. والرحيم هو من يرحم العباد. والرحمة صفة تقتضي الإحسان والإنعام. وفي الجمع بين الغفور والرحيم زيادة معنى على ما يتضمنه الاسمان، وهو أن الله تعالى قد جمع بين المغفرة التي بها زوال المكروه، وآثار الذنب، والرحمة التي بها حصول المطلوب وهو النعمة والإحسان. إذن إذا تابوا وأصلحوا غفر الله لهم.
من فوائد الآيات الكريمة:
من فوائد قوله : ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾:
стр. 514
١ - أن من ضلَّ عن بصيرة فإنه يبعد أن يُهَدَى -نعوذ بالله- لقوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾.
٢ - أن من فسق عن بصيرة فإنه يبعد أن يكون من العدول. فإذا قيل لشخص: هذا حرام وهو مسلم، وبُيِّن له الحق، ثم عصى واستمر على فسقه، فإنه يبعد أن يهدى والعياذ بالله.
٣ - أن الهداية والإضلال بيد الله؛ لقوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ﴾ فنسب الهداية إليه.
وفي آيات أخرى أن الله نسب الإضلال إليه مثل ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. ولكن يجب أن تعلموا أن هداية الله وإضلاله لحكمة؛ فمن كان أهلًا للهداية هداه الله، ومن كان أهلًا للضلال أضله الله. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] والله يعلم، إذا علم من المرء أنه لا يريد الهداية أضله الله. وإذا علم أنه يريد الهداية، وأنه حريص عليها يطلبها أينما كانت، ويسلك ما دل عليه الدليل، فإن الله تعالى يهديه ويعينه ويوفقه ويفتح بصيرته حتى يرى الحق كأنما يتلقاه عن فِيِّ رسول الله ﷺ .
٤ - أن الإنسان قد يستكبر ويعاند بعد أن تبين له الحق؛ لقوله: ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.
٥ - أن الكفر بعد الإيمان أغلظ من الكفر الأصلي؛ لأن الله تعالى استبعد أن يهتدي هؤلاء. وأما الكافرون فإن الله ذكر في سورة الممتحنة أن الله تعالى قد يهديهم فقال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾
стр. 515
وذلك بالإيمان، ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧].
٦ - أن النبي ﷺ حقٌّ؛ لأن الله لَامَ هؤلاء على الكفر بعد أن شهدوا أن الرسول حق، ولا شك أن رسول الله ﷺ حق من عند الله، صادق فيما قال فيما أخبر به عن ربِّه.
٧ - أن الله لم يدع الخلق هملًا، بل أقام لهم الحجج، وأقام البينات، حتى لا يكون للناس على الله حجة؛ لقوله: ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. . هذه البينات تنقسم إلى أقسام: شرعية، وعقلية، وحسية؛ أما السمعية: فهي القرآن، وأما العقلية فهي أن كل عاقل يتدبر ما جاء به الرسول ﵊ يعلم أنه حق، فإنه ما أمر بشيء فقال العقل ليته لم يأمر به، ولا نهى عن شيء فقال العقل ليته لم ينه عنه. وأما الحسية فظاهرة، انتصاراته العظيمة في هذه المدة الوجيزة، وانتصار أصحابه حتى فتحوا مشارق الأرض ومغاربها مع أنهم كانوا أذلة مستضعفون في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس. هذا من أكبر الأدلة على أنه رسول الله حقًّا. إذن فالآيات شرعية وعقلية وحسية.
٨ - أن من أضله الله فإنما ذلك لظلم منه، لقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وأما من طلبوا الحق وتحرّوه وتشوَّفوا له فإنهم جديرون بالهداية.
ومن فوائد قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾:
١ - إثبات الجزاء، وفيها أن الجزاء من جنس العمل. فإن هؤلاء لما ارتكبوا ثلاث جرائم، أو ثلاثة أمور في كفرهم، كان عليهم لعنة الله والملائكة والناس، ثلاث بثلاث.
стр. 516
٢ - أن الملائكة ذو عقول، يفهمون، ويفعلون. وليس كما قال بعضهم: إنهم ليس لهم عقول. وما أغرب هذا القول، وما أبعده عن الصواب؛ لأننا إذا قلنا: إن الملائكة ليس لهم عقول فإننا نطعن في القرآن؛ لأن الوسيط الذي بين محمد ﷺ وبين الله ملك، فإذا قلنا: لا عقل له، ما نأمن؛ لأن غير العاقل لا يمكن أن يحتمل قوله ولا نقضه، ونأخذ "أن لهم عقولًا" من إثبات أنهم تصدر منهم اللعنة.
٣ - أن أمثال هؤلاء يلعنهم الناس جميعًا؛ لقوله: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. لكن هذا فيه إشكال، وهو أنه يوجد من الناس من يُزَمِّر وراء الكافرين، ويصفق وراءهم ويفزع معهم، فكيف قال: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؟ نقول: لأنه إذا صفق معهم وزمَّر وراءهم فهو منهم، فيكون هو ملعونًا من الناس أجمعين، من الآخرين؛ لأن من أعان ضالًا فهو ضال، ومن أعان كافرًا فهو كافر. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١].
ومن فوائد قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
١ - إثبات أن هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا أن الرسول حق، وجاءهم البينات، خالدون في لعنة الله، أي في الطرد والإبعاد عن رحمته. وليس ثمة إلا النار بعد الجنة، وليس بعد الهدى إلا الضلال.
٢ - ومن فوائدها أنهم والعياذ بالله دائمًا في عذاب، لا يخفف أبدًا، ولا ينتظرون الفرج، لا بالتخلص منه، ولا بتخفيفه، لقوله: ﴿لَا يُخَفَّفُ﴾ وهذه جملة خبرية، وخبر الله تعالى لا يخلف.
стр. 517
٣ - أن هؤلاء يبادرون بالعذاب، فهم يبادرون بالعذاب إما في الدنيا، أو عند الموت، وعند دخول النار. ففي الدنيا قال الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١] وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. وعند الموت تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، وفي يوم القيامة حدِّث ولا حرج.
ومن فوائد قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
١ - أن التوبة تجبُّ ما قبلها؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
٢ - أنه لابد مع التوبة من الإصلاح؛ لقوله: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾. وهذا واجب في كل من يتعدى جرمه إلى غيره، أن يقوم بإصلاح ما ترتب على هذا الجرم.
٣ - إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والرحيم، وإثبات ما تضمناه من الصفة وهي المغفرة والرحمة. ولهذا نقول: كل اسم من أسماء الله فإنه دال على ثلاثة أشياء: على ذات الله، وعلى الصفة، وعلى الأثر الذي يترتب على هذه الصفة. لكن هذا الثالث لا يطرد في كل اسم من أسماء الله؛ لأن الأسماء غير المتعدية لا يدخل فيها إثبات الأثر. فالعلي مثلًا فيه إثبات الاسم، والصفة، والعظيم كذلك، والكبير كذلك، لكن السميع فيه إثبات الاسم والصفة والأثر؛ الاسم: السميع، والصفة: السمع، والأثر: أنه يسمع. ومن هنا نعلم أن كل اسم فلابد أن
стр. 518
يكون متضمنًا لصفة بدون استثناء، وليس كل صفة مستلزمة لاسم. قد يوصف الله بالشيء ولا يسمى بما دلت عليه هذه الصفة. ولهذا نقول: الصفات أوسع من الأسماء، أوسع لأن كل اسم متضمن لصفة، ولا عكس.
٤ - الثناء على المصلحين. ويستلزم الإصلاح أن يكون المصلح صالحًا. هذا هو الأصل: أن كل مصلح فهو صالح. وقد يكون المصلح غير صالح. فإن من الناس مثلًا من ينهى عن المنكر وهو يفعله، ويأمر بالمعروف وهو لا يفعله، لكن الغالب أن المصلح حقًّا يكون صالحًا؛ لأنه لا يمكن أن يسعى لإصلاح غيره وهو مضيع لإصلاح نفسه.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠].
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ وهؤلاء المرتدون، لأنهم آمنوا أولًا ثم كفروا.
﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ يعني أنهم صاروا والعياذ بالله ينحدرون في دركات الكفر.
﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ إذا تابوا قبل الموت عند حضور الأجل. فإن توبتهم لن تقبل لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]. إذن يكون قوله: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ إذا حضرهم الموت، أما إذا تابوا من قبل فقد سبق أنهم إذا تابوا وأصلحوا فإن الله غفور رحيم.
стр. 519
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن المرتد إذا بقي على ردته فإنه لا تقبل توبته عند الموت؛ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾، وهذا لا يكون إلا بالردة.
٢ - أنه كلما تمادى الإنسان في الكفر، ولم يتب، فإنه يزداد؛ لأن كل وقت عليه يزداد وزرًا إلى وزره، كما أن المؤمن يزداد أيضًا بزيادة الأيام إيمانًا؛ لأن كل يوم يمرُّ عليه وهو مؤمن فإنه يضيف إيمانًا إلى إيمانه.
٣ - أن من تاب قبل أن يحضر أجله فإن الله تعالى يتوب عليه، كما في الآيات السابقة وهي قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾.
٤ - أن من استمر كفره فهو ضال، وذلك لأنه اجتنب طريق الحق. وكل من اجتنب طريق الحق فهو ضال؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] فالطرق: إما حق، وإما ضلال. فمن لزم الشريعة فهو مع الحق، ومن خالف الشريعة فهو مع الضلالة.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١].
وهذه المرتبة الثالثة: كفروا وبقوا على الكفر إلى الموت، فهؤلاء قال: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ ولم يقل: فلن تقبل توبتهم؛ لأنهم لم يتوبوا، بل ماتوا على الكفر، فلم يبق أمامهم إلا الفداء، أن يفتدوا أنفسهم بشيء. يعني
стр. 520
لو جاءوا بملءِ الأرض ذهبًا، وطلبوا أن يكون فداء لهم، فإن ذلك لن يقبل منهم. وحينئذ تكون هذه الآيات قسمت الكفار الذين ارتدوا إلى ثلاثة أقسام:
قسم تاب وأصلح فتقبل توبتهم.
وقسم تاب عند حضور الأجل فلا تقبل توبتهم.
وقسم ثالث مات على الكفر فلن تقبل فديته، ولا نقول: فلا تقبل توبته؛ لأنه لم يتب. وهذا كالذي في سورة النساء تمامًا حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧] يعني قبل حضور الأجل: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٧، ١٨] هذا القسم الثاني، ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨] هذا القسم الثالث. فتكون هذه الآيات كالآيات التي في سورة النساء.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه من مات على الكفر، ومن لم تقبل توبته، وهو من تاب عند حضور الأجل. ﴿أَلِيمٌ﴾ بمعنى مؤلم؛ لأن أليمًا تأتي بمعنى الفاعل، وتأتي بمعنى المُفعِل، وتأتي بمعنى المفعول، فعيل تأتي بمعنى فاعل مثل سميع يعني سامع ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] وبمعنى مفعول مثل جريح وكسير، وبمعنى مُفعِل مثل أليم بمعنى مؤلِم، ومنه قول الشاعر:
أمن ريحانة الداع السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع
قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يعني ما لهؤلاء أحد
стр. 521
ينصرهم، ويمنع العذاب عنهم، أو يرفعه عنهم؛ لأنهم حقّ عليهم العذاب، ولا يجدون لهم ناصرًا.
قوله تعالى: ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ هل الواو زائدة؟ يعني فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا لو افتدى به؟ أو إن الواو مؤسسة، يعني غير زائدة؟ نقول: الأصل عدم الزيادة، ولا موجب لقولنا إنها زائدة؛ لأن الكلام مستقيم ولو كانت أصلية. والتقدير: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا إذا بذله من غير أن يصرح بأنه افتداء. وقوله: ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ يعني ولو صرح بأنه افتداء. والفرق بينهما أنه قد يعطي الأول تزلفًا لا معاوضة، وأما إذا أعطاه ابتداء فهو معاوضة. هذا هو الفرق بينهما، إذن: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ﴾ سواء أعطاه من باب التودد والتحبب، أو أعطاه على أنه فداء ومعاوضة، لن يقبل منه.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن من مات على الكفر فلن يقبل منه شيء يمنعه من عذاب الله، ولهذا قال: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾.
٢ - أن الأمر يسير على المؤمن؛ لأنه يفتدي من عذاب الله بما هو أقل من ملء الأرض ذهبًا. فإذا آمن وقام بالعمل الصالح، وأدى ما يجب عليه من الحقوق المالية نجا من هذا العذاب مع أنه أقل بكثير من ملء الأرض ذهبًا.
٣ - إثبات العذاب لهؤلاء الكفار؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
٤ - أن هذا العذاب عذاب شديد مؤلم؛ لقوله: ﴿أَلِيمٌ﴾.
стр. 522
٥ - أن هذا الألم ألم بدني، وألم نفسي؛ لأنهم مع العذاب الشديد العظيم على البدن يعذبون عذابًا نفسيًا، وذلك بالتوبيخ والإهانة.
٦ - أن هؤلاء الكفار الذين ماتوا على الكفر لن يجدوا أحدًا ينصرهم، حتى آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، تلقى في نار جهنم إهانةً لها، وإذلالًا لها، وإهانة لعابديها، وإذلالًا لهم؛ لأنهم إذا كانوا يتعلقون بهذه الآلهة وألقيت في النار صار هذا أشد عليهم حسرة.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢].
"لن" تفيد النفي، وتحول الفعل من الحال إلى الاستقبال وتعمل، تغير الفعل ظاهرًا وهو النصب، فتغير الفعل شكلًا ومعنى. أما شكلًا فلأنها تنقله من الرفع إلى النصب. وأما معنى فتنقله من الحال إلى الاستقبال. وهناك أيضًا وجه آخر في المعنى وهو أنها تنقله من الإثبات إلى النفي، يقول الله : ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ أي لن تدركوه. والبر في الأصل هو الخير والعطاء. ومنه بر الوالدين، وذلك بالإحسان إليهما. فالبر في الأصل هو الخير والعطاء، ويقرن أحيانًا بالتقوى. فإذا قرن بالتقوى صار معناه: فعل الطاعات، والتقوى: اجتناب المحرمات؛ لأن الإنسان يتقيها، ويحذرها، ويبتعد عنها، إذن البر هو الخير الكثير والعطاء، فلن تنالوا ذلك ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ "حتى" هذه للغاية، وهي من أدوات النصب، فالفعل بعدها منصوب.
стр. 523
وقوله: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا﴾، "من" يحتمل أن تكون لبيان الجنس، ويحتمل أن تكون للتبعيض. والفرق بينهما: أننا إذا جعلناها لبيان الجنس شمل المدح مَنْ تصدق بجميع ماله، وإذا جعلناها للتبعيض صار مختصًا بمن تصدق ببعض ماله. ويمكن أن نقول إنها صالحة للأمرين، فأحيانًا يكون التصدق ببعض المال أفضل من التصدق بكله، وأحيانًا يكون العكس.
وقوله: ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ أي من المال؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠]، ولكن كلما كان المال أحب كان إنفاقه أقوى إيمانًا، وأدل على محبة الإنسان للخير؛ لأن الشيء الذي تكون الرغبة فيه قليلة يسهل على الإنسان أن ينفقه، لكن الشيء الذي تتعلق به النفس كثيرًا هو الذي تشح النفس في إنفاقه، فإذا أنفقه الإنسان مع قوة تعلق نفسه به كان ذلك دليلًا عَلى قوة إيمانه؛ لأنه لا يدفع القوي إلا بما هو أقوى منه.
لما نزلت هذه الآية قام أبو طلحة ﵁، فجاء إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله، إن الله تعالى أنزل: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب مالي إلي "بيرحاء"، وكانت نخلًا مستقبلة المسجد، يعني قريبة من مسجد النبي ﷺ ، وكان فيها ماء عذب طيب، يأتي إليه النبي ﷺ ويشرب منه ويتطهر به، وهذا مما يزيده رغبة أن الرسول ﷺ يأتي إليه ويشرب منه، ويتطهر به، قال: فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال النبي ﷺ : "بخ بخ، ذاك مال رابح، ذاك مال رابح"، ثم قال: "أرى أن تجعلها في الأقربين" (١). فجعلها أبو طلحة في أقاربه،
стр. 524
في بني عمه، وأقاربه. وكان ابن عمر ﵄ إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به، يتأول قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. أما نحن فإذا أعجبنا شيء من مالنا جعلناه في الصناديق، واستعملنا الرديء، وتركنا الباقي لورثتنا، فلا يكون لنا، ولكن هكذا الشح -نعوذ بالله-.
أما الذين يريدون الآخرة فهم يرون أن مالهم هو الذي يقدمونه. ولهذا لما سأل النبي ﵊ أصحابه ذات يوم قال: "أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟ "، قالوا: يا رسول الله، ما منَّا أحد إلا وماله أحب إليه من مال وارثه، قال: "فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر" (١)، يعني معناه أنك إذا بخلت بالمال وأبقيته فإنك سوف تذهب عنه وسوف يورث من بعدك. لكن إذا تصدقت به وأمضيته تجده أمامك. ولهذا ينبغي للإنسان أن يتأول هذه الآية ولو مرة واحدة، إذا أعجبه شيء من ماله فليتصدق به لعله ينال هذا البر.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾:
يعني أي شيء تنفقونه مما تحبون ومما لا تحبون، من قليل أو كثير، من نفائس الأموال أو صغائرها، فإن الله به عليم. وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ "من" هذه بيان لـ"ما" وهي نكرة و"ما" اسم شرط، واسم الشرط يدل على العموم، فهو عموم مبين بعموم العموم في "ما" الشرطية والذي بينها "شيء"، وهي أيضًا
стр. 525
عامة؛ لأنها نكرة في سياق الشرط. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ "الفاء" هذه في جواب الشرط رابطة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. وقوله: ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾ قدم الجار والمجرور على متعلقه. والمعروف أن تقديم المعمول يفيد الحصر. فهنا نقول: إنه قدم المعمول لفائدتين: الفائدة الأولى: لفظية، وهي مراعاة فواصل الآيات. والفائدة الثانية: معنوية، وهي بيان الاعتناء بهذا المقدم حتى كأن الله تعالى حصر علمه به. فتقديم المعمول هنا يدل على العناية والاهتمام بهذا الشيء الذي قدمه الإنسان لنفسه وأن الله به عليم.
إن الله تعالى لم يذكر هذا العلم إلا لما يترتب عليه من المجازاة. فإن الله إذا علمه لا يمكن أبدًا أن يضيعه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] واله تعالى عليم بكل شيء.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - الحث على الإنفاق مما يحبه الإنسان. وفيه أيضًا أن بالإنفاق مما يحب نيل البر الذي يطلبه كل إنسان.
٢ - إثبات الأسباب، حيث إن الله أثبت للبر سببًا وهو الإنفاق مما نحب.
٣ - أنه كلما أنفق الإنسان مما هو أحب إليه، كان أكثر لبره، وذلك لأن من قواعد الأصول أن ما علّق بوصف فإنه يزداد وينقص بحسب ذلك الوصف.
٤ - عموم علم الله ؛ لقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
стр. 526
٥ - إثبات الجزاء، وأن كل إنسان سيجازى بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، يؤخذ من قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ لأن المراد من إثبات العلم إثبات ما يترتب عليه.
٦ - جواز إنفاق المرء جميع ماله، بناء على أن (مِن) للجنس. وهذه المسألة اختلف فيها العلماء: هل يثاب الإنسان إذا تصدق بجميع ماله ويمدح، أو نقول: الأفضل أن لا تتصدق بجميع المال؛ لأن النبي ﷺ قال: "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" (١)، فجعل إبقاء المال للورثة لئلا يتكففوا الناس خيرًا من أن يحرموا من المال فيتكففوا الناس. وإذا كان هذا بالنسبة للورثة فهو بالنسبة للنفس من باب أولى. ولما نذر أبو لبابة أن يتصدق بجميع ماله قال له النبي ﷺ : "أمسك عليك بعض مالك" (٢)، فأمره أن يمسك بعض ماله وأن يتصدق بالثلث.
ومن العلماء من قال: بل يمدح الإنسان إذا تصدق بجميع ماله؛ لأن النبي ﷺ لما حثَّ على الصدقة ذات يوم جاء أبو بكر ﵁ بجميع ماله، وجاء عمر بشطر ماله، بنصفه. وأثنى النبي ﷺ على أبي بكر، قال له: "ماذا تركت لأهلك؟ "، قال: تركت لهم الله ورسوله (٣)، والصحيح في هذه المسألة أن ذلك
стр. 527
يختلف، فمن علم من نفسه أنه إذا تصدق بماله لم يخنع لأحد، ولم يذل لأحد، وكان عنده من قوة التوكل على الله والعمل ما يغنيه عن السؤال فهنا يمدح على الصدقة بجميع ماله. وكذلك لو فرض أن الحال تحتاج إلى الصدقة بجميع المال، لكون الناس في ضرورة إلى ذلك، كانت الصدقة بجميع المال أفضل. وأما إذا كان الإنسان يخشى على نفسه أن يتصدق بماله، ويتكفف الناس، فلا يتصدق؛ لأنه لا يمكن أن يفعل شيئًا مستحبًا، ويدع شيئًا واجبًا؛ لأن إعفاف نفسه وأهله واجب، فكونه يتصدق ثم يسأل الناس، لا شك أن هذا إذلال لنفسه. فالصحيح أن المسألة تختلف باختلاف الأحوال واختلاف الأشخاص.
* * *
• قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣].
قوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾: ﴿كُلُّ﴾: مبتدأ، و ﴿كَانَ حِلًّا﴾ الجملة من (كان) واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ مستثنى من كلام تام موجب، إذن يتعين فيه النصب.
وقوله: ﴿فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: جملة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ شرطية، واختلف المعربون في مثل هذا التركيب، هل
стр. 528
يحتاج الشرط إلى جواب أو لا؟ فمنهم من قال: لا يحتاج إلى جواب؛ لأن المعلوم عقلًا أو حسًا كالمذكور، ومنهم من قال: إن الجواب محذوف يدل عليه ما سبق.
وترتيبه على هذا القول: (فاتلوها إن كنتم صادقين فاتلوها)، فيكون الجواب محذوفًا دلَّ عليه ما قبله، ويحتمل أن يُقال: إن الجواب ما سبق.
وقوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾: الطعام: ما يطعم. فإن قرن بالشراب صار المراد به ما يحتاج إلى مضغ، والشراب ما لا يحتاج إلى مضغ، إذا قيل طعام وشراب. وأما إذا أطلق وقيل طعام صار شاملًا لما يؤكل وما يشرب، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] فسمى شرب الماء طعمًا أو طعامًا.
﴿كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾:
حلًّا بمعنى حلالًا لبني إسرائيل، سواء كان من النبات، أو من الحيوان، أو من أي شيء كان، يعني أن كل شيء حلال لهم في الأول، وقوله: ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بنو إسرائيل هم أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وإسرائيل بمعنى عبد الله، وبنو عمهم هم بنو إسماعيل بن إبراهيم، فإسماعيل وإسحاق أخوان أبوهما إبراهيم، ويعقوب هو ابن إسحاق، وقد بشر الله به جدته على لسان الملائكة: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١].
وقوله: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾:
стр. 529
﴿مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ يعني فكان حرامًا. إذن فهناك حلال في أول الأمر، وهناك حَرام في ثاني الأمر: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾.
أكثر المفسرين على أن المراد بإسرائيل يعقوب. فهو عَلَمٌ على شخص معين، لا على قبيلة معينة. يعني إلا ما حرم إسرائيل نفسُه على نفسه. وقدم شيئًا من الطعام، وأبهمه الله علينا؛ لأن (ما) اسم موصول، والاسم الموصول مبهم يحتاج إلى بيان ولم يبين، لم يقل الله إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من كذا وكذا، فما حرمه مبهمٌ. وقال بعض أهل العلم: إنه حرم على نفسه أكل الإبل؛ لأنه أصيب بعرق النسا، وهو عرق يمتد من القدم الى الورك في الرِّجل، ويؤلم كثيرًا ويتعب. ولكن هذا من أخبار بني إسرائيل، لا تصدق ولا تكذب. وحينئذٍ لا نجزم بالذي حرم إسرائيل على نفسه، بل نقول هو معلوم عند اليهود، ولكننا لا ندري ما هو؛ لأن الله أبهمه. هذا على القول بأن المراد بإسرائيل علم الشخص، يعني إسرائيل نفسه.
وقيل: المراد بإسرائيل القبيلة كما تقول: قريش، فإن قريشًا كان اسمًا لشخص معين، ثم انتقل من اسم الشخص إلى اسم ذريته القبيلة التي تنسب إليه، فيكون المراد بإسرائيل على هذا القول بني إسرائيل. وإلى هذا ذهب صاحب المنار (١)، أن المراد بإسرائيل بنو إسرائيل. وعلى هذا القول الذي حرم بنو إسرائيل على أنفسهم هذا مبين في القرآن: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ
стр. 530
الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] هذا ما اختاره صاحب المنار، لكن هذا الرأي ضعيف؛ لأن الله فرَّق بين بني إسرائيل وإسرائيل فقال: ﴿حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾ [آل عمران: ٩٣] ولم يقل: إلا ما حرموا على أنفسهم. ثم إنه يرد عليه إشكال آخر، بأن بني إسرائيل لم يحرموا على أنفسهم شيئًا، وإنما حرم عليهم شيء بسبب ظلمهم. والأصل أن الشيء إذا أضيف فهو لما أضيف إليه مباشرة لا تسببًا، فالصحيح أن المراد بإسرائيل علم الشخص. لكن ما الذي حرم؟ هذا الذي نتوقف فيه؛ لأن الله تعالى أبهمه، والواجب أن نبهم ما أبهمه الله، ونقول: إن إسرائيل ﵊ حرم على نفسه شيئًا أو أشياء ولكن لا نعلمها، حتى يأتينا خبرها عن طريق معصوم.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ معناه أن هذا أمر متقرر من قديم الزمان، وبين إسرائيل وبين نزول التوراة دهور طويلة، وأزمان كثيرة. لكن الله أراد أن يقرر بأن التحريم -أي تحريم ما أحل- كان سابقًا متقدمًا بكثير على التوراة.
وقوله ﴿تُنَزَّلَ﴾ فيها قراءتان: (تُنَزَّل) بتشديد الزاي و (تُنْزَل) بالتخفيف، وكلتا القراءتين سبعيتان، يعني أنه يجوز أن نقرأ بهذه وهذه. والقاعدة في القراءتين أن السنة أن تقرأ بهذه مرة، وبهذه مرة؛ لأن كلتا القراءتين ثبتت عن رسول الله ﷺ ، فإذا قرأت بواحدة، وهجرت الأخرى، لم تأت بالسنة كاملة. بل اقرأ بهذا مرة، وهذا مرة، لكن بشرط أن تكون متأكدًا من القراءة؛ لأن القرآن كلام الله. فلو قرأت شيئًا لم تتأكد، وكان على خلاف ما