٥ - إثبات الجزاء، وأن كل إنسان سيجازى بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، يؤخذ من قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ لأن المراد من إثبات العلم إثبات ما يترتب عليه.
٦ - جواز إنفاق المرء جميع ماله، بناء على أن (مِن) للجنس. وهذه المسألة اختلف فيها العلماء: هل يثاب الإنسان إذا تصدق بجميع ماله ويمدح، أو نقول: الأفضل أن لا تتصدق بجميع المال؛ لأن النبي ﷺ قال: "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" (١)، فجعل إبقاء المال للورثة لئلا يتكففوا الناس خيرًا من أن يحرموا من المال فيتكففوا الناس. وإذا كان هذا بالنسبة للورثة فهو بالنسبة للنفس من باب أولى. ولما نذر أبو لبابة أن يتصدق بجميع ماله قال له النبي ﷺ : "أمسك عليك بعض مالك" (٢)، فأمره أن يمسك بعض ماله وأن يتصدق بالثلث.
ومن العلماء من قال: بل يمدح الإنسان إذا تصدق بجميع ماله؛ لأن النبي ﷺ لما حثَّ على الصدقة ذات يوم جاء أبو بكر ﵁ بجميع ماله، وجاء عمر بشطر ماله، بنصفه. وأثنى النبي ﷺ على أبي بكر، قال له: "ماذا تركت لأهلك؟ "، قال: تركت لهم الله ورسوله (٣)، والصحيح في هذه المسألة أن ذلك
стр. 527
يختلف، فمن علم من نفسه أنه إذا تصدق بماله لم يخنع لأحد، ولم يذل لأحد، وكان عنده من قوة التوكل على الله والعمل ما يغنيه عن السؤال فهنا يمدح على الصدقة بجميع ماله. وكذلك لو فرض أن الحال تحتاج إلى الصدقة بجميع المال، لكون الناس في ضرورة إلى ذلك، كانت الصدقة بجميع المال أفضل. وأما إذا كان الإنسان يخشى على نفسه أن يتصدق بماله، ويتكفف الناس، فلا يتصدق؛ لأنه لا يمكن أن يفعل شيئًا مستحبًا، ويدع شيئًا واجبًا؛ لأن إعفاف نفسه وأهله واجب، فكونه يتصدق ثم يسأل الناس، لا شك أن هذا إذلال لنفسه. فالصحيح أن المسألة تختلف باختلاف الأحوال واختلاف الأشخاص.
* * *
• قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣].
قوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾: ﴿كُلُّ﴾: مبتدأ، و ﴿كَانَ حِلًّا﴾ الجملة من (كان) واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ مستثنى من كلام تام موجب، إذن يتعين فيه النصب.
وقوله: ﴿فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: جملة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ شرطية، واختلف المعربون في مثل هذا التركيب، هل
стр. 528
يحتاج الشرط إلى جواب أو لا؟ فمنهم من قال: لا يحتاج إلى جواب؛ لأن المعلوم عقلًا أو حسًا كالمذكور، ومنهم من قال: إن الجواب محذوف يدل عليه ما سبق.
وترتيبه على هذا القول: (فاتلوها إن كنتم صادقين فاتلوها)، فيكون الجواب محذوفًا دلَّ عليه ما قبله، ويحتمل أن يُقال: إن الجواب ما سبق.
وقوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾: الطعام: ما يطعم. فإن قرن بالشراب صار المراد به ما يحتاج إلى مضغ، والشراب ما لا يحتاج إلى مضغ، إذا قيل طعام وشراب. وأما إذا أطلق وقيل طعام صار شاملًا لما يؤكل وما يشرب، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] فسمى شرب الماء طعمًا أو طعامًا.
﴿كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾:
حلًّا بمعنى حلالًا لبني إسرائيل، سواء كان من النبات، أو من الحيوان، أو من أي شيء كان، يعني أن كل شيء حلال لهم في الأول، وقوله: ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بنو إسرائيل هم أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وإسرائيل بمعنى عبد الله، وبنو عمهم هم بنو إسماعيل بن إبراهيم، فإسماعيل وإسحاق أخوان أبوهما إبراهيم، ويعقوب هو ابن إسحاق، وقد بشر الله به جدته على لسان الملائكة: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١].
وقوله: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾:
стр. 529
﴿مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ يعني فكان حرامًا. إذن فهناك حلال في أول الأمر، وهناك حَرام في ثاني الأمر: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾.
أكثر المفسرين على أن المراد بإسرائيل يعقوب. فهو عَلَمٌ على شخص معين، لا على قبيلة معينة. يعني إلا ما حرم إسرائيل نفسُه على نفسه. وقدم شيئًا من الطعام، وأبهمه الله علينا؛ لأن (ما) اسم موصول، والاسم الموصول مبهم يحتاج إلى بيان ولم يبين، لم يقل الله إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من كذا وكذا، فما حرمه مبهمٌ. وقال بعض أهل العلم: إنه حرم على نفسه أكل الإبل؛ لأنه أصيب بعرق النسا، وهو عرق يمتد من القدم الى الورك في الرِّجل، ويؤلم كثيرًا ويتعب. ولكن هذا من أخبار بني إسرائيل، لا تصدق ولا تكذب. وحينئذٍ لا نجزم بالذي حرم إسرائيل على نفسه، بل نقول هو معلوم عند اليهود، ولكننا لا ندري ما هو؛ لأن الله أبهمه. هذا على القول بأن المراد بإسرائيل علم الشخص، يعني إسرائيل نفسه.
وقيل: المراد بإسرائيل القبيلة كما تقول: قريش، فإن قريشًا كان اسمًا لشخص معين، ثم انتقل من اسم الشخص إلى اسم ذريته القبيلة التي تنسب إليه، فيكون المراد بإسرائيل على هذا القول بني إسرائيل. وإلى هذا ذهب صاحب المنار (١)، أن المراد بإسرائيل بنو إسرائيل. وعلى هذا القول الذي حرم بنو إسرائيل على أنفسهم هذا مبين في القرآن: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ
стр. 530
الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] هذا ما اختاره صاحب المنار، لكن هذا الرأي ضعيف؛ لأن الله فرَّق بين بني إسرائيل وإسرائيل فقال: ﴿حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾ [آل عمران: ٩٣] ولم يقل: إلا ما حرموا على أنفسهم. ثم إنه يرد عليه إشكال آخر، بأن بني إسرائيل لم يحرموا على أنفسهم شيئًا، وإنما حرم عليهم شيء بسبب ظلمهم. والأصل أن الشيء إذا أضيف فهو لما أضيف إليه مباشرة لا تسببًا، فالصحيح أن المراد بإسرائيل علم الشخص. لكن ما الذي حرم؟ هذا الذي نتوقف فيه؛ لأن الله تعالى أبهمه، والواجب أن نبهم ما أبهمه الله، ونقول: إن إسرائيل ﵊ حرم على نفسه شيئًا أو أشياء ولكن لا نعلمها، حتى يأتينا خبرها عن طريق معصوم.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ معناه أن هذا أمر متقرر من قديم الزمان، وبين إسرائيل وبين نزول التوراة دهور طويلة، وأزمان كثيرة. لكن الله أراد أن يقرر بأن التحريم -أي تحريم ما أحل- كان سابقًا متقدمًا بكثير على التوراة.
وقوله ﴿تُنَزَّلَ﴾ فيها قراءتان: (تُنَزَّل) بتشديد الزاي و (تُنْزَل) بالتخفيف، وكلتا القراءتين سبعيتان، يعني أنه يجوز أن نقرأ بهذه وهذه. والقاعدة في القراءتين أن السنة أن تقرأ بهذه مرة، وبهذه مرة؛ لأن كلتا القراءتين ثبتت عن رسول الله ﷺ ، فإذا قرأت بواحدة، وهجرت الأخرى، لم تأت بالسنة كاملة. بل اقرأ بهذا مرة، وهذا مرة، لكن بشرط أن تكون متأكدًا من القراءة؛ لأن القرآن كلام الله. فلو قرأت شيئًا لم تتأكد، وكان على خلاف ما
стр. 531
أنزل الله، كنت مفتريًا على الله كذبًا. الشرط الثاني: أن لا يحصل في ذلك تشويش. فإن حصل في ذلك تشويش، كما لو قرأت بقراءة ثانية عند العامة الذين لا يعرفون إلا ما في مصاحفهم، فإن ذلك حرام، لا يجوز، لأنه يؤدي إلى تشكك العامة، وإلى رميك أنت بالسوء، تقول: هذا الرجل يحرف كلام الله، يقرأ بغير ما أنزل الله، فتكون عرضة لسبِّ الناس، واغتيابهم، فإياك، ورحم الله امرأ كفَّ الغيبة عن نفسه. أما فيما بينك وبين نفسك فاقرأ بها، اقرأ بالقراءة الثانية إذا كنت متقنًا لها وعارفًا بها. وكذلك إذا كنت بين طلبة علم، حتى يعرفوا القراءات وينتفعوا بها.
أما بالنسبة للفرق بين "تُنَزَّل" و"تُنْزَل" فلا فرق، لأن التوراة نزلت جملة واحدة، سواء قيل تُنَزَّل أو تُنْزَل أما القرآن فإنه نزل مفرقًا، فإذا جاء "نَزَّلْنا عليك" فالمراد نزوله شيئًا فشيئًا، وإذا قيل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] فالمراد: يعني ابتدأنا إنزاله. وإذا قيل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: ٤٤] فباعتبار أنه سيكون تامًا، وبتمامه يكون قد نزل كله.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾. ﴿التَّوْرَاةُ﴾: هي الكتاب الذي أنزله الله تعالى على موسى. وقد نزلت التوراة مكتوبة، كتب الله تعالى التوراة في الألواح، فأخذها موسى، وتلاها على الناس، وعلَّمهم إياها، وبقيت التوراة إلى أن جاء محمد ﷺ لكن صار فيها تحريف، كما قال الله تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
стр. 532
هذا من باب التحدي. فالأمر هنا ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾ للتحدي وإقامة الحجة على ما ادَّعوه. (ائتوا بالتوراة) يعني هاتوها فاتلوها وانظروا أن ما قلته فهو حق، أي أن الطعام كان حلًّا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه، ثم نسخ ما بقي الحل، بل نسخ حل أشياء كثيرة، كما قال عيسى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] ﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ﴾: يعني هناك أشياء كثيرة حُرِّمت فأحل لهم عيسى بعض ما حرِّم.
﴿فَاتْلُوهَا﴾ أنتم أيضًا لا نحن حتى لا تتهمونا بأننا حذفنا شيئًا وأضفنا شيئًا، اتلوها أنتم بأنفسكم حتى يتبين لكم أن ما جئت به هو الحق.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعني فيما تدَّعونه من كذب ما جئتُ به، فأتوا بالتوراة فاتلوها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ هذه الشرطية لتمام التحدي، كما أقول لك في الكلام العابر: إن كنت صادقًا فافعل كذا، فهذا من كمال التحدي وتمامه، وكان سبب هذا أن اليهود كانوا ينكرون ما جاء به النبي ﷺ ، ويقولون: إنك أحللت شيئًا، وحرَّمتَ شيئًا، والشرائع لا تتبدل، ولا تتغيَّر؛ لأنها من عند الله، ولهذا كانوا يُنكرون النسخ، ويقولون: إن النسخ في أحكام الله مستحيل؛ لأن النسخ إما أن يكون لحكمة أو عبثًا، فإن كان عبثًا فالله منزَّه عنه، وإن كان لحكمة لزم منه أن الله تعالى تظهر له الحكمة بعد أن كانت خافية عليه، وهذا يلزم منه الظهور بعد الجهل، وهو أيضًا مستحيل على الله، ولهذا كذَّبوا عيسى، وكذَّبوا محمدًا ﷺ ، لأن هذا نسخ، والنسخ على الله مستحيل، لا يمكن أن تنسخ الشرائع، فقيل لهم: هاتوا التوراة، والتوراة
стр. 533
تُثبت وتُقرِّر أن الطعام كان حلًّا لبني إسرائيل -كل ما يُطعم- ثم حرَّم إسرائيل على نفسه أشياء، وبقي هذا التحريم في ذريته حرام عليهم. إذن هذا نسخ لكنه في الحقيقية ليس النسخ الكامل الذي يأخذ الحكم كله، ولكنه نسخ لبعض أفراده، وهو ما يسمَّى عند بعض الأصوليين بالتخصيص، ويُسمَّى عند السلف بالنسخ.
إذن في هذا إقامة الحجة عليهم بما ادَّعوه من أنه لا يمكن أن تُنسخ الشرائع، وأنكَ يا محمد كاذب، وأن عيسى كاذب. فأراد الله أن يُبَيِّن كذبهم من كتبهم.
* * *
• قال تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [آل عمران: ٩٤].
﴿فَمَنِ﴾. (من) عامة، يعني أي إنسان يفتري على الله الكذب، والافتراء معناه: التقوُّل بغير حق، يعني أن تنسب إلى الشخص ما لم يقله، هذا الافتراء.
وقوله: ﴿الْكَذِبَ﴾ أي: الإخبار بخلاف الواقع؛ لأن الإخبار بالواقع يُسمَّى صدقًا، وبما يخالف الواقع يُسمى كذبًا، فمن قال بعد هذا البيان أنه لا يمكن أن تنسخ الشرائع بعضها ببعض فهو ظالم.
يقول الله : ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: المشار إليه من افترى، و ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: الجملة اسمية، و ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، وليس له محل من الإعراب، وإنما جيء به للفصل بين الخبر والصفة، وقد ذكرنا أنه يُفيد ثلاثة أمور: (التوكيد، والحصر، والفصل بين الخبر
стр. 534
والصفة)، فإذا قُلت: (محمد هو الفاضل) فأنت ترى أن (هو) أكَّدت الجملة، وترى أيضًا أنها حصرت الفضل فيه، ومعلوم أن محمدًا ﷺ أفضل الخلق، وثالثًا أنها فرَّقت بين الخبر والصفة؛ لأنه لو قيل: (محمد الفاضل) لاحتُمِل أن يكون (الفاضل) صفة لمحمد، وأن الخبر لم يأتِ بعد فإذا قيل: (هو الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) خبرًا.
﴿الظَّالِمُونَ﴾ يعني: المتصفين بالظلم، والظلم في الأصل النقص، كما قال تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أي: لم تُنقص منه شيئًا، وهو في الحقيقة إما تفريط في واجب، وإما انتهاك لمُحرَّم، وكلاهما نقص؛ لأن المنتهك للمحرَّم، أو المفرِّط في الواجب قد نقَص الأمانة والرعاية؛ لأنه أمين على نفسه، وراعٍ عليها، فإذا أقدم على فعل المحرم، فقد أخلَّ بما يجب عليه من الرعاية، وخان الأمانة. فإذا فرَّط في الواجب فكذلك.
أما قوله: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾:
فهذا جملة شرطية، وجواب الشرط: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ واقترن بالفاء لأنه جملة اسمية، وفيه أن (من) روعي فيها اللفظ والمعنى، وفي الشرط روعي اللفظ، وفي الجواب روعي المعنى. ﴿افْتَرَى﴾: مصوغ للواحد، روعي فيه اللفظ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ للجماعة، روعي فيه المعنى.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
١ - أن لله تعالى أن يُحلَّ ما يشاء، ويحرم ما يشاء؛ لقوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى
стр. 535
نَفْسِهِ﴾ ومعلوم أن الله أقره على ذلك، وهذا تشريع من الله.
٢ - الرد على اليهود الذين زعموا أنه لا نسخ في الشرائع.
فإن قال قائلٌ: هم يقولون لا نسخ في الشرائع، ويعللون بعلة تبدو وكأنها صحيحة، يقولون: إن كان لغير حكمة فهو عبثٌ وسفَه منزه الله عنه، وإن كان لحكمة لزم أن تكون هذه الحكمة مجهولة لله في الناسخ أو في المنسوخ، وهذا يستلزم أن يكون الله جاهلًا، ظهر له العلم من بعد أن كان خفيًّا عليه.
وجوابنا عن ذلك: أن نقول: إن النسخ لا يستلزم لا هذا ولا هذا، بل إن النسخ لحكمة، لكن هذه الحكمة تَتْبع مصالح العباد، والعباد مصالحهم تختلف، قد يكون من المصلحة أن يُشرّع لهم الحل في هذا الزمن، والتحريم في زمن آخر، قد تكون هذه الأمة من المصلحة أنْ يُشرَّع لها الحل، والأمة الأخرى من المصلحة أن يُشرَّع لها التحريم، فهنا الحكمة لا تتعلق بفعل الله، ولكن تتعلق بالمخلوق الذي شُرِّع له هذا الحكم، وهذا أمر يختلف بلا شك.
فمثلًا: الناس في بدء الإسلام لا يتحملون جميع شرائع الإسلام، ولهذا جاءت الشرائع بالتدريج، بقي النبي ﵊ عشر سنوات لا يجب على الناس لا صلاة، ولا زكاة، ولا صوم، ولا حج، عشر سنوات بعد البعثة كل هذا لتقرير التوحيد؛ لأن قلوب الناس في ذلك الوقت لا تحتمل أن يُضاف إلى تحقيق التوحيد شيء آخر، ثم شُرعت الصلاة، ثم شُرعت الزكاة، ثم شُرع الصوم، ثم شُرع الحج في آخر الأمر، كل هذا من أجل مراعاة أحوال الناس، وكذلك في الخمر، كان حلًا، ثم
стр. 536
عُرِّض بتحريمه، ثم حرم في أوقات معينة، ثم حرم إلى الأبد، أربع مراحل؛ لأن الناس كانوا قد ألفوه، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، وهذه الآية في سورة النحل، وقد نزلت في مكة، ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾: العنب والرطب هما مادة الخمر، ثم قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، والعاقل إذا علم أن إثمهما أكبر من نفعهما يهديه عقله إلى تركهما، ثم قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، إذن نجتنب الخمر وقت الصلاة؛ لأنه إن لم نجتنبه لزم أن نقرب الصلاة ونحن سكارى، وهذا منهي عنه، إذن نجتنب الخمر خمس أوقات في اليوم والليلة، وهذا يُضعف شربها، ثم جاءت آية المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] انتهى. إذن إن ما ادَّعاه اليهود من أن النسخ يستلزم وصف الله بالنقص إما في الحكمة وإما في العلم فهو كذب.
٣ - إقامة الحجة على الشخص فيما يعتقد صحته أو مما يعتقد صحته، يعني: أن تُقيم الحجة على خصمك من شيء يؤمن به ويعتقد صحته؛ لأن الله تعالى قال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، التوراة التي أنتم تُقرون بأن ما فيها حق، ائتوا بها اتلوها، يتبين أن النسخ كان موجودًا فيها، ومن قديم الزمان.
٤ - أن التوراة منزلة كالقرآن، وهذا يدل على علو الله جل وعلا، وأنه فوق كل شيء، وهذا هو عقيدة أهل السنة والجماعة،
стр. 537
يقولون: إن الله -نفسه- فوق كل شيء، ليس الله فوق كل شيء في القدرة والسلطان والقهر فحسب، بل في هذا وفي نفسه فوق كل شيء.
وجه دلالتها على علو الله: أن التوراة من عند الله، والنازل يكون من أعلى إلى أسفل.
٥ - أنه ينبغي للإنسان أن يُقابل الخصم بشيء يقطع نزاعه بالكُلِّية، حيث قال: ﴿فَاتْلُوهَا﴾ ولم يقل (نتلوها)، قال: ﴿فَاتْلُوهَا﴾ أنتم بأنفسكم، حتى تُقيم الحجة على نفسك من نفسك، لو أنا أخذناها نحن وتلوناها ربما تقول: أسقطت آية، أو زدت آية، فإذا تلوتها أنت بنفسك انقطعت حجتك.
٦ - أنه ينبغي للإنسان أن يتحدَّى خصمه بما تَبينُ به الحجة على وجه لا مفر له منه؛ لقوله: ﴿فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وهكذا ينبغي في المناظرة أن الإنسان لا يأتي بحجة واهية؛ لأنه إذا أتى بحجة واهية، ثم كسِّرت أمامه ضعفت عزيمته وبان خلله، وإذا أتى بحجة لا يمكن أن يلحقها نقص، صار هذا أقوى لعزيمته وأنكى لخصمه، أرأيت محاجة إبراهيم ﵇ للذي حاجه في ربِّه، قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، فقال المحاج الخصم: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، لكن هل هذه دعوى أو منزلة على شيء معيَّن؟ فيها خلاف، بعضهم قال: إنها دعوى وهو كاذب، لكن فيها إيهام، وبعضهم قال؛ إنها منزَّلة على شيء معين، وأن قوله: ﴿أَنَا أُحْيِي﴾ يعني أُوتى بالرجل يستحق القتل، فأرفع القتل عنه فيكون في هذا
стр. 538
إحياء، ﴿وَأُمِيتُ﴾ يعني أُوتى بالشخص البريء فآمر بقتله ويقتل.
لكن إبراهيم ﵇ لم يجادله مجادلة تحتاج إلى طول منازعة، قال له: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، أي: انقطع، لأنه عاجز عن أن يدَّعي الإتيان بقمر أو بنجم. وهكذا ينبغي أن تكون المخاصمة بحجة دافعة بعيدة عن الأشياء المشتبهة، فإذا أتيت بالشيء المشتبه فقد تكون خاذلًا للحق والحق معك. فلابد أن تأتي بشيء قوي لا يستطيع الخصم أن يقف أمامه. وقد أكَّد ذلك المعنى كثير من العلماء ﵏، حتى ذكر الحافظ ابن القيم ﵀ في النونية بأن المطلوب أن تورد الحجة ضد أهل الباطل والبدع بقوة وحزم يضعف الخصم كما يصرخ الفارس بعدوِّه إذا التقى الصفَّان. وتأتي بالحجج الدامغة بقوة وعزيمة، وكل مقام له مقال. ولهذا نبَّه الله على ذلك فقال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥]، زد أيضًا: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] .. سبحان الله، أنت فوقه والله معك، أين يكون هو؟ لا شك معه الشيطان.
وفي مقام النزاع والمخاصمة بالحق ينبغي للإنسان أن يكون قوي الحجة، وقوي القول، ليس من أجل أن تنتصر لنفسك، ولكن لأجل أن تنتصر للحق.
﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾، إذا أتوا بالتوراة وتلوها وصارت موافقة لما جاء به محمد ﷺ صاروا يقدمون الحجة لك على أنفسهم.
стр. 539
٧ - أنه متى ظهر الحق فحاد الإنسان عنه صار أشد ظلمًا؛ لقوله: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ كأنه لا ظالم سواه، كأنهم هم الذين أخذوا الظلم كله؛ لأنه إذا قامت الحجة لم يبق للإنسان محجَّة، يعني لم يبق له أي طريق يمكن أن يتوصل إليه، أو أن يفر منه.
٨ - أن من عباد الله من يفتري الكذب على الله، والذي يفتري الكذب على الله يفتري الكذب على الرسول ﷺ من باب أولى، والذي يفتري على الرسول ﷺ يفتري على الناس من باب أولى، إذن: إذا افترى عليك إنسان شيئًا فلا تستغرب، افترى الناس على الله الكذب، وافتروا على الرسول الكذب، أفلا يفترون عليك؟ .
٩ - أنه لا إثم مع الجهل؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي من بعد أن يتبين الحق فهذا هو الظالم، أما من ارتكب محرمًا قبل أن يتبين له الحق فإنه لا يلحقه إثم ذلك المحرم، لا في الواجبات ولا في المحرمات، من ارتكب شيئًا بغير علمٍ فإنه لا إثم عليه، ما لم يفرِّط في الواجبات، ولا في المحرمات، ولكن بالنسبة للمحرمات لا يترتب عليه شيء من آثارها أبدًا، لا إثم ولا كفارة. فلو أن رجلًا فعل محظورًا من محظورات الإحرام وهو جاهل أنه محظور، فلا شيء عليه، بل لو أن الإنسان جامعَ وهو مُحرم، يظن أنه لا شيء عليه في الجماع، فلا شيء عليه، لا كفارة، ولا فساد حج، ولا غير ذلك.
أما في الواجبات إذا فعل شيئًا محرمًا عليه في الواجب، يعني بأن ترك واجبًا أو فعل ما يُبطل ذلك الواجب وهو جاهل، فلا
стр. 540
إثم عليه، لكن يجب أن يتدارك هذا الواجب ما دام في وقته، مثال ذلك: رجل جاءنا وقال: إنه صلى صلاة الظهر، ولكنه لم يقرأ الفاتحة، لم يعلم أن الفاتحة واجبة، نقول: لا إثم عليك، مع أنك لو تركت الفاتحة وأنت تعلم أنها واجبة لأثمت بلا شك؛ لأن هذا من اتخاذ آيات الله هزوًا، لكن يجب عليه أن يعيد الصلاة؛ لأن ذمته الآن مشغولة بهذه الصلاة .. فلابد أن يُعيدها. أما الصلوات الماضية، فانه لا يجب عليه إعادتها، ولو كان قد ترك الفاتحة فيها، لأنه جاهل، ودليل ذلك حديث المسيء في صلاته، حيث قال الرسول ﵊: "ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ" (١) ولم يأمره بإعادة أو بقضاء ما سبق من الصلوات.
* * *
• قال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٩٥].
ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾.
﴿قُلْ﴾ الخطاب للرسول ﷺ ، ويحتمل أن يكون الخطاب لكل من يصح توجه الخطاب إليه، أي للرسول ﷺ ولغيره. فعلى القول الثاني: لا إشكال فيه، إذا قلنا: إن كل واحد من الناس يجب عليه أن يصدق الله، فيقول: صدق الله. وعلى القول الأول يكون الخطاب للرسول ﷺ مرادًا به الخطاب مباشرة للرسول وللأمة بالتبع؛ لأن الخطاب الموجه لإمام القوم خطاب للجميع،
стр. 541
فإنك لو قلت للقائد مثلًا: اذهب إلى الجبهة الفلانية، وتحته جنود يمشون بأمره، صار هذا الأمر له ولمن كان تابعًا به. والرسول ﷺ قائد الأمة، وإمام الأمة، فإذا وجِّه إليه الخطاب كان موجهًا له ولأمته ما لم يقم دليل على التخصيص.
وقوله: ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ جملة تتضمن الثناء على الله بالصدق. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] فلا أحد أصدق من الله. والصدق مطابقة الخبر للواقع، والكذب مخالفة الخبر للواقع. فاذا قلت: غربت الشمس وقد غربت فعلًا فهذا صدق. وإذا لم تغرب فهذا كذب.
هل يضاف إلى ذلك مع اعتقاد الوقوع، بمعنى أنه لو أن شخصًا أخبر بما يطابق الواقع، ولكنه يعتقد في نفسه أنه كاذب؟ نقول: إن خبره هذا صدق لأنه موافق للواقع، لكن عليه إثم الكاذب إذا كان يعتقد هو أنه كاذب في ذلك. الكذب مخالفة الخبر للواقع، سواء كان موافقًا لاعتقاد المتكلم أو لا، حتى لو اعتقد أنه صدق وقد خالف الواقع فهو كذب. ولهذا نقول: إن اليهود الذين زعموا أنهم صلبوا المسيح ابن مريم ﵇، وإن كانوا يعتقدون الصدق، فهم كاذبون. والنصارى الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] هم أيضًا كاذبون، وإن كانوا قد اعتقدوا الصدق. إذن لا يشترط اعتقاد القائل موافقة ما أخبر به للواقع أو مخالفته للواقع. المهم أن هذا الخبر إن وافق الواقع فهو صدق، وإن اعتقد قائله أنه كاذب، وإن خالف الواقع فهو كذب، وإن اعتقد قائله أنه صادق.
﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ جملة خبرية تتضمن الثناء على الله، وإذا كانت
стр. 542
تتضمن الثناء على الله فهي عبادة. فقول القائل: صدق الله، ثناء على الله بالصدق، لأن كل ثناء على الله فهو ذكر لله وتعبد له. ولم يذكر الخبر الذي حكم عليه بالصدق فيكون ذلك عامًا شاملًا، أي صدق الله في كل شيء، كل ما أخبر الله به فهو صدق، ومن ذلك ما أخبر به مما أحل لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه.
﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.
﴿فَاتَّبِعُوا﴾ الخطاب للأمة، كما أن الله أمر نبيه ﷺ بذلك في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، فالنبي ﷺ مأمور بأن يتبع ملة إبراهيم حنيفًا، وكذلك نحن مأمورون بأن نتبع ملة إبراهيم حنيفًا. والملة هي الشريعة التي يكون عليها الإنسان، فكل شريعة يكون عليها الإنسان فهي ملة؛ فالإسلام ملة، واليهودية ملة، والنصرانية ملة، وقد جاء في الحديث: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" (١)، أي: مفترقتين.
وقوله: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾. المراد هنا اتبعوا ملة إبراهيم في التوحيد، وعدم الشرك، ولهذا قال: ﴿حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ﴿حَنِيفًا﴾: أي مائلًا عن كل شرك.
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: هذه الجملة معطوفة على ما سبق من باب عطف المترادفين، أو المرادف على مرادفه، فالحنيف
стр. 543
معناه: المائل عن كل شرك، ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تأكيد لذلك. وإذا انتفى الشرك في ملة إبراهيم لزم من ذلك أن يكون مخلصًا في التوحيد، وكذلك. ولذلك يسمى إبراهيم ﵊ إمام الحنفاء. وقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ يعني مائلًا عن كل شرك. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، أي: الذين يدخلون الشرك في عبادتهم. ﴿حَنِيفًا﴾ منصوبة على الحال من إبراهيم، يعني حال كونه حنيفًا، وهي حال لازمة وإلا لما صحَّ أن نؤمر باتباعها.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - وجوب تصديق الله في كل ما أخبر به؛ لقوله: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾.
٢ - وجوب الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه من الأسماء والصفات. وهذا يستلزم تحريم تغييرها عن المراد بها، أي تغيير النصوص التي أخبر الله بها عن نفسه من الأسماء أو الصفات.
٣ - وجوب اتباع ملة إبراهيم، لكن في أصل الشرائع. فإن قال قائل: ما الدليل على تقييدكم إياها بأصل الشرائع مع أن الآية عامة؟ قلنا: الدليل قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. فدلَّ ذلك على أن الشرائع تختلف بحسب حاجات الناس ومصالحهم، أما أصلها وهو التوحيد فإن جميع الشرائع تتفق فيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
٤ - الثناء على إبراهيم ﵊ بأنه حنيف وإمام، ولهذا أمرنا باتباعه.
стр. 544
٥ - أنه يجب على الإنسان أن يتبع الحق أينما كان سواء كان من الرسول الذي أرسل إليه مباشرة أو من الرسل السابقين.
٦ - انتفاء الشرك عن إبراهيم انتفاءً كاملًا، لقوله: ﴿حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ويؤخذ من هذا ذم الشرك والنهي عن اتباعه؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فإذا أمرنا بالإخلاص فهذا يستلزم أننا منهيون عن الإشراك.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾:
أي: وضع لعبادة الناس، وليس أول بيت وضع في الأرض، يعني مما يبنى، ولكنه أول بيت وضع للناس للعبادة والتعبد.
﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾:
وهو الكعبة، زاده الله تعالى تشريفًا وتعظيمًا (وبكة) اسم من أسماء مكة، وسميت بذلك قالوا: لأنها تَبُكُّ أعناق الجبابرة أي تقطعها. وقيل: لأنه لا يوصل إليها إلا بمشقة وتعب. وقيل غير ذلك. والمهم أن المراد ببكة مكة. وقد ذكرها الله تعالى في هذه السورة بهذا الاسم، وذكرها في سورة الفتح باسم مكة في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] فمكة إذن لها اسمان مذكوران في القرآن، وأما القرية فهي اسم
стр. 545
جامع لمكة وغيرها، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣].
يقول : ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾:
مباركًا أي أن فيه البركة. وبركاته متعددة، فمن ذلك:
١ - أن مَنْ حَجَّ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه.
٢ - ومن ذلك أن الحسنات فيه مضاعفة، ولهذا قال أهل العلم: إن العبادة فيه أفضل من العبادة في غيره، سواءً كانت صلاة، أم صدقة، أم صيامًا، أم غير ذلك.
٣ - ومن بركاته أيضًا أنه تجبى إليه ثمرات كل شيء. فإن مكة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان.
٤ - ومن بركته أيضًا أن فيها ماءً من شربه لأي شيء بنية صادقة فإنه يكون له، وهو ماء زمزم، فقد قال النبي ﷺ : "ماء زمزم لما شرب له" (١).
٥ - ومن بركته ما يحصل من المكاسب التي تكون فيه في أيام المواسم، وغير أيام المواسم.
٦ - ومن بركته أنه بعث فيه محمد ﷺ الذي جعل الله تعالى شريعته أفضل شريعة كانت إلى الخلق.
وقوله: ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾:
هدى أي منارًا يهتدى به؛ لأنه يجتمع فيه المسلمون من
стр. 546
كل جانب، يأوون إليه من كل فج عميق، فيهتدي الضال منهم بالمهتدي، ويحصل به التعليم والأسوة الحسنة، وكذلك أيضًا هدى للعالمين؛ لأن الأمة الإسلامية كلها تهوي إليه، وتتجه إليه في كل يوم خمس مرات وجوبًا، يعني يجب أن نولي وجوهنا كل يوم خمس مرات على الأقل، ولهذا قال: ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾.
ومن هدايته للعالمين: أن فيه إقامة الحج، وإقامة العمرة وذلك هدى؛ لأن الأمة تزداد إيمانًا وهدى بالحج والعمرة.
وقوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ المراد بهم الإنس، فهو عام أريد به خاص، وليس المراد بهم من سوى الله. العالمين في بعض المواضع يراد بها من سوى الله، وفي بعض المواضع يراد بها الإنس فقط. وقد يراد بها الإنس والجن مثل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].
وسموا (عالمين) من العلامة؛ لأنهم علم على خالقهم، فإن هؤلاء البشر، بل وهذه المخلوقات كلها تدل على خالقها. ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.
﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾:
﴿فِيهِ﴾: الضمير يعود على قوله: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يعني على البيت الذي بمكة.
﴿آيَاتٌ﴾: أي علامات بينات واضحات. هذه الآيات البينات هي ما يشرع فيه من المناسك، والمواضع لهذه المناسك، وهي قائمة لم تزل من عهد إبراهيم إلى يومنا هذا، كلها آيات وعلامات. فعرفة هي عرفة، ومزدلفة هي مزدلفة، ومنى هي منى،
стр. 547
لم تزل بهذا من عهد إبراهيم إلى اليوم. والكعبة هي الكعبة ليس هذا البيت خفيًا لا يعلم الناس به، بل لم يزل مشهورًا بيّنًا واضحًا من عهد إبراهيم إلى يومنا هذا.
وقوله: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾:
بدل من آيات أو عطف بيان. ومقام إبراهيم مكان قيامه، فهل المراد بذلك الحجر المسمى بالمقام؟ لقوله ﷺ : "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" (١) حين تقدم إليه بعد انتهاء الطواف، أو المراد بالمقام مقامه في المناسك؟ .
على قولين لأهل العلم. فمنهم من قال: إن المراد به المقام الخاص، وهو الحجر الذي صار يرتفع عليه حين ارتفع بناء الكعبة. ومنهم من قال: إن المراد به كل مقام قامه في مناسك الحج. وإذا دار الأمر بين العموم والخصوص، فالأولى الأخذ بالعموم؛ لأن الأخذ بالعموم يتناول الخاص ولا عكس. وعلى هذا فيقال: مقام إبراهيم مكان قيامه في مناسك الحج. وهذا المقام موجود من إبراهيم إلى أن بعث الرسول ﷺ ، وإلى يومنا هذا، ولم يتغير إلا بحمية الجاهلية، حمية قريش فإنهم غيروا الوقوف بعرفة، وجعلوه في مزدلفة. فغيروا هذا المقام، وقالوا: نحن أهل الحرم، ولا يمكن أن نخرج إلى الحل. والخروج إلى الحل إنما يكون من أهل الحل، ولهذا كانت قريش في يوم عرفة لا تقف بعرفة، تقف في مزدلفة، حتى يأتي الناس إليها. فأمر الله تعالى أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، يعني أن
стр. 548
يفيضوا من عرفة. ودلَّ على ذلك حديث جابر ﵁ قال: فأجاز حتى أتى عرفة، قال: ولم تشك قريش أنه واقف بمزدلفة كما كانت قريش تصنع في الجاهلية (١)، لكنه ﷺ أجاز حتى أتى عرفة فوقف بها؛ لأنها هي التي كانت على زمن إبراهيم.
﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾:
(من دخله) أي: من دخل هذا البيت كان آمنًا. والمراد بالضمير في قوله: (من دخله) جميع الحرم. وإن كان ظاهره أن المراد به نفس البناء الذي هو الكعبة، لكن السنة دلَّت على أن الحكم عام في جميع الحرم.
وقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ على قولين لأهل العلم:
فمنهم من قال: إن هذه جملة تابعة لما سبق، أي تابعة لقوله: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، فتكون من الآيات البينات، وهي أمن من دخله حتى في زمن الجاهلية.
ومن العلماء من قال: إنها جملة مستأنفة. وهي خبرية لفظًا، إنشائية معنى، أي: من دخله فليكن آمنًا، ولا يُتعرض له. وعلى كل حال فإن المعنيين يتفقان في وجوب تأمين من دخله؛ لأنه إن كان خبرًا عما كان عليه البيت فإنه خبرٌ أقره الله ، وأتى به للاستدلال على الآيات البينات التي في هذا البيت، وإن كان إنشاء فالأمر واضح.
وقوله: ﴿كَانَ آمِنًا﴾ يعني آمنًا من أبناء جنسه، وليس آمنًا من عذاب الله، ولا آمنًا مما يريه الله منه. لكنه آمن من بني جنسه
стр. 549
حتى لو رأى الإنسان قاتل أبيه في مكة فإنه لا يتعرض له حتى يخرج، هكذا كانت محترمة.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾:
فيها قراءتان (حِج) و (حَج) وهما بمعنى واحد.
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ اللام للاستحقاق في قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ و ﴿عَلَى﴾ للوجوب، أي يجب على الناس حقًّا لله أن يحجوا البيت. وحج البيت أي قصده؛ لأن الحج في اللغة القصد. والمراد به قصده على الوجه الذي شرعه الله، بأن يأتي الإنسان بالمناسك المشروعة.
وقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾:
﴿مَنِ﴾ هذه بدل من الناس، بدل بعض من كل؛ وذلك لأن الناس قسمان: مستطيع، وغير مستطيع. فالمستطيع بعض من الناس. ولهذا قلنا: إن هذا البدل بدل بعض من كل، وبدل البعض من الكل كثير في اللغة العربية، تقول مثلًا: أكلت الرغيف ثلثه، وقال تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٢ - ٤]. إذا جعلنا نصفه بدلًا من الليل فهو بدل بعض من كل. وقد يبدل الكل من البعض، لكنه قليل في اللغة، ومنه قول الشاعر:
رحم الله أعظمًا دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات (١)
الشاهد هنا قوله: (طلحة) بدل من الأعظم، والأعظم بعض من الإنسان.
стр. 550
قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾:
﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ طريقًا إلى البيت، ووصولًا إليه. والاستطاعة: يعني بذلك القدرة، فمن لم يستطع فلا حج عليه.
فإن قال قائل: هذا الشرط ثابت في كل عبادة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فلماذا قيَّد وجوب الحج بالاستطاعة مع أنه شرط مفهوم معلوم؟
فالجواب عن ذلك: أنه لما كان الوصول إلى البيت شاقًّا، أشق بكثير من سائر العبادات، نصَّ على اشتراط الاستطاعة، وإلا فلا شك أن كل العبادات لا تجب إلا بالاستطاعة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، "فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (١).
وهل المراد بالاستطاعة الاستطاعة بالمال أو بالبدن أو بهما؟ .
نقول: الآية مطلقة، فمن استطاع الوصول ببدنه وجب عليه وإن لم يكن عنده مال، كما لو استطاع أن يمشي إلى مكة ويأتي بأفعال المناسك.
ومن استطاع بماله دون بدنه وجب عليه الحج، لكن عن طريق الاستنابة، ومن كان عنده مال وهو قادر بالبدن، فالحج واجب عليه ولا إشكال.
إذن الاستطاعة لا نقيدها بالبدن أو بالمال، نقول: سواء قدر بماله أو ببدنه أو بهما. فإن عجز بماله وبدنه بأن كان فقيرًا،
стр. 551
ولا يمكنه أن يحج، لضعف في بدنه، فهنا ينتفي عنه الوجوب؛ لأنه غير قادر. إذن القادر هو القادر بماله أو بدنه أو بهما. والقدرة هي القدرة الحسية. أما القدرة الشرعية ففيها خلاف؛ فمنهم من قال إنه يشترط أيضًا القدرة الشرعية، الاستطاعة الشرعية، فلو كان هناك امرأة غنية قادرة ببدنها، لكن ليس لها محرم فإن الحج لا يجب عليها؛ لأنها عاجزة شرعًا عن الحج، لعدم وجود المحرم، وسفر المرأة بلا محرم ولو للحج غير جائز؛ لأن النبي ﷺ لما خطب وقال: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم" سأله رجل وقال: إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: "انطلق فحجَّ مع امرأتك" (١).
واختلف العلماء في مسألة الاستطاعة الشرعية، هل هي شرط للوجوب أو شرط للأداء؟ ويختلف الحكم باختلاف القولين، فإذا قلنا: إنها شرط للأداء فقط لزم المرأة أن تنيب من يحج عنها إذا كانت قادرة بمالها أو بمالها وبدنها.
وإذا قلنا: إنها -أي الاستطاعة الشرعية- شرط للوجوب، فإن هذه المرأة لا يلزمها أن تنيب من يحج عنها. هذا فرق. الفرق الثاني: لو ماتت هذه المرأة القادرة بمالها وبدنها على الحج لكن ليس لها محرم، فهل يكون الحج دَينًا في تركتها فيلزم الورثة أن يقيموا من يحج عنها أو لا؟ .
إن قلنا بأن الاستطاعة الشرعية شرط للوجوب فإنه لا يلزم
стр. 552
الورثة أن يقيموا من يحج عنها؛ لأن هذه المرأة كالمرأة الفقيرة سواء، ليس عليها حج.
وإن قلنا إنه شرط للأداء لزم الورثة أن ينيبوا من يحج عنها، أو أن يحجوا هم بأنفسهم عنها.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾:
يعني أن من حجَّ البيت عند الاستطاعة فقد أدى فريضته، ومن كفر يعني فلم يحج، فكفر هذه الفريضة، ولم يقم بها، فإن الله غني عن العالمين، أي عن كل أحد؛ لأن المراد بالعالمين هنا من سوى الله، فهي كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، وقد يطلق العالم على بعض الأفراد مثل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، فإن المراد بالعالمين هنا الإنس والجن؛ لأن الرسول ﷺ إنما أرسل إلى الإنس والجن.
فالعالمون تارة يراد بها ما سوى الله، وتارة يراد بها البعض منهم حسب ما يقتضيه السياق والمعنى.
وقوله ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ ﴿مَنْ﴾ هنا يحتمل أن تكون اسمًا موصولًا، ويحتمل أن تكون شرطية. أما على كونها شرطية فالفاء في قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ رابطة وإنما احتيج إليها لأن جواب الشرط جملة اسمية. وأما على كون ﴿مَنْ﴾ اسمًا موصولًا فإنما وقعت الفاء في خبرها؛ لأن الاسم الموصول مُشْبِه للشرط في العموم، فيعطى حكمه، يعني والذين كفروا فإن الله غني عن العالمين.
وفي قوله: ﴿غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ إظهار في موضع الإضمار؛
стр. 553
لأن مقتضى السياق أن يقول: ومن كفر فإن الله غني عنه، كما في قوله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] فهنا قال: ﴿غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ والإظهار في موضع الإضمار ذكرنا أنه يفيد عدة فوائد منها:
١ - إرادة العموم؛ لأنه لو قال: فإن الله غني عنه لم تفد في العموم ما أفاده قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
٢ - الإشارة إلى أن هذا الذي وضع فيه الظاهر موضع المضمر من هؤلاء العالمين, يعني أن الله غني عنه كما أنه غني عن جميع العالمين.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
١ - أن أول بيت وضع للعبادة هو الكعبة التي في مكة فيكون سابقًا على بيت المقدس, وآخر بيت وضع للعبادة المسجد النبوي. وهذه هي المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال كما قال النبي ﵊: "لا تشد الرحال -إذا قلنا لا تشُدوا الرحالَ فهي بالفتح، وإن قلنا لا تُشدُ الرحالُ فهي بالضم- إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام, ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" (١).
٢ - أن تقدم المكان في العبادة له أثر في تفضيله، لقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾. وهذا يراد به التفضيل، ولهذا قال العلماء: إن المسجد الأسبق في إقامة الجماعة فيه
стр. 554
أفضل من المسجد الحديث. فإذا كان حول الإنسان مسجدان الأول قديم، والآخر جديد، ولم يتميز أحدهما عن الآخر بفضيلة أخرى، فإن القديم أفضل من الجديد لسبقه من العبادة فيه.
٣ - الرد على بني إسرائيل وهو أن محمدًا ﷺ بعث من البلد الذي فيه أول مسجد وضع للناس، وأنبياء بني إسرائيل بعثوا في بيت المقدس. فيكون في هذا رد على اليهود الذين يقدسون بيت المقدس، وكذلك النصارى الذين يقدسونه، فقيل لهم: إن الكعبة التي بعث منها الرسول ﷺ أفضل من بيت المقدس.
٤ - أن هذا البيت هدى للعالمين، يعني أن الناس يهتدون به بما يقيمونه من الشعائر، أو يهتدون به حيث يتوجهون إليه في صلواتهم.
٥ - فضيلة هذا البيت بكونه أول بيت وضع للناس.
٦ - أن الكعبة معظمة عند جميع الخلق؛ لأنه إذا كان أول بيت وضع للناس فسوف يعظمه الناس. ولهذا ذهب كثير من أهل العلم إلى أن القبلة هي الكعبة لليهود والنصارى والمسلمين وجميع أهل الأديان، كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ولكن اليهود صاروا يتجهون إلى بيت المقدس، والنصارى صاروا يتجهون إلى المشرق، وهو من جملة ما حرفوه من دينهم، وإلا فالأصل أن الكعبة قبلة لجميع الناس.
٧ - أن الناس لابد لهم من بيت يجتمعون عليه، وتهوي قلوبهم إليه، ولهذا وضع الله لهم ما كان بمكة.
٨ - أن من أسماء مكة (بكة). ولها أسماء عديدة أكثر من هذا. ومن أراد الإطلاع عليها فليرجع إلى (الجامع اللطيف في
стр. 555
فضل مكة وأهلها وبناء البيت الشريف) لابن ظهيرة، أو يرجع إلى (أخبار مكة) للأزرقي.
٩ - أن هذا البيت مبارك؛ مبارك قَدَرًا، ومبارك شرعًا، وقد مرَّ علينا في التفسير بيان وجوه بركته.
١٠ - أنه هدى ومنار للعالمين, يهتدون به، ويهتدون إليه، ويؤمونه في عباداتهم. قد جاء في الحديث: "البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا" (١).
١١ - أن في هذا البيت آيات بينات ظاهرة لكل أحد، منها ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾، ومنها أن من دخله كان آمنًا، ومنها فريضة حجه على جميع الناس. فإن هذه كلها آيات تدل على أن هذا البيت أشرف البيوت كما أنه أول بيت وضع للناس.
١٢ - أن الآيات كما تكون شرعية، تكون كذلك حسية كونية، كما في هذه الآيات التى ذكرت للبيت العتيق.
١٣ - التنويه بفضل إبراهيم ﵊ في قوله: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾، لأن القول الراجح أنه ليس المراد بمقامه الحجر الذي كان يقوم عليه عند بناء الكعبة فحسب، بل كل مقاماته في مكة وما حولها من المناسك.
١٤ - وجوب تأمين من دخل المسجد الحرام؛ لقوله ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. وقد رحم النبي ﵊ أن يسفك في مكة دم، وأن يقطع فيها شجرة، وأن ينفر صيدها (٢) فضلًا عن
стр. 556
قتله، إذا رأيت الصيد في مكة على شجرة، أو في فرجة، فإنه لا يجوز لك أن تنفره منها؛ لأن الرسول ﷺ قال: "لا ينفر" كل ذلك من باب توطيد الأمن في مكة.
فإن قال قائل: ما تقولون في قتال النبي ﷺ لأهل مكة؟ .
فالجواب: أن قتال الرسول ﷺ لأهل مكة من أجل توطيد أمنها؛ لأن أهل مكة صاروا يتحكمون في البيت، ولهذا منعوا الرسول ﵊ من أداء العمرة في غزوة الحديبية، فكان في هذا الإحلال الذي أحله الله لرسوله ﷺ في ذلك النهار مصلحة لتوطيد الأمن في البيت، وحمايته من الظلمة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]، وأيضًا فإن هذا الإحلال ليس إحلالًا مطلقًا، بل هو إحلال مقيد، كان ساعة من نهار، كما قال النبي ﷺ : "إنما أحلت لي ساعة من نهار وإنها لن تحل لأحد بعدي" (١)، فقد كان القتال فيها محرمًا ثم أحل، ثم عاد تحريمه إلى يوم القيامة.
١٥ - أن حرمة المسلم أعظم من حرمة البيت. فالذين ينتهكون دماء المسلمين وأموال المسلمين أشد من الذين ينتهكون حرمة البيت عند الله؛ لأن حرمة المسلم أعظم عند الله تعالى. ودليل ذلك أن القتال في مكة محرم ولكن الله قال: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، فلما أرادوا سفك دماء المسلمين، وقاتلوا
стр. 557
المسلمين، أمر الله بقتلهم مع أن في قتلهم انتهاكًا لأمن البيت. لكن لما أرادوا الاعتداء على حرمة المسلم أبيحت دماؤهم. ولهذا نجد الآيات الكريمة على القراءة المشهورة (فاقتلوهم) ولم يقل: (فقاتلوهم) وإن كان فيها قراءة (فقاتلوهم). لكن المراد قاتلوهم حتى تقتلوهم، والقتل أبلغ من المقاتلة، اقتلوهم لأنهم هم الذين انتهكوا حرمة البيت فلم يبق لهم حرمة.
١٦ - وجوب حج البيت على من استطاع إليه سبيلًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ ووجه الوجوب أن (على) كما قال الأصوليون ظاهرة في الوجوب.
١٧ - أن الحج لا يجب على غير المستطيع؛ لقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. والاستطاعة تكون بالمال أو البدن، أو بهما جميعًا.
١٨ - بيان رحمة الله حيث لم يفرض على عباده ما كان شاقًا عليهم ولا يستطيعونه؛ لقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
١٩ - أن من لم يحج فهو كافر؛ لقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. واختلف العلماء ﵏ في هذا الكفر، هل هو نوع من الكفر، أو هو الكفر المطلق؟ على قولين لأهل العلم، وهما روايتان عن الإمام أحمد:
الأولى: فعلى القول بأنه الكفر المطلق، يكون من ترك الحج وهو مستطيع مرتدًا خارجًا عن الإسلام، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
الثانية: وعلى القول الثاني، أن المراد بالكفر هنا نوع منه، فإنه
стр. 558
لا يكفر. وهذا القول هو الذي عليه جمهور أهل العلم، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو ظاهر ما روي عن الصحابة. قال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة (١)، وعلى هذا فيكون الكفر هنا نوعًا من الكفر، كقوله ﷺ : "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" (٢)، مع أن قتال المسلم لا يُخرج من الإيمان، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠].
٢٠ - بيان غنى الله عن كل أحد. فهو لم يأمر عباده بالعبادة من أجل أن ينتفع بها، كما جاء في الحديث القدسي، حديث أبي ذر الغفاري الطويل: "يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني" (٣). فالله غني عنا، إنما أمرنا ونهانا لتستقيم أمورنا، وتصلح أحوالنا، ونسعد في الدنيا والآخرة. أما لو كنا على أفجر قلب رجل من الناس فإن ذلك لا يضر الله شيئًا، لكن لما كان بنو آدم قد أعطوا من
стр. 559
العقل ما استحقوا به أن توجه إليهم التكاليف بالأمر والنهي، صاروا أهلًا للأمر والنهي، ولهذا لا يوجه الأمر والنهي إلى البهائم؛ لأنها لم تعط عقولًا، فكان إعطاء العقل لبني آدم معناه أو مقتضاه إلزامهم بالتكاليف، حتى ينالوا السعادة في الدنيا والآخرة، أما البهائم فآخر أمرها أن تكون ترابًا، تبعث يوم القيامة، ويقتص من بعضها لبعض، ثم يقال: كوني ترابًا فتكون ترابًا.
٢١ - أنه إذا كان الله غنيًا عن العالمين، لزم أن يكون العالمون مفتقرين إليه، وليس بهم غنى عن الله. وهو كذلك، فإن الخلق مفتقرون إلى الله تعالى غاية الافتقار، ولهذا ينبغي لك أن تسأل ربك بلسان الحال أو لسان المقال، في كل أمورك، واستعن بالله في كل أمورك ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] لا يغفل عن بالك تعلقك بالله في كل شيء، وقد جاء في الحديث: "ليسأل أحدكم ربَّه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع" (١)، أي شراك النعل الزهيد الذي لا يساوي شيئا، لا تغفل عن سؤال الله إياه، إما بلسان الحال، وإما بلسان المقال.
* * *
• قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨].
هنا أمر الله رسوله ﷺ أن يوبخ هؤلاء الذين من أهل
стр. 560
الكتاب، وفي آية سبقت كان الخطاب من الله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠] وهنا أَمْرٌ من الله للرسول ﷺ أن يقول لهم: ﴿قُل يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ "لِمَ": الاستفهام هنا للتوبيخ، واللام حرف جر، و (ما) استفهامية، لكن حذفت ألفها لأن (ما) الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر حذفت ألفها مثل: (لِمَ، عَمَّ، فيمَ، علامَ) وما أشبه ذلك.
يقول الله : ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ تكفرون؛ أي تجحدونها، وتتغافلون عنها، وتتعامون عنها. والمراد بالآيات هنا الكونية والشرعية، الكفر بالآيات الكونية يتضمن ثلاثة أمور:
الأول: أن ينكر أن الله خلقها.
الثاني: أن يعتقد أن لله تعالى شريكًا في إيجادها.
الثالث: أن يعتقد أن لله معينًا فيها.
أما الكفر بالآيات الشرعية فيتضمن أمرين:
الأول: تكذيبها، بأن يكذب بأنها من عند الله، أو يكذب بأخبارها، والتكذيب إما أن يكون في أصلها بأن يقول: هذه لم تنزل من عند الله، أو يكذب أخبارها، أي خبر فيها إذا كذبه فهو تكذيب بالجميع؛ لأنه لا يمكن أن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض.
الثاني: مخالفتها، ثم إن كانت مخالفة تامة فهو كفر أكبر، وإن كانت غير تامة فهو كفر أصغر. وهو ما يعبر عنه بكفر دون كفر أو بالفسوق.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾، شهيد: أي شاهد. وأتى
стр. 561
بصيغة المبالغة أو بالصفة المشبهة؛ لأن الله شهيد على أعمالهم. وأعمالهم كثيرة، وإذا كثُر المشهود عليه كثرت الشهادة.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ يحتمل أنه داخل في ضمن التوبيخ في قوله: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ فيكون المعنى: لم تكفرون بآيات الله مع علمكم بأن الله شهيد على ما تعملون. ويحتمل أن تكون الواو استئناف، ويكونُ التوبيخ انتهى عند قوله: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ﴾، ثم استأنف فقال: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ فيكون في ذلكَ تهديد لهؤلاء الذين يكفرون بآيات الله، تهديدٌ بكون الله شهيدًا على ما يعملون. وإذا كان شهيدًا على ما يعملون فسوف يجازيهم عليه في الدنيا وفي الآخرة بما يستحقون.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أمر النبي ﷺ أن يوبخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله، ويتعدى هذا الحكم إلى غيرهم، فيتفرع من هذه الفائدة أن كل من كفر بآيات الله فهو مستحق للتوبيخ.
٢ - إثبات شهادة الله على كل ما يعمل بنو آدم؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾: و (ما) اسم موصول يفيد العموم.
٣ - تهديد من يكفر بآيات الله، لأن مثل هذه الصيغة: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ يراد بها توبيخ من فعل ما لا يرضي الله بأن الله شهيد عليه، وسوف يحصي عمله ثم يجازيه على ذلك.
٤ - إحاطة الله تعالى بكل شئ، وأنه وسع كل شيء؛
стр. 562
لقوله: ﴿عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ فمن يحصي بني آدم من أهل الكتاب وغيرهم؟ ومن يحصي أعمالهم؟ الله ، واسع عليم، يحصي كل شيء، ولا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم.
وربما يستفاد من هذه الآية من قوله: ﴿شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ أنه لا يحاسب العبد على ما حدّث به نفسه، كما صحَّ ذلك عن رسول الله ﷺ في قوله: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم" (١).
فحديث النفس -أي الوساوس التي تكون في الصدر- لا يؤاخذ عليها الإنسان إلا إذا عمل، وركن إليها، واعتقدها، وجعلها من أعمال القلب. فحينئذٍ يحاسب عليها، وكذلك إذا نطق بها لسانه، أو عمل بمقتضاها بجوارحه، فحينئذٍ يحاسب عليها.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٩].
هذا أمر آخر للنبي ﷺ من ربّه أن يوبخ أهل الكتاب على عدوانهم على غيرهم؛ لأن التوبيخ الأول: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٩٨] توبيخ على عملهم القاصر عليهم، والثاني: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ توبيخ على عدوانهم على الغير حيث يصدون عن سبيل الله.
стр. 563
قال: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يعني لأي شيء وبأي حجة تصدون؟ أي تصرفون ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي عن دينه وشريعته، وسمي الدين سبيلًا لله لأنه موصل إليه, وأضيف إلى الله لوجهين:
الوجه الأول: أن الله هو الذي وضعه سبيلًا للخلق يمشون عليه.
الوجه الثاني: أنه موصل إلي الله, فمن سلك السبيل الذي وضعه الله للعباد فسيصل إلي الله . فالمراد بسبيل الله دينه؛ لأنه الطريق الموصل إليه.
وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾.
﴿مَنْ﴾ مفعول تصدون, يعني تصرفون الذي آمن عن سبيل الله، وهذا شأن بني إسرائيل من اليهود والنصارى، يصدون عن سبيل الله من آمن. وإنما ذكر مَنْ آمن مع أنهم يصدون من آمن حتى يرتد عن إيمانه، ويصدون مَنْ لم يؤمن حتى لا يدخل في الإيمان؛ لأن صدَّ من آمن أشد عدوانًا من صدِّ من لم يؤمن؛ لأن من آمن يصدونه ليكون مرتدًا, ومن لم يؤمن يصدونه عن سبيل الله من أجل أن يبقي علي كفره. والبقاء على الكفر أهون من الردة كما هو ظاهر. وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ يشمل الرجال والنساء، ولكن خطابات القرآن غالبها للرجال؛ لأن الرجل هو الأصل، وهو الأمير على المرأة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤].
﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾:
﴿تَبْغُونَهَا﴾ الجملة حال من الواو في قوله: ﴿تَصُدُّونَ﴾ , يعني حال كونكم تبغون سبيل الله، أي تطلبونها ﴿عِوَجًا﴾ أي
стр. 564
لأجل العوج، فتكون مفعولًا من أجله، ويجوز أن تكون مفعولًا به، أي تطلبونها عوجًا أي تصيرونها عِوَجًا. والعوج ضد المستقيم. ويقال عِوَج في المعاني، وعَوَج في الأعيان. فتقول مثلًا: هذه العصا عَوَج؛ لأنه عين. وتقول: هذا القول عِوَج؛ لأنه معنى، ففي المعاني بكسر العين، وفي المحسوسات بفتحها. وأصل العوج: الميل، وضده الاستقامة. والعوج عن شريعة الله يشمل معنيين: المعنى الأول: في الأوامر، والثاني: في النواهي. أما في الأوامر فاعوجاجها إما بالتهاون بها والتفريط، وإما بالإفراط فيها والغلو، فالناس بالنسبة لأوامر الله ثلاثة أقسام: قسم وسط، وقسم مُفرِّط، وقسم مُفرِط، يعني غالٍ متجاوز للحد. فالوسط هو المستقيم. والمفرط عَوج، والزائد عَوج أيضًا. هذا في الأوامر. أما في النواهي فالعوج هو انتهاكها وارتكابها، هذا عوج؛ لأن الصراط المستقيم في النواهي أن تدعها، وأن تتجاوزها. فإذا أنت فعلتها وانتهكتها فهذا هو العوج فيها. فهؤلاء اليهود والنصارى، أهل الكتاب، يريدون من الناس العوج في الأوامر وفي النواهي، في الأوامر بالتفريط، والتهاون، أو بالغلو والإفراط. وفي النواهي بانتهاكها، والتهاون بها.
﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ الواو هذه للحال. يعني والحال أنكم شهداء على ما تفعلون. فأنتم تعلمون أنكم بفعلكم هذا تصدون عن سبيل الله. تعلمون هذا وتشهدون به. ووجه ذلك أنه يوجد في كتبهم أن محمدَ بن عبد الله ﷺ سوف يُبعث، وأنه رسول الله، وأنه الذي بشَّر به عيسى، لكنهم يحرفون الكلم عن مواضعه من أجل صدِّ الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ . فصاروا
стр. 565
يصدون عن سبيل الله وهم شهداء, يشهدون بالحق. لكن والعياذ بالله استكبروا عنه، وأنتم شهداء على أنكم تصدون عن سبيل الله؛ لأنكم تعلمون أن ما جاء به محمد ﷺ هو سبيل الله.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ , نفى الله أن يكون غافلًا عن عملهم القليل والكثير. وهنا نجد أن هذه الصفة من الصفات السلبية؛ لأن صفات الله قسمان: ثبوتية، وسلبية؛ يعني شيء ثابت لله، وشيء منفي عنه. فهنا الصفة سلبية. الذي نفي عن الله: الغفلة. والقاعدة عند أهل السنة: أن الصفات السلبية تتضمن شيئين:
الأول: انتفاء هذه الصفة التي نفاها الله عن نفسه.
والثاني: ثبوت الكمال في ضدها؛ لأنها ما نفيت عنه إلا لأنه كامل، فيكون قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ متضمنًا لنفي الغفلة عن الله، والثاني ثبوت كمال المراقبة؛ لأن من كان كامل المراقبة فإنه ليس عنده غفلة ,فتكون هذه الآية مثبتة لله تعالى كمال المراقبة كما قال تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] وانتفاء الغفلة عنه.
والجملة تفيد التهديد لهؤلاء الذين يصدون عن سبيل الله من آمن ويبغونها عوجًا.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أمر رسول الله ﷺ أن يوبخ أهل الكتاب على عدوانهم على الغير، وذلك بالصدِّ عن سبيل الله.
٢ - أن من صدَّ عن سبيل الله من المسلمين ففيه شبه من أهل الكتاب (اليهود والنصاري) فإذا وجد أحد يثبطك عن فعل