بصيغة المبالغة أو بالصفة المشبهة؛ لأن الله شهيد على أعمالهم. وأعمالهم كثيرة، وإذا كثُر المشهود عليه كثرت الشهادة.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ يحتمل أنه داخل في ضمن التوبيخ في قوله: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ فيكون المعنى: لم تكفرون بآيات الله مع علمكم بأن الله شهيد على ما تعملون. ويحتمل أن تكون الواو استئناف، ويكونُ التوبيخ انتهى عند قوله: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ﴾، ثم استأنف فقال: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ فيكون في ذلكَ تهديد لهؤلاء الذين يكفرون بآيات الله، تهديدٌ بكون الله شهيدًا على ما يعملون. وإذا كان شهيدًا على ما يعملون فسوف يجازيهم عليه في الدنيا وفي الآخرة بما يستحقون.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أمر النبي ﷺ أن يوبخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله، ويتعدى هذا الحكم إلى غيرهم، فيتفرع من هذه الفائدة أن كل من كفر بآيات الله فهو مستحق للتوبيخ.
٢ - إثبات شهادة الله على كل ما يعمل بنو آدم؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾: و (ما) اسم موصول يفيد العموم.
٣ - تهديد من يكفر بآيات الله، لأن مثل هذه الصيغة: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ يراد بها توبيخ من فعل ما لا يرضي الله بأن الله شهيد عليه، وسوف يحصي عمله ثم يجازيه على ذلك.
٤ - إحاطة الله تعالى بكل شئ، وأنه وسع كل شيء؛
стр. 562
لقوله: ﴿عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ فمن يحصي بني آدم من أهل الكتاب وغيرهم؟ ومن يحصي أعمالهم؟ الله ، واسع عليم، يحصي كل شيء، ولا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم.
وربما يستفاد من هذه الآية من قوله: ﴿شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ أنه لا يحاسب العبد على ما حدّث به نفسه، كما صحَّ ذلك عن رسول الله ﷺ في قوله: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم" (١).
فحديث النفس -أي الوساوس التي تكون في الصدر- لا يؤاخذ عليها الإنسان إلا إذا عمل، وركن إليها، واعتقدها، وجعلها من أعمال القلب. فحينئذٍ يحاسب عليها، وكذلك إذا نطق بها لسانه، أو عمل بمقتضاها بجوارحه، فحينئذٍ يحاسب عليها.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٩].
هذا أمر آخر للنبي ﷺ من ربّه أن يوبخ أهل الكتاب على عدوانهم على غيرهم؛ لأن التوبيخ الأول: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٩٨] توبيخ على عملهم القاصر عليهم، والثاني: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ توبيخ على عدوانهم على الغير حيث يصدون عن سبيل الله.
стр. 563
قال: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يعني لأي شيء وبأي حجة تصدون؟ أي تصرفون ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي عن دينه وشريعته، وسمي الدين سبيلًا لله لأنه موصل إليه, وأضيف إلى الله لوجهين:
الوجه الأول: أن الله هو الذي وضعه سبيلًا للخلق يمشون عليه.
الوجه الثاني: أنه موصل إلي الله, فمن سلك السبيل الذي وضعه الله للعباد فسيصل إلي الله . فالمراد بسبيل الله دينه؛ لأنه الطريق الموصل إليه.
وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾.
﴿مَنْ﴾ مفعول تصدون, يعني تصرفون الذي آمن عن سبيل الله، وهذا شأن بني إسرائيل من اليهود والنصارى، يصدون عن سبيل الله من آمن. وإنما ذكر مَنْ آمن مع أنهم يصدون من آمن حتى يرتد عن إيمانه، ويصدون مَنْ لم يؤمن حتى لا يدخل في الإيمان؛ لأن صدَّ من آمن أشد عدوانًا من صدِّ من لم يؤمن؛ لأن من آمن يصدونه ليكون مرتدًا, ومن لم يؤمن يصدونه عن سبيل الله من أجل أن يبقي علي كفره. والبقاء على الكفر أهون من الردة كما هو ظاهر. وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ يشمل الرجال والنساء، ولكن خطابات القرآن غالبها للرجال؛ لأن الرجل هو الأصل، وهو الأمير على المرأة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤].
﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾:
﴿تَبْغُونَهَا﴾ الجملة حال من الواو في قوله: ﴿تَصُدُّونَ﴾ , يعني حال كونكم تبغون سبيل الله، أي تطلبونها ﴿عِوَجًا﴾ أي
стр. 564
لأجل العوج، فتكون مفعولًا من أجله، ويجوز أن تكون مفعولًا به، أي تطلبونها عوجًا أي تصيرونها عِوَجًا. والعوج ضد المستقيم. ويقال عِوَج في المعاني، وعَوَج في الأعيان. فتقول مثلًا: هذه العصا عَوَج؛ لأنه عين. وتقول: هذا القول عِوَج؛ لأنه معنى، ففي المعاني بكسر العين، وفي المحسوسات بفتحها. وأصل العوج: الميل، وضده الاستقامة. والعوج عن شريعة الله يشمل معنيين: المعنى الأول: في الأوامر، والثاني: في النواهي. أما في الأوامر فاعوجاجها إما بالتهاون بها والتفريط، وإما بالإفراط فيها والغلو، فالناس بالنسبة لأوامر الله ثلاثة أقسام: قسم وسط، وقسم مُفرِّط، وقسم مُفرِط، يعني غالٍ متجاوز للحد. فالوسط هو المستقيم. والمفرط عَوج، والزائد عَوج أيضًا. هذا في الأوامر. أما في النواهي فالعوج هو انتهاكها وارتكابها، هذا عوج؛ لأن الصراط المستقيم في النواهي أن تدعها، وأن تتجاوزها. فإذا أنت فعلتها وانتهكتها فهذا هو العوج فيها. فهؤلاء اليهود والنصارى، أهل الكتاب، يريدون من الناس العوج في الأوامر وفي النواهي، في الأوامر بالتفريط، والتهاون، أو بالغلو والإفراط. وفي النواهي بانتهاكها، والتهاون بها.
﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ الواو هذه للحال. يعني والحال أنكم شهداء على ما تفعلون. فأنتم تعلمون أنكم بفعلكم هذا تصدون عن سبيل الله. تعلمون هذا وتشهدون به. ووجه ذلك أنه يوجد في كتبهم أن محمدَ بن عبد الله ﷺ سوف يُبعث، وأنه رسول الله، وأنه الذي بشَّر به عيسى، لكنهم يحرفون الكلم عن مواضعه من أجل صدِّ الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ . فصاروا
стр. 565
يصدون عن سبيل الله وهم شهداء, يشهدون بالحق. لكن والعياذ بالله استكبروا عنه، وأنتم شهداء على أنكم تصدون عن سبيل الله؛ لأنكم تعلمون أن ما جاء به محمد ﷺ هو سبيل الله.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ , نفى الله أن يكون غافلًا عن عملهم القليل والكثير. وهنا نجد أن هذه الصفة من الصفات السلبية؛ لأن صفات الله قسمان: ثبوتية، وسلبية؛ يعني شيء ثابت لله، وشيء منفي عنه. فهنا الصفة سلبية. الذي نفي عن الله: الغفلة. والقاعدة عند أهل السنة: أن الصفات السلبية تتضمن شيئين:
الأول: انتفاء هذه الصفة التي نفاها الله عن نفسه.
والثاني: ثبوت الكمال في ضدها؛ لأنها ما نفيت عنه إلا لأنه كامل، فيكون قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ متضمنًا لنفي الغفلة عن الله، والثاني ثبوت كمال المراقبة؛ لأن من كان كامل المراقبة فإنه ليس عنده غفلة ,فتكون هذه الآية مثبتة لله تعالى كمال المراقبة كما قال تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] وانتفاء الغفلة عنه.
والجملة تفيد التهديد لهؤلاء الذين يصدون عن سبيل الله من آمن ويبغونها عوجًا.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أمر رسول الله ﷺ أن يوبخ أهل الكتاب على عدوانهم على الغير، وذلك بالصدِّ عن سبيل الله.
٢ - أن من صدَّ عن سبيل الله من المسلمين ففيه شبه من أهل الكتاب (اليهود والنصاري) فإذا وجد أحد يثبطك عن فعل
стр. 566
الخير أو يرغبك في فعل الشر، ففيه شبه من اليهود والنصارى؛ لأن هذا سبيلهم.
٣ - إثبات أن الشياطين ليست شياطين الجن فقط، فكما أن للجن شياطين يصدون عن سبيل الله، ففي الإنس أيضًا شياطين يصدون عن سبيل الله، وإلى هذا يقول الله ﵎ في سورة الأنعام: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢].
٤ - الحث على لزوم الشرع؛ لأنه سبيل الله، وكل إنسان عاقل فإنه يسعى إلى الوصول إلى الله ؛ لأنه غاية المطالب، ولا وصول إلى الله إلا بسلوك شرعه وسبيله الذي يوصل إليه.
٥ - أن من صدَّ عن سبيل الله من آمن به فإنه في غاية ما يكون من العدوان، وهو أعظم ممن صدَّ عن سبيل الله من لم يؤمن؛ لأن هذا منع، والأول رفع. والرفع أشد، رفع الخير أشد عقوبة من منعه، وأشد جناية.
٦ - ومن فوائد هذه الآية سوء القصد من أهل الكتاب، حيث يبغون أن تكون سبيل الله عوجًا.
وهذا الوصف لأهل الكتاب لا يزال منطبقًا عليهم إلى اليوم، فللنصارى دعاة يُنَصِّرون الناس ويسعون بكل جهدهم إلى أن يصدوا عن سبيل الله من آمن؛ لأنهم يريدون أن يسلك الناس السبيل العَوَج، لا يريدون أن يسلكوا السبيل السوي، وما زالوا إلى اليوم، ولهم إذاعات خاصة تدعو الناس إلى النصرانية، والعياذ بالله، النصرانية الباطلة التي يحاربها عيسى عليه الصلاة
стр. 567
والسلام، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٦، ١١٧] فهم الآن يَدَّعون أن دين عيسى ﵊ القولُ بالتثليث، ويقولون: إن الله ثالث ثلاثة، ثم يضحكون على أنفسهم وعلى الناس، ويقولون: إنه ثلاثة في واحد، فهل هذا معقول؟ !
لكن هذا من ضلال النصارى؛ لأن النصارى ضالون. حتى الأمور العقلية لا يهتدون إليها فكيف ثلاثة في واحد؟ ! هذا لا يمكن.
على كل حال: هم يريدون أن يضلوا الناس منذ عهد الرسول ﷺ وإلى يومنا هذا. ومن ثَمَّ يجب على المسلمين الحذر منهم، والتشهير بهم، حتى ينفر الناس منهم، وأن يقابلوا دعوتهم الإلحادية الكفرية بدعوة التوحيد والإخلاص.
والتوحيد والإخلاص موافقان للفطرة السليمة، لو وجد من يعرضهما عرضًا حقيقيًا شقيًّا. لكن -مع الأسف- أن المسلمين في غفلة، فالمسلمون الذين هم على الحق لا تجد منهم الدعاة الذين يدعون إلى الحق إلا قليلًا في بلادهم، أما أولئك النصارى المنصرون، فإنهم يجوبون مشارق الأرض ومغاربها، ويغرون الناس بالمال، وبحسن الخلق، حتى ينخدع الناس بهم.
٧ - أن أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيل الله يعلمون
стр. 568
أنهم على باطل، وأن الحق في خلافهم؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ لكن الذي يمنعهم هو الاستكبار.
٨ - إثبات إحاطة الله بكل شيء علمًا ورقابة؛ لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
٩ - أن من صفات الله مَّاَ هو سلبي أي منفي، وهذا كثير في القرآن، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠].
أولًا: هذا الحكم مصدر بالنداء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا﴾ وتصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به، والعناية به، وذلك لأن النداء يتضمن تنبيه المخاطب، والتنبيه لا يكون إلا لأمر هام تجب العناية به. ثم صار النداء موجهًا للذين آمنوا من باب الإغراء لقبول ما يأتي تصديقًا به إن كان خبرًا، وامتثالًا له إن كان طلبًا أمرًا ونهيًا، لأن وصفهم بالإيمان يقتضي أن يقوموا بمقتضى هذا الخطاب الموجه لهم. كما لو قلت لشخص: يا رجل افعل كذا، يعني أن مقتضى رجولتك أن تفعل هذا. فإذا قلت: يا مؤمن افعل هذا، فالمعنى أنه من مقتضى إيمانك أن تفعل هذا، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا﴾ يعني من مقتضى إيمانكم أن تنتبهوا لما سيلقى عليكم. ولهذا قال ابن مسعود (١) ﵁: إذا
стр. 569
سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه. ثم إن الخطاب بوصف الإيمان يقتضي أن امتثال ذلك من مقتضيات الإيمان، ويقتضي أيضًا أن مخالفته نقص في الإيمان؛ لأن المؤمن يقتضي إيمانه أن يقوم بما أمر به، وأن يدع ما نهي عنه. فالخلاصة أنه يقتضي أمورًا:
الأمر الأول: إذا صدر الخطاب بالنداء فهو دليل على الاعتناء به، وأهميته.
الأمر الثاني: اختيار النداء بوصف الإيمان موجب.
الأمر الثالث: اختيار وصف الإيمان.
الأمر الرابع: الإعراض عنه ورفضه من منقصات الإيمان.
الامتثال إن كان أمرًا، والاجتناب إن كان نهيًا، والتصديق إن كان خبرًا من مقتضيات الإيمان.
يقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
﴿فَرِيقًا﴾ يعني طائفة ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ وهم اليهود والنصارى، فالكتاب لليهود هو التوراة, والكتاب للنصارى هو الإنجيل، وقوله: ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني لا جميعهم؛ لأن بعض أهل الكتاب ليسوا على هذا الوصف، فإن منهم من آمن. فآمن من النصارى النجاشي، وآمن من اليهود عبد الله بن سلام. وهؤلاء من خيار المؤمنين، لكن فريقًا منهم يقول عنهم: ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ يعني يوجبوا لكم أن ترتدوا بعد الإيمان، سواء كان ذلك بالقتال فيما بينكم، كما يذكر أن رجلًا من اليهود وشى بين الأوس والخزرج, ذكَّرهم أيام الجاهلية،
стр. 570
فثاروا، أي ثار بعضهم على بعض، وغضبوا، وقد يكون هذا السبب أو هذا المعنى الذي ذكر ضعيفًا، لكن مهما كان الأمر فإن أهل الكتاب يريدون منا أن نرتد عن الإيمان. وقد صرح الله بذلك في آيات أُخَر: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: ١٠٩]، ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩].
فأهل الكتاب يودون هذا. وتعلمون أن من ودَّ شيئًا سعى في تحصيله. إذن فنحن نعلم أن أهل الكتاب يسعون بكل ما يستطيعون أن يردوا المسلمين عن دينهم، سواء منعوا الناس عن الدخول في دين الإسلام، أو أخرجوهم من دين الإسلام بعد دخولهم فيه. وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا مطولًا في ذكر الفوائد.
قوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾:
والردَّة بعد الإيمان أعظم من منع الإيمان من أصله؛ لأنها إخراج من الإيمان إلى الكفر، ومن المعلوم أن الإنسان لن يخرج من الإيمان إلى الكفر إلا بمحاولات شديدة، إذ إن إبعاد من لم يدخل في الشيء أهون ممن دخل فيه، وآمن به، ولهذا قال: ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
وقوله: ﴿كَافِرِينَ﴾ المراد به: الكفر المخرج عن الملة، لكنهم قد لا يستطيعون أن يُخرجونا من الإيمان بالكلية، لكن بالتدريج مما يُلقونه أمامنا من معوِّقات كمال الإيمان، حتى ينحل الإيمان شيئًا فشيئًا، ولا يبقى في القلوب شيء، وحينئذٍ يكون الكفر المحض.
стр. 571
• ثم قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١].
(كيف) استفهامية، لكن تحتمل وجهين:
الوجه الأول: الاستبعاد.
الوجه الثاني: التعجب.
فإذا نظرنا إلى حالهم أنهم تتلي عليهم آيات الله وفيهم رسوله، قلنا: إن ارتدادهم بعيد عن أن يرتدُّوا على أدبارهم وهم يتلى عليهم كتاب الله وفيهم رسوله، ﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ يُشاهدون النبي ﷺ ، مساءً وصباحًا، ويسمعون الآيات التي تُنزَّل عليه، فردَّتهم بعيدة، ولهذا لم تكن الردة إلا بعد موت الرسول ﵊. والردَّة في حياته قليلة جدًّا.
والوجه الثاني: أن تكون للتعجب، فيكون هذا تعجبًا من حال من يمكن أن يرتد، فإن الذي يرتد وتُتلى عليه آيات الله وفيه رسوله، لا شك أن حاله عجيبة؛ لأن الإنسان لو ارتد وهو لم يُشاهد الرسول ﷺ ، ولم يسمع الآيات تنزل يومًا فيومًا، لكان له شيءٌ من العذر ولكن في الحال التي يسمع فيها آيات الله، ويُشاهد فيها الرسول ﷺ ، ليس له عذر إطلاقًا، فيكون الاستفهام للتعجب. يعني: ما أعجب حالكم لو كفرتم.
إذن يكون في الآية على الوجهين تأييس للذين أوتوا الكتاب أن ينالوا مرادهم من المؤمنين بمحاولة ردتهم.
على الاسبعاد يعني: مهما حاولوا لا يمكن. وعلى الوجه الثاني: يكون توبيخًا لمن حاولوا يرتدوا كيف تفعلون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله؟
стр. 572
قال: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾.
﴿تُتْلَى﴾: أي تُقرأ عليكم، والتلاوة تأتي بمعنى القراءة، أي: تقرأ عليكم، وإذا وقعت من الفاعل فقيل (تلا) صار لها معنيان:
المعنى الأول: القراءة.
والمعنى الثاني: الاتباع.
ففي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، يتلونه يعني يقرؤونه، ويتَّبعونه، فهنا تُتلى عليهم آيات الله، أي تُقرأ .. والذي يقرؤها عليهم رسول الله ﷺ ، السند: رسول الله ﷺ ، عن جبريل عن الله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤] فهم يُتلى عليهم بواسطة الرسول ﷺ .
وقوله: ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾ جمع آية، وهي العلامة، والمراد بها هنا القرآن، والقرآن آيات، كل آية منه دليل على المتكلم بها وهو الله ، على ما له من الصفات المقتضية لتلك الآيات، ولهذا كل آية من القرآن فإنها معجزة، كما قال الله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] (حديث) آية، أو عشر آيات، أو سورة، أو عشر سور، أو القرآن كله .. معجزة.
والمراد بآيات الله هنا الآيات الشرعية؛ لأن الآيات الكونية لا تُتلى لكن يُتلى عنها، أي يُخبر عنها: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧].
﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾. (في): للظرفية ﴿فِيكُمْ﴾ أي: في مجتمعكم، وليس حالًّا فيهم ﵊، لكنه في مجتمعهم كما قال حسان بن ثابت:
стр. 573
وفينا رسول الله يتلو كتابه
فالرسول ﷺ كان في مجتمعهم، يُشاهدونه صباحًا ومساءً، ويغشاهم في مجالسهم، ويعودهم إذا مرضوا، ويزورهم ﷺ في بيوتهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، فمن كان في هذه الحال هل يمكن لشرذمة من أهل الكتاب أن يردُّوه عن دينه؟ لا.
﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ﴾: أي يستمسك، العصمة بالله فقد هُدِي إلى صراط مستقيم.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ باللهِ﴾ يشمل الاعتصام به توكلًا عليه، والاعتصام به تعبُّدًا له؛ لأن في كل منهما عصمة. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فمن اعتصم بالله تعبُّدًا واستعانة، فقد هدي إلى صراطٍ مستقيم .. وأتى هنا بالفعل الماضي (هُدي): إشارة إلى أن هذا قد ثبت له الهدى سابقًا وواقعًا، سابقًا اللوح المحفوظ، في الكتابة حينما تُنفخ فيه الروح في بطن أمه، وواقعًا؛ لأنه اعتصم بالله.
وقوله: ﴿هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ حذف الفاعل وذلك لتعدُّد طرق الهداية، فأعلى الهُداة الله ثم الرسول ﵊، ثم ورثة الرسول ﷺ وهم العلماء، فهنا حذف الفاعل؛ ليشمل كل الهداة، وأولهم الله : ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]، ثم الرسول ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ثم ورثة الرسول وهم العلماء: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
стр. 574
إذن هُدِي الهداية الأولى من الله، ثم الرسول، ثم أولو العلم، لكن هداية التوفيق خاصة بالله ، لو اجتمع جميع الخلق على أن يهدوا أحدًا هداية توفيق ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولكنهم يدُلُّون ويحثُّون ويُرغِّبون.
وقوله: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فيها قراءتان: بالسين والصاد، (سراط، وصراط)، لأن الصاد والسين تتناوبان دائمًا.
وقوله: ﴿صِرَاطٍ﴾ هو الطريق الواسع، يسمى سراطًا وأصله من (الزرط) بالزاي الابتلاع بسرعة؛ لأن الطريق الواسع يلجه الناس، ويخرجون منه بسرعة، بخلاف الضيِّق، فإن الناس يزدحمون فيه ولا يكادون يخرجون منه إلا بمشقة.
وقوله: ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ أي غير معوج، بل هو مستقيم، وهو يشمل الاستقامة نزولًا وارتفاعًا، والاستقامة انحرافًا واعتدالًا. إذن هو معتدل وليس فيه نزول ولا ارتفاع؛ لأن الصراط وهو الطريق إذا كان فيه انحراف واعتدال لم يكن مستقيمًا، ويُبطئ الوصول إلى الغاية. كذلك إذا كان مختلفًا نزولًا وارتفاعًا، فإنه ليس بمستقيم؛ لأنه تطول المسافة، ويحصل مشقة عند الارتفاع وعند النزول.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
من فوائد قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾:
١ - تحذير المؤمنين من طاعة الكفار، لقوله ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ﴾.
٢ - أن الكفار ولو كانوا أهل كتاب يحاولون غاية المحاولة أن يردُّوا المؤمنين عن إيمانهم إلى الكفر. وقائل هذا هو الله
стр. 575
العالم بما في صدورهم. قد يتظاهرون لنا بالمسالمة والمداهنة، وأنهم أولياء، وأنهم أصدقاء، ولكن في قلوبهم الحقد، والغل، ومحبة أن نرتد أعقابنا كافرين، من أين نعلم هذا الذي في قلوبهم وهم يبدون لنا الود والصداقة والمحبة؟ نعلم هذا من القرآن الكريم.
فإن قال قائل: إن الله يقول: ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، والفريق مبهم ما ندري، ربما بعضهم على خلاف ذلك، وإذا وُجد الاحتمال بَطَل الاستدلال، فلا يمكن أن تعين طائفة من أهل الكتاب تقول: هؤلاء يُحبُّون أن نرتد على أعقابنا كافرين، لا يمكن أن تُعيِّن ما دام الله يقول: "فريقًا"، الفريق مبهم، فإذا قلت: إنهم هؤلاء، قلنا لك: بل هؤلاء، بل أولئك، فما هو الميزان إذن؟ لنا على هذا جوابان:
الجواب الأول: أن الله ذكر في آيات أخرى أن جميع الكفَّار يودُّون منا أن نكفر، وهو شامل لأهل الكتاب وغيرهم: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩] ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢]. ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩].
إذن هناك آيات تدل على أن جميع الكفار، ومن ضمنهم أهل الكتاب يودُّون منا ذلك.
الجواب الثاني: أن نقول هذا الفريق المبهم، يُبيِّنه الواقع، وهو أن من أهل الكتاب من آمن، ومن آمن لا يمكن أن يُحب من غيره أن يكفر، وحينئذ نقول: المراد بالفريق هنا من لم يؤمن منهم، فكل من لم يؤمن فهو داخلٌ هذا الفريق.
стр. 576
٣ - أن هؤلاء الفريق من أهل الكتاب لا يرضون منا بما دون الكفر، إلا أن يكون وسيلة إلى الكفر؛ لأنه الغاية، قال: ﴿يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُافِرِين﴾.
وأساليب أهل الكتاب في إضلال المسلمين كثيرة جدًا ومتنوعة، منها: أن يفتحوا عليهم باب الشهوات. فإن باب الشهوات باب واسع، والضيّق من أبواب الشهوات يتَّسع بسرعة، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" (١)، ولهذا هم -قبَّحهم الله، ولعنة الله على اليهود والنصارى جميعًا- يسعون جادين على أن يُعطوا المرأة ما يُسمَّى بالحرِّية، وهي في الحقيقة الرق وليست حرِّية؛ لأن المرأة -ومثلها الرجل- إذا خرجت عن حدود الله، خرجت من رقِّ الدين إلى رقِّ الشيطان، تخرج من رقِّ الدين وهو الرق الحقيقي؛ لأنه عبودية لله، إلى رقِّ الشيطان، وإذا خرجت إلى رقِّ الشيطان واسترقَّها الشيطان صارت عبدًا له، هلكت وأهلكت، قال ابن القيم ﵀:
هربوا من الرق الذي خلقوا له ... فبلوا برق النفس والشيطان
(هربوا من الرق الذي خُلقوا له): الرق الذي خُلقنا له هو عبادة الله .
(وبُلوا): يعني ابتلاهم الله برقِّ النفس والشيطان، ولهذا
стр. 577
تجدهم يُركِّزون المرأة على أن تتدهور، وتتحرر من عبودية الله لتقع في عبودية الشيطان؛ لأنهم يعلمون أن أشد فتنة على الرجال هي المرأة، فيسعون بكل جهدهم على أن تختلط بالرجال، وتُشاركهم في الأعمال، ويلصق منكبها بمنكبه، وساقها بساقه، ويشم رائحتها، وتشم رائحته، وتصافحه، وربما تُعانقه؛ لأنهم يعلمون أن الإنسان إذا وصل إلى هذه الدرجة بقي حيوانيًا بهيميًّا ليس له أي غرض إلا أن يُشبع غريزته -والعياذ بالله- وحينئذٍ ينسى الدين وما وراء الدين، ويرجع بعد ذلك إلى الكفر.
لا يستطيعون أن يقولوا للمسلمين: اكفروا؛ لأنهم لو قالوا: اكفروا، ما كفروا بل لقالوا: نعم نكفر بالطاغوت، ونؤمن بالله، ونضرب هامك، لكنهم يأتون بهذه الأساليب التي توجب أن ينزلق الناس بالفسوق، والفسوق بريد الكفر.
ثانيًا: يلقون الأفكار الرديئة الإلحادية الكفرية بين المسلمين باسم (الناس أحرار - دعوا كل أحد يعتنق ما شاء - دعوا كل أحد يقول ما شاء - لا تستعبدوا الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا)، وما أشبه ذلك من الكلمات الرنَّانة التي إذا سمعها الإنسان قال: هذا هو الدين، ثم تحلَّل الناس وصار كلٌّ يعمل على ما يُريد، ولكن ما هي الطريق التي يتوصَّلون بها إلى هذا؟ الطريق: أن يضربوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويجعلوا الناس لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر؛ لأنهم يعرفون أنه إذا أُمر بالمعروف قام المعروف، وإذا نهي عن المنكر غاب المنكر، فيحاولون أن يقلِّلوا ويُضعفوا هذه الناحية، حتى يبقى الناس لا آمر ولا ناهي، كلٌ يركب ما شاء.
стр. 578
وهناك شيءٌ آخر يضربون عليه وهو مسألة الحدود والتعزيرات، يشوِّهون الإسلام بأنه يقطع اليد -يد السارق- ويرجم الزاني، يشوِّهون هذا حتى يُضعفوا هذه الناحية، ومن المعلوم أنه إذا ضعف الإيمان فلابد من رادع السلطان، فإن ضعف الإيمان وعُدم رادع السلطان، صارت المسألة فوضى، كل يفعل ما شاء، يكفر، يزني، يسرق، يشرب الخمر .. ؛ لأنه لا توجد حدود رادعة، والإيمان ضعيف بناء على أنهم يقولون: اجعلوا كل إنسان حرًّا في نفسه، ويتحلل الناس من الدين بمثل هذه الطرق، إلقاء الأفكار الرديئة في المسلمين. هذه من أساليب اليهود والنصارى التي يُضللون بها الناس، ويردونهم بعد إيمانهم كافرين.
كذلك أيضًا من أساليبهم التي يردون بها الناس عن الإيمان أن يزيِّنوا للناس محبة المال، وجباية المال، بكل ما يكون بحلال أو حرام، فيزينوا لهم المكاسب الربوية بشتى أنواعها، والمكاسب الميسرية بشتى أنواعها التي تتمثَّل في التأمينات وما أشبهها، فإن التأمينات لا شك أنها من الميسر؛ لأن المؤَمِّن والمؤمَّن له عقدهما دائرٌ بين الغنم والغرم، وهذا هو الميسر تمامًا، والنفس إذا اعتادت ذلك نسيت كل شيء. صار أكبر همِّها أن تكتسب هذا المال بالربا؛ لأن الربا يوجب زيادة المال باطِّراد، وزيادة الظلم باطِّراد، زيادة المال لآخذ الربا، والظلم لموكل الربا، فتأخذ النفس على الجشع، والشح، وحب المال، وتنسى ما خُلقت له. كذلك الميسر وعلى رأسه القمار، يجلس المتقامران في مجلس، كل واحد عنده خمسة ملايين من الأموال مثلا فَتحصل لعبة القمار فإذا بأحدهما يكتسح مال الآخر كله، خمسة ملايين فيصبح هذا
стр. 579
عنده عشرة ملايين، والثاني ما عنده إلا ثيابه يخرج من قاعة المقامرة ليس عليه إلا ثيابه، على كل حال مثل هذه الأساليب التي يُلقيها اليهود والنصارى وأشباههم بين المسلمين يجب على المسلمين الحذر منها؛ لأن الله يقول: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾.
يجب على المسلمين أن يستمدُّوا حياتهم ومنهاجهم من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وأنا واثق كل الثقة، أنهم إذا اعتمدوا في ذلك على الكتاب والسنة، فسيطؤون أعناق هؤلاء الكفار؛ لأن الله يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] هذا كلام الله ، كلام الله الذي يقدر على كل شيء، هو وعدٌ من الله، من قادر صادق في وعده، فإذا كان كذلك فلماذا لا نتمسَّك بدينه؟ لماذا لا نتمسَّك تمسُّكًا تامًا، ونُظهر الأمة الإسلامية من جديد، تتمسَّك بدينها نصًّا وروحًا، لا نصًّا فقط؛ لأن التمسك بالدين نصًّا فقط لا روحًا، ليس بشيء. هو تمسُّك ظاهري يتلاشى عند حدوث النوازل، وأما التمسُّك نصًّا وروحًا فهو الذي ينتفع به الإنسان في دنياه وآخرته. إذن علينا أن نحذر كيد الذين أوتوا الكتاب وكيد كل كافر، لأن الله يقول في الكافرين: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩]. وقال في سورة الممتحنة: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ فعلينا أن نأخذ بهذه الإرشادات التي أرشدنا الله إليها، وأن نسير في طريقنا مهتدين بهدي الله، مقتدين برسول الله ﷺ حتى يحصل لنا النصر والسعادة، والعز والكرامة في الدنيا والآخرة.
стр. 580
وأقول رأيي في هذا: إن كل واحد مقصِّر، لم يقم كل واحد بالواجب عليه. كل واحد في الشعوب الإسلامية، وولاة المسلمين مقصِّر لم يقم بالواجب، ولا ينبغي أن نقْصِر التقصير على طائفة معيَّنة، أو هيئة معيَّنة، بل كلنا مقصِّرون. هل الإنسان إذا رأى منكرًا من أخيه يقول: يا أخي تعال هذا حرام، لا يجوز، اتَّق الله؟ لا. مع أن هذا لم يُمنع منه أحد، ومع ذلك لا تجد من يقوم بهذا إلا النادر. لو أن الناس عُوّدوا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا شأن المسلمين كلهم "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر" (١) لتغيَّر الأمر. والمعروف لا يُشترط له أن يكون له طائفة معينة من قبل الولاة، كلٌ يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، لكن بالحكمة، وأنا أقول دائمًا: إن الأمر بالمعروف غير تغيير المنكر. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس هو تغيير المنكر.
تغيير المنكر يحتاج إلى سلطة، لكن الأمر لا يحتاج إلى سلطة، كلٌ يأمر وينهى، وقد ذكرنا أن هناك ثلاثة أشياء تشتبه على بعض الناس وهي مختلفة:
١ - الدعوة.
٢ - والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٣ - والتغيير.
قال الله : ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا
стр. 581
الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢]. فهنا قسَّم الله تعالى الناس غير المسلمين إلى ثلاثة أقسام: اليهود والمشركين والنصارى .. وهنا قال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، ولم يقل: (والنصارى). . ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، فلاحظ الفرق، ثم نجد أنَّ الله قال في آية أخرى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]، وقال في آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾. وهذا أعم ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣] ..
فهذه ثلاث آيات، فالذين قالوا: إنا نصارى، ليسوا هم النصارى الذي هم أولياء لليهود وللكافرين .. هؤلاء قوم معينون, وصفهم الله بوصف لا يوجد في بقية النصاري, فقال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢، ٨٣]. فهذه الطائفة من النصارى هي التي تكون أقرب مودَّة للذين آمنوا، أما الطائفة التي إذا سمعت ما أنزل إلى الرسول نفرت، وسعت بكل ما تستطيع أن لا يقبل الناس هذا الذي أُنزل، فوالله ليست أقرب مودَّة من اليهود والمشركين، هم على حدٍ سواء.
٤ - أن طاعة الكفار مخالفة للإيمان؛ لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فتكون طاعتهم مخالفة لكمال الإيمان، وقد تصل إلى انتفاء الإيمان بالكلية.
стр. 582
٥ - أن حرص الكفار على ذلك من أجل إيماننا، وبناء عليه فإننا نُنزل القاعدة السابقة: (أن ما عُلِّق على وصف فإنه يزداد بزيادة ذلك الوصف وقوته) وعلى هذا فثقوا أنه كلما ازداد المؤمنون تمسُّكًا بدينهم ستزداد شراسة الكفار في صدهم عن دينهم. ما دام الوصف هو الإيمان، فإنه كلما ازددنا تمسكًا بالإيمان، ازداد الكفار شراسة في صدنا عن الإيمان، ومثل ذلك أيضًا: الطاعة والمعصية، كلما ازداد الناس في الإقبال على الله والتمسك بهديه، ازداد أهل الفسوق شراسة في القضاء على هذه القوة في الطاعة.
٦ - أن من أهل الكتاب من لا يُحاول إضلالنا عن ديننا، يؤخذ هذا من قوله: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
ومن فوائد قوله : ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
١ - استبعاد أن يرتد المؤمن كافرًا، وهو يُتلى عليه كتاب الله وفيهم رسوله، والواقع شاهد بذلك، ولم تحصل الردة إلا بعد موت الرسول ﷺ .
٢ - أن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والإقبال عليهما أعظم مانع يمنع من الكفر؛ يؤخذ من قوله: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ يعني بعيد منكم الكفر إذا كانت تُتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله، آيات الله تُتلى علينا الآن، ورسوله ليس فينا ولكن فينا سنته، فنأخذ من هذا أنه كلما تمسَّكنا بكتاب الله وسنة رسوله، فإن ذلك سيكون حصنًا منيعًا دون الكفر.
стр. 583
٣ - إثبات أن القرآن الكريم آية من آيات الله؛ لقوله: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾. ويتفرع على هذه الفائدة أنه إذا كان آية من آيات الله، فإنه لا يمكن أن يأتي أحد بمثله، إذ إن الآية هي العلامة التي تعين معلومها، ولو أمكن أحد أن يأتي بمثل هذا القرآن ما كانت آيات الله.
٤ - أنه ربما نقول: إن القرآن آية شرعية، وكذلك يتضمن آيات كونية بما أودع الله فيه من الإشارات العظيمة إلى ما في الكون من الآيات، من أجل أن نجعل ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾ تشمل الشرعية وما دلت عليه هذه الشرعية من الآيات الكونية. وإلا فلا شك أن الذي يتلى هو الشرعية، لكنها قد تضمنت آيات كونية دلت عليها، مثل قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٨ - ٤٠]، ومثل قوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]، فإن هذه الآية آخر جملة فيها تشمل كل ما يمكن الركوب عليه إلى يوم القيامة، ومثل قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] عند بعض العلماء، فإن قوله ﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾ يخرج الذي يطير بالقوة مثل الطائرات الحديدية هذه فإنها ليست من الأمم التي هي أمثالنا.
٥ - الحث على الاعتصام بالله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ﴾.
٦ - بشارة من وفق للاعتصام بالله بأنه مهدي، وهذه فرد من
стр. 584
أفراد البشارات الكثيرة التي إذا تدبرها الإنسان حمد الله على نعمته أنه قد هداه وأنعم عليه.
٧ - أن دين الله دين مستقيم؛ لقوله: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والمراد به صراط الله، وهو مستقيم في كل شيء، إن نظرت إلى الحقوق وجدته مستقيمًا فيها ليس فيه جور، فللَّه علينا حقوق، ولأنفسنا علينا حقوق، ولأهلنا علينا حقوق، ولزائرنا علينا حقوق، ولكل أحد حق على الآخر، قال النبي ﵊ لأبي الدرداء: "فأعط كل ذي حق حقه" (١). إذن هذا عدل، ليس فيه جنف، وهذا من استقامة هذا الدين. ولكن نبهنا فيما سبق على مسألة، وهي أن بعض الناس يقول: إن دين الإسلام دين المساواة، وبيّنا أن هذا خطأ، بل إن دين الإسلام هو دين العدل؛ لأن أكثر ما في القرآن نفي المساواة، لا إثبات المساواة، ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الأنعام: ٥٠] ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد: ١٦] وآيات كثيرة فيها نفي الاستواء؛ لكنه العدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠] وذكرنا أن هذه العبارة دخل فيها من قال إنه يسوي بين الرجل والمرأة، وبين العالم والجاهل، وبين كل إنسان وآخر، مع الاختلاف في الصفات، وتميز كل واحد عن الآخر بصفاته. وهذا لا شك أنه خطأ، ولا يأتي الإسلام به. الإسلام يأتي بالعدل "أن تعطي كل ذي حق حقَّه".
стр. 585
• قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
يقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾، وما أكثر ما أمر الله بالتقوي في كتابه في آيات كثيرة، بل جعلها الله وصية لجميع الخلق: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] والتقوى مأخوذة من الوقاية، ولهذا يقال: إن أصلها (وَقْوَى) مؤنث من الوقاية. والوقاية اتخاذ الإنسان ما يقيه الذي يضره. ولهذا نقول: إن أجمع تفسير للتقوى أن يقال: التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. هذا أجمع ما يقال.
وقوله : ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ﴿حَقَّ﴾ مفعول مطلق مبيِّن لنوع التقوى التي أمرنا بها. أي اتقوا الله على هذا الوجه حق تقاته. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن تتقوا الله ما استطعتم؛ لأن هذه هي التقوى التي أمرنا بها في آية أخرى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] أي ابذلوا كل ما تستطيعون في تقوى الله. ولهذا لا تظنوا أن هذه الآية ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أنها تهوِّن التقوى؛ لأن الناس يتخذ من هذه الآية تهوينًا لأمر التقوى ويقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ والحقيقة أنها بالعكس، يعني اتقوا الله بقدر تستطيعون، ابذلوا كل الجهد في تقوى الله . فيكون قوله: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ موازيًا لقوله: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وبناء على هذا تكون الآية محكمة أي غير منسوخة. وهذا القول هو الراجح. ومقابله أن الآية منسوخة، وأنها أمر بما فيه مشقة، وأن المراد بتقوى الله أن يذكر فلا ينسى، ويطاع
стр. 586
فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر. ولكن لدينا قاعدة مهمة جدًّا توجب أن لا يتسرع الإنسان في دعوى النسخ؛ لأن دعوى النسخ ليست دعوى بسيطة، فإن النسخ يتضمن إبطال حكم من الأحكام الشرعية، وإبطال الحكم من الأحكام الشرعية ليس بالأمر السهل؛ وإن كان بعض الناس وبعض العلماء يتساهل، وإذا عجز أن يوفِّق بين النصوص، أو يرجح ادَّعى النسخ. وهذا غلط؛ لأنه يترتب عليه إلغاء حكم شرعي. فنحن نقول: ما دام النص من القرآن أو السنة يمكن أن يحمل على وجه صحيح لا يعارض النصوص الأخرى، فهذا هو الواجب؛ لأننا إذا سلكنا هذا المسلك عملنا بكل النصوص. أما إذا قلنا: إن أحدهما منسوخ فإننا نلغي نصًّا جاء به الوحي. وهذا ليس بالأمر الهين، فالصحيح أن هذه الآية غير منسوخة؛ لأنها لا تخالف الآيات، هي مثل قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] والغريب أن الذين قالوا بالنسخ قالوا: إنها نسختها هذه الآية ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا. . .﴾ إلخ لكن لا وجه لهذا. فالصحيح أن معنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، أي بقدر ما تستطيعون و ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ما أمرنا به في قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ هذا مما يدخل تحت الخطاب، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يعني إلا وأنتم مسلمون لله ظاهرًا وباطنًا. والإسلام هنا يدخل فيه الإيمان، وكما مرَّ في آيات كثيرة الدعاء بأن يموت الإنسان مسلمًا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦]، وفي سورة يوسف
стр. 587
قال: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. لكن جاء في السنة أن الرسول ﷺ كان يقول في دعاء الميت: "اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته فتوفه على الإيمان" (١)، ففرَّق بين حال الحياة وحال الموت.
والجواب عن ذلك أن نقول: إنما غاير النبي ﷺ بينهما لأن صلاح الأمة على سبيل العموم بالإسلام؛ إذا حيت الأمة مسلمة انتظم أمرها؛ لأن الإسلام معناه الاستسلام، ولم يكن فيها ما يوجب العناد والاستكبار. ولما قال: "أحييته منا فأحيه على الإسلام"، قال: "من توفيته فتوفه على الإيمان"، لأن المدار عند الموت على ما في القلب. لكن في هذه الآية وكذلك في الآيات الأخرى التي أشرنا إليها لم يذكر الإيمان معها فيكون الإسلام هنا شاملًا للإيمان.
وقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: لا تمت إلا وأنت مسلم. وهذا يقتضي أن تكون مسلمًا من الآن، لا تنتظر وتقول: سأسلم إذا جاء لموت، بل تكون مسلمًا من الآن؛ لأنك لا تدري متى يفاجئك الموت. فالآية لا تعني أن تؤخر الإسلام إلى عند الموت لأنك لا تدري، بل فيها الأمر بالمبادرة بالإسلام، وبالثبات عليه إلى الموت.
وفي هذا الآية إشكال في قوله ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ﴾، (لا) ناهية
стр. 588
وليست نافية؛ لأن عطف الطلب على الطلب أولى من عطف الخبر على الطلب. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذا طلب أمر ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ﴾ هذا طلب نهي، وإذا كانت ناهية يشكل علينا أن الفعل بعدها مرفوع، فكيف كانت ناهية والفعل بعدها مرفوع؟
الجواب: أن (تموتن) أصلها بدون نهي (تموتونن) ولما جاءت لا الناهية حذفت نون الإعراب فالتقت الواو بالنون والنون المشددة، نونان أولهما ساكن والساكن لا يمكن أن يقابل ساكنًا آخر كما قال ابن مالك:
إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق ... وإن يكن لينًا فحذفه استحق
إذن نحذف الواو هنا لأنه من حروف اللين. وبقيت الميم التي تليها الواو مضمومة، ونون التوكيد تبقى على حالها. فصار الإعراب واضحًا الآن: فـ (لا) ناهية، (تموتن): فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، والنون للتوكيد.
وجملة ﴿وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ حال من الواو المحذوفة في قوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - وجوب تقوى الله حقَّ تقاته للأمر بذلك بقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾.
٢ - العناية والاهتمام بالتقوى، يؤخذ من تصديره بالنداء.
٣ - أن التقوى من مقتضيات الإيمان لتوجيه النداء إلى المؤمنين.
٤ - أن ترك التقوى من نواقص الإيمان؛ لأنه إذا نودي
стр. 589
الإنسان بوصف فإنه يزداد وصفه هذا بحسب زيادته فيما وجِّه إليه.
٥ - وجوب البقاء على الإسلام والمبادرة به؛ لقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
٦ - أن المَدار على الخاتمة، نسأل الله حسن الخاتمة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ومصداق ذلك حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) (١). لكن الأول ورد فيه قيد -والحمد لله- يريح البال، ويزيل الخوف (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار). ورد هذا الحديث في قصة الرجل الذي كان مع النبي ﵊ في غزوة وكان شجاعًا مقدامًا لا يدع شاذة ولا فاذة، فقال النبي ﷺ : "هذا من أهل النار -نسأل الله العافية- فَعَظُمَ ذلك على الصحابة وشقَّ عليهم كيف يكون هذا الرجل من أهل النار وهو بهذه المثابة في جهاده، فقال رجل: والله لألزمنَّه، يعني لأصاحبنّه حتى أنظر ما عاقبته؟ فأصاب هذا الرجل الشجاع سهم فجزع فأخذ سيفه واتكأ عليه حتى خرج من ظهره -أعوذ بالله-، جعله في صدره حتى
стр. 590
خرج من ظهره ومات، فلما أصبح الرجل غدا إلى رسول الله ﷺ وقال: أشهد أنك رسول الله، قال: وبم؟ قال: إن الرجل الذي قلت إنه من أهل النار فعل كيت وكيت، ثم قال الرسول ﵊: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار" (١)، يعني يكون في قلبه -نسأل الله العافية- سرٌّ خبيث ليطيح به في مواضع الشدة والضيق. يعنى أنه تخونه سريرته عند الموت؛ لأن قلبه فيه شيء، ولهذا يجب علينا أن نطهر قلوبنا دائمًا وأبدًا ونغسلها فليس العبرة أن يصلي الإنسان أو أن يصوم إذا كان قلبه خربًا؛ لأن كل إنسان يستطيع أن يصلي أحسن صلاة لأنه عمل جوارح، ولكن الكلام على عمل القلب، أسأل الله أن يطهر قلوبنا جميعًا.
لذا علينا أن نحرص على ملاحظة القلوب وإصلاحها، وإخراج النفاق منها، وإخراج الشك وإبعاده، وإخراج الحسد والغل والحقد على المسلمين؛ لأن كل هذا من خصال اليهود، أحسد الناس وأشدهم غلًا اليهود، هل ترضى أن يكون في قلبك خلق من أخلاق اليهود؟ لا أحد يرضى بهذا النفاق من أخلاق المنافقين، لا أحد يرضى أن يكون منافقًا. فالمهم أن نحرص حرصًا شديدًا على إصلاح القلوب.
لما جيء برجل كان يشرب الخمر في عهد الرسول ﵊، ويكرر شرب الخمر، فدعا عليه رجل من الصحابة وسبَّه، وقال: ما أكثر ما يؤتى به إلى رسول الله ﷺ
стр. 591
ليعاقبه على شرب الخمر قال: "لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا إنه يحب الله ورسوله" (١) -سبحان الله-، انظر إلى طهارة قلبه، نفسه الأمارة بالسوء تحدوه إلى أن يشرب الخمر، لكن قلبه مملوء بمحبة الله ورسوله. فالمدار كله على القلب، ولذلك يجب علينا أن نحرص حرصًا كثيرًا على صلاح القلب؛ لأن هذا يوجب حسن الخاتمة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
٧ - أن الإسلام يدخل فيه الإيمان عند الإطلاق، وهو كذلك. والدليل قول النبي ﵊: "ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان" (٢)، فالإسلام عند الإطلاق يدخل فيه الإيمان، وأما عند الجمع فالإسلام عمل الجوارح، والإيمان عمل القلب كما قال بعض السلف: (الإيمان سر، والإسلام علانية).
فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]، فهذا ظاهره أن الإيمان والإسلام شيء واحد مع أنهما ذكرا جميعًا في موضع واحد؟
فالجواب: أن يقال: البيت لم يخرج كله، إنما الذي خرج المؤمنون من أهل البيت، والقصة في لوط، امرأته كافرة لم يخرج بها لكنها في بيت إسلام، ولم تظهر أنها كافرة. والدليل على أنها لم تظهر أنها كافرة أن الله تعالى قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ
стр. 592
كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]، فهي لم تظهر أنها كافرة، فالبيت بيت إسلام، ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ لكن الإيمان ليس لأهل البيت كلهم، ولهذا بقيت الزوجة، وخرج الأهل، فالقاعدة الصحيحة: أن الإسلام والإيمان يكونان مترادفين، ويكونان متباينين، يكونان مترادفين إذا افترقا، ويكونان متباينين إذا اجتمعا: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، هذا واضح على أن هناك فرقًا بين الإيمان والإسلام.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣].
هذا داخل تحت قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٠٢] فهي معطوفة على ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾. وقوله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ وفيما سبق قال: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠١]، والاعتصام بالله الاعتماد عليه، والتوكل عليه، والاستعانة به، والاعتصام بحبله أي بشرعه. فحبل الله هو شرعه. وسمي شرعه حبلًا لأنه موصل إليه، والحبل كما تعلمون يوصل إلى المقصود. فإن الإنسان إذا أراد أن يشرب من البئر أدلى الدلو بالحبل، بالرشاء. فحبل الله هو شرعه الموصل إليه كما يقال: حبل البئر الرشاء الموصل إلى الماء ليستقي منه الساقي. وأضيف إلى الله عزّ وجل
стр. 593
لأمرين: الأمر الأول: أنه هو الذي وضعه ، والأمر الثانى: أنه موصل إليه.
وقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ حال من الواو في اعتصموا، يعني اعتصموا كلكم، لا يشذ أحد عن هذا الاعتصام.
﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ في حبل الله، كونوا جميعًا تحت المظلة الشرعية، لا يشذ أحد منكم ولا تفرقوا أحزابًا ولا أفرادًا.
﴿وَاذْكُرُوا﴾: اذكروا بألسنتكم، واذكروا بقلوبكم، والذكر بالقلب هو التذكر، يتذكر الإنسان حتى ولو كان وحده، في بيته يتذكر الحال التي أشار الله إليها، اذكروا أيضًا بألسنتكم ثناءً على الله بذلك وتحدثًا بنعمته.
﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ والنعمة بمعنى العطاء والرزق. وهذه النعمة التي ذكر الله هنا، وأمرنا أن نذكرها، هي من أكبر النعم ولهذا قال: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ هذا بيان هذه النعمة، أي أن بعضكم عدو لبعض. ولا شك أنه مع العداوة لا يمكن أن تستقيم الأمة. فالعداوة التي كانت بينهم قبل الإسلام أزالها الله تعالى بالإسلام. ومن ذلك ما كان بين قبائل العرب من قريش وهوازن وغيرهم، وما كان بين قبائل الأنصار بين الأوس والخزرج، حروب، وفتن، عداوات، وثأرات. شيء إذا قرأه الإنسان في التاريخ يقول: إن من أكبر نعم الله على العرب أن جاء بهذا الإسلام. ولهذا ذكَّر النبي ﷺ الأنصار بذلك حين قسم غنائم حنين. وكان رسول الله ﷺ حكيمًا، أعطى المؤلفة قلوبهم عطاءً كثيرًا، حتى إنه يعطي الإنسان مائة ناقة. فصار في قلوب بعض الأنصار شيء، حتى إنهم قالوا وجد أصحابه فأعطاهم، أو كلمة
стр. 594
نحوها. فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمرهم أن يجتمعوا، وأن لا يدخل معهم أحد. اجتمعوا فجاء إليهم، وذكَّرهم بنعمة الله عليهم، وقال لهم: "ألم أجدكم ضُلالًا فهداكم الله بي؟ "، قالوا: "الله ورسوله أَمَنّ؟ قال: "ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي؟ " قالوا: الله ورسوله أَمَنّ؟ قال: "ألم أجدكم متفرقين فجمعكم الله بي؟ "، قالوا: الله ورسوله أَمَنّ؟ كلما قال شيئًا، وذكَّرهم به، اعترفوا بأن الله ورسوله أمَنّ. ولكنه ﵊ لما ذكرهم بفضله عليهم قال: لو شئتم لقلتم: جئتنا طريدًا فآويناك، وذكر ﵊ فضلهم عليه ثم قال: "أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله ﷺ إلى رحالكم، لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، الأنصار شعار والناس دثار" (١)، حتى جعلوا يبكون، وخضبوا لحاهم بدموعهم ﵃، واقتنعوا اقتناعًا كاملًا، الشاهد من هذا أنه ذكَّرهم صلوات الله وسلامه عليه أنهم كانوا متفرقين فجمعهم الله به، وألفهم به، ولهذا يذكر الله هؤلاء بقوله: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُم﴾ ألَّف يعني جمع. ومنه قولنا: ألَّف فلان كتابًا يعني جمعه.
وقوله: ﴿بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ ولم يقل بينكم، لأن الائتلاف في القلوب. وهذا هو الذي عليه المدار، ليس المدار الائتلاف بالأجسام. كم من أمة ائتلفت بأجسامها ولكن قلوبها متفرقة كما
стр. 595
قال الله تعالى عن اليهود: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤] ولا فائدة من اجتماع الأبدان مع تفرق القلوب. الفائدة باجتماع القلوب، وتآلف القلوب، ولو تباعدت الأبدان. وكم من إنسان يكون بينك وبينه مودة وصداقة وهو بعيد منك، وبعيد عنك. وكم من إنسان بالعكس تشعر بأنه ينافقك وأنه لا يكنُّ لك المحبة ولا الصداقة، ومع ذلك هو ملازم لك كملازمة الظل. فالشأن كل الشأن بالقلوب.
ولهذا قال الله : ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ ومن الذي يستطيع أن يؤلف بين قلوب الناس؟ الله . لا أحد يستطيع أبدًا سواه. يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] صحيح أن المال يؤلف، ولهذا جعل الله تعالى للمؤلفة قلوبهم نصيبًا من الزكاة، وكان النبي يعطي المؤلفة قلوبهم. لكن ثقوا أن ما كان مؤلفًا لشيء فإنه سوف ينعدم تأليفه بزوال هذا الشيء وفقده لكن التأليف الذي يكون على الإيمان، ومن الرحمن ، هذا لا ينفصل، ولهذا قال : ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾.
قوله: ﴿فَأَصْبَحْتُم﴾ أصل الإصباح الدخول في الصباح الذي هو أول النهار. لكنه يطلق أحيانًا مجردًا من الزمان ويراد به الصيرورة، أي صرتم إخوانًا وهذا هو المراد هنا (أصبحتم إخوانًا) يعني صرتم إخوانًا في الصباح والمساء.
وقوله: ﴿بِنِعْمَتِهِ﴾ الباء هنا للسببية، أي بسبب إنعامه عليكم بعد العداوة، أصبحتم إخوانًا يعني إخوة، والأخوة في الأصل
стр. 596
المقارنة أو القران بين الشيئين، وكل شيئين اتفقا في شيء واقترنا به فهما أَخَوان. فمعنى ﴿إِخْوَانًا﴾ أي مقترنين، مؤتلفين، كأنما بينكم رابطة النسب، بل أعظم من رابطة النسب؛ لأن أخوة الدين أعظم من أخوة النسب، بل إن أخوة النسب تتلاشى إذا لم توجد أخوة الدين، ودليل هذا أن نوحًا ﵊ قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٥، ٤٦] ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ مع أنه ابنه بضعة منه، لكنه ليس من أهله: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ يعني أنه عمل عملًا غير صالح، فهو كافر، وأنت رسول، فليس بينكما نسب يعني قرابة، فالأخوة الإيمانية أقوى رابطة من الأخوة النسبية، فإذا اجتمعا قوَّى بعضهما بعضًا، إذا كان أخاك من النسب وهو أيضًا أخوك في الدين صار هذا أقوى وأقوى.
وقوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ وقد ظهرت هذه الأخوة، فإن الأنصار ﵃ لما قدم إليهم المهاجرون صاروا يؤثرونهم في أموالهم، يتنازل الإنسان عن ماله لأخيه المهاجر، بل ربما يتنازل عن إحدى زوجتيه له من شدة الأخوة والمحبة بينهما.
وقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾:
﴿وَكُنْتُمْ﴾ أي قبل الإسلام. ﴿عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ أي: على طرف، وشفا الشيء طرفه كشفا البئر أي طرفها.
وقوله: ﴿عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّار﴾ أي: من نار جهنم؛ لأنهم كانوا مشركين يعبدون الأصنام والأوثان، فهم على شفا حفرة، لو ماتوا على تلك الحال لسقطوا في الحفرة. لكن قبل أن
стр. 597
يسقطوا في الحفرة أنقذهم الله بالإسلام، ولله الحمد والمنة. فبيَّن الله حالهم الاجتماعية، وحالهم الدينية، حالهم الاجتماعية كانوا أعداء مختلفين، متفرقين، فألف بين قلوبهم. وحالهم الدينية أنهم على شفا حفرة من النار، لم يبق عليهم أن يتساقطوا في النار إلا أن يموتوا على الكفر، ولكن الله تعالى أنقذهم بنعمته بهذا الدين الذي قال الله فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
﴿عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ كلمة (أنقذ) تدل على أن هذا الشفا كان هلكة، وهو كذلك، فإنه لا هلكة أعظم من هلكة من كان في النار فأنقذه الله منها إنقاذًا.
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾:
﴿كَذَلِكَ﴾ يذكرها الله كثيرًا في كتابه العزيز، وهي على تقدير مثل ذلك، فكذلك أي: مثل ذلك. ثم هي تختلف باختلاف السياق، ففي مثل هذا السياق الذي نحن فيه تكون مفعولًا مطلقًا، وإن شئتم فقولوا نائبة مناب المصدر؛ لأن التقدير مثل ذلك البيان: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي أن الله أظهر آياته لنا -آياته الكونية وآياته الشرعية- بيانًا واضحًا ظاهرًا ليس فيه لبس؛ لأنه هنا لما ذكرهم حالهم الاجتماعية والدينية وهي حال ظاهرة لا تشكل عليهم جعل ذلك بيانًا فقال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: العلامات الدالة عليه وعلى وحدانيته، وربوبيته، وسلطانه، وعلمه، وقدرته، وغير ذلك مما تقتضيه تلك الآية؛ لأن كل آية من آيات الله تدل على معنى من معاني ربوبيته .
стр. 598
ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾:
(لعل) هنا للتعليل، أي لأجل أن تهتدوا، والهداية هنا شاملة لهداية التوفيق، وهداية الإرشاد والدلالة. أي لتهتدوا اهتداءً علميًا، وتهتدوا اهتداءً عمليًا، الاهتداء العلمي هو هداية الإرشاد والدلالة، والاهتداء العملي هداية التوفيق؛ لأن الإنسان بفطرته كلما تبين له شيء من آيات الله ازداد إيمانًا ويقينًا وعملًا. وقد ذكرنا أن (لعل) للتعليل وهي كثيرة في القرآن بهذا المعنى. وتأتي للرجاء، وتأتي للإشفاق، الرجاء ضد الإشفاق، "الإشفاق": الخوف، و"الرجاء": الأمل، فإذا قلت لشخص: استغفر الله لعل الله أن يغفر لك، هذا رجاء، وإذا قلت: لا تمش في هذا الطريق فلعلك تهلك، هذا إشفاق، والتعليل أيضًا معروف من السياق.
من فوائد الآية الكريمة:
من فوائد قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾:
١ - وجوب الاجتماع على شرع الله؛ لقوله تعالى: ﴿جَمِيعًا﴾.
٢ - وجوب التحاكم إلى شرع الله؛ لأن الاعتصام به يقتضي أن يكون هو المحكَّم.
٣ - أن الاجتماع عصمة؛ لقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا﴾ فاجتماع الأمة الإسلامية عصمة لها داخليًا، وعصمة لها خارجيًا، أما خارجيًا فإن الأمة الإسلامية إذا اجتمعت هابها الأعداء ورأوا أنها أمامهم كالجبال الصم التي لا يستطيعون لها صعودًا. وإذا تفرقت تمزقت فدخل الأعداء. أيضًا عصمة داخلية لأنهم إذا اجتمعوا على
стр. 599
شرع الله تآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، ودعوا إلى الخير وصاروا أمة واحدة، كل إنسان يخشى الله في أخيه لا يعتدي عليه لا على ماله ولا على عرضه ولا على دمه، لماذا؟ لأنهم أمة واحدة جميعًا، ففي الاجتماع عصمة في الداخل وعصمة في الخارج.
٤ - تحريم التفرق في القلوب، لأن المدار على التفرق في القلوب، أما التفرق في الأبدان فضروري أن يتفرق الناس، كل الآن في بيته، وفي الأقوال أيضًا يتفرقون، وما أكثر الخلاف بين أهم العلم قديمًا وحديثًا في المسائل العلمية، لكن الذي يجب على المسلمين أن يبعدوا عنه، هو التفرق بينهم في القلوب لأنه هو الذي عليه المدار، ولهذا قال الرسول ﵊: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" (١) فالمدار على القلوب. إذن في هذه الآية دليل على تحريم التفرق في القلوب حتى لو تفرقت الأبدان أو تفرقت الأقوال، فالواجب أن القلوب لا تتفرق، وكان اختلاف الصحابة ﵃ في الاجتهاد المؤدي إلى التفرق في الأقوال لكن القلوب واحدة، لا يكره بعضهم بعضًا إذا خالفه في الرأي. بل إني أؤكد ما ذكرت سابقًا: إنه ينبغي للإنسان العاقل أنه إذا خالفه أخوه في رأيه بمقتضى الدليل عنده أن يكون ذلك أدعى إلى قوة المحبة له لأنه خالفه للدليل، والثاني أيضًا خالفه للدليل، فكان ينبغي عليه أن تكون محبته أقوى؛ لأن الرجل لم يحابني في ذات الله،
стр. 600
وإنما قدَّم محبة الله. وأنا حينما أخالفه تقديمًا لمحبة الله ، فالإنسان العاقل المؤمن هو الذي لا تزيده مخالفة أخيه له في الرأي تلك المخالفة المبنية على الاجتهاد إلا محبة له وتمسكًا به. خلافًا لما يفعله بعض الناس الآن ومع الأسف أنهم طلبة علم إذا خالفه أخوه في الرأي، مع أنه لا يعلم الصواب عنده أو عند أخيه أبغضه وكرهه وهجره، وربما يلاقيه فاسق فيسلم عليه، ويلاقيه أخوه الذي خالفه في الرأي ولا يسلم عليه، وما ذاك إلا من الشيطان، الشيطان هو الذي يريد أن يوقع العداوة بين المسلمين ولاسيما بين طلبة العلم حتى ينبذ بعضهم بعضًا؛ لأن الشيطان يعلم أن الشريعة لا تقوم إلا بالعلم وبالعلماء، فإذا تنابذوا وتقاطعوا فيما بينهم، وصار بَعضهم يكره بعضًا؛ ارتكبوا مخالفة لنصوص الكتاب والسنّة التي تأمر العباد بالاجتماع والألفة، وتنهاهم عن الاختلاف والفرقة. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
٥ - وجوب تذكر نعمة الله، وهذه مسألة مهمة؛ لأن الغفلة عن تذكر النعمة يستلزم الغفلة عن الشكر، والشكر واجب: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] فالغفلة عن تذكر النعمة موجب أو مستلزم للغفلة عن الشكر بحيث إن الإنسان لا يعترف بنعمة الله، يجب أن تتذكر نعمة الله عليك في كل شيء في الأمور الدينية وفي الأمور الدنيوية، المالية والجاهية والخلقية والأهل، كل شيء، مثلًا اذكر نعمة الله عليك بالعلم لأنك تعرف أن في الناس من هو جاهل، لا تقل: والله إنعام الله على شيخ الإسلام ابن تيمية أكبر من نعمته عليّ، لا، قل: نعمة الله عليَّ