المقارنة أو القران بين الشيئين، وكل شيئين اتفقا في شيء واقترنا به فهما أَخَوان. فمعنى ﴿إِخْوَانًا﴾ أي مقترنين، مؤتلفين، كأنما بينكم رابطة النسب، بل أعظم من رابطة النسب؛ لأن أخوة الدين أعظم من أخوة النسب، بل إن أخوة النسب تتلاشى إذا لم توجد أخوة الدين، ودليل هذا أن نوحًا ﵊ قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٥، ٤٦] ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ مع أنه ابنه بضعة منه، لكنه ليس من أهله: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ يعني أنه عمل عملًا غير صالح، فهو كافر، وأنت رسول، فليس بينكما نسب يعني قرابة، فالأخوة الإيمانية أقوى رابطة من الأخوة النسبية، فإذا اجتمعا قوَّى بعضهما بعضًا، إذا كان أخاك من النسب وهو أيضًا أخوك في الدين صار هذا أقوى وأقوى.
وقوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ وقد ظهرت هذه الأخوة، فإن الأنصار ﵃ لما قدم إليهم المهاجرون صاروا يؤثرونهم في أموالهم، يتنازل الإنسان عن ماله لأخيه المهاجر، بل ربما يتنازل عن إحدى زوجتيه له من شدة الأخوة والمحبة بينهما.
وقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾:
﴿وَكُنْتُمْ﴾ أي قبل الإسلام. ﴿عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ أي: على طرف، وشفا الشيء طرفه كشفا البئر أي طرفها.
وقوله: ﴿عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّار﴾ أي: من نار جهنم؛ لأنهم كانوا مشركين يعبدون الأصنام والأوثان، فهم على شفا حفرة، لو ماتوا على تلك الحال لسقطوا في الحفرة. لكن قبل أن
стр. 597
يسقطوا في الحفرة أنقذهم الله بالإسلام، ولله الحمد والمنة. فبيَّن الله حالهم الاجتماعية، وحالهم الدينية، حالهم الاجتماعية كانوا أعداء مختلفين، متفرقين، فألف بين قلوبهم. وحالهم الدينية أنهم على شفا حفرة من النار، لم يبق عليهم أن يتساقطوا في النار إلا أن يموتوا على الكفر، ولكن الله تعالى أنقذهم بنعمته بهذا الدين الذي قال الله فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
﴿عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ كلمة (أنقذ) تدل على أن هذا الشفا كان هلكة، وهو كذلك، فإنه لا هلكة أعظم من هلكة من كان في النار فأنقذه الله منها إنقاذًا.
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾:
﴿كَذَلِكَ﴾ يذكرها الله كثيرًا في كتابه العزيز، وهي على تقدير مثل ذلك، فكذلك أي: مثل ذلك. ثم هي تختلف باختلاف السياق، ففي مثل هذا السياق الذي نحن فيه تكون مفعولًا مطلقًا، وإن شئتم فقولوا نائبة مناب المصدر؛ لأن التقدير مثل ذلك البيان: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي أن الله أظهر آياته لنا -آياته الكونية وآياته الشرعية- بيانًا واضحًا ظاهرًا ليس فيه لبس؛ لأنه هنا لما ذكرهم حالهم الاجتماعية والدينية وهي حال ظاهرة لا تشكل عليهم جعل ذلك بيانًا فقال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: العلامات الدالة عليه وعلى وحدانيته، وربوبيته، وسلطانه، وعلمه، وقدرته، وغير ذلك مما تقتضيه تلك الآية؛ لأن كل آية من آيات الله تدل على معنى من معاني ربوبيته .
стр. 598
ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾:
(لعل) هنا للتعليل، أي لأجل أن تهتدوا، والهداية هنا شاملة لهداية التوفيق، وهداية الإرشاد والدلالة. أي لتهتدوا اهتداءً علميًا، وتهتدوا اهتداءً عمليًا، الاهتداء العلمي هو هداية الإرشاد والدلالة، والاهتداء العملي هداية التوفيق؛ لأن الإنسان بفطرته كلما تبين له شيء من آيات الله ازداد إيمانًا ويقينًا وعملًا. وقد ذكرنا أن (لعل) للتعليل وهي كثيرة في القرآن بهذا المعنى. وتأتي للرجاء، وتأتي للإشفاق، الرجاء ضد الإشفاق، "الإشفاق": الخوف، و"الرجاء": الأمل، فإذا قلت لشخص: استغفر الله لعل الله أن يغفر لك، هذا رجاء، وإذا قلت: لا تمش في هذا الطريق فلعلك تهلك، هذا إشفاق، والتعليل أيضًا معروف من السياق.
من فوائد الآية الكريمة:
من فوائد قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾:
١ - وجوب الاجتماع على شرع الله؛ لقوله تعالى: ﴿جَمِيعًا﴾.
٢ - وجوب التحاكم إلى شرع الله؛ لأن الاعتصام به يقتضي أن يكون هو المحكَّم.
٣ - أن الاجتماع عصمة؛ لقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا﴾ فاجتماع الأمة الإسلامية عصمة لها داخليًا، وعصمة لها خارجيًا، أما خارجيًا فإن الأمة الإسلامية إذا اجتمعت هابها الأعداء ورأوا أنها أمامهم كالجبال الصم التي لا يستطيعون لها صعودًا. وإذا تفرقت تمزقت فدخل الأعداء. أيضًا عصمة داخلية لأنهم إذا اجتمعوا على
стр. 599
شرع الله تآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، ودعوا إلى الخير وصاروا أمة واحدة، كل إنسان يخشى الله في أخيه لا يعتدي عليه لا على ماله ولا على عرضه ولا على دمه، لماذا؟ لأنهم أمة واحدة جميعًا، ففي الاجتماع عصمة في الداخل وعصمة في الخارج.
٤ - تحريم التفرق في القلوب، لأن المدار على التفرق في القلوب، أما التفرق في الأبدان فضروري أن يتفرق الناس، كل الآن في بيته، وفي الأقوال أيضًا يتفرقون، وما أكثر الخلاف بين أهم العلم قديمًا وحديثًا في المسائل العلمية، لكن الذي يجب على المسلمين أن يبعدوا عنه، هو التفرق بينهم في القلوب لأنه هو الذي عليه المدار، ولهذا قال الرسول ﵊: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" (١) فالمدار على القلوب. إذن في هذه الآية دليل على تحريم التفرق في القلوب حتى لو تفرقت الأبدان أو تفرقت الأقوال، فالواجب أن القلوب لا تتفرق، وكان اختلاف الصحابة ﵃ في الاجتهاد المؤدي إلى التفرق في الأقوال لكن القلوب واحدة، لا يكره بعضهم بعضًا إذا خالفه في الرأي. بل إني أؤكد ما ذكرت سابقًا: إنه ينبغي للإنسان العاقل أنه إذا خالفه أخوه في رأيه بمقتضى الدليل عنده أن يكون ذلك أدعى إلى قوة المحبة له لأنه خالفه للدليل، والثاني أيضًا خالفه للدليل، فكان ينبغي عليه أن تكون محبته أقوى؛ لأن الرجل لم يحابني في ذات الله،
стр. 600
وإنما قدَّم محبة الله. وأنا حينما أخالفه تقديمًا لمحبة الله ، فالإنسان العاقل المؤمن هو الذي لا تزيده مخالفة أخيه له في الرأي تلك المخالفة المبنية على الاجتهاد إلا محبة له وتمسكًا به. خلافًا لما يفعله بعض الناس الآن ومع الأسف أنهم طلبة علم إذا خالفه أخوه في الرأي، مع أنه لا يعلم الصواب عنده أو عند أخيه أبغضه وكرهه وهجره، وربما يلاقيه فاسق فيسلم عليه، ويلاقيه أخوه الذي خالفه في الرأي ولا يسلم عليه، وما ذاك إلا من الشيطان، الشيطان هو الذي يريد أن يوقع العداوة بين المسلمين ولاسيما بين طلبة العلم حتى ينبذ بعضهم بعضًا؛ لأن الشيطان يعلم أن الشريعة لا تقوم إلا بالعلم وبالعلماء، فإذا تنابذوا وتقاطعوا فيما بينهم، وصار بَعضهم يكره بعضًا؛ ارتكبوا مخالفة لنصوص الكتاب والسنّة التي تأمر العباد بالاجتماع والألفة، وتنهاهم عن الاختلاف والفرقة. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
٥ - وجوب تذكر نعمة الله، وهذه مسألة مهمة؛ لأن الغفلة عن تذكر النعمة يستلزم الغفلة عن الشكر، والشكر واجب: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] فالغفلة عن تذكر النعمة موجب أو مستلزم للغفلة عن الشكر بحيث إن الإنسان لا يعترف بنعمة الله، يجب أن تتذكر نعمة الله عليك في كل شيء في الأمور الدينية وفي الأمور الدنيوية، المالية والجاهية والخلقية والأهل، كل شيء، مثلًا اذكر نعمة الله عليك بالعلم لأنك تعرف أن في الناس من هو جاهل، لا تقل: والله إنعام الله على شيخ الإسلام ابن تيمية أكبر من نعمته عليّ، لا، قل: نعمة الله عليَّ
стр. 601
أكبر من نعمته على من هو دوني في العلم، اذكر نعمة الله عليك في الصحة، فإن من الناس بل إن كثيرًا من الناس يئن من المرض وأنت في صحة، اذكر هذه النعمة حتى لو فيك مثلًا مرض أو عيب في عضو من أعضائك فاذكر من هو أشد، من هو مريض بعضوين ومعيب بعيبين وهكذا، أيضًا اذكر نعمة الله عليك بالدين، إذ أنعم الله عليك بالدين وهذه أكبر نعمة لأنه هو الربح في الدنيا والآخرة، اذكر نعمة الله عليك بالدين في مقابلة الكفر، هذا في أصل الإيمان، ثم اذكر نعمة الله عليك بالثبات على الإسلام وتطبيق أحكام الإسلام حيث إنه يوجد من هو مسلم ولكن مخالف عاصٍ عنده فسوق. إذن ذكر نعمة الله علينا واجب حتى نعرف قدر نعمة الله ونشكر ربنا على نعمه التي حرُم منها كثير من الناس.
٦ - أن من أكبر نعم الله على الأمة أن يؤلف بين قلوبها؛ لقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ ولا شك أن هذا من أكبر النعم أن يؤلف الله بين القلوب ويجمع بينها؛ لأنه إذا تفرقت القلوب فسد كل شيء؛ فتأليف القلوب من أكبر نعم الله على الأمة، ومن تحتها القبيلة، ومن تحتها الفخذ، ومن تحتها الأخوة، فإذا ألف الله تعالى بين القلوب -ابدأ من الأولاد والآباء إلى ما شاء الله- فهذه من أكبر النعم، أما إذا تعادت القلوب فبئس المجتمع، مجتمع تعادت قلوبه وتنافرت. وقد ذكَّر الله نبيه ﷺ بهذه النعمة فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٢، ٦٣] لو أنفقت كل ما في الأرض من ذهب وفضة وثمار وزروع ومواشٍ وغيرها لو أنفقته
стр. 602
عليهم ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم، والحاصل: إن من أكبر نعم الله على الأمة التأليف بين القلوب.
٧ - أن نتيجة التأليف أن يصبح الناس إخوانًا كالأخ مع أخيه تمامًا، بل كما ذكرت سابقًا: إن الروابط الدينية أقوى من الروابط النسبية.
٨ - أنك إذا رأيت الناس متفرقين فإن هذا عنوان على شقائهم، وأن النعمة سُلبت منهم؛ لأنه قال: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ فإذا لم تتحقق الأخوة والتأليف بين القلوب فإن ذلك دليل على أن النعمة في هذا الأمر سلبت منهم.
٩ - منَّة الله على الصحابة بالذات، حيث ألّف بين قلوبهم بعد أن كانوا أعداء فأصبحوا إخوانًا ﵃ وهم الذين طبقوا مقتضى الأخوة الحقيقية الصادقة التي بُنيت على الإيمان، لا الأخوة المبنية على القومية أو الوطنية، فهذه أخوة فاشلة باطلة. ولا أدل على فشلها مما عليه العرب اليوم حيث كانوا يعتزون بالقومية العربية، ومع ذلك فشلوا فشلًا ذريعًا، وكذلك الوطنية، اعتزاز الإنسان بوطنيته فشل، لا يمكن أن يكون هناك أخوة إلا بالإيمان والإسلام.
الأنصار من الأوس والخزرج، والعرب طائفة أخرى مقابلة، هؤلاء قحطانيون وهؤلاء عدنانيون، ومع ذلك اجتمعوا على قلب واحد، بل جاءهم أناس من غيرهم، جاء صهيب من الروم، وسلمان من فارس، وبلال من الحبشة، وصاروا إخوانًا لهؤلاء، فإذن نقول: إن الأخوة الحقيقية هي أخوة الإيمان، ولن يقوم للعرب قائمة حتى يرجعوا إلى الأخوة الإيمانية، وإلا فهم
стр. 603
فاشلون مهما كان ولا يمكن أن يسعدوا بظفرٍ أو نصرٍ ما دام هتافهم بالقومية وما أشبهه.
١٠ - منَّة الله على أهل الخطاب الذين خوطبوا بهذه الآيات حيث كانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم منها، يعني أن الله بعث فيهم محمدًا ﷺ فاهتدوا به قبل أن يموتوا، وإذا كان هذا نعمة على هؤلاء فهو أيضًا نعمة على من بعدهم إلى يوم القيامة، فأكبر نعمة يُنعم الله بها على الإنسان أن ينقذه من النار.
١١ - أن الله خالق لعمل العبد، تؤخذ من قوله: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ﴾ , لأن الله أنقذهم بعملهم فأضاف هذا الإنقاذ المبني على العمل إلى نفسه، وهو كذلك، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى خالق العبد، وخالق عمل العبد، فالعبد ليس مستقلًا بل هو مخلوق في ذاته وفي إرادته وفي عمله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، أي وعملكم على قول، أو والذي تعملونه على قول آخر، وإذا خلق المعمول فهو خالق للعمل؛ لأن المعمول نتيجة العمل، فالآية دالة على أن الله خالق لأعمال العباد سواء جاءت "ما" مصدرية أو موصولة.
١٢ - إثبات العقوبة بالنار؛ لقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ. . .﴾ إلخ.
ومن فوائد قوله : ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾:
١ - أن الله بيَّن لنا الآيات الكونية والشرعية، وجه هذا أن آيات جمع مضاف، والجمع المضاف يفيد العموم، وبيان آياته الكونية ظاهرة، الشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار
стр. 604
والأنهار وغير ذلك، والشرعية كذلك ظاهرة لمن فتح الله عليه معرفة ما أنزل الله على رسله، ثم إن بيان الآيات الكونية ليس مجرد أن تعرف أن هذه الآية لا يقدر على خلقها وتصريفها إلا الله فقط، لكن أن تستدل بالسنن الماضية على السنن الحاضرة مثلًا: إهلاك الله الأمم السابقة نستدل به على أن سنة الله في الخلق واحدة، فالذي أهلك الأمم السابقة بذنوبهم يهلك بعض هذه الأمة أيضًا بذنوبهم كما قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠].
٢ - الرد على أهل البدع الذين حرَّفوا نصوص الكتاب والسنة إلى معان لا يدل عليها ظاهرها، ووجه ذلك أننا إذا قلنا: إن المراد بهذه الآيات والأحاديث خلاف الظاهر بدون بيان من الله ورسوله صارت هذه الآيات مبهمة. مثلًا: إذا قالوا: المراد باستواء الله على عرشه استيلاؤه عليه بدون بيان من الله ورسوله نقول: كون الله يعبر باستوى على العرش بدل استولى إيهام. وإذا قالوا: المراد باليد النعمة والقوة قلنا: سبحان الله كيف يعبر الله باليد عن النعمة والقوة وهو يريد النعمة والقوة بدون بيان، ما هذا إلا إيهام. فالمهم أنه على طريقة ومنهاج أهل البدع وغيرهم أيضًا ممن يحرفون الكلم عن مواضعه بدون بيان من الله ورسوله يكون القرآن ليس هدىً ولا بيانًا للناس وكذلك السنة، وهو خلاف هذه الآية وغيرها.
٣ - محبة الله لهداية الخلق لأنه يبيِّن ليهتدي الناس، إذن فهو يحب من العباد أن يهتدوا.
стр. 605
٤ - إثبات العلل في أفعال الله ، تؤخذ من قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لأن "لعل" للتعليل، والحكمة من مقتضى كماله ؛ الحكيم العليم في أحكامه الكونية والشرعية كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٨، ٣٩].
* * *
تمّ بعون الله وتوفيقه المجلد الأول من تفسير سورة آل عمران
ويليه المجلد الثاني
وأوله تفسير قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [١٠٤] إلى آخر السورة
стр. 606
سلسلة مؤلفات فضيلة الشيخ (١)
تفسير القرآن الكريم
«سورة آل عمران»
تأليف
فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
[المجلد الثاني]
стр. 607
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
• ثم قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥]:
قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ اللام في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ﴾ لام الأمر، ودليل ذلك جزم الفعل بها ﴿وَلْتَكُنْ﴾ ولام الأمر تجزم الفعل المضارع ﴿أُمَّةٌ﴾ طائفة يدعون إلى الخير، والأمة في القرآن الكريم وردت على معان متعددة، منها الطائفة، ومنها الزمن، ومنها الإمامة، ومنها الملة، فمثالها في الطائفة هذه الآية ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾، ومثالها في الملة قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]، أي على ملة، ومثالها في الإمامة ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] ومثالها في الزمن: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، أي بعد زمن.
﴿مِنْكُمْ﴾ (مِنْ) يحتمل أن تكون للتبعيض، ويحتمل أن تكون لبيان الجنس، فعلى الأول يكون المعنى: وليكن بعضكم يدعو إلى الخير، وعلى الثاني: ولتكونوا جميعًا دعاة إلى الخير؛ لأننا إذا جعلناها لبيان الجنس صار المعنى أن كل الأمة يجب أن تكون من هذا الطراز، يعني: ولتكونوا أمة تدعون إلى الخير، وإذا جعلناها للتبعيض صار المعنى: وليكن بعضكم يدعو إلى الخير.
стр. 608
قال: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ كل من تتوجه الدعوة إليه، أي إنسان تتوجه الدعوة إليه فليدعوه حتى الجن، ولهذا كان المفعول محذوفًا من أجل العموم ﴿الْخَيْرِ﴾ كل ما جاء به الشرع فهو خير، ويشمل ما كان خيرًا في الدين وما كان خيرًا في الدنيا، أما ما كان خيرًا في الدين فأمره ظاهر ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] وأما ما كان من أمر الدنيا فلأن ما كان من مصالح الدنيا التي لا تعارض الدين فهو من الأمور الخيرية المطلوبة، فيكون الخير هنا يشمل خير الدين وخير الدنيا، فمثلًا يدعون إلى فعل الطاعات، صَلِّ، زكِّ، صُم، حُج، بر والديك، صِلْ أرحامك، انصح في البيع والشراء، بيِّن، وما أشبه ذلك، كل هذا دعوة إلى الخير. لا تزنِ، لا تسرق، لا تشرب الخمر، لا تقتل النفس بغير حق، لا تعق والديك، لا تقطع أرحامك، لا تغش الناس، هذا أيضًا دعوة إلى الخير؛ لأن النهي طلب كفٍّ فهو في الحقيقة دعوة إلى الخير؛ لأن ترك الشر خير.
﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾:
جعل الأمر بالمعروف بعد الدعوة؛ لأن الدعوة سابقة على الأمر، فأنت تدعو أولًا ثم تأمر ثانيًا ثم تغير ثالثًا، وهذا يلتبس على كثير من الطلبة، يظنون أن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغيير المنكر شيء واحد، والأمر ليس كذلك، فالدعوة إلى الخير عامة. الخطيب إذا خطب الناس في الجمعة وأمر ونهى، يقال: داع إلى الخير، الرجل إذا قال: يا أخي صلِّ، اتق الله يا أخي، لا تغش الناس، اتق الله، فهذا أمر بمعروف ونهي عن منكر. ولي الأمر إذا رأى آلة عزف وكسرها
стр. 609
هذا تغيير منكر، ولكلٍّ درجات. وكلمة (يأمرون) تدل على أنهم يتكلمون مع الناس على وجه الاستعلاء لا على وجه العلو، يعني على وجه أنني آمر، والآمر بالخير أعلى مرتبة من المأمور.
وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ المعروف كل ما عرفه الشرع وأقره من العبادات فعلًا؛ لأنه قال: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، جمع بينهما، فصار المراد بالمعروف كل ما عرفه الشرع وأقره من العبادات المأمور بها، فالأمر بالتوحيد أمر بالمعروف، والأمر باتباع السلف في العقيدة أمر بمعروف، والأمر بالصلاة أمر بمعروف، والأمر ببر الوالدين أمر بالمعروف، وهلم جرا.
ثالثًا: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾:
النهي طلب الكف على وجه الاستعلاء، يعني يطلبون من الناس أن يكفوا عن المنكر، والمنكر ما أنكره الشرع من الأعمال والأخلاق، فالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وقتل النفس، والعدوان على الناس بأخذ أموالهم وانتهاك أعراضهم، كل هذه منكرات، فهم ينهون عن المنكر.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:
(أولئك) المشار إليه الأمة الداعية إلى الخير، الآمرة بالمعروف، الناهية عن المنكر، وهي مبتدأ، و"هم" ضمير فصل لا محل له من الإعراب، والمفلحون خبر المبتدأ، فلو قال قائل: لماذا لا تجعلون "هم" مبتدأ ثانيًا، و"المفلحون" خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول؟ قلنا: لا نقول ذلك، لأننا لو قلنا ذلك لفاتتنا فوائد ضمير الفصل، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤٠] ووجه الدلالة أنه لم
стр. 610
يجعل ضمير الفصل مبتدأ، فلو جعل مبتدأ لقال (إن كانوا هم الغالبون) حتى تكون الغالبون خبر لـ"هم". و ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ هم الناجون من الكربات، الحاصلون على المطلوبات، فالفلاح هو النجاة من المكروبات أو من المكروهات والحصول على المطلوبات، ففيه أمران:
١ - سلامة.
٢ - وكسب.
ولهذا تعتبر كلمة الفلاح من أجمع الكلمات، فالمفلح هو الفائز بمطلوبه، الناجي من مرهوبه.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾:
نهى الله أن نكون مثل هؤلاء الذين جمعوا بين وصفين ذميمين: التفرق والاختلاف، ورتَّب على هذا الجزاء المشين وهو قوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ أي لا تصيروا مثل الذين، وعلى هذا فنعرب الكاف هنا اسمًا لتكون خبر (تكون): تكونوا مثل الذين تفرقوا، قال ابن مالك:
شبه بكاف وبها التعليل قد ... يعنى وزائدًا لتوكيد ورد
واستعمل اسمًا. فالكاف هنا اسم بمعنى مثل، وهي خبر "تكون".
وقوله: ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾: أتى بها بعد قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ لأن الأمة إذا تركت الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
стр. 611
فلابد أن تتفرق؛ لأنه لا يكون لهم في هذه الحال كلمة جامعة، كل واحد يعمل على هواه لأنه ما يُدعى إلى الخير، والنفوس لها نزعات متباينة مختلفة، وكذلك أيضًا إذا لم يكن أمر بمعروف ولا نهي عن منكر تفرق الناس ولابد؛ لأن هذا يريد الزنا، وهذا يريد شرب الخمر، وهذا يريد السرقة، وهذا يريد أشياء غير الأولى فيحصل التفرق، فإذا أمروا بالمعروف صاروا كلهم على المعروف، وإذا نهوا عن المنكر صاروا كلهم على ترك المنكر.
قال: ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ مثل من قال فيهم: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] وأول من مثّل بهم أهل الكتاب [اليهود والنصارى] حيث اختلفوا اختلافًا عظيمًا من بعد ما جاءتهم البينات، فنهانا الله تعالى أن نكون مثلهم في التفرق والاختلاف.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ وإذا نُهينا عن ذلك فهو أمر بضده، يعني إذا نُهينا عن التفرق والاختلاف فهو أمر بالاجتماع والائتلاف، الاجتماع ضد التفرق، والائتلاف ضد الاختلاف، كأن الله يقول: اجتمعوا وائتلفوا، ولا يكن فيكم افتراق ولا اختلاف فتكونوا مثل اليهود والنصارى.
﴿تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ تفرقوا في أبدانهم ولم يجتمعوا، وصاروا أحزابًا، واختلفوا في قلوبهم وفي مناهجهم، فصار لكل حزب منهجٌ معين يفرح به ولا يتزحزح عنه، ويرى أن من سواه على ضلال.
قال تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أشار إليهم بصيغة البعد لأن أولاء اسم إشارة للبعيد، وذلك لانحطاط مرتبتهم،
стр. 612
يعني كأنهم لانحطاط مرتبتهم أنزلهم المتكلم منزلة البعيد منه لأنه يتبرأ منهم ومن أعمالهم.
﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ العذاب هو العقوبة -والعياذ بالله- لأنه يؤلم صاحبه ويعذبه، والعظيم هو الشيء المستعظم في كيفيته وفي كميته؛ لأن عذابهم -نسأل الله العافية- شديد متنوع، يسقون من ماء حميم -والعياذ بالله- إلى برودة كذلك، كما أنه عظيم في دوامه مستمر أبدي، نسأل الله العافية.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
١ - في الأولى وجوب الدعوة إلى الخير، تؤخذ من لام الأمر ﴿وَلْتَكُنْ﴾ والأصل في الأمر الوجوب.
٢ - أن ذلك على الكفاية؛ لقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ وهذا على القول بأن (مِن) للتبعيض، أما إذا قيل إن (مِن) لبيان الجنس فإنه يدل على أنه يجب على الأمة كلها أن تكون أمة داعية إلى الخير، بمعنى أنه لا ينتظر بعضهم بعضًا هل يأمر أو لا يأمر، بل كلهم يكونون مستعدين لذلك. كلهم دعاة، فمثلًا: إذا قيل لشخص: قُم وادع إلى الخير قال: فلان يدعو إلى الخير وفيه كفاية، هذا لا ينبغي، بل ينبغي أن يدعو إلى الخير ما استطاع؛ لأنه قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ تكن أمة بمجموعها تدعو إلى الخير.
٣ - ملاحظة الإخلاص؛ لقوله ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ لا إلى أنفسهم؛ لأن بعض الناس يدعو إلى نفسه، وبعض الناس يدعو إلى الخير، وعلامة الداعي إلى نفسه أنه لا يريد من الناس أن يخالفوه ولو كان على خطأ، وهذا لا شك أنه داع إلى نفسه، ثانيًا: من علامة ذلك أنه يكره أن يقوم غيره بذلك، أي بالدعوة إلى
стр. 613
الخير يريد أن يستبدَّ به من بين سائر الناس، هذا أيضًا داع إلى نفسه ليصرف وجوه الناس إليه، نسأل الله الحماية والعافية. أما إذا كان يودُّ أن يقوم هو بالأمر لينال الأجر لا ليحرم غيره أو ليصرف الناس إلى نفسه فهذا ليس عليه شيء، يعني كل واحد يحب أن يكون داعية إلى الخير.
٤ - أن اتباع الخير في كل شيء مطلوب للشرع.
والخير قسمان:
خير بنفسه وخير لغيره، يعني خير يكون وسيلة لغيره، فمثلًا: لو أنك سألت شخصًا عن المجريات اليومية من أجل إدخال السرور عليه، وأنت ما تستفيد من هذا، فهذا من الخير لغيره؛ لأنك ما تستفيد من هذا وهو ربما لا يستفيد لكن تريد أن تدخل السرور عليه، ومن ثَمَّ صار الناس يتساءلون: هل يسن للإنسان أن يتحدث على الأكل أو لا يسن؟ نقول: يُنظر إن كان الإنسان يتحدث ليشغلهم عن الأكل فهذا غير حسن، وإن كان يتحدث من أجل أن يشحذ نفوسهم على الأكل حتى ينبسطوا ويستأنسوا ويأكلوا، فهذا خير لغيره بشرط أن يكون الأكل بالقدر الشرعي. والقدر الشرعي بيَّنه الرسول ﷺ بقوله: "بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" (١). لكن الخير لغيره يختلف، فلو أراد الإنسان أن يتوصل إلى خير بشرٍّ كأن يصانع
стр. 614
إنسانًا بمعصية يقول لعله يهتدي، مثل أن يغتاب زيدًا أو عمرًا ليتقرب إلى هذا الرجل، فهذا ليس بجائز، لا يمكن أن تكون الدعوة إلى الخير بوسيلة محرمة إطلاقًا؛ لأن الوسيلة المحرمة خبث في ذاتها، كيف تكون وسيلة إلى خير، لكن إذا كان من المباح صار خيرًا لغيره، وإن كان هو بنفسه خيرًا صار خيرًا على خير.
٥ - وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لقوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وهل هو فرض كفاية أو فرض عين؟ ينبني على الخلاف في (مِنْ) هل هي تبعيضية أو لا؟ ولا شك أننا إذا رأينا منكرًا وجب علينا أن ننكره وننهى عنه، لكن لا يجب على كل واحد أن ينهى عن منكر معين، مثلًا لو أن شخصًا اغتاب عندنا ونحن عشرة هل نقول: كلنا ننهى عنه أو إذا نهى واحد وحصلت به الكفاية كفى؟ لكن لو أنه نهاه ولم ينته وجب على الآخرين أن يكونوا معه، وهذا عكس ما يفعله بعض الناس الآن -نسأل الله العافية- إذا نهى الناهي عن المنكر قاموا ضده، هؤلاء يخشى عليهم أن يطبع الله على قلوبهم؛ لأنهم خذلوا من يجب نصره، وهذا خطر عظيم جدًّا.
٦ - أنه لابد من العلم يعني الحث على العلم؛ لأنه لا يمكن أن يدعو إلى الخير من لا يعلم الخير، ولا يمكن أن يأمر بالمعروف من لا يعرف المعروف، ولا يمكن أن ينهى عن المنكر من لا يعرف المنكر، فلابد من العلم، فيستفاد من هذه الآية الكريمة الحث على العلم؛ لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
стр. 615
ويشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما يلي: -
الشرط الأول: العلم بالشرع، والعلم بالحال، العلم بالشرع بأن أعرف أن هذا مما أمر الله به حتى آمر به، أما إذا كنت لا أدري هل هو مأمور به أو لا؛ فلا يحل لي أن آمر به؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، ويقول : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
والعلم بالحال بأن أعلم أن هذا الرجل ترك المعروف أو فعل المنكر، أما أن آمره بالمعروف وأنا لا أدري هل فعله أو لا، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا من قَفْوِ ما ليس لي به علم، وكذلك لو نهيته عن منكر وأنا لا أدري هل ارتكب المنكر أو لا، فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه من قَفْوِ ما ليس لي به علم، مثال ذلك: دخل المسجد رجل فجلس وأنا لم أره من حين دخل، فهل أقول له: قُمْ فصلِّ ركعتين أو أسأله هل صلَّى أو لم يصلِ؟ الثاني لأن الرسول ﷺ كان يخطب الناس يوم الجمعة فدخل رجل فجلس، فقال: "أصليت؟ " قال: لا، قال: "قُمْ فصلِّ" (١) ولم يأمره: قم صلِّ، لماذا تجلس حتى استفهمَ، وهذا مثال على الأمر بالمعروف، أما المثال عن النهي عن المنكر: وجدت شخصًا
стр. 616
يمشي وإلى جانبه امرأة قلت: يا أخي اتق الله كيف تمشي مع المرأة؟ هذا لا يجوز؛ لأنه من الممكن أن تكون هذه المرأة من محارمه، فكيف تنهى عن شيء على أنه منكر وأنت لا تعلم أنه منكر. إذن لابد من العلم بالحال حال المأمور وحال المنهي، كما أنه لابد من العلم بالشرع: أن أعلم بأن هذا من المعروف الذي أمر به الشرع أو من المنكر الذي نهى عنه الشرع.
أما ما ينتشر عند بعض الناس من قولهم: يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، ويعين بعضنا بعضًا فيما اتفقنا فيه، هل لهذه الكلمة أصل في الشرع؟
هذا غلط في الجملتين جميعًا، الجملة الأولى (يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه) فهي كقول بعض الفقهاء: لا إنكار في مسائل الاجتهاد؛ لأن هذه العبارة معروفة عند الفقهاء، وهذا على إطلاقه ليس بصحيح، فما اختلفنا فيه إن كان الحق لم يتبيَّن فيه تبينًا لا يعذر فيه المخالف فهنا نعم نعذره لأنه له رأي ولنا رأي، أما إذا كان الحق واضحًا فإن من خالفنا لا نعذره في ذلك، فهي على إطلاقها غير صحيحة.
وأما الثانية وهي قوله: (يعين بعضنا بعضًا فيما اتفقنا فيه) فهذا غير صحيح أيضًا؛ لأننا لو اتفقنا على باطل لم يحلّ أن يعين بعضنا بعضًا بل وجب أن ينهى بعضنا بعضًا عن هذا الباطل، فهو أيضًا على إطلاقه لا يصح، ولعلَّ الذي قاله يقصد ما ليس بباطل ولا يخالف الشريعة، لكن الجملة الأولى دخل فيها أناس عندهم انحراف في العقيدة وفي المنهج والإسلام يسعهم وقالوا: نحن يجب أن نستظل بظل الإسلام وإن اختلفنا، ولذلك تجدهم
стр. 617
يُدخلون في حزبهم الفاسق حالق اللحية، شارب الدخان، المتهاون بالصلاة وما أشبه ذلك، وهذا خطأ، وفي المقابل الذي يريد من الناس أن يكونوا صلّاحًا في كل دقيق وجليل وإلا فليسوا إخوانًا لنا، وهذا أيضًا خطأ.
على كل حال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] فانظر للحكمة، أحيانا يكون الإنسان المدعو غضبان بسبب مؤثرات خارجية، فلا تتحمل نفسه أن يقبل منك حتى ولو كان كلامًا عاديًا، وأحيانًا يكون راضيًا ومنبسطًا تقدر أن تضرب له الأمثلة حتى يهديه الله، ولهذا يخطئ بعض الناس -مثلًا- إذا قابل شخصًا ولم يعامله المعاملة اللائقة به، نفر منه، فمثل هذه الأمور لا ينبغي للإنسان أن يحكم على الشخص بمجرد أنه دعاه مرة ونفر. انظر للوقت الذي تراه فيه متقبلًا وادعه إلى الحق.
فإن قيل: أيهما أولى، دعوة العاصين في هذه البلاد أو دعوة الكفار في الخارج؟
فالجواب: يقول الله : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤، ٢١٥] فالواجب أن تصلح الأحوال التي عندك، ثم بعد ذلك تحاول إصلاح الخارج، لكن إذا كان في الداخل من يقوم بالدعوة وأردت أن تخرج للدعوة في الخارج فلا مانع من ذلك.
الشرط الثاني: أن لا يتغير المنكر إلى ما هو أنكر منه؛ لأن النهي عن المنكر يراد به تقليل المنكر، فإذا كان يترتب عليه أن يقع المنهي عن المنكر في منكر أعظم؛ فإنه لا ينهى عنه، فلو فرضنا أن شخصًا يشرب الدخان. ولا شك أن شربه منكر لكن
стр. 618
لو نهيناه لذهب يشرب الخمر؛ فلا ننهاه عن هذا، لأننا نعلم أنه سينتقل إلى منكر أكبر نكارة مما هو عليه، ومن ذلك ما يذكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه مرَّ ومعه صاحب له بطائفة من التتار يشربون الخمر فلم يقل لهم شيئًا. فسأله صاحبه: لماذا لا ننكر عليهم؟ قال: هؤلاء لو أنكرنا عليهم لذهبوا ينهبون أموال الناس ويستحلون حرماتهم فيتعدى ضررهم، أما شربهم الخمر فهو على أنفسهم، ودليل هذا الشرط قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فهنا نهى الله المسلمين أن يسبوا أصنام الكفار مع أن هذه الأصنام جديرة بأن تسبّ وسبّها قربة، لكن لما كان يترتب على سبّها مفسدة أكبر نهى الله عن سبّها، مع أن السكوت عن سب آلهة المشركين حُكمهُ أنه منكر. لكن نسكت على هذا المنكر الأخف درءًا لمنكر أعظم، إذن لابد من هذا الشرط.
الشرط الثالث: أن يعلم أن هذا مفيد، بمعنى أنه يحتمل عنده أن هذا الفاعل للمنكر أو التارك للواجب كان على جهل، وأنه قريب الرجوع إلى الحق، فإن كان يعلم أن صاحبه عالم بالحكم لكنه متمرد مستكبر فإنه لا يجب حينئذٍ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثلًا حلق اللحية اليوم معروف عند عامة الناس وأكثر الناس أنه حرام، لكنه يمرّ بك عشرة قد حلقوا لحاهم وعشرة قد أعفوا لحاهم، يعني نصف الناس تقريبًا قد حلقوا لحاهم، فهل يلزمك كلما رأيت شخصًا حالقًا لحيته في الشارع أن توقفه وتقول له: اتق الله لا تحلق لحيتك؟
نقول: ننظر قد يكون هذا الرجل تتراءى فيه الخير، وأنك
стр. 619
إذا نصحته امتثل، وقد يغلب على ظنك أنه رجل عارف بالحكم لكنه مستكبر عنه أو متهاون به، المهم أن بعض أهل العلم يرى أن هذا من شرط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وربما يستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩] ذكّر إن نفعت يعني فإن لم تنفع فلا تذكّر، قال: فإذا كان التذكير وهو دعوة للخير لا يجب إلا إذا نفع؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من باب أولى؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أشد من الدعوة إلى الخير، فكل إنسان يستطيع أن يدعو وليس فيه شيء عليه، لكن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر هو الذي قد يجد أذية من المأمور أو المنهي.
وهذه المسألة في النفس منها شيء، قد نقول: إن عليه أن يأمر وينهى وأن ذلك لا يخلو من فائدة لو لم يكن من فائدته إلا علم الناس بأنه معروف أو بأنه منكر لكفى, لأننا إذا سكتنا بحجة أن الأمر لا ينفع أو أن النهي لا ينفع؛ بقيت المنكرات على ما هي عليه، وبقي التهاون بالواجبات على ما هو عليه، وصار الشباب الذين يخرجون من جديد يظنون أن هذا المنكر معروف، وأن المعروف ليس بمعروف، ولهذا في هذا الشرط نظر، بل نقول: يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء ظننت أنه مفيد أم لم يفد. لكن في حدود الاستطاعة؛ لأن جميع الواجبات إنما تجب بالاستطاعة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] فإذا كان يشق على الإنسان أن يمسك كل واحد يمرّ به في السوق على منكر من حلق لحية أو غيره فإنه لا يلزمه، لا يلزمه إلا ما يقدر عليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
стр. 620
الشرط الرابع: أن يكون الآمر بالمعروف فاعلًا له، والناهي عن المنكر تاركًا له. يعني لا تأمر بالمعروف وأنت لا تفعله، ولا تنه عن منكر وأنت تفعله. فإذا كان هذا الرجل مثلًا يتعامل بالربا ووجد إنسانًا يتعامل بالربا فإنه لا يلزمه ولا يجب عليه أن يقول للثاني: يا فلان اترك الربا، فإن الربا حرام ملعون فاعله, لأنه هو يفعله، فكيف ينهى عن شيء يفعله هو؟
مثال آخر: شخص رأى رجلًا يمشي بعد الأذان عند المسجد، وقد ترك المسجد، فقال: يا فلان حرام عليك أن تترك صلاة الجماعة، ثم إنَّ هذا الآمر فتح بابه وذهب إلى أهله بعد أن أمر الرجل أن يصلي، أما هو فلم يصلِّ، فينبغي عليك إذا كنت قد نويت أن تدخل بيتك عند أهلك ولو فاتتك الجماعة، فلا تأمر غيرك أن يصلي مع الجماعة، واستُدل لذلك بقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] فوبّخ الله هؤلاء على أمرهم بالبر، ونسيان أنفسهم. وبيَّن أن هذا خلاف العقل، كيف تأمر الناس وتترك نفسك؟ هذا ليس بمعقول! فأنتم خالفتم الشرع وأنكرتم العقل، واستُدل أيضًا بما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار حتى تندلق أقتاب بطنه (يعني أمعاءَه) فيدور عليها كما يدور الحمار على رحاه، فيجتمع عليه أهل النار ويقولون: ما لك يا فلان؟ ألست تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه" (١). قالوا: وهذا يدل على شدة عقابه إذا أمر
стр. 621
بالمعروف ولم يأته أو نهى عن منكر وأتاه. فلا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على من لا يفعل المعروف ولا يترك المنكر، وأبى هذا أكثر أهل العلم وقالوا: إن هذا خلاف الأدب لكنه محرم، يعني كونه يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله، وخلاف العقل لكنه حرام عليه، فيجب أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويبدأ بنفسه، فإذا فَرَّط في حق نفسه فليس له الحق في أن يُفَرِّط في حق غيره. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عليه ولو كان هو لا يفعل المعروف ولا ينتهي عن المنكر، لأنه لو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع كونه لا يفعل المعروف ولا ينتهي عن منكر فقد أتى محذورين: ترك الواجب على نفسه لنفسه، وترك الواجب على نفسه لغيره، الواجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولو كان هو لا يأتمر بالمعروف ولا ينتهي عن المنكر، وهذا القول هو الصحيح، وعليه أن يوبخ نفسه ويقول: كيف آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه؟ هذا خلاف المعقول والمنقول، وخلاف الأدب مع الله، وخلاف الأدب عند عباد الله، ولهذا كان الرسول ﵊ من أوصافه الذي وصفه بها ملك غسان قال: (إنه ما أمر بشيء إلا كان أول فاعل له، ولا نهى عن شيء إلا كان أول تارك له) ﵊، ولهذا قال الله له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]، ليس معنى (أول المسلمين) زمنًا لأن هناك أممًا مسلمة قبله لكن أول المسلمين فعلًا، يعني أنا أول المستسلمين لله والمنقادين
стр. 622
لأمره، فهي أولية مرتبة وليست أولية زمن، ويذكر عن عبد الرحمن بن الجوزي ﵀ الواعظ المشهور صاحب كتاب التبصرة، وكان له مجلس كل يوم جمعة وفيه يعظ الناس ويحضره آلاف، حتى إنه لا ينفك يوم من الأيام إلا وقد مات في مجلسه عدد من الناس من شدة وقع الموعظة في نفوسهم، فأتاه يومًا من الأيام رجلٌ عبد فقال له: يا سيدي إن لي سيدًا يؤذيني ويتعبني ويحملني ما لا أطيق، ويضربني عليه، فأرجو منك أن تحث الناس على العتق لعل الله أن يهديه فيعتقني، فلما جاءت الجمعة انتظر هذا العبد كلام الشيخ فلم يتكلم عن العتق، ثم جاءت الجمعة الثانية والثالثة ولم يتكلم، وبعد عدة جُمَعٍ تكلم عن العتق وإذا سيد العبد حاضر فأعتقه فورًا، فذهب العبد إلى عبد الرحمن بن الجوزي ﵀ وقال: لماذا تأخرت؟ قال: لم يكن عندي دراهم أشتري بها عبدًا فأعتقه قبل أن آمر الناس بالعتق. سبحان الله يقول: لا أحث الناس على العتق وأنا لم أعتق، إذا أعتقت مملوكًا أمرت الناس أو حثثت الناس على العتق، وهذا أمر مشاهد أن فاعل المعروف ينقاد الناس لأمره، وتارك المنكر ينقاد الناس لنهيه؛ لأن الناس يبصرون بأعينهم وبصائرهم ويقولون للذي يأمر بالمعروف وهو لا يفعله: هذا يضحك علينا، وهذا يلعب بعقولنا لو كان الأمر معروفًا عنده لماذا لا يكون هو أول فاعل له، ولو كان المنكر عنده منكرًا لماذا لا يكون أول تاركٍ له، فلذلك لا شك أنه من الأدب أن يكون الآمر فاعلًا لما أمر به، والناهي تاركًا لما نهى عنه، أما أن يُجعل ذلك شرطًا في الوجوب ونقول لهذا الذي لا يفعل المعروف ولا ينتهي عن
стр. 623
المنكر: لا يجب عليك الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، ولا تأثم بتركه، فهذا بعيد جدًّا؛ لأن الذين يقولون: من شرط الوجوب أن يكون فاعلًا لما أمر به تاركًا لما نهى عنه يقولون: إنه إذا لم يأمر بالمعروف ولم ينهَ عن المنكر في هذه الحال فإنه لا إثم عليه؛ لأن من شرط الوجوب أن يكون هو ممتثلًا. وبهذا يتبين ضعف هذا القول، وأن الواجب عليه أن يأمر بالمعروف ولو كان لا يفعله، وأن ينهى عن المنكر ولو كان يفعله، لكن يجب أن يوبخ نفسه أيضًا وتكون نفسه هي أول من يأمره بالمعروف وأول من ينهاه عن المنكر، فالشروط إذن خمسة.
ومن آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا الواجب، أن يكون لينًا في أمره لينًا في نهيه؛ لأن اللين خلق كريم يعطي الله به ما لا يعطي على العنف كما قال النبي ﵊ ذلك (١)، وكما أرشد الله إليه موسى وهارون حين أرسلهما إلى فرعون، فقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] يتذكر فيما تأمرانه به، أو يخشى فيما تنهيانه عنه. مع أنه مِن أعتى أهل الأرض، إن لم يكن أعتى أهل الأرض، فعلى كل حال من الآداب أن يكون الإنسان لينًا في أمره ونهيه. ومن الآداب أيضًا أن يكون مقنعًا في حجته؛ لأنه إذا أمر بالمعروف قد يقول المأمور: ما دليلك على هذا؟ وإذا نهى عن منكر قد يقول: ما دليلك على هذا؟ فلابد أن يكون عنده إقناع،
стр. 624
وليعلم أن مسألة الإقناع غير مسألة العلم، بعض الناس يكون عنده علم لكن لا يستطيع أن يقنع غيره، ليس عنده قوة حجة وبيان، وبعض الناس يكون أقل علمًا منه لكن عنده قوة إقناع، فلابد أن تتمرن على قوة الإقناع ولو بضرب الأمثال؛ لأن ضرب الأمثال يقرّب.
يوجد الآن مثلًا طائفة معروفة تدعو إلى الله وتخرج للدعوة إلى الله، وعندهم من الإقناع للعامة ما لا يوجد عند بعض أكابر العلماء، ولهذا تجدونهم يؤثرون تأثيرًا عظيمًا؛ لأن عندهم أسلوب في الإقناع، والإنسان إذا كان عنده أسلوب وأمر غيره وقال له: ما دليلك؟ قال: هذا الدليل ثم ضرب له أمثلة معقولة، فهذا لا شك أنه من آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويذكر عن رسول الله ﷺ في حديث رواه الإمام أحمد أن رجلًا استأذن النبي ﷺ في الزنا، فقال له النبي ﵊: "أترضى أن يفعل هذا بأمك وأختك وذات رحمك؟ قال: لا ما أرضى، قال: إذا كنت لا ترضى أن يفعل ذلك بمحارمك، فكيف ترضى أن تفعله أنت بمحارم الناس" (١). هذا أسلوب مقنع، يعني مجرد أن يتصور الإنسان هذه المسألة يبتعد، أنت لو ترى شخصًا يغازل أختك أو زوجتك أو بنتك ماذا تفعل؟ لا شك أنك لا ترضى بذلك. فكيف أنت ترضى لنفسك أن تغازل بنات الناس، أو أشد من ذلك تزني والعياذ بالله. هذه من الأساليب التي ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون على دراية بها وإجادة.
стр. 625
ومن الآداب أيضًا أن يصبر على الأذى والمحاجة والمخاصمة لاسيما إذا كثر الجدل في الناس فليصبر؛ لأن الله تعالى حكى عن لقمان أنه قال لابنه وهو يعظه: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] لابد لكل آمر من أن يصاب بأذى، وبعض الناس ربما يثقل عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن لم يصب بأذى لكن لم تتقبل دعوته أو لم يتقبل أمره أو نهيه فيضيق صدره ولا يأمر ولا ينهى، هذا ليس بصحيح، مُرْ بالمعروف، وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك، وانظر إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ماذا أصابهم من الأذى، أصابهم أذى عظيم، طعن في أجسادهم، وطعن في عقولهم، وطعن في أهدافهم، كل شيء طعن فيه ومع ذلك هم صابرون، أوذي موسى ﵊ بأنواع من الأذى، وأوذي أول الأنبياء نوح كلما مرَّ عليه ملأ من قومه سخروا منه: ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [هود: ٣٨، ٣٩] وأوذي خاتم الأنبياء ﵊، أوذي أذى عظيمًا من أقرب الناس إليه، هل قريش فعلت بأي واحد من الناس دخل المسجد الحرام وجعل يصلي تحت الكعبة وسجد لله ، هل آذوا أحدًا من الناس بأن أتوا بسلا الجزور ووضعوه عليه وهو ساجد؟ أبدًا، لكن الرسول فعلوا به هذا وصبر. هل كانوا يأتون بالأذى والقذر والأنتان يضعونها على أبواب الناس في مكة؟ لا، لكن الرسول فعلوا به هذا وصبر.
فالواجب أن يصبر الإنسان وأن يحتسب هذا الصبر على الله، وهذا الصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعظم أجرًا
стр. 626
من الصبر على أعظم مصيبة تنال الإنسان في أقرب الناس إليه؛ لأن هذا صبر على أذى في الله ليس صبرًا على أقدار الله، هذا صبر على أذى في الله فاحتسب الأجر من الله واصبر على ما أصابك. ومما يصيب الإنسان الأذى بالقول، الأذى الجدلي مثل أن تأمره بالمعروف فيقول: علِّم نفسك، أو يقول: رُح أدِّب أبناءك. وما أشبه ذلك. بعض الناس يفور دمه ويغضب غضبًا شديدًا فنقول: يا أخي اصبر هذه مسألة بسيطة، إذا قال لك: علِّم أبناءك. قل: يا أخي لا بأس جزاك الله خيرًا لكن أنا أعلّمهم وأعلمك أنت الآن. إذا احتدم هذا الرجل وأخذته العزة بالإثم فلِن أنت، لأن المشكل أن تقابل الحدة بمثلها، أما إذا قوبلت بهدوء صارت المسألة طبيعية، لذلك أقول: إنه يجب علينا أن نصبر، وإذا رأينا الناس قد شدوا الحبل أرخيناه، وإذا رأينا لينًا جذبناه.
هذه إذن ثلاثة آداب ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتأدب بها، وإذا أضفنا الشرط الخامس أن من الآداب أن يكون هو أول فاعل لما يأمر به وأول تارك لما ينهى عنه، صارت الآداب أربعة، وشروط الوجوب أربعة.
٧ - فضيلة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففي الآية دليل على فضيلة هذه الخصال قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ إذا خسر الناس فهؤلاء هم المفلحون الرابحون.
٨ - النهي عن التفرق؛ لقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ وقد ذكرنا في التفسير أن المراد بذلك تفرق القلوب لا الآراء، لأن تفرق الآراء أمر لابد منه؛ لأن الناس يختلفون في العلم
стр. 627
والحفظ والفهم والإيمان والعمل، وكل هذه الأمور الخمسة كلها من أسباب اختلاف الناس، لا يمكن أن يتفق الناس في الرأي لكن الواجب اتفاق القلوب.
٩ - أن ترك الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للتفرق؛ لأنه أعقب الآية السابقة بهذه الآية مما يدل أن ترك الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للتفرق.
١٠ - أن التفرق بعد أن تبيّن الحق أشد قبحًا من التفرق حين خفاء الحق، يؤخذ من قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. وذلك لأنه إذا جاءت البينات واتضح الحق فلا وجه للتفرق، لكن إذا كان الحق خفيًا فقد يحصل التفرق، والحق -ولله الحمد- في هذه الشريعة واضح بيِّن لأنه في كتاب الله المحفوظ إلى يوم القيامة.
١١ - الوعيد الشديد على الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
١٢ - أن العقاب يختلف باختلاف الجرم؛ لأنه لما كان فعل هؤلاء عظيمًا كان عذابهم عظيمًا.
* * *
• قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦]:
قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ يحتمل أنها جملة استئنافية متعلقة بمحذوف تقديره: اذكر يوم تبيض وجوه وتسود وجوه،
стр. 628
يعني اذكر هذا اليوم الذى ينقسم فيه الناس إلى هذين القسمين، ويحتمل أنها متعلقة بالخبر؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] يعني لهم عذاب عظيم في ذلك اليوم.
وقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ الابيضاض معروف أي تكون بيضاء، وهذه الوجوه التي تكون بيضاء هي وجوه المؤمنين، وتختص هذه الأمة بأنها يكون لابيضاضها نور تُعرف به يوم القيامة كما قال النبي ﵊: "سيما ليست لغيركم، تدعون يوم القيامة غرًا محجلين من أثر الوضوء" (١).
وقوله: ﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾:
قد يبدو للإنسان من أول وهلة أن هذين القسمين متساويان، ولكن هذا غير مراد، وذلك لأن أكثر بني آدم من أهل النار، وجوههم مسودة -والعياذ بالله- فإن من بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعين كلهم في النار وواحدًا من الألف في الجنة كما صحَّ بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ (٢).
وقوله: ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ أي تكون سوداء، وسبب هذا الابيضاض والاسوداد -والله أعلم- أنه مما يبشّر به هؤلاء ويوبخ به هؤلاء، فإن المؤمنين يبشّرون إذا بعثوا من قبورهم برحمة الله وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون، وأما
стр. 629
الكافرون فبالعكس، ومن المعلوم أن الإنسان إذا بُشِّر بما يسره يستنير وجهه، وتظهر عليه علامة السرور.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ (الفاء) للتفريع و (أما) للتفصيل؛ لأنه قال بعدها: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾.
قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ بدأ بذكر الذين اسودت وجوههم مع أنه أخَّر ذكرها فيما قبل لأنه قال ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾، وكان من المتوقع أن يقول: فأما الذين ابيضت وجوههم؛ لأن هذا هو الترتيب، ولكن كان الأمر بخلاف المتوقع، ويسمي علماء البلاغة هذا النوع من السياق لفًا ونشرًا غير مرتب. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ جواب "أما" محذوف، والتقدير: فيقال: أكفرتم، وأما الجملة "أكفرتم بعد إيمانكم" فهي مقول للقول المحذوف أي: فيقال: أكفرتم.
ويحتمل أن القائل هو الله ، ويحتمل أن يكون القائل الملائكة، وعلى كل تقدير فالمراد بالاستفهام هنا هو التوبيخ والتنديم يقال لهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ فهذا الاستفهام للتوبيخ أي أن هؤلاء يوبخون، فيجمع لهم بين الألم البدني والألم القلبي النفسي وذلك لأن العذاب قد يكون على البدن، وقد يكون على النفس، وقد يكون عليهما جميعًا، من الناس مثلًا من تضربه ولا توبخه، فهذا العذاب على البدن، ومن الناس من توبخه في مقام يرى فيه الإكرام والاحترام فتهينه، فهذا عذاب نفسي قلبي. ومن الناس من يجمع له بين الأمرين كالكفار، فإن الكفار يوبخون في عرصات القيامة ويوبخون عند دخول النار: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ
стр. 630
يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨، ٩]، ويوبخون أيضًا بعد ذلك كما في قوله ﵎: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فإنهم يوبخون أيضًا في حال دخولهم النار ومكثهم فيها ما شاء الله وطلبهم أن ينجوا منها.
قوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ المراد بالإيمان هنا إيمان الفطرة؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﵊ أنه قال: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" (١). ويحتمل أن يكون المراد بالإيمان الإيمان الفطري الاختياري، وتكون الآية في سياق من يرتد بعد إيمانه، لكن الأول أولى لأنه أعم.
قال: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾:
(العذاب) أي البدني والنفسي، أي مسّه، والذوق هنا ليس ذوقًا باللسان بل هو ذوق بالبدن كله؛ لأن الذوق قد يكون باللسان، وقد يكون بالقلب، وقد يكون بالبدن، فقول الرسول ﵊: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا" (٢) المراد به ذوق القلب لا ذوق اللسان، وإذا قيل: ذاق الثمرة،
стр. 631
فهذا ذوق اللسان، ذاق العذاب: هذا ذوق البدن، فلكل مقام مقال.
قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: يقال لهم أيضًا (ذوقوا العذاب) وهو العقوبة على الذنب (ذوقوا العذاب) بسبب كفركم، الباء هنا سببية وَ (ما) مصدرية أي بكونكم تكفرون بالله.
وقوله: ﴿كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ تكفرون بالله وبما يجب الإيمان به.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - وجوب التذكير بهذا اليوم العظيم الذي ينقسم فيه الناس إلى قسمين؛ لقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ وهذا على تقدير قولنا: "اذكر يوم"، أما إذا جعلناه متصلًا بما قبله فإنه لا يستفاد منه هذه الفائدة، ولكن يستفاد منه التذكير بهذا اليوم أي أن الله يذكرنا بهذا اليوم.
٢ - إثبات البعث والجزاء، وهو أحد أركان الإيمان الستة. فأحد أركان الإيمان أن تؤمن باليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر ليس معناه أن الإنسان يؤمن بأن الناس يبعثون فقط، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية: (ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت) فالإيمان بفتنة القبر ونعيمه وعذابه من الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالصراط والميزان والشفاعة، كل من الإيمان باليوم الآخر.
٣ - أن الناس ينقسمون في ذلك اليوم إلى قسمين: قسم
стр. 632
مبيضة وجوههم وهم أهل الإيمان والطاعة، وقسم مسودة وجوههم وهم أهل الكفر والعصيان، فإذا قال قائل: الآيات هنا بيّنت أن الوجوه تسود وفي آية أخرى كذلك: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] وفي آية أخرى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] فكيف نجمع بين الآيتين اللتين تثبتان اسوداد الوجوه والآية التي تثبت أنهم يحشرون زرقًا؟ قال أهل العلم في الجمع بين هذا وأمثاله: إن يوم القيامة ليس زمنًا متحدًا قصيرًا تتعارض فيه الأحوال، لكنه زمن طويل مقداره خمسون ألف سنة، فيمكن أن تكون الوجوه في وقت من هذا اليوم مسودة، وفي وقت آخر مزرقة، هذا جمع.
الجمع الثاني: أن المراد بالسواد الزرقة؛ لأن الزرقة كلما اشتدت مالت إلى السواد، وحينئذٍ يكون زرقًا واسودت بمعنى واحد.
الجمع الثالث: أن الناس يختلفون في الجرم والكفر، فتسود وجوههم أو تزرق بحسب كفرهم وجرمهم، فمنهم من يكون جرمه شديدًا عظيمًا فتسود وجوههم، ومنهم من يكون أخف فتكون زرقاء.
الجمع الرابع: قالوا: إنهم سود البشرة زرق العيون، وهذا أعظم في القبح، إذا كان الوجه أسود والعين زرقاء، صار هذا أقبح منظرًا.
على كل حال هذه أوجه جمع العلماء بها بين هذا الظاهر الذي يظهر أنه متعارض، وهنا نقف لنقول: ليس في القرآن شيء متعارض لا يمكن الجمع بينه وبين الآخر؛ لأن التعارض يقتضي
стр. 633
أن يكون أحد المتعارضين حقًّا والثاني باطلًا؛ لأنه ليس معنا إلا حق وضلال: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]، ولا يمكن أن يكون شيء في كتاب الله باطلًا ضلالًا كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] نعم يمكن أن يتعارض النصان ولكن يكون أحدهما ناسخًا للآخر كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] ثم قال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦] والنسخ يكون به إبطال المنسوخ من عند الله، فلا يكون هناك تعارض، فإن وجد من القرآن ما ظاهره التعارض فلابد أن يكون هناك انفكاك بين النصين ينتفي به التعارض، وأما أن يبقى متعارض فهذا شيء ممتنع، ومن أحسن ما أُلِّف في الجمع بين الآيات المتعارضة كتاب محمد الأمين الشنقيطي ﵀ المسمى "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" وهو كتاب جيد ومفيد لطالب العلم.
٤ - أنه يجمع لهؤلاء الكافرين بين العذاب البدني والعذاب النفسي، نأخذه من قوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾: قيل: إن التقدير: يقال لهم ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ فهذا العذاب النفسي.
٥ - شدة التنكيل بهؤلاء المكذبين حيث يجمع لهم بين العذابين البدني والنفسي، ثم يقال: (ذوقوا العذاب) فهذا لا شك أنه من أشد ما يكون تنكيلًا بهم.
стр. 634
٦ - إثبات الأسباب، يؤخذ من قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ لأن الباء للسببية. والناس في إثبات الأسباب طرفان ووسط، منهم من أنكر الأسباب رأسًا، وقال: إن الأسباب ليس لها تأثير إطلاقًا، ومنهم من أثبت تأثير الأسباب بنفسها، ومنهم من توسَّط وقال: إن الأسباب مؤثرة لا بنفسها ولكن بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة، وهذا القول هو الصحيح وهو الحق، مثال ذلك: لو أن شيئًا ألقي في النار فاحترق بها، فالذين أنكروا الأسباب قالوا: إن هذا الاحتراق لم يحصل بالنار إنما حصل عندها حين ملامسة النار احترق، أما النار نفسها فإنها لا تحرق. ومنهم من قال: بل النار أحرقت بطبيعتها فهذه هي الطبيعة، ومنهم من قال: بل أحرقت النار ما يلقى فيها بما أودعها الله تعالى من القوى المحرقة. وهذا الأخير هو الحق بلا شك. ويدل على هذا أن النار التي ألقي فيها إبراهيم لم تحرقه بل كانت بردًا وسلامًا عليه، ولو كانت الأسباب مؤثرة بطبيعتها لأحرقته بكل حال، والذين أنكروا الأسباب هم في الحقيقة طاعنون في حكمة الله تعالى مدَّعون أن الله ليس له حكمة؛ لأن ربط المسببات بأسبابها هو عنوان الحكمة، فإذا قيل: ليس هناك سبب يؤثر، فهذا طعن في حكمة الله تعالى، والعجيب أن هؤلاء أنكروا الأسباب ظنًّا منهم أن إثباتها يستلزم الإشراك بالله تعالى، يقول: إنك إذا أثبتّ أن السبب فاعل أو أن السبب مؤثر فقد جعلت مع الله خالقًا، وهذا شرك لأنك مثلًا إذا قلت: إن النار هي التي أحرقت، معناه أن النار فاعلة للإحراق فيكون هذا شركًا بالله ، فيقال: نحن لا نقول: إن النار مستقلة في الإحراق، بل هي محرقة بما أودع الله فيها من قوة الإحراق، لا أنها بنفسها المحرقة. وكذلك
стр. 635
قالوا: لو أنك رميت زجاجة بحجر فانكسرت الزجاجة فلا تقل: إن الحجر كسر الزجاجة لأنك لو قلت هذا صرت مشركًا بالله، بل قل: حصل الكسر عندها لا بها! ! سبحان الله! عندها، لو تضع حجرًا من أكبر الأحجار عند زجاجة لم يكسرها إلا بالصدمة، إذن فالسبب معلوم، ليس فيه إشراك، وإنما المشرك هو الذي يقول: إن الأسباب تؤثر بطبيعتها أي بمقتضى طبيعتها ويقطع صلتها بالله، هذا لا شك أنه مشرك، ولكن الذي يقول: إنها تؤثر بما أودع الله تعالى بها من القوى هو الموافق للمعقول والمنقول.
ويمكن أن يؤخذ من هذه الآية أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: بسبب كفركم؛ لأن المسبب يتقدر بقدر السبب.
٧ - أن من فيه خصلة من خصال الكفر فله من عذاب الكافرين بقدرها؛ لأن لدينا قاعدة وهي أن الحكم المعلق بوصف يقوى ويضعف بحسب ذلك الوصف، إن وُجِدَ فيه جملة كبيرة من الوصف استحق من الحكم الذي رتِّب عليه بقدر هذه الجملة الكبيرة وإلا فبحسبها.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [آل عمران: ١٠٧ - ١٠٩].
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: