← Тафсир

Тафсир · id 545

تفسير العثيمين: آل عمران

ابن عثيمين

Полный текст (1 207 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فهذا ذوق اللسان، ذاق العذاب: هذا ذوق البدن، فلكل مقام مقال. قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: يقال لهم أيضًا (ذوقوا العذاب) وهو العقوبة على الذنب (ذوقوا العذاب) بسبب كفركم، الباء هنا سببية وَ (ما) مصدرية أي بكونكم تكفرون بالله. وقوله: ﴿كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ تكفرون بالله وبما يجب الإيمان به. من فوائد الآية الكريمة: ١ - وجوب التذكير بهذا اليوم العظيم الذي ينقسم فيه الناس إلى قسمين؛ لقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ وهذا على تقدير قولنا: "اذكر يوم"، أما إذا جعلناه متصلًا بما قبله فإنه لا يستفاد منه هذه الفائدة، ولكن يستفاد منه التذكير بهذا اليوم أي أن الله يذكرنا بهذا اليوم. ٢ - إثبات البعث والجزاء، وهو أحد أركان الإيمان الستة. فأحد أركان الإيمان أن تؤمن باليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر ليس معناه أن الإنسان يؤمن بأن الناس يبعثون فقط، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية: (ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت) فالإيمان بفتنة القبر ونعيمه وعذابه من الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالصراط والميزان والشفاعة، كل من الإيمان باليوم الآخر. ٣ - أن الناس ينقسمون في ذلك اليوم إلى قسمين: قسم

стр. 632

مبيضة وجوههم وهم أهل الإيمان والطاعة، وقسم مسودة وجوههم وهم أهل الكفر والعصيان، فإذا قال قائل: الآيات هنا بيّنت أن الوجوه تسود وفي آية أخرى كذلك: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] وفي آية أخرى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] فكيف نجمع بين الآيتين اللتين تثبتان اسوداد الوجوه والآية التي تثبت أنهم يحشرون زرقًا؟ قال أهل العلم في الجمع بين هذا وأمثاله: إن يوم القيامة ليس زمنًا متحدًا قصيرًا تتعارض فيه الأحوال، لكنه زمن طويل مقداره خمسون ألف سنة، فيمكن أن تكون الوجوه في وقت من هذا اليوم مسودة، وفي وقت آخر مزرقة، هذا جمع. الجمع الثاني: أن المراد بالسواد الزرقة؛ لأن الزرقة كلما اشتدت مالت إلى السواد، وحينئذٍ يكون زرقًا واسودت بمعنى واحد. الجمع الثالث: أن الناس يختلفون في الجرم والكفر، فتسود وجوههم أو تزرق بحسب كفرهم وجرمهم، فمنهم من يكون جرمه شديدًا عظيمًا فتسود وجوههم، ومنهم من يكون أخف فتكون زرقاء. الجمع الرابع: قالوا: إنهم سود البشرة زرق العيون، وهذا أعظم في القبح، إذا كان الوجه أسود والعين زرقاء، صار هذا أقبح منظرًا. على كل حال هذه أوجه جمع العلماء بها بين هذا الظاهر الذي يظهر أنه متعارض، وهنا نقف لنقول: ليس في القرآن شيء متعارض لا يمكن الجمع بينه وبين الآخر؛ لأن التعارض يقتضي

стр. 633

أن يكون أحد المتعارضين حقًّا والثاني باطلًا؛ لأنه ليس معنا إلا حق وضلال: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]، ولا يمكن أن يكون شيء في كتاب الله باطلًا ضلالًا كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] نعم يمكن أن يتعارض النصان ولكن يكون أحدهما ناسخًا للآخر كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] ثم قال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦] والنسخ يكون به إبطال المنسوخ من عند الله، فلا يكون هناك تعارض، فإن وجد من القرآن ما ظاهره التعارض فلابد أن يكون هناك انفكاك بين النصين ينتفي به التعارض، وأما أن يبقى متعارض فهذا شيء ممتنع، ومن أحسن ما أُلِّف في الجمع بين الآيات المتعارضة كتاب محمد الأمين الشنقيطي ﵀ المسمى "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" وهو كتاب جيد ومفيد لطالب العلم. ٤ - أنه يجمع لهؤلاء الكافرين بين العذاب البدني والعذاب النفسي، نأخذه من قوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾: قيل: إن التقدير: يقال لهم ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ فهذا العذاب النفسي. ٥ - شدة التنكيل بهؤلاء المكذبين حيث يجمع لهم بين العذابين البدني والنفسي، ثم يقال: (ذوقوا العذاب) فهذا لا شك أنه من أشد ما يكون تنكيلًا بهم.

стр. 634

٦ - إثبات الأسباب، يؤخذ من قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ لأن الباء للسببية. والناس في إثبات الأسباب طرفان ووسط، منهم من أنكر الأسباب رأسًا، وقال: إن الأسباب ليس لها تأثير إطلاقًا، ومنهم من أثبت تأثير الأسباب بنفسها، ومنهم من توسَّط وقال: إن الأسباب مؤثرة لا بنفسها ولكن بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة، وهذا القول هو الصحيح وهو الحق، مثال ذلك: لو أن شيئًا ألقي في النار فاحترق بها، فالذين أنكروا الأسباب قالوا: إن هذا الاحتراق لم يحصل بالنار إنما حصل عندها حين ملامسة النار احترق، أما النار نفسها فإنها لا تحرق. ومنهم من قال: بل النار أحرقت بطبيعتها فهذه هي الطبيعة، ومنهم من قال: بل أحرقت النار ما يلقى فيها بما أودعها الله تعالى من القوى المحرقة. وهذا الأخير هو الحق بلا شك. ويدل على هذا أن النار التي ألقي فيها إبراهيم لم تحرقه بل كانت بردًا وسلامًا عليه، ولو كانت الأسباب مؤثرة بطبيعتها لأحرقته بكل حال، والذين أنكروا الأسباب هم في الحقيقة طاعنون في حكمة الله تعالى مدَّعون أن الله ليس له حكمة؛ لأن ربط المسببات بأسبابها هو عنوان الحكمة، فإذا قيل: ليس هناك سبب يؤثر، فهذا طعن في حكمة الله تعالى، والعجيب أن هؤلاء أنكروا الأسباب ظنًّا منهم أن إثباتها يستلزم الإشراك بالله تعالى، يقول: إنك إذا أثبتّ أن السبب فاعل أو أن السبب مؤثر فقد جعلت مع الله خالقًا، وهذا شرك لأنك مثلًا إذا قلت: إن النار هي التي أحرقت، معناه أن النار فاعلة للإحراق فيكون هذا شركًا بالله ، فيقال: نحن لا نقول: إن النار مستقلة في الإحراق، بل هي محرقة بما أودع الله فيها من قوة الإحراق، لا أنها بنفسها المحرقة. وكذلك

стр. 635

قالوا: لو أنك رميت زجاجة بحجر فانكسرت الزجاجة فلا تقل: إن الحجر كسر الزجاجة لأنك لو قلت هذا صرت مشركًا بالله، بل قل: حصل الكسر عندها لا بها! ! سبحان الله! عندها، لو تضع حجرًا من أكبر الأحجار عند زجاجة لم يكسرها إلا بالصدمة، إذن فالسبب معلوم، ليس فيه إشراك، وإنما المشرك هو الذي يقول: إن الأسباب تؤثر بطبيعتها أي بمقتضى طبيعتها ويقطع صلتها بالله، هذا لا شك أنه مشرك، ولكن الذي يقول: إنها تؤثر بما أودع الله تعالى بها من القوى هو الموافق للمعقول والمنقول. ويمكن أن يؤخذ من هذه الآية أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: بسبب كفركم؛ لأن المسبب يتقدر بقدر السبب. ٧ - أن من فيه خصلة من خصال الكفر فله من عذاب الكافرين بقدرها؛ لأن لدينا قاعدة وهي أن الحكم المعلق بوصف يقوى ويضعف بحسب ذلك الوصف، إن وُجِدَ فيه جملة كبيرة من الوصف استحق من الحكم الذي رتِّب عليه بقدر هذه الجملة الكبيرة وإلا فبحسبها. * * * • ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [آل عمران: ١٠٧ - ١٠٩]. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:

стр. 636

(الواو) حرف عطف، ﴿وَأَمَّا﴾ تفصيلية كما في الأولى، ﴿الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ وهم المؤمنون. وهذا البياض يكون على قسمين: بياض عام لكل مؤمن، وبياض خاص لهذه الأمة حيث قال ﷺ : "سيما ليست لأحد من الأمم (يعني فيكم) تردون عليَّ غرًّا محجَّلين من أثر الوضوء" (١). فهذه الأمة تكون وجوهها بيضاء ولكن لها نور بخلاف غيرها، وأيضًا هذه الأمة يكون النور لها حيث يبلغ الوضوء، أي يكون في اليدين وفي الرجلين، ولهذا قال: (غرًّا محجَّلين)، وأما من سواها لا نعلم إلا أن وجوههم فقط هي التي تكون بيضاء، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ هم المؤمنون ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، "في" للظرفية، ورحمة الله هنا ليست الرحمة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨] لأن هذه صفة الله، أمَّا هنا ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فهي مخلوق الله والمراد بها الجنة كما جاءت في الحديث الصحيح: "إن الله قال لها -أي الجنة- أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء" (٢)، ويمتنع أن يكون المراد بها الصفة؛ لأن الصفة لا تكون ظرفًا للبشر، وإذا امتنع أن تكون ظرفًا للبشر امتنع أن يراد بالرحمة هنا الرحمة التي هي صفةٌ لله تعالى، بل هي الرحمة المخلوقة لله، وأطلق عليها اسم الرحمة لأنها كانت برحمة الله يرحم الله بها من يشاء من عباده.

стр. 637

وقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: (هم) مبتدأ وليست ضمير فصل بل لها محل من الإعراب، و ﴿خَالِدُونَ﴾ خبر المبتدأ و (فيها) جار ومجرور متعلق بـ (خالدون) أي ماكثون، وقد دلَّت الآيات على أن هذا الخلود مؤبَّد. فذكر الله التأبيد في عدة آيات من كتابه، فالخلود خلود أبدي. وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾: ﴿تِلْكَ﴾ المشار إليه ما سبق من الآيات التي ذكر الله ، ويحتمل أن يكون المراد بها كل القرآن، وربما يُرشَّح هذا، أي يُقوى بالإشارة حيث جاءت بصيغة البعد، فتكون الإشارة هنا شاملة لجميع القرآن. وقوله: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾ أي: العلامات الدالة على الله على وجوده وعلى ما تضمنته من الأسماء والصفات والأفعال، وهنا المراد بالآيات الآيات الشرعية. وقوله: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: نقرؤها عليك، وهل المراد أن الله تعالى يقرؤها على النبي ﷺ مباشرة أو بواسطة جبريل؟ بواسطة جبريل وربما يقع الأول أيضًا، ربما يُلقى في قلب النبي ﷺ إلقاءً، ولكن الثاني هو الأكثر، بل قد يكون بالنسبة للقرآن هو المتعين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤] وظاهر الآية أن جميع القرآن نزل به جبريل، وعلى هذا فتكون إضافة التلاوة إلى الله في هذه الآية يراد بها تلاوة جبريل، ونُسِبَت إلى الله تعالى لأن جبريل أُرسل بها من عنده، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ

стр. 638

بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩] (فإذا قرأناه) والقارئ هو جبريل كما ثَبُتَ به الحديث، أن الرسول ﷺ إذا سمع قراءة جبريل تعجَّل في القراءة خوفًا من أن ينسى شيئًا، فكان يتعجل فقال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ حتى لو نزلت آيات كثيرة في آنٍ واحد فلن تنساه، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أي: أنه سيبقى ولا تنسى منه شيئًا، وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ لابد أن نبيِّنه للناس بلفظه ومعناه، يقول: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ هل الباء هنا للمصاحبة؟ يعني أنها مصحوبة بالحق ونازلة بالحق، صدق في الأخبار وعدل في الأحكام؟ أو أن المعنى أنها نزلت من عند الله حقًّا، فالباء هنا للملابسة يعني متلبسة بالحق أي أنها نزلت من عند الله نزولًا حقًّا لا شبهة فيه ولا باطل وهو يشمل المعنيين جميعًا، فهي نازلة من عند الله حقَّا بلا شك، وهي أيضًا نازلة بالحق، والقاعدة في علم التفسير أن الآية إذا تضمنت معنيين لا يتنافيان فالواجب حملها على المعنيين، فإن كانا يتنافيان طُلب المرجّح، فما ترجَّح منهما فهو المراد. وقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾: (ما) نافية وهي حجازية؛ لأن الشروط تامة، لكن اسمها مفرد كما هو العادة في المبتدأ أن يكون المبتدأ مفردًا، وخبرها جملة (يريد) والترتيب موجود، ولم ينتقض النفي، ولم تقترن (بإن) فالشروط تامة، إذن هي حجازية. وليس مرادنا بقولنا حجازية أنه لا يتكلم بها إلا أهل الحجاز بل يتكلم بها جميع

стр. 639

العرب لكن أهل الحجاز يُعملونها عمل "ليس" وبنو تميم يهملونها، مثلًا إذا خاطبك شخص وقال: "ما زيدٌ موجودًا" تعرف أنه حجازي، وإذا خاطبك شخص آخر وقال: "ما زيدٌ موجودٌ" عرفت أنه تميمي. يقول الشاعر: ومهفهف الأعطاف قلت له انتسب ... فأجاب ما قتل المحبِ حرامُ هذا تميمي أو حجازي؟ تميمي لأنه قال: "ما قتل المحبِ حرامُ" لو كان حجازيًا لقال: "حرامًا". وفي الآية الكريمة: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾: (ما) لا شك أنها حجازية، والاسم الكريم اسمها، وجملة "يريد" خبرها، يقول الله تعالى وينفي عن نفسه أن يريد ظلمًا للعالمين كهؤلاء الذين ابيضت وجوههم أو اسودت وجوههم لم يُظلموا، الذين ابيضت وجوههم نالوا هذا بعملهم أي بسببه، والذين اسودت وجوههم نالوه أيضًا بعملهم، فالأولون عملوا صالحًا فأثيبوا هذا الثواب، والآخرون عملوا سيئًا فأثيبوا هذا الثواب؛ لأن الله تعالى لا يمكن أن يظلمهم. وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ العالمين المراد بهم كل من سوى الله، فإن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: الخبر هنا مقدم لفائدة وهي الحصر، يعني التخصيص؛ لأنك إذا قدمت ما حقه التأخير كان بذلك حصر، كلما قدَّمت

стр. 640

شيئًا حقُّه التأخير فهذا حصر سواءً كان خبرًا أو مفعولًا به أو جارًا ومجرورًا. فمثلًا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] قدّم المفعول به لإفادة الحصر، أي لا نعبد إلا إيَّاك، ولا نستعين إلا إيّاك، وهنا ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا لغيره. فقدّم الخبر لأجل الحصر. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: (ما): اسم موصول، يشمل كل ما في السموات والأرض، يشمل كل هذا، ما فيها من الملائكة، وما في الأرض من البشر والجن والأشجار والأحجار وكل شيء. ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ وأتى "بما" تغليبًا لغير العاقل؛ لأنهم الأكثر فغلّبوا، هذا من وجه، ومن وجه آخر أنه إذا أريدت الصفة فإنه يعبر "بما" بدل "من" ولو في العاقل، ومثَّلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] ولم يقل: (من طاب) لأنه لم يقصد عين الشخص العاقل بل قصد الوصف والجنس والكم، انكح ما طاب من جميل وقبيح وواحد ومتعدد من النساء. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ صِلَة الموصول تأتي جملة وتأتي شبه جملة، تأتي جملة اسمية وجملة فعلية، وجارًا ومجرورًا وظرفًا، أربعة أنواع، فالجملة الاسمية والفعلية ظاهرة، تقول: "يعجبني الذي خلقه حسن" هذه جملة اسمية، وتقول في الجملة الفعلية: "يعجبني الذي كان شجاعًا"، وتقول في الظرف: "يعجبني الذي فوق السطح"، وتقول في الجار والمجرور: "يعجبني الذي في المسجد"، في هذه الآية الجار والمجرور،

стр. 641

يقولون: إن الجار والمجرور بنفسه ليس جملة؛ لأنه يحتاج إلى عامل فكيف يكون جملة؟ . قالوا: لأنه متضمن لشيء محذوف، ولهذا نقول في الإعراب: جار ومجرور متعلق بمحذوف، قَدِّر المحذوف في الاسم الموصول فعلًا، وقَدِّره في خبر المبتدأ اسمًا، فإذا قلت: "يعجبني الذي عندك" فالتقدير: الذي استقرَّ عندك، وإذا قلت: "زيدٌ عندك" التقدير: زيد مستقر عندك؛ لأن الأصل في خبر المبتدأ أن يكون مفردًا غير جملة، والأصل في صلة الموصول أن تكون جملة، فنقدِّرها فعلًا في صلة الموصول، ونقدِّرها اسمًا في خبر المبتدأ، هذه هي القاعدة. وقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: هذه الآية مفيدة للحصر بتقديم الجار والمجرور على المتعلق وهي "تُرجع". وقوله: ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ يَعمّ كل أمر، والأمور هنا جمع أمر بمعنى الشأن؛ لأن كلمة أمر يراد بها الشأن كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أي: ما شأنه، ويراد بالأمر الخطاب الموجه على وجه طلب الفعل على وجه الاستعلاء، وجمع أمر الأول أمور، وجمع أمر الثاني أوامر، وعلى هذا تكون الأمور جمع أمر، وهي الشؤون، كل الشؤون تعود إلى الله تعالى وترجع إليه؛ لأنه الخالق الذي ابتدأها فيجب أن ترجع إليه. من فوائد الآيات الكريمة: من فوائد قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:

стр. 642

١ - الذين ابيضت وجوههم في الجنة؛ لقوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. ٢ - أن الرحمة تطلق على غير صفة الله بل على مخلوقاته كما أسلفنا في التفسير أن المراد بالرحمة هنا الجنة، وأمَّا قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨] فالمراد الصفة، رحمة الله التي هي صفته غير مخلوقة، كل صفات الله غير مخلوقة، ورحمة الله التي هي الجنة مخلوقة، قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠] عندما ذكر نزول المطر وأنه يُحيي به الأرض قال: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ما المراد بالرحمة هنا المخلوقة التي هي المطر أو الصفة؟ يحتمل أن يكون المراد بـ (آثار رحمة الله) المطر فيكون مخلوقًا، ويحتمل أن يراد بـ (رحمة الله) صفته والتي من آثارها وما ينشأ عنها هو المطر ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨] الرحمة مخلوقة لأنها هي التي تنشر، إذن الرحمة قسمان: قسم مخلوق وهو ما كان بائنًا عن الله، وقسم غير مخلوق وهو ما كان صفة له. ٣ - أن الله تعالى أكرم من الخلق؛ لأن عمل الذين ابيضت وجوههم لو نسب إلى الثواب لم يكن شيئًا ومع ذلك يجزون بالرحمة التي يخلدون فيها أبد الآبدين، وهذا تصديق قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. ٤ - أن أهل الجنة مخلدون فيها؛ لقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ والخلود فيها أبدي لأنه جاء بالصيغة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار. كما ذكره تعالى في آيات كثيرة، فإن قال قائل: إذا

стр. 643

قلت إنه أبدي فما جوابك عن قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] فاستثنى فقال: إلا ما شاء ربك؟ فالجواب: لا تعارضُ الآيات الدالة على الأبدية هذه الآية؛ لأنها من المشكل الذي يجب رده إلى المحكم، والعلماء لهم في هذه الآية أقوال. ولكن القول الذي يريح الإنسان أن يجعل هذا القيد والقيد الذي في أهل النار (خالدين فيها إلا ما شاء ربك) من الأمور المتشابهة، ويحمل على النصوص المحكمة فنقول: إن الله قال (إلا ما شاء ربك) مع أنه قد شاء أن يبقى هذا أبد الآبدين وهو كقول الرسول ﷺ في زيارة القبور: "إنا إن شاء الله بكم لاحقون" فعلَّقه بالمشيئة مع أن اللحوق بهم لابد منه، وهذا القول يستريح به الإنسان، ولا يعترض عليه معترض كما اعترض ابن القيم ﵀ بأن الله قال في أهل النار: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] وقال في أهل الجنة: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]. قال: فاختلاف ختم الآيتين يدل على أن أهل النار ليس خلودهم أبديًا بخلاف أهل الجنة؛ لأنه قال في أهل الجنة: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] وقال في أهل النار: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] وهذا في الحقيقة يدلك أن الإنسان مهما بلغ في العلم والذكاء فلن يسلم من الغلط، والفرق بين الآيتين ظاهر؛ لأن آية (السعادة) فضل فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] وآية النار (الشقاء) عدل فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] وهذا

стр. 644

من فعله الذي أراد وليس المعنى أنه (فعال لما يريد) سيفعل في المستقبل خلاف ذلك كما فهمه ابن القيم ﵀، فإن هذا فَهْم غير سليم بلا شك، بل إن مناسبة ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ هو أنه لما كان الشقاء غير محمود قال: هذا من فعل الله، والله يفعل ما يريد مع أنه لم يظلمهم. ومن فوائد قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾: ١ - أن القرآن كلام الله تعالى؛ لأن الله تعالى أضافه إلى نفسه فقال: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾ وما أضيف إلى الله ولم يكن عينًا قائمة بنفسها فهو من صفاته؛ لأنه لابد أن يكون هذا المضاف قائمًا بشيءٍ، فإذا كان صفة فلن يكون إلَّا صفة الله ، فإذا قلنا: كلام الله فهذا إضافة صفة، وإذا قلنا: هذا مخلوق الله فهذا ليس إضافة صفة؛ لأن المخلوق عين قائمة بنفسها، فـ (ناقة الله) غير صفة لأنها عين قائمة بنفسها. و (بيت الله) كذلك غير صفة لأنه عين قائمة بنفسها ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]. ﴿رُوحِي﴾ ليست صفة بل هي مخلوقة لأنها لو كانت صفة الله ما بانت منه، وهنا بانت من الله وحلَّت في جسد آدم، وليست صفة من صفات الله لأنها بائنة منه، فإضافة الروح إلى الله هنا من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، ولهذا لا يمكن أن نقول: إن هذه جزء من روح الله التي هي صفته، هذا شيء مستحيل إذ لو قلنا بهذا لحلَّ شيء من الله في مخلوقاته. ٢ - أن من كان وكيلًا عن الغير فله حكم ذلك الذي وكله؛ لأن الله أضاف التلاوة إليه مع أن التالي رسوله، فدلَّ هذا على أن

стр. 645

حكم ما نفذه الرسول بما أرسل به حكم ما قاله المرسِل. ٣ - أن كتاب الله تعالى كله حق ليس فيه باطل، وإذا أخذنا هذه الكلمة على عمومها قلنا: جميع أحكامه حق، وجميع أخباره حق، وليس فيه تناقض ولا اختلاف, لأنه لو كان فيه تناقض أو اختلاف لكان أحد المتناقضين باطلًا، والقرآن ليس فيه شيء باطل بل كله حق. ٤ - إثبات رسالة النبي ﷺ حيث قال: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ فيكون المتلو عليه هذه الآيات قطعًا رسولًا لله رب العالمين. ٥ - إثبات إرادة الله تعالى؛ لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ فإن قال قائل: الآية هنا نفي ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ﴾ فكيف تقول إنها دالة على إثبات؟ . نقول: إن هذا النفي ليس مطلقًا بل هو نفي لإرادة شيء معين وهو الظلم، إذن فغير الظلم يريده. ٦ - أن الظلم ممكن في حق الله تعالى ولكنه لا يريده لكمال عدله، ووجهه أنه قال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل: (لا يمكن أن يريد الله ظلمًا) على أنه لو قال: "لا يمكن" لم يدل على انتفاء الظلم لو أراده، وحينئذٍ يكون فيه رد على القائلين بأن الظلم في حق الله محال لذاته، وهم الجهمية حيث يقولون: إن الظلم في حق الله مستحيل لذاته لا لأنه غير مراد الله تعالى بل لذاته، وعلى قولهم يكون تمدح الله تعالى بنفي الظلم عنه لغوًا لا فائدة منه؛ لأن ما لم يمكن لا يصح أن يكون مدحًا أو أن يتمدح به من كان ممتنعًا عليه، فالظلم في حق الله ممكن عقلًا ولكنه ممتنع شرعًا وعدلًا. ولو شاء الله تعالى أن يعذب

стр. 646

المطيع لأمكن ولكنه لكمال عدله لا يمكن أن يعذبه لأنه ظلم، وهم يقولون: لا يمكن أن يظلم الله تعالى أبدًا، الظلم مستحيل لماذا؟ أليس يمكن أن الله يعذب المطيع الذي أمضى طول عمره في طاعة الله؟ قالوا: نعم، يمكن، لكن هذا ليس بظلم لأنه فعله فيما يملكه، فالعبد ملك لله، فإن فعل به أي شيء فليس بظالم له. هذا وجهة نظرهم لكنها وجهة فاسدة؛ لأنه لو قال لك قائل: افعل كذا سأثيبك، ولا تفعل كذا فإن فعلت عاقبتك، ثم فعلت ما أمرك به وما وعدك الإثابة عليه، ثم عذبك أشد العذاب، هل هذا ظلم عقلًا أو غير ظلم؟ هذا ظلم ولو كان مالكًا لك، لو أن السيد قال لعبده: يا عبد أعِدَّ الغداء واجعل فيه كذا وكذا وقدِّمه لي، ففعل على الوصف الذي أُمِرَ به، وأتى به في الزمن المطلوب، ثم أخذ السيد خشبة وجعل يضربه بها فإنه يكون ظالمًا ولو كان عبده. عقلًا يكون ظالمًا، هم يقولون: يجوز أن يمضي الإنسان عمره كله في طاعة الله امتثالًا لأمر الله وإذا مات يخلده في النار، وإذا فعل هذا ليس بظالم لأنه فعله في ملكه. نقول: إذا كان الأمر كذلك وكان الظلم على زعمكم محالًا فإن الله تعالى لا يصح أن يقال إنه ينفي الظلم عن نفسه تمدحًا بذلك. ٧ - أنه إذا انتفت إرادة الظلم انتفى الظلم. وجه ذلك: أن الله لا مكره له، فإذا كان لا يريد الظلم فنفي إرادة الظلم نفي للظلم، وحينئذٍ لا يكون بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] تعارض؛ لأن نفي إرادة الظلم تستلزم نفي الظلم، ونفي الظلم يستلزم نفي إرادة الظلم؛ لأنه لو أراد أن يظلم لظلم،

стр. 647

إذن لو أن أحدًا من الناس قال لي: كيف تجمع بين هذه الآية: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾؟ أقول لهم: لا منافاة لأنه إذا انتفت إرادة الظلم لزم نفي الظلم، وإذا انتفى الظلم لزم انتفاء إرادته؛ لأن الله تعالى قادر لو أراد أن يظلم لظلم. ٨ - إثبات الصفات السلبية؛ لأن ما وصف الله به نفسه ينقسم إلى قسمين: ثبوتي وانتفائي، أو إن شئت قل: سلبي، فالثبوتي كله صفات كمال، كل صفة أثبتها الله لنفسه فهي صفة كمال، والانتفائي كله صفات نقص ولكنه متضمن لثبوت كمال، ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٧٤] نفي الغفلة لكمال علمه ومراقبته. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] لكمال عدله، ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] لكمال قوته، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٤] لكمال قدرته وعلمه، وهلم جرا. ومن فوائد قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: ١ - عموم ملك الله تعالى؛ لقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ و"ما": موصولة تفيد العموم. ٢ - انفراد ملك الله تعالى بذلك أي أن الله وحده هو المالك لها، وهذا يؤخذ من تقديم الخبر؛ لأن القاعدة المقررة عند البلاغيين وأصحاب الأصول أن تقديم المعمول يفيد الحصر. ٣ - إثبات السموات والأرض، وهو أمر معلوم ولا ينكر، ولكن الفائدة من هذه الفائدة بيان عظمة الله تعالى بخلق هذه

стр. 648

المخلوقات العظيمة التي قال الله عنها: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]. ٤ - أن مرجع الأمور إلى الله وحده؛ لقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. ٥ - أن من حاول أن يشرع للخلق شيئًا سوى ما شرعه الله فقد شارك الله أو فقد جعل نفسه شريكًا مع الله. وجه ذلك: أن الله حصر مرجع الأمور إليه فقال ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾، فمن حاول أن يشرع للناس أمورًا لم يشرعها الله فقد جعل نفسه شريكًا مع الله تعالى. ٦ - بيان سعة الله تعالى حيث كانت جميع الأمور ترجع إليه؛ لأن الأمور جمع أمر وهو محلى (بأل) فيفيد العموم، فكل الأمور ترجع إليه، الدقيقة والجليلة، قال الله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦] كل الدواب صغيرها وكبيرها فالله تعالى آخذ بناصيتها فهو الذي يوجهها ويدبرها، العاقل منها وغير العاقل. ٧ - إثبات أن السموات جمع، وقد بيَّنت آية أخرى أن عددها سبع سموات، أما الأرض فجاءت في القرآن مفردة ولكن الله أشار إلى عددها في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنّ﴾ [الطلاق: ١٢] وجاءت السنة صريحة في ذلك في قول النبي ﷺ : "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوّقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين" (١).

стр. 649

• قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]. قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. الخطاب لهذه الأمة، وقوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ قيل: في علم الله وذلك لأن "كان" للمضي، ومعلوم أن هذه الأمة آخر الأمم فلا يمكن أن يتحدث عنها على أنها أمة بائدة، فمن ثَمَّ قال بعض العلماء: إن فعل المضي هنا باعتبار علم الله أي كنتم في علم الله خير أمة، وعلم الله سابق على وجود الأمم. وقيل وهو الصحيح: إن "كان" هنا ليست دالة على زمان، وإنما هي مبيِّنة لاتِّصاف المبتدأ بالخبر وتحقق وجوده فيه، وهذا هو الأصح، ولهذا أمثلة منها: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨]. لا نقول: إن (كان) هنا تدل على المضي، وإن هذه صفة زالت عن الله تعالى، لا، لكنها مسلوبة الزمن تدل على تحقق اتصاف اسمها بما دل عليه خبرها. ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ أي طائفة، وسبق لنا أن كلمة أمة تطلق في القرآن على أربعة معانٍ (١). ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يعني أخرجها الله تعالى وبيَّنها

стр. 650

وأبرزها، خير أمة أخرجت ولم يقل خلقت؛ لأن هذه الأمة من وصفها الخروج والبروز، فخير أمة ظهرت وبرزت هي هذه الأمة، هناك أمم أخرجت للناس وظهرت وبانت لكنها لم تحصل لها الخيرية التي كانت لهذه الأمة. ثم بيَّن الله تعالى وجه هذه الخيرية بقوله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ سبق معنى الأمر بالمعروف ومعنى المعروف ومعنى النهي ومعنى المنكر في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ هذا يشمل الإيمان بكل ما أمر الله الإيمان به، وتشمل أيضًا تطبيق كل ما أمر الله به فعلًا وكل ما نهى الله عنه تركا؛ لأن من مقتضى الإيمان بالله أن تؤمن بما أخبر به؛ وعلى هذا فيكون جميع ما أخبر الله به من أمور الغيب داخلًا في الإيمان بالله، ومن تحقيق الإيمان بالله أن تذعن له وتقبل حكمه، وهذا يشمل جميع الإِسلام، جميع الأعمال الصالحة، ولذلك كان من مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وتأمل كيف أخر الإيمان بالله عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن شأن الأمة أن تكون قاهرة غالبة آمرة ناهية، فقدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله، وإن كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدون الإيمان بالله لا ينفع، ولكن لما كانت الأمة بمظهرها، كان عنوان قوتها أن تكون آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر. يقول الله : ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الإيمان بالله: دائمًا

стр. 651

نسمع كثيرًا من المؤلفين -يرحمهم الله- يقولون: إن الإيمان هو الإقرار، وبعضهم يقول: إن الإيمان هو التصديق، ولكن هذا على إطلاقه لا يصح باعتبار الإيمان الشرعي، فالإيمان الشرعي هو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، فمن صدق وأقر ولكن لم يقبل ويذعن فليس بمؤمن، ودليل ذلك أن أبا طالب عم رسول الله ﷺ كان مقرًّا ومعترفا بصدق رسول [الله] [*] ﷺ ، ومع ذلك لم يكن مؤمنًا؛ لأنه لم يقبل ما جاء به ولم يذعن له، وإلا فإنه يقول في قصائده: لقد علموا أن ابننا لا مُكذبٌ ... لدينا ولا يُعنى بقول الأباطل لقد علموا يعني قريشًا أن ابننا وهو محمَّد ﷺ لا مُكذبٌ لدينا أي نصدقه، ولا يُعنى بقول الأباطل، أي لا يهتم بقول الكذب الباطل، ويقول: ولقد علمت بأن دين محمَّد ... من خير أديان البريةِ دينا لولا الملامةُ أو حذار مسبة ... لرأيتني سمحًا بذاك مبينا أعوذ بالله! مع ذلك لم ينفعه هذا الإيمان بل مات على الكفر. فالإيمان شرعًا هو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان. قال تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: (لو) هذه شرطية، وفعل الشرط فيها "آمن" وجوابه "لكان خيرًا لهم". (ولو) الشرطية إذا كان جوابها إثباتًا فالأفصح أن يقرن باللام، كما في هذه الآية: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ وكما في قوله: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] وقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ

стр. 652

يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] والأمثلة على هذا كثيرة، وربما حذفت اللام ومنها قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] ولم يقل: لجعلناه أجاجًا، أما إذا كان الخبر منفيًا فإن الغالب حذف اللام، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] ولم يقل: (لما فعلوه)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣] ولا تقترن بها اللام إلا نادرًا، يعني قولك: لو شئت لما فعلت، هذا نادر ولكنه قد يرد، ووجه كونه نادرًا أن اللام تفيد التوكيد و (ما) تفيد النفي وبينهما شبه تضاد، ولا يجمع بين الشيء وضده. وتأتي (لو) مصدرية مثل "أن" وذلك إذا جاءت بعد "ودَّ" ونحوها فإنها تكون مصدرية، قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] أي ودوا ردَّكم، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] أي: إدهانك وهكذا، فهنا "لو" مصدرية فصارت تأتي مصدرية إذا جاءت بعد "ودَّ" وما أشبهها مما دلَّ على المحبة وتقول: أحب لو تذهب، أحب لو تفهم، أي أحب ذهابك، وأحب فهمك. قال تعالى: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ خيرًا لهم من الكفر لو آمنوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ١٠٣] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١٠، ١١] إذن لكان خيرًا لهم من بقائهم على كفرهم، ويحتمل أن يقال لكان خيرًا لهم، أي لكان خيرًا مضاعفًا كما أخبر النبي ﷺ : "أيما رجل من

стр. 653

أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران" (١). ثم قال: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾: منهم أي من أهل الكتاب المؤمنون أي الذين آمنوا مثل "النجاشي" من النصارى، و"عبد الله بن سلام" من اليهود، هؤلاء آمنوا إيمانًا وقر في قلوبهم. ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: الفسق هنا المراد به الخروج عن طاعة الله خروجًا مطلقًا وهو الكفر؛ لأن الفسق يراد به الخروج عن الطاعة خروجًا مقيدًا، ويراد به الخروج عن الطاعة خروجا مطلقًا، فالخروج عن الطاعة خروجًا مقيدًا، كما قال الفقهاء ﵏: إن فاعل الكبيرة فاسق؛ لأنه خرج عن الطاعة خروجًا مقيدًا بهذه المعصية التي فسق بها، والخروج عن الطاعة خروجًا مطلقًا يكون بالفسق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠] وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن هذه الأمة خير الأمم؛ لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الخيرية وبين ما جاء في بني إسرائيل أن الله فضّلهم على العالمين، ومعلوم أن المفضل خير من المفضل عليه؟ فنقول: لدينا آيتان أو لدينا نصَّان متعارضان كلاهما على سبيل العموم كهذه الآية ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (للناس) هذه عامة تشمل بني إسرائيل وغيرهم،

стр. 654

وقوله في بني إسرائيل: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] تقتضي التفضيل العام على هذه الأمة وعلى غيرها، فبين النصين الآن عموم متعارض، فإن ادعيت تخصيص عموم آية بني إسرائيل بخصوص هذه الآية قال لك الإسرائيلي: وأنا أدعي تخصيص عموم هذه الآية بخصوص بني إسرائيل، فأقول: أنتم خير أمة أخرجت للناس ما عدا بني إسرائيل، فيقال: إن النبي ﷺ بيَّن لنا أي العمومين مرادًا بقوله: "توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله" (١) فبيَّن الرسول ﷺ أن هذه الأمة خير الأمم التي أوفتها وختمت بها، وهذا من الرسول ﷺ نص فيكون عموم قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ مقدمًا على عموم قوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] وحينئذ يكون قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ مخصوصًا بقوله في هذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، بنصِّ كلام الرسول ﷺ . وقال بعض العلماء: إن المراد بالعالمين العام خصوص عالمي زمانهم، يعني العالمين في هذا الزمن أي في زمن بني إسرائيل، فيكون من باب العام الذي يراد به الخاص، فلم يرد به العموم من الأصل، والعام الذي يراد به الخاص كثير في القرآن والسنة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فإن (الناس) في قوله:

стр. 655

﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ لا يراد به عموم الناس بل القائل واحد، وقوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ أيضًا لا يراد به جميع الناس؛ لأنه لم يجمع لهم إلا قريش، عامة البشر لم يجمعوا للرسول ﷺ وأصحابه، فيكون قوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] عامًا أريد به الخاص، وعلى هذا فلا يكون في الآية عموم إطلاقًا، وحينئذٍ لا تعارض هذه الآية. ٢ - أن هذه الأمة فَضَلَت غيرها بالخيرية لوصفٍ ليس في غيرها، وهي أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأما من سبقها فلا، يقول الله تعالى في بني إسرائيل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩]. ٣ - أنه متى زال هذا الوصف الذي به فُضّلت هذه الأمة وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر زال كونها خير أمة أخرجت للناس، وذلك لأن الحكم المعلل بعلة يوجد بوجودها وينتفي بانتفائها، ويقوى بقوّتها ويضعف بضعفها. ٤ - أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن ترتب الخيرية عليه يدل على أهميته. ٥ - أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلما وجد في الأمة وجد الخير فيها، وكلما ضعف فيها ضعف الخير، ولهذا لما كانت الأمة قوية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بلادنا كانت البلاد على خير ما يرام، ولما ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فات هذه البلاد من الخير بقدر ما فاتها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 656

٦ - أنه كما ازداد الإنسان أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر كان خيرًا من غيره؛ لأن المعلق على وصف يقوى بقوّته ويضعف بضعفه. ٧ - أن العامل أو أن العاملين يتفاضلون، من قوله: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ وهذا واضح، وتفاضل العمال بتفاضل الأعمال، وتفاضل الأعمال ثابت بالكتاب والسنة: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥] فهذا تفضيل العامل لفضل العمل، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، وأن العامل يزيد وصفه بالطاعة وينقص بحسب ما معه من العمل. ٨ - أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٩ - التنديد بأهل الكتاب حيث كفروا بالرسول ﷺ مع أنهم يدَّعون أنهم يريدون الخير، ولو كانوا صادقين في إرادة الخير لكانوا يؤمنون بالرسول ﷺ . ١٠ - أن من أهل الكتاب من هو مؤمن ومنهم من هو فاسق وهم الأكثرون. فإن قال قائل: هل معنى ذلك أن أهل الكتاب الموجودين اليوم مؤمنون؟ لا, ولهذا قال: "منهم المؤمنون" و (أل) هنا للعهد الذهني يعني المعروف وهو الإيمان بمحمد ﷺ ولم يقل: منهم مؤمنون قال: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يعني الإيمان المعهود عندكم أيها المسلمون وهو الإيمان برسول الله ﷺ . ١١ - أن أكثر أهل الكتاب فاسق مارق خارج عن الدين وهو كذلك، والقليل منهم آمن ويؤمن، وحتى الآن يوجد أناس من أهل الكتاب يؤمنون بالله.

стр. 657

• ثم قال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١]. الخطاب للنبي ﷺ وأصحابه المتمسكين بهديهِ، والفاعل في (يضروكم)، يعود على أهل الكتاب أي لن يضركم أهل الكتاب إلَّا أذىً، وقوله: ﴿إِلَّا أَذًى﴾ اختلف المفسرون فيها: هل هذا الاستثناء منقطع أم متصل؟ فمنهم من قال: إنه استثناء متصل؛ لأن هذا هو الأصل في الاستثناء. وعلى هذا الرأي يكون في الآية من شيء من الحذف تقديره: (لن يضروكم إلَّا ضررَ أذىً) ليس ضرر عدوان حسِّي ببتر عضو أو أخذ مال، وإنما هو أذى، وذلك بأن يُسمِعُوكم ما تكرهون بالتوبيخ والاستهزاء وما أشبه ذلك. ولا شك أن الأذى نوع من الضرر لكنه ليس الضرر الذي يطلق عليه اسم ضرر. والقول الثاني: أن الاستثناء هنا منقطع، وعلى هذا القول يكون المعنى: "لن يضروكم ولكن يؤذونكم" والأذية لا يلزم منها الضرر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] فأثبت أنهم يؤذون الله ورسوله. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦]. وفي الحديث القدسي: "يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني" (١) فالضرر منتفٍ عن الله، والأذية حاصلة، ومن أمثلتها قوله تعالى في الحديث القدسي: "يؤذيني ابن آدم، يسبُّ الدهر وأنا الدهر" (٢)، ويوضح هذا أنه لو صلى إلى جانبك رجل قد أكل

стр. 658

بصلًا أو ثومًا فإنك تتأذى برائحته ولكن هل يضرك؟ لا يضرك، وهذا القول أصح وهو أن الاستثناء منقطع، وهو وإن كان خلاف الأصل لكنه أعلى في البلاغة، لن يضروكم ولكن الأذى ستصبرون عليه والأذى ليس بضرر. فإن قال قائل: هل هذه الآيةُ محكمةٌ عامة إلى يوم القيامة أو هي منسوخة خاصة بما كان قبل النصر؟ . فالجواب: الأول. فإن قال قائل: يرد على دعواكم أن المراد الأول أن اليهود يعملون بنا اليوم ما هو من أشد الأضرار، ومعلوم أن خبر الله تعالى لا يخلف؟ . فالجواب أن نقول: الخطاب للنبي ﷺ وأصحابه، ومن كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه فلن يضره اليهود ولا النصارى، أما من يعتقد أن الدين الإِسلامي دينَ رجعية وتخلف ويُبدله بغيره من القوانين الرجعية الوضعية فهؤلاء لا يكتب لهم النصر، ويضرونهم بالأذى القولي والفعلي والاقتصادي وفي كل شيء، وإلا فإن كلام الله تعالى لا يخلف أبدًا. فقوم يقاتلون قتالًا جاهليًا مبنيًا على القومية المتمزقة وعلى أسس باطلة مضادة لدين الله فهؤلاء لا يستحقون النصر، ولذلك كانت اليهود الآن يفعلون الأفاعيل بنا، من يقدرون على الفعل ببدنه فعلوا، ومن لا يقدرون فإنهم يفعلون به ما يفعلون من المضار الاقتصادية

стр. 659

العالمية. وحينئذٍ تبقى الآية محكمة غير منسوخة باقية إلى يوم القيامة، لكن المشروط يتوقف على الشرط، فانتفاء الضرر موقوف على وجود شرطه وهو أن نطبق سيرة من وعدوا بهذا الوعد وهم الرسول ﷺ وأصحابه. وقوله: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾: يعني لو فُرض وحصل بين المسلمين وبين أهل الكتاب قتال ولَّووا الأدبار ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر: ١٤] ولكن الخطاب لرسول الله ﷺ وأصحابه ومن كان على مثل هدي الرسول ﷺ وأصحابه. ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ﴾ عندنا شرط وجوابه، الشرط المقاتلة، والجواب تولي الأدبار، فهم بمجرد ما يحصل بيننا وبينهم لقاء وقبل أن يصل أول سهم إليهم -والله أعلم- يفرون ويولون الأدبار، وهنا يقول: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ أي: يجعلون الأدبار تليكم وهو كناية عن الانهزام؛ لأن المنهزم يولي ظهره المنهزمَ منه، ولهذا قال عبد الله بن الزبير ﵁ حينما حُوصر في مكة قال منشدًا: ولسنا على الأعقاب تُدمى كلومُنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما الذي تقطر الدماء أقدامه مقبل، والذي تُدمى أعقابه مدبر. وقوله: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ حذفت منها النون لأنها وقعت جواب الشرط. قال: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾: (ثم) للمهلة والتراخي، و (لا ينصرون) فيها النون وهو محل إشكال؛ لأن (ثم) حرف عطف و ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ معطوف عليه، والمعطوف على المجزوم يكون مجزومًا، ولكن نقول: (ثم) هنا

стр. 660

ليست للعطف ولكنها للاستئناف والتقدير: (ثم هم لا ينصرون) ولابد من هذا التقدير؛ لأنها لو كانت عطفًا على قوله: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ لجزمت ولقيل: "ثم لا ينصروا" وحينئذٍ يفسد المعنى؛ لأنه لو كان انتفاء النصر عنهم حين يقاتلوننا لأمكن لقائلٍ أن يقول: إنهم ينتصرون بعد ذلك، ولصار انتفاء النصر مقيدًا بما إذا قاتلونا, ولكن الأمر ليس كذلك، إنهم لا ينصرون أبدًا سواء قاتلونا أم لم يقاتلونا, ولهذا قال: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ فتبين الآن أن "ثم" هنا ليست عاطفة ولكنها استئنافية، والفعل بعدها مرفوع لأنها جملة مبتدأ بها لم تعطف على منصوب ولا مجزوم. وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ النصر هو المنعة والقوة والصرف وما أشبه ذلك. فمعنى "نَصَرْتُهُ" أي: صرفت عنه عدوه، وأيَّدتُهُ وقوَّيتُهُ، هذا معنى النصر، فهؤلاء لا ينصرون أبدًا. ولكن قد يقول قائل: إنه جرت حروب بين المسلمين وبين النصارى، وبين المسلمين وبين اليهود؛ فنُصِر النصارى على المسلمين، واليهود على المسلمين والجملة ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ جملة خبرية، وخبر الله لا يمكن إخلافه فما هو الجواب؟ من العلماء من قال: إن هذا في اليهود وإن اليهود ما انتصروا يومًا من الدهر على المسلمين أبدًا، بل من هزيمة إلى هزيمة، هزموا في المدينة بني قينقاعٍ وبني النضير وبني قريظة، وهزموا في خيبر بني النضير ولم يقم لهم قائمة أمام المسلمين، وبناءً على هذا نقول: إن الآية خاصة باليهود أما النصارى فلم تتعرض لهم الآية. ولكننا نجيب بجواب أصح من هذا فنقول: الخطاب للمسلمين حين كانوا يمثلون الإِسلام بالعقيدة والقول

стр. 661

والفعل، وهم في هذه الحال سينتصرون على اليهود والنصارى والمجوس وسائر الكفار، وحينئذٍ لا يشكل علينا تغلب النصارى الصليبيين على المسلمين، ولا يشكل علينا تسلط اليهود على العرب؛ لأن القتال مع اليهود في راية العروبة قتالُ جاهلية وقتال طائفة لطائفة، لا لدين، بل ربما اعتقد اليهود أنهم يقاتلون للدين، وهم على باطل وأن الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم مكتوبة لهم إلى يوم القيامة: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] ويذكر أنه لما كانت هزيمة عام ١٣٨٧ هـ لما دخلوا سيناء وما استولوا عليه من بلاد العرب صار الواحد من الجنود يأخذ التراب ويقبِّله ثم يسجد عليه. إذن الجواب عندنا على وجهين: الوجه الأول: أن ذلك خاص باليهود، وأن اليهود لم تقم لهم قائمة بعد أن أجلاهم الرسول ﷺ من المدينة، ثم بعد ذلك أُجلوا من خيبر. والقول الثاني: أن المراد اليهود والنصارى ولكن بشرط أن يكون المقابل لهم يقاتل للإسلام لتكون كلمة الله هي العليا. من فوائد الآية الكريمة: ١ - فيه دليل على أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى لن يضروا المسلمين، والواقع شاهد لذلك لما كان المؤمنون على الإيمان حقًا، أمّا لما تفرقوا وتمزقوا واختلفوا في دين الله فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] لم يحصل ولم يتحقق لهم هذا الضمان من الله ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾.

стр. 662

٢ - أنه لو تقابل المسلمون وأهل الكتاب في قتال فالمنتصر هم المسلمون: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ وهذا الخبر صدق مَخبَرُهُ لما كان المؤمنون على الإيمان الحق، ولكن لما اختلفوا وتفرقوا من بعد ما جاءهم البينات رفع الله عنهم هذا الالتزام ولم يلتزم لهم، وكانوا فريسة لأعدائهم من اليهود والنصارى. وكلما بعدنا عن الإِسلام زاد افتراس هؤلاء الأعداء لنا، ووجه ذلك أن المسلمين إذا تخلوا عن الإِسلام بقيت الموازنة بين قوىً مادية وأخرى، ومعلوم أن هؤلاء بالنسبة للقوى المادية سيكونون أقوى منا؛ لأننا إذا أضعنا أمر الله أضعنا القوى المادية، فإن من جملة أمر الله أن يكون لدينا قوة مادية. إذن فكلما أضعنا أمر الله حصل لهم من القوة علينا بقدر ما أضعنا من أمر الله، وكل درجة بدرجة، كلما نزلنا درجة ارتَقَوا درجة، وهذا الآن هو الواقع، تكاد أن تقول: إن السيطرة على البسيطة ليست للمسلمين ولكنها لغيرهم، حتى في بلاد المسلمين ليست السيطرة للمسلمين مع الأسف، لا نقول: إنهم مغلوبون عسكريًا، وقد يكونون غير مغلوبين عسكريا ولكن مغلوبون فكريًا؛ لأن الذين يقودون المسلمين فكريًا هم الكفار من أتباع الهوى والصد عن سبيل الله وفتح أبواب الكفر على اختلاف مسمياتها حتى ضاع المسلمون وصاروا يدبرون من الخارج، وليس من شرط التدبير أن تحتل العساكر بلاد الإِسلام، إذا استعمرت الأفكار بالنسبة للقادة فسد الناس، ولهذا يجب أن نكون منهم على حذر، فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ نقول: إن هذا الخبر صدق مَخْبَرُهُ حين كان المسلمون متمسكين بالإِسلام كان عدوهم مرعوبًا منهم مسيرة شهر "نصرت بالرعب

стр. 663

مسيرة شهر" (١) لأنهم متمسكون بدين الله، منصورون بنصر الله. ٣ - أن أهل الكتاب إذا قاتلونا لا يكتفون بوضع السلاح بل يولون الأدبار ويهربون، لا يمكن أن يقفوا حيال المسلمين، لذلك قال تعالى: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ وهذا أشد ما يكون من الانهزام، عدوك إذا هرب منك وولاك دبره حينئذ تسيطر عليه تمامًا. ٤ - أن هؤلاء لا ينصرون، وهل المراد لا ينصرون علينا أم المراد لا ينصرون نصرًا مطلقًا؟ نقول: لا ينصرون علينا وهو أيضًا مشروط بأن نتمسك بديننا عقيدة وقولا وعملا وإلا فسينصرون علينا بقدر ما أهملنا من ديننا. * * * • ثم قال الله : ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢]: الهاء فيها ثلاث قراءات: الأولى: (عليهِمُ). الثانية: (عليهُمُ). الثالثة: (عليهِمِ). بدل من عليهمُ. فصارت الهاء فيها قراءتان: الضم والكسر، والميم فيها قراءتان: الضم والكسر.

стр. 664

وقوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ لم يبين الضارب ولكنه معلوم وهو الله ، فأبهمه للعلم به كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] مع أن الله هو الذي خلقه، ولكن من طريقة القرآن أن الأشياء غير المرغوبة يعبر الله عنها بصيغة الفعل المبني للمجهول، بخلاف الأشياء المرغوبة فيعبر عنها باسم الفاعل كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] وقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ الذي ضربها هو الله ، وسمَّى ذلك ضربًا كالضرب على النقود الذي يبقى منطبعًا لا يزول بمسح الأيدي، فكأن هذه الذلة مطبوعة عليهم لا يمكن أن تتغير. وهنا يقول: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ الضمير يعود على أهل الكتاب، ولكن هل المراد أهل الكتاب من اليهود والنصارى أم أنه خاص باليهود؟ اختلف في هذا أهل العلم فقال بعضهم: إنه خاص باليهود. وقال بعض العلماء: بل هو عام، والأصل العموم؛ لأن الضمير عليهم يعود على أهل الكتاب المذكورين في قوله: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فنقول: الضمير يعود على أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وإذا قُدِّر أنه صار لهم عز في وقت من الأوقات فإنما ذلك لسبب يقتضيه، فهو خلاف الأصل وإلا فالأصل أن الذلة مضروبة عليهم. وقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ الذلة هنا بمعنى الإهانة، أي: أن الله تعالى أهانهم. وقوله: ﴿الذِّلَّةُ﴾ على وزن (فِعْلَة) وهي تختلف عن الذُّل لأنها تدل على ذِلة معينة مخصوصة، قال ابن مالك:

стр. 665

وفَعْلَة لمرة كجَلسه ... وفِعْلَة لهيئةٍ كجِلْسه فـ"ذِلة" على وزن فِعْلة أي: ذلة مخصوصة كما تقول: جلس فلان جِلْسة الأسد يعني جِلْسَة معروفة، هذه الذِلة ذلة -والعياذ بالله- لا تخرج من قلوبهم؛ لأنه قال: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ فكما أن النقش في السكة المضروبة لا يتحول ولا يزول فكذلك هذه الذلة. ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ أين: ظرف مكان تدل أيضًا على عموم الأمكنة، ويؤكد عمومها "ما" الزائدة، أينما و"ثقفوا" بمعنى وجدوا، يعني في أي مكان وجدوا فإن الذلة مضروبة عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] يعني حيث وجدتموهم، فهؤلاء اليهود والنصارى من بني إسرائيل ضربت عليهم الذلة في أي مكان كانوا من الأرض فهم أذلاء؛ لأن الله ضرب عليهم الذلة. قال تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾. الحبل: هو السبب، وسمي السبب حبلًا لأنه يوصل إلى المقصود كما يوصل الحبل إلى المقصود فيما لو أدلى الإنسان دلوه إلى بئر مثلًا، فإنه يتوصل به إلى المقصود، قال بعض أهل العلم: إن الحبل من الله هو الإِسلام؛ لأن الإِسلام فيه العزة وفيه النصر وفيه الظهور، فهم أذلاء إلا أن يسلموا فيكون المراد بالحبل من الله هو الإِسلام، فإذا أسلموا ارتفعت عنهم الذلة، وقيل: المراد بالحبل من الله الذمة، يعني أن يكونوا من أهل الذمة وذلك أن الإِسلام يحمي أهل الذمة ويدافع عنهم، ولهذا يجب علينا بالنسبة لأهل الذمة حمايتُهم ممن يعتدي عليهم في

стр. 666

مالٍ أو دمٍ أو عرضٍ؛ لأنهم تحت رعايتنا وهم يبذلون لنا الجزية ما لم ينقضوا الذمة، فإن نقضوا الذمة فإنهم يعودون كالحربيين يُقْتَلون لانتقاض عهدهم، فصار المراد بالحبل من الله على قولين: القول الأول: أنه الإِسلام. والقول الثاني: أنه الذمة. وأمّا قوله: ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ فإن ظاهره العموم، يعني بسبب من الناس أي الناس يدافعون عنهم ويرفعون معنوياتهم ويعزِّزونهم، ولكن ما هو الحبل من الناس؟ قيل: إنه العهد والأمان، فالعهد كالذي يجري بين المسلمين وبين الكفار يحصل بينهم عهد أن لا يعتدي أحدٌ على أحد وأن تبقى هدنة كما حصل في غزوة الحديبية، والأمان أن يدخل رجل من المشركين أو من اليهود والنصارى بأمان من أحد من المسلمين يؤمّنه، والفرق بين العهد والأمان: أن الأمان يصح من كل واحد من المسلمين؛ لقول النبي ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" (١)، والعهد لا يكون إلا بين أهل الحل والعقد يعني بين الإِمام أو قائد الجيش أو ما أشبه ذلك. والفرق بين العهد والأمان والذمة أن الذمة تثبت لأهل الذمة حقوقا تجب على المسلمين يدافعون بها عنهم، ولهذا يأخذ المسلمون الجزية منهم عوضًا عن ذلك، فالحبل من الناس هو العهد والأمان، ويحتمل أن الحبل من الناس أعم من ذلك أي بأن يكون المراد به العهد والأمان والنصرة والإعزاز كما حصل

стр. 667

لليهود الآن من النصارى من الأمريكان وغيرهم، فإن اليهود أذلة قد ضرب الله عليهم الذلة والهوان لكن الأمم النصرانية الآن تساعدها وتعززها لا محبة لها ولكن من أجل أنها ضد المسلمين، فيكون المراد بالحبل من الناس هنا ما هو أعم من العهد والأمان، ومعلوم أنه إذا صلح اللفظ للعموم فإن الأولى أن يبقى على عمومه، فيكون المراد بالحبل من الناس أي مساعدة منهم وحماية كالعهد والأمان والنصرة والولاية وما أشبهها. قال: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: (باؤوا): أي رجعوا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] أي سكنوها، فهذه المادّة (الباء، والألف والهمزة) تدل على الرجوع والاستقرار، والمعنى أنهم رجعوا بغضب من الله أي مصطحبين للغضب، والغضب: صفة انفعالية لا فعلية، والفرق بين الانفعالي والفعلي، أن الفعلي يكون باختيار الإنسان وبالجوارح الظاهرة كالبطش مثلًا، والانفعالي يكون بغير اختيار الإنسان وهو من القوى الباطنة؛ فالغضب: صفة انفعالية وليست فعلية، ولهذا تأتي للإنسان بغير اختياره، يستثيره أحد من الناس فيغضب، ويحمر وجهه، وتنتفخ أوداجه، ويقف شعره وربما يقتل مَنْ أمامه، وربما يطلق نساءه، وربما ينتحر أيضًا، نسأل الله العافية. فالغضب إذن صفة انفعالية وهو كما قال النبي ﷺ : "جمرة في قلب ابن آدم" (١) فيفور ويغضب، هذا

стр. 668

بالنسبة لغضب الإنسان الآدمي البشر، أما غضب الله فهو صفة من صفاته التي يجب إثباتها له على الوجه اللائق به جل وعلا، فهو يغضب ويرضى ويسخط ويكره ويحب، وكل هذه الصفات ثابتة لله تعالى على الوجه الذي يليق به، جل وعلا. وقوله: ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: هذه الجملة مما يؤيد القول بأن المراد بقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ اليهود لأنهم هم المغضوب عليهم، و (مِنْ) للابتداء أي بغضب صادر منه، وربما يقول قائل: إنها أعم من أن يكون الغضب صادر من الله، بل بغضب من تقدير الله، وعلى هذا تكون "مِن" للسببية ويكون المراد بالغضب غضب الله وغضب غيره، وهذا هو السر في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] ولم يقل: (غير الذين غضبتَ عليهم) لأن هؤلاء مغضوب عليهم من قِبَل الله ومن قبل أولياء الله. وقوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾: الضارب هو الله تعالى، والمسكنة هي الفقر، فهم أذلاء ليس عندهم شجاعة، فقراء ليس عندهم غنى، ولكن يجب أن نعلم أن الغنى ليس كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس والقلب، فهؤلاء قد ضربت عليهم المسكنة، فهم دائمًا في فقر حتى لو حصّل الإنسان منهم ملايين الملايين فهم في فقر، ولذلك حتى الآن نجد أن اليهود أحرص الناس على المال، وأنهم لا يمكن أن يبذلوا فلسًا إلا وهم يؤملون أن يحصلوا درهمًا، ولا يبذلون درهمًا إلا ويؤملون أن يحصلوا دينارًا، وهذه حالهم ومن ثم

стр. 669

صاروا من أغنى العالم إن لم نقل هم أغنى العالم، لكنهم أغنى العالم بكثرة العرض لا بالقلب والنفس، فهم أشد الناس فقرا. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: (ذلك) المشار إليه ما سبق من ضرب الذلة والغضب والمسكنة، والمشار إليه: مفرد مذكر وإن كان ثلاثة أشياء؛ لأن الإشارة عادت إليها باعتبار أنها مذكورة، فيكون تقدير الإشارة ذلك المذكور ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ (الباء) معناها السببية أي ذلك بسبب أنهم كانوا يكفرون بآيات الله. وكلمة ﴿كَانُوا﴾ تدل على اتصاف اسمها بخبرها، ﴿يَكْفُرُونَ﴾ فعل مضارع يدل على استمرار الكفر منهم وهو كذلك، فإنهم كانوا يكفرون بآيات الله مع ظهورها وبيانها حتى إنهم قالوا لنبيهم ﵊: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. مع أنه قد قال لهم: إن الله إله واحد، فهم يكفرون بآيات الله، ومن جملة كفرهم أنهم كفروا بمحمد ﷺ مع أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ولا أشد معرفةً من معرفة الإنسان لابنه ومع ذلك كفروا به ﵊. وقوله: ﴿يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآيات جمع آية وهي العلامة على الشيء التي إذا وجدت كان الشيء موجودًا لأنها علامته، كما لو قلت مثلًا: علامة طلوع الشمس أن ترى ضوءها على رأس الجبل، فهنا متى رأيت ضوءها على رأس الجبل فهي طالعة. وآيات الله تنقسم عند أهل العلم إلى قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية، وكلها علامات على الله ، أما الآيات الكونية فهي المخلوقات كالشمس والقمر والأرض والنجوم

стр. 670

والجبال والدواب وغيرها، وكل مخلوق لله فهو آية من آياته ، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. أما الآيات الشرعية: فهي ما جاءت به الكتب التي أنزلها الله على الرسل، وإن شئت فقل: ما جاءت به الرسل ليعم الكتب والسنن, ومعنى كون الشيء آية أن غير الله لا يمكن أن يحصل له ذلك أو أن يأتي به لأنه لو أمكن أن يأتي به لم يكن آية. يقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: ٧٣] هذا تحَدٍّ بالآيات الكونية، تحدَّى الله هؤلاء بأصغر آية من آياته الكونية: الذباب ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، وفي الآيات الشرعية يقول الله : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ولهذا صار آية لا يمكن لأحد أن يأتي بمثل القرآن أبدًا لا من جهة صدق الأخبار ونفع القصص وعدالة الأحكام وبلاغة الكلام إلى غير ذلك، ولو لم يكن منه إلا أنك لو تردده صباحا ومساءً ما مللته وغيره من الكلام لو قرأته عدة مرات مللته وتركته، أما القرآن فسبحان الله لا تمل، الفاتحة تقرؤها في اليوم على الأقل سبع عشرة مرة ومع ذلك تقرؤها في الركعة الثانية كأنك لم تقرأها في الركعة الأولى من إشفاقك عليها ومحبتك لها، وهذا لا شك أنه من آيات الله. إذن الآيات الكونية هي المخلوقات، والآيات الشرعية ما جاءت به الرسل. كل الشرائع آيات شرعية، وسميت آية لأنها تُعْجِز الغير، فلا يمكن أن تأتي بمثلها.
следующие страницы →