← Тафсир

Тафсир · id 545

تفسير العثيمين: آل عمران

ابن عثيمين

Полный текст (1 207 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

مالٍ أو دمٍ أو عرضٍ؛ لأنهم تحت رعايتنا وهم يبذلون لنا الجزية ما لم ينقضوا الذمة، فإن نقضوا الذمة فإنهم يعودون كالحربيين يُقْتَلون لانتقاض عهدهم، فصار المراد بالحبل من الله على قولين: القول الأول: أنه الإِسلام. والقول الثاني: أنه الذمة. وأمّا قوله: ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ فإن ظاهره العموم، يعني بسبب من الناس أي الناس يدافعون عنهم ويرفعون معنوياتهم ويعزِّزونهم، ولكن ما هو الحبل من الناس؟ قيل: إنه العهد والأمان، فالعهد كالذي يجري بين المسلمين وبين الكفار يحصل بينهم عهد أن لا يعتدي أحدٌ على أحد وأن تبقى هدنة كما حصل في غزوة الحديبية، والأمان أن يدخل رجل من المشركين أو من اليهود والنصارى بأمان من أحد من المسلمين يؤمّنه، والفرق بين العهد والأمان: أن الأمان يصح من كل واحد من المسلمين؛ لقول النبي ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" (١)، والعهد لا يكون إلا بين أهل الحل والعقد يعني بين الإِمام أو قائد الجيش أو ما أشبه ذلك. والفرق بين العهد والأمان والذمة أن الذمة تثبت لأهل الذمة حقوقا تجب على المسلمين يدافعون بها عنهم، ولهذا يأخذ المسلمون الجزية منهم عوضًا عن ذلك، فالحبل من الناس هو العهد والأمان، ويحتمل أن الحبل من الناس أعم من ذلك أي بأن يكون المراد به العهد والأمان والنصرة والإعزاز كما حصل

стр. 667

لليهود الآن من النصارى من الأمريكان وغيرهم، فإن اليهود أذلة قد ضرب الله عليهم الذلة والهوان لكن الأمم النصرانية الآن تساعدها وتعززها لا محبة لها ولكن من أجل أنها ضد المسلمين، فيكون المراد بالحبل من الناس هنا ما هو أعم من العهد والأمان، ومعلوم أنه إذا صلح اللفظ للعموم فإن الأولى أن يبقى على عمومه، فيكون المراد بالحبل من الناس أي مساعدة منهم وحماية كالعهد والأمان والنصرة والولاية وما أشبهها. قال: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: (باؤوا): أي رجعوا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] أي سكنوها، فهذه المادّة (الباء، والألف والهمزة) تدل على الرجوع والاستقرار، والمعنى أنهم رجعوا بغضب من الله أي مصطحبين للغضب، والغضب: صفة انفعالية لا فعلية، والفرق بين الانفعالي والفعلي، أن الفعلي يكون باختيار الإنسان وبالجوارح الظاهرة كالبطش مثلًا، والانفعالي يكون بغير اختيار الإنسان وهو من القوى الباطنة؛ فالغضب: صفة انفعالية وليست فعلية، ولهذا تأتي للإنسان بغير اختياره، يستثيره أحد من الناس فيغضب، ويحمر وجهه، وتنتفخ أوداجه، ويقف شعره وربما يقتل مَنْ أمامه، وربما يطلق نساءه، وربما ينتحر أيضًا، نسأل الله العافية. فالغضب إذن صفة انفعالية وهو كما قال النبي ﷺ : "جمرة في قلب ابن آدم" (١) فيفور ويغضب، هذا

стр. 668

بالنسبة لغضب الإنسان الآدمي البشر، أما غضب الله فهو صفة من صفاته التي يجب إثباتها له على الوجه اللائق به جل وعلا، فهو يغضب ويرضى ويسخط ويكره ويحب، وكل هذه الصفات ثابتة لله تعالى على الوجه الذي يليق به، جل وعلا. وقوله: ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: هذه الجملة مما يؤيد القول بأن المراد بقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ اليهود لأنهم هم المغضوب عليهم، و (مِنْ) للابتداء أي بغضب صادر منه، وربما يقول قائل: إنها أعم من أن يكون الغضب صادر من الله، بل بغضب من تقدير الله، وعلى هذا تكون "مِن" للسببية ويكون المراد بالغضب غضب الله وغضب غيره، وهذا هو السر في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] ولم يقل: (غير الذين غضبتَ عليهم) لأن هؤلاء مغضوب عليهم من قِبَل الله ومن قبل أولياء الله. وقوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾: الضارب هو الله تعالى، والمسكنة هي الفقر، فهم أذلاء ليس عندهم شجاعة، فقراء ليس عندهم غنى، ولكن يجب أن نعلم أن الغنى ليس كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس والقلب، فهؤلاء قد ضربت عليهم المسكنة، فهم دائمًا في فقر حتى لو حصّل الإنسان منهم ملايين الملايين فهم في فقر، ولذلك حتى الآن نجد أن اليهود أحرص الناس على المال، وأنهم لا يمكن أن يبذلوا فلسًا إلا وهم يؤملون أن يحصلوا درهمًا، ولا يبذلون درهمًا إلا ويؤملون أن يحصلوا دينارًا، وهذه حالهم ومن ثم

стр. 669

صاروا من أغنى العالم إن لم نقل هم أغنى العالم، لكنهم أغنى العالم بكثرة العرض لا بالقلب والنفس، فهم أشد الناس فقرا. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: (ذلك) المشار إليه ما سبق من ضرب الذلة والغضب والمسكنة، والمشار إليه: مفرد مذكر وإن كان ثلاثة أشياء؛ لأن الإشارة عادت إليها باعتبار أنها مذكورة، فيكون تقدير الإشارة ذلك المذكور ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ (الباء) معناها السببية أي ذلك بسبب أنهم كانوا يكفرون بآيات الله. وكلمة ﴿كَانُوا﴾ تدل على اتصاف اسمها بخبرها، ﴿يَكْفُرُونَ﴾ فعل مضارع يدل على استمرار الكفر منهم وهو كذلك، فإنهم كانوا يكفرون بآيات الله مع ظهورها وبيانها حتى إنهم قالوا لنبيهم ﵊: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. مع أنه قد قال لهم: إن الله إله واحد، فهم يكفرون بآيات الله، ومن جملة كفرهم أنهم كفروا بمحمد ﷺ مع أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ولا أشد معرفةً من معرفة الإنسان لابنه ومع ذلك كفروا به ﵊. وقوله: ﴿يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآيات جمع آية وهي العلامة على الشيء التي إذا وجدت كان الشيء موجودًا لأنها علامته، كما لو قلت مثلًا: علامة طلوع الشمس أن ترى ضوءها على رأس الجبل، فهنا متى رأيت ضوءها على رأس الجبل فهي طالعة. وآيات الله تنقسم عند أهل العلم إلى قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية، وكلها علامات على الله ، أما الآيات الكونية فهي المخلوقات كالشمس والقمر والأرض والنجوم

стр. 670

والجبال والدواب وغيرها، وكل مخلوق لله فهو آية من آياته ، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. أما الآيات الشرعية: فهي ما جاءت به الكتب التي أنزلها الله على الرسل، وإن شئت فقل: ما جاءت به الرسل ليعم الكتب والسنن, ومعنى كون الشيء آية أن غير الله لا يمكن أن يحصل له ذلك أو أن يأتي به لأنه لو أمكن أن يأتي به لم يكن آية. يقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: ٧٣] هذا تحَدٍّ بالآيات الكونية، تحدَّى الله هؤلاء بأصغر آية من آياته الكونية: الذباب ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، وفي الآيات الشرعية يقول الله : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ولهذا صار آية لا يمكن لأحد أن يأتي بمثل القرآن أبدًا لا من جهة صدق الأخبار ونفع القصص وعدالة الأحكام وبلاغة الكلام إلى غير ذلك، ولو لم يكن منه إلا أنك لو تردده صباحا ومساءً ما مللته وغيره من الكلام لو قرأته عدة مرات مللته وتركته، أما القرآن فسبحان الله لا تمل، الفاتحة تقرؤها في اليوم على الأقل سبع عشرة مرة ومع ذلك تقرؤها في الركعة الثانية كأنك لم تقرأها في الركعة الأولى من إشفاقك عليها ومحبتك لها، وهذا لا شك أنه من آيات الله. إذن الآيات الكونية هي المخلوقات، والآيات الشرعية ما جاءت به الرسل. كل الشرائع آيات شرعية، وسميت آية لأنها تُعْجِز الغير، فلا يمكن أن تأتي بمثلها.

стр. 671

والآيات الكونية تتعلق بالربوبية، والآيات الشرعية تتعلق بالربوبية والألوهية، ولهذا فهي منهج عبادة للخلق كما أنها من حيث كونها حكمًا تتعلق بالربوبية، فإن لها علاقة وصلة بالربوبية لأنها حكم، والحكم يتعلق بالربوبية؛ لأن الرب هو الخالق المالك المدبر. ﴿يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هذا أيضًا من أفعالهم الشنيعة أنهم يقتلون الأنبياء، وهذا أعلى ما يكون من الجناية على البشر. الضرب، الحبس، الإهانة، الأذى كله دون القتل، فأعلى أنواع الأذية القتل، هؤلاء يقتلون الأنبياء -والعياذ بالله- قتلًا إما ذبحًا بالسكين أو رميًا بالحجر أو بالسهم أو غير ذلك، المهم أنهم يقتلون الأنبياء فأخلّ هؤلاء بالتوحيد والرسالة، بالتوحيد بكفرهم بآيات الله، وبالرسالة بقتلهم الأنبياء. وقوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هذه الصفة ليست قيدًا ولكنها كشف وإيضاح، لو قلنا إنها قيد لزم من ذلك أن ينقسم قتل الأنبياء إلى قسمين: قسم بحق وقسم بغير حق، وهذا لا يكون؛ لأن قتل الأنبياء كله يكون بغير حق. ولو قلنا إنها للإيضاح والكشف صار المعنى يختلف فلا تكون قيدًا بل تكون لبيان الواقع أي أن قتل الأنبياء بغير حق، فيكون المقصود بذلك شدة التوبيخ لهؤلاء، وأنهم يقتلون أشرف الخلق بغير حق، هذه لها نظائر منها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]. ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ صفة للإيضاح والكشف والبيان وليست للقيد. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] فقوله:

стр. 672

﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ليس قيدا ولكنه كشف وبيان لأنك لو جعلته قيدًا لكان دعاء النبي ﷺ للمؤمنين ينقسم إلى قسمين: قسم يراد به الإحياء، وقسم يراد به الإماتة، وهذا غير صحيح، إذن فقوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ بيان وكشف لما يدعو إليه وأنه ﷺ لا يدعو الناس إلا لشيء يحييهم. يقول: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ هذا من باب التوكيد: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾؛ لأن الكفر عصيان لكن كأن الجملة هذه -والله أعلم- تعليل لذلك. فكان الكفر سببًا لضرب الذلة عليهم والمسكنة والغضب لأنه عصيان ومخالفة. ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ تعود إلى قتل الأنبياء. فقتل الأنبياء عدوان، والكفر بالله معصية مع العلم بأنه كله معصية، ولكن هذا للعدوان أقرب، وهذا للمعصية أقرب. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن هؤلاء الذين ينتسبون للكتاب ولاسيما اليهود منهم قد ضربت عليهم الذلة، فهم أذل الناس حتى إنه قيل: إن اليهودي لا يمكن أن يشهر السلاح على من عدا عليه بغير سلاح، يعني لو كان مع اليهودي سلاح وعدا عليه شخص بغير سلاح سقط السلاح من يده من شدة ما ضرب عليه من الذلة. ٢ - أن هؤلاء اليهود قد يكون لهم عزة بحبل من الله أو حبل من الناس. نحن قلنا: إن المراد بالحبل من الله إمّا الإِسلام أو الذمة، إن كان هو الإِسلام فإن الاستثناء منقطع؛ لأنهم إذا أسلموا لم يكونوا من أهل الكتاب بل صاروا من المسلمين، وإن كانت الذمة فالاستثناء متصل.

стр. 673

٣ - أن أهل الكتاب قد ترتفع عنهم الذلة بحبل من الله أو حبل من الناس. ٤ - أن الناس قد ينصر بعضهم بعضًا بالباطل، وهذا عائد إلى قوله: ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ وهذا الواقع المحسوس أن من الناس من ينصر غيره بالباطل؛ لأن الناس ليسوا كلهم أهل عدل بل فيهم أهل الجَوْر وأهل العدوان الذين يساعدون أهل العدوان. ٥ - إثبات الغضب لله تعالى؛ لقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ومنهج أهل السنة والجماعة في مثل هذه الصفة إثباتها لله على الوجه اللائق به، وأن الله يغضب وينتقم، ولكن أهل البدع يقولون: إن الله لا يغضب وحاشاه من الغضب، فقدّموا الرأي على النص قالوا: لأن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، والله منزه عن ذلك، أحدٌ صمد ليس له قلب بمعنى أنه لا يحتاج إلى ذلك لأنه أحد صمد. قال ابن عباس: الصمد الذي ليس له جوف. فعلى هذا يقولون: إن الغضب الذي وصف الله به نفسه ليس بثابت له لأنه منزه عنه، ولهذا لا يكون الغضب إلا في مقام القوة ويقابله الحزن ويكون في مقام الضعف، ولكن أهل السنة والجماعة قالوا: لسنا أعلمَ بالله من نفسه، وقد وصف نفسه بالغضب فنحن نؤمن بأن الله يغضب، وأن جميع الصفات التي أثبتها الله لنفسه بابها واحد، يجب إثباتها بدون تمثيل، ولا يلزم إذا كان غضب المخلوق هو غليان دم القلب لطلب الانتقام أن يكون هذا المعنى هو الذي يوصف الله به، بل نعلم أن بين غضب الخالق والمخلوق فرقًا كما أن بين ذواتهما فرقًا، فالغضب ثابت لله ولكننا لا نعلم كيفيته، كيفيته موكولة إليه ، فإن

стр. 674

قالوا: الغضب لغة: هو غليان دم القلب نقول: هذا غضب المخلوق، أمّا غضب الخالق فيختص به جل وعلا كما أنكم أنتم تثبتون الإرادة لله وتقولون: إن الله مريد مع أن إرادة المخلوق هي ميل القلب إلى ما ينفعه أو يضره، أي لطلب منفعة أو دفع مضرة، فهل الإرادة التي أثبتموها لله تعالى بهذا المعنى؟ سيقولون: (لا) نحن نثبت لله إرادة تليق به وتخالف إرادة المخلوق. نقول: يجب عليكم إذن أن تثبتوا لله غضبا يليق به مخالفًا لغضب المخلوق، فالباب واحد، فإما أن تنفوا ما أثبتم، وإمّا أن تُثبِتُوا ما نفيتم، فإن أثبتوا ما نفوا وافقوا السلف، وإن نفوا ما أثبتوا وافقوا المعتزلة، وهم يرون أنهم في حرب مع السلف وفي حرب مع المعتزلة يحاربون المعتزلة، ولا أدل على ذلك من فعل أبي الحسن الأشعري ﵀ الذي كان معتزليا وبقي على الاعتزال أربعين سنة، ثم هداه الله وأنكر على المعتزلة إنكارا عظيما وبيَّن زيفهم وخطأهم وتبرأ منهم ومن الذين قالوا إننا لا نثبت الغضب لله لأنهم يقولون: إن السلف مجسمة ممثلة إذ يعتقدون أن مَنْ أثبت لله الصفات على وجه الحقيقة فهو مجسم وممثل، ولهذا صاروا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فنحن نقول لهم: كما أثبتم لله إرادة تليق به فأثبتوا له غضبًا يليق به، وإلا فانفوا الجميع لتوافقوا المعتزلة، وهم لا يثبتون الجميع ولا ينفون الجميع كما هو المعروف من مذهبهم، وأعني بذلك الأشعريين. فسّروا غضب الله بالانتقام، فقالوا: الغضب: الانتقام. وهذا تحريف وليس بتأويل؛ لأن الانتقام شيء منفصل عن الله ، يعني هم فسروه بالعذاب، ويدل على بطلانه قوله تعالى

стр. 675

في آل فرعون: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] فلما آسفونا بمعنى أغضبونا، ومن المعلوم أن السبب غير المسبب، وأن فعل الشرط غير جواب الشرط، وهذا أكبر دليل على بطلان تفسيرهم الغضب بأنه الانتقام أو إرادة الانتقام. ٦ - أن الله ضرب على هؤلاء من أهل الكتاب المسكنة، وسبق أن المراد بها مسكنة القلب فقد يكونون كثيري المال لكن لا يزالون في شح وبخل وطلب للمال. ٧ - إثبات العلة أي أن أفعال الله تعالى معللة أي مقرونة بالحكمة، ودليل ذلك قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ وقد نفى الجبرية حكمة الله وتعليل أفعاله، وشبهتهم في هذا أنهم يقولون: إن العلة غرض يريده الفاعل، والله تعالى منزه عن الأغراض، ومن كلماتهم الدارجة يقولون: إن الله منزه عن الأغراض والأعراض والأبعاض، ثلاثة أشياء: الأغراض: يعني الحكمة، ولهذا ينكرون الأسباب كلها، الأسباب الشرعية والكونية. الأعراض: الصفات الفعلية كالمجيء والضحك وما أشبه ذلك. الأبعاض: الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعينين وما أشبه ذلك. ٨ - أن أفعال الله وعقوباته لابد أن يكون لها حكمة؛ لأن هذا الغضب الذي باءوا به وضرب المسكنة والذلة بيَّن الله له حكمة وهي أنهم كانوا يقتلون الأنبياء بغير حق ويكفرون بآيات الله ويعصون الله. ٩ - أن الكفر بآيات الله سبب للعقوبات؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ وقد دلَّ على هذا عدة آيات من القرآن مثل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً

стр. 676

مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. ١٠ - عُتُوّ بني إسرائيل بالكفر وقتل الأنبياء والمعصية والعدوان؛ لقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. ١١ - أن قتل الأنبياء موجب للعقوبة؛ لأن الله ذكر لهذه العقوبة عدة أسباب منها قتل الأنبياء. ١٢ - أن قتل الأنبياء لا يمكن أن يكون بحق، لقوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وقد سبق توجيه ذلك أثناء التفسير. ١٣ - جواز تعدد العلل لمعلول واحد، وهذا متفق عليه وذلك لأن العقوبات التي ذكرت متعددة والسبب واحد لكنه متعدد النوع، ويجوز أيضًا أن تتحد العلة، أي أن تكون واحدة والمعلول متعدد، مثل أن يفعل الإنسان فعلا واحدًا يترتب عليه عدة أشياء. ١٤ - أن بني إسرائيل عندهم عدوان على حق الله وحق الأنبياء وغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. وهذه الأوصاف وما ينتج عنها من العقوبات يجب أن نتخذ منها عبرة، والفائدة المهمة المسلكية أن لا نقرأها على أنها أمر جرى وقصص تاريخية مضت بل يجب أن نقرأها من أجل أن نعتبر، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].

стр. 677

• ثم قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٥]: ﴿لَيْسُوا﴾ الضمير يعود على أهل الكتاب، ﴿سَوَاءً﴾ بمعنى مستوين أي ليسوا متساوين في هذه الأوصاف، بل منهم أمة قائمة يتلون آيات الله إلى آخره، ومنهم أمة فاسقة غير قائمة على أمر الله، ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ أي لا يستوون في المعصية والأحوال والأوصاف. ثم بيَّن ذلك فقال: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. قوله: ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ هم اليهود والنصارى كما مرَّ علينا كثيرًا، وأظهر هنا في موضع الإضمار إما لطول الفصل بين الظاهر الذي ترجع إليه الضمائر، وإما لاستئناف الجملة؛ لأن قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ جملة مستأنفة. ﴿أُمَّةٌ﴾ أي طائفة، ﴿قَائِمَةٌ﴾ أي ثابتة مستقيمة على أمر الله، فالقيام هنا بمعنى: الثبات والاستقامة على أمر الله، وليس المراد به القيام الذي هو ضد القعود؛ لأن المسلم قائم على أمر الله سواء كان جالسًا أو واقفا أو مضطجعًا. قوله: ﴿أُمَّةٌ﴾ مبتدأ، ويجوز الابتداء بالنكرة إذا أفادت، وهي إذا تأخرت فهي مفيدة. لو قلت: في الدار رجلٌ، فهي مفيدة، وإذا قلت: رجلٌ كريم في الدار فهي أيضًا مفيدة، فإذا وُصفَت أو أُخّرت فهي مفيدة.

стр. 678

﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: كلمة ﴿قَائِمَةٌ﴾ صفة و ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الجملة أيضًا صفة أخرى، ويجوز أن تكون حالًا لأن لدينا قاعدة نحوية وهي: أنه إذا وصفت النكرة جاز في الصفة الثانية أن تكون حالًا وأن تكون صفة، هذه القاعدة سواءً كانت الصفة الثانية جملة أم مفردًا، فإذا قلت: جاءني رجُل كريم راكبٌ. صحَّ لأنه وصف، وإذا قلت: جاءني رجل كريم راكبا. صحَّ أيضًا، هنا في الآية الكريمة ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ و"أمة" نكرة، و"قائمة" صفة لها و"يتلون" يجوز أن تكون حالًا فتكون الجملة في موضع نصب على الحال، ويجوز أن تكون صفة. ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ التلاوة تارة يراد بها القراءة، وتارة يراد بها الاتباع، فإن صلح المقام للمعنيين جميعًا حُمل عليهما، وإن اختص بأحدهما اختص به، فإذا قلت: تلا عليَّ آية من القرآن، فالمراد القراءة. وإذا قلت: هذا الرجل يتلو آيات الله إخلاصًا وتعبدًا، فهذا يحتمل القراءة ويحتمل الاتباع، وإذا كان يحتمل المعنيين وهما لا يتنافيان حُمل عليهما. إذن قوله: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ يشمل تلاوة اللفظ وتلاوة العمل بآيات الله. وقوله: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ آناء بمعنى أوقات، ومنه النوء لوقت ظهور النجم أو للنجم، فـ ﴿آنَاءَ﴾ بمعنى أوقات، آناء الليل بمعنى أوقات الليل وساعاته. ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾: هذه الجملة يجوز فيها وجهان: أن تكون استئنافية، وأن تكون حالية من الواو في قوله ﴿يَتْلُونَ﴾ أي يتلون آيات الله

стр. 679

والحال أنهم يسجدون، فوصفهم بتلاوة آيات الله وهي أفضل الذكر، وبالسجود وهو أفضل الحالات؛ لأن السجود أفضل من القيام، وأفضل من الركوع حيث إن الساجد أقرب ما يكون من ربه، لكن تلاوة الآيات أفضل الأذكار فلهذا اختصت بالقيام، فقوله: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ ذكر لأعلى أوصاف القول ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ذكر لأعلى أوصاف الفعل وهو السجود. ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾: الجملة استئنافية لبيان حال هؤلاء، ويجوز أن تكون صفة لقوله: "أمة" وأن تكون حالًا. قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: والإيمان بالله يتناول أربعة أشياء لابد منها: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، فمن أنكر وجود الله فهو لم يؤمن به، ومن آمن بوجوده وأنكر توحيده بالربوبية فإنه لم يؤمن بوجوده، ومن آمن به وبربوبيته ولكنه أنكر انفراده بالألوهية فإنه لم يؤمن به، ومن آمن بذلك كله ولكن أنكر شيئًا من صفاته فإنه لم يؤمن به، فلا إيمان بالله إلا بهذه الأمور الأربعة. أما الإيمان باليوم الآخر فالمراد باليوم الآخر يوم القيامة، وسمّي اليوم الآخر لأنه لا يوم بعده إذ هو منتهى الخلائق، ولا يوجد فيه ليل ولا نهار، كله يوم واحد لا شمس ولا قمر ولا نجوم، كل في مكانه إما في الجنة أو النار، فهو آخر شيء يكون فيه العباد، ومعلوم أن للعباد أربع دور: الدار الأولى في بطون أمهاتهم، والثانية في هذه الدنيا، والثالثة في البرزخ، والرابعة في

стр. 680

اليوم الآخر وهي الأخيرة، ولهذا سمي اليوم الآخر، واليوم الآخر يدخل في الإيمان به كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فسؤال الميت في قبره داخل في الإيمان باليوم الآخر، وعذاب القبر أو نعيمه داخل في الإيمان باليوم الآخر، ووجه ذلك أن كل من مات فقد قامت قيامته، فما يجده في قبره كالذي يجده بعد حشره، كله من أمور الغيب، كله في دار الجزاء، ولهذا قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: ويدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، والإيمان به أن تؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة مما يكون بعد الموت جملة وتفصيلًا. ولكن اعلم أنه يوجد في كتب الوعظ من الأحاديث الضعيفة بل الموضوعة في أحوال القبر والقيامة ما ينبغي للقارئ أن يحترز منها, ولا أحسن من الرجوع إلى الكتب الصحيحة في هذا الباب لئلا نضل الناس؛ لأن بعض الوعاظ يختار مثل هذه الأحاديث من أجل الترغيب أو الترهيب، وفي الحقيقة أن هذا مسلك ليس بجيد؛ لأن كوننا نملأ أدمغة الناس بأحاديث ضعيفة أو موضوعة خطأ حتى لو كان فيها ترغيب وترهيب، وفيما صحَّ عن النبي ﷺ كفاية، والناس سوف يأخذون كل ما ذكر على أنه صحيح، يقولون: ما قيل في المحراب فهو صواب، والواجب على من ألّف في الترغيب والترهيب أن لا يذكر إلا ما كان حجة من صحيح أو حسن، أما الضعيف فلا حاجة لذكره لأننا في غنى عن الضعيف الذي لم يثبت عن النبي ﷺ . بعض الكتب تذكر أنه لا بأس بذكر الحديث الضعيف في

стр. 681

فضائل الأعمال؟ نعم أجاز بعض العلماء ذكر الحديث الضعيف في فضائل الأعمال لكن بشروط ثلاثة: الأول: أن يكون أصل العمل ثابتًا. والثاني: أن لا يكون الضعف شديدًا. والثالث: أن لا يعتقد أن النبي ﷺ قاله. وقوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: سبق ذكره في هذه السورة مرتين، وذكرنا في أول ما مرَّ علينا شروطه وآدابه. وقوله تعالى: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾: أي مع كونهم مؤمنين وكونهم مصلحين هم أيضًا مسارعون في الخيرات، يعني أنهم يتسارعون في الخيرات كما يتسارع الناس في الغنائم، قال: ﴿فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ولم يقُلْ: "إلى الخيرات" مع أن سارَعَ تتعدى "بإلى" كما قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] لأن المراد بذلك مسارعتهم إليها وفيها أثناء القيام بها، فالمراد المسارعة إليها، وإذا وصلوا إليها لم يقفوا عن المسارعة فيها، وهذا هو السبب والعلم عند الله في قوله: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ولم يقل: إليها. وقوله: ﴿فِي الْخَيْرَاتِ﴾ الخيرات جمع خير أو خيرة، وهي كل ما انتفع به العبد أو نفع غيره، فالصلاة خير، وتعليم الناس كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ خير، والدعوة إلى الله خير، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو خير أيضًا، وكل ما يقرب إلى الله تعالى هو خير، والمسارعة فيه هي المسارعة إليه والمسارعة فيه أثناء العمل.

стр. 682

﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ﴿وَأُولَئِكَ﴾، المشار إليه: هذه الأمة القائمة من أهل الكتاب، قال أهل العلم: و"الصالح" من قام بحق الله وحق العباد، وضده الفاسق، والصلاح يدور على شيئين: علم، وعمل، وضده الجهل والكفر والتمرد، فمن كان جاهلًا فإنه ليس بصالح، والمراد ليس بصالح الصلاح الذي يكون في قمة الصلاح وإلا فإن معه من الصلاح بمقدار ما عنده من العلم، ومن لم يكن عاملًا فليس بصالح وعنده من فَقْد الصلاح بقدر ما فَقَدَ من العمل. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾. (ما) شَرْطِيَّة، وجملة ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ جواب الشرط، وفي هذه الآية قراءتان: "وما تفعلوا من خير فلن تُكْفَروه" بالتاء، والثانية "وما يفعلوا من خير فلن يُكْفَروه" بالياء، فعلى القراءة الثانية بالياء لا يكون في الآية التفات لأنها جرت على ضمير الغيبة كما في الآية التي قبلها، وعلى قراءة التاء "ما تفعلوا" يكون فيها التفات من الغيبة إلى الخطاب، وأيضًا يكون الخطاب فيها موجهًا إلى النبي ﷺ وإلى هذه الأمة. وقوله: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ هذه للبيان، بيانية لوقوعها بعد اسم الشرط، واسم الشرط اسم مبهم يحتاج إلى بيان، ولهذا كلما أتتك "من" بعد اسم الشرط فهي بيانية. وقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ سبق آنفًا أن الخير كل ما يقرب إلى الله. وقوله: ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ يعني لن يحرموا ثوابه، والكفر أصله السَّتر ومنه (الكُفُرَّى) وهو غلاف طلع النخل، وهذا الكُفُرى

стр. 683

يستر ولهذا قالوا: إن الكفر أصله الستر؛ لأن الإنسان يستر نعمة الله عليه لا يظهرها عليه، والنعمة تقتضي الشكر، فإذا لم تشكر فهذا هو الكفر. إذن ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ معناه: فلن يحرموا ثوابه لأنهم إذا حرموا ثوابه كان فعلهم لهذا الخير خفيًا (أي ليس له أثر). قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾: فيجازيهم على تقواهم، والتقوى لها فوائد كثيرة، وتخصيص العلم بالمتقين من أجل الحث على التقوى والحذر من مخالفتها وعدم القيام بها وإلا فإن الله عليم بكل شيء. من فوائد الآيات الكريمة: ١ - أن أهل الكتاب ليسوا بسواء، فإن منهم أمة ضالة ومنهم أمة قائمة بأمر الله، وهو صريح في هذه الآية: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. ٢ - بيان عدل الله تعالى وأنه يعطي كل ذي حق حقَّه، فلما ذكر الذم -ذم أهل الكتاب- في الآيات السابقة فقد يتوجه الفهم إلى أن جميع أهل الكتاب على هذا الوصف أنهم يكفرون بآيات الله، ويقتلون الأنبياء بغير حق، ويعصون الله ويعتدون على حقِّه وحقِّ عباده، فقال: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ أي منهم من ليس كذلك. ٣ - أن من أهل الكتاب أمة، والأمة تقتضي الجمع والعدد الكثير بهذا الوصف المحمود المطلوب، وقد ذكروا أنه أسلم من اليهود نحو عشرين رجلًا، ومن النصارى عدد كثير أيضًا، ولذلك عبّر بقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالأمة هنا أمة الإِسلام؛ ولكن هذا بعيدٌ جدًا؛ لأن ﴿أُمَّةٌ﴾

стр. 684

مبتدأ وخبرها ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ولم يعبر الله عن هذه الأمة بأهل الكتاب بل قال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] كما أنه لم يعبر عن أهل الكتاب بالمؤمنين، فكل آية فيها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهي للمؤمنين بمحمد ﷺ ، وكل آية فيها ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ فالمراد بهم بنو إسرائيل الذين أرسل إليهم موسى وعيسى. ٤ - الثناء على القيام بطاعة الله والثبات عليها، تؤخذ هذه الفائدة من قوله: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ هذا وجه الثناء عليهم. ٥ - الثناء على من يتلون كتاب الله قراءة وعملًا، تؤخذ من قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ ثم ذكر الفرق. ٦ - فضيلة السجود، تؤخذ من الآية ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. ٧ - الثناء على من آمن بالله واليوم الآخر، يؤخذ من ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. لكن هل إذا أثنى الله على شخص بصفة يكون مذمومًا إذا لم يتصف بها، ينتفي عنه الحمد وقد يستحق الذم وقد لا يستحق؟ لا شك أنه إذا انتفى الإيمان باليوم الآخر هو مذموم لأنه كافر، لكن في غير هذا لو أثنينا على شخص بأنه يصلي صلاة الضحى هل معنى ذلك أنه لو لم يصل فهو مذموم؟ لا، إذن نأخذ قاعدة: لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه، فلو أن رجلًا صلى ولم يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام هل نقول إن هذا مكروه؟ لا. وهذه قاعدة مفيدة، لا يلزم من ترك المسنون أن يقع الإنسان في مكروه ولكنه ينقص أجره لا شك، لكن لا يذم ولا يقال إنه وقع في مكروه أو أمر منهي عنه.

стр. 685

٨ - الثناء على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتؤخذ من الآية ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ لو قال قائل: لماذا ذكر الله الإيمان بالله واليوم الآخر بين ذكر تلاوة الآيات وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ بدأ بتلاوة آيات الله والسجود، وثنَّى بالإيمان بالله واليوم الآخر، وثلَّث بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فلماذا جعل الإيمان وهو الأصل بين تلاوة الكتاب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ الجواب: أن تلاوة الآيات تُذكِّر باليوم الآخر وتثبت الإيمان به، أي أنه لا يمكن الإيمان بالشيء إلا بعد العلم به، فهم إذا تلوا آيات الله علموا باليوم الآخر ثم آمنوا به، يعني أنه غاية. ٩ - الثناء على المسارعة في الخيرات من قوله: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ فإن قال قائل: كيف يجمع بين هذه الآية التي فيها الثناء على المسارعة في الخير وبين قول النبي ﷺ : "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا" (١)؟ الجواب أن نقول: إن المسارعة في الخيرات هي المسارعة في موافقة الشرع. ١٠ - الثناء على هؤلاء بالصلاح؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ إذن فينبغي لنا أن نلتزم أو أن نقوم بهذه الأعمال التي مدح الله بها هؤلاء القوم من أهل الكتاب وأثنى عليهم بها.

стр. 686

فإذا قال قائل: هل الصلاح أمر كسبي أو أمر فطري؟ إذا قلت: إنه أمر فطري فكيف يكون الإنسان نفسه ليكون صالحًا؟ وإذا قلت أمر كسبي فهذا أمر ممكن. فالجواب: أن الأصل أنه فطري ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] لكنه في النهاية والغاية يكون كسبيًا، ولهذا قال النبي عليه أفضل الصلاة والسلام: "فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" (١). وللصلاح أسباب: منها ما ذكر الله في كتابه مثل: تلاوة آيات الله، وكثرة الصلاة، والإيمان بالله واليوم الآخر، وتحقيقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولهذا يشكو كثير من الناس اليوم أنه قد يجد في قلبه شيئًا من الفساد فكيف يصلحه؟ فنقول: أصلحه بما ذكر الله من هذه الأحوال لأهل الكتاب، فإن هذا من أسباب الصلاح، ولذلك قال: ﴿وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، صحبة الأخيار من أسباب الصلاح. فهل في الآية ما يدل عليها؟ الجواب: نعم؛ لأنهم إذا كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا يمكن أن يصحبوا أحدًا من أهل المنكر والشر، فيكون في الآية الكريمة إشارة إلى صحبة الأخيار، ولا شك أن صحبة الأخيار من أسباب الصلاح؛ ولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنّه مثّل الجليس الصالح بحامل المسك (٢)، ويروى عنه ﷺ أنه قال:

стр. 687

"المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل" (١). وأخذ الشاعر هذا المعنى وقال: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي ١١ - التحذير من طاعة أهل الكتاب، تؤخذ من ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٠] أخبرنا الله تعالى بذلك من أجل أن نحذر منهم، وأن لا نطيعهم؛ لأنهم يحرصون غاية الحرص على أن يردونا بعد إيماننا كافرين. ١٢ - أنه من فعل خيرًا أثيب عليه؛ لأن المراد بالنفي هنا تمام الإثبات، أي أنهم يُعطون أجرهم كاملًا بلا نقص. ١٣ - كمال عدل الله لكون العامل إذا عمل عملًا أثيب عليه، ولو حوسب على ما أعطاه الله من النعم لهلك, لكن يثاب وتكون نعم الله عليه مجرد فضل من الله. ١٤ - إثبات علم الله تعالى؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾. ١٥ - الثناء على أهل التقوى، والتقوى ذكرت في القرآن الكريم على وجوه متنوعة ومتعددة أمرًا وثناءً على أهلها وبيانًا لثمراتها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩]. ١٦ - ثبوت الثواب على عمل الخير قليلًا كان أم كثيرًا؛ لقوله: ﴿مِنْ خَيْر﴾ وهي في سياق الشرط فتكون عامة.

стр. 688

• قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٦ - ١١٧]: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يشمل كل من كفر بالله من يهودي أو نصراني أو شيوعي أو دهري أو مسلما ارتد، المهم أن كل من كفر بالله فهذا حكمه، والكفر ذكر أهل العلم أنه قسمان: كفر مخرج عن الملة، وكفر غير مخرج عن الملة. وعليه يتنزل قول ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] قال: كفر دون كفر، ومن أمثلة هذا النوع أعني الكفر الذي لا يخرج عن الملة قول النبي ﷺ : "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" (١)، فإن قتال المسلم ليس بكفر أي ليس بكفر مخرج عن الملة ولكنه كفر دون كفر؛ لأنه لا أحد يقدم على قتل المسلم إلا الكافر، فإذا قدم المسلم على قتل أخيه المسلم فقد أتى بخصلة من خصال الكفر، والدليل على أن قتال المسلم ليس بكفر مخرج عن الملة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]. ثم قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] ومن ذلك قوله ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت" (٢) ولها

стр. 689

أمثلة. المهم أن هذا كفر أصغر لا يخرج من الإِسلام. أما الكفر الأكبر فهو الكفر الذي يخرج من الإِسلام مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] وهنا يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الظاهر -والله أعلم- أن المراد به الكفر الأكبر؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لأن أصحاب النار لن يكونوا إلا الكفار كفرًا أكبر؛ لأن صاحب الشيء هو الملازم له، ومن كفر كفرًا أصغر فإنه لن يلازم النار بل لابد له من الخروج منها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي لن تدفع عنهم شيئًا من عذاب الله إذا أراد الله بهم سوءًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١١] وحينئذ نقول: إن قوله: ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ أي لن تمنع ولن تدفع، فهي عاجزة عن منع ما أراد الله وعن رفعه. وقوله: ﴿أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ذكر الأموال لأن الأموال يفتدي بها الإنسان نفسه في مواطن الحرج، لو أن أحدًا أمسك شخصا وأراد أن يحبسه أو أن يقتله أو يعتدي على عرضه وقال له: دعني أنا أعطيك ما شئت من المال أو خُذ ما شئت من مالي، حينئذ أغنى عنه المال. والأولاد كيف يغنون عن الإنسان شيئًا؟ لأن الأولاد يدافعون عن آبائهم وأمهاتهم، وهم -أي الأولاد- أشد الناس حماسا في الدفاع عن آبائهم وأمهاتهم، فالإنسان لا يمكن أن يدع عدوه يبطش بأبيه أو أمه أبدًا وهو على قيد الحياة، فلهذا قال: ﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ لأن الأولاد هم الذين يدافعون عن آبائهم وأمهاتهم. ﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، شيئًا: نكرة في

стр. 690

سياق النفي ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾، قال الأصوليون: والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، أي شيء كان سواءً كان هذا الشيء شديدًا أم كان ضعيفًا. قوله: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ففي الدنيا لا يغني عنهم مالهم ولا أولادهم، وفي الآخرة كذلك هم أصحاب النار هم فيها خالدون، والنار معروفة هي ذلك الجسم الحار، ولكن حرارة النار في الآخرة ليست كحرارة النار في الدنيا حيث فُضّلت على حرارة النار في الدنيا بتسعة وستين جزءًا -نسأل الله السلامة- إذن فإن قدرت الآن أعظم ما في الدنيا من النيران في الحرارة فإن نار جهنم أشد منها، تزيد عليها بتسعة وستين جزءًا، فإذا أخذنا الأصل والزيادة صارت سبعين عن حرارة الدنيا. وقوله: ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي أهلها الملازمون لها. ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي ماكثون. ثم قال الله في بيان أن أموالهم لا تغني عنهم شيئًا ولا تنفعهم ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾: هذا تشبيه تمثيلي؛ لأن التشبيه يقولون إنه نوعان: تشبيه إفرادي مثل أن نقول: فلان كالبحر، فلان كالأسد. وتشبيه تمثيلي بمعنى أن تشبّه الهيئة بالهيئة، يكون المشبه شيئًا مؤلفًا من عدة أمور، والمشبه به كذلك يكون شيئًا مؤلفًا من عدة أمور، فيسمَّى عند البلاغيين تشبيهًا تمثيليًا، والأول تشبيهًا إفراديًا ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الصورة الآن: ريح شديدة

стр. 691

فيها برودة عظيمة ولها صرير من شدتها أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم، فالتشبيه مركب الآن من ريح شديدة باردة أصابت حرث قوم يعني مصيبٌ ومُصاب، أي زرعهم، ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم﴾ أي استحقوا أن يعذبهم الله بهذه الريح فأهلكته، فإذا هبت الريح العاصفة الباردة القوية انتقاما من بني آدم فإنها سوف تهلك هذا الحرث، ووجه الشبه ظاهر؛ لأنهم سُلطوا على أموالهم تسليطًا عظيمًا لكن لم ينتفعوا بهذا التسليط وعادت هباءً كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] هذه حال الكفار إذا أنفقوا أموالهم لن ينتفعوا بها إطلاقًا، كمثل ريح فيها صِرٌّ أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته، ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾ أي أنها مشتملة على الصرِّ، وفسرنا الصرَّ بأمرين: البرودة وشدة الصوت، لها صرير من شدتها وباردة، هذه لا تبقي على الزرع ولا تذر، فأهلكتهم. قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾: يعني ما ظلمهم الله حين سلطهم على إهلاك أموالهم بدون أن ينتفعوا بها؛ لأن الله تعالى لا يظلم الناس شيئًا. ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: هم الذين يظلمون أنفسهم بكفرهم بآيات الله، ولا أحد أجبرهم على هذا الكفر، وإذا فعل الإنسان الشيء من نفسه فلا يلومن إلا نفسه. وقوله: ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: يظلمون أنفسهم هذه مفعول مقدم، وعلامة ذلك أنه لو كان

стр. 692

في غير القرآن وحولت الجملة بالتقديم والتأخير فقلت: ولكن يظلمون أنفسهم لاستقام الكلام. إذن فأنفس هذه مفعول به مقدم، وفائدة التقديم الحصر، يعني أنهم ما ظلموا الله ، والله أيضًا ما ظلمهم ولكنهم ظلموا أنفسهم، أما كونهم ما ظلموا الله لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، وأما كونهم لم يُظلموا فلأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ فالله تعالى لم يظلمهم وهم لم يظلموا الله، لم ينقصوه شيئًا وإنما نقصوا أنفسهم ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. من فوائد الآيتين الكريمتين: ١ - بيان أن الكفار مهما بلغوا في القوة عددًا ومددًا فان قوتهم لن تغنيهم من الله شيئًا، عددًا لقوله: "أولاد" ومددًا لقوله: "أموال"، مهما كثرت قوتهم عددًا ومددًا فإنها لن تغني عنهم من الله شيئًا. ٢ - تمام قدرة الله وسلطته على العباد حيث إن الكفار العتاة لا يستطيعون أن يدفعوا شيئًا بأموالهم وأولادهم مما قضاه الله ، فان قال قائل: مفهوم الآية أن المؤمنين تغني عنهم أموالهم وأولادهم من الله شيئًا، قلنا: هذا غير مراد؛ لأن الآية سيقت في الرد على الكفار الذين يفتخرون بأموالهم وأولادهم، فبيَّن الله أن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم من الله شيئًا، أما المؤمنون فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩] ولا أحد ينفعه ماله وولده إلا أن يكون عونًا له على طاعة الله.

стр. 693

٣ - أن الكفار في النار؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. ٤ - أنهم مخلدون فيها؛ لقوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ والجملة اسمية تدل على الدوام والثبوت، فإن قال قائل: هل هذا الخلود أبدي أم له غاية؟ فالجواب: أنه أبدي وليس له غاية، ودليل ذلك في كتاب الله في ثلاث آيات منه في النساء والأحزاب والجن، ففي النساء يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩] وفي سورة الأحزاب يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥] وفي سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] وليس بعد هذه الآيات قول يُقال، بل لو قاله قائل فقوله مردود عليه؛ لأن هذا أمر غيبي لا يُعلم إلا من قبل الشرع والوحي، والوحي كما ترون نزل بأنهم خالدون فيها أبدًا، وإذا جاء النص فلا قياس، فمن ادَّعى أنهم يخلدون فيها إلى أمد فإنه لولا تأويله لكان أمره خطيرًا جدًا، لكنه تأوّل واشتبهت عليه بعض الآيات وقال بعدم التخليد الأبدي وإلا لكان أمره خطيرًا جدًا؛ لأن ظاهر هذا القول تكذيب القرآن، والأمر خطير جدًا، ولكنه صدر من أناس نعلم نصحهم لكتاب الله ولسنة نبيه ولأئمة المسلمين وعامتهم على وجه تأولوا فيه، والله يغفر لهم تأويلهم، لكن بالنسبة للعقيدة التي بين الإنسان وبين ربِّه إذا تبين له خطأ عالم من العلماء وجب عليه مخالفته، أمّا بالنسبة للعالم فنرجو له

стр. 694

المغفرة والرحمة إذا علم بالنصح للأمة لأنه غير معصوم، والعصمة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . ٥ - إثبات القياس؛ لقوله: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ﴾ ووجه ذلك: أن المثل إلحاق للأصل بالفرع، إلحاق للمشبه بالمشبه به، وهذا هو أصل القياس، إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة، فكل مثال ضربه الله في القرآن ففيه دليل على القياس إذ إنه إلحاق المشبه بالمشبه به، وعليه يكون في هذه الآية إثبات القياس. ٦ - حسن أو تمام بلاغة القرآن، وذلك بقياس الغائب على الشاهد، ووجهه أن الريح التي فيها صِرٌّ وأصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم كل يعرف أنها مدمرة ومهلكة، فكذلك أعمال الكافرين هالكة لا خير فيها؛ لأن الكفر مدمر لها، ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤]. ٧ - أن الكافر لن ينتفع بما عمل في الآخرة، ووجهه أنه إذا هلك ما عمله وزال فإنه لن ينفعه لكن قد ينفعه في الدنيا، فيدفع الله عنه به من البلاء ما يدفع، أو يحصل من الخير الذي يرجوه ما يحصل بسبب الإنفاق الذي أنفقه من ماله. ٨ - انتفاء الظلم عن الله؛ لقوله: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ وهل هو محال لذاته أو لغيره؟ قيل: إنه محال لذاته، وذلك لأن الخلق كلهم عبيد الله ومهما فعل السيد بعبيده فليس بظالم، وعلى هذا فإن الظلم في حق الله مستحيل لذاته، وهذا القول يتضمن أن الله غير قادر على الظلم؛ لأنه مستحيل لذاته عندهم. والقول الثاني: أن الظلم

стр. 695

بالنسبة لله مستحيل لغيره، يعني لو شاء الله أن يظلم لظلم، ولكنه مستحيل لغيره. والغير كمال عدل الله، وهو الذي منع أن يقع الظلم من الله ، ولهذا نقول: لو شاء الله لظلم العباد فأهدر أعمالهم الصالحة، وأضاف إليهم أعمالًا سيئة لم يعملوها, لكن لكمال عدله لا يمكن أن يقع منه ذلك . وأيهما أدل على الكمال؟ الجواب: أن يكون الظلم بالنسبة لله مستحيلًا لغيره؛ لأنه لو كان محالًا لذاته لم يكن فيه مدح لله ، فالمدح أن يكون قادرًا عليه ولكنه تركه لكمال عدله. وأضرب لكم مثالًا يبيِّن الأمر: لو أن رجلًا عنينًا -أي لا يقدر على الجماع- دعته امرأة إلى نفسها فقال: ما لي رغبة، فهل نمدحه؟ لا، لا نمدحه لأنه غير قادر على ذلك، لكن لو كان رجلًا شابا وعنده قدرة، ودعته امرأة لنفسها فقال: إني أخاف الله ولو شاء لأجابها وفعل، فإنه يمدح لأنه قادر، فلو قلنا: إن الظلم بالنسبة لله مستحيل لذاته، وأنه لا يمكن أن يقع منه، صار عدم ظلمه ليس فيه مدح، وصار تمدّح الله به لا فائدة منه، إذن فالله تعالى نفى عن نفسه الظلم لكمال عدله، فلعدله لا يمكن أن يقع منه الظلم. فإن قيل: نفي السِّنة والنوم هل هي مثل نفي الظلم؟ السِّنة والنوم ليست فعلًا بل هي حال وانفعال يطرأ على النائم والناعس، فقد يقال: إنها محال لغيره ولو شاء لنام وأخذته السنة، وقد يقال: محال لذاته؛ لأن في ذلك نفي لكماله، ولأن هذا ليس فعلًا بل هو انفعال، فبينه وبين نفي الظلم فرق.

стр. 696

٩ - إثبات أن الله تعالى موصوف بالنفي كما هو موصوف بالإثبات. وصف الله بالإثبات كثير في القرآن، ووصفه بالنفي أقل لكنه موجود، هذا النفي الذي وصف الله به نفسه هل هو نفي محض مجرد؟ لا، بل هو نفي متضمن لثبوت، وهو كمال ضد ذلك الشيء، فإذا قال الله عن نفسه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] قلنا: لكمال عدله. وإذا قال: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] قلنا: لكمال مراقبته. وإذا قال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] قلنا: لكمال قوته وقدرته، وهلمَّ جرا، لا يمكن أَن يوجد في صفات الله نفي محض بل هو نفي متضمن لثبوت ضده على وجه الكمال، يقول العلماء ﵏: ولابد من هذا التقدير إثبات كمال الضد؛ لأن مجرد النفي إن كان لعدم القابلية فلا مدح فيه، وإن كان للعجز المنفي فهو نقص. إن كان لعدم القابلية فلا مدح فيه، مثلًا لو قلنا: الجدار لا يظلم، الجدار لا يغدر بالوعد، هذا لغو، كل الناس يعرفون هذا، فما مثلك إلا مثل الذي قال: السماء فوقنا والأرض تحتنا، أو قال: كأننا حول المدرس طلبة يدرسون، فما الفائدة من هذا؟ فإذا كان غير قابل لهذا المنفي عنه فإن وصفَه به لغو لا فائدة منه، وإن كان هذا النفي لعجزه عن تحقيقه صار نقصًا، لو قلنا: إن الله لا يظلم لأنه لا يستطيع أن يظلم، لا شك أنه نقص، إذن فالقاعدة فيما وصف الله به من النفي أنه ليس نفيًا محضًا بل هو متضمن لإثبات الكمال، الكمال ضد ذلك المنفي. ١٠ - أن نفس الإنسان عنده أمانة يلحقها ظلمُه وغشمُه، ويلحقها بره وإحسانه، فيجب أن يرعى هذه الأمانة حقَّها، وإذا

стр. 697

كان يجب على الإنسان أن يرعى الأمانة في ولده وأهله ففي نفسه من باب أولى، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] هذه وصية منه تعالى لنا بأنفسنا وقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فأوصانا الله بأولادنا وصية منه لنا بأولادنا، والولد بضعة من أبيه. * * * • قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨ - ١٢٢]: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾: الخطاب بمثل هذا: أولًا: تصديره بالنداء يدل على أهميته والتنبه له. ثانيًا: توجيهه إلى المؤمنين له ثلاث فوائد: الأولى: الإغراء على الامتثال كأنه يقول: إن كنت مؤمنًا فافعل كذا وكذا، إن كنت مؤمنًا فلا تفعل كذا وكذا، إن كنت مؤمنًا فصدق بالخبر، ففيه توجيه للمؤمنين وإغراء بالامتثال.

стр. 698

الثانية: أن امتثاله من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يخاطب الشخص بوصف ثم يوجه إليه حكم متعلق بهذا الوصف إلا كان ذلك دليلًا على أن امتثال هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يصح أن توجه لفاسق كلمة تتعلق بالمؤمن. الثالثة: أن الإخلال به نقص في الإيمان، إذا وجّه الله الخطاب للمؤمنين فهذا دليل على أن الإخلال به نقص في الإيمان، ثم إنه لابد أن يكون هناك فائدة عظيمة إذا وجه الله الخطاب للمؤمنين كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك يعني استمع إليها، فإما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه (١). يقول: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ هذا نهي ﴿لَا﴾ ناهية ولهذا جزمت الفعل فقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾ والمراد (بالبطانة) القوم المقربون إلى الشخص، مأخوذ من بطانة الثوب؛ لأنها أقرب إلى البدن من ظهارته، فالثوب له بطانة وله ظهارة، البطانة أقرب، فالمعنى: لا تتخذوا قومًا مقربين إليكم تفضون إليهم بالأسرار وتخبرونهم بالأحوال وبما تريدون أن تقوموا به. وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي من غيركم كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس: ٧٤] أي من غيره. المراد بذلك كل من يغايرك في أمر من الأمور، وهذا يختلف، قد يكون في الدين مثلًا، وقد يكون في الدنيا، فإذا كان الأمر يتعلق بالدين فحينئذٍ لا نتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، لا نتخذ

стр. 699

المنافقين أولياء من دون المؤمنين لأنهم غيرنا، إذا كان يتعلق بتجارة فلا نتخذ أحدًا بطانة يخدعنا في تجارتنا لأنه مغاير لنا في هذا الاتجاه، وهذه في الحقيقة قاعدة موجهة لكل مؤمن، وهي صالحة حتى للكفار مثلًا: لا يتخذ بطانة من دونه أي من غيره ممن يضره اتخاذه بطانة. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾: هذه أربع جمل ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ هذه واحدة ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾ هذه الثانية ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ هذه الثالثة ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ هذه الرابعة. هذه الجمل هل هي أوصاف لبطانة يعني بطانة متصفة بهذه الصفات، أو هي جُمل تعليلية للبطانة أي لا تتخذوا بطانة من دونكم فإنهم لا يألونكم خبالًا ويودون ما عنتم ... إلخ؟ ، في هذا احتمالان: يحتمل أن هذه الجمل أوصاف، ويحتمل أنها جمل استئنافية معللة، لبيان التعليل أي لا تتخذوا بطانة من دونكم لأنهم لا يألونكم خبالًا ويودون ما عَنتُم ... إلى آخره، وعلى القول الأول يكون معنى الآية: لا تتخذوا بطانة من دونكم على هذا الوصف أي بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا وودّوا ما عنتم ... إلى آخره. فإن قلنا بأن هذه الجمل أوصاف فإن قوله ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ يعتبر وصفًا خامسًا؛ لأن (من دونكم) الجار والمجرور صفة لبطانة، وعليه فيكون نهى الله أن نتخذ بطانة من اتصفوا بهذه الصفات الخمس: أنهم من دوننا، أنهم لا يألوننا خبالًا، يودون ما عنتنا، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر.

стр. 700

قوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ "الأُلِيُّ": بمعنى بذل الجهد، أي: لا يألون جهدًا في خبالكم يعني أنهم يبذلون كل جهد في خبالكم، والخبال هو الفساد في الرأي والعقل، ولهذا يقول الناس لرجل فاسد عقله ورأيه: إنه خِبْل، فمعنى لا يألونكم خبالًا أي لا يألون جهدًا في خبالكم يبذلون كل جهد لفساد أموركم؛ لأنهم قوم ليسوا منكم وهم بعيدون عنكم، بطانة من دونكم. وقوله: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾ الود: خالص المحبة أي أنهم يحبون بكل قلوبهم ﴿مَاعَنِتُّمْ﴾ أي الذي شقَّ عليكم، ويحتمل أن تكون (ما) مصدرية، أي: ودُّوا عنتكم، والعنت المشقة والشدة كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] أي ألحق بكم المشقة، وقال تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] أي ما شقَّ عليكم، فالمعنى أن هؤلاء البطانة لا يألون جهدًا في إفساد أمورنا، ويودون بكل قلوبهم العنت علينا والإشقاق والإتعاب، العنت الفكري والبدني والمالي، وكل شيء يمكن أن يلحقنا فيه مشقة فهؤلاء يودونه. الوصف الثالث: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ بدت: أي ظهرت و ﴿مِنْ﴾ لبيان محل البدو، فهي ابتدائية يعني ظهرت من أفواههم كأنما يريدون أن يكتموا هذه العداوة والبغضاء ولكنها تبدو لابد أن تفهم من أقوالهم وإن كانوا لا يريدون هذا، ولهذا لم يقل: قد أبدوا البغضاء من أفواههم بل قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ﴾ وهو دليل أنها جاءت فلتة من أفواههم وإلا فهم يتكتمون في البغضاء من أجل أن يتوصلوا إلى مآربهم في اتخاذهم بطانة، لكن لابد أن تبدو البغضاء من أفواههم. ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾، أي أكبر مما يَبدو من

стр. 701

أفواههم، أي عندهم من البغضاء في القلوب أكثر بكثير مما تبديه الألسن، هؤلاء القوم المتصفون بهذه الصفات نهانا الله أن نتخذهم بطانة، والنهي عن اتخاذهم بطانة يستلزم إبعادهم والحذر منهم وأن لا نركن إليهم. وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: أي أظهرناها حتى صارت بينة مثل فلق الصبح، والآيات العلامات، وهل المراد العلامات التي وصف بها هؤلاء أو هي أعم فتشمل جميع ما بيَّنه الله لنا؟ الأَوْلَى أن نجعلها عامة، نقول: بيَّن الله لنا العلامات الدالة على الحق وعلى الباطل في هذه المسألة وفي غيرها، وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ يدل على أن الله تعالى له عناية خاصة في المؤمنين يبين لهم الآيات التي قد تخفى عليهم، بل هي خافية عليهم. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: يعني أنه لا يظهر بياننا للآيات إلا لمن كان له عقل يعقل به نفسه وهواه، أما غير العاقل فإنه لا ينتفع ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧] ويحتمل أن الشرط ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عائد على قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ والمعنى على هذا التقدير: إن كنتم تعقلون فلا تتخذوا بطانة من دونكم، أما على الأول فيكون التقدير: إن كنتم تعقلون فقد بيَّنا لكم الآيات فاعقلوها، ومرَّ علينا أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا يتنافيان فالأولى أن تحمل عليهما فيكون من العقل أن لا نتخذهم بطانة، ومن العقل أن نتبين ما بيَّنه الله لنا من الآيات.

стр. 702

وقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾: في قوله: ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ قراءتان: المد ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ أو القصر (هأنتم) وكلاهما قراءتان سبعيتان ينبغي للقارئ أن يقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، يعني بهذه أحيانًا وبهذه أحيانًا إلَّا أمام العامة، فأمام العامة لا ينبغي أن تقرأها إلا بقراءة المصحف الذي بين أيديهم، لأنك لو قرأت بغير قراءة المصحف الذي بين أيديهم اتهموك بالخطأ أو شككوا في القرآن. وربما -إن كانوا عامة دهماء- يضربونك يقولون: أنت غيَّرت كتاب الله؛ لأن العامة الدهماء لا يميزون. و(ها): قيل: إنها منقولة عن مكانها، وأن الأصل (أنتم هؤلاء) وقيل: بل هي للتنبيه وأنها في مكانها، ولأن التنبيه ينبغي أن يكون في أول الكلمات، فهي في مكانها. وقوله: ﴿أُولَاءِ﴾ منادى وأصله (يا هؤلاء) ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ أي تحبون هذه البطانة الذين لا يألونكم خبالًا، والذين ودُّوا ما عنتم، والذين قد بدت البغضاء من أفواههم، والذين ما تخفيه صدورهم أكبر، تحبونهم وذلك لأن المؤمنين يغلب عليهم سلامة القلب وطهارته وعدم ظن السوء في غيرهم، وكان هؤلاء يتوددون إليهم ويدّعون أنهم يصلونهم فيحبهم المؤمنون بناء على تغريرهم بهم. ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ يعني: وهم لا يحبونكم مع أنكم تحبونهم وكيف يحبوننا وقد بدت البغضاء من أفواههم؟ وقوله: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ هذا معلوم لنا لكن ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ هذا غير معلوم، ولكن الله أعطانا له قرائن وهي ما تبديه أفواههم، فإذا كانوا لا يحبونكم فكيف تحبونهم؟ الإنسان العاقل الحازم هو الذي يعامل من كانت هذه صفته بمثل ما كان عليه.

стр. 703

وقوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾: الكتاب هنا اسم جنس يشمل جميع الكتب، تؤمنون بالكتاب القرآن، بالكتاب التوراة، بالكتاب الإنجيل، بالكتاب الزبور، بالكتاب صحف إبراهيم، تؤمنون بهذا كله وهم لا يؤمنون بذلك، مَنْ هؤلاء؟ يصدق هذا على اليهود والنصارى والمنافقين كلهم بهذا الوصف، لكن اليهود يدَّعون أنهم مؤمنون بالتوراة، والنصارى يدَّعون أنهم مؤمنون بالإنجيل، والمنافقون لا يؤمنون بشيء. ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ نفاقًا ومداهنة ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] ولهذا قال: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ أي وحدهم أو إلى شياطينهم. ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾: أي من شدة الغيظ، لكن من شدة الغيظ لما يرون من نعمة الله عليكم، أو من شدة الغيظ لعدم اتباعكم لهم، أو من الأمرين جميعًا؟ الجواب: من الأمرين جميعًا بل ربما نقول: يشمل ما ادعوه في أنهم أمضوا مع المسلمين وقتًا ولم يتمكنوا من نيل مآربهم. وقوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ﴾ الأنامل أطراف الأصابع، وعضُّها يعبر به عن شدة الندم والحزن، ويعبر به عن شدة الغيظ أحيانًا، فالذي يتوعد غيره تجده يعض أنامله ويومئ برأسه، من الغيظ، والثاني انكسرت سيارته فعضَّ أنملته من شدة الندم، ولكن هنا بيَّن الله أنهم يعضون الأنامل من شدة الغيظ، يتمنى أن تكون

стр. 704

أنت الذي بين أسنانه حتى يقضمك ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ وهل الأنامل التي تعض طرف الأصابع أو وسط الأصابع؟ الظاهر أنها تختلف بحسب أعراف الناس. بعض الناس يعض الأعلى والآخر يعض الوسط، المهم كلها تنبئ عن شدة، إما شدة حزن أو شدة غيظ. قال تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾: ﴿قُلْ﴾ الخطاب للرسول ﷺ أو لمن يتأتى خطابه وهو الأقرب؛ لأنه كان يخاطب المؤمنين ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ يعني: قل يا أيها المؤمن لهؤلاء: موتوا بغيظكم، هذا الأمر بالإهانة وبيان عدم المبالاة بهم. ﴿بِغَيْظِكُمْ﴾ الباء: قيل: إنها للغاية والمصاحبة أي ابقوا على غيظكم إلى أن تموتوا، وقيل: إنها للسببية أي موتوا بسبب غيظكم فإنه لا يهمنا، والثاني أقرب، فالأول دعاء عليهم ببقاء الغيظ إلى الموت، والثاني دعاء عليهم بتعجيل الموت بسبب الغيظ، فيكون هذا أقرب للصواب وأشد في التحدي والبعد عنهم. ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: الجملة استئنافية يبيّن الله تعالى فيها أنه عليم بذات الصدور أي بصاحبة الصدور وهي القلوب؛ لأن القلوب هي محل العقل والإدراك والتدبير للجسد. وإنما قلنا: إن (ذات الصدور) هي القلوب لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. والقلب هو محل العقل ومحل التدبير، ولهذا قال النبي ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت

стр. 705

صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله" (١). وهي محل النية والإرادة؛ لأن النبي ﷺ قال: "إنما الأعمال بالنيات" (٢) إذن عليم بذات الصدور أي بالقلوب، بصاحبة الصدور، هذا تفسير لفظي والمراد القلوب. قال تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾: الخطاب للمؤمنين، وهنا أتى بصيغة الجمع، وأتى بصيغة المفرد في قوله: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ وسبق أن جاء بصيغة الجمع، وهذا من التفنن في الخطاب، ومن فوائده الانتباه، إن الإنسان إذا اختلف الأسلوب عنده انتبه وليس كما إذا كان الأسلوب على وتيرة واحدة. ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ الحسنة أيما حسنة دنيوية أو دينية أو مالية أو أهلية بدنية شاملة، ووجه الشمول أن حسنة نكرة، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فأي حسنة تصيب المؤمنين فإنها تسوؤهم؛ لأنهم أعداء سواء كانت هذه الحسنة في المال أو البدن أو الأهل أو للنصرة أو أي حسنة كانت، فإن هؤلاء تسوؤهم الحسنة إذا مستكم. وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾: السيئة ما يسوؤكم، أي أصابكم ما يسوؤكم في البدن أو الأهل أو المال أو الدين ﴿يَفْرَحُوا بِهَا﴾، أي يلحقهم الفرح بسببها،
следующие страницы →