أفواههم، أي عندهم من البغضاء في القلوب أكثر بكثير مما تبديه الألسن، هؤلاء القوم المتصفون بهذه الصفات نهانا الله أن نتخذهم بطانة، والنهي عن اتخاذهم بطانة يستلزم إبعادهم والحذر منهم وأن لا نركن إليهم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾:
أي أظهرناها حتى صارت بينة مثل فلق الصبح، والآيات العلامات، وهل المراد العلامات التي وصف بها هؤلاء أو هي أعم فتشمل جميع ما بيَّنه الله لنا؟ الأَوْلَى أن نجعلها عامة، نقول: بيَّن الله لنا العلامات الدالة على الحق وعلى الباطل في هذه المسألة وفي غيرها، وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ يدل على أن الله تعالى له عناية خاصة في المؤمنين يبين لهم الآيات التي قد تخفى عليهم، بل هي خافية عليهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾:
يعني أنه لا يظهر بياننا للآيات إلا لمن كان له عقل يعقل به نفسه وهواه، أما غير العاقل فإنه لا ينتفع ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧] ويحتمل أن الشرط ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عائد على قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ والمعنى على هذا التقدير: إن كنتم تعقلون فلا تتخذوا بطانة من دونكم، أما على الأول فيكون التقدير: إن كنتم تعقلون فقد بيَّنا لكم الآيات فاعقلوها، ومرَّ علينا أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا يتنافيان فالأولى أن تحمل عليهما فيكون من العقل أن لا نتخذهم بطانة، ومن العقل أن نتبين ما بيَّنه الله لنا من الآيات.
стр. 702
وقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾:
في قوله: ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ قراءتان: المد ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ أو القصر (هأنتم) وكلاهما قراءتان سبعيتان ينبغي للقارئ أن يقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، يعني بهذه أحيانًا وبهذه أحيانًا إلَّا أمام العامة، فأمام العامة لا ينبغي أن تقرأها إلا بقراءة المصحف الذي بين أيديهم، لأنك لو قرأت بغير قراءة المصحف الذي بين أيديهم اتهموك بالخطأ أو شككوا في القرآن. وربما -إن كانوا عامة دهماء- يضربونك يقولون: أنت غيَّرت كتاب الله؛ لأن العامة الدهماء لا يميزون.
و(ها): قيل: إنها منقولة عن مكانها، وأن الأصل (أنتم هؤلاء) وقيل: بل هي للتنبيه وأنها في مكانها، ولأن التنبيه ينبغي أن يكون في أول الكلمات، فهي في مكانها. وقوله: ﴿أُولَاءِ﴾ منادى وأصله (يا هؤلاء) ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ أي تحبون هذه البطانة الذين لا يألونكم خبالًا، والذين ودُّوا ما عنتم، والذين قد بدت البغضاء من أفواههم، والذين ما تخفيه صدورهم أكبر، تحبونهم وذلك لأن المؤمنين يغلب عليهم سلامة القلب وطهارته وعدم ظن السوء في غيرهم، وكان هؤلاء يتوددون إليهم ويدّعون أنهم يصلونهم فيحبهم المؤمنون بناء على تغريرهم بهم. ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ يعني: وهم لا يحبونكم مع أنكم تحبونهم وكيف يحبوننا وقد بدت البغضاء من أفواههم؟ وقوله: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ هذا معلوم لنا لكن ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ هذا غير معلوم، ولكن الله أعطانا له قرائن وهي ما تبديه أفواههم، فإذا كانوا لا يحبونكم فكيف تحبونهم؟ الإنسان العاقل الحازم هو الذي يعامل من كانت هذه صفته بمثل ما كان عليه.
стр. 703
وقوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾:
الكتاب هنا اسم جنس يشمل جميع الكتب، تؤمنون بالكتاب القرآن، بالكتاب التوراة، بالكتاب الإنجيل، بالكتاب الزبور، بالكتاب صحف إبراهيم، تؤمنون بهذا كله وهم لا يؤمنون بذلك، مَنْ هؤلاء؟ يصدق هذا على اليهود والنصارى والمنافقين كلهم بهذا الوصف، لكن اليهود يدَّعون أنهم مؤمنون بالتوراة، والنصارى يدَّعون أنهم مؤمنون بالإنجيل، والمنافقون لا يؤمنون بشيء.
﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ نفاقًا ومداهنة ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] ولهذا قال: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ أي وحدهم أو إلى شياطينهم.
﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾:
أي من شدة الغيظ، لكن من شدة الغيظ لما يرون من نعمة الله عليكم، أو من شدة الغيظ لعدم اتباعكم لهم، أو من الأمرين جميعًا؟
الجواب: من الأمرين جميعًا بل ربما نقول: يشمل ما ادعوه في أنهم أمضوا مع المسلمين وقتًا ولم يتمكنوا من نيل مآربهم.
وقوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ﴾ الأنامل أطراف الأصابع، وعضُّها يعبر به عن شدة الندم والحزن، ويعبر به عن شدة الغيظ أحيانًا، فالذي يتوعد غيره تجده يعض أنامله ويومئ برأسه، من الغيظ، والثاني انكسرت سيارته فعضَّ أنملته من شدة الندم، ولكن هنا بيَّن الله أنهم يعضون الأنامل من شدة الغيظ، يتمنى أن تكون
стр. 704
أنت الذي بين أسنانه حتى يقضمك ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ وهل الأنامل التي تعض طرف الأصابع أو وسط الأصابع؟ الظاهر أنها تختلف بحسب أعراف الناس. بعض الناس يعض الأعلى والآخر يعض الوسط، المهم كلها تنبئ عن شدة، إما شدة حزن أو شدة غيظ.
قال تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾:
﴿قُلْ﴾ الخطاب للرسول ﷺ أو لمن يتأتى خطابه وهو الأقرب؛ لأنه كان يخاطب المؤمنين ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ يعني: قل يا أيها المؤمن لهؤلاء: موتوا بغيظكم، هذا الأمر بالإهانة وبيان عدم المبالاة بهم.
﴿بِغَيْظِكُمْ﴾ الباء: قيل: إنها للغاية والمصاحبة أي ابقوا على غيظكم إلى أن تموتوا، وقيل: إنها للسببية أي موتوا بسبب غيظكم فإنه لا يهمنا، والثاني أقرب، فالأول دعاء عليهم ببقاء الغيظ إلى الموت، والثاني دعاء عليهم بتعجيل الموت بسبب الغيظ، فيكون هذا أقرب للصواب وأشد في التحدي والبعد عنهم.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾:
الجملة استئنافية يبيّن الله تعالى فيها أنه عليم بذات الصدور أي بصاحبة الصدور وهي القلوب؛ لأن القلوب هي محل العقل والإدراك والتدبير للجسد. وإنما قلنا: إن (ذات الصدور) هي القلوب لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. والقلب هو محل العقل ومحل التدبير، ولهذا قال النبي ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت
стр. 705
صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله" (١). وهي محل النية والإرادة؛ لأن النبي ﷺ قال: "إنما الأعمال بالنيات" (٢) إذن عليم بذات الصدور أي بالقلوب، بصاحبة الصدور، هذا تفسير لفظي والمراد القلوب.
قال تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾:
الخطاب للمؤمنين، وهنا أتى بصيغة الجمع، وأتى بصيغة المفرد في قوله: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ وسبق أن جاء بصيغة الجمع، وهذا من التفنن في الخطاب، ومن فوائده الانتباه، إن الإنسان إذا اختلف الأسلوب عنده انتبه وليس كما إذا كان الأسلوب على وتيرة واحدة. ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ الحسنة أيما حسنة دنيوية أو دينية أو مالية أو أهلية بدنية شاملة، ووجه الشمول أن حسنة نكرة، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فأي حسنة تصيب المؤمنين فإنها تسوؤهم؛ لأنهم أعداء سواء كانت هذه الحسنة في المال أو البدن أو الأهل أو للنصرة أو أي حسنة كانت، فإن هؤلاء تسوؤهم الحسنة إذا مستكم.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾:
السيئة ما يسوؤكم، أي أصابكم ما يسوؤكم في البدن أو الأهل أو المال أو الدين ﴿يَفْرَحُوا بِهَا﴾، أي يلحقهم الفرح بسببها،
стр. 706
في الحسنة قال: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ وهنا يقول: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ﴾ في السيئة، فهل هذا من باب اختلاف التعبير أو هناك فرق معنوي؟ قال بعض العلماء: إن هذا من باب اختلاف التعبير، وأن المعنى في قوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ أي إن تصبكم حسنة، قالوا: ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]. وقال بعض العلماء: بل بينهما فرق لأن المسَّ أخف من الإصابة، وبنى على ذلك أنهم يساؤون من الحسنة وإن كانت قليلة جدًا ويفرحون بالسيئة إذا أصابت وأوجعت، وهذا الفرق بالنسبة لقوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ وجيه، لكن بالنسبة لقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ لو قلنا بهذا الفرق لكان فرحهم بالسيئة لا يكون إلا إذا كانت شديدة، وهذا فيما يظهر خلاف حالهم، وبناءً على ذلك يترجح القول بأن "مسَّ وأصاب" بمعنى واحد، لكن اختلف التعبير لفائدة وهي التنبيه؛ لأنه إذا اختلف الأسلوب لابد أن يحدث للإنسان المخاطب انتباه بخلاف ما إذا كان على وتيرة واحدة، وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ هل يدخل في ذلك هزيمتهم في الجهاد؟
نعم يدخل، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٢، ٧٣].
وقوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾:
إن تصبروا على ما ينالكم منهم، ومعلوم أن الصابر ينتظر
стр. 707
الفرج. وتتقوا فيما تعاملونهم به؛ لأن الإنسان مطالب بالنسبة لهؤلاء الكفار بأمرين: الأول: الصبر على ما فعلوا، والثاني: أن يتقي الله فيما يفعل بهم.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ يعني ولو آذوكم فلا يضركم، والكيد هو التوصل إلى الإيقاع بالخصم بالأسباب الخفية، وهو بمعنى المكر وبمعنى الخداع، وهو ثابت لله أي أن الله يوصف بالمكر والخداع والكيد في مواطنها بخلاف الخيانة، فإن الله لا يوصف بها لأنها صفة ذم فى كل حال، وفي قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ هو قراءتان: إحداهما (لا يَضُرُّكم) والثانية (لا يَضِرْكم) من الضَّير، والضَّير بمعنى الضرر وبمعنى الضيم فهو ضرر بضيم، ومنه ما جاء في حديث رؤية الله تعالى حيث قال ﷺ : "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تَضَارون ولا تُضَارون" (١) أي لا يلحقكم ضير، فتكون القراءتان كل واحدة منهما أفادت معنى غير الأخرى؛ لأن مطلق الضرر دون مطلق الضير، فالضير أشد، فهم لا يلحقونا بضرر ولا بضير.
وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي فتكون عامة، يعني أي شيء يكون. ولكن يلحقهم من ذلك أذى؛ لقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] ولكن لا
стр. 708
يلزم من الأذى الضرر، ولهذا قال تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني) (١)، وأثبت أن بني آدم يؤذونه فقال: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر) (٢)، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧].
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾:
الإحاطة هنا: إحاطة العلم والقدرة والسلطان، فهو محيط بهم كإحاطة السور بمن في داخله، أي لا يتمكنوا أن يفروا من قضاء الله وعلمه وسلطانه وقدرته، وقوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) هذه موصولة فتفيد العموم، والعائد: محذوف أي بما يعملونه محيط.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾:
من هذه الآية إلى قريب آخر السورة كله في غزوة أُحد وما يتعلق بها، فقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ إذ: ظرف، عاملها محذوف تقديره: اذكر إذ غدوت، "وغدوت": بمعنى خرجت غُدوة أي في أول النهار كما كان الأمر كذلك، فإن النبي ﷺ خرج إلى غزوة أُحد في أول يوم السبت الحادي عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة. وفي هذا اليوم غدا الرسول الكريم من أهله.
وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ من: ابتدائية أي أن مبتدأ هذه الغدوة من أهله، من المدينة خرج النبي ﷺ غاديًا إلى أُحد بعد أن استشار الصحابة ﵃ هل يخرج أو لا؟
стр. 709
وسبب هذه الغزوة أن قريشًا لما قُتل من صناديدهم من قتل في بدر، سبعون رجلًا من كبرائهم، وأُسر منهم سبعون رجلًا، أرادوا أن يأخذوا بالثأر من النبي ﷺ ، فخرجوا إلى النبي ﵊ يريدون قتاله، وكانوا ثلاثة آلاف معهم العدة الكثيرة يريدون النبي ﷺ ليقضوا عليه، فعسكروا حول المدينة، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ استشار الصحابة هل يخرج إليهم أو لا؟ أما شباب الصحابة الذين لم يحضروا بدرًا فأشاروا على النبي ﷺ أن يخرج وقالوا: نخرج نقاتلهم، وأما بعض الصحابة فسكتوا، وأما المنافقون فقالوا: لا نخرج إليهم بل ندعهم فإن بقوا بقوا على شر حال، وإن ملوا رجعوا إلى مكة، وإن دخلوا المدينة نقاتلهم نحن بالسيوف ويقاتلهم النساء والصبيان بالحجارة من على السطوح، كذلك قال المنافقون لا نصحًا لله ورسوله ولكن جبنًا وخورًا وخداعًا وغشًا، فدخل النبي ﷺ بيته ولبس لأمة الحرب وتهيأ ﵊، فقال بعض الصحابة: لعلنا استكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج يعني ندموا، قالوا: ليتنا لم نتكلم بهذا، فلما خرج ولبس لأمة الحرب -وهو ما يوضع على الرأس- وتهيأ قالوا: يا رسول الله، إن شئت أن لا نخرج فعلنا، فقال ﵊: "ما كان ينبغي لنبي لبس لأمة الحرب أن يضعها حتى يفتح الله بينه وبين عدوه" (١). فمضى وخرج من المدينة ومعه ألف مقاتل، وفي أثناء الطريق رجع عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين بنحو ثلث الجيش وقالوا: لو نعلم قتالًا لاتبعناكم،
стр. 710
قال الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٦٧] فانخذلوا ولكن الصحابة رضوان الله عليهم بثباتهم وإيمانهم لم يضرهم ذلك شيئًا، واستمروا حتى نزلوا أُحدًا، ولما نزلوا عبَّأهم النبي ﷺ أحسن تعبئة ورتَّبهم واختار منهم خمسين رجلًا من الرُّماة، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: لا تبرحوا مكانكم، جعلهم في سفح الجبل على شعبة منه قال: لا تبرحوا مكانكم سواء كانت لنا أم علينا، فبقوا يحمون ظهور المسلمين، فحصل القتال في أول النهار وكانت الدائرة على المشركين فتولوا الأدبار فجعل المسلمون يجمعون الغنائم، فلما رأى أهل الجبل حال المسلمين وأن المشركين قد ولّوا الأدبار وصار المسلمون يجمعون الغنائم قالوا: ننزل لنساعد إخواننا في جمع الغنائم فقد انتهت الحرب، فذكَّرهم أميرهم بقول رسول الله ﷺ : لا تبرحوا مكانكم سواء كانت لنا أم علينا، ولكنهم أصروا إلا أن ينزلوا فنزلوا، فلما رأى فرسان قريش أن الثغر خالٍ وليس هناك أحد يحمي المسلمين من ورائهم كروا عليهم بخيولهم من خلفهم ودخلوا، وكان على رأسهم قائدان عظيمان هما خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل قبل إسلامهما ﵄، فاختلط الناس بالمسلمين من ورائهم وحصل ما قضى الله وأراد لحكمة عظيمة، وقُتل من المسلمين سبعون رجلًا وجُرح النبي ﵇، وكُسرت رباعيته، وشجَّ وجهه حتى كانت ابنته فاطمة تأتي بالحصير تحرقه وتذر رماده على جُرح النبي ﷺ ولكن الدم يندفع، وحصل من الابتلاء والامتحان ما الله قد قضاه وقدّره لحكمة عظيمة حتى يعلم الناس أن الله تعالى له الحكم وإليه المنتهى، وحتى يعلم الناس أنه لا نصر مع
стр. 711
المعاصي أبدًا. هم عصوا النبي ﵇ شرعًا وفرَّطوا فيما يلزمهم قدرًا، كيف ذلك؟ عصوا النبي ﷺ لأنه قال لهم: لا تبرحوا مكانكم، وتركوا ما يلزمهم قدرًا وهو حماية المسلمين من خلفهم؛ لأن هذا من الأسباب النافعة، وترك الأسباب النافعة سفه في العقل ونقص في الدين؛ لأن الله تعالى أمر بأن نأخذ بالأسباب وأعظمها التوكل على الله، ولكن لابد من أن نفعل الأسباب الحسية المادية، فهم ﵃ وعفا الله عنهم حصل منهم ما حصل فصارت النكبة العظيمة، الشهداء ﵃ حملهم أهلهم إلى المدينة ليدفنوهم في البقيع، ولكن النبي ﷺ أمر أن يردوا إلى مصارعهم، ويدفنوا هناك في أُحد ففعلوا، والحكمة من ذلك -والله أعلم- أن المقتول في سبيل الله يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، ولا يغسل لئلا يزول هذا الدم من على جسده، ولا يكفن وإنما يدفن في ثيابه التي قُتل فيها، كل هذا من أجل أن يتحقق خروجه يوم القيامة من المكان الذي صُرع فيه وعلى الهيئة التي صُرع عليها.
المهم أن الله تعالى يذكّر نبيّه ﵊ بهذه الغزوة العظيمة التي فيها من الأسرار والحكم ما يتبين به أن ذلك هو عين الصواب وعين الخيرة للمؤمنين، وقد ذكر الحافظ ابن القيم -رحمة الله عليه- في كتابه "زاد المعاد" (١) من الحكم في هذه الغزوة ما لا تجده في أي كتاب آخر، فتحسن مراجعته فإنه مفيد.
стр. 712
يقول: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾:
"تبوئ" هذه الجملة حالية يعني حال كونك تبوئ، ومعنى تبوئ يعني تنزل، والتبوؤ: معناه النزول كما جاء في الحديث الصحيح: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (١) أي فلينزل نفسه مقعدًا من النار، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر: ٩] أي نزلوها.
قال: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾:
المؤمن هو المُقر بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، وفي هذه شهادة من الله أيما شهادة على أن هؤلاء الذين شهدوا هذه المعركة مؤمنون. ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ الله أكبر، مقاعد للقتال أي يثبتون ويقعدون كثبوت القاعد، ولهذا قال: ﴿مَقَاعِدَ﴾ ولم يقل منازل من أجل أن تكون هذه الأماكن التي بوؤوها مكانًا ثابتًا كثبات القاعد في مجلسه، وليس المعنى أن الرسول ﷺ جعل لهم هذه المنازل وقال اجلسوا. بل هم يتكيفون كما يناسب مصلحة الحرب لكنها سُميت مقاعد من أجل الثبات فيها. ﴿لِلْقِتَالِ﴾: يعني لقتال الأعداء، وتعلمون أن المقاتل لن يبقى في مكانه دائمًا إنما يكرّ ويفرُّ حسب ما تقتضيه المصلحة.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾:
أي سميع لما تقول لهم، "عليم" بأحوالهم. وقد نقول: إنَّ
стр. 713
كلمة "سميع" أعم من كونها لما يقول لهم حين ترتيبهم وتبوئهم، فتكون أشمل، وهذا هو الأحسن لأنه كلما كان اللفظ شاملًا كان أحسن وأعم، "عليم" أي عليم بما يحدث من قول وفعل وحال وحاضر ومستقبل.
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾:
﴿إِذْ﴾ قال المفسرون أو المعربون: إنها بدل من ﴿إِذْ﴾ الأولى، يعني يكون التقدير على هذا: (اذكر إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا).
﴿هَمَّتْ﴾: الهَمُّ يطلق على مجرد حديث النفس، ويطلق الهَمُّ على العزم، يعني أن الإنسان قد يهم ويحدث نفسه هل يفعل أو لا يفعل، يقال هذا "هَمَّ" ويطلق على العزم المصمم الذي ينفذ إن لم يوجد مانع، وهنا الطائفتان وهما بنو سلمة وبنو حارثة همّوا أن يفشلوا، والفشل هنا بمعنى الجبن والخوف، يعني أن هاتين الطائفتين وقع في قلوبهما الهم بالانهزام، وسببه ما جرى من المنافق عبد الله بن أبي بن سلول الذي انخزل بنحو ثلث الجيش، وتعرفون أنه إذا انخزل ثلث الجيش فإن هذه ثُلمة كبيرة في الجيش، فهاتان القبيلتان همّتا أن تفشلا، أن تجبنا وترجعا ولكن الله تعالى ثبَّتهما، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ فثبّتهما فلم تفعلا ما عزمتا عليه.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ هذه ولاية خاصة، وولاية الله تعالى تنقسم إلى عامة وخاصة، فالولاية بمعنى التدبير للشؤون ولاية عامة، والتي بمعنى العناية أي تقتضي العناية ولاية خاصة، لأن
стр. 714
الإنسان إذا همَّ بالمعصية أو بالذنب ثم حصل له من عند الله ما يمنعه منه فهذه ولاية خاصة من الله لا شك، فكثيرًا ما يهمُّ الإنسان بالذنب أو بترك الواجب يعني بالذنب من فعل المعصية أو ترك واجب فيجد في قلبه إذا هَمَّ بالمحرم انحلالًا عن هذه الهمة وعدولًا عنها، هذه ولاية من الله، وأحيانًا يهم بترك الواجب فيقيِّض الله له من يعينه عليه حتى يفعل، هذه أيضًا ولاية خاصة، فهاتان القبيلتان لمّا همتا تولاهما الله بعنايته فلم تفشلا وبقيتا مع الجيش، وكان بعض هاتين الطائفتين يقول فرحا لقد كان من حظهم أن الله أخبر عنهم بهذا الخبر لأنه أخبر بأنهما همَّتا أن تفشلا، وأخبر بخبر آخر سارٍّ ومنقبة لهما وهو أن الله وليهما.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾:
"على الله" متعلقة بـ"يتوكل" وقدّمت لإفادة الحصر أي على الله لا على غيره فليتوكل، والتوكل: قال أهل العلم: هو صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل الأسباب التي أمر بها، هذا التعريف طويل ولكنه جامع، إذن لا يكفي أن تصدق الاعتماد على الله حتى يكون في قلبك ثقة بأن الله سيعينك ويكفيك كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. ولا يكفي أيضًا أن تعتمد على الله وتثق به حتى تفعل الأسباب التي أمر بها؛ لأنك إن لم تفعل الأسباب التي أمر بها كنت متواكلًا لا متوكلًا، ويذكر أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قيل له: إن قومًا من أهل اليمن جاؤوا حجاجًا وليس معهم زاد فقالوا: نحن المتوكلون. فقال:
стр. 715
إنهم ليسوا بمتوكلين ولكنهم متواكلون، بمعنى أنهم مفرطون مهملون، فلو أن أحدًا قال: سأعتمد على الله تعالى في جلب الرزق وهو قادر على فعل الأسباب ولكن لم يفعل قلنا: أنت مهمل متواكل، افعل السبب: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]، قد يقول: ربما يموت قريب لي فأرثه فهذا من رزق الله، فنقول: فإذا لم يمت تقتله؟ نعوذ بالله ولو قتله ليأخذ ماله حُرِمَ من الميراث؛ لأن القاتل عمدًا لا يرث، فالحاصل أنه لابد لصحة التوكل من فعل الأسباب التي أمر الله بها، أما الأسباب التي لم يأمر الله بها فإنه لا يجوز للإنسان أن يتعاطاها.
وقوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أمر المؤمنين أن يتوكلوا على الله؛ لأنه لا يمكن أن يحقق التوكل إلا المؤمن، فالتوكل من مقتضيات الإيمان، والإيمان الحقيقي من أسباب التوكل على الله.
من فوائد الآيات الكريمة:
من فوائد قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا. . .﴾:
١ - تحريم اتخاذ البطانة التي ليست مِنَّا؛ لقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾ والأصل في النهي التحريم.
٢ - أن هذا التحذير ليس خاصًّا بولاة الأمور، بل كل إنسان لا يجوز له أن يتخذ بطانة من دونه حتى الواحد الفرد، بمعنى أنها ليست على طريقه ولا على منهاجه، فلو أن رجلًا مسلمًا صَادَقَ كافرًا واتخذه بطانة يسرُّ إليه بالأمور لقلنا: إن هذا حرام عليه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا
стр. 716
عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١].
٣ - أن تجنب البطانة السيئة من مقتضيات الإيمان؛ لأن الخطاب وُجِّه إلى المؤمنين.
٤ - أن اتخاذ بطانة السوء من نواقص الإيمان بناءً على القاعدة التي أصَّلناها فيما سبق وهي: أن ما كان الإيمان مقتضيًا له فإن فواته يكون نقصًا في الإيمان، ولكن هل يكون من نواقض الإيمان؟ ربما يكون، لو اتخذ هذه البطانة فيما يخرج من الإسلام.
٥ - أن الذين من دوننا لا يألوننا خبالًا، وهذا بناء على أن الجملة استئنافية للتعليل، وقد مرَّ بنا في التفسير أن من العلماء من قال: إنها صفة لما قبلها، وأن الذين من دوننا إذا كانوا لا يألوننا خبالًا فلا بأس أن نتخذهم بطانة، ولكن الظاهر الأول، أن الجملة استئنافية للتعليل يعني أن الذين من دوننا لا يألوننا خبالًا. ولنضرب لذلك مثلًا بالمؤمنين يتخذون البطانة من الكافرين، فإن الكفار لا شك أنهم لا يقصرون في طلب الخبال لنا. يذكر أن عمر بن الخطاب ﵁ أرسل إليه أبو موسى ﵁ يريد منه أن يولي كاتبًا نصرانيًا على بيت المال لأنه -أي هذا الكاتب النصراني- كان جيدًا في الحساب، فكتب إليه عمر أن لا تفعل وأمره بعزله، فأعاد عليه مرة ثانية يطلب منه أن يبقيه كاتبًا، فكتب إليه عمر (مات النصراني والسلام) المعنى إذا مات هل معناه أن يتعطل بيت المال أو حساب بيت المال، أي قدِّر أنه
стр. 717
مات. أما أن نأتمنه على بيت مال المسلمين وقد خان الله ورسوله فلا يمكن. وبه نعرف أنه لا يجوز أن يولى أعداؤنا من الكفار أو غير الكفار أسرار أمورنا؛ لأننا إذا ولّيناهم أسرار أمورنا فقد اتخذناهم بطانة.
٦ - بيان عناية الله تعالى بعباده المؤمنين حيث حذَّرهم إلى أمور قد تخفى عليهم وذلك باتخاذ البطانات السيئة.
٧ - أن أعداءنا يودون لنا ما يشق علينا؛ لقوله: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾ وهنا سؤال: هل يودون ما يشق علينا في الدنيا أو الدين؟
الجواب: يشمل الأمرين فيودون ما يدمِّر جيوشنا، ويودون ما يدمِّر اقتصادنا، ويودون ما يدمِّر معارفنا، ويودون ما يدمر ديننا. والظاهر عندي -والله أعلم- أن أهم شيء لديهم هو تدمير الدين؛ لأنهم يعلمون أن ديننا إذا قوي صار فيه تدمير لهم، لكن اقتصادنا إذا قوي لا يكون فيه تدمير لهم؛ لأنهم هم أقوى منا اقتصادًا وَأقوى منا جيوشًا، وأقوى منا عدة في الوقت الحاضر، لكن الدين هو الذي يدمرهم؛ ولذلك نقول: إن كل ما يشق علينا في أمر الدين والدنيا يتطلبونه، يريدون أن يضايقونا في الدين بقدر ما يستطيعون، يودون أن يضايقونا في الاقتصاد بقدر ما يستطيعون، يودون أن يضايقونا في السلاح بقدر ما يستطيعون، يرسلون لنا من الأسلحة ما عفا عليها الزمن، من الأسلحة التي زالت منفعتها في الوقت الحاضر، وصارت بالنسبة لأسلحة الوقت الحاضر كالسكين أو الهراوة بالنسبة للأسلحة، يعني ليس فيها فائدة، هم يريدون أن يكملوا اقتصادهم وأن يشغلوا مصانعهم ولا يهمهم أن ننتفع.
стр. 718
٨ - أن أعداءنا إذا تأمل الإنسان أحوالهم وجد من أفواههم ريح البغضاء؛ لقوله: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ بما يتكلمون به، وربما تبدو البغضاء من أفعالهم أحيانًا بالمضايقة، فهم أحيانًا يبدونها من أفواههم، وأحيانًا من أفعالهم بالتهديد الفعلي لا القولي ونحو ذلك.
٩ - أن ما في قلوب الأعداء من العداوة والبغضاء والحقد والحنق أكثر مما يبدو، وهذا أمر لا يطلع عليه إلا الله وهو الذي أخبرنا بذلك، ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أكبر مما تبديه أفواههم.
١٠ - بيان أن الأوصاف الذاتية أو الفعلية تتفاضل؛ لقوله (أكبر) وهو قد تكلم عن البغضاء، والبغضاء وصف في القلب ذاتي لا يمكن للإنسان أن يعرفه إلا بآثاره، فهنا بيَّن أن البغضاء متفاوتة وكذلك المحبة متفاوتة، ولا شك في المحبة أنها متفاوتة لأنها جاءت في القرآن والسنة ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، وقال النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (١). والبغضاء أيضًا تتفاوت بعضها أعظم من بعض.
١١ - مِنَّة الله تعالى علينا ببيان آياته؛ لقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ والآيات التي بيَّنها الله قسمان: آيات كونية وآيات
стр. 719
شرعية، وبيانه لها إمّا بالمشاهدات الحسية وإما بالتأملات العقلية، فالآيات الشرعية تكون بالتأملات العقلية، والآيات الكونية تكون بالمشاهدات الحسية التي قد تكون طريقًا إلى التأملات العقلية أيضًا.
١٢ - أنه كلما كان الإنسان أشد عقلًا أو أقوى عقلًا كان أفهم لآيات الله، تؤخذ من قوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي أنه كلما كان الإنسان أعقل كانت الآيات له أبين وأظهر.
ومن فوائد قوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾:
١ - بيان علم الله تعالى بما في القلوب؛ لقوله: ﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ لأن المحبة والكراهة من أعمال القلوب، ولا يطلع عليها إلا الله تعالى لكن لها آثار تدل عليها.
٢ - التحذير ممن يبدي أنه ناصح لك وقلبه كاره لك؛ لأن المقصود من هذا قوله: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ إلى آخر التحذير من هؤلاء، فلا تغتر بمن ظاهر حاله النصح بل قس الأمور بالأفعال؛ لأن الأفعال هي التي تبين حقيقة الأمر، فكم من إنسان يقول لك قولًا وهو على خلاف ما يقول لك ولكن الأفعال هي التي تبيّن.
٣ - أن هذه الأمة الإسلامية تؤمن بجميع الكتب؛ لقوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أما اليهود فيكفرون بالإنجيل ويكفرون بالقرآن، وأما النصارى فيكفرون بالقرآن، ومع ذلك هم كفار؛ لأن من كفر بكتاب مما أنزله الله فهو كافر بجميع الكتب، وقد مرَّ
стр. 720
علينا تقرير هذا مرارًا، وأن من آمن ببعض الرسل دون بعض فقد كفر بالجميع، وأن من كفر ببعض الرسل دون بعض فقد كفر بالجميع، وكذلك من كفر ببعض الشريعة فقد كفر بالشريعة كلها؛ لأن الشريعة واحدة ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥].
٤ - أن هؤلاء يخادعون المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾.
٥ - أن العبرة بالأفعال لا بالأقوال، لقوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي أنهم من شدة غيظهم يعضون أناملهم كأنكم أنتم الذين بين أضراسهم ليمضغوكم مضغًا من شدة الغيظ والحنق، ولهذا تجد الناس حتى الآن إذا أراد شخص أن يتوعد إنسانًا أخذ يهز برأسه وهو عاض إصبعه لشدة غيظه.
٦ - إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ لأن (من) للسببية أي بسبب الغيظ، وإثبات الأسباب شيء معلوم ظاهر، ولو تأملت لوجدت أن كل مسبب له سبب قطعًا، وأن جميع الأشياء يجعل الله لها أسبابًا تحصل بها.
٧ - أنه ينبغي للمسلم أن يكون قويًّا صارمًا أمام أعدائه؛ لقوله: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾.
٨ - إثبات علم الله لما في القلوب على وجه صريح؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ودلالة هذه الجملة على علم الله بما في القلوب دلالة مطابقة، ودلالة قوله: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ دلالة التزام.
стр. 721
ومن فوائد قوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾:
١ - أن العدو إذا أصابت عدوه حسنة ساءته، وإذا أصابته سيئة فرح بها، وقد جعل الفقهاء ﵏ هذا ضابطًا في العداوة حينما تكلموا في باب الشهادات على أن العدو لا تقبل شهادته على عدوه، قالوا في ضابط العدو: هو من سرَّه مساءتك وساءه مسرتك، مأخوذ من هذه الآية.
٢ - بيان أن العدو مهما أظهر لك من الصداقة فإنه كاذب؛ لأن الذي يسوؤه حسنتك لا شك أنه ليس بصديق، والذي يفرح بمصيبتك لا شك أيضًا أنه ليس بصديق وإن تظاهر بالصداقة.
٣ - بيان شدة عداوة هؤلاء للمؤمنين الذين اتخذوهم بطانة؛ فكيف تتخذونهم بطانة وهم يساؤون بما يسركم، ويسرون بما يسؤوكم؟
٤ - التحذير من تولية اليهود والنصارى لأمور المسلمين القيادية كأن يجعلوهم مدراء أو وزراء أو ما أشبه ذلك؛ لأنهم لا يألوننا خبالًا ويسرون بما يسوؤنا، ويساؤون بما يسرنا، فكيف نتخذهم بطانة نوليهم أمورنا القيادية من إدارة أو رئاسة أو غيرها؟
٥ - أن أعداءنا لا يألون جهدًا في الكيد لنا، ولكن نداوي هذا بالصبر والتقوى، بالصبر على كل ما يجب الصبر عليه من أمور فنقوم بها، أو نواهٍ فنتركها، أو سياسات فنتبعها، ونكون ثابتين على مبدأ وليس كل يوم لنا سياسة بل نكون ثابتين على مبدأ معين نصبر عليه.
стр. 722
٦ - أن الصبر والتقوى يدفع الأعداء؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾ وما فعلوه علنًا إن صبرنا واتقينا لا يضرنا من باب أولى؛ لأن الكيد الذي يكون بالمكر والخديعة إذا كان لا يضرنا مع الصبر والتقوى فما كان ظاهرًا بيِّنًا فهو من باب أولى.
٧ - إحاطة الله بعمل هؤلاء في كل شيء، في العلم والتدبير وإحباط أعمالهم وتدميرهم وغير ذلك، فالله محيط بهم من كل وجه، ولكن قد يبتلي الله بهؤلاء الأعداء ويحصل من كيدهم ما يضر لفوائد كثيرة، منها أن ينال المسلمون الصبر على المؤذي، وأن يرجعوا إلى الله فيقيموا الدين.
٨ - أن العدو يطغى ويرتفع ويعلو، فإذا بلغ القمة في العلو رمى به الله إلى السفل؛ فيكون نزوله من العلو إلى السفل أشد من نزوله أثناء الطريق، ولهذا الذي يسقط من السقف يكون أشد ممن لو سقط من أثناء الدرج، فالله قد يملي للظالم حتى يتمادى في ظلمه وطغيانه، حتى إذا ظن أنه بلغ القمة حطَّ به إلى أسفل السافلين، فصار ذلك أشد وأعظم، وقد نبَّه الله تعالى على ذلك في سورة آل عمران فقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١] مع أنه في ذلك الوقت كان الظفر للمشركين في أُحد لكن جعل الله ذلك سببًا لمحقهم؛ لأنهم إذا شموا رائحة النصر ازدادوا في طغيانهم وقووا، ثم تكون النكبة.
٩ - أنه يجب على الإنسان أن ينتظر نصر الله ،
стр. 723
وأن يثق بوعده؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ يعني فلا تظنوا أن أمرهم هذا كائن بدون قدرة الله عليه، ولكن الله تعالى قادر عليه ومحيط به.
ومن فوائد قوله : ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾:
١ - أن الرسول ﷺ خرج من المدينة في أول النهار؛ لقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ أي: خرجت في الغداة وهي أول النهار.
٢ - حسن تدبير رسول الله ﷺ في الحرب؛ لقوله: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾.
٣ - أنه ينبغي للقائد أن يبوئ أمكنة المقاتلين ويعرّف كل واحد منهم مكانه وعمله حتى لا يحصل ازدواج يضر بالجيش، كل واحد يرتبه على حسب ما يليق به ويقول: اجلس مكانك، وهذا عملك واستمر عليه؛ لأن في النظام ولاسيما في مثل هذه المواقف فائدة كبيرة، بل إن النظام مطلوب حتى في أعمالك اليومية في نفسك، فكيف بهذه الأعمال الكبيرة؟ ! .
٤ - شهادة الله للذين خرجوا في أُحد بأنهم مؤمنون؛ لقوله: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾، لأن المنافقين انخزلوا قبل أن يصلوا إلى مكان القتال فقد رجعوا في أثناء السير.
٥ - إثبات هذين الاسمين لله وهما السميع والعليم، فالسميع يتعلق بالأصوات، والعليم يتعلق بما هو أعم، بما يدرك بالسمع وما يدرك بالبصر وغير ذلك، فالعليم هو من أوسع الأسماء دلالة.
стр. 724
ومن فوائد قوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾:
١ - في هذه الآية دليل على أن طائفتين من المؤمنين همّتا بالفشل ولكن الله ثبّتهما، همّتا بالفشل أن يرجعا كما رجع المنافقون.
٢ - أن الدعاية ولو كانت باطلة ربما تؤثر حتى على المؤمن.
٣ - أن الله قد يلطف بالمؤمن حتى يثبته على الحق؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾.
٤ - منّة الله على هاتين الطائفتين حيث إن الله كان وليًا لهما؛ ولهذا فرحا الطائفتان بهذه الولاية.
٥ - وجوب التوكل على الله وأنه من مقتضى الإيمان؛ لقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
٦ - أنه ينبغي للإنسان أن يتوكل على الله ولاسيما في هذه المواطن التي يشتد فيها الأمر على المسلم، بل على المؤمن أن لا ينظر إلى الأمور نظرًا ماديًا؛ لأن وراء الأمور المادية ما هو أعظم منها، وهي قدرة الله التي تقضي على كل هذه الأمور المادية ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
٧ - أنه إذا قوي الإيمان قوي التوكل على الله؛ لقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ بناء على قاعدة معروفة وهي أن ما عُلق على وصف يقوى بقوّته، ويضعف بضعفه.
стр. 725
• ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]:
يقول الله مبينًا نعمته على النبي ﷺ وأصحابه بل وعلى الأمة جمعاء؛ لأن انتصار النبي ﷺ وأصحابه انتصار لجميع الأمة إلى يوم القيامة، بل إن انتصار الرسل السابقين انتصار للمؤمنين إلى يوم القيامة، ولهذا صام النبي ﷺ عاشوراء شكرًا لله على نعمته بإنقاذ موسى وقومه وإهلاك فرعون وقومه، وقال لليهود: "نحن أولى بموسى منكم" (١).
يقول الله : ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ والجملة هذه مؤكدة بأمور ثلاثة:
الأول: القسم المقدر.
الثاني: اللام.
والثالث: قد. لأن التقدير (والله لقد نصركم الله) والنصر هو أن يجعل الغلبة لهؤلاء على هؤلاء، فمن جعل الله لهم الغلبة فقد نصرهم، وللنصر أسباب خمسة:
أولًا: الإخلاص لله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥].
والثاني: إقامة الصلاة.
стр. 726
والثالث: إيتاء الزكاة.
والرابع: الأمر بالمعروف.
والخامس: النهي عن المنكر، لقول الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠، ٤١].
يقول الله : ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ الباء هنا بمعنى (في) فهي للظرفية، ولا غرابة أن تأتي الباء للظرفية كما في قوله ﵎: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨] يعني (في الليل).
و(بدر) مكان معروف، ولا يزال حتى الآن معروفًا بين مكة والمدينة، وسبب هذه الغزوة أن النبي ﷺ لما سمع بِعير لقريش قدمت من الشام ندب أصحابه إلى الخروج إليها لأخذها؛ لأن قريشًا أخرجوا النبي ﷺ وأصحابه من ديارهم وأموالهم وهم حرب على رسول الله ﷺ ، فكانت أموالهم حلًا للرسول ﷺ ، فندب أصحابه أن يخرجوا إليهم فخرجوا في عدد قليل وعدة ضعيفة، خرجوا نحو ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلًا على سبعين بعيرًا وفرسين فقط يتعاقبونها، الرجلان على بعير والثلاثة على بعير، على أنهم يريدون العير، ولكنَّ أبا سفيان وهو أمير العير أخذ نحو الساحل، ساحل البحر لا على الطريق المعروف، وأرسل صارخًا إلى أهل مكة يستنجدهم لحماية عيرهم، ثم لما نجا أرسل إليهم أنه نجت العير ولكنهم كانوا قد تأهبوا للخروج لمحاربة النبي ﷺ فخرجوا بكبرائهم وزعمائهم على الوصف الذي
стр. 727
ذكره الله ، خرجوا بطرًا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله وقال لهم الشيطان: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم، ولكنه خانهم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه، خرجوا ما بين ألف وتسعمائة ومعهم النساء لأجل أن يشتد قتالهم خوفًا على نسائهم؛ وجعلوهن بالخلف فحصلت المعركة بين النبي ﷺ وبين هؤلاء المشركين، وكان النبي ﵊ وأصحابه في قلة عَدَد وعُدَد ولكن الله تعالى نصرهم، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أذلة جمع ذليل كأعزة جمع عزيز، أذلة من ناحية العَدَد ومن ناحية العُدَد، فثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا بالنسبة لتسعمائة إلى ألف يعني أقل من الثلث، والذي معهم من العدة ليس بشيء، سبعون بعيرًا وفَرسان ولكن الله نصرهم .
وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ اتقوا الله، هذه الفاء للتفريع يعني بهذا النصر الذي نصركم الله يجب عليكم أن تتقوا الله، وألا تجعلوا النصر سببًا للأشر والبطر كما يفعله من ليس عنده إيمان إذا انتصر على عدوه جعل هذا سببًا للأشر والبطر، ودخل البلد وهو يغني ويطرب، كما ذكر عن بعض مذيعي العرب أيام حربهم مع اليهود يقول: غدًا تُغنَّى الأغاني في تل أبيب! فهل هذا جزاء وشكر النعمة؟
أما الرسول ﷺ فإنه دخل مكة عام الفتح وهو من أعظم الانتصارات مطأطئًا رأسه خاضعًا لله متقيًا الله، ولهذا قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ والتقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله
стр. 728
بفعل الأوامر واجتناب النواهي؛ لأنك إذا فعلت الأوامر وتركت النواهي فقد أخذت بالوقاية من عذاب الله تعالى.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (لعلَّ) هنا: للتعليل أي: لأجل أن تنالوا شكر الله، فالتقوى في الحقيقة هي الشكر لله أي من أجل أن تنالوا درجة الشاكرين. وشكر النعمة يكون بالقلب واللسان والجوارح:
أما شكر القلب: فبأن تعتقد أن هذه النعم من الله فضلًا منه ومنة، وأنه ليس لك منها إلا فعل السبب الذي أذن لك فيه، وأما حقيقتها فهي من الله، تؤمن بذلك ولا تكون كما قال القائل: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] بل قل: أوتيته بفضل الله ورحمته حتى وإن كان من عملك، أما إن كان من فعل الله فهو واضح بأن كل إنسان ينسبه إلى الله، ومع ذلك من الناس من لا ينسب ما كان من فعل الله إلى الله، إذا حصل المطر يقول: مطرنا بنوء كذا وكذا، ولهذا قال زيد بن خالد الجهني ﵁: صلى بنا رسول الله ﷺ في الحديبية على إثر سماء كانت من الليل أي على إثر مطر، فلما انصرف أقبل إلينا فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب. وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" (١). إذن
стр. 729
لابد أن تعتقد في قلبك أن النعمة من الله تعالى، وأن ما يحصل منك في جلب هذه النعمة إنما هو سبب مأذون فيه من الله .
وأما شكر اللسان: فهو أن تثني بها على الله لا أن تقولها فخرًا على عباد الله، بل تثني فتقول: الحمد لله الذي أعطاني كذا وكذا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١].
وأما شكر الجوارح: فهو أن تعمل بجوارحك بطاعة الله ولاسيما فيما يتعلق بهذه النعمة بخصوصها، فليس من الشكر إذا رزقك الله مالًا أن تشتري به محرَّمًا من المحرمات؛ لأن هذا استعانة بنعمة الله على معصية الله، وليس من الشكر، بل الشكر أن تجعل النعمة معينة لك على طاعة الله ، وقد قال أحد الشعراء:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
يدي: الجوارح، ولساني: القول بالثناء على الله بالنعمة، والضمير المحجبا: الاعتقاد.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - امتنان الله على رسول الله ﷺ وأصحابه بنصرهم في بدر، والنصر لهم نصر للأمة إلى يوم القيامة.
٢ - أن الإنسان بغير نصر الله لا يستطيع أن ينتصر؛ لأنه إذا كان جند الله الذين هم أعظم جند كان على وجه الأرض وهم رسول الله ﷺ ومن معه لم ينتصروا بأنفسهم وإنما انتصروا بنصر الله؛ فمن سواهم من باب أولى، ويتفرع على هذه الفائدة: أننا لا نعلق النصر إلا بالله ، لا نعلق النصر بقوتنا
стр. 730
ولا بقوة مساندة لنا، وإنما نعلق النصر بالله وحده، ونجعل هذه الأشياء المادية التي يكون بها النصر نجعلها أسبابًا قد تتخلف عنها مسبباتها؛ لأن النصر يكون من عند الله وحده.
٣ - أنه كلما كان الإنسان أذل لله كان أقرب إلى نصر الله، وكلما كان الإنسان مستغنيًا عن الله كان أبعد عن النصر؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ والإنسان إذا رأى من نفسه العزة وعلا وشمخ فإنه يخذل، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧].
٤ - أن النصر لا يكون بكثرة العَدَد ولا بقوة العُدَد بل هو من عند الله ، لكن كثرة العَدَد وقوة العُدَد مما أمرنا الله به وجعله سببًا للنصر كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ يعني من ورائهم ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ولهذا يجب على ولاة الأمة الإسلامية أن يعدوا أعظم سلاح يفتك بالأعداء من أجل إذا احتاجوا إليه يستطيعون مهاجمة العدو أو المدافعة إذا اعتدى عليهم أحد، وأما الأسلحة التقليدية التي تعتبر في وقتنا الحاضر مثل الحمير بالنسبة للخيل في الوقت السابق فهذه لا تكفي إلا إذا كان الإنسان لا يستطيع فإنه معذور، لكن إذا كان يستطيع فالواجب أن يجهز نفسه بكل ما يستطيع من قوة؛ لأن أعداء الإسلام يتربصون به الدوائر ويريدون أن يقضوا عليه بكل وسيلة، فإذا لم يكن عندنا سلاح نكبتهم به ونخزيهم به ونذلهم به فإننا لم نقم بما أوجب الله علينا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].
стр. 731
٥ - أن مَنْ مَنَّ الله عليه بنعمة كان ذلك موجبًا لتقوى الله، فالنصر سبب للتقوى والذل لله والخضوع له والانطراح بين يديه، كما فعل النبي ﵇ حين فتح مكة دخل مطأطأ الرأس يتلو كتاب الله ، خلافا لما يفعله الناس اليوم أو بعض الناس إذا انتصر جعل هذا النصر سببًا للأشر والبطر والملاهي والأغاني وغير ذلك من المعاصي، بل قد يكون بعد النصر أكثر منه فسوقًا مما قبل الحرب، وهذا خلاف ما أمر الله به؛ لأنه قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فأمر بالتقوى بعد النصر لئلا يشمخ الإنسان بأنفه ويتطاول على ربِّه بانتصاره فيعود إلى ما كان عليه من الفرح والبطر والأشر.
٦ - أن تقوى الله تعالى من الشكر لله؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وهذا أمر لا شك فيه أن التقوى من الشكر بل هي الشكر حقيقة؛ لأن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والشكر هو القيام بطاعة المنعم بالقلب واللسان والجوارح.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤، ١٢٥]:
قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، وهذا من الخطابات التي تختص برسول الله ﷺ . فالخطابات الموجهة لرسول الله ﷺ تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
стр. 732
الأول: ما دلَّ الدليل على أنه خاص به.
والثاني: ما دلَّ الدليل على أنه عام للأمة.
والثالث: ما لم يدل الدليل لا على هذا ولا هذا.
الأول: ما دلَّ الدليل على أنه خاص به فهو خاص به مثل هذه الآية: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] هذا خاص. ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] هذا خاص. ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] هذا أيضًا خاص وإن كانت الأمة يجب عليها التبليغ من جهة أخرى.
الثاني: ما دلَّ الدليل فيه على العموم كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] هذا واضح أنه عام؛ لأنه قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ فوجَّه الخطاب أولًا للنبي ﷺ ثم عمَّم في الحكم فقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾.
الثالث: ما لم يدل الدليل على هذا ولا هذا فهو عام بلا شك، حكمه عام، ولكن هل الخطاب عام من حيث اللفظ أو لا؟ الذي يظهر أنه عام حتى من حيث اللفظ، وذلك لأن الخطاب للإمام خطاب لمن تبعه، ولهذا لو قال الوزير مثلًا للقائد: اذهب إلى الجهة الفلانية كان ذلك الخطاب له ولمن كان تحت إمرته، كذلك الخطاب إذا وجِّه للرسول ﵊ ولم يدل الدليل على أنه خاص به فهو شامل له وللأمة جميعًا، وقال بعض العلماء: إنه لا يشمل الأمة، وأن الخطاب له وحده ولكن على الأمة الاتباع، والمتأمل يجد أن الخلاف قريب من اللفظي؛ لأننا متفقون على أن الحكم عام لكن هل الأمة تدخل في ضمن هذا
стр. 733
الخطاب أو تدخل بخطاب آخر لأنها مأمورة بالاتباع؟ .
وقوله: ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف، والقاعدة في اللغة العربية أن الظرف والجار والمجرور لابد له من متعلق، وذلك لأن الظرف والجار والمجرور يقعان موقع المفعول به، وما كان واقعًا موقع المفعول به فلابد له من عامل يكون واقعًا عليه. قيل: إن متعلقها قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] نصركم إذ تقول للمؤمنين، ولكن هذا قول ضعيف، والقول الثاني أنها بدل من قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] والتقدير: إذ غدوت إذ تقول للمؤمنين، وهذا أقرب، ثم إن قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الخطاب فيه للنبي ﷺ ، وهذا من الخطاب الخاص به الذي لا يتعدى إلى الأمة.
وقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ المراد بهم الصحابة ﵃ ووصفهم بالإيمان دون الصحبة لأنه -أعني الوصف بالإيمان- هو مناط النصر في كل وقت حتى فيما بعد الصحابة، فإن الله ينصر الذين آمنوا.
﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ هذه مقول القول، أي إذ تقول لهم هذا الكلام.
﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ قال أهل العلم: إن الصحابة ﵃ بلغهم أن المشركين صار بعضهم يُمِد بعضًا على قتال النبي ﷺ وأصحابه، فقال لهم الرسول ﷺ : ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ أي يكون كافيًا لكم هذا الأمر: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾، الملائكة هم عالم الغيب خلقهم الله تعالى من نور، ووجَّه لهم عبادات وأعمالًا
стр. 734
يقومون بها لا يعصون الله فيها ويفعلون ما يؤمرون، فليس عندهم استكبار تكون به المعصية، وليس عندهم عجز يكون به تخلف الفعل، بل هم سامعون مطيعون قادرون على تنفيذ أمر الله بخلاف البشر، فإنه يكون عندهم استكبار فيعصون الله، ويكون عندهم عجز فلا يقدرون على تنفيذ أمر الله، أما الملائكة فعندهم قوة لا يعجزون عن امتثال أمر الله، وعندهم انقياد تام فلا يعصون الله .
وقوله: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ منزلين من السماء؛ لأن الأصل أن مكان الملائكة السماء، ولكن هناك ملائكة يكونون مع الإنسان كالكرام الكاتبين والحفظة الذين يتعاقبون على الإنسان ملائكة بالليل وملائكة بالنهار. وقوله: (منزلين) بالتخفيف تكون من أنزل، وعلى قراءة التشديد تكون من نزل، والمعنى واحد، والذي ينزلهم هو الله لأنهم ينزلون بأمره.
وقوله تعالى: ﴿بَلَى﴾ هذه للإثبات أو التقرير للاستفهام ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ بلى يعني يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين، يقول: بلى يعني يكفيكم هذا الإمداد لكن بشرط أن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا، يمددكم ربكم بأكثر مما قلتَ لهم. فالنبي ﷺ قال: ألن يكفيكم أن يمدكم بثلاثة لكن إن صبرتم واتقيتم أمدكم الله بأكثر، ولهذا قال: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ﴾ فهاهنا شيء: ثلاثة آلاف من الملائكة وعد بها الرسول ﷺ ، وخمسة آلاف من الملائكة زائد على الثلاثة تكفل الله به ولكن بشرط الصبر والتقوى.
وقوله: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ أي: يأتوكم من الجهة التي
стр. 735
جاءوكم منها في وقت مبادر؛ لأن الفور معناه المبادرة بالشيء، فالمعنى أنهم إذا باغتوكم وأتوكم من فورهم، فإنه يمددكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، فالشروط إذن ثلاثة: الصبر، والتقوى، وأن يأتوهم من فورهم هذا؛ فإن الله يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة ليسوا منزلين فقط بل مسومين أي معلمين عَلَم الجهاد وعَلَم القتال، وهذا أبلغ من مجرد الإنزال، فالله تعالى تكفل بالزيادة وهذا يعود إلى الكمية، وتكفل بالقوة والشجاعة وهذا يعود إلى الكيفية.
وقوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي: معلمين بعلامات القتال؛ لأن العادة أن الشجعان يجعلون لهم علامات فوق لأمة الحرب حتى يعرف بها الشجاع من غيره، وهذه الآية أو هذا الإمداد اختلف أهل العلم هل كان هذا في بدر أو في أُحد؟ فإن كان في بدر ففيه إشكال حيث إن الله تعالى ذكر أن الله أمدهم في بدر بألف من الملائكة فقال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] وهنا قال: ثلاثة آلاف وخمسة آلاف لكن جمعوا بينهما بأنه لا مانع أن الله استجاب لهم فأمدهم بألف من الملائكة ثم زيد فيها إلى ثلاثة آلاف، ثم زيد فيها إلى خمسة آلاف إذا تمّت الشروط، وبناء على هذا القول يكون قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ متعلق (بنصر).
والقول الثاني: أن هذه الآية في أُحد وليست في بدر؛ لأن الذي في بدر كان الأمر فيها غير مشروط: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ وفي هذه مشروط ولم يحصل الشرط فلم يحصل المشروط، أي أن
стр. 736
المسلمين في غزوة أُحد لم يحصل منهم الشرط الذي شرطه الله وهو التقوى والصبر، وذلك لأنهم حصل منهم تنازع وفشل ومعصية، فلم يكونوا على الحال التي يستحقون بها ما شرط الله لهم، وهذا القول أصح وأقرب أن يكون المراد بذلك غزوة أُحد، وأنه لم يحصل الإمداد؛ لأن الإمداد كان مشروطًا بشرط ولم يتحقق، وعلى هذا فلا يبقى إشكال بين الآيتين؛ لأن كل آية نزلت في غزوة، ثم إنه يجب أن نعلم أن الذي وعدهم به الرسول ﷺ غير الذي وعدهم الله به، فليس الكلام من متكلم واحد بل من النبي ﷺ ومن الله تعالى، فالرسول قال: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ والله قال: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
من فوائد قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾:
١ - ما كان عليه النبي ﷺ في معاملة أصحابه من إدخال الأمل في قلوبهم عند اشتداد الأزمات، وهذه هي الطريقة السليمة، لأنك إذا أدخلت الأمل على الناس نشطوا ونسوا ما هم فيه من الهم والغم، أما بعض الناس فيكون على العكس تجده يدخل على الناس التشاؤم والمروعات والمخيفات، كلما قلنا انتهت هذه المروعات جاءنا بما هو أشد ترويعًا، هذا لا شك أنه خلاف السياسة الشرعية بل وخلاف العقل، نعم الشيء الذي تدعو الضرورة إليه مما يروع هذا لابد منه، أما الذي لا تدعو الحاجة إليه ولا الضرورة فافتح للناس باب الأمل، فالرسول ﷺ -
стр. 737
قال لهم لما خافوا من إمداد المشركين بعضهم بعضًا: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ ولما أُخبر بأن بني قريظة نكثوا العهد في عام الأحزاب أرسل إليهم من يقص الخبر وقال للرسول: إذا أتيتم فالحنوا لي لحنًا يعني أخبروني بهذا إشارة، وهي تسمى عندنا الآن الشفرة شفرة خاصة أخبرهم بها؛ لأنهم إذا جاؤوا ووجدوا أن اليهود قد نقضوا العهد ثم أخبر الرسول أمام الناس يلحقهم الرعب والخوف، فقال: الحنوا لي لحنًا، فلما رجعوا إلى رسول الله ﵊ وأخبروه أن بني قريظة نقضوا العهد ولكن ليس باللفظ الصريح بل باللحن الذي أرشدهم إليه قال: أبشروا أبشروا. أما بعض القادة في الوقت الحاضر فالمتوقع أن يقول: والله هذه مصيبة، جاءنا عدو جديد، ثم ملأت القلوب رعبًا، لكن الرسول ﵇ قال: أبشروا.
ولما كانوا يحفرون الخندق واعترضتهم صخرة شديدة عجزوا عنها جاؤوا إلى النبي ﷺ وأخبروه، فجاء ونزل في الخندق وأخذ المعول فضربها ضربةً انقدح منها شعاع، قال في الأولى أضاءت منه قصور كسرى أو قيصر، وفي الثانية قصور كسرى أو قيصر، وفي الثالثة قصور اليمن "صنعاء" فقال: أبشروا، مع أن الله تعالى قال عنهم في ذلك الحال: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] ولهذا ينبغي لنا أن ندخل على الناس باب الأمل الذي ينشطهم ويدخل عليهم السرور وينسيهم الهموم، لا أن ندخل عليهم باب المروعات والمقدرات حتى إن الإنسان تيبس أمعاؤه على بطنه، فليس هذا بصحيح، بل أدخل الأمل وما
стр. 738
أراد الله سوف يكون، ولكن مع ذلك أنا أقول: إنما يكون إدخال الأمل حينما يتعلق القلب بالله وتنقطع الحيل إلا من عند الله .
٢ - إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ والربوبية نوعان: عامة، وخاصة، ففي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذه عامة، وفي قوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ هنا خاصة، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة فرعون الذين مَنَّ الله عليهم بالإيمان ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢] الأولى عامة والثانية خاصة.
والربوبية الخاصة في قوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ تقتضي -مع المعنى العام وهو التدبير والملك- التثبيتَ والإعانةَ والكفَّ عن الشرور وما أشبه ذلك لأنها خاصة.
٣ - أن الملائكة أجسام يحصون بالعدد؛ لقوله: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾.
٤ - أن موطن الملائكة هو السماء، هذا هو الأصل؛ لقوله ﴿مُنْزَلِينَ﴾ لأن النزول إنما يكون من أعلى إلى أسفل، فإذا كان هؤلاء الملائكة منزلين دلَّ على أن مكانهم في السماء، هذا هو الأصل لكن ينزلون الأرض كثيرًا حسب أمر الله تعالى.
٥ - أن الملائكة لم تقاتل بلا شك، ولكن هل أمدوا؟ ذكرنا أن المسألة فيها قولان للعلماء:
الأول: إن كان في بدر فقد أمدوا.
والثاني: إن كان في أُحد فإنهم لم يمدوا؛ لأن ذلك شرط بالصبر والتقوى.
стр. 739
ومن فوائد قوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾:
١ - أن الصبر والتقوى سببان للنصر؛ لقوله: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي تصبروا على الأوامر وتتقوا المحارم.
٢ - أن الله تعالى زادهم على ما بشّرهم به الرسول ﵊ ألفين إذا صبروا واتقوا.
٣ - أن هؤلاء الملائكة الذين يمدون بهم لو صبروا واتقوا مُسَوِّمِين أو مُسَوَّمين على قراءتين، فمُسَوَّمين قد جعل فيها علامة تختص بهم كما سبق. ومُسَوِّمين أي هم جعلوا علامة على ما جعل لهم من الخيول على حسب ما جاءت به الروايات.
٤ - أن من نعمة الله على العبد أن يكون الذي يتولاه الملائكة؛ لأن الملائكة تثبت على الخير بخلاف الشياطين فإنها تثبت على الشر، ويتفرع على هذه الفائدة أنه إذا امتنعت الملائكة عن بيت فإنه نوع من العقوبة كما في قوله ﵊: "إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة" (١).
* * *
• ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]:
﴿جَعَلَهُ﴾ قيل في الضمير: إنه يعود إلى الإمداد أو إلى
стр. 740
الوعد به بالشروط الثلاثة، وقيل: إنه يعود إلى قول النبي ﷺ : ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤] يعني أن الله لم يجعل قول الرسول ﷺ بشرى لكم، و"البشرى" هي الخبر بما يسرّ، وهذه ولا شك بشرى إذ إن المقاتل إذا علم أن الله سيمده بالملائكة فإنه سوف ينشط ويقوى ويؤمل النصر بخلاف ما إذا كان لم يحصل له هذا الشيء.
وقوله: ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ "بشرى" مفعول ثانٍ لـ"جعل"، إذا كان "جعل" بمعنى صيّر، وإذا كان (جعل) ليست بمعنى صيّر فتكون مفعولًا لأجله، ولا تصلح أن تكون منصوبة على الاستثناء؛ لأن الأداة هنا للحصر؛ لأن العامل لم يستكمل معموله.
وقال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾ الاطمئنان معناه الاستقرار وعدم القلق، ولا شك أن طمأنينة القلب فيها راحة للنفس وفيها فتح للتفاؤل والأمل، وفيها ثبات على الأمر بخلاف الإنسان الذي لم يطمئن قلبه فتجده دائمًا في قلق وضيق، أما إذا اطمأن قلبه فإن ذلك مما يعينه على التحمل والثبات والصبر، ولهذا قال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ وفي آية الأنفال يختلف السياق هناك قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال: ١٠] وحذف قوله: "لكم" وقدم الجار والمجرور على الفاعل ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ أما هنا ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ وهذا مما يؤيد أن الآيتين ليستا في غزوة بدر، بل آية الأنفال في غزوة بدر وهذه في غزوة أحد، ولم يحصل الإمداد لما عرفتم من تخلف الشرط.
ثم قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ حتى