← Тафсир

Тафсир · id 545

تفسير العثيمين: آل عمران

ابن عثيمين

Полный текст (1 207 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

المسلمين في غزوة أُحد لم يحصل منهم الشرط الذي شرطه الله وهو التقوى والصبر، وذلك لأنهم حصل منهم تنازع وفشل ومعصية، فلم يكونوا على الحال التي يستحقون بها ما شرط الله لهم، وهذا القول أصح وأقرب أن يكون المراد بذلك غزوة أُحد، وأنه لم يحصل الإمداد؛ لأن الإمداد كان مشروطًا بشرط ولم يتحقق، وعلى هذا فلا يبقى إشكال بين الآيتين؛ لأن كل آية نزلت في غزوة، ثم إنه يجب أن نعلم أن الذي وعدهم به الرسول ﷺ غير الذي وعدهم الله به، فليس الكلام من متكلم واحد بل من النبي ﷺ ومن الله تعالى، فالرسول قال: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ والله قال: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. من فوائد الآيتين الكريمتين: من فوائد قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾: ١ - ما كان عليه النبي ﷺ في معاملة أصحابه من إدخال الأمل في قلوبهم عند اشتداد الأزمات، وهذه هي الطريقة السليمة، لأنك إذا أدخلت الأمل على الناس نشطوا ونسوا ما هم فيه من الهم والغم، أما بعض الناس فيكون على العكس تجده يدخل على الناس التشاؤم والمروعات والمخيفات، كلما قلنا انتهت هذه المروعات جاءنا بما هو أشد ترويعًا، هذا لا شك أنه خلاف السياسة الشرعية بل وخلاف العقل، نعم الشيء الذي تدعو الضرورة إليه مما يروع هذا لابد منه، أما الذي لا تدعو الحاجة إليه ولا الضرورة فافتح للناس باب الأمل، فالرسول ﷺ -

стр. 737

قال لهم لما خافوا من إمداد المشركين بعضهم بعضًا: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ ولما أُخبر بأن بني قريظة نكثوا العهد في عام الأحزاب أرسل إليهم من يقص الخبر وقال للرسول: إذا أتيتم فالحنوا لي لحنًا يعني أخبروني بهذا إشارة، وهي تسمى عندنا الآن الشفرة شفرة خاصة أخبرهم بها؛ لأنهم إذا جاؤوا ووجدوا أن اليهود قد نقضوا العهد ثم أخبر الرسول أمام الناس يلحقهم الرعب والخوف، فقال: الحنوا لي لحنًا، فلما رجعوا إلى رسول الله ﵊ وأخبروه أن بني قريظة نقضوا العهد ولكن ليس باللفظ الصريح بل باللحن الذي أرشدهم إليه قال: أبشروا أبشروا. أما بعض القادة في الوقت الحاضر فالمتوقع أن يقول: والله هذه مصيبة، جاءنا عدو جديد، ثم ملأت القلوب رعبًا، لكن الرسول ﵇ قال: أبشروا. ولما كانوا يحفرون الخندق واعترضتهم صخرة شديدة عجزوا عنها جاؤوا إلى النبي ﷺ وأخبروه، فجاء ونزل في الخندق وأخذ المعول فضربها ضربةً انقدح منها شعاع، قال في الأولى أضاءت منه قصور كسرى أو قيصر، وفي الثانية قصور كسرى أو قيصر، وفي الثالثة قصور اليمن "صنعاء" فقال: أبشروا، مع أن الله تعالى قال عنهم في ذلك الحال: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠] ولهذا ينبغي لنا أن ندخل على الناس باب الأمل الذي ينشطهم ويدخل عليهم السرور وينسيهم الهموم، لا أن ندخل عليهم باب المروعات والمقدرات حتى إن الإنسان تيبس أمعاؤه على بطنه، فليس هذا بصحيح، بل أدخل الأمل وما

стр. 738

أراد الله سوف يكون، ولكن مع ذلك أنا أقول: إنما يكون إدخال الأمل حينما يتعلق القلب بالله وتنقطع الحيل إلا من عند الله . ٢ - إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ والربوبية نوعان: عامة، وخاصة، ففي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذه عامة، وفي قوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ هنا خاصة، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة فرعون الذين مَنَّ الله عليهم بالإيمان ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢] الأولى عامة والثانية خاصة. والربوبية الخاصة في قوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ تقتضي -مع المعنى العام وهو التدبير والملك- التثبيتَ والإعانةَ والكفَّ عن الشرور وما أشبه ذلك لأنها خاصة. ٣ - أن الملائكة أجسام يحصون بالعدد؛ لقوله: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾. ٤ - أن موطن الملائكة هو السماء، هذا هو الأصل؛ لقوله ﴿مُنْزَلِينَ﴾ لأن النزول إنما يكون من أعلى إلى أسفل، فإذا كان هؤلاء الملائكة منزلين دلَّ على أن مكانهم في السماء، هذا هو الأصل لكن ينزلون الأرض كثيرًا حسب أمر الله تعالى. ٥ - أن الملائكة لم تقاتل بلا شك، ولكن هل أمدوا؟ ذكرنا أن المسألة فيها قولان للعلماء: الأول: إن كان في بدر فقد أمدوا. والثاني: إن كان في أُحد فإنهم لم يمدوا؛ لأن ذلك شرط بالصبر والتقوى.

стр. 739

ومن فوائد قوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾: ١ - أن الصبر والتقوى سببان للنصر؛ لقوله: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي تصبروا على الأوامر وتتقوا المحارم. ٢ - أن الله تعالى زادهم على ما بشّرهم به الرسول ﵊ ألفين إذا صبروا واتقوا. ٣ - أن هؤلاء الملائكة الذين يمدون بهم لو صبروا واتقوا مُسَوِّمِين أو مُسَوَّمين على قراءتين، فمُسَوَّمين قد جعل فيها علامة تختص بهم كما سبق. ومُسَوِّمين أي هم جعلوا علامة على ما جعل لهم من الخيول على حسب ما جاءت به الروايات. ٤ - أن من نعمة الله على العبد أن يكون الذي يتولاه الملائكة؛ لأن الملائكة تثبت على الخير بخلاف الشياطين فإنها تثبت على الشر، ويتفرع على هذه الفائدة أنه إذا امتنعت الملائكة عن بيت فإنه نوع من العقوبة كما في قوله ﵊: "إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة" (١). * * * • ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]: ﴿جَعَلَهُ﴾ قيل في الضمير: إنه يعود إلى الإمداد أو إلى

стр. 740

الوعد به بالشروط الثلاثة، وقيل: إنه يعود إلى قول النبي ﷺ : ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤] يعني أن الله لم يجعل قول الرسول ﷺ بشرى لكم، و"البشرى" هي الخبر بما يسرّ، وهذه ولا شك بشرى إذ إن المقاتل إذا علم أن الله سيمده بالملائكة فإنه سوف ينشط ويقوى ويؤمل النصر بخلاف ما إذا كان لم يحصل له هذا الشيء. وقوله: ﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ "بشرى" مفعول ثانٍ لـ"جعل"، إذا كان "جعل" بمعنى صيّر، وإذا كان (جعل) ليست بمعنى صيّر فتكون مفعولًا لأجله، ولا تصلح أن تكون منصوبة على الاستثناء؛ لأن الأداة هنا للحصر؛ لأن العامل لم يستكمل معموله. وقال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾ الاطمئنان معناه الاستقرار وعدم القلق، ولا شك أن طمأنينة القلب فيها راحة للنفس وفيها فتح للتفاؤل والأمل، وفيها ثبات على الأمر بخلاف الإنسان الذي لم يطمئن قلبه فتجده دائمًا في قلق وضيق، أما إذا اطمأن قلبه فإن ذلك مما يعينه على التحمل والثبات والصبر، ولهذا قال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ وفي آية الأنفال يختلف السياق هناك قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال: ١٠] وحذف قوله: "لكم" وقدم الجار والمجرور على الفاعل ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ أما هنا ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ وهذا مما يؤيد أن الآيتين ليستا في غزوة بدر، بل آية الأنفال في غزوة بدر وهذه في غزوة أحد، ولم يحصل الإمداد لما عرفتم من تخلف الشرط. ثم قال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ حتى

стр. 741

وإن أُمددتم بالملائكة، ثلاثة آلاف أو خمسة آلاف فليس النصر بهم، ولكن النصر من عند الله وهو الذي يهيئ أسباب النصر فلا تعتمد على غير الله تعالى مما جعله الله سببًا في النصر. وقوله: ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾: العزيز يعني ذي العزة، وعزة الله تعالى ثلاثة أنواع: عزة قدر، وعزة قهر، وعزة امتناع، عزة القدر يعني الشرف والسيادة والفضل مثل أن نقول: هذا الشيء عزيز وجوده يعني أنه منفرد في الصفات الكاملة عن غيره، وعزة القهر يعني الغلبة، يعني أنه غالب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] أي: غلبني فيه، فالله له الغلبة كما قال تعالى ﴿يَقُولُونَ -يعني المنافقون- لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فسلَّم الله لهم ذلك أن الأعز يخرج الأذل ولكن لمن العزة؟ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] إذن عزة القهر يعني الغلبة أنه غالب، غالب لكل شيء، ومن الشعر الجاهلي: أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب الثالث: عزة الامتناع: يعني أنه يمتنع أن يناله السوء أو النقص، وهو مأخوذٌ من قولهم: أرض عزاز يعني صلبة قوية لا تؤثر فيها المعاول. وأما قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ فمأخوذٌ من الحُكْم ومن الإحكام، والحكم: القضاء، والإحكام يعني الاتقان، وحكم الله ينقسم إلى قسمين: حكم كوني: لا يتخلف المحكوم فيه.

стр. 742

وحكم شرعي: قد يتخلف. فالحكم الكوني لا يتخلف أبدًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠] يعني حكمًا كونيًا. وأما الحكم الشرعي فمثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠] ومنه قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. ثم إن في كل منهما حِكْمة، يعني ما من حكم شرعي أو كوني إلا وهو مقترن بالحكمة لأنا قلنا مأخوذ من الحكم والإحكام. ثم إن الحكمة قد يكون المراد بها أن وقوع الشيء على هذا الوجه حِكمة، والغاية منه حكمة أيضًا، فتكون الحكمة في صورة الشيء، والحكمة الثانية في الغاية منه. فكون الصلوات على هذا الوجه هذا حكمة تتعلق بصورة العمل، والغاية منها حكمة تتعلق بالمراد من هذا العمل. وربط العزة بالحكمة يفيد معنًى ثالثًا غير المعنى المستفاد من العزة على انفراد أو الحكمة على انفراد، وذلك لأن العزيز قد تغلبه العزة حتى يتصرف تصرف الطيش والسفه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] لكن عزة الله ﵎ لا تخرج عن الحكمة مع أن له العزة المطلقة، فإن هذه العزة لا تخرج عن الحكمة، وكل شيء يفعله إنما يفعله على وجه الحكمة جل وعلا.

стр. 743

من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن هذا الوعد بشرى من الله أو من الرسول ﵊ على خلاف بين العلماء، والخلاف في هذا يسير الخطب سواء كان ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي: قول الرسول أو ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي قول الله لهم: ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾. ٢ - أن إمداد الشخص بما يعينه سببٌ لسروره وبشارته؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾. ٣ - أنه مهما عظمت الأسباب إذا لم يؤيد الله الإنسان بنصر فإنه لن ينتصر؛ لقوله بعد ذكر هذا الإمداد ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. ٤ - يجب على المرء مع فعل السبب أن يعتمد على ربه، وأن يؤمل النصر منه . ٥ - أن النصر من مقتضى اسمه العزيز الحكيم. ٦ - أن الله لن ينصر إلا من اقتضت الحكمة نصره؛ لقوله: ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ولا يرد على هذا أن الله جعل للمشركين نصرًا في غزوة أحد؛ لأننا نقول: إن هذا النصر فيه فائدة أو فوائد عظيمة للمسلمين فهو حكمة. انتصار المشركين في أُحد لا شك أنه حكمة تترتب عليه فوائد عظيمة تذكر إن شاء الله في الآيات التالية: * * * • قوله تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٧]: اللام هنا للتعليل، والفاعل في قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾ يعود إلى الله

стр. 744

سبحانه وتعالى، والمراد بالقطع هنا الإهلاك أي ليهلك طرفًا، اللام هذه إما متعلقة بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] ولكن هذا ضعيف؛ لأنه بعيد، يعني أنه جاءت آيات كثيرة تفصل بين العامل والمعمول، وهذا لا نظير له، وإما أن يكون متعلقًا بمحذوف تقديره: فعل ذلك ليقطع طرفًا، وهذا القول أصح، فتكون اللام متعلقة بفعل محذوف يقدر على وجه مناسب. وقوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: ليهلكهم، ولكن هل هذا فيما إذا انتصروا على المسلمين أو فيما إذا انتصر المسلمون عليهم أو على الوجهين جميعًا؟ الصواب أنه على الوجهين جميعًا؛ لأنه إن انتصر المسلمون وهزموهم فقد هلك طرف منهم، وإن انتصروا هم على المسلمين فإنهم سوف يلحقهم الغرور ونشوة النصر ثم يعيدون الكرة مرة ثانية، وحينئذٍ يقضى عليهم، فيكون الوجهان حاصلين سواء غَلبوا أو غُلِبوا. وقوله: ﴿طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الطرف: طرف الشيء هو منتهاه من أسفل أو من أعلى، والمراد الطرف الذي يلي المسلمين؛ وذلك لأن المسلمين مطالبون بقتال من يليهم من الكفار حتى يفتحوا بلاد الكفار بلدًا بلدًا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] فهذا كما أنه سنة الله الشرعية فهو أيضًا موافق للفطرة؛ لأنه ليس من الحكمة أن تذهب إلى البعيد تقاتله وتترك القريب، إذ إن القريب في هذه الحال ربما يكون كمينًا يعني يحول بينك وبين رجوعك إلى بلدك.

стр. 745

وقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يعني يخذلهم ويذلهم وإن لم يحصل فيهم قتل. ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾: ينقلبوا إلى بلادهم خائبين أي لم يحوزوا خيرًا، وذلك كما حصل في غزوة الأحزاب فإنهم في غزوة الأحزاب رجعوا خائبين بدون قتال كما قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]، فقد ردَّهم الله بالريح والجنود التي لم نرها. من فوائد الآية الكريمة: ١ - إثبات الحكمة لله فى أفعاله وتشريعاته، وذلك لأن اللام للتعليل، والتعليل هو الحكمة. ٢ - أن الله يسلط المؤمنين على الكفار ليقطع طرفًا من الذين كفروا، وليس كل الذين كفروا؛ لأن من حكمة الله أن يبقى الإيمان والكفر متصارعين دائمًا حتى يتبين المؤمن الخالص من غيره. ٣ - أن مآل الكفار واحد من هذه الأمور: إهلاكهم أو خذلانهم، لقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ والكبت هو الإذلال، والخذلان هو الخيبة، لقوله: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ مثل قصة الأحزاب فإن الله ردهم على أعقابهم خائبين. * * * • ثم قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]: ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ قال بعض العلماء: إن المعنى ليس إليك من الأمر شيء مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي

стр. 746

لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] يعني ينادي إلى الإيمان، ولكن الظاهر أن اللام على بابها وليست بمعنى (إلى) والمعنى: أنك لا تملك شيئًا، وليس المعنى أنه لا يرد إليك شيء، بل المعنى أنك لا تملك شيئًا، فاللام على ما هي عليه. والخطاب في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ للنبي ﷺ . وقوله: ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ يعني الأمر الكوني، أما الأمر الشرعي فإن الرسول ﵊ له منه شيء؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] أما الأمر الكوني فلا. واختلفت الروايات في سبب نزول هذه الآية، ففي بعض الروايات أن سببها أن النبي ﷺ دعا على قوم من الكفار مثل أبي سفيان وسهيل بن عمرو وصفوان بن أمية والحارث بن هاشم، هؤلاء الأربعة كان الرسول ﵊ يدعو عليهم، يلعنهم إذا صلى الفجر في الركعة الأخيرة، يدعو عليهم: اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا بأسمائهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (١) فالأمر إلى الله. وفي رواية أخرى صحيحة أن النبي ﷺ لما شجوا وجهه في أُحد جعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: "كيف يفلح قومٌ شجوا نبيهم وهو يدعوهم إلى الله" فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٢). والقاعدة في أسباب النزول أنه إذا

стр. 747

لم يكن الترجيح فلا مانع من أن يتعدد السبب، فيكون لنزول الآية سببان، الأول: إنكاره ﵊ على هؤلاء القوم وقوله: "كيف يفلح؟ " استبعاده فلاحهم، والثاني: لعنه هؤلاء الأربعة، ولا محظور في ذلك فإن الآية قد يكون لنزولها سببان. وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ قيل: إنها معطوفة على يقطع، وقيل: (أو) بمعنى إلى أن يتوب عليهم، فعلى القول الأول لا إشكال في الآية، ويكون الله ذكر في عاقبة هؤلاء الكفار أربعة أمور: ١ - يقطع طرفًا من الذين كفروا. ٢ - أو يكبتهم. ٣ - أو يتوب عليهم. ٤ - أو يعذبهم. وهذا الوجه كما ترون وجه حسن ليس فيه إلا الجملة المعترضة في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وهذا لا يضر، ففي القرآن جمل معترضة بين أشياء متقاربة في المعنى، بل فيه آيات، فمثل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] ذكرت هذه في أثناء آيات العدد ولا يظهر للإنسان وجه مناسبة، لكن الله أعلم منا، كذلك أيضًا هنا نقول: لا يضر أن توجد جملة معترضة مع أننا سنبين إن شاء الله المناسبة فيها. أما القول الثاني الذي يقول إن ﴿أَوْ﴾ بمعنى (إلى) فيقولون: إن في الآية حذفًا والتقدير: "ليس لك من الأمر شيء فاصبر أو يتوب الله عليهم" فيقدرون فعلًا هو (اصبر) يعني لا تدعُ عليهم

стр. 748

اصبر أو يتوب عليهم، وتعلمون أن (أو) تأتي بمعنى (إلى) وتأتي بمعنى (إلا أن)، فإذا قال القائل: لأقتلن الكافر أو يسلم فهي بمعنى (إلا أن) ولا يصلح أن نقول بمعنى (إلى أن)، وإذا قال: لألزمن الغريم أو يقضيني ديني، فهي بمعنى (إلى أن). وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾: أي: على الكافرين، وتوبة الله على الكافر أن يهديه للإسلام، وتوبته على الفاسق أن يرده عن الفسق إلى الطاعة، وتوبة الله على العبد قسمان: توبة سابقة، وتوبة لاحقة، وتوبة العبد متوسطة بينهما، وهذا مذكور في سورة التوبة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٧، ١١٨] تاب عليهم ليتوبوا، هذه التوبة السابقة، والتوبة السابقة معناها التوفيق للتوبة، والتوبة اللاحقة معناها قبول التوبة، وتوبة العبد تكون بينهما. ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي ييسرهم للإسلام من الكفر. وموقع هذه الجملة مما قبلها أنها تعليل لها يعني أنهم يستحقون أحد هذه الأمور؛ لأنهم ظالمون إلا التوبة، فإن الله إذا تاب عليهم زال وصفهم بالظلم، والأربعة الذين كان الرسول ﵊ يدعو عليهم كلهم تاب الله عليهم فأسلموا، وفي هذا إشارة كما سبق إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يدعو على

стр. 749

شخص مهما بلغ في الكفر والطغيان باللعنة، بل لا يجوز أن يدعو عليه باللعنة؛ لأن اللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ولا يحل لك أن تتحجر رحمة الله، فقد يمنُّ الله على هذا الكافر المجرم فيتوب، كما أنه قد يمن على الفاسق الذي لم يصل إلى حد الكفر فيستقيم وتصلح حاله. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن النبي ﷺ لا يملك شيئًا من الأمر الكوني. وفي هذه الجملة ردٌّ على الذين يتعلقون بالرسول ﵊ في الدعاء والاستعانة به والاستغاثة به حتى بعد موته، فتجدهم عند قبره الشريف يدعون الرسول ﵊ صراحة، بل إنهم عند الدعاء ولو كانوا بعيدين يتجهون إلى القبر لا إلى القبلة، وهذا من سفههم. ٢ - أن النبي ﷺ مكلف يأمره الله وينهاه، وعليه فيكون في هذا إبطال لدعوى من يقولون: إن الإنسان إذا وصل إلى حالة معينة من العبودية سقطت عنه التكاليف، وهذا قول طائفة من الصوفية الذين يقولون: إن الإنسان يترقى في اليقين حتى إذا وصل إلى الدرجة العليا سقط عنه التكليف، وصار كل شيء حرامٍ حلالًا له، وكل شيء واجب ليس بواجب عليه، فلا يوجبون عليه الصلاة، ولا يحرمون عليه الزنى ولا شرب الخمر؛ فيقال لهم: إذا كان النبي ﵊ وهو أشرف الخلق لا يصل إلى هذه المرتبة فما بالك بمن دونه؟ ! . ٣ - أن الله قد يتوب على أعتى الناس وأشدهم كفرًا لعموم قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾.

стр. 750

٤ - أن الله سبحانه قد يعذب الكافرين عذابًا ليس للمسلمين فيه يد، بل هو من عند الله وحده؛ لقوله: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾. ٥ - أن الله لا يعذب إلا بذنب؛ لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ والظالم مستحق لأن ينكل الله به؛ لأن الله لا يحب الظلم، بل إنه قال في الحديث القدسي: "إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا" (١). * * * • قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢٩]: لما ذكر أن النبي ﵊ ليس له من الأمر شيء فمن دونه من الخلق من باب أولى، بيَّن لمن يكون له الأمر فقال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، واللام هنا للاستحقاق والاختصاص والملك، يعني لله ملكًا واستحقاقًا واختصاصًا، والخبر "الجار والمجرور" مقدم على المبتدأ لإفادة الحصر، يعني لله لا لغيره. وقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (ما) اسم موصول يشمل كل ما في السموات وما في الأرض من إنس وجن وحيوان وجماد وغير ذلك، وعبر بـ (ما) إما لأن غير العاقل أكثر من العاقل فصار هذا من باب التغليب، وإما لأن المقصود الأعيان والأوصاف، وإذا كان المقصود الأعيان والأوصاف يؤتى بـ (ما)

стр. 751

لا بـ (مَنْ) ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] ولم يقل (مَنْ) لأنه ليس المقصود العين، وإنما المقصود الوصف يعني الذي يطيب لكم وتركنون إليه. على كل حال سواء كانت (ما) من باب التغليب أو المقصود به الأعيان والأوصاف فإنها تدل على العموم، وأن جميع ما في السموات والأرض لله. وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ هذه جمع قد صرح الله سبحانه في القرآن بأن السموات سبع كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] أما الأرض فليس في القرآن نصٌّ على أنها سبع، وإنما فيه ظاهر، يعني ما يدل ظاهرًا على أن الأرضين سبع، ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] فإن المثلية هنا لا يمكن أن تكون مثلية الجنس والنوع والصفة؛ لأن الأرض مختلفة عن السماء اختلافًا ظاهرًا؛ فتعيَّن أن يكون مراد المثلية بالعدد. وقد جاءت السنة مصرحة بأن عدد الأرضين سبع ولكن هذه الأرضين السبع هل هي متجاورة أو متطابقة كالسموات؟ ظَنَّ بعض العلماء أنها متجاورة، وأن المراد بها القارات العسبع، ولكن هذا ليس بصحيح، والصحيح أنها متطابقة أي بعضها فوق بعض، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوّقه يوم القيامة من سبع أرضين" (١)، فإن هذا يدل على أنها متطابقة إذ لو لم تكن كذلك لم يعذب هذا الذي

стр. 752

اقتطع شبرًا من الأرض إلا بأرض واحدة فقط، ثم هل هي متلاصقة أو متباينة؟ قال بعض العلماء: إنها متلاصقة. وقال آخرون: بل هي متباينة أي بين كل أرض والأخرى فاصل هواء، والله أعلم بذلك، وربما نطلع عن طريق العلم الحديث على الراجح من هذين القولين. وقوله: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (يغفر) مضارع من المغفرة، والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، مأخوذة من المغفر الذي يوضع على الرأس عند القتال، فإنه ساتر للرأس وواقٍ له، والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه. وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هذه الآية مقيدة بالحكمة أي من اقتضت حكمته أن يغفر له غفر له، هذا واحد، والثاني مقيدة بما عدا الشرك، فإن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] لكن المشرك لو أسلم لغفر الله له لقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وقوله: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني ممن يستحق التعذيب. وقوله: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ لا يستثنى منها المشرك؛ لأن المشرك قد أعلمنا الله أنه لا يشاء أن يغفر له فلا يكون داخلًا في المشيئة بل هو يعذب المشرك قطعًا؛ لأن وعده لا يخلف ، فالمشرك لابد أن يعذب: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] لكن لو تاب فإن الله يغفر له ويتوب عليه. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:

стр. 753

خَتْمُ الآية بهذين الاسمين الكريمين مناسب جدًا؛ لقوله: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فلكونه غفورًا صار يغفر لمن يشاء، والغفور اسم من أسماء الله المتعدية إذ لا يتم الإيمان به إلا بثلاثة أمور: ١ - الإيمان بأنه اسم من أسماء الله. ٢ - الإيمان بما تضمَّنه من صفة. ٣ - الحكم المترتب على هذه الصفة وهو أنه يغفر. فنستفيد إذن من هذه الآية إثبات الاسم (الغفور) وإثبات الصفة (المغفرة) وإثبات الحكم المترتب على هذا أنه يغفر بهذه المغفرة. و(الرحيم) أيضًا اسم من أسماء الله، والرحيم معناه ذو الرحمة المقتضية للإحسان والإنعام، فالإحسان والإنعام من مقتضى الرحمة وليس هو الرحمة، وقد فسَّر من ينكرون الرحمة بأنها الإحسان أو إرادة الإحسان, وهؤلاء هم الأشاعرة -عفا الله عنا وعنهم- يقولون: إن الله ليس له رحمة؛ لأن الرحمة رقة ولين وخضوع للأمر الواقع فيقال لهم: هذه رحمة المخلوق؟ أما رحمة الخالق فلا تتضمن نقصًا أبدًا بل هي كمال محض، ثم إن قولكم إنها رقة ولين فنقول: إن الرقة واللين صفة مدح لأنها خير من الغلظة، ولهذا قال الله : "إن رحمتي سبقت غضبي" (١). وقولهم: إنما توجب أن الإنسان يخضع للأمر الواقع وما أشبه ذلك حتى يرحم نقول: هذا بالنسبة لرحمة المخلوق أما رحمة الخالق فليس فيها خضوع إطلاقًا، ثم إنه منقوض عليكم

стр. 754

لأنه يوجد ملك من الملوك الذي لا أحد ينابذه فيما يتكلم به ويكون عنده من الرحمة الشيء العظيم. من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان عموم ملك الله ؛ لقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (وما) من صيغ العموم كما هو معروف. ٢ - انفراد الله بذلك لتقديم الخبر، والخبر حقه التأخير، ومن طرق الحصر تقديم ما حقه التأخير. ٣ - إثبات تعدد السموات، وقد بيَّن الله سبحانه في كتابه أنها سبع سموات، وأما الأرض فذكرت بصيغة الإفراد والمراد الجنس فيشمل جميع الأرضين، وقد بينت السنة أنها سبع. ٤ - إثبات المغفرة لله؛ لقوله: ﴿يَغْفِرُ﴾ وإثبات التعذيب لقوله: ﴿وَيُعَذِّبُ﴾ ويتفرع لهاتين الفائدتين إثبات تمام سلطانه في ملكه، وأن الأمر له في التعذيب والمغفرة. ٥ - إثبات المشيئة لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ والمشيئة تأتي كثيرًا في القرآن الكريم ولكنها مقرونة بالحكمة أي من اقتضت الحكمة أن المغفرة له، ومن اقتضت الحكمة أن يعذب. ٦ - إثبات الاسمين الكريمين من أسماء الله وهما (الغفور الرحيم) وإثبات ما تضمناه من صفة وهي المغفرة والرحمة. ٧ - إثبات الحكم المترتب على ذلك وهو ما يعرف عند بعض العلماء بالأثر وهو أنه يغفر ويرحم، والقاعدة في أسماء الله أنه إذا كان الاسم متعديًا فإن الإيمان به يتضمن ثلاثة أمور: الإيمان بكونه اسم من أسماء الله، وبما دلَّ عليه من صفة،

стр. 755

وبالحكم الذي يترتب على ذلك، وإذا كان لازمًا غير متعدٍ فإن الإيمان به يتضمن أمرين: الإيمان بأنه اسم من أسماء الله، والإيمان بما دلَّ عليه من الصفة. * * * • ثم قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]: تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب يقظة المخاطب وانتباهه، والخطاب الذي يعتنى به يُسبق بما يفيد الانتباه والاستيقاظ، وتوجيهه إلى المؤمنين يدل على فوائد ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أولًا: الإغراء والحث على ما تضمنه الخطاب؛ لأن مناداة هؤلاء باسم الإيمان يدل على أن ذلك من أجل أن يثير هممهم كما تقول للرجل تخاطبه: يا كريم أكرم ضيفك. فإنك إذا قلت: يا كريم فإن هذا من باب الإغراء والحث، يعني من أجل كرمك أكرم. وتقول: يا رجل اترك السفلة، أو يا حليم اترك السفه وما أشبه ذلك، فالمقصود بمثل هذا الإغراء والحث. ويفيد أيضًا أن الالتزام بما دلَّ عليه الخطاب من مقتضيات الإيمان, فمثلًا ترك أكل الربا من مقتضيات الإيمان؛ لأن الخطاب وُجِّه للمؤمنين، ويستفاد أمر ثالث وهو أن المخالفة في هذا منقصة للإيمان وسبب لنقصانه. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تأتي هكذا مطلقة في القرآن الكريم لكن معناها مقيد بما يجب الإيمان به، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وبيَّن الرسول ﷺ أن الإيمان يتضمن الإيمان بستة أشياء: بالله،

стр. 756

وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. ثم إن المراد بالإيمان ليس مجرد التصديق فقط بل الإقرار المتضمن أو المستلزم للقبول والإذعان، أما مجرد أن يصدق الإنسان بالشيء فإنه ليس بمؤمن، فأبو طالب مثلًا مصدق بأن محمدًا رسول الله ﷺ ومع ذلك لم ينفعه لأنه لم يقبل ولم يذعن، فلابد من قبول وإذعان يعني انقيادًا. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ آمنوا بما يجب الإيمان به وهي الأمور الستة التي بيَّنها الرسول ﵊: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ لا تأكلوا الربا، الأكل معروف، وخلافه الشرب واللبس والسكنى والانتفاعات الأخرى، لكنه عبر بالأكل لأنه أخص ما يكون في ملابسة الإنسان، فالذي يدخل إلى جوفك ليس كالذي تلبسه ظاهر جسدك، وليس كالبيت الذي تسكنه، فإن أبلغ ما يكون في ملامسة الإنسان هو الأكل، ولهذا نهى عنه، والإنسان عندما لا يكون لديه شيء وهو جائع عارٍ وليس عنده سكن يقدم الأكل فهو أشد ما يكون ضرورة للإنسان، ولهذا قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾، والربا في اللغة الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] يعني علت ومنه "الرُّبى" جمع رابية للمكان المرتفع من الأرض، والمراد بالربا هنا الربا الشرعي وهو زيادة ونسأ، زيادة ويسمى ربا الفضل، ونسأ ويسمى ربا النسيئة، ويكون الربا في أموال خاصة بيَّنها النبي ﵊ بقوله: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير

стр. 757

بالشعير، والملح بالملح" (١). هذه الأشياء الستة متفق على جريان الربا فيها، فإذا أبدل جنس بمثله لزم فيه شيئان: التساوي، والتقابض في مجلس العقد، وإذا بيع بغير جنسه لزم فيه أمر واحد وهو التقابض في مجلس العقد إلا بين الذهب والفضة وسواهما فإنه لا يشترط التقابض في مجلس العقد. لكن قد يقول قائل: إن قوله: "إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" (٢) يشمل ما إذا باع برًّا بفضة فإن الجنس مختلف، وإذا طبقنا هذا على الحديث قلنا: لابد أن يكون يدًا بيد؛ لأنه ﵊ قال: "إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد". نقول: نعم هذا هو مقتضى هذا الحديث لكن يخصصه ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ قال: قدم الرسول ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: "من أسلف في تمرٍ فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" (٣). ومعنى يسلفون يعني يقدمون الدراهم -الثمن- ويؤخرون المثمن، يعني يأتي الرجل ويشتري من صاحب البستان تمرًا لمدة سنة أو سنتين بدراهم يعطيه إياها نقدًا، فهنا اشترى تمرًا بدراهم مع تأخر القبض، والسلم جائز بالإجماع، وهذا هو الدليل لتخصيص قول النبي ﵊: "فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد".

стр. 758

أما ما عدا هذه الستة فإن من أهل العلم من قال: ليس فيها ربا، كل شيء سوى هذه الستة لا ربا فيه، ومنهم من قال: إن ما كان بمعناها فله حكمها؛ فالأوراق النقدية المستعملة الآن بدل النقد يكون لها حكم ذلك النقد، فإذا كانت أوراق جعلت عوضًا عن فضة فلها حكم الفضة، لكن إذا اختلف جنسها دخلت في عمومِ قوله: "إذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد". كذلك الذرة والأرز ليس من الأصناف الستة لكنهما بمعنى الأصناف الستة، فإنك لا تجد فرقًا بين البر والأرز أو بين الشعير والذرة، كل منهما طعام يقتات، أما الفواكه كالبرتقال والعنب فليس فيها ربا، فيجوز أن تعطيني كيلوين بكيلوين ونصف أو بثلاثة من العنب، يعني كيلوين عنب بكيلوين ونصف عنب لا بأس؛ لأن هذا لا يجري فيه الربا. كذلك سيارة بسيارتين يجوز لأنه ليس من الأصناف الستة، وبعير ببعيرين يجوز لأنها ليست من الأصناف الستة، وطن من حديد بطن ونصف يجوز لأنه ليس من الأصناف الستة، وعلى هذا فقس. فأنت إذا عرفت الأصناف الستة وما كان بمعناها تمامًا فما عدا ذلك فقد قال الله فيه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. لو باع ثوبًا بثوبين يجوز ولو مع عدم التقابض؛ لأن هذا لا يجري فيه الربا. وقوله تعالى: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ضعف الشيء مثله بمعنى أنك تكرره مرتين فيكون ضعفًا كالدرهم بدرهمين ﴿مُضَاعَفَةً﴾ يعني مزيدة على الضعف الأول مثلًا كدرهم بدرهمين، وبعد سنة نجعله بثلاثة دراهم، وبعد سنة نجعله بأربعة دراهم، هذا هو فعل الجاهلية، وربا الجاهلية أن يستدين الرجل من الشخص، فإذا حلَّ

стр. 759

الأجل قال: إما أن توفي وإما أن تربي، فإذا أوفى برئت ذمته، وإذا لم يوفِ يربي بمعنى أنه يزيد فيقول مثلًا إذا حلَّ وقدره ألف: إما أن توفيني الألف وإلا فهو عليك إلى السنة القادمة بألفين، فإذا جاءت السنة القادمة ولم يوفِ قال: إما أن توفي وإما أن تربي، فإذا أوفى برئت، ذمته، وإن لم يوفِ قال: نجعله للثالثة لكن يكون بثلاثة آلاف، هذه أضعاف مضاعفة، ولا شك أنها ظلم عظيم لأنه إذا حلَّ الدَّين علي الإنسان وليس عنده شيء فالواجب إنظاره كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. وقال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] فالممتنع عن الوفاء ليس بآثم مع العجز، والمطالب بالوفاء مع العجز آثم؛ لأن الله أوجب الإنظار. ولا شك أن هذا ظلم عظيم؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يربي إلا لأحد أمرين: إما أنه عاجز، وإما أنه كاسب أكثر مما جعل عليه من الربا، بمعى أنه يقول: أنا لا أوفي؛ لأن مائة ألف أكسب بها في السنة ثلاثمائة ألف ولا يهمني أن يزيد عليَّ مثلًا مائة ألف لأنني سأكسب، أما أن يكون الإنسان قادرًا وليس له فائدة من بقاء الدين في ذمته فإنه لا يمكن أن يفعل. وقوله: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ فيها قراءة (مُضَعَّفَة)، والمعنى واحد، وقوله ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ليس له مفهوم لأنه جاء على وفق العادة الغالبة، وما جاء على وفق العادة الغالبة فإنه لا مفهوم له، هذه قاعدة من قواعد أصول الفقه، أن القيد إذا كان من أجل أنه الأمر الغالب فإنه لا مفهوم له، وله أمثلة منها قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾

стр. 760

[النساء: ٢٣] فإن قوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ قيد على وفق العادة والغالب، ولهذا تحرم الربيبة وإن لم تكن في حَجْره، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] فإن هذا لا يدل على أن الأمة إذا امتنعت من الزنا لأن الرجل الذي طلب منها أن تزني به لا يعجبها أنه يجوز إكراهها عليه. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: نهى عن أكل الربا أضعافًا مضاعفة ثم أمر بالتقوى، وهذا من باب التوكيد يعني أن أكلكم مجانب للتقوى، وتقوى الله هي اتخاذ وقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وقد قيل في تعريفها: خلِّ الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى واعمل كماش فوق ... أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصى نعم، ولكن ما ذكرناه أعم، وهي أن التقوى أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: (لعلَّ) هنا للتعليل؛ لأن الكلام صادر من الله، والترجي في حق الله مستحيل؛ لأن الترجي طلب ما فيه مشقة، والله لا يشق عليه شيء، كل شيء عليه هين، فتكون (لعل) للتعليل يعني من أجل أن تفلحوا، والفلاح قال أهل العلم: إنه كلمة جامعة لحصول المطلوب وزوال المكروه، فمن حصل له المكروه فهو ناقص الفلاح، ومن زال عنه المكروه ولكن لم يحصل مطلوبه فهو ناقص الفلاح، ومن لم يحصل مطلوبه ولم ينجُ من مرهوبه فلا فلاح عنده، ومن حصل له المطلوب ونجا من المكروه فهو المفلح، إذن تقوى الله عزّ وجل

стр. 761

من أسباب الفلاح، وكل واحد من الناس ينشد الفلاح، كل واحد يحب أن ينال مطلوبه وأن ينجو من مرهوبه، فأين نجد هذا؟ نجده في تقوى الله في القيام بطاعته واجتناب نهيه، وهو أمر يسير على من يسَّره الله عليه، افعل ما أُمرتَ به واترك ما نهيتَ عنه وبذلك يحصل لك الفلاح. من فوائد الآية الكريمة: ١ - تعظيم شأن الرّبا وخطره، ووجهه أنه صدر الخطاب في شأنه بالنداء. ٢ - أن اجتناب الربا من مقتضيات الإيمان, وأن كل مؤمن صادق الإيمان فلابد أن يتجنب أكل الربا. ٣ - أن أكل الربا منقص للإيمان، وهذا أمر لا شك فيه عند أهل السنة والجماعة؛ لأنه كبيرة من كبائر الذنوب، وفعل الكبائر عند أهل السنة ينقص الإيمان, وعند الخوارج يخرج من الإيمان ويدخل الكفر، وعند المعتزلة يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر؛ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة لا مؤمن ولا كافر، فهو خارج من الإيمان غير داخل في الكفر. وعند المرجئة مؤمن كامل الإيمان, لو يأكل الربا ليلًا ونهارًا فهو مؤمن كامل الإيمان, لكن نحن نقول: هو مؤمن ناقص الإيمان. ٤ - تحريم أكل الربا؛ لقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ والأصل في النهي التحريم، لاسيما وأنه أكِّد بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ويقاس على الأكل بقية الإتلافات بالشرب واللباس وبناء المساكن وما أشبهها. لكن عبّر بالأكل لأنه أخص وجوه الانتفاع وغيره مثله.

стр. 762

٥ - أن الربا لا يحرم إلا إذا كان أضعافًا مضاعفة. وهذا فيه نظر، فالصحيح أن هذا القيد لا مفهوم له؛ لأن هذا بناء على الواقع الغالب، وما كان كذلك فإنه لا مفهوم له. ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الذي أشرنا إليه أولًا قال: "من زاد أو استزاد فقد أربى" (١) أي وقع في الربا مع أنه لم يأكل أضعافًا مضاعفة، وقال في أَخْذِ صاع بصاعين من التمر: "عين الربا، لا تَفْعَل" (٢)، إذن هذا القيد لا مفهوم له خلافًا لمن قال إنه قيد شرطي، وأن الربا لا يحرم إلا إذا كان في هذه الصورة، وأجازوا الربا إذا كان ليس فيه ظلم وإنما هو استثماري تزداد به أموال الدولة وينشط به الاقتصاد، فإن من العلماء ولاسيما المتأخرون من زعم ذلك ولكنه زعم باطل، الربا محرم بأي نوع من أنواعه سواء كان أضعافًا مضاعفة أو ضعفًا واحدًا أو دون الضعف، من زاد أو استزاد فقد أربى، والصاع بالصاعين وصفهُ النبي ﵊ بأنه عين الربا, وليس فيه ظلم، وليس فيه أضعافًا مضاعفة، ومع ذلك سماه ربًا بل عين الربا. ٦ - أنه لا يجوز أن أبيع عليك سلعة توفيني بها بأكثر من ثمنها ويبقى ثمنها في ذمتك، يعني لما حلَّ الأجل وهو عشرة آلاف ريال، قلت: أنا أبيع عليك سلعة تساوي عشرة آلاف ريال

стр. 763

باثني عشر ألفًا ثم توفيني بقيمتها، هذا لا يجوز؛ لأنه حيلة، ومع الأسف أن بعض المسلمين يفعلون هذا، فيكونون سواءً مع اليهود في التحيل على محارم الله، ويكونون سواء مع اليهود في أكل الربا؛ لأن هؤلاء أكلوا الربا وتحيلوا على أكله؛ فيزداد الربا قبحًا إلى قبحه؛ لأنه بعد أن كان صريحًا ربما تؤنبك نفسك عليه في يوم من الدهر صار خداعًا زيَّنه لك الشيطان، والذي يفعل هذا يعتقد أنه لا شيء فيه، ولا شك أن هذا أخبث مما لو قال سنجعل العشرة اثني عشر إلى سنة، هذا لا شك أنه حرام، لكن الحيلة الأولى أخبث لأنها تضمنت مع مفسدة الربا الخداع لله عزّ جل، والله لا يخفى عليه شيء "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (١). وهذه غير مسألة العينة، فمسألة العينة: أن يبيع عليه السلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها بأقل منها نقدًا، أما هذا فدين ثابت في ذمته تحيَّل عليه إذ قال: أبيع عليك هذه السيارة بعشرة من أجل أن تبيعها وتأخذ دراهمًا وتوفيني، وبعد سنة أطالبك بقيمة السيارة اثني عشر. * * * • ثم قال الله : ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]: اتقوا الله واتقوا النار، تقوى الله سبق الكلام عليها

стр. 764

بأن معناها فعل الأوامر وترك النواهي لكن تعبدًا لله، تفعل الأوامر تعبدًا لله، وتترك النواهي تعبدًا لله وتذللًا له، أما قوله ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ فهي تقوى من نوع آخر، وهي أن تتخذ ما يقيك منها كما تتخذ ما يقيك من الحر في الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١] فليست تقوانا للنار تقوى عبادة وتذلل كتقوانا لله، فاللفظ واحد والمعنى مختلف. فتقوى النار معناها أن نتخذ حجابًا دونها حتى لا يصيبنا لفحها. هذه هي تقوى النار وليست كتقوى الله التي هي تقوى تذلل وعبادة. ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ هذه النار ورد في الكتاب والسنة مِنْ أوصافها وأوصاف عذابها ما تنخلع له القلوب، وبَسْط هذا معروف، ﴿الَّتِي أُعِدَّتْ﴾ أي هيئت لهم. والمعِد لها هو الله . وقوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ أصل الكفر في اللغة الستر ومنه الكُفُرَّى الذي نسميه الكافور، وهو وعاء طلع النخل، هذا أصله في اللغة، أما في الشرع فإنه جحد الإنسان لنعمة الله . وأعظمه الكفر المخرج عن الملة، وهناك كفر دونه كما ذكر عن ابن عباس ﵄ أنه قال: كفر دون كفر (١)، وقوله ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ يعني الكافرين بما يجب الإيمان به، وأركان الإيمان وأصوله الستة بيَّنها الرسول ﷺ في قوله: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره".

стр. 765

من فوائد الآية الكريمة: ١ - وجوب اتخاذ ما يقي من النار؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ والأصل في الأمر الوجوب. ٢ - أن النار موجودة الآن؛ لقوله: ﴿الَّتِي أُعِدَّتْ﴾. ٣ - أن أهل النار هم الكافرون؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ أما الفساق الذين يعذبون بالنار على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها؛ فإن النار لم تعد لهم حتى إن بعض العلماء قال: إن النار ناران: نار الكافرين، ونار العصاة، لكن ظاهر النصوص خلاف ذلك، وأن النار واحدة لكن عذابها يخفف ويثقل بحسب عمل الإنسان. * * * • ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]: الجملة هنا معطوفة على ما سبق، وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾ الطاعة هي موافقة الأمر، فعلًا للمأمور وتركًا للمحظور، فمن ترك مأمورًا به فليس بطائع، ومن فعل منهيًا عنه فليس بطائع، وأصلها من الطوع وهو الانقياد، ومنه قولهم: هذه ناقة طوع أي منقادة لقائدها لا تستعصي عليه. ﴿وَالرَّسُولَ﴾، "ال" فيه للعهد؛ لأن هذا الخطاب موجَّه لهذه إلَاّ. وهذه الأمة رسولها واحد وهو محمَّد ﷺ . فتكون "ال" هنا للعهد الذهني. وذلك أن العهد ثلاثة أنواع: ذهني، وذكري، وحضوري، فإن كانت "ال" تشير إلى شيء مذكور فهي للعهد الذكري مثل قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥، ١٦]، وإن كانت تشير إلى شيء

стр. 766

حاضر فهي للعهد الحضوري مثل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وهكذا كل "ال" تأتي بعد اسم الإشارة فهي للعهد الحضوري مثل: هذا الرجل، هذا الإنسان وما أشبهه. والثالث العهد الذهني الذي يكون معلومًا بالذهن، فهنا الرسول هو محمَّد ﷺ ، وهو معهود ذهنًا. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: (لعل) هنا للتعليل وليست للترجي، ولعلَّ تأتي كما مرَّ علينا كثيرًا للتعليل وللإشفاق، وللترجي وللتمني أحيانًا، والفرق بين التمني والترجي أن الترجي فيما يرجى حصوله، والتمني فيما لا يرجى حصوله إما لعسره وإما لتعذره، وهنا للتعليل يعني: إذا أطعتم الله والرسول حصلت لكم الرحمة، والرحمة يكون بها حصول المطلوب وزوال المكروه، وإذا قرنت بالمغفرة صارت المغفرة لزوال المكروه، والرحمة لحصول المطلوب، أي لعلكم تكونون في رحمة الله التي بها النجاة وحصول الثواب والأجر الكثير. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أولًا وجوب طاعة الله ورسوله، من قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. والأصل في الأمر الوجوب. ٢ - جواز اقتران اسم الرسول باسم الله في الأمر الذي يكون مشتركًا بينهما؛ لقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ أما الأمر الذي لا يكون مشتركًا بينهما، وهو الأمر الكوني القدري، فهذا لا يذكر فيه الرسول مع الله إلا بحرف يدل على الترتيب، وبهذا نعرف الفرق بين إسناد الشيء الشرعي إلى الله ورسوله، وبين إسناد الكوني إلى الله ورسوله، فإسناد الشيء الشرعي يجوز

стр. 767

بالواو، وأما الكوني فلا يجوز إلا بـ"ثم" الدالة على الترتيب والمهلة، فإذا قلت في أمر شرعي: الله ورسوله أعلم فهذا صحيح وجائز، وقد أقره النبي ﷺ نفسه فإنه في حديث زيد بن خالد الجهني أن النبي ﷺ صلى بهم صلاة الصبح على إثر سماء كانت من الليل فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم" (١) فأقرهم لأن المراد هنا العلم الشرعي، لكن في المسائل الكونية لما قال له رجل: "ما شاء الله وشئت" أنكر عليه وقال: "أجعلتني لله عدلًا؟ بل ما شاء الله وحده" (٢). ٣ - أن طاعة الله ورسوله سبب للرحمة؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ولكن هل المراد الرحمة العامة أو الخاصة؟ المراد الخاصة؛ لأن العامة حاصلة لنا على كل حال حتى الكفار لهم رحمة من الله لكن رحمة عامة، فالمراد بالرحمة هنا الرحمة الخاصة التي بها سعادة الدنيا والآخرة. * * • ثم قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]: قال: ﴿وَسَارِعُوا﴾ ولم يقل: أسرعوا؛ لأن المفاعلة تكون

стр. 768

مِن اثنين في الغالب. والمعنى: ليسبق بعضكم بعضًا أو ليسابق بعضكم بعضًا إلى هذا الأمر، المغفرة والجنة، وهذا كقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١]. ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ المغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست هي مجرد التجاوز عن الذنب؛ لأن أصلها من المِغفَر، والمغفر ما يوضع على الرأس حال الحرب يتوقى به السهام، وهو مفيد فائدتين وهما: السَّتر والوقاية، ويدل لهذا قوله تعالى حينما يحاسب عبده في الآخرة ويقر العبد بذنوبه فيقول: "قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم" (١)، فمن ستر الله عليه ذنبه في الدنيا فقد غفره له، ولكن لا تتم المغفرة إلا بالتجاوز عن الذنب وعدم العقوبة عليه، وإلا فإن الستر نوع من المغفرة بلا شك، فإن الإنسان لو فضح بذنبه -والعياذ بالله- لم يكن هذا مغفرة، لكن إذا ستر عليه فإن هذا فيه مهلة أن يجعل الله تعالى الأمر بينه وبين عبده لعله يتوب ولا يعلم بذنبه. والمسارعة إلى المغفرة إما استغفار، وإما عمل صالح، الاستغفار أن يقول: اللهم اغفر لي، أستغفر الله وما أشبه ذلك، وإما عمل صالح؛ لأن من الأعمال الصالحة ما يكفّر الله به الخطايا مثل الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة، والعمل الصالح يذهب العمل السيئ.

стр. 769

وقوله: ﴿وَجَنَّةٍ﴾، مغفرة وجنة, لأن الإنسان لا تتم سعادته إلا بأمرين: زوال المكروه، وحصول المطلوب. والجنة هنا هي، الدار التي أعدها الله لأوليائه، أعدها الله للمتقين. والمتقون المؤمنون هم أولياء الله، هذه هي الجنة. أما الجنة في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥] فهي البستان، ففرق بين الجنتين جنة الدنيا وهي البساتين، وجنة الآخرة وهي الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا يمكن للإنسان أن يتصور ما في الجنة من النعيم، أما جنات الدنيا فكل إنسان يتصور ذلك. وقوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ في الآية الأخرى ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١]، والفرق بينهما أن التشبيه هنا بليغ، وأما التشبيه هناك فليس ببليغ، يعني من حيث الاصطلاح. وإلا فكل القرآن بليغ؛ لأنهم يقولون: التشبيه بليغ مؤكد، وغير مؤكد، وبليغ غير بليغ إذا ذكرت الكاف، فإذا ذكرت أداة التشبية فهو غير بليغ، وإذا حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه صار بليغًا، وهنا حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه، أما إذا ذكرت أداة التشبيه فإنه يسمى تشبيهًا مرسلًا، وإذا ذكر وجه الشبه صار مرسلًا غير مؤكد. نقول: فلان كالبحر كرمًا، وإن شئت فقل: في الكرم، هذا التشبيه فيه كل الأركان الأربعة؛ لأن التشبيه له أركان أربعة مثل القياس، مشبه، ومشبه به، وأداة التشبيه، ووجه الشبه، باعتبار ذكر أداة التشبيه يسمى مرسلًا، وباعتبار ذكر وجه الشبه يسمى غير

стр. 770

بليغ، يعني أن هذا أدنى أنواع التشبيه إذا ذكر المشبه والمشبه به وأداة التشبيه ووجه الشبه، فهذا أدنى أنواع التشبيه. وإذا حذفت أداة التشبيه وذكر وجه الشبه صار مؤكدًا لكن غير بليغ؛ لأنك إذا قلت: "فلان بحر في الكرم" أكدت أنه بحر في الكرم لكن نقصت قليلًا، فإذا حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه صار تشبيهًا بليغًا، إذا قلت: "فلان بحر"، فإذا قلت: رأيت بحرًا يعطي الدراهم بلا عدٍّ، صار هذا أبلغ من الأول، ويسمى هذا استعارة. على كل حال ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ هذا التشبيه بليغ؛ لأنه حذفت منه أداة التشبيه ووجه الشبه، فيكون بليغًا. ومعنى ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ يعني كعرض السماء والأرض، لكن هل يلزم من هذا أن تكون مالئة للسماء والأرض، أو أنها كعرض السماء والأرض وإن كانت هي في محل آخر؟ الجواب: الثاني، ولذلك شكك بعض العلماء في الأحاديث التي فيها أن رجلًا من اليهود سأل النبي ﷺ قال: كيف يكون عرضها السموات والأرض؟ أين السموات والأرض إذا كانت هي عرضها عرض السموات والأرض؟ فقال الرسول ﷺ : "أين يكون الليل إذا جاء النهار؟ " (١)، فهذا الحديث. في رفعه نظر؛ لأن الآية لا تدل على أن الجنة ملأت السموات والأرض وصارت في محلهما، بل تدل على أن عرضها عرض السموات والأرض وإن كانت هي فوقهم، ولذلك نقول: إن الجنة فوق السموات والأرض كلها، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ : "إذا سألتم الله

стр. 771

فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقَها أو وفوقُها -روي بالوجهين- عرش الرحمن" (١) وهذا يدل على أن الجنة فوق السموات. وأما النار فهي في أسفل السافلين، وعلى هذا فلا يكون في الآية إشكال إطلاقًا، ويحتمل أن نقول: إن هذا اليهودي أراد أن يلبس ويشبّه في القرآن ويتبع ما تشابه، وإن النبي ﷺ إذا صحَّ الحديث أجابه على وجه يبهت فيه ولا يتكلم على مقتضى عقله، فقال: "أين الليل إذا جاء النهار؟ " على كل حال فإن معنى الآية الكريمة أن هذه الجنة عرضها عرض السموات والأرض، أما طولها فقال بعض أهل العلم: إنه إذا كان عرضها السموات والأرض فطولها أعظم وأعظم؛ لأن العادة أن العرض دون الطول، ولكن الصحيح أن عرضها وطولها واحد إذ ليس لها عرض وطول وذلك لأنها مستديرة، وليست مربعة، وإذا كانت كذلك فإن عرضها يكون طولها. هذا هو الصحيح الذي صحَّحه جماعة من أهل العلم. وقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾: في محل جر صفة للجنة، ويجوز أن تكون في محل نصب حالًا. والنكرة إذا وصفت جاز أن تأتي منها الحال. أعدها الله ، وقد بيَّن الله ذلك في آيات أخرى مثل قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ١٠٠] فالمُعِدُّ هو الله ولكنه ذكر بصيغة المجهول ليوافق قوله فيما سبق ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١].

стр. 772

(والمتقون) هم الذين اتخذوا وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. ثم ذكر الله تعالى من صفاتهم: فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. هذه أوصافهم. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ وحينئذ قد يسأل سائل: كيف بدأ بالإنفاق دون ذكر الصلاة مثلًا، والصلاة أهم من الإنفاق؟ الجواب: لأنه لما نهى عن أكل الربا أضعافًا مضاعفة بدأ بضده -ضد أكل الربا- وهو الإنفاق، وهذا كقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] فإنه لما قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] بدأ بذكر الإنفاق في صفات المتقين ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، ينفقون ماذا؟ حذف المفعول ليكون دالًا على العموم. أي ينفقون كلَّ ما يمكن إنفاقه من أعيان ومنافع وجاه وغير ذلك، فإن الإنسان قد ينفق أعيانًا كالثياب، ودراهم كالنقود مثلًا. وكذلك قد ينفق منافع، بأن يعير شخصًا ما ينتفع به هذا المستعير، وجاهًا بأن يتوسط لشخص أو يشفع له، فالإنفاق هنا عام،

стр. 773

السراء ما يسر، والضراء ما يضر، يعني في حال الرخاء وفي حال الشدة ينفقون، ولم يبيّن على مَنْ ينفقون ولكن الله قد بيَّن في سورة البقرة فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥] فينفق في جهات الخير، لا في جهات الشر؛ لأنه لو أنفق في جهات الشر لخرج عن وصف المتقين، والله ذكر الإنفاق هنا وصفًا للمتقين فلابد أن يكون إنفاقهم فيما يرضي الله. فإذا قال قائل: ﴿فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أما في السراء والسعة والرخاء فالإنفاق وجيه، وأما في الضراء فكيف يكون الإنفاق؟ فالجواب: أنه يجب أن نعلم أن الإنفاق ليس خاصًا بالإنفاق على البعيد عنك، بل هو عام. يشمل حتى الإنفاق على ابنك وبنتك وأمك وأبيك وزوجتك بل ونفسك، حتى الإنفاق على النفس يؤجر الإنسان عليه ويكون صدقة، قال النبي ﵊ لسعد بن أبي وقاص ﵁ كلمة جامعة نافعة مانعة قال: "واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فم امرأتك" (١). وهل يكون الإنفاق في الضراء؟ الجواب: نعم، قد يكون الإنسان في أشد العسر وينفق على أهله وزوجته بل وعلى نفسه. وقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، الكظم معناه: المنع مع ألم وتأثر، والغيظ قيل: إنه أشد الغضب، يعني أنهم إذا غضبوا

стр. 774

وثاروا حبسوا غيظهم، ومعلوم أن من أشد ما يكون على الإنسان أن يحبس غيظه، ويعرف ذلك من يكون سريع الغضب، فإنه إذا أراد أن يكظم الغيظ يجد شدة عظيمة، كأن أحدًا يصرعه صرعًا، ولهذا قال النبي ﷺ : "من تعدّون الصرعة فيكم؟ قالوا: الذي لا يصرع -والصرعة والصرع معناه الطرح- قال: إن الصرعة من يملك نفسه عند الغضب" (١)، هذا هو الصرعة الذي إذا ثارت نفسه ملكها، فلهذا قال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يعني إذا فعل بهم إنسان ما يغيظهم فإنهم يكظمون على شدة ومعاناة وألم، ويدل على أن الكظم فيه شدة ومعاناة قول النبي ﷺ : "إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع" (٢). ولهذا يجد بعض الناس إذا أراد التثاؤب شدة عظيمة في منع فتح فمه، مع أن المشروع أن تكظم ولا تفتح الفم، وقد ذكر بعض العلماء شيئًا ييسر لك الكظم، قال: إذا أصابك التثاؤب فعضَّ شفتك السفلى. وقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يعني الذين يكظمون أشد الغضب. وإذا كانوا يكظمون أشد الغضب فأسهل الغضب من باب أولى، كم من إنسان لا يملك نفسه عند الغضب فتجده مثلًا يكسر ما له، أو يطلق زوجته، أو ربما يلطم نفسه، أو ربما يسقط نفسه من علو، المهم أن الغضب الشديد جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم حتى لا يدري ما يقول؛ ولهذا كان أصح أقوال أهل

стр. 775

العلم أن من غضب غضبًا لا يملك نفسه به فإنه لا عبرة بقوله، أيًّا كان هذا القول، سواء كان طلاقًا أو خلعًا أو لعنًا أو قذفًا أو غير ذلك، فإنه لا عبرة به؛ لأنه ليس له قصد. وبعض الناس -نسأل الله العافية- إذا غضب تغيَّب عن الدنيا لا يرى مَنْ أمامه أبدًا، ولا يسمع قول من يتكلم، وربما يتكلم بكلام مكروه ويصيحون به وهو لا يسمعهم من شدة غضبه، لهذا نقول: إن الغضب ثلاثة أقسام: بداية، وغاية، ووسط، البداية لا تؤثر؛ لأن كل إنسان يغضب، والغاية لا حكم لها، بمعنى أن كل ما صدر عن الغاضب فإنه لا حكم له. وذكر ابن القيم ﵀ في كتابه "إغاثة اللهفان في بيان عدم وقوع طلاق الغضبان" أن ذلك بالاتفاق، والثالث: الوسط، هذا محل خلاف بين العلماء، والصحيح أنه لا حكم لقوله، وأن طلاقه لا يقع. وقوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾، العفو ترك المؤاخذة على الذنب، والمعنى هم الذين إذا أساء إليهم أحد قابلوا إساءته بالعفو، وخير من ذلك أن يقابلوه بالإحسان لكن بشرط أن يكون لديهم قدرة على الانتقام، أما من عفا لعدم القدرة على الانتقام فهذا عفو العاجز الذي لا يحمد عليه، بل يكون عفوه هذا عجزًا مذمومًا، ولهذا قال الله : ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]، فأنتم إن عفوتم عن السوء قد تعفون عن قدرة وقد تعفون عن عجز. أما الله فإنه يعفو عن قدرة، وهذا هو محل المدح، أما مجرد العفو فليس بمدح حتى يكون عفوًا عن قدرة. فترك المؤاخذة على الذنب عفو وهو محمود، وخير منه الإحسان, ولكن يشترط في
следующие страницы →