← Тафсир

Тафсир · id 545

تفسير العثيمين: آل عمران

ابن عثيمين

Полный текст (1 207 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقَها أو وفوقُها -روي بالوجهين- عرش الرحمن" (١) وهذا يدل على أن الجنة فوق السموات. وأما النار فهي في أسفل السافلين، وعلى هذا فلا يكون في الآية إشكال إطلاقًا، ويحتمل أن نقول: إن هذا اليهودي أراد أن يلبس ويشبّه في القرآن ويتبع ما تشابه، وإن النبي ﷺ إذا صحَّ الحديث أجابه على وجه يبهت فيه ولا يتكلم على مقتضى عقله، فقال: "أين الليل إذا جاء النهار؟ " على كل حال فإن معنى الآية الكريمة أن هذه الجنة عرضها عرض السموات والأرض، أما طولها فقال بعض أهل العلم: إنه إذا كان عرضها السموات والأرض فطولها أعظم وأعظم؛ لأن العادة أن العرض دون الطول، ولكن الصحيح أن عرضها وطولها واحد إذ ليس لها عرض وطول وذلك لأنها مستديرة، وليست مربعة، وإذا كانت كذلك فإن عرضها يكون طولها. هذا هو الصحيح الذي صحَّحه جماعة من أهل العلم. وقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾: في محل جر صفة للجنة، ويجوز أن تكون في محل نصب حالًا. والنكرة إذا وصفت جاز أن تأتي منها الحال. أعدها الله ، وقد بيَّن الله ذلك في آيات أخرى مثل قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ١٠٠] فالمُعِدُّ هو الله ولكنه ذكر بصيغة المجهول ليوافق قوله فيما سبق ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١].

стр. 772

(والمتقون) هم الذين اتخذوا وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. ثم ذكر الله تعالى من صفاتهم: فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. هذه أوصافهم. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ وحينئذ قد يسأل سائل: كيف بدأ بالإنفاق دون ذكر الصلاة مثلًا، والصلاة أهم من الإنفاق؟ الجواب: لأنه لما نهى عن أكل الربا أضعافًا مضاعفة بدأ بضده -ضد أكل الربا- وهو الإنفاق، وهذا كقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] فإنه لما قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] بدأ بذكر الإنفاق في صفات المتقين ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، ينفقون ماذا؟ حذف المفعول ليكون دالًا على العموم. أي ينفقون كلَّ ما يمكن إنفاقه من أعيان ومنافع وجاه وغير ذلك، فإن الإنسان قد ينفق أعيانًا كالثياب، ودراهم كالنقود مثلًا. وكذلك قد ينفق منافع، بأن يعير شخصًا ما ينتفع به هذا المستعير، وجاهًا بأن يتوسط لشخص أو يشفع له، فالإنفاق هنا عام،

стр. 773

السراء ما يسر، والضراء ما يضر، يعني في حال الرخاء وفي حال الشدة ينفقون، ولم يبيّن على مَنْ ينفقون ولكن الله قد بيَّن في سورة البقرة فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥] فينفق في جهات الخير، لا في جهات الشر؛ لأنه لو أنفق في جهات الشر لخرج عن وصف المتقين، والله ذكر الإنفاق هنا وصفًا للمتقين فلابد أن يكون إنفاقهم فيما يرضي الله. فإذا قال قائل: ﴿فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أما في السراء والسعة والرخاء فالإنفاق وجيه، وأما في الضراء فكيف يكون الإنفاق؟ فالجواب: أنه يجب أن نعلم أن الإنفاق ليس خاصًا بالإنفاق على البعيد عنك، بل هو عام. يشمل حتى الإنفاق على ابنك وبنتك وأمك وأبيك وزوجتك بل ونفسك، حتى الإنفاق على النفس يؤجر الإنسان عليه ويكون صدقة، قال النبي ﵊ لسعد بن أبي وقاص ﵁ كلمة جامعة نافعة مانعة قال: "واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فم امرأتك" (١). وهل يكون الإنفاق في الضراء؟ الجواب: نعم، قد يكون الإنسان في أشد العسر وينفق على أهله وزوجته بل وعلى نفسه. وقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، الكظم معناه: المنع مع ألم وتأثر، والغيظ قيل: إنه أشد الغضب، يعني أنهم إذا غضبوا

стр. 774

وثاروا حبسوا غيظهم، ومعلوم أن من أشد ما يكون على الإنسان أن يحبس غيظه، ويعرف ذلك من يكون سريع الغضب، فإنه إذا أراد أن يكظم الغيظ يجد شدة عظيمة، كأن أحدًا يصرعه صرعًا، ولهذا قال النبي ﷺ : "من تعدّون الصرعة فيكم؟ قالوا: الذي لا يصرع -والصرعة والصرع معناه الطرح- قال: إن الصرعة من يملك نفسه عند الغضب" (١)، هذا هو الصرعة الذي إذا ثارت نفسه ملكها، فلهذا قال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يعني إذا فعل بهم إنسان ما يغيظهم فإنهم يكظمون على شدة ومعاناة وألم، ويدل على أن الكظم فيه شدة ومعاناة قول النبي ﷺ : "إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع" (٢). ولهذا يجد بعض الناس إذا أراد التثاؤب شدة عظيمة في منع فتح فمه، مع أن المشروع أن تكظم ولا تفتح الفم، وقد ذكر بعض العلماء شيئًا ييسر لك الكظم، قال: إذا أصابك التثاؤب فعضَّ شفتك السفلى. وقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يعني الذين يكظمون أشد الغضب. وإذا كانوا يكظمون أشد الغضب فأسهل الغضب من باب أولى، كم من إنسان لا يملك نفسه عند الغضب فتجده مثلًا يكسر ما له، أو يطلق زوجته، أو ربما يلطم نفسه، أو ربما يسقط نفسه من علو، المهم أن الغضب الشديد جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم حتى لا يدري ما يقول؛ ولهذا كان أصح أقوال أهل

стр. 775

العلم أن من غضب غضبًا لا يملك نفسه به فإنه لا عبرة بقوله، أيًّا كان هذا القول، سواء كان طلاقًا أو خلعًا أو لعنًا أو قذفًا أو غير ذلك، فإنه لا عبرة به؛ لأنه ليس له قصد. وبعض الناس -نسأل الله العافية- إذا غضب تغيَّب عن الدنيا لا يرى مَنْ أمامه أبدًا، ولا يسمع قول من يتكلم، وربما يتكلم بكلام مكروه ويصيحون به وهو لا يسمعهم من شدة غضبه، لهذا نقول: إن الغضب ثلاثة أقسام: بداية، وغاية، ووسط، البداية لا تؤثر؛ لأن كل إنسان يغضب، والغاية لا حكم لها، بمعنى أن كل ما صدر عن الغاضب فإنه لا حكم له. وذكر ابن القيم ﵀ في كتابه "إغاثة اللهفان في بيان عدم وقوع طلاق الغضبان" أن ذلك بالاتفاق، والثالث: الوسط، هذا محل خلاف بين العلماء، والصحيح أنه لا حكم لقوله، وأن طلاقه لا يقع. وقوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾، العفو ترك المؤاخذة على الذنب، والمعنى هم الذين إذا أساء إليهم أحد قابلوا إساءته بالعفو، وخير من ذلك أن يقابلوه بالإحسان لكن بشرط أن يكون لديهم قدرة على الانتقام، أما من عفا لعدم القدرة على الانتقام فهذا عفو العاجز الذي لا يحمد عليه، بل يكون عفوه هذا عجزًا مذمومًا، ولهذا قال الله : ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]، فأنتم إن عفوتم عن السوء قد تعفون عن قدرة وقد تعفون عن عجز. أما الله فإنه يعفو عن قدرة، وهذا هو محل المدح، أما مجرد العفو فليس بمدح حتى يكون عفوًا عن قدرة. فترك المؤاخذة على الذنب عفو وهو محمود، وخير منه الإحسان, ولكن يشترط في

стр. 776

الأمرين أن يكون ذلك عن قدرة لا عن عجز، أما عن العجز فإنه مذمة، ولهذا قال الشاعر يذم قبيلته: لكن قومي وإن كانوا ذوي حسب ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا لماذا؟ لضعفهم وعجزهم ولهذا قال: فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرسانًا وركبانا فالحاصل: أن قوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ يعني الذين لا يؤاخذون الناس بما أساؤوا به إليهم، بل ربما يحسنون إليهم ولكن عن قدرة، أما العفو عن عجز فليس بعفو حقيقة، بل هو عجز لا يمدح عليه الإنسان. وقوله: ﴿عَنِ النَّاسِ﴾ عام، شامل، ولكنه ليس على عمومه بالاتفاق، فإن الإساءة إذا كانت في حق الله فهي لله وليس لأحد أن يعفو عنها، فلو زنا رجل بمحرم رجل وأراد أن يعفو عنه قلنا: لا يمكن، الحق ليس إليك، والله يقول: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] أما إذا كان حقًّا للإنسان ليس فيه شائبةُ حق لله فهذا يُنظر فيه، أي ليس على عمومه بل ينظر فيه، إن اقتضت المصلحة العفو فالعفو خير، وإن اقتضت المصلحة المؤاخذة فالمؤاخذة خير. وإن لم تقتضِ لا هذا ولا هذا بأن تساوى الأمران فالعفو خير؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] والدليل على هذا أن الله قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] فَعُلِم منه أن من عفا بدون إصلاح فلا أجر له، بل قد يأثم على عفوه، مثال ذلك: رجل اعتدى عليه شخص شرير،

стр. 777

كلما عفا الناس عنه ازداد شرًّا، فهنا المؤاخذة خير بل قد تجب. وإنسان آخر اعتدى على شخص ولكنه رجل معروف بالاستقامة -أعني المعتدي- وعدم الاعتداء لكن بدرت منه بادرة فحصلت منه إساءة، فهنا العفو أولى، ولاسيما إذا جاء هذا المعتدي يعتذر ويتعهد أن لا يعود أو ما أشبه ذلك. ورجل ثالث اعتدى على آخر وهو شرير لكنه لم يبلغ في الشر غايته، يعني أحيانًا وأحيانًا، فهنا العفو أفضل لأنه يتساوى الأمران، فالعفو هنا أفضل. وقوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ يشمل حتى عن الكفار إذا لم يكونوا حربيين، فإن الإنسان إذا عفا عنهم فيما يتعلق بحق خاص، وكان في العفو إصلاح؛ فإنه يدخل تحت الآية الكريمة. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني الذين يحسنون إلى الناس، ولكن هل المراد بذلك المحسنين فيما سبق أو المحسنين فيما يستقبل؟ بمعنى هل قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ عائد على قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ وأن هؤلاء من المحسنين؟ أو أنه لما ذكر العفو وهو إسقاط الإنسان حقه عن المؤاخذة ذكر حالًا أخرى أكمل منها وهي الإحسان فقال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني فإذا أحسنوا مع العفو كان ذلك سببًا لمحبة الله؟ الثاني له وجه، والأول أعم؛ لأننا إذا قلنا: (المتقين) هل هم محسنون؟ نعم، لا شك أن المتقي محسن إذا كان كما وصف النبي ﷺ : "تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١).

стр. 778

فالإنفاق إحسان، وكظم الغيظ إحسان، والعفو عن الناس إحسان، فيكون هذا أشمل، فعليه نقول: هذه الجملة فيها الترغيب والحث على فعل الخصال السابقة، وأنها من الإحسان, وإذا فعل الإنسان خصلة أعلى مما سبق كانت داخلة في هذا من باب أولى كما لو عفا وأحسن فإنني أقول: هذه خصلة زائدة على مجرد العفو فتكون أولى بالدخول في قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. من فوائد الآيتين الكريمتين: من فوائد قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾: ١ - فيها الأمر بالمسارعة إلى المغفرة والرحمة والجنة. وهل الأمر للوجوب؟ نقول: أما فيما يجب فواجب، وأما فيما لا يجب فليس بواجب، ولكن الإنسان يؤمر بأن يسارع، وفيه دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يؤثر غيره بالقربات؛ لأنه إذا آثر غيره بالقربات فهذا يعني التأخر، ومن أمثلة ذلك أن يؤثر غيره بمكانه الفاضل في الصف بأن يتأخر عن مكانه في الصف الأول لرجل آخر، فإن هذا خلاف المسارعة إلى الخيرات. ولكن إذا ترتب على إيثار غيره بهذا المكان مصلحة أكبر من مصلحة التقدم لم يكن إيثاره من باب التأخر عن الخيرات؛ لأنه تنازل عن فضيلة إلى فضيلة أعلى، فلا يكون هذا إيثارًا في الحقيقة، ولا يدل على هذا زهد الإنسان في فعل الخير، بل هو انتقال من خير إلى ما هو خير منه. والإيثار بالقرب، إما: إيثار بواجب فهو حرام، وإيثار بمستحب فهو مكروه. مثال الإيثار بالواجب: رجل عنده مال لا يكفي إلا لحج رجل واحد، فيعطي

стр. 779

غيره ليحج به ويدع نفسه. ومثال الإيثار بمستحب: أن يؤثره بالمكان الفاضل في الصف. ٢ - أن التخلية قبل التحلية؛ لأنه قال: ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ فبالمغفرة الزحزحة عن النار التي أوجبتها الذنوب، وبالجنة دخول الجنة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. ٣ - أن المغفرة لا تكون إلا من الله ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لأن مغفرة غير الله لا تفيد، إنما تفيد في حق الإنسان الخاص إذا سمح عنك وغفر لك فهذا يفيد كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤]. ٤ - بيان سعة الجنة؛ لقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾. ٥ - أن الجنة موجودة الآن؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ﴾ والإعداد التهيئة، وقد تضافرت النصوص الكثيرة على أن الجنة موجودة الآن. ٦ - أن أصحاب الجنة هم المتقون؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ كما قال في النار: ﴿الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] فالمتقون هم أهل الجنة. ومن فوائد قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: ١ - فضيلة الإنفاق على كل حال؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ فإن قال قائل: إذا كان الإنسان في ضرورة هو وعائلته فهل ينفق؟ نقول: لا ينفق على أجنبي بل ينفق على نفسه وعائلته، وهو داخل في الآية؛ لأن إنفاقه على نفسه وعلى أهله صدقة.

стр. 780

٢ - الثناء على من أنفق في السراء والضراء، وذلك لأن الإنفاق في السراء ليس بغريب، كل إنسان يهون عليه أن ينفق إذا كان في سراء، لكن الإنفاق في الضراء هو الذي يدل على أن الإنسان ينفق طلبًا للأجر لا زهدًا في المال. ٣ - أنه ينبغي للإنسان أن يكظم الغيظ؛ لأن ذلك من صفات أهل الجنة؛ لقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾. فإن قال قائل: هل يمدح من لا يبالي بما أصابه من خير وشر، أو يمدح من كظم الغيظ عند وجود الشر؟ . الثاني؛ لأن الأول لا يبالي سواء وجد ما يثيره أم لم يوجد، لكن من يعرف الخير والشر ولكنه يكظم الغيظ عند وجود الشر هذا هو الذي يُمدح. ٤ - الحث على العفو عن الناس لكنه مقيد بما إذا كان أصلح. ٥ - إثبات المحبة لله وأنه يحب، وهل المحبة هنا صفة ثابتة لله أو يراد بها إرادة الإحسان أو الإحسان نفسه؟ الصحيح أنها صفة لله ، وأن إرادة الإحسان أو الإثابة غير المحبة. فإن قال قائل: المحبة لا تكون إلا بين متجانسين، ولا مجانسة بين الخالق والمخلوق. نقول: هذا غير صحيح أصلًا، فلا يلزم من المحبة تجانس المتحابين، الإنسان يحب بعض السيارات، بعض الإبل، بعض الدور، يحبها محبة حقيقية بقلبه، ويكون عنده قلم سائل نظيف فيحبه. فهذه الدعوى دعوى باطلة يكذبها الحس والواقع، وإذا

стр. 781

قالوا: إن المحبة هي ميل الإنسان إلى ما يجلب له المنفعة أو يدفع عنه المضرة. نقول: هذا أيضًا غير صحيح. وهذا إن قدر أنه لازم المحبة في المخلوق فليس بلازم المحبة بالنسبة للخالق؛ لأن الله لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين. فإن قالوا: العقل لا يدل عليها فلا يجوز إثباتها. فالجواب عن هذا: أولًا: أن العقل ليس دليلًا في إثبات صفات الله أو نفيها، فنحن نمنع الاعتماد على العقل في إثبات الصفات أو نفيها ونقو ل: من أين لكم أن المدار في إثبات الصفات أو نفيها هو العقل؟ ثانيًا: أن نقول: هب أن العقل لم يدل عليها فإنه لا ينفيها؛ لأن دعواكم النفي بأنه لا تكون المحبة إلا بين متجانسين دعوى باطلة والشرع قد أثبتها، وانتفاء الدليل المعين الذي هو العقل على زعمكم لا يمنع انتفاء المدلول؛ لأن المدلول قد يثبت بدليل آخر غير ما ذكرتم، فهب أن العقل لم يدل عليه فقد دلَّ عليه السمع (الكتاب والسنة) فوجب ثبوته، ثبوت المحبة. ثالثًا: أن نقول: إن العقل قد دلَّ على ثبوت المحبة لله. فإثابة الطائعين تدل على أن الله أحبهم إذ لا يمكن أن يثيب أحدًا عقلًا إلا وهو يحبه، فتكون إثابة الطائعين دليلًا عقليًا على ثبوت المحبة كما جعلتم أنتم التخصيص دليلًا عقليًا على ثبوت الإرادة ولا فرق بينهما، بل إن إثابة الطائعين أدل على المحبة من دلالة التخصيص على الإرادة، ولكن يجب أن نعلم أن محبة الله

стр. 782

سبحانه وتعالى للإنسان ليست محبة لجماله أو لحسن ثيابه أو ما أشبه ذلك كما تكون بين المخلوقين، بل هي محبة لإيمانه وعمله، ولهذا جاء في الحديث: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (١). فالمدار على القلب والعمل، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله وأكثر عبادة له كان أحب إليه. ٦ - الحث على الإحسان من قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فإن كل إنسان يعلم أن الله يحب الإحسان سوف يحسن ويتقدم إلى الإحسان ويحرص عليه؛ لأن محبة الله للعبد هي غاية ما يريد، نسأل الله أن يجعلنا من أحبابه ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] الغاية أن الله يحبك. حتى الذين قالوا: إنا نحب الله قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ لأن الشأن كل الشأن أن يحبك الله، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أحبابه. * * * • ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]: ﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو هذه حرف عطف، والأصل في المعطوف أن يكون مغايرًا للمعطوف عليه، وليس المراد إذا قلنا إن العطف يقتضي المغايرة أن تكون المغايرة في الذات فقط، بل قد يكون

стр. 783

التغاير في الصفة وفي اللفظ وفي المعنى، فإذا قلنا: قدم زيدٌ وعمرٌو، فهنا عطف يقتضي المغايرة في الذات؛ لأن هذا غير هذا بلا شك. وفي هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ المغايرة في الصفة، فهي كقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: ١ - ٤] فالذي قدر فهدى، والذي أخرج المرعى هو الله، لكن هذا عطف صفة على صفة. والتغاير في اللفظ مثل قول الشاعر: فألفى قولها كذبًا ومَيْنا المَيْنُ هو الكذب، ولكنه عطف عليه من باب عطف المترادفين، ولهذا لا يأتي في اللغة العربية كذبًا وكذبًا، إنما يأتي كذبًا ومينًا، فلابد من التغاير في اللفظ. والتغاير في المعنى قريب من التغاير في الصفة. والذي معنا الآن قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ من باب تغاير الصفة. والفاحشة ما يستفحش شرعًا أو عرفًا مثل الزنا، فإن الزنا فاحشة شرعية وفاحشة عرفية. كذلك اللواط فاحشة شرعية وعرفية. قال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠] كذلك نكاح ما نكح الآباء هو أيضًا فاحشة ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢] أو عادة، ولكن في باب الثواب والعقاب المرجع إلى الشرع، ولهذا قال بعض العلماء: المراد بالفاحشة الكبيرة. وقوله: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ المراد به ما دون الفاحشة وهي الصغائر، وعلى هذا فالعطف بين قوله: ﴿فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا

стр. 784

أَنْفُسَهُمْ﴾ عطف بين متغايرين، وليس من باب عطف العام على الخاص، وإن كانت الفاحشة لا شك أنها داخلة في ظلم النفس، لكن المراد هنا التنويع، وإذا كان المراد التنويع لزم أن يكون كل نوع سوى النوع الآخر. وقوله: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قد يقول قائل: كيف يتصور أن الإنسان يظلم نفسه، الإنسان يدفع عن نفسه الظلم فكيف يظلم نفسه؟ والجواب على ذلك أن نقول: كل من خالف أمر الله بفعل محرم أو ترك واجب فقد ظلم نفسه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] لماذا؟ لأن النفس عندك أمانة تجب عليك رعايتها، وقد أوصاك الله بها فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] فنهى عن قتل النفس وعن ظلم النفس لأنها أمانة عندك. ومن المناسب أن نورد قول العلماء: إن الله أرحم بك من أبيك وولدك ونفسك، أما كونه أرحم بك من أبيك فإن الله قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فأوصى الآباء والأمهات بالأولاد، إذن فهو أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم، وأما بالعكس أن يكون أرحم بك من أبنائك، فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [العنكبوت: ٨] وأما أرحم بك من نفسك فلأن الله قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وقال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. إذن نقول: وجه كون الإنسان ظالم لنفسه أن نفسك عندك أمانة، فإذا فرطت في هذه الأمانة بأن أقحمت نفسك فيما حرم الله

стр. 785

عليك أو تأخرت عما أوجب الله عليك فقد ظلمت نفسك. وظلم النفس هو في الواقع ظلم في حق الغير؛ لأن ظلم النفس إما في حق يتعلق بالله ، وإما في حق يتعلق بالمخلوق، فإن كان في حق الله فإنك ظالم في حق الله، وإن كان في حق المخلوق فإنك ظالم في حق المخلوق، قال رسول الله ﷺ : "مطل الغني ظلم" (١). ولهذا نعرف أن من ظلم نفسه فقد ظلم ثلاثة: ظلم نفسه, وظلم حق الله , وظلم المخلوق؛ لأن هذه كلها تتعلق بأوامر الله ونواهيه. وقوله تعالى: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ أي: ذكروا الله باللسان وبالجوارح وبالقلب. أما ذكر الله بالقلب فإنه إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا عظمة الله وما أعد للمخالفين من العقاب، وذكروا كذلك رحمة الله وما أعد للطائعين من الثواب، هذا ذكر بالقلب، فإذا ذكروا الله بالمعنى الأول ذكروا عظمته فخافوا من عقابه واستقاموا على دينه هربًا من عقابه، وإذا ذكروا الله بالمعنى الثاني وهو ذكر رحمته وثوابه فإنهم يستقيمون على شرعه طلبًا للوصول إليه، فذكر الأول من باب الهرب، وذكر الثاني من باب الطلب، والعابد بمقتضى الطلب أعلى حالًا من العابد بمقتضى الهرب، قالوا: لأن الطالب ناصح في غيبة المطلوب وفي حضوره، والهارب ناصح في حضور المخوف لكن في غير حضوره لا يهتم، ويمكن أن يؤخذ هذا من قول الرسول ﷺ :

стр. 786

"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١). وذكر الله باللسان يمكن أن يكون المراد به الذكر الخاص مثل: لا إله إلا الله كما يروى عن الشيطان أنه قال: (أهلكت بني آدم بالمعاصي، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار) (٢). فذكر الله لا شك أنه من أسباب مغفرة الذنوب، فيذكرون الله بألسنتهم يقولون: لا إله إلا الله -كلمة الإخلاص- وهذه إذا قالها الإنسان مخلصًا غفر الله له، وكذلك أيضًا ذكر الله باللسان يكون بالاستغفار: اللهم اغفر لي أو أستغفر الله أو ما أشبه ذلك. والذكر بالفعل هو أنهم يفعلون ما يكفر هذه الذنوب والخطايا، ومن ذلك الصدقة فإن النبي ﷺ قال: "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفى الماء النار" (٣). وكذلك أيضًا الصلاة، فإن الإنسان إذا توضأ وأسبغ الوضوء ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه. وقوله: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الفاء: للترتيب والتعقيب، يعني فإذا ذكروا الله استغفروا لذنوبهم، أي طلبوا المغفرة من الله لذنوبهم، وتقدم لنا مرارًا أن المغفرة تعني ستر الذنب والتجاوز عنه، وقوله: ﴿لِذُنُوبِهِمْ﴾ الذنوب هي المعاصي

стр. 787

والآثام، فيسألون الله تعالى أن يغفر لهم هذه المعاصي والآثام، وإذا استغفر الإنسان ربَّه بنية صادقة وافتقار إليه فإن الله تعالى يغفر له، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. (مَنْ) اسم استفهام وليست اسم شرط، والدليل على أنها اسم استفهام لا اسم شرط أن الفعل بعدها وقع مرفوعًا ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ﴾. ثم إن أداة الإثبات جاءت بعدها وهي ﴿إِلَّا﴾، وعلى هذا نقول: (مَنْ) اسم استفهام بمعنى النفي. ويدل أنها بمعنى النفي إتيان الإثبات بعدها وهي ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾. فإذا قال قائل: ما الفائدة من أن يأتي النفي بصيغة الاستفهام؟ فلماذا لم تكن الآية كما في حديث أبي بكر ﵁ الذي علَّمه النبي ﷺ حيث قال: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت" وهذه الآية جاءت بقوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾؟ فنقول: لأن النفي بصيغة الاستفهام أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه إذا جاء النفي بصيغة الاستفهام صار مشربًا بالتحدي كأن المستفهم يقول: ائت لي بكذا وكذا، ائت لي بأحد يغفر الذنوب إلا الله ، فيكون الاستفهام هنا دالًا على النفي مشربًا بالتحدي. ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ بالرفع مع أنه وقع بعد ﴿إِلَّا﴾ لأن الكلام مفرغ، والمفرغ: هو الذي لم يذكر فيه المستثنى منه. فإذا قلت: ما قام إلا زيد، فهنا الاستثناء مفرغ لم يذكر فيه المستثنى منه. وإذا قلت: ما قام أحد إلا زيد، فهذا غير مفرغ؛ لأنه ذكر المستثنى منه. وإذا قلت: ما رأيت إلا زيدًا، مفرغ لأنه لم يذكر فيه المستثنى منه. وإذا قلت: ما رأيت أحدًا إلا زيدًا، فهذا غير مفرغ.

стр. 788

هنا ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ يعني لا أحد يغفر الذنوب إلا الله. لو تستغفر كل الخلق من ذنبك ما نفعوك، لو أنك مثلًا أتيت إلى كل الذين في المسجد وقلتَ: أستغفركم من الذنب الذي فعلت، فهل تنفع مغفرتهم؟ لنفرض أن رجلًا أساء في المسجد إساءة محرمة تؤذي المصلين، فجاء فقال: أيها المصلون أستغفركم مما فعلت هل يمكن أن يغفروا له؟ يقال: يمكن أن يغفروا له ما يتعلق بهم، لكن أصل الذنب لا يمكن أن يغفروا له؛ لأنه يقول: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. قال: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ معطوفة على قوله: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. ويصروا: أي يستمروا على ما فعلوا ويبقوا عليه؛ لأن طالب المغفرة لا يمكن أن يصر على اقتراف الذنب، يقول اللهم اغفر لي وهو مصرٌّ على معصيته، هذا سخرية واستهزاء، ولهذا قال: ﴿مَا فَعَلُوا﴾ من الفاحشة وظلم النفس. وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يحتمل أن تكون استثنائية ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ يعني أتى بجملة مستأنفة فقال: وهؤلاء يعلمون عظم الذنوب، ويعلمون عظم مَنْ عصوه، ولذلك لا يصرون على ما فعلوا، ويحتمل أن تكون الواو للحال يعني: ولم يصروا على ما فعلوا حال كونهم عالمين بأن الإصرار على الذنب لا تحصل معه المغفرة، أو وهم يعلمون بأن هذا ذنب، فهذا وقع منهم ذنب أصروا عليه فإنهم لا يعلمون أنه ذنب، والآية ما دامت تحتمل هذه الأوجه

стр. 789

الثلاثة فإننا نقول على القاعدة أنها تحمل عليها كلها، كل ما تحتمله الآية من معنى ولا تناقض بين المعاني فإنه يجب أن تحمل عليها كلها، فإن كانت المعاني تتناقض أو تتعارض فإنه يطلب المرجح, لأنه لا يمكن أن يحمل الكلام على الشيء وضده. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن المتقي لا يكون معصومًا من فعل الفاحشة أو ظلم النفس؛ لأن الله لم يقل: وهم لا يفعلون الفواحش أو لا يظلمون أنفسهم، بل قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ففعل الفاحشة لا يخدش التقوى إذا استغفر الإنسان وتاب، وقد جاء في الحديث عن النبي ﵊ أنه قال: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" (١)، وصحَّ عنه أنه قال ﵊: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم" (٢). إذن ليس الشأن في أن لا يفعل الإنسان المعصية، كل إنسان لابد أن يعصي، لكن الشأن في أنه إذا فعل المعصية رجع إلى الله. ٢ - أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: فواحش ودونها؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، و (أو) هنا للتنويع، وهذا متفق عليه بين العلماء أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، ولكن ما هو الضابط للكبائر والصغائر؟ بعض العلماء يقول: إن

стр. 790

الكبائر معدودة فجعل يعددها ويقول الكبيرة الأولى، الكبيرة الثانية، الكبيرة العاشرة، إلى أن انتهى إلى ما بلغه علمه من الكبائر. وبعضهم يقول: إن الكبائر محدودة وليست معدودة، ومعنى محدودة يعني معلقة بوصف لا بعدد، فقالوا مثلًا: ما فيه حدٌّ في الدنيا فهو كبيرة مثل الزنا والسرقة والقذف، كل ما فيه حد في الدنيا فهو كبيرة، وكل ما رتّب عليه اللعنة فهو كبيرة مثل: "لعن الله من آوى محدثًا" (١). ومثل: "لعن الله الراشي والمرتشي" (٢) وما أشبهه، وكل ما رتب عليه غضب فهو كبيرة، مثل قوله تعالى في القاتل: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: ٩٣] وكل ما رتّب عليه وعيد في الآخرة بأن قيل: من فعل كذا فهو في النار أو ما أشبه ذلك، مثل: "ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار" (٣). ورأيت لشيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: كل ما رتّب عليه عقوبة خاصة، دنيوية أو أخروية فهو كبيرة، وما جاء النهي عنه بدون ذكر عقوبة فهو صغيرة، فقال مثلًا: الغش من كبائر الذنوب؛ لأن الشارع جعل له عقوبة خاصة: "من غشنا فليس منا" (٤). وإيذاء الجار من كبائر الذنوب؛ لقول النبي ﵊: "من

стр. 791

كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره" (١). وهذا الذي حدَّه ﵀ يدخل فيه من الذنوب شيء كثير، ولكن لا شك أن ما قاله ﵀ ليس معناه أن هذه الكبائر تكون على مرتبة واحدة بل حتى الكبائر فيها ما هو أكبر، وفيها ما هو أصغر، كما في الحديث الصحيح: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" (٢). وعلى هذا فنقول: الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، تؤخذ من الآية هذه. ثم إنَّ الكبائر تختلف مراتبها بحسب ما يترتب عليها من المفاسد والآثام. ٣ - سرعة انتباه هؤلاء عند فعل الذنوب؛ لقوله: ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ فيبادرون بالتوبة، والمبادرة بالتوبة من صفات المتقين وهل هي واجبة؟ الجواب: نعم، تجب المبادرة بالتوبة؛ لأن التوبة إذا نزل الأجل لا تقبل، والإنسان لا يدري متى ينزل أجله، وعلى هذا فيجب أن يتوب الإنسان من ذنوبه فورًا بدون تأخير. ٤ - أن ذكر الله سبب للتوبة والرجوع إلى الله؛ لقوله: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾. ٥ - أنهم يبادرون بالتوبة وسبق استغفار هؤلاء المتقين لذنوبهم؛ لقوله: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ ويتفرع على هذه الفائدة عجز

стр. 792

أولئك القوم الذين يقولون: إن الله غفور رحيم ولا يستغفرون الله، فإن بعض المذنبين إذا نهيته عن الذنب قال: الله غفور رحيم ولكن هو نفسه لا يستغفر، وإذا كان هؤلاء السادة يستغفرون ربهم بل إذا كان الله أمر نبيه ﵊ أن يستغفر فما بالك بمن دونهم، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦]. ٦ - أنه لا أحد يستطيع أن يغفر الذنوب إلا الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ويتفرع عليها أن لا تعتمد على أحد في مغفرة الذنوب أو طلب المغفرة، وإنما يكون اتجاهك إلى الله . ٧ - أن هؤلاء السادة المتقين لا يصرون على ما فعلوا من الفاحشة أو ظلم النفس وهم يعلمون. ٨ - أن الرجل إذا أذنب فاستغفر ثم أذنب فاستغفر ثم أذنب فاستغفر، فإنه يغفر له وإن تكرر الذنب منه؛ لأن الله قال هنا: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ولم يقل: (ولم يعيدوا ما فعلوا)، والإنسان إذا كان كلما أذنب استغفر فإنه يغفر له؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] ويجب أن لا يكون استغفاره بلسانه، وقلبُه منطوٍ على الرجوع، فإن كان كذلك فإن هذا الاستغفار لا يفيده، لكن يكون استغفاره حقيقة بقلبه ولسانه، والإنسان بشر ربما تغلبه نفسه في المستقبل فيفعل المعصية مع أنه قد استغفر منها فنقول: مهما عملت ومهما تكرر منك الذنب ما دمت تستغفر فإن الله تعالى يغفر لك. ٩ - توبيخ من أصرَّ على الذنب وهو عالم به؛ لقوله: ﴿وَلَمْ

стр. 793

يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ولهذا قال العلماء: إن الإصرار على المعصية الصغيرة يجعلها كبيرة؛ لأن إصراره عليها يدل على تهاونه بمَنْ عصاه. * * * • ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦]: ﴿أُولَئِكَ﴾: هنا إشارة وخطاب، الإشارة مأخوذة من قوله "أولاء"، والخطاب من "الكاف" في قوله: "أولئك"، ويجب أن نعلم من حيث اللغة العربية أن اسم الإشارة يكون بحسب المشار إليه، وأما كاف الخطاب فبحسب المخاطب، ثم إذا كانت بحسب المخاطب فهل تبقى مفردة مفتوحة مبنية على الفتح، أو تكون بحسب المخاطب تذكيرًا وتأنيثًا وتثنية وجمعًا وإفرادًا، أو تكون بالفتح للمذكر مطلقًا ولو جمعًا أو مثنى، وبالكسر للمؤنث مطلقًا ولو جمعًا أو مثنى؟ في هذا ثلاث لغات للعرب: اللغة الأولى: أنها لازمة للفتح باعتبار أن المخاطب اسم جنس، فإذا قلت: (ذلك) تخاطب اثنين فالمعنى أنك تخاطبهما باعتبار جنس المذكور أو باعتبار جنس الشخص. اللغة الثانية: أنها بالفتح للمذكر مطلقًا، وبالكسر للمؤنث مطلقًا. ومعنى الإطلاق أي في حالة التثنية والجمع والإفراد. اللغة الثالثة: هي الأفصح أنها بحسب المخاطب مطلقًا، فإذا كان مفردًا مذكرًا فهي بالفتح مفردة. وإذا كان مثنى فهي بالتثنية، وإذا كان جماعة ذكور فهي تقترن بالميم، وإذا كان جماعة إناث فهي تقترن بالنون، قالت: ﴿فَذَلِكُنَّ﴾ [يوسف: ٣٢]

стр. 794

لأنها تخاطب جماعة نسوة، وقال: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: ٣٧] لأنه يخاطب اثنين، وقال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] لأنه يخاطب جماعة ذكور، هذا هو الأفصح، فهنا يقول: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ﴾ الخطاب لواحد يعني أولئك أيها المخاطب، والإشارة لجمع يعني أولئك المتقون أيها المخاطب. ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ أي ثوابهم ومكافأتهم على عملهم مغفرة من ربهم يكون بها النجاة من النار ﴿وَجَنَّاتٌ﴾ يكون بها حصول المطلوب في جنات النعيم. ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي عفو وتجاوز عن الذنوب وستر عن الخلق. ﴿وَجَنَّاتٌ﴾ جنات جمع؛ لأن الجنة درجات كثيرة ومنازل متنوعة يختلف الناس فيها بحسب أعمالهم، وقد أخبر النبي ﵊ أن أهل الجنة يتراءون الغرف كما نتراءى الكوكب الدري الغابر في الأفق، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا ينالها غيرهم؟ قال: "بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" (١). فهذه منازلهم، نسألك اللهم من فضلك، اللهم اجعلنا منهم. هذه المنازل يختلف الناس فيها. أهل الجنة يتراءونها مثل ما نرى الكوكب الدري المضيء الغابر في الأفق بعيدًا جدًّا، ليس فوق

стр. 795

مسافة الرؤوس بل هو بعيد، فهي درجات، ولهذا تجمع، وأعلى ما فيها الفردوس؛ لأن فوقه عرش الله ﷻ ، وهو وسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة، ووصفها الله بأنها جنات لأن فيها من أنواع النعيم ما لا يخطر على البال، فهي دار لا يمكن أن يدرك الإنسان كنهها وحقيقتها؛ لأنها أعظم من أن تدركها مخيلتنا، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] وقال تعالى في الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (١). وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال العلماء: أي من تحت قصورها وأشجارها لا من تحت أرضها؛ لأنه لو كان من تحت أرضها لكانت في الأسفل في قعر، ولكنها تمشي على سطح أرض الجنة تحت القصور والأشجار، وقد ورد في الأثر أن هذه الأنهار تجري بلا أخدود وبلا حفر (٢). وفي ذلك يقول ابن القيم ﵀ في النونية: أنهارها في غير أخدود جرت ... سبحان ممسكها عن الفيضان تجري على الأرض بدون أن يكون لها أخدود يعني سواقٍ أو حفر، ومع هذا تجري حيث أراد الإنسان.

стр. 796

وقوله: ﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع نهر، وقد بيَّن الله تعالى في سورة محمد أنها أربعة أنواع: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]. ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ يعني لا يقبل أن يكون آسنًا بخلاف ماء الدنيا فإنه يكون آسنًا أي متغيرًا، فإنه إذا تأخر وأبطأ تغير، أما ماء الجنة فلا يتغير ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ بخلاف ألبان الدنيا فإنها تتغير إذا زادت عن المدة تغيرت وفسدت. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ لذة ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧] لا توجع الرأس، ولا تغتال العقول، وأشد ما يكون من اللذة. الرابعة ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ أنهار من العسل ليس من عسل النحل الذي يكون نصفها أو أكثر شمعًا ولكنه من عسل مصفى. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: أي ماكثين فيها مكثًا طويلًا، وقد جاءت آيات أخرى تدل على أن هذا الخلود خلود تأبيد، وقد أجمع علماء أهل السنة على أنها -أي الجنة- مؤبدة بما فيها من النعيم. ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: الجملة هنا إنشائية للمدح والثناء. الثناء على هذا الأجر العظيم و ﴿أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ أي ثوابهم، وجعله ذو الفضل والإحسان أجرًا ليكون الإنسان مطمئنًا على الحصول عليه إذا قدَّم العوض وإلا فالمنة لله أولًا وآخرًا، لكن يمنّ علينا والحمد لله بالعمل ثم يمنُّ علينا ثانيًا بالجزاء، ويقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] كأننا نحن محسنون استقلالًا وابتداءً، فإذا أحسنّا فجزاؤنا أن يحسن إلينا

стр. 797

مع أنه هو الذي أحسن إلينا أولًا وآخرًا، كذلك يقول جل وعلا: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ [الإنسان: ٢٢] سبحان الله، يمنّ علينا بالسعي ويوفقنا له ويعيننا عليه ثم يشكرنا عليه، هذا والله هو غاية الفضل والإحسان فله الحمد والشكر. ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ الذين يعملون لهذا الأجر العظيم، وقوله: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ نقول في إعرابها: إن ﴿أَجْرُ﴾ فاعل، والمخصوص محذوف تقديره: (نعم أجر العاملين هو) أو الجنة كما قال الشاعر: نعمت جزاء المتقين الجنة ... فيها الأماني والمُنا والمِنَّة من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان جزاء المتقين وأنه جزاء لا يدركه الإنسان بتصوره؛ لأنه أعظم مما يتصور. ٢ - أن جزاءهم متضمن لحصول المطلوب ودرء المكروه، يؤخذ من قوله (المغفرة) (وجنة) فبالمغفرة درء المكروه، وبالجنة حصول المطلوب. ٣ - أن مغفرة الله للمرء من أعظم الثواب، فلا تغفل أن تكثر من سؤال المغفرة، كان النبي ﷺ حينما نزلت عليه سورة النصر يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي" (١).

стр. 798

٤ - بيان حال الجنات التي وعدها المتقون وما يصوره قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ من النعيم العظيم. ٥ - أن أهل الجنة خالدون فيها؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ وقد دلَّت النصوص على أن هذا التخليد أبدي. ٦ - عظم هذا الأجر؛ لأن العظيم إذا أثنى على شيء دلَّ على عظمه، والله هو العظيم جل وعلا وقد أثنى على هذا النعيم. ٧ - بيان فضل الله على عباده حيث جعل هذا الجزاء أجرًا بمنزلة الأجر المحتم الذي لابد من أن يناله العبد. فإذا قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية وبين قوله ﷺ : "لن يُدخل أحدًا عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: لا، ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة. . ." (١)، وظاهر الآية التي معنا أن هذه الجنة التي أعدت لهم هي أجرٌ وعوض على ما قاموا به من العمل؟ والجواب عن هذا أن نقول: إن قول الرسول ﷺ : "لن يدخل الجنة أحد بعمله" أي على سبيل المكافأة أي أن الجزاء يكافئ العمل ويكون عوضًا عنه، وأما على أنه سبب من الأسباب ولكن الله بفضله جعله بمنزلة العوض فهذا ثابت، فأعمالنا سبب ولو قوبلت بنعم الله لم تكن شيئًا. لو أنك جمعت نعم الله عليك وقارنت بينها وبين عملك لكان العمل ضئيلًا جدًّا ولا يساوي شيئًا. لو أصيب الإنسان بضيق في نَفَسه لكان يبذل لك ما يملك من أجل زوال هذه

стр. 799

المحنة، كذلك البول، الغائط، السمع، البصر إلى غير ذلك، نعمٌ كثيرة لا يقابلها العمل، وقد قال بعض الشعراء: إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... عليَّ له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر (١) فإذا وفقت للشكر وشكرت الله فهي نعمة؛ لأن الله قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وما أكثر الذين كفروا نعمة الله، ثم إذا شكرت الله قلنا إنها نعمة تحتاج أيضًا إلى شكر آخر، فإذا وفقت لشكر الشكر فهو نعمة ثالثة تحتاج إلى شكر وهلم جرا، ولهذا قال: فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العُمْرُ والمصرُّ هو الذي يبقى على الذنب وكأنه ليس بذنب، أما الإنسان الذي يتوب ثم تغلبه نفسه في المستقبل ويفعل المعصية فهذا ليس مصرًّا، ولهذا ورد عن النبي ﵊: "أن رجلًا أذنب فاستغفر الله، ثم أذنب فاستغفر الله، ثم أذنب فاستغفر، ثم أذنب فاستغفر، فقال الله تعالى: علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء" (٢). فكون الإنسان كلما أذنب استغفر، وكلما استغفر عاد فأذنب لا يبطل توبته الأولى. وهل إذا تاب من ذنب وهو مصرٌّ على آخر تقبل توبته من هذا الذنب أو لا؟

стр. 800

ذكرنا أن في هذا خلافًا للعلماء ﵏، فمنهم من قال: لا تقبل، ومنهم من قال: تقبل مطلقًا، ومنهم من قال: إن كان الذنب الذي هو مصرٌّ عليه من جنس الذنب الذي تاب منه فإنها لا تقبل، وإن كان من غير جنسه قبلت، فمثلًا إذا تاب من غش الناس في البيع لكن غشَّهم في الإيجار لم تقبل توبته؛ لأن هذين الذنبين من جنس واحد وإن اختلف محل الغش، والصحيح أنها تقبل إذا تاب من ذنب ولو أصرَّ على مثله أو على جنسه، ولكنه لا يستحق الوصف المطلق في مدح التوابين يعني لا يدخل في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] إنما يقال: هذه توبة مقيدة. * * * • ثم قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧]: قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ جملة محققة (بقد) لأن ﴿قَدْ﴾ إذا دخلت على الفعل الماضي تفيد التحقيق، وإذا دخلت على الفعل المضارع تفيد التقليل، وقد تفيد التحقيق بالقرائن، فقول القائل: قد يجود البخيل، هذه للتقليل. وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] هذه تفيد التحقيق. أما إذا دخلت على الماضي فإنها تكون للتحقيق كقول المقيم: قد قامت الصلاة. ﴿قَدْ خَلَتْ﴾: أي مضت. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾: الخطاب لهذه الأمة، والسنن جمع سنة وهي الطريقة، والمراد بها سنن الله في المكذبين حيث يأخذهم ويدمرهم كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا

стр. 801

كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠]. قال: ﴿دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ﴾ يعني أهلكهم وأبادهم ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ من هذه الأمة. إذن سنن جمع سنة وهي الطريقة، والمراد بها طريق الله تعالى في المكذبين للرسل حيث تكون عاقبتهم الهلاك والدمار. وقوله: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الفاء هنا للترتيب وهي عاطفة، عطف جملة على جملة. ﴿فَسِيرُوا﴾ فعل أمر من السير وهو المشي، والمراد به هنا سير القلوب وسير الأقدام، أما سير القلوب فهو بالتفكير، أن يتفكر الإنسان في الأمم السابقة عليه زمنًا، وكذلك يتفكر في الأمم السابقة عليه مكانًا كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] فالإنسان يسير بقلبه ويسير بقدمه، أما سيره بقلبه فهو أن يتفكر في عاقبة من مضى زمنًا وفي عاقبة من مضى مكانًا، فمثلًا ديار ثمود موجودة الآن يفكر الإنسان فيها زمنًا أو مكانًا، فينظر كيف كان عاقبتهم، والسير بالقدم قد يكون أشد وقعًا من السير بالقلب؛ لأن الإنسان يصل به إلى حق اليقين، والمشاهدة بالعين والسير بالقلب أعم وأشمل؛ لأن الإنسان يصل به إلى ما لا يمكنه الوصول إليه بالسير قدمًا. وقوله: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾: (في) ظرفية ولكنها عند المفسرين هنا بمعنى (على) أي سيروا على الأرض؛ لأن السير في جوف الأرض غير ممكن وغير مفيد أيضًا، وإنما يفيد السير على ظهر الأرض. وقوله: ﴿الْأَرْضِ﴾ أي أرض من سبق فـ (أل) هنا للعهد

стр. 802

المفهوم من قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾: أي سيروا في أرضهم وانظروا كيف كانت عاقبتهم. وقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: انظروا بعين البصر وبعين البصيرة جميعًا، فإن وصل إلى مكان هؤلاء الأمم فالنظر يكون بعين البصر وبعين البصيرة، وإن لم يصل ولكنه فكَّر بقلبه فالنظر يكون بعين البصيرة؛ لأن البصر لا يمكن أن يصل إليه وهو ينظر في قلبه. "وانظروا": فعل أمر، وهي تنصب المفعول به لكنها عُلِّقت عن العمل لأنه وليها جملة استفهامية، والجملة الاستفهامية إذا وليت الفعل المتعدي علقته عن العمل. وعلى هذا تكون الجملة في قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ في محل نصب مفعول (انظروا)، أما إعراب ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ تفصيلًا: ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر (كان) مقدمًا، وتقديمه هنا واجب؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، فإذا وقع خبرًا وجب تقديمه، و ﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها و ﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾ معروف أنه مضاف إليه. ﴿عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي مآل أمرهم، وعاقبة الشيء ما يعقبه ويعود إليه الشيء. و ﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾ هنا المراد بهم: المكذبين لله ورسله فماذا كان عاقبتهم؟ كان عاقبتهم الهلاك والدمار، وعقوبتهم على حسب ذنوبهم كما قال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٠] الذين أرسل الله عليهم حاصبًا مثل قوم لوط ﴿إِنَّا

стр. 803

أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ كثمود قوم صالح. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ كقارون. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ كفرعون وقوم نوح، أغرقهم الله حسبما تقتضيه الحكمة. والعقول قاصرة غالبًا عن معرفة تناسب العقوبة والعمل. وأقول غالبًا، لأنها أحيانًا قد تعرف المناسبة، فمثلًا: نحن نعرف مناسبة إهلاك عاد بالريح، وهي أنهم كانوا يقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، فأراد الله أن يريهم أنه يهلكهم بما هو من ألطف الأشياء وهو الريح (الهواء)، الهواء لطيف ومع ذلك دمَّر الله به هذه الأمة التي تفخر بقوتها. في آل فرعون؛ كان فرعون يعتز بالأنهار التي تجري من تحته، ويقول لقومه: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥١، ٥٢]، فأهلكه الله بجنس ما افتخر به وهو الماء. وأما الباقي فلا أستطيع أن أحدد التناسب بين العمل وبين العقوبة، لكن قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] يدل على أن العقوبة تناسب العمل، ومن الأمثال المشهورة عند الناس: (كما تدين تدان) (١).

стр. 804

من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الله سبحانه قد أهلك أممًا قبل هذه الأمة؛ لقوله سبحانه ﴿سُنَنٌ﴾ وسنن جمع كثرة لا جمع قلة. قال ابن مالك ﵀: أَفْعِلَةٌ أفعُلُ ثم فِعْلَةٌ ... ثُمَّتَ أفعَالٌ جموعُ قِلَّة يعني أنَّ جمع القلة محصور بهذه الأوزان الأربعة فقط: أفعِلة، أفعل، ثم فِعلة، ثمت أفعال، جموع قلة. ٢ - تسلية هذه الأمة من وجه، وتحذيرها من وجه آخر. تسليتها بأن الله قد عاقب من قبلها، فعقوبته لها في غزوة أُحُد من سنن الله ؛ لأنه لا شك أن ما حصل في أُحد عقوبة ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. وفيها أيضًا تحذير من جهة أخرى من عقوبة أشد؛ لأن الأمم السابقة أهلكوا ودمروا عن آخرهم. ٣ - إثبات القياس؛ لأن المقصود بقوله: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ النظر والاعتبار، وأن يقاس ما حضر على ما مضى وسلف. ٤ - الأمر بالسير في الأرض، ولكن هل هو على إطلاقه أو من أجل الاعتبار فقط؟ لننظر ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ إذن السير في الأرض

стр. 805

لغير غرض شرعي مذموم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١) وغيره من أهل العلم؛ لأن السير في الأرض من غير غرض شرعي فيه إتعاب للنفس، وتعريضها للهلاك، وإضاعة المال، وإضاعة الوقت، أما إذا كان لغرض شرعي فهو على حسب هذا الغرض. وعلى هذا فإن السير في الأرض ينقسم إلى أقسام: قسم لأغراض محرمة، وهذا لا شك في تحريمه. وقسم آخر لأغراض مشروعة مطلوبة، وهذا لا شك في طلبه. وقسم ثالث لمجرد الفرجة والنزهة، وهذا ينظر فيه، فالأصل فيه الإباحة، ولكن إن توصل به الإنسان إلى محرم كان حرامًا، وإن توصل به إلى مشروع كان مشروعًا. فمثال الأول وهو السير في الأرض من أجل الحرام: ما يفعله بعض الناس المترفون الذين يسيحون في أرض الكفر وأرض المجون من أجل أن يحصلوا على مآربهم التي لا يستطيعون الحصول عليها في بلادهم، وهذا لا شك أنه حرام، فالسفر لهذا الغرض حرام، ونفس هذا الغرض حرام، وإضاعة المال حرام، فهو حرام مركب، ظلمات بعضها فوق بعض، والعياذ بالله. ومثال الثاني الذي يكون لغرض مشروع: السير في الأرض لطلب الرزق الواجب، كإنسان ليس عنده ما يقوته وأهله، فسار في الأرض من أجل الحصول على الرزق، وكذلك أيضًا السير في الأرض لطلب العلم، وقد كان السلف ﵏ يسيرون في الأرض لطلب العلم مسيرة شهر من أجل مسألة واحدة، يرحلون

стр. 806

ارتحالًا في الأرض من أجل مسألة واحدة، والسفر في ذلك الوقت ليس كالسفر في وقتنا هذا، كان فيه مشقة، وفيه أخطار كبيرة. أما السفر لا لهذا ولا لهذا مثل سفر بعض الناس للاستجمام والنزهة في أيام الإجازة -إجازة الأعياد وما أشبهها- وهذا نقول: ليس فيه بأس في الأصل، لكن قد يكون مفضيًا إلى خير فيكون خيرًا، كما لو كان في هذا السير صلة رحم، أو بر الوالدين أو ما أشبه ذلك، فإنه يكون في هذا الحال أمرًا مطلوبًا. وهنا مسألة: وهي إذا سار في الأرض لأمر شرعي كالعلاج لكن صاحبه أمر محرم فهل يمنع من هذا السير؟ الجواب: أنه إذا كان لا يمكن أن يسير للعلاج إلا بارتكاب هذا المحرم صار هذا حرامًا، وذلك لأن العلاج بالمحرم حرام؛ لأن ارتكاب المحرم ضرر محقق، والشفاء من المرض مصلحة متوقعة غير متيقنة، ولولا هذا لقلنا: إن من احتاج إلى أكل لحم الخنزير للعلاج جاز له أن يأكله مع أنه لا يجوز، وهذا هو الفرق بين جواز أكل لحم الخنزير للجوع، وأكل لحم الخنزير للاستشفاء. الثاني حرام، والأول جائز؛ لأن أكل اللحم عند الجوع يفيد قطعًا، فإنه يدفع الجوع، ويسد رمق الإنسان، لكن علاجه بالمحرم قد ينجع وقد لا ينجع، فهو يرتكب مفسدة محققة لتوقع مصلحة موهومة، وإن شئت فقل راجحة أيضًا، لكن ليس الراجح كالمتيقن، ولهذا جاء في الأثر من قول ابن مسعود: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" (١).

стр. 807

السير في الأرض التي أُهلك أهلها هل هو من الأمور المطلوبة؟ نقول: نعم، إذا كان المقصود بهذا الاتعاظ، أما إذا كان المقصود بهذا التفرج على قوة القوم، وما أشبه ذلك، فإنه لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ لما مرَّ بديار ثمود في ذهابه إلى تبوك مرَّ مسرعًا مقنعًا رأسه ﵊ خائفًا، وقال ﵊: "لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين, فإن لم تكونوا باكين, فلا تدخلوا عليهم" (١). وهذا خلاف ما يفعله بعض الناس الذين ماتت قلوبهم، يذهبون إلى ديار ثمود من أجل الاطلاع على مآثرهم وآثارهم وقدرتهم, فهذا لا شك أنه حرام؛ لأن الرسول ﷺ نهى عنه، فقال: "لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم". ٥ - أن عاقبة المكذب لله ورسله وخيمة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. * * * • ثم قال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨]: ﴿هَذَا﴾ المشار إليه هل هو القرآن أو ما ذكر من قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] إلى آخر الآية؟

стр. 808

في هذا قولان للمفسرين: أ - فمنهم من قال: إنه عائد إلى القرآن، لجريان ذلك كثيرًا في كتاب الله، كقوله ﵎: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠] وما أشبه ذلك من الآيات التي فيها الإشارة التي تعود إلى القرآن نفسه. فتكون (هذا) أي القرآن بيانًا للناس. ب - ومنهم من قال: إنه عائد إلى أقرب ما ذكر؛ لأن اسم الإشارة والضمير كلاهما يعودان على أقرب مذكور، ولكن الأول أولى أن يكون عائدًا إلى القرآن كله، ومنه هذه الآية؛ لأن هذه الآية من القرآن، فإذا جعلنا ﴿هذا﴾ هو يعود على القرآن كله صار من ضمنه ما ذكر في قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وقوله: ﴿بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾. ﴿بَيَانٌ﴾ اسم مصدر، بيَّن، يبيِّن تبيينًا، مثل بدَّل يبدّل تبديلًا ومثل: كلَّم يكلِّم تكليمًا، واسم المصدر: كلام. وقوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ﴾ إذا قلنا إنه اسم مصدر فقد عبَّر باسم المصدر الذي هو البيان عن الموصوف بالبيان. وهذا من باب المبالغة أن يجعل الموصوف هو الصفة نفسها، كأننا سلبنا اتصافه بها حتى جعلناه هو نفس الصفة، ولهذا يقولون: إن قول القائل (فلان عدل) أبلغ من قولهم: (فلان ذو عدل) كأنه جعل هذا الموصوف هو الصفة. إذن القرآن ليس فيه البيان، بل هو نفسه البيان ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾. كيف كان القرآن وهو عربي بيانًا للناس كلهم وفيهم العجم الذين لا يعرفون لغة العرب؟

стр. 809

نقول: لأن هؤلاء سيقيض لهم من يبلغهم إياه، ولهذا كثير من علماء المسلمين الآن الذين لهم قدم صدق في العلم والدين، كثير منهم عجم. وإن شئتم فاعجبوا! إن مرجع أكثر الناس في اللغة العربية الآن كتاب "القاموس المحيط" الذي ألفه أعجمي: الفيزوزآبادي ﵀. وفي النحو من إمام البصريين؟ سيبويه ﵀. فالحاصل: أن العجم -والحمد لله- بلغهم القرآن بواسطة، ليس لازمًا أن يأخذوه بأنفسهم، وبعضهم تَعَرَّب وصار لسانه عربيًا. كل الناس، كل من قرأ القرآن تبيّن له ما دلَّ عليه القرآن، ولكن هل كل من بان له ذلك يهتدي؟ الجواب: لا. ولهذا قال: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾، هدى بمعنى دلالة يستدل بها المتقي. وموعظة بمعنى امتثال؛ لأن الموعظة هي تليين القلوب بذكر ما يخاف منه، أو ذكر ما يرغب فيه، فهو هدى يعني دلالة، وموعظة يعني امتثالًا. فوصف الله القرآن بثلاثة أوصاف، وصف عام، ووصفان خاصان، الوصف العام هو (بيان للناس)، والخاصان (هدى) (وموعظة). فإنه لا يهتدي به إلا المتقون، ولا يتعظ به إلا المتقون. أما مَن ليس كذلك فهو عليهم عمى والعياذ بالله، ولا يزدادون به اتعاظًا، بل يقول الله : ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ أي نجاسة إلى نجاستهم، ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥]. فسبحان الله، كلام واحد يكون له هذا التأثير المتباين؛ في

стр. 810

قوم هدى وموعظة، وعلى قوم عمَى ورجس؛ لأن القلوب بمنزلة الأراضي، الأراضي منها أرض طيبة تقبل الماء، وتنبت الكلأ، وينتفع بها الناس، ومنها أرض صلبة، لا تشرب الماء، ولكن تحفظ الماء، فينتفع به الناس، ومنها أرض سَبخَة قِيعَان، تشرب الماء ولكنها لا تنبت، فيزيدها الماء ضررًا؛ لأنها إذا كانت يابسة أمكن السير عليها، وإذا كانت رطبة لا يمكن السير عليها، تكون زلقًا وحرًا، ومع ذلك لا ينتفع بها الناس، لا بماء تحبسه، ولا بنبات تخرجه، فهكذا القرآن بالنسبة للناس؛ منهم من ينتفع به ويزداد هدى وتقوى، ومنهم من لا ينتفع به، بل لا يزداد إلا عمى وضلالة، لأنه كلما كذب بآية ازداد إثمًا وعقوبة. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن القرآن بيان للناس في كل شيء، فهو عام من حيث التبيين، وعام من حيث المبيَّن له، المبيَّن له نأخذ العموم من قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، والتبيين من كونه حذف المتعلق، وحذف المتعلق يدل على العموم ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ لكل شيء، ويؤيد هذا الآيات التي ذكرناها آنفًا كقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. ٢ - أن القرآن صالح لهداية المؤمن والكافر؛ لقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ فهو يشمل المؤمن والكافر. ٣ - أنه عِلْمٌ لكن للمتقين، يعني لا ينتفع به إلا المتقون؛ لقوله: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾. ٤ - أن من لم يتعظ بالقرآن فليتهم نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فإذا لم تتعظ بالقرآن فاتهم نفسك، فإن فيك
следующие страницы →