ارتحالًا في الأرض من أجل مسألة واحدة، والسفر في ذلك الوقت ليس كالسفر في وقتنا هذا، كان فيه مشقة، وفيه أخطار كبيرة.
أما السفر لا لهذا ولا لهذا مثل سفر بعض الناس للاستجمام والنزهة في أيام الإجازة -إجازة الأعياد وما أشبهها- وهذا نقول: ليس فيه بأس في الأصل، لكن قد يكون مفضيًا إلى خير فيكون خيرًا، كما لو كان في هذا السير صلة رحم، أو بر الوالدين أو ما أشبه ذلك، فإنه يكون في هذا الحال أمرًا مطلوبًا.
وهنا مسألة: وهي إذا سار في الأرض لأمر شرعي كالعلاج لكن صاحبه أمر محرم فهل يمنع من هذا السير؟
الجواب: أنه إذا كان لا يمكن أن يسير للعلاج إلا بارتكاب هذا المحرم صار هذا حرامًا، وذلك لأن العلاج بالمحرم حرام؛ لأن ارتكاب المحرم ضرر محقق، والشفاء من المرض مصلحة متوقعة غير متيقنة، ولولا هذا لقلنا: إن من احتاج إلى أكل لحم الخنزير للعلاج جاز له أن يأكله مع أنه لا يجوز، وهذا هو الفرق بين جواز أكل لحم الخنزير للجوع، وأكل لحم الخنزير للاستشفاء. الثاني حرام، والأول جائز؛ لأن أكل اللحم عند الجوع يفيد قطعًا، فإنه يدفع الجوع، ويسد رمق الإنسان، لكن علاجه بالمحرم قد ينجع وقد لا ينجع، فهو يرتكب مفسدة محققة لتوقع مصلحة موهومة، وإن شئت فقل راجحة أيضًا، لكن ليس الراجح كالمتيقن، ولهذا جاء في الأثر من قول ابن مسعود: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" (١).
стр. 807
السير في الأرض التي أُهلك أهلها هل هو من الأمور المطلوبة؟
نقول: نعم، إذا كان المقصود بهذا الاتعاظ، أما إذا كان المقصود بهذا التفرج على قوة القوم، وما أشبه ذلك، فإنه لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ لما مرَّ بديار ثمود في ذهابه إلى تبوك مرَّ مسرعًا مقنعًا رأسه ﵊ خائفًا، وقال ﵊: "لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين, فإن لم تكونوا باكين, فلا تدخلوا عليهم" (١). وهذا خلاف ما يفعله بعض الناس الذين ماتت قلوبهم، يذهبون إلى ديار ثمود من أجل الاطلاع على مآثرهم وآثارهم وقدرتهم, فهذا لا شك أنه حرام؛ لأن الرسول ﷺ نهى عنه، فقال: "لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم".
٥ - أن عاقبة المكذب لله ورسله وخيمة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨]:
﴿هَذَا﴾ المشار إليه هل هو القرآن أو ما ذكر من قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] إلى آخر الآية؟
стр. 808
في هذا قولان للمفسرين:
أ - فمنهم من قال: إنه عائد إلى القرآن، لجريان ذلك كثيرًا في كتاب الله، كقوله ﵎: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠] وما أشبه ذلك من الآيات التي فيها الإشارة التي تعود إلى القرآن نفسه. فتكون (هذا) أي القرآن بيانًا للناس.
ب - ومنهم من قال: إنه عائد إلى أقرب ما ذكر؛ لأن اسم الإشارة والضمير كلاهما يعودان على أقرب مذكور، ولكن الأول أولى أن يكون عائدًا إلى القرآن كله، ومنه هذه الآية؛ لأن هذه الآية من القرآن، فإذا جعلنا ﴿هذا﴾ هو يعود على القرآن كله صار من ضمنه ما ذكر في قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
وقوله: ﴿بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾. ﴿بَيَانٌ﴾ اسم مصدر، بيَّن، يبيِّن تبيينًا، مثل بدَّل يبدّل تبديلًا ومثل: كلَّم يكلِّم تكليمًا، واسم المصدر: كلام.
وقوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ﴾ إذا قلنا إنه اسم مصدر فقد عبَّر باسم المصدر الذي هو البيان عن الموصوف بالبيان. وهذا من باب المبالغة أن يجعل الموصوف هو الصفة نفسها، كأننا سلبنا اتصافه بها حتى جعلناه هو نفس الصفة، ولهذا يقولون: إن قول القائل (فلان عدل) أبلغ من قولهم: (فلان ذو عدل) كأنه جعل هذا الموصوف هو الصفة. إذن القرآن ليس فيه البيان، بل هو نفسه البيان ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾.
كيف كان القرآن وهو عربي بيانًا للناس كلهم وفيهم العجم الذين لا يعرفون لغة العرب؟
стр. 809
نقول: لأن هؤلاء سيقيض لهم من يبلغهم إياه، ولهذا كثير من علماء المسلمين الآن الذين لهم قدم صدق في العلم والدين، كثير منهم عجم. وإن شئتم فاعجبوا! إن مرجع أكثر الناس في اللغة العربية الآن كتاب "القاموس المحيط" الذي ألفه أعجمي: الفيزوزآبادي ﵀. وفي النحو من إمام البصريين؟ سيبويه ﵀.
فالحاصل: أن العجم -والحمد لله- بلغهم القرآن بواسطة، ليس لازمًا أن يأخذوه بأنفسهم، وبعضهم تَعَرَّب وصار لسانه عربيًا.
كل الناس، كل من قرأ القرآن تبيّن له ما دلَّ عليه القرآن، ولكن هل كل من بان له ذلك يهتدي؟
الجواب: لا. ولهذا قال: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾، هدى بمعنى دلالة يستدل بها المتقي. وموعظة بمعنى امتثال؛ لأن الموعظة هي تليين القلوب بذكر ما يخاف منه، أو ذكر ما يرغب فيه، فهو هدى يعني دلالة، وموعظة يعني امتثالًا.
فوصف الله القرآن بثلاثة أوصاف، وصف عام، ووصفان خاصان، الوصف العام هو (بيان للناس)، والخاصان (هدى) (وموعظة). فإنه لا يهتدي به إلا المتقون، ولا يتعظ به إلا المتقون. أما مَن ليس كذلك فهو عليهم عمى والعياذ بالله، ولا يزدادون به اتعاظًا، بل يقول الله : ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ أي نجاسة إلى نجاستهم، ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥].
فسبحان الله، كلام واحد يكون له هذا التأثير المتباين؛ في
стр. 810
قوم هدى وموعظة، وعلى قوم عمَى ورجس؛ لأن القلوب بمنزلة الأراضي، الأراضي منها أرض طيبة تقبل الماء، وتنبت الكلأ، وينتفع بها الناس، ومنها أرض صلبة، لا تشرب الماء، ولكن تحفظ الماء، فينتفع به الناس، ومنها أرض سَبخَة قِيعَان، تشرب الماء ولكنها لا تنبت، فيزيدها الماء ضررًا؛ لأنها إذا كانت يابسة أمكن السير عليها، وإذا كانت رطبة لا يمكن السير عليها، تكون زلقًا وحرًا، ومع ذلك لا ينتفع بها الناس، لا بماء تحبسه، ولا بنبات تخرجه، فهكذا القرآن بالنسبة للناس؛ منهم من ينتفع به ويزداد هدى وتقوى، ومنهم من لا ينتفع به، بل لا يزداد إلا عمى وضلالة، لأنه كلما كذب بآية ازداد إثمًا وعقوبة.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن القرآن بيان للناس في كل شيء، فهو عام من حيث التبيين، وعام من حيث المبيَّن له، المبيَّن له نأخذ العموم من قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، والتبيين من كونه حذف المتعلق، وحذف المتعلق يدل على العموم ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ لكل شيء، ويؤيد هذا الآيات التي ذكرناها آنفًا كقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
٢ - أن القرآن صالح لهداية المؤمن والكافر؛ لقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ فهو يشمل المؤمن والكافر.
٣ - أنه عِلْمٌ لكن للمتقين، يعني لا ينتفع به إلا المتقون؛ لقوله: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
٤ - أن من لم يتعظ بالقرآن فليتهم نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فإذا لم تتعظ بالقرآن فاتهم نفسك، فإن فيك
стр. 811
بلاء، كما أن من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فليتهم نفسه، فإن صلاته قاصرة؛ لأن الذي أخبر بأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر هو الله ، وخبره صدق مطابق للواقع، فإذا علم الإنسان من واقع نفسه أن صلاته لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر فليتهم نفسه؛ لأن خبر الله لا يُتَّهم، ولهذا قال بعض السلف من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فإنها لا تزيده من الله إلا بُعدًا -نسأل الله العافية ونسأل الله أن يعيننا- فإذا لم تتعظ فاتهم نفسك بأنك غير متقٍ؛ لأن المتقي لابد بأن يتعظ بالقرآن.
٥ - فضيلة التقوى، وأنها سبب للاهتداء والاتعاظ بالقرآن.
٦ - أنه كلما ازداد الإنسان تقوى ازداد هدى وموعظة؛ لأن الحكم المعلق بوصف يقوى بقوّته، ويضعف بضعفه، فإذا كان الهدى والموعظة معلقًا بالتقوى فإنه لابد أن يزداد ويقوى بالتقوى، ويضعف وينقص بعدم التقوى.
* * *
• ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩].
في هذه الآية نهي المؤمنين عن الوهن.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾:
(لا) ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها بحذف النون (تهنوا) وأصله (تهنون) فحذفت النون من أجل الجزم.
﴿وَلَا تَهِنُوا﴾، الخطاب لهذه الأمة، وعلى رأسها نبينا محمد ﷺ وأصحابه، والوهن: الضعف؛ يعني لا تضعفوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء: ١٠٤]. أي: لا
стр. 812
تضعفوا وتجبنوا، ولا تحزنوا على ما أصابكم وأنتم الأعلون. فذكر الله حال إقدامهم وحال إدبارهم، حال إقدامهم نهاهم عن الضعف، وهذا يعطيهم قوة وإقدامًا، وحال إدبارهم نهاهم عن الحزن، وهذا يعطيهم إعراضًا عما وراءهم وعدم الالتفات إليه. ومعلوم أن الحزن يكون فيما يسوء، والحزن على ما مضى لا يفيد الإنسان، بل يفتر عزيمته، ويقلق راحته، ولا يستفيد منه بشيء، فلهذا نهاهم الله سبحانه وتعالى عما يعوقهم حال الإقبال، وعما يعوقهم حال الإدبار.
(لا تهنوا) عما يكون سببًا لتوقفهم في حال الإدبار؛ لأن الإنسان إذا حزن على ما مضى بقي قلقًا لا يحسن التصرف فنهاهم عن هذا وهذا.
ثم قال: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ وقد اختلف المفسرون في الواو هنا هل هي حالية أو استئنافية؟ .
إذا قلنا: إنها حال يعنى: والحال أنكم أنتم الأعلون، صار هذا النهي منحطًا على الأمة ما دامت هي العليا؛ لأن الأعلى لا يليق به أن يضعف أو يحزن. يعني فإذا انخفضت فلها أن تهن، ولها أن تحزن؛ لأنها ضعيفة لا يمكنها أن تتقدم، ولا يمكنها أن تتسلى عما مضى، لأنها كيف تتسلى وبأي شيء؟
وإذا جعلنا (الواو) استئنافية ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ يقرر الله فيها علو المؤمنين، وإذا تقرر علوهم فإن حالهم تقتضي أن لا يهنوا ولا يحزنوا، فيصير فيها تشجيع للأمة بأن لا يضعفوا ولا يحزنوا، لأنهم هم الأعلون حتى لو أصيبوا بما يصابون به فيما تقتضيه حكمة الله بمداولة الأيام بين الناس فإن العاقبة لهم،
стр. 813
وعلى هذا فيكون هذا الوجه الثاني هو أقرب إلى الصواب، وإن كان الوجه الأول محتملًا.
والمعنيان متلازمان؛ لأن من اعتقد أنه الأعلى فسوف لا يجبن ولا يحزن، ومن كانت حاله العلو فإنه كذلك لن يضعف ولن يحزن.
وفي قوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ إشكال من جهة الإعراب؛ لأن المعروف أن واو جمع المذكر السالم يضم ما قبلها، فيقال: مسلمُون، ولا يقال مسلمَون وهنا قال: وأنتم الأعلَون، ولم يقل: وأنتم الأعلُون.
الأعلون مفردها الأعلى، حذف الألف لالتقاء الساكنين، الألف ساكنة، والواو ساكنة، وإذا حذفت الألف لالتقاء الساكنين, يجب أن تبقى الحركة التى قبلها وهى الفتحة على ما هي عليه؛ لأنك لو ضممتها لم يتبين أن هناك ألفًا محذوفة، فأبقيت الفتحة لتكون دالة على الألف المحذوفة.
والإنسان في الحقيقة بين زمن ماضٍ وزمن مستقبل, فإذا فاته الخير أو حصل له الشر في الزمن الماضي فحاله الحزن، يحزن على ما مضى، وإذا ضعف وجبن فاته من الخير في المستقبل بقدر ضعفه وجبنه، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ يعني عن العمل في المستقبل، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما جرى عليكم في الماضي لأنكم أنتم الأعلون، ومن كان الأعلى فستكون العاقبة له.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾:
هذا شرط للعلو؛ يعني أنتم الأعلون في حال كونكم
стр. 814
مؤمنين، والإيمان أخص من الإسلام؛ لأن الإسلام يقع من المنافق وضعيف الإيمان، والإيمان لا يكون إلا من كامل الإيمان، من المؤمن حقًّا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الأعراب البادية ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ لماذا؟ قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، حتى الآن لم يدخل الإيمان في القلب، عندكم إسلام لكن ليس عندكم إيمان، إلا أن الإيمان قريب منكم؛ لأن قوله: (لما) حرف نفي يدل على قرب المنفي؛ يعني أن الإيمان قريب ما يدخل قلوبكم أما الآن فلا.
إذن هذه الأمة هي العليا بشرط الإيمان، أما إذا لم يكن لديها إيمان فليس لها عهد عند الله بالنصر؛ لأن العهد الموثق بين الله وبين عباده بالنصر، هو أن يكون النصر متبادلًا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ الله مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] , أما إذا لم يكن منا نصرٌ لله فإن نصر الله قد يتخلف، يعني ليس بمضمون.
إذن ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وعلامات الإيمان كثيرة، منها:
أن لا يخاف الإنسان في تنفيذ حكم الله أحدًا من الخلق، فإن خاف أحدًا من الخلق فليس بمؤمن، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] يخوّف أولياءه: يعني يخوفكم أولياءه، أي من أوليائه. ويوقع الخوف على أوليائه؟
стр. 815
ولهذا نقول: إن قوله (أولياءه) مفعول ثان لـ (يخوف)، والمفعول الأول محذوف، وتقدير الكلام (يخوفكم أولياءه) يعني يوقع الخوف في قلوبكم من أوليائه.
قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] , فماذا قالوا؟ قالوا ﴿حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، فإذا خوَّف الشيطان أولياءه وهم الكفار، فإنه لا يجوز لنا أن نخافهم، بل نفعل ما أمرنا الله به.
غير أَنّ أمره لنا بقتل الكفار إنما يكون حين نمتلك القوة التي نستطيع أن نقاتلهم بها، أما أن نقاتلهم بسلاح دون سلاحهم، وأقل من سلاحهم بكثير فإن هذا يعتبر تهورًا، ولهذا لم يؤمر المؤمنون بالجهاد إلا حين صار لهم شوكة وقوة، فأما إذا لم يكن فلا، لكن هذا يستلزم أنه يجب علينا أن نتسلح لقتالهم حتى يكون الدين لله جل وعلا.
والخطاب هنا في إيجاب التسلح لولاة الأمر لا للأفراد؛ لأن أفراد الناس لا يستطيعون القيام بهذا، ويجب على ولاة الأمور من المسلمين أن يكوِّنوا جيشًا عرمرمًا مسلحًا بأحدث الأسلحة من أجل أن يقاتل الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. لكن مع الأسف أننا اليوم فقدنا حتى السلاح الدعوي، حتى الدعوة لدين الإسلام، لا نجد أحدًا يدعو كما ينبغي، بينما نجد النصارى على قدم وساق في الدعوة إلى ما هم عليه من الباطل،
стр. 816
يبذلون الأموال الكثيرة ويغامرون بأنفسهم في المجاهل، في الطرقات، في البراري، يحمل القسيس منهم كسرة خبز وجرة ماء، ويضرب الفلاوات من أجل أن يدعو واحدًا من المسلمين إلى أن يكون نصرانيًا، أما نحن مع الأسف الشديد فإننا لا نحمل هذه القوة المعنوية في نفوسنا، مع أننا نحن إذا دعونا فإنا ندعو إلى الحق، فإن ديننا -ولله الحمد- إذا عُرِضَ عرضًا صحيحًا في الدعوة، وعرضًا صحيحًا في التطبيق، فإن ذلك كفيل بأن يدخل الناس في دين الله أفواجًا.
أما إذا كنا ندعو إلى الصدق مثلًا ونحن من أكذب عباد الله، أو ندعو إلى الوفاء بالعهد ونحن من أغدر الناس، أو ندعو إلى حفظ الأمانة ونحن من أخون الناس. فهذا ليس بصحيح، بل هو تلاعب.
إذا كان ديننا ينهى عن الربا ومنا من يرابي، كيف تكون الدعوة؟ ! أين الدعوة؟ !
إذا لم تمثل الدعوة بحال الداعي تطبيقًا تامًا بقدر المستطاع، فإنه سينقص من قبول الناس بقدر ما نقص من تطبيقه، ولهذا نقول: إن الله شرط فقال: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وصدق الله ورسوله.
هل الأمة الإسلامية اليوم هي العليا؟
الجواب: لا؛ لأن الإيمان ناقص، وشرط أن تكون الأمة عليا هو الإيمان، فإذا لم يوجد الإيمان فسنتأخر، وسيكون من سوانا ممن لديه قوة مادية هو الأعلى.
إن الإنسان إذا كان عنده الإيمان، وفعل ما يجب عليه من
стр. 817
الاستعداد المادي، كما فعل الرسول وأصحابه ﵊، فسينصرون على عدوهم بقوة لا طاقة لعدوهم بها، لكن بشرط أن يبذلوا الجهد بالسلاحين: سلاح الإيمان، والسلاح المادي بقدر المستطاع. وإذا شئتم مثلًا على ذلك فانظروا إلى غزوة الخندق، اجتمع على رسول الله ﷺ وهو في المدينة عشرة آلاف مقاتل من مختلف العرب، وبأقوى السلاح، ومعهم القوة العظيمة التي لا تقابلها قوة المسلمين من حيث القوة المادية، ففعل المسلمون كل ما يستطيعون من الدفاع عن أنفسهم إلى حد أنهم حفروا خندقًا، قاموا بالواجب ولكن مع ذلك حوصروا نحوًا من شهر.
فما الذي حصل؟ أتى الله بقوة لا قبل للكفار بها، ولا للمسلمين أيضًا، ليس لهم فيها حول، وهي الريح، ريح شديدة باردة وهي الريح الشرقية، التي قال عنها النبي ﷺ : "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور" (١)، ريح شديدة باردة، وجنودٌ من الملائكة تلقي الرعب في قلوب هؤلاء، حتى رحلوا بين غروب شمس وشروقها. كانت الريح تكفئ قدورهم، وتهدم خيامهم، وتقلقهم إقلاقًا عظيمًا، حتى إن أبا سفيان وكان قائد الجيش في ذلك الوقت، كان يتصلى على النار مع أن النار غير مستقرة من شدة الهواء، وكان حذيفة بن اليمان قريبًا منه يقول: لو شئت لرميته بالسهم حتى يموت، ولكن النبي ﷺ قال: "لا تحدث شيئًا"، ولو كان من بعض شباب عصرنا لقال: هذا قد
стр. 818
أتى الله به ورماه، لكن منعه من ذلك امتثال أمر النبي ﵊ الذي هو الحكمة، وإلا كان قتله سهلًا. فقال أبو سفيان: لينظر كل واحد منكم جليسه من هو؟ خاف أن يكون أحد من الناس من غير الجيش، يقول حذيفة: فأمسكت بيد رجل قريب مني قلت: من أنت؟ وهذا من ذكائه ﵁ لئلا يسبقه أحد فيقول لحذيفة: من أنت (١)؟
وعلى كل حال فالمسلمون إذا بذلوا ما يستطيعون من القوة المعنوية وهي الإيمان، والقوى المادية وهي ما أمروا أن يعدوه للكفار، فإنهم سينصرون بقوة لا قبل لهؤلاء بها.
سمع رجل شخصًا يقرأ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا الله وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ الله مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠، ٤١]، فقال له: هذه الأوصاف الأربع: أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، هذه الأوصاف كيف تقابل القنابل الذرية والهيدروجينية والكيميائية وغير ذلك؟
فماذا نجيب؟
نجيبه بخاتمة الآية ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]. فالذي يملك عواقب الأمور هو الله ، ولهذا قدّم الخبر ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾، إذا كان الذي يملك عاقبة الأمور هو الله
стр. 819
فما أيسر هذه الأسلحة على الله . فإن الله تعالى قادر أن يزلزل أرضهم بهم وبسلاحهم رجفة تفنيهم عن آخرهم، من فيضانات تدمرهم، ورياح تحملهم مثل ما حملت قوم هود. فيجب على الإنسان أن يعلم أنه إذا بذل ما يجب بذله من الإيمان والقوة المادية حسب ما أُمر، فإنه سينتصر مهما كان. لكن مع الأسف فاليقين عندنا ضعيف، بل الإيمان ضعيف، فقد فَقَدْنا الإيمان والعمل الصالح والحكمة، فتأخرنا كل هذا التأخر.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - ينهى الله عباده المؤمنين عن الوهن عن العمل في المستقبل، وعن الحزن على ما مضى؛ لأن هذا في الحقيقة كما أنه خلاف الشرع فهو خلاف العقل؛ لأن الحزن على ما فات لا يرد الفائت.
لو تحزن ليلًا ونهارًا على ما مضى لن تغير شيئًا، الذي مضى وقع كما هو لن يتغير، ولهذا كان من الحزم أن لا يحزن الإنسان على شيء مضى، بل يقول: قَدَرُ الله، وما شاء فعل.
كذلك الضعف عن العمل في المستقبل والوهن والخور كما أنه خلاف الشرع فهو خلاف العقل؛ لأن العقل يقتضي أن تقابل الأمور بجدٍّ وحزم، وفي الحديث: "الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني" (١).
٢ - أنه ينبغي للإنسان أن يكون قوي العزيمة لا يضعف ولا
стр. 820
يجبن، وكم من إنسان ضعف وجبن ففاته خير كثير، ولو أقدم لحصل على خير كثير؛ لأن المستقبل لا تدري ما النتيجة فيه.
٣ - أن هذه الأمة هي العليا بشرط أن تؤمن؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
٤ - التلميح بالتوبيخ إذا حصل الوهن أو الحزن لاسيما إذا قلنا: إنَّ الواو هنا واو الحال؛ يعني: كيف يليق بكم أن تهنوا وتحزنوا وأنتم الأعلون؟ لأن الأعلى لا يليق به أن يهن أو يحزن.
٥ - أنه كلما ازداد إيمان الأمة ازدادت علوًّا؛ لأنه رتَّب العلو على الإيمان، والمرتب على شيء يزيد بزيادته وينقص بنقصه، وهذه الآية قريب منها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] ليظهره يعني: يبينه ويعليه، ومنه قولهم: (ظهر على الجبل) يعني علا عليه، ومنه ظَهْرُ الحيوان وهو أعلى الحيوان.
إذن ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] يعليه، فإذا أردت أن تعلو على البشر فخذ بهذا الدين؛ لأن هذا الدين لابد أن يكون هو الدين العالي على كل شيء.
* * *
• ثم قال تعالى مسليًا الصحابة ﵃ بقوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]:
إن يمسسكم (قَرحٌ) وفي قراءة (قُرْحٌ) في الموضعين ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ فقيل: معناهما واحد، وأن القَرْح والقُرْح
стр. 821
هو الجرح، وقيل: إن القُرْح الجرح، والقَرْح ألم الجرح، والقولان إن قلنا باختلافهما متلازمان؛ لأن القَرْح من لازم الجرح الذي هو القُرح، فالإنسان المقروح لابد أن يكون متألمًا.
يعني: إن يمسسكم جراح وألم فقد مسَّ القوم قرح مثله يعني جرح وألم.
بل قال الله تعالى في نفس سياق الآيات: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، فإذا كان قد أصابتكم مصيبة فقد أصبتم مثليها، ففي أُحد قُتل منكم سبعون، لكن في بدر قُتل من عدوكم سبعون وأسر سبعون، ضعف.
هنا يقول: ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ وفي هذا تسلية للمؤمنين؛ لأن الإنسان إذا علم أن عدوه أصابه مثل ما أصابه فإنه تهون عليه المصيبة.
تقول الخنساء وهي ترثي أخاها صخرًا:
ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلي النفس عنه بالتأسي
ولهذا أشار في القرآن: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩] فاشتراككم في العذاب لم ينفعكم ولم يخفف عنكم الألم، لكن الله يقول للمؤمنين: إن كنتم قد أصبتم بقرح فقد أصيب عدوكم بقرح مثله، بل في آية أخرى يقول الله : ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي في طلبهم، يعني لا تضعفوا في طلبهم، اطلبوهم، اقتلوهم ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ صدق الله،
стр. 822
وأيضًا ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] هذه الفائدة العظيمة، هم لا يرجون شيئًا إنما يريدون علوًا واستكبارًا، خرجوا من ديارهم بطرًا ورئاء الناس وأنتم ترجون الجنة، ترجون الشهادة، ولهذا قال: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾، والصحابة ماذا قالوا لأبي سفيان في أُحد، لما قال: يوم بيوم والحرب سجال؟ يقصد بدرًا، يعني مرة لنا ومرة علينا.
قالوا: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار (١) والعياذ بالله. إذن فالمؤمنون لا يظنون أن عدوهم لا يصيبه ألم ولا يصيبه قرح، يصيبهم، لا يهولهم دعايته الكاذبة أنه سيفعل ويفعل ويفعل، لا يهولهم هذا. إذا قتل منهم واحدًا ذاقوا ألم هذا المقتول، كما لو أنه قتل منا واحدًا ذقنا ألمه، لكن نحن نرجو من الله ما لا يرجون، ولهذا قال: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ هذه بهذه.
ثم قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾:
﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ﴾ المشار إليه هنا بعيد، ولكنه في الحقيقة قريب، لأن الأيام هي الزمن فهي قريبة، لكن لما كانت الأيام منها ما هو بعيد ومنها ما هو قريب غلَّب جانب البعد ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي: نجعلها بينهم دولًا: فمرة تكون الدولة لهؤلاء على هؤلاء، ومرة تكون الدولة لهؤلاء على هؤلاء. ففي بدر كانت الدولة على المشركين، وفي أُحد كانت الدولة على المؤمنين، فهذا مرة وهذا مرة، لحِكَمٍ عظيمة بيَّنها الله فيما بعد.
стр. 823
وقوله: ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ يشمل مداولتها بين أمة وأمة، ويشمل كذلك مداولتها في الإنسان الواحد، فالإنسان يجد يومًا سرورًا ويجد يومًا آخر حزنًا. كما قال الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نُساء ويوم نُسر
فالدنيا هكذا لا تبقى على حال واحدة، ولهذا يقال: دوام الحال من المحال، فالأيام دول.
وانظر إلى قوله: ﴿نُدَاوِلُهَا﴾ حيث أتت بصيغة نون العظمة إشارة إلى أن الله لكمال سلطانه وكبريائه يديل الناس بعضهم على بعض، فتارة تكون أيامًا لهؤلاء وتارة تكون أيامًا لهؤلاء.
وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الواو هنا حرف عطف، فما هو المعطوف عليه؟ هل هي الجملة التي سبقت الأيام ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾؟ نقول: لا؛ لأن ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ تعليل للجملة التي قبلها وهي ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، والعلة غير المعلول ولا يصح عطفها عليه؛ لأن العلة هي السبب في وجود المعلول، إذن فهناك شيء معطوف عليه فيقدر بما يناسب الحال، فالذي يناسب هنا هو أن نقول: إنَّ التقدير ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ليتبين بذلك تمام سلطان الله ، وأن الله هو الذي له الحكم يحكم في عباده بما يشاء؛ فيخذل أقوامًا وينصر آخرين، ويأتي بالعسر ويأتي باليسر حتى يتبين بهذا تمام سلطانه . حتى المخلوقات بعضها فيها خير وبعضها فيها شر، كل هذا ليظهر للناس تمام السلطان للعلي الكبير سبحانه. إذن فالواو هنا حرف عطف.
стр. 824
﴿وَلِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُوا﴾ علم وجود وعلم يترتب عليه الجزاء، وإنما قلنا بذلك لأن الله تعالى قد علم الذين آمنوا قبل أن يؤمنوا، فإن علم الله بالأشياء علم أزلي قديم يعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، لكن يعلمه علم وجود، أي: يعلمه موجودًا، أما العلم السابق فإنه يعلمه أنه سيوجد، وهناك فرق بين علمه الشيء موجودًا حال وجوده وبين علمه الشيء بأنه سيوجد، فهذا هو الأول.
والثاني: يعلمه علمًا يترتب عليه الجزاء، وذلك حين يوجد الإيمان أو يُفقد، أما علم الله السابق فإنه لا يترتب عليه الجزاء، وذلك لأن المؤمن لم يكن موجودًا بعد حتى يجازى أو لا يجازى، وبهذا يزول الإشكال الوارد على مثل هذه الجملة، ويحصل به الجواب عن الإشكال، وهو أن يقال: إن الله قد علم الذين آمنوا من قبل، فإنه كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى يوم القيامة، وقد علم المؤمن من غيره من قبل، فكيف يقول: ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾؟ فالجواب أن نقول: ليعلم علم وجود أي بأن الشيء وجد، وتعلق العلم بالموجود غير تعلقه بالمعدوم الذي سيوجد. الثاني: أن يعلمه علمًا يترتب عليه الجزاء؛ لأن علمه السابق بأنه سيوجد لا يترتب عليه الجزاء.
وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كيف ذلك؟ لأن المؤمن يرضى بهذه المداولة، بمداولة الله الأيام بين الناس، يرضى بها رضًا تامًا؛ إن أصابته ضراء صبر، وإن أصابته سراء شكر، ويعلم أن ذلك بتقدير الله فيرضى ويسلم، لكن غير
стр. 825
المؤمن بالعكس إن أصيب بالسراء أشر وبطر، وإن أصيب بضراء ضجر وتسخط، يقول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ أي: على طرف ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾، والفتنة المراد بها هنا ضد الخير ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] وكم من إنسان ارتد لأنه أصيب بمصيبة والعياذ بالله.
الحكمة الثالثة قال: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ انظر إلى هذا التعبير! لم يقل: وليوجد بل قال: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ فهؤلاء الشهداء اتخذهم الله واصطفاهم لنفسه جل وعلا، ولولا مثل هذه الهزيمة لم يكن شهداء، ولكن من أجل أن يتخذ منكم شهداء أي: يتخذ منكم أناسًا قتلوا في سبيل الله، وكم شهيد اتخذهم في غزوة أُحد؟ سبعون رجلًا. لولا هذا لم يكن هناك شهداء.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ الظالمون هم الذين نقصوا حقَّ الله وحقَّ عباده؛ لأن الأصل أن معنى الظلم النقص؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، أي: لم تنقص. الظالم هو الذي نقص في حق الله وحق عباده بل وحق نفسه ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، فالظالم لا يحبه الله، فإن كان ظلمه ظلم كفر فلا حظَّ له في محبة الله، وإن كان ظلمه دون ذلك فله من محبة الله بقدر ما معه من العدل، ومن كراهة الله بقدر ما معه من الظلم.
وقوله: ﴿لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ قد يبدو غريبًا على القارئ مناسبة هذه الجملة لما قبلها ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ كيف هذا؟ فيقال: الجواب من وجهين:
стр. 826
الوجه الأول: أن المراد بقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ بيان أن الذين تخلفوا عن غزوة أحد، وهم مقدار ثلث الجيش لم يكن منهم شهيد؛ لأنهم نجوا بأنفسهم، فلكونهم ظلمة لم يتخذ الله منهم شهداء، فيكون ذلك تنديدًا بالذين تخلفوا ورجعوا من أثناء الطريق، وهم عبد الله بن أبي ومن تبعه من المنافقين، فكأنه قال: اتخذ منكم أيها الصفوة شهداء ولم يتخذ من أولئك الذين نكصوا على أعقابهم؛ لأن هؤلاء ظلمة والله لا يحبهم.
الوجه الثاني: أن الذين قتلوا في أُحد؛ قتلوا على أيدي المشركين، والمشركون هم الظالمون كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، فهل انتصار الظالمين في أُحد واستشهاد من استشهد من المسلمين في أُحد لأن الله يحب الظالمين ويكره المؤمنين؟ لا!
إذن ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ لئلا يظن ظان أن انتصار المشركين في تلك الغزوة من محبة الله لهم، فبيَّن الله أنه لا يحب الظالمين.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - بيان رأفة الله برسول الله ﷺ وأصحابه بهذه التسلية العظيمة ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾.
٢ - أنه ينبغي للإنسان أن يعزي المصاب بمثل هذه التعزية فيقول مثلًا: يا أخي لست أول من أصيب، كم من أناس أصيبوا بهذه المصيبة أو أكثر، ويقول له مثلًا: قدّر أن المصيبة أعظم من هذا؛ لأن كل شيء ممكن، فإذا أصبت بفَقْدِ ألف فقدِّر أنك
стр. 827
أصبت بفَقْد ألفين؛ لأن هذا ممكن، فإذا قدرت أنك أصبت بألفين والمفقود ألف هان عليك فَقْدُ الألف، إذن فالله علَّمنا كيف نعزي المصاب بأن نسليه بذكر النظائر أو بذكر ما هو أعظم.
٣ - أن الله جعل هذه الدنيا دولًا تتقلب لئلا يركن الإنسان إليها؛ لأن الدنيا لو كانت دائمًا راحة ونعمة ركن الإنسان إليها ونسي الآخرة، ولو كانت دائمًا محنة ونقمة لكانت عذابًا مستمرًا، ولكن الله جعلها دولًا يدال فيها الناس بعضهم على بعض، وتتداول الأحداث على الإنسان ما بين خير وشر.
٤ - تمام سلطان الله في خلقه، وأن له التدبير المطلق؛ ليظهر أو يتبين بذلك تمام سلطان الله.
٥ - أن الله قد يمتحن العبد ليعلم إيمانه من عدمه، يمتحنه بأنواع من الامتحانات: تارة بالمصائب وتارة بالمعايب، فهنا ابتلاء بالمصائب، وإذا يسَّر الله للإنسان أسباب المعصية فهذا ابتلاء بتيسير المعائب مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤].
٦ - أن علم الله بالأشياء على قسمين: علم بأنها ستوجد وهذا أزلي، وعلم بأنها وجدت، وهذا يكون عند الوجود، ولهذا قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
٧ - أن الله تعالى قد يقدر المكروه لحِكَم بالغة كثيرة؛ لقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾.
٨ - فضيلة الشهادة، تؤخذ من قوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ﴾ فكأنه سبحانه اصطفى هؤلاء الشهداء واتخذهم لنفسه.
стр. 828
٩ - فضيلة شهداء أُحد؛ لأن قوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾، أول من يدخل فيها شهداء أحد ﵃.
١٠ - إثبات المحبة لله، أن الله يحب، وجه ذلك أن نفيها عن الظالمين يدل على ثبوتها لغيرهم أو لضدهم، لأنها لو انتفت عن هؤلاء وهؤلاء لم يكن في نفيها عن الظالمين فائدة، ولهذا استدل الشافعي ﵀ وغيره من أهل العلم على ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] يعني الفجار، قال: فلما حجب هؤلاء عن رؤيته في السخط دلَّ على رؤية الآخرين في حال الرضا. وهذا لا شك استدلال جيد، فهنا نقول: لما نفى المحبة عن الظالمين دلَّ على ثبوتها لمن كان ضدهم، لأنها لو كانت منتفية عن هؤلاء وهؤلاء لم يكن لتخصيص الظالمين فائدة.
والمحبة تعني كون الله يحب الشخص، فهل فيها نقص بالنسبة لله؟ لا. ولهذا كان أهل السنة من السلف يثبتون أن الله تعالى يُحب وأنه يُحَب أيضًا. كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، ومحبة الله إذا وفق العبد لها لا يعادلها شيء ولا تماثلها لذة. يجد الإنسان في محبة الله لذة لا توصف أبدًا، حتى إن بعض السلف يقول: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف! الله أكبر، الملوك هم في قمة النعيم الدنيوي وأبناؤهم كذلك، لكن أحباب الله وأولياء الله أعظم منهم في هذا النعيم، وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧].
إذن نقول: من مذهب أهل السنة والجماعة إثبات المحبة لله،
стр. 829
وأن الله يُحِب وأنه يُحَب ولكن من الناس من أنكر محبة الله ليس إنكار تكذيب بل إنكار تأويل، فقال: المراد بالمحبة الإرادة أو الثواب، فمعنى يحبهم أي يريد أن يثيبهم أو يثيبهم، وهؤلاء هم الأشاعرة، ومن كان أشد منهم في التعطيل، وقد مرَّ علينا مثل هذا كثيرًا وبيَّنا بطلان مذهبهم، وأن ما ذهبوا إليه يعتبر تحريفًا لكتاب الله وليس تأويلًا له.
١١ - التحذير من الظلم؛ لقوله: ﴿لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ وكل إنسان يهرب من كل فعل يؤدي إلى عدم محبة الله له.
والظلم أقسام: إما في حق الله وإما في حق الآدمي. والظلم في حق الآدمي إما في المال، وإما في النفس، وإما في العرض، وكل ظلم فإن الله لا يحبه.
١٢ - أن محبة الله قد تتبعض بمعنى أنه يحب هذا أقوى من هذا، ويكره هذا أقوى من هذا، وجهه: أن الحكم إذا عُلق بوصف فإنه يزداد بزيادته ويقوى بقوته، وينقص بنقصه ويضعف بضعفه، فإذا كان انتفاء المحبة من أجل الظلم؛ فكلما كان الإنسان أظلم كان أبعد عن محبة الله .
* * *
• ثم ذكر الله فائدة أخرى فقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]:
(يمحص) بمعنى ينقِّي، وهل المراد تنقيتهم من غيرهم؛ بحيث يتبيَّن المؤمن النقي الصافي الإيمان، أو تنقيتهم من الذنوب بما أصابهم من القرح أو الأمران جميعًا؟
الجواب: الأمران جميعًا؛ لأنَّ لدينا قاعدة سبقت وهي: أن
стр. 830
اللفظ إذا كان يحتمل معنيين لا ينافي أحدهما الآخر فإنه يحمل عليهما جميعًا، إذن فهو يمحصهم وينقيهم من الذنوب بما أصابهم من القرح، وينقيهم أيضًا باعتبار الخلاصة؛ يعني يتبين بذلك خلاصة المؤمنين مِمَّن في إيمانهم شيء من الشك أو الكفر، وهذا أمر ظاهر، وهو كما أشار الله في قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٠]، إذن من الحكمة فيما حصل للمسلمين من القرح أن الله يمحص الذين آمنوا: ينقيهم من الذنوب بما أصابهم من هذه المصيبة، وينقيهم ببيان الخلّص، أهل الصفوة.
وقوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ سبحان الله، إذا نصرهم يكون سببًا لمحقهم، لأنهم إذا انتصروا علوا واستكبروا وانتفخوا في أنفسهم، وظنوا أن لهم السيطرة دائمًا، فحينئذ يعيدون الكرة مرة أخرى لقتال المسلمين، وبذلك يكون محقهم، هذا هو وجه الآية، وقال بعض أهل العلم: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ أي يهلكهم بما جنوه على المسلمين من القرح، فجعل المحق يعني العذاب والهلاك في الآخرة، ولكن المعنى الأول أوجه، أنه يمحقهم محقًا حسيًا وذلك لأنهم إذا انتصروا في هذه المرة، حاولوا أن يعيدوا الكرة مرة ثانية لأجل الانتصار مرة أخرى، وبذلك يكون محقهم والقضاء عليهم.
وقوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ مأخوذ من الكفر، وأصل الكفر في اللغة: الستر، ومنه سمي الكُفُرَّى يعني وعاء طلع النخل لأنه يستر ما كان فيه.
والحاصل أن الله ذكر في هاتين الآيتين لمسِّ القرح خمس فوائد.
стр. 831
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن الله قد يبتلي المؤمن من أجل تمحيصه، وقد ذكرنا أن التمحيص من وجهين:
الوجه الأول: بيان منْ إيمانه صادق يصبر على الضراء، ومَنْ إيمانه مهتز لا يصبر.
الوجه الثاني: أن هذه المصائب فيها تمحيص للمؤمنين بتكفير السيئات.
٢ - محق الكافرين، فيستفاد من هذا فائدة وهي أن النعمة قد تكون سببًا للنقمة، فإن انتصار الكفار يوجب فرحهم وبطرهم حتى إذا بطروا محقوا.
٣ - أن الكافر مآله المحق؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾، وهذا كقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١] وأمثال ذلك كثير.
٤ - أن الله له التدبير الكامل في عباده؛ لقوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ فإن هذا الفعل كان فيه خير للمؤمنين وشر للكافرين.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]:
﴿أم﴾ هنا منقطعة، فتكون بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، أي: بل أحسبتم أن تدخلوا الجنة، وقولنا منقطعة احترازًا من المتصلة، فما هو الفرق بين المتصلة والمنفصلة؟ .
المنقطعة بمعنى (بل)، والهمزة المتصلة بمعنى (أو). و (أم) المتصلة يذكر معها المعادل، و (أم) المنقطعة ليس لها معادل،
стр. 832
الفرق إذن يتضح بالمثال؛ إذا قلت: قال الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] متصلة لأنها ذكر فيها المعادل، ولأنها بمعنى (أو).
وإذا قلت: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] فهي منقطعة بمعنى (بل)، لأن أمر أحلامهم -يعني عقولهم- بهذا ليس معادلًا لكونهم طغاة، بل قال: أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم لم تأمرهم؟ الجواب: لم تأمرهم، ولكنهم قوم طاغون، هنا ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ منقطعة لأنه لم يذكر المعادل، ولأنها بمعنى بل والهمزة.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ أي أظننتم أن تدخلوا الجنة، والاستفهام هنا للتوبيخ، يعني: هل تظنون أن تدخلوا الجنة بلا اختبار، ولهذا قال: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾، (الجنة) هي مأوى المتقين ودار الخلد جعلنا الله وإياكم من أهلها.
﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ الله﴾ (لمَّا) هنا جازمة، والدليل على جزمها أن الفعل جزم بعدها، لكن لما كان ما بعده ساكنًا كسر؛ لأنه على القاعدة التي أشار إليها ابن مالك في الكافية:
إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق ... وإن يكن لَيْنًا فحذفه استحق
وقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الَّذِينَ جَاهَدُوا﴾: الواو هنا حالية يعني والحال أن الله لا يعلم الذين جاهدوا منكم. و (لما) تأتي على أربعة أوجه في اللغة العربية وقد ذكرناها فيما سبق، وهي هنا حرف نفي وجزم، ويفرق بينها وبين (لم) بأن مدخولها يترقب الحصول كقوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨] أي لم
стр. 833
يذوقوه ولكنه قريب، وهنا قال: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ أي أن الله لم يعلم ولكن علمه بذلك قريب.
وقوله: ﴿جَاهَدُوا﴾ أي بذلوا جهدهم في إعلاء كلمته بالقتال في سبيله. والعلم هنا ليس كالعلم الأول، فإن علم الله نوعان: أزلي سابق لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وعلم بما حصل بعد حصوله، وهذا هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، ويسميه بعض العلماء علم ظهور، أي: يعلمه ظاهرًا بعد أن لم يكن، فالمراد بالعلم هنا علم الشيء بعد كونه ووجوده؛ لأنه هو العلم الذي يترتب عليه الثواب والعقاب.
وقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أي الذين يصبرون على ما أصابهم، والصبر هنا في هذا المقام يشمل الصبر بأنواعه الثلاثة، وذلك لأن الجهاد فيه صبر على طاعة الله، وفيه صبر عن معصية الله، وفيه صبر على الأقدار المؤلمة.
ففيه الصبر على طاعة الله؛ لأن الإنسان يصبر نفسه ويحبسها، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] فلابد من أن يصبر الإنسان نفسه ويحبسها حتى يخرج في الجهاد. وفيه صبر عن معصية الله، عن الفرار حين يتلاقى الصفان، فإن هذا يحتاج إلى صبر وتحمل؛ لأن صبر الإنسان قبل الدخول في المعركة قد يكون محتملًا لكن بعد الدخول وإذ يرى السيوف أمام وجهه فإنه قد يفر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦]. وصبر على أقدار الله المؤلمة؛ لأن الجهاد لا يخلو من جراح ومن تعب ومن عناء ومشقة، ففيه أنواع الصبر الثلاثة.
стр. 834
من فوائد الآية الكريمة:
١ - بيان أن التمني رأس مال المفاليس. يعني يكون الإنسان يتمنى بدون أن يفعل السبب، هذا خسران، وذلك رأس مال المفلس الذي لن يحصل له شيئًا؛ لقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.
٢ - أن الجنة لا تدرك بالتمني كما قال الحسن البصري ﵀: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي؛ ليس بالتمني بالقلب، ولا بالتحلي بالمظهر، وإنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال.
٣ - أن الجنة غالية رخيصة؛ غالية لكون ثمنها غاليًا؛ لأنه بذل النفوس في طاعة الله والجهاد لإعلاء كلمته، ورخيصة لأن هذا الأمر على من سهله الله له يسير جدًا، ولهذا تجد الموفق يسابق إلى أن يكون ممن يكتب اسمه في الجهاد حتى يخرج فيجاهد في سبيل الله.
٤ - أن الله يمتحن العبد بما يدل على صبره أو ضجره بقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.
٥ - أن جزاء الله سواء كان عقوبة أو مثوبة لابد أن يسبقه ما يمتحن فيه العبد؛ لقوله ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ فلابد من امتحان أولًا لينظر.
٦ - أن علم الله الأزلي لا يترتب عليه الثواب والعقاب، وإنما يترتب الثواب والعقاب على علم الله المقرون بالفعل، الذي يكون علمًا بالشيء بعد وجوده.
стр. 835
٧ - أن الجهاد سبب لدخول الجنة؛ لقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ ولا فرق بين الجهاد بالسلاح والجهاد بالعلم فكلاهما جهاد، بل قد تحتاج الأمة الإسلامية إلى جهاد العلم أكثر مما تحتاج إلى جهاد السلاح، وقد يكون بالعكس، وقد يتساويان. ولكن لابد من وجودهما في الأمة الإسلامية، لابد من وجود علماء، ولابد من وجود طلبة علم، ولابد من وجود مسلحين يقاتلون الكفار بالسلاح؛ لأن الجهاد لا ينزل عَلَمه إلى يوم القيامة، لابد أن يكون قائمًا.
٨ - أن الصبر سبب بدخول الجنة أيضًا؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾، واعلم أن الجزاء يكون على قدر العمل، فإذا كان ثواب الجهاد الجنة وثواب الصبر الجنة دلَّ على عظم مرتبتهما في دين الله .
٩ - أن الصبر درجة عالية لكنه يحتاج إلى مصبور عليه؛ لأن الصبر على ما يلائم الطبيعة ليس بصبر، ولهذا لا يقال للإنسان الذي وقف تحت (الدش) يصب عليه ماءً باردًا في اليوم الحار، لا يقال إنه صابر؛ لأن هذا يلائم طبيعته. الصبر لابد له من شيء يعانيه الإنسان لا يلائم الطبيعة.
* * *
• ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣]:
﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ﴾ أكد الله هذه الجملة لإقامة الحجة عليهم، (لقد كنتم) الجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات: بالقسم المقدر، وباللام الواقعة في جوابه، وبقد. كنتم فيما مضى تمنون الموت
стр. 836
من قبل أن تلقوه، وكانوا يتمنون الموت في سبيل الله لا الموت على الفراش، وذلك أنه كما يعلم الكثير من الناس تخلف عن بدر جماعات كثيرة من الصحابة، فإن غزوة بدر لم يكن الخروج فيها للغزو، ولكن لأخذ العير، ولهذا لم يخرج من أهل المدينة كلهم إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا على أنهم يريدون العير، ولكن الله جمع بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد فاستشهد من استشهد من المسلمين نحو ثلاثة عشر رجلًا، وتمنى الذين لم يدركوا هذه الغزوة أن يكونوا قد خرجوا فيها ولاسيما الشباب منهم، ولهذا لما استشارهم النبي ﷺ في غزوة أحد؛ أيخرج إلى العدو أم يبقى في المدينة؟ كلهم قالوا: نخرج. ولاسيما الذين تخلفوا في بدر حيث كانوا يتمنون بذلك الشهادة كما استشهد إخوانهم في بدر، نعم فهم كانوا يتمنون الموت يقولون: يا ليتنا خرجنا، يا ليتنا قتلنا في بدر، يتمنون الموت. والتمني هو أن الإنسان يطلب تقديرًا ما يصعب حصوله، هذا التمني أن يتمنى تقديرًا ما في قلبه يصعب حصوله سواء كان يصعب ثم يحصل أو يصعب ولا يحصل، ولهذا يقع التمني على الأشياء المستحيلة، كقول الشاعر:
ألا ليت الشباب يعود يومًا ... فأخبره بما فعل المشيب
ولا يمكن أن يعود، ويكون في الشيء الذي فيه العسر، ولكنه قليل، إذن يتمنون الموت، يعني في نفوسهم يتمنون أنهم كانوا مع أهل بدر فاستشهدوا فقتلوا في سبيل الله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾، يعني فقد حصل لكم ما تمنون ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ يعني رأيتموه وأنتم على أشد ما يكون إحساسًا. وتأمل قوله:
стр. 837
﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾، هل هي مؤكدة أو مؤسسة؟ لأن الإنسان قد يرى ولكن لا يحقق ما يرى، قد يرى الشيء وهو غافل عنه لكن إذا رآه وهو ينظر إليه تمامًا قد ركز، فهذا نظر خاص أخص من النظر العام. نحملها على ذلك؛ لأن الأصل في الكلام التأسيس؛ لأن التوكيد نوع زيادة ليس فيه إلا توكيد ما مضى، وقد لا يحتاج إليه لكن التأسيس هو الأصل.
إذن يقول الله : ﴿كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ﴾ ويقيم على ذلك الشهادة بالتوكيد ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فلماذا يحصل منكم هذا التخاذل؟ ولهذا قال: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ أي: الموت أو من استشهد في غزوة أُحد رأوه بأعينهم، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد رأوه أي رأوا أسبابه وهو القتال؛ لأن من لم يقتل لم ير الموت، ولكن هذا تفسير فيه نظر؛ لأن رؤية الموت يراها الإنسان في نفسه وفي غيره، فقد رأيتموه فيما بينكم وأنتم تنظرون.
وفي هذه الآية من المسائل النحوية قوله: ﴿تَمَنَّوْنَ﴾ حيث إن صورته صورة الماضي، ولكنه صيغ بصيغة المضارع أصلها: تتمنون الموت.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - إقامة الحجة على من كانوا يتمنون الموت وقد رأوه، ومع ذلك حصل منهم تخاذل؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يعني فيها، أنتم الآن رأيتموه فما موقفكم؟ .
٢ - وفيه أنه لا ينبغي للإنسان أن يتمنى المكروه؛ لأنه إذا
стр. 838
تمناه ووقع ربما ينكص ولا يصبر، وقد قال النبي ﷺ : "لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" (١). وهكذا الإنسان قد يشعر في نفسه أنه يقوى على الشيء ولكن يعجز عنه، وقد ذكروا أن سحنون صاحب مالك ﵀ كان من العُبَّاد فقال يومًا من الأيام كلامًا معناه: يا رب إني صابر فكيفما شئت فامتحني، ابن آدم فقير مسكين، يعني أصبر على كل بلاء فامتحني يارب، فأصيب بعسر البول، صار لا يبول إلا بمشقة شديدة، قالوا: فكان يدور على مدارس الصبيان فيقول: ادعوا لعمكم الكذاب. وذهب إلى الصبيان، لأنهم أقرب إلى الإجابة لطهارة قلوبهم وسلامتها ولا ذنوب عليهم، الكذاب! لأنه قال: إني أصبر فكيفما شئت فامتحني. ولم يصبر، وهكذا الإنسان ينبغي له أن يسأل الله العافية لكن إذا ابتلي فليصبر.
٣ - أنه لا بأس أن يوبِّخ الإنسان من تحدى واتخذ لنفسه مكانًا عاليًا إذا وجده قد تخاذل في هذا المكان، مثل لو كان رجل من الناس يزعم أنه صبور وأنه جَلْد وما أشبه ذلك، فإذا ألمّت به الأمور صار جبانًا هلوعًا لا يتحمل فيذكِّره. أظن أن أحد الشعراء كان يقول في شعره:
الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والسيف والرمح والقرطاس والقلم
شجاعة، وعلم، وكتابة وكل شيء، فحصلت غزوة كان فيها
стр. 839
هذا الشاعر، فأراد أن ينهزم ويولي الدبر، وإذا حوله أناس قد حفظوا هذا البيت من شعره فقالوا: ما لك يا فلان ألست القائل:
الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والسيف والرمح والقرطاس والقلم
فعتب على نفسه ورجع وأظن أنه قتل في تلك المعركة. فالإنسان قبل أن يصاب بالبلاء قد يشعر في نفسه أنه قوي يصبر، لكن يعجز، فإذا ذكَّرت أحدًا بشيء كان يفتخر به كأن يقول: أنا أفعل، وأنا أقول، وأنا أصبر، فهذا لا بأس به، ولكن هل هذا محمود إذا كان الأمر ضارًا، أو ينظر للمصلحة؟
الجواب: أنه ينظر للمصلحة فقد يكون هذا المسكين يفتخر فيما لا فخر فيه، فإذا وقع فيه وأراد أن يتأخر عنه ثم أغريته قد يقع في ضرر. فالمسألة يرجع فيها إلى المصلحة.
٤ - جواز التأكيد على رأي من يرى أن قوله: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فيها توكيد أي: جواز تأكيد اللفظ إذا دعت الحاجة إليه، وكان ذلك مقتضى البلاغة، بل قد يكون مطلوبًا كما في هذه الآية، فهذه الآية على قول بأن قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ توكيد وأنها لم تأت بمعنى جديد، أما على القول الراجح الذي رجحناه أنها أتت بمعنى جديد فإننا لا نأخذ هذه الفائدة من هذه الآية، لكن نأخذها من آيات أخرى مثل: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧، ١٨] وقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣، ٤]، وقوله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤، ٣٥]، كثير من القرآن تأكيدات للأهمية.
تنبيه: ذكرنا في التفسير أنهم يتمنون الشهادة، الموت في سبيل الله، وليس الموت المطلق؟ لكن يؤخذ منه أنه يجوز أن يتمنى
стр. 840
الإنسان الشهادة، بل لو قيل بمشروعية هذا لم يكن بعيدًا، وقد قال عمر ﵁: اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك والموت في بلد رسولك ﷺ ، فكان الناس يقولون: كيف هذا الدعاء وكيف يجاب والمدينة بلد إسلامي؟ ولكن الله أجاب دعاءه فقد قُتل ظلمًا وهو يصلي، ولم يقتل لأنه عمر بن الخطاب بل قتل لأنه قائم بأمر الله، منفذ لشريعة الله، قتله مجوسي مضاد للمسلمين، حرب على المسلمين، قتل في مدينة الرسول ﵊ ومات فيها، وقد تتمنى الشهادة، لكن ذكر بعض المتأخرين أنه لا يجوز أن تتمنى الشهادة، قال: لأن تمنيك الشهادة يستلزم أن الأعداء يغلبون المسلمين، فليتأمل هذا الكلام هل هو حق أم باطل؟
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤].
قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾: محمد يعني محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي خاتم الأنبياء كونه (رسولًا) فهذا أمر معلوم، لكن محط الفائدة قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ توطئة لما بعده وهو قوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ يعني أن رسول الله ﷺ رسول قد خلت من قبله الرسل فماتوا من قبله ومنهم من قُتل كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]، فإذا كان كذلك فهل أقوامهم لما ماتت أنبياؤهم أو قتلوا هل تركوا أديانهم؟ الجواب: لا، لم يتركوا الأديان، وذلك لأن الأمم إنما تعبد الله
стр. 841
وتتبع الرسل، والرسل لا تنقطع رسالتهم بموتهم، بل رسالتهم باقية ما بقيت الرسالة حتى تأتي رسالة تنسخها، أما رسالة النبي ﷺ فإنه لا ناسخ لها لأنها آخر الرسالات. وهذه الآية نزلت حينما صاح الشيطان في يوم أحد، يقول: إن محمدًا قد قُتل، فلما قال هذا فتَّ ذلك في أعضاد الصحابة ﵃.
أولًا: لأن موت النبي ﷺ مصيبة عظيمة تحزن القلب وتضعف النفس.
ثانيًا: لأن محمدًا ﷺ كان قائدهم، وإذا مات القائد فإنه لا شك سيكون له أثر على الذين ينقادون بقيادته، فلما شاع الخبر بأن محمدًا ﷺ قُتل حصل ما حصل على المسلمين فأثابهم غمًّا بِغَمٍّ وصار عند بعضهم بعض الشك، ولكن الله وبَّخهم فقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، فإذا كان كذلك فهل الرسل الذين سبقوا وماتوا أو قتلوا هل ارتد أقوامهم من بعدهم؟ لا، ولكن بقيت الرسالات وبقي الاتباع، وهنا قال: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ الهمزة هنا للاستفهام التوبيخي يعني: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قتل؟ هذا لا يليق بكم ولا ينبغي لكم، بل ما دامت شريعته باقية فاتباعه باق، ولا يليق بأي مؤمن أن يرتد على عقبه إذا مات الرسول ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ هذه جملة شرطية، (إن) أداة الشرط، و ﴿مَاتَ﴾ فعل الشرط و ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ جواب الشرط، ولكن محل التوبيخ هو جواب الشرط حقيقة، لأنه يوبِّخهم على انقلابهم على تقدير أن يكون مات أو قتل، أي: أتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قتل؟ لا يليق بكم.
стр. 842
وقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ أي بغير فعل بشر ﴿أَوْ قُتِلَ﴾ بفعل البشر.
وقوله: ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أي رجعتم إلى الوراء، والأعقاب: جمع عقب وهو العرقوب، والمنقلب على عقبيه يكون ماشيًا على غير هدى كالذي يمشي مكبًا على وجهه، وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]، والانقلاب على العقبين أعظم وأبلغ؛ لأن الانقلاب على العقب يمشي الإنسان فيه على غير الهيئة المعتادة. على أنه يحتمل أن يكون المراد بالانقلاب على العقب أي: أنه يسقط على قفاه ولا يستطيع أن يتقدم أو يستقيم.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾:
هنا قال: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ﴾ فعدل من جملة الخطاب إلى العموم دون أن يقول: وإن انقلبتم على أعقابكم فلن تضروا الله شيئًا من أجل أن يكون الحكم عامًا شاملًا، فقوله: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ﴾ (من) شرطية تعم كل منقلب على عقبيه، والفعل هنا بعدها مجزومٍ، فعل الشرط. أما جواب الشرط فهو ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ وشيئًا نكرة، والنكرة في سياق النفي تعم، يعني: الذي ينقلب على عقبيه ويرتد عن الإيمان لن يضر الله؛ لأن الله لن ينتفع بطاعة الطائعين، ولن يتضرر بمعصية العاصين، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ فيرجع بعد أن كان مسلمًا فلن يضر الله شيئًا وإنما يضر في الحقيقة نفسه.
﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾:
السين للتنفيس، وهي تحوّل الفعل المضارع من كونه صالحًا للحال والاستقبال إلى كونه للاستقبال، (وسوف) مثلها إلا
стр. 843
أن سوف تدل على المهلة والسين تدل على الفورية ﴿وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ﴾ أي: سيكافئهم، والشاكرون هم الذين قاموا بشكر نعمة الله، وقد مرَّ علينا أن الشكر هو القيام بطاعة المنعم بالقلب واللسان والجوارح؛ فالاعتراف بالقلب أن النعم من الله شكر، والثناء على الله بها باللسان شكر، والقيام بالطاعة بما يناسب تلك النعمة شكر، فشكر العلم مثلًا العمل به ونشره، وشكر المال صرفه في طاعة الله، وشكر القوة البدنية استعمال البدن في طاعة الله، وهلم جرا. واعلم أن بين الشكر والحمد عمومًا وخصوصًا من وجهين أي أن أحدهما أعم من الآخر من وجهٍ، فباعتبار أن الحمد يكون لكمال المحمود ولإنعام المحمود يكون أعم من الشكر، وباعتبار أن الحمد يكون باللسان يكون أخص من الشكر، والشكر باعتبار كونه متعلّقًا بالقلب واللسان والجوارح أعم من الحمد، وباعتبار أنه في مقابلة نعمة أخص من الحمد.
يقول الشاعر:
أفادتكم النعماءُ مني ثلاثةً ... يدي ولساني والضمير المحجبا
وبهذا التقرير نعرف أنه ليس بين الحمد وبين الشكر ترادف، بل هما متباينان، يتفقان فيما إذا حمد الله على نعمته كما لو أكل أو شرب فقال: الحمد لله، فهذا يعتبر شكرًا وحمدًا، ويختلفان فيما إذا حمد الله على كماله فهنا لا يكون هذا من باب الشكر، وإذا شكر الله بجوارحه فليس هذا من باب الحمد.
قال: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾.
يبيِّن الله هذا المجمل في قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾
стр. 844
[الأنعام: ١٦٠] هذا الجزاء، وصحَّ عن النبي ﷺ أن الله يضاعف الحسنة إلى عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف (١).
من فوائد الآية الكريمة:
١ - بيان أن رسول الله ﷺ بشر يلحقه الموت كما يلحق جميع الرسل؛ لقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ ... ﴾.
٢ - أن النبي ﷺ ليس ربًّا فيدعى ولا إلهًا فيعبد؛ لقوله: ﴿إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾.
٣ - أنه ينبغي الدليل بذكر النظائر ليقتنع الإنسان بما سمع؛ لقوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ فإن من سمع هذا اقتنع وقال: ما دام الرسل السابقون قد ماتوا أو قتلوا فإن ذلك يكون تسلية له.
٤ - إثبات أن محمدًا ﷺ خاتم الرسل؛ لقوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ و (ال) هنا للعموم ولم يقل: قد خلت من قبله رسل بل قال: الرسل، وإذا كان الرسل كلهم قد خلوا من قبله لزم من ذلك أن يكون هو آخرهم.
٥ - جواز موت الرسول ﷺ وإمكان قتله؛ لقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾.
فإن قال قائل: يشكل على هذا أن الله قد قال في الشهداء: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤]. فإذا كان هذا في الشهداء فكيف يكون الرسول ﷺ ميتًا مع أنه أفضل من الشهداء؟
стр. 845
والجواب عن ذلك أن نقول: إن الحياة حياتان: حياة دنيوية جسدية وهي حياة الدنيا، وحياة برزخية ليست كحياة الدنيا، فهذه هي التي تثبت للشهداء. والأنبياء أفضل من الشهداء حيث حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم، وأما الشهداء فقد تأكل الأرض أجسادهم، فالأنبياء أجسادهم باقية وحياتهم البرزخية أكمل من حياة الشهداء بلا شك.
٦ - الرد على من توهم أو زعم أن الرسول ﷺ حي في قبره؛ لقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ ونحن نعلم بالضرورة من النقل المتواتر أن النبي ﷺ لم يقتل، فإنه ما قتل لا بسيف ولا برمحٍ بل مات على فراشه، ولكن ثبت عنه ﷺ أنه قال: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني، وهذا أوان انقطاع الأَبْهَر مني" (١). الأبهر عرق عُرف عند أهل اللغة على أنه عرق في الظهر إذا انقطع مات الإنسان، فهذا يدل على أن أكلة الشاة المسمومة في خيبر كان لها أثر في موته، ولهذا قال بعض التابعين وأظنه الزهري قال: إن النبي ﷺ مات شهيدًا؛ لأن اليهود قتلوه، ولكن الله تعالى أمد في عمره حتى تأخر، وهذا ليس ببعيد؛ لأن أكلة خيبر كما ثبت عن النبي ﷺ ما زال أثرها في لهواته، يرى في لهواته أثر السم، والسم كان شديدًا، ولذا مات واحد من الصحابة الذين أكلوا معه، لكن الرسول ﵊ لم يبلع اللحم الذي أكل.
٧ - أن الارتداد عن الإسلام انقلاب على العقب، ولا يخفى علينا ماذا يكون أثر الانقلاب على العقب ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى