← Тафсир

Тафсир · id 545

تفسير العثيمين: آل عمران

ابن عثيمين

Полный текст (1 207 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وتتبع الرسل، والرسل لا تنقطع رسالتهم بموتهم، بل رسالتهم باقية ما بقيت الرسالة حتى تأتي رسالة تنسخها، أما رسالة النبي ﷺ فإنه لا ناسخ لها لأنها آخر الرسالات. وهذه الآية نزلت حينما صاح الشيطان في يوم أحد، يقول: إن محمدًا قد قُتل، فلما قال هذا فتَّ ذلك في أعضاد الصحابة ﵃. أولًا: لأن موت النبي ﷺ مصيبة عظيمة تحزن القلب وتضعف النفس. ثانيًا: لأن محمدًا ﷺ كان قائدهم، وإذا مات القائد فإنه لا شك سيكون له أثر على الذين ينقادون بقيادته، فلما شاع الخبر بأن محمدًا ﷺ قُتل حصل ما حصل على المسلمين فأثابهم غمًّا بِغَمٍّ وصار عند بعضهم بعض الشك، ولكن الله وبَّخهم فقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، فإذا كان كذلك فهل الرسل الذين سبقوا وماتوا أو قتلوا هل ارتد أقوامهم من بعدهم؟ لا، ولكن بقيت الرسالات وبقي الاتباع، وهنا قال: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ الهمزة هنا للاستفهام التوبيخي يعني: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قتل؟ هذا لا يليق بكم ولا ينبغي لكم، بل ما دامت شريعته باقية فاتباعه باق، ولا يليق بأي مؤمن أن يرتد على عقبه إذا مات الرسول ﷺ . قال الله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ هذه جملة شرطية، (إن) أداة الشرط، و ﴿مَاتَ﴾ فعل الشرط و ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ جواب الشرط، ولكن محل التوبيخ هو جواب الشرط حقيقة، لأنه يوبِّخهم على انقلابهم على تقدير أن يكون مات أو قتل، أي: أتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قتل؟ لا يليق بكم.

стр. 842

وقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ أي بغير فعل بشر ﴿أَوْ قُتِلَ﴾ بفعل البشر. وقوله: ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أي رجعتم إلى الوراء، والأعقاب: جمع عقب وهو العرقوب، والمنقلب على عقبيه يكون ماشيًا على غير هدى كالذي يمشي مكبًا على وجهه، وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]، والانقلاب على العقبين أعظم وأبلغ؛ لأن الانقلاب على العقب يمشي الإنسان فيه على غير الهيئة المعتادة. على أنه يحتمل أن يكون المراد بالانقلاب على العقب أي: أنه يسقط على قفاه ولا يستطيع أن يتقدم أو يستقيم. وقوله: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾: هنا قال: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ﴾ فعدل من جملة الخطاب إلى العموم دون أن يقول: وإن انقلبتم على أعقابكم فلن تضروا الله شيئًا من أجل أن يكون الحكم عامًا شاملًا، فقوله: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ﴾ (من) شرطية تعم كل منقلب على عقبيه، والفعل هنا بعدها مجزومٍ، فعل الشرط. أما جواب الشرط فهو ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ وشيئًا نكرة، والنكرة في سياق النفي تعم، يعني: الذي ينقلب على عقبيه ويرتد عن الإيمان لن يضر الله؛ لأن الله لن ينتفع بطاعة الطائعين، ولن يتضرر بمعصية العاصين، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ فيرجع بعد أن كان مسلمًا فلن يضر الله شيئًا وإنما يضر في الحقيقة نفسه. ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾: السين للتنفيس، وهي تحوّل الفعل المضارع من كونه صالحًا للحال والاستقبال إلى كونه للاستقبال، (وسوف) مثلها إلا

стр. 843

أن سوف تدل على المهلة والسين تدل على الفورية ﴿وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ﴾ أي: سيكافئهم، والشاكرون هم الذين قاموا بشكر نعمة الله، وقد مرَّ علينا أن الشكر هو القيام بطاعة المنعم بالقلب واللسان والجوارح؛ فالاعتراف بالقلب أن النعم من الله شكر، والثناء على الله بها باللسان شكر، والقيام بالطاعة بما يناسب تلك النعمة شكر، فشكر العلم مثلًا العمل به ونشره، وشكر المال صرفه في طاعة الله، وشكر القوة البدنية استعمال البدن في طاعة الله، وهلم جرا. واعلم أن بين الشكر والحمد عمومًا وخصوصًا من وجهين أي أن أحدهما أعم من الآخر من وجهٍ، فباعتبار أن الحمد يكون لكمال المحمود ولإنعام المحمود يكون أعم من الشكر، وباعتبار أن الحمد يكون باللسان يكون أخص من الشكر، والشكر باعتبار كونه متعلّقًا بالقلب واللسان والجوارح أعم من الحمد، وباعتبار أنه في مقابلة نعمة أخص من الحمد. يقول الشاعر: أفادتكم النعماءُ مني ثلاثةً ... يدي ولساني والضمير المحجبا وبهذا التقرير نعرف أنه ليس بين الحمد وبين الشكر ترادف، بل هما متباينان، يتفقان فيما إذا حمد الله على نعمته كما لو أكل أو شرب فقال: الحمد لله، فهذا يعتبر شكرًا وحمدًا، ويختلفان فيما إذا حمد الله على كماله فهنا لا يكون هذا من باب الشكر، وإذا شكر الله بجوارحه فليس هذا من باب الحمد. قال: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. يبيِّن الله هذا المجمل في قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾

стр. 844

[الأنعام: ١٦٠] هذا الجزاء، وصحَّ عن النبي ﷺ أن الله يضاعف الحسنة إلى عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف (١). من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان أن رسول الله ﷺ بشر يلحقه الموت كما يلحق جميع الرسل؛ لقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ ... ﴾. ٢ - أن النبي ﷺ ليس ربًّا فيدعى ولا إلهًا فيعبد؛ لقوله: ﴿إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾. ٣ - أنه ينبغي الدليل بذكر النظائر ليقتنع الإنسان بما سمع؛ لقوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ فإن من سمع هذا اقتنع وقال: ما دام الرسل السابقون قد ماتوا أو قتلوا فإن ذلك يكون تسلية له. ٤ - إثبات أن محمدًا ﷺ خاتم الرسل؛ لقوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ و (ال) هنا للعموم ولم يقل: قد خلت من قبله رسل بل قال: الرسل، وإذا كان الرسل كلهم قد خلوا من قبله لزم من ذلك أن يكون هو آخرهم. ٥ - جواز موت الرسول ﷺ وإمكان قتله؛ لقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾. فإن قال قائل: يشكل على هذا أن الله قد قال في الشهداء: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤]. فإذا كان هذا في الشهداء فكيف يكون الرسول ﷺ ميتًا مع أنه أفضل من الشهداء؟

стр. 845

والجواب عن ذلك أن نقول: إن الحياة حياتان: حياة دنيوية جسدية وهي حياة الدنيا، وحياة برزخية ليست كحياة الدنيا، فهذه هي التي تثبت للشهداء. والأنبياء أفضل من الشهداء حيث حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم، وأما الشهداء فقد تأكل الأرض أجسادهم، فالأنبياء أجسادهم باقية وحياتهم البرزخية أكمل من حياة الشهداء بلا شك. ٦ - الرد على من توهم أو زعم أن الرسول ﷺ حي في قبره؛ لقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ ونحن نعلم بالضرورة من النقل المتواتر أن النبي ﷺ لم يقتل، فإنه ما قتل لا بسيف ولا برمحٍ بل مات على فراشه، ولكن ثبت عنه ﷺ أنه قال: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني، وهذا أوان انقطاع الأَبْهَر مني" (١). الأبهر عرق عُرف عند أهل اللغة على أنه عرق في الظهر إذا انقطع مات الإنسان، فهذا يدل على أن أكلة الشاة المسمومة في خيبر كان لها أثر في موته، ولهذا قال بعض التابعين وأظنه الزهري قال: إن النبي ﷺ مات شهيدًا؛ لأن اليهود قتلوه، ولكن الله تعالى أمد في عمره حتى تأخر، وهذا ليس ببعيد؛ لأن أكلة خيبر كما ثبت عن النبي ﷺ ما زال أثرها في لهواته، يرى في لهواته أثر السم، والسم كان شديدًا، ولذا مات واحد من الصحابة الذين أكلوا معه، لكن الرسول ﵊ لم يبلع اللحم الذي أكل. ٧ - أن الارتداد عن الإسلام انقلاب على العقب، ولا يخفى علينا ماذا يكون أثر الانقلاب على العقب ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى

стр. 846

أَعْقَابِكُمْ﴾ وهو كذلك؛ لأن الذي على الإسلام يمشي على برهان ونور، يمشي على صراط مستقيم. ٨ - الرد على الملحدين الذين يقولون: إن الإسلام رجعية ورجوع إلى الوراء، فإننا نقول لهم: أنتم الرجعيون، أنتم الذين انقلبتم على أعقابكم، أما من تمسك بالإسلام فإنه التقدمي؛ لأن الإسلام يحث على التقدم لكل فضيلة وأن يسارعوا إلى المغفرة ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١]، والآيات كلها تدل على أن الإسلام يأمر بالتقدم لكن ليس التقدم إلى الكفر الذي قال الله عن زعيمه: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨]، ولكن التقدم إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين. المهم أن هذه الآية فيها ردّ على الملحدين الذين زعموا أن التمسك بالإسلام رجعية، فنقول لهم: إن التمسك بالإسلام هو التقدم، والتخلف عن الإسلام هو الرجعية. ٩ - أن الله غني عن طاعة الطائعين؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾. ١٠ - انتفاء الضرر عن الله، وأنه لن يضره شئ، ولكن إذا قال قائل: أليس الله تعالى قد قال في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] وفي الحديث القدسي: "يؤذيني ابن آدم يسبُّ الدهر" (١) فأثبت الأذية لله؟

стр. 847

فالجواب: أنَّه لا يلزم من الأذية الضرر. فالله تعالى قد يتأذى ولكن لا يتضرر، وأضرب لك مثلًا: لو أن شخصًا جلس إلى جنبك وقد أكل بصلًا أو شرب دخانًا ألست تتأذى برائحته؟ بلى، ولكن هل تتضرر؟ لا تتضرر، إذا رأيت شيئًا مكروهًا فإنك تتأذى ولكن لا تتضرر، إذن لا يلزم من كون الله تعالى يتأذى أن يتضرر. ١١ - الحث على الشكر، لقوله: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾، ووجهه أن الجزاء أضيف إلى الله فدلَّ على عظمه؛ لأن الثواب من العظيم عظيم، ولهذا كانت الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ١٢ - جواز الإطلاق في الكلام إذا جاء مفسَّرًا في موضع آخر، لقوله: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾، فإن هذه الآية مجملة لم يبين الله تعالى كيف هذا الجزاء، ولكنه قد بيّن في نصوص أخرى، والشريعة يفسر بعضها بعضًا، ويقيد بعضها بعضًا، ويخصص بعضها بعضًا، وما تجده مجملًا في مكان تجده مبينًا في مكان آخر، وهذا من تمام الشريعة؛ لأن الشيء إذا أتاك مجملًا فإن نفسك تتطلع إلى بيان هذا المجمل، فتحرص وتبحث وتقرن بين الأدلة، تقارن بعضها إلى بعض حتَّى يتبين لك الأمر، وحتى تكون ملمًا في كل وقت بجميع النصوص. ١٣ - أن الخلق لو كانوا كلهم على الردة فإن الله تعالى لن يتضرر بذلك؛ لقوله: ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾، وهذا عام يشمل أي ضرر كان من فرد أو جماعة.

стр. 848

• ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥]: قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ﴾ أي: يمتنع غاية الامتناع لأي نفس من الأنفس أن تموت إلَّا بإذن الله، مهما حاول الناس أن يميتوا أحدًا بدون إذن الله، فإنهم لن يستطيعوا إلى ذلك سبيلًا. وإذا جاءت (ما كان) فإنها للممتنع إما شرعًا أو قدرًا، فهذه الآية ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: ما كان قدرًا لنفس أن تموت إلَّا بإذن الله. وقوله: ﴿لِنَفْسٍ﴾ نكرة في سياق النفي فتعم كل نفس من الآدميين وغير الآدميين، لا يمكن لأي نفس أن تموت إلَّا بإذن الله. وقوله: ﴿أَنْ تَمُوتَ﴾ الموت هو مفارقة الحياة، ويحصل هذا بانفصال الروح عن الجسد انفصالًا تامًا، وذلك لأن الروح تتصل بالبدن اتصالًا تامًا، وتنفصل منه انفصالًا ناقصًا، وتنفصل منه انفصالًا تامًا؛ فإذا كان الإنسان يقظًا فالاتصال تام، وإذا كان نائمًا فهو انفصال ناقص، وإذا مات الإنسان فهو انفصال تام، لكن هذا لا يمنع أن تعود إليه في قبره عودًا ليس على الوجه الذي عليه في الدنيا؛ لأن حياة البرزخ تخالف حياة الدنيا، فالإنسان في قبره تعاد إليه روحه ويجلس ويخاطب ويتكلم ويفهم، ولكن ليست هذه الحياة كحياة الدنيا؛ لأنها لو كانت كحياة الدنيا

стр. 849

لهلك فورًا؛ لأنه مغمور بالتراب الذي فوقه، وربما يكون غرقًا في ماء أو محترقًا في نار. وقوله: ﴿أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ "إِذْن" هنا يراد بها الإذن الكوني؛ لأن إذن الله ينقسم إلى قسمين: إِذن كوني، وإذن شرعي، فالإذن الشرعي ما قضى به شرعًا وأذن فيه شرعًا، وهو تحت المشيئة قد يقع وقد لا يقع، فمثلًا: يقول الله : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] الإذن هنا شرعي وليس بكوني؛ لأن الله قد أذن به كونًا لكنه لم يأذن به شرعًا، وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] الإذن هنا إذن شرعي، أما في مثل هذه الآية: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فهو إذن كوني يعني لا يمكن أن تموت إلَّا إذا أذن الله بذلك كونًا. وقوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي بقضائه وقدره ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ (كتابًا) هذه مصدر مؤكد للجملة التي قبله، أي أن الموت مكتوب كتابًا مؤجلًا محددًا بحد معلوم لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، هذا الكتاب يكتب في عدة كتب؛ يكتب في ليلة القدر بأنه سيموت في اليوم الفلاني في الساعة الفلانية من الشهر الفلاني، وهذه كتابة سنوية، ويكتب أيضًا إذا كان الإنسان في بطن أمه حين يبعث إليه الملك ويؤمر بِكَتْب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. ويكتب في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، فهذه كتب لا تتغير. ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ لا يزيد ولا ينقص. ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾:

стр. 850

(من) شرطية، وفعل الشرط ﴿يُرِدْ﴾ وجواب الشرط ﴿نُؤْتِهِ﴾، وفي كل من فعل الشرط وجوابه حذف، أما في فعل الشرط فالحذف من وسط الكلمة، وأما في جوابه فالحذف من آخر الكلمة؛ لأن قوله (يرد): أصلها يريد فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، (ونؤته) أصلها نؤتيه فحذفت الياء للجازم؛ لأن الفعل المعتل يجزم بحذف حرف العلة. ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ﴾ أي من يرد الجزاء في الدنيا من الدنيا فإن الله تعالى يؤتيه منها، ﴿نُؤْتِهِ﴾: أي نعطه منها وليس نعطيه كل الدنيا، فالإنسان قد يريد شيئًا كثيرًا من الدنيا، ولكن لا يحصل له وإنَّما يؤتى منها، مثلًا منا من يريد القصور والأموال الكثيرة والزوجات والمراكب الوثيرة وما أشبه ذلك. ومن يرد هذا يؤته الله منها؛ لأن من يرد هذا لابد أن يسعى له. فإذا كان لابد أن يسعى له فالغالب أن السعي التام يحصل به الموجب، ولهذا قال: نؤته منها، فقدّر الله الأسباب لحصول ما أراده من الدنيا. وقوله: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ واضح في أن الله لا يؤتيه كل الدنيا وإنَّما يؤتى منها، وهذا يحتمل أن يكون عائدًا إلى ما أراده، بمعنى: أن الله لا يعطيه كل ما يريد. ويحتمل أن يكون عائدًا إلى الدنيا من حيث هي على سبيل العموم فيعطيه الله كل ما أراد، وعلى كل تقدير فهذه الآية مقيدة بآية الإسراء، وهي قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ يعنى الدنيا ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] ولم يقل: عجّلنا له ما يريد، قال: ﴿مَا نَشَاءُ﴾، وهذا يؤيده الواقع فإن كثيرًا من الناس يريدون الدنيا

стр. 851

ويسعون لها بأيديهم وأرجلهم وألسنتهم وأعينهم ولكن لا يحصِّلونها؛ لأن الله قيَّد هذا العموم في سورة الإسراء بقوله: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ لا ما يشاء ﴿مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ فقيَّد المعجل، والمعجل له، ﴿مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ هنا هذا الإطلاق مقيد بذلك. ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾: ولا نعطيه الآخرة كلها؛ لأن الآخرة درجات يختلف فيها الناس، ولا يمكن أن يعطى الإنسان جميع درجات الناس ولكن يعطى من الآخرة، ولهذا قال: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ولكنها تختلف عن عطية الدنيا، كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧] عطية الآخرة ليست كعطية الدنيا بل هي أعظم، ولهذا قال في آية الإسراء: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] وهنا قال: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ فدلَّ ذلك على أن من أراد الآخرة فهو من الشاكرين وسيجزي الله الشاكرين بفضله الواسع. من أتى بحسنة أعطي حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وتأمل هذا الفضل العظيم: يتطهر الإنسان في بيته فيسبغ الوضوء فتكفر عنه سيئاته مع آخر قطرة من قطرات الماء، فإذا تشهد فتحت له أَبواب الجنَّةَ الثمانية يدخل من أيها شاء، فإذا خرج من بيته بعد التطهر يريد المسجد لا يخرجه إلَّا الصلاة لم يخط خطوة إلَّا رفعه الله بها درجة، وحطَّ عنه بها خطيئة. هذا أيضًا ثواب كثير، كل خطوة لك فيها فائدتان: الأولى رفع الدرجة، والثانية حط الخطيئة، ثواب كثير عظيم في عمل قليل،

стр. 852

فإذا دخل المسجد فصلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه تقول: اللهم صلِّ عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، دعاء من الملائكة سخرهم الله ، فأنت ترى أن من أراد الآخرة فهو من الشاكرين وسيجزي الله الشاكرين، سيجزيهم على شكرهم أكثر بأضعاف مضاعفة من أعمالهم. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن آجال الأنفس محددة؛ لقوله: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾. ٢ - تسلية أصحاب الرسول ﷺ حين قيل لهم إن محمدًا قد قُتل، فأصابهم ما أصابهم من الغمِّ، فقال الله لهم: لا يمكن أن يقتل محمد قبل أجله ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾. إن كان الله قد أنهى أجله فإنه ينتهي، وإن لم ينته أجله بقي إلى الأجل المحدد. فلماذا تجزعون إذا قيل: إن محمدًا قد مات أو قد قتل، وهذا الشيء مؤجل عند الله وبإذنه، وما كان مؤجلًا عند الله وبإذنه فإن الإنسان يجب عليه أن يستسلم له ويصبر عليه ويرضى به. ٣ - إثبات أن كل شيء حتَّى الموت مخلوق لله في قوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وما كان صادرًا عن إذن فهو مخلوق، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢]. ٤ - أنَّه لا يمكن أن يتقدم الإنسان أو يتأخر عن الأجل الذي قدره الله له؛ لقوله: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ويؤيد هذا آيات منها قوله تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩]. ومنها: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١]. فإن قال قائل: يشكل على هذا قول النبي ﷺ : "من أراد أن

стр. 853

يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره؛ فليصل رحمه" (١)، فإن هذا يفيد بأن الإنسان إذا وصل رحمه زِيد في عمره. فالجواب عن ذلك أن يقال: مد الأجل كبسط الرزق، والحديث يقول: "أن ينسأ له في أثره، وأن يبسط له في رزقه". والرزق مكتوب، فقد بيَّن الرسول ﷺ أن الرزق يبسط ويوسع إذا وصل الإنسان رحمه، فكذلك الأجل يمدد إذا وصل الإنسان رحمه، ولا فرق، وهذا كقولنا: من أراد أن يولد له فليتزوج، والحديث: (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في إثره) لا يعدو أن يكون بيانًا لسبب طول العمر، وليس معناه أن الإنسان له عمران، عمر عند قطيعة الرحم وعمر عند صلة الرحم؛ لأن المعلوم عند الله والمكتوب عنده عمر واحد مقرون بسبب، وهو صلة الرحم، فإذا وصل الإنسان رحمه علمنا أن له عمرًا واحدًا زائدًا مقرونًا بالسبب. يوضح ذلك أنك تقول: إذا أكل الجائع سلم من الموت، فهذا الإنسان على آخر رمق في الحياة، أتينا له بطعام فأكل وعاش، هل نقول: إنه كان له عمران مع أننا لو تأخرنا عن إسعافه بالطعام لمدة دقيقة واحدة لمات، فهذا لا نقول له عمران، نقول: له عمر واحد، لكن هذا الطَّعام سبب لاندفاع الموت عنه الذي حصل من الجوع، فالمسألة ليس فيها إشكال، إذا تأملها الإنسان وجد أن سبب زيادة العمر الذي هو صلة الرحم كغيره من الأسباب التي يحث الشارع عليها. أيضًا نقول: من أراد الجنَّةَ

стр. 854

فليعمل عملًا صالحًا وهو مؤمن بالله، هل نقول: إن الإنسان له حالان: حال يكفر وحال يؤمن؟ أو نقول: هذا قد قدّره الله بقضائه السابق أن يكون مؤمنًا من أهل الجنَّةَ؟ فالجواب: الثاني. هكذا الذي وصل رحمه نقول: هذا من الأول لم يكن له إلَّا عمر واحد مبني على سبب وهو صلة الرحم، إذن فالمراد بيِّن، الحديث حثَّ الناس على صلة الرحم التي هي سبب لطول العمر. وهناك قول آخر وهو أنَّه ظن بعضهم أنَّه ليس المراد امتداد الأجل فقال: إن المراد بذلك بركة العمر، يعني يبارك له في عمره أو ينسأ له في أجله أي: أن ذكره بعد موته يطول، والإنسان إذا ذكر بعد موته فكأنه حي، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] ويقول المتنبي: والذكر للإنسان عمر ثانِ فهذه ثلاثة آراء: إما أن يكون المراد بذلك ذكره بعد وفاته بالخير، وإما المراد بذلك البركة في عمره، والصحيح أنَّها الزِّيادة الفعلية في عمره، وأن المكتوب عند الله المعلوم عنده هو أن هذا الرجل سوف يصل رحمه ويمتد عمره. ٥ - أن الناس لهم مشارب ولكلِّ مسلك، لقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾ وهو كذلك. ٦ - أن الإخبار عن الشيء أو عن وقوع الشيء لا يدل على حلّه، فقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ لا يدل على حل إرادة الإنسان الدنيا بعمله، إنما هو خبر عن أمر وقع، والحل والحرمة يؤخذ من دليل آخر

стр. 855

من الشرع. ومن ثم يتبين خطأ من قال: إنه لا يشترط للمرأة محرم في السفر؛ لأن الرسول ﷺ أخبر أن "الظعينة تخرج من صنعاء إلى عدن لا تخشى إلَّا الله ولا تخاف على نفسها" (١)، لأن هذا إخبار عن الواقع وليس إقرارًا له شرعًا، ألم يقل الرسول ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم. قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ! " (٢). بلى قال ذلك، فهل يعني هذا أنَّه يجوز أن نتبع سنن اليهود والنصارى لأن الرسول أخبر بأننا سنتبعهما؟ أبدًا .. فالإخبار عن الشيء وقوعًا لا يدل على جوازه شرعًا، إنما يؤخذ جوازه أو عدم جوازه من أدلة أخرى. ٧ - الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾ حيث أثبت للإنسان إرادة، والجبرية يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة، وأنه يفعل بدون اختيار ولا إرادة، ولكن كل النصوص السمعية والعقلية ترد على قولهم. ٨ - أن الإنسان قد يريد بعمله أن يُمدح عند الناس، وهذا لا يكون له من عمله إلَّا ما ناله من الدنيا فقط، نسأل الله السلامة. يعنى مثلًا: الإنسان يصلي ليقال مجتهد في العبادة. يقرأ

стр. 856

ليقال قارئ، يتصدق ليقال كريم، يقاتل ليقال شجاع وما أشبه ذلك، فالذي يريد بعمله الصالح هذه الأمور الدنيوية ليس له حظ في الآخرة، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]. ٩ - إيثار إرادة الآخرة على الدنيا؛ لقوله: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ فإن هذا يدل على أن من أراد الآخرة فإنه من الشاكرين الذين يجزيهم الله . ١٠ - إثبات الجزاء على العمل، وهذا أعني الجزاء على العمل دائر بين أمرين، بين عدل وفضل، ويمتنع الأمر الثالث وهو الظلم بالنسبة لله ، والذين يجازون العمال على أعمالهم ينقسمون في جزائهم إلى ثلاثة أقسام: عدل وفضل وظلم. ولهذا نجد أن منهم مَنْ يظلم عماله، ومنهم من يعطيهم حقهم كاملًا، ومنهم من يزيد، أما بالنسبة لجزاء الله تعالى فإن الظلم ممتنع عن الله، لا عجزًا عنه ولكن لكمال عدله : ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾. ١١ - الحث على الشكر؛ لأن الإخبار بأن الله يجزي الشاكرين يراد به الحث على الشكر. قال العلماء: الشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح؛ فبالقلب بحيث يشعر الإنسان بنفسه أن هذه النعمة من الله لا من حول الإنسان وقوته ولكنها بفضل الله. وباللسان يشكر الله يعني: يتحدث بنعمة الله، يتحدث بلسان الحال وبلسان المقال، فلسان المقال أن يقول: أحمد الله الذي فضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا، أحمد الله الذي أعطاني الولد، أحمد الله الذي أعطاني المال، أحمد الله الذي يسَّر لي

стр. 857

بيتًا وما أشبه ذلك، وبلسان الحال أن يظهر أثر النعمة على العبد، فإن الله يحب من عبده إذا أنعم عليه نعمة أن يرى أثر نعمته عليه، وعلى هذا فإذا آتى الله الإنسان مالًا وخرج إلى الناس بالثياب الخلقة أو بثياب رثة أو ما أشبه ذلك هل يعد شاكرًا؟ أليس هذا زهدًا؟ لا، ليس بزهدٍ، هذا من رآه قال: هذا فقير ما أنعم الله عليه بشيء، فيكون هذا المظهر منبئًا عن أن الله لم ينعم على هذا الشخص. والشكر بالفعل وهو الثالث: أن يقوم الإنسان بطاعة الله، إذا أنعم الله عليه بمال يتصدق منه، بعلم ينشره، بجاه يتوسط للناس ويشفع لهم وما أشبه ذلك. هذا من الشكر بالفعل، وعلى هذا يقول الشاعر: أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا وابن القيم ذكر أن الله يسَّر له شيخ الإسلام ابن تيمية، وأخبر أنَّه لا يستطيع أن يجزيه بيده ولا لسانه. ولقد مرَّت علينا هذه في شرحنا على نونيته رحمه الله تعالى حيث قال: حتَّى أتاح لي الإله بفضله ... من ليس تجزيه يدي ولساني حبرٌ أتى من أرض حران فيا ... أهلًا بمن قد جاء من حرانِ فالله يجزيه الذي هو أهله ... من جنة المأوى مع الرضوانِ * * * • ثم قال الله : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]. أولًا: القراءات في هذه الآية كما يلي: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ هو فيها قراءتان: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ و (كَائِنْ من نبي).

стр. 858

﴿نَبِيٍّ﴾ فيها قراءتان: ﴿نَبِيٍّ﴾ ونبيء بالهمزة. ﴿قَاتَلَ﴾ فيها قراءتانِ (قُتِل) و ﴿قَاتَلَ﴾. والذي معنا في المصحف ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾. (كأين) الصحيح أنَّها كلمة غير مركبة يعني بسيطة. البسيطة عند النحويين يعنون بها غير المركب، وقال بعضهم: إنها مركبة من كاف التشبيه وأي الاستفهامية، ولكن الصحيح خلاف ذلك، الصحيح أنَّها كلمة بسيطة نطق بها العرب هكذا، كما نطقوا بـ (كم)، وأن معنى ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ كم من نبي. فهي إذن للتكثير، وهي مبنية على السكون (كأين أو كائن) على اللغتين، هي مبنية على سكون النون، أما محلها من الإعراب فهي مبتدأ، والجملة التي بعدها خبرها. وقوله: ﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾ جار ومجرور مميز لكأين؛ لأن (كأين) من الألفاظ المبهمة، والألفاظ المبهمة تحتاج إلى تمييز، من ذلك مثلًا ألفاظ العدد، ألفاظ العدد من الأشياء المبهمة؛ قولك مثلًا: عندي عشرون، فكلمة عشرون مبهمة تحتاج إلى تمييز فتقول: عشرون رجلًا، عشرون كتابًا، عشرون بيتًا، عشرون سيارة، وما أشبه ذلك، وتمييزها -أي كلمة (كأين) - يأتي بعدها مجرورًا (بمن) كأين من نبي. وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ﴾ يعني كثير من الأنبياء. وقوله: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ كلمة قاتل أو قُتِلَ اختلف المفسرون فيها، فبعضهم وقف عليها، وقال في قراءته: (وكأين من نبي قتل)، أو ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ﴾ ثم استأنف فقال: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ وتكون جملة ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ جملة مكونة من مبتدأ

стр. 859

وخبر ﴿رِبِّيُونَ﴾ مبتدأ و ﴿مَعَهُ﴾ خبر مقدم، والجملة في موضع نصب على الحال من الضمير في قتل أو قاتل يعني: قاتل أو قتل والحال أن معه ربيين كثير. وقيل: إن قوله (وكأين من نبي) جملة مستقلة يوقف عليها، ثم يستأنف فيقال: (قتل معه ربيون كثير) يعني: وكأين من نبي وُجد وأُرسل وبُعث وأُيد بالآيات واتبعه ناس فقتل معه وفي صحبته ربيون كثير، وعلى هذا القول تكون ربيون نائب فاعل على قراءة قُتِل، وفاعل على قراءة قَاتَل، ويكون النبي سالمًا على هذا التقدير الثاني. أما على الأول فيكون مقتولًا. وقوله: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾: (مع) ظرف وهي خبر مقدم و ﴿رِبِّيُّونَ﴾ مبتدأ مؤخر على تقدير أن الضمير في قاتل أو قتل يعود على النبي، (وكأين من نبي قتل أو قاتل)، لكن فيه وجه آخر يقول: إن (ربيون) فاعل قاتل أو نائب فاعل على قراءة قتل، وبناء على هذا يختلف الإعراب، فتكون (مع) ظرف مكان متعلق بقاتل أو بقتل، ويكون (ربيون) فاعلًا على قراءة قاتل، ونائب فاعل على قراءة قُتل، وعلى هذا التقدير يكون القتال أو القتل واقعًا على الربيين وليس على النبي، ويختلف الحكم بالنسبة للصحابة، فإذا كان قاتل أو قتل فيه ضمير يعود على نبي صار فيه تسلية للصحابة؛ أي أن الأنبياء قد قتلوا قبل محمد وقاتلوا. وعلى الاحتمال الثاني أن (ربيون) فاعل أو نائب فاعل يكون فيه إشارة إلى أن الصحابة لم يكن الابتلاء بالقتال أو القتل خاصًا فيهم بل هو سابق في الأمم المتقدمين، فيكون المراد من الآية شيئًا من التوبيخ واللوم للصحابة الذين

стр. 860

جزعوا لما أصابهم في أُحد، ولهذا قال: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا﴾ إلى آخره. هذا من حيث تركيب الجملة، أما من حيث الإفراد فقوله: ﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾ المراد بالنبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، ولكن ليس في القرآن لفظ نبي إلَّا ويراد به الرسول ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء: ١٦٣]. ونوح من المعلوم أنَّه من الرسل، بل هو من أولي العزم من الرسل. على كل حال: النبي عند أهل العلم من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، ولهذا سمي رسولًا من الرسالة. ولكن كل من ذكر في القرآن من الأنبياء فهو رسول. وقد أشكل على بعض الناس فقالوا: كيف يوحى إليه بالشرع ولا يؤمر بالتبليغ؟ ولكن هذا في الحقيقة ليس محل إشكال؛ لأنه يمكن الجواب عنه بأنه أوحي إليه بالشرع ليتعبد به، ويكون هذا من باب التذكير له إذا كان نبيًا بعد الرسل، ومن باب البيان له إذا كان نبيًا لم يسبق بالرسل. مثال الثاني آدم، فآدم نبي ولم يسبق بالرسل. ومثال الأول ما وجد من أنبياء بني إسرائيل الذين لهم أتباع ولم يؤمروا بالتبليغ، فيكون إنباء الله لهم من باب التفضل عليهم بذكر الشريعة السابقة وإحيائها وإن كانوا لم يلزموا بأن يبلغوا الناس، وبهذا يزول الإشكال. فيمكن أن الله ينبئ أحدًا ولا يأمره ولا يكلفه بالإبلاغ. وقوله: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ قاتل أو قُتل، المقاتلة مفاعلة تقتضي وجود مدافعة بالقتل من الجانبين؛ وهي أعم من القتل، ولهذا

стр. 861

قد تجوز المقاتلة ولا يجوز القتل، فلو وجدنا أهل قرية لا يؤذنون مثلًا فإنه يجب قتالهم ولكن لا يجوز قتلهم، يعني أننا إذا قدرنا على المعيَّن لا نقتله، ولكن نقاتلهم حتَّى يؤذنوا. مثلًا لو وجدنا قرية لا يصلون العيد فإنه يجب علينا قتالهم حتَّى يصلوا العيد ولكن لا يجوز قتلهم، فالقتل أخص من القتال بمعنى أنَّه يمكن أن يجوز القتال لقوم ولا يجوز قتلهم، ومن ذلك على رأي بعض العلماء الرجل الذي يريد المرور بين يديك أو بينك وبين سترتك فتدافعه فيأبى، فقد قال النبي ﷺ : "فإن أَبى فليقاتله. ." (١) ولكن لا يجوز أن يقتله. والفرق ظاهر؛ لأنه لو قلنا إنه يجوز أن يقتله لجاز لهذا المصلي أن يضرب هذا الذي أراد المرور في مكان مميت، ويسقط ميتًا، ولكن هذا ليس بجائز، وإنَّما يقاتله مقاتلة دفاع، فإن اندفع كفَّ عنه. وقوله: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ربيون، قال بعضهم: إن الربيين نسبة إلى الربِّ ولكن كسرت الراء لأنها تغيرت عند النسب، وكم من حركة تغيرت عند النسب، مثلًا بنو أمية نقول فيهم: الأَمويين، تختلف الحركة عند وجود النسبة، فالربيون أصلها رَبيُّون من الرب أو من التربية وهي مفتوحة الراء، ولكنها لما تحولت إلى نسبة كسرت الراء، وعلى هذا فالربيون هم الذين قاموا بعبادة الرب فَنَالوا منه تربية خاصة. ونظير ذلك قول العلماء: هذا عالم رباني نسبة إلى الرب والتربية، وقيل: إنها مضافة إلى رِبَّة بالكسر يعني منسوبة إلى

стр. 862

(ربة)، وهي الطائفة فيكون معنى ﴿رِبِّيُّونَ كثَيرٌ﴾ أي طوائف كثيرون. وعلى كل حال فالله تعالى يبين أن كثيرًا من الأنبياء قاتلوا أو قتلوا ومعهم ربيون كثير، أو كثير من الأنبياء قاتل معه ربيون أو قتل معه ربيون. وقوله: ﴿كَثِيْرٌ﴾ صفة "لربيون" وهي لا تقتضي الأكثر، مثلًا: إذا كان عندنا مائة وسلم منهم خمسون نقول: هؤلاء كثير. سلم منهم عشرون نقول: هذا كثير، سلم منهم ستون نقول: هذا كثير، لكن ما قبل الخمسين لا نقول فيها أكثر، وإنَّما نقول أكثر فيما تجاوز النصف. المهم أن ﴿كَثِيرٌ﴾ هنا يعني طوائف كثيرة قاتلوا أو قتلوا. ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: ما جبنوا من أجل ما أصابهم في سبيل الله بل لم يزدهم ما أصابهم في سبيل الله إلَّا شجاعة وإقدامًا؛ لأن عندهم من الإيمان ما يدفعهم إلى ما يصيبهم في سبيل الله، كما أن من طبيعة البشر أن الإنسان إذا اعتُدِيَ عليه احتمى أو حمى وزاد إقدامًا، فكذلك هؤلاء ما جبنوا لما أصابهم في سبيل الله. وقوله: ﴿فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي في طريقه وشريعته لأنهم مؤمنون بأن كل ما أصابهم فهو على خير، ولما دميت إصبع النبي ﷺ في إحدى الغزوات قال: "هل أنتِ إلَّا أصبعٌ دَمِيتِ ... وفي سبيلِ الله ما لقيتِ" (١)

стр. 863

﴿وَمَا ضَعُفُواْ﴾ أي ما ضعفت عزيمتهم حتَّى لو قتل الكثير منهم، فإنها لا تضعف عزيمتهم خلافًا لمن كان عنده جبن فإنه تضعف عزيمته إذا قُتل أحد من قومه. ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾: من الاستكانة وهي الذل، أي: ما ذلوا لعدوهم مع أنَّه قُتل منهم كثير لكن كانوا على عزة؛ لأن الذي يعلم أن من قتل من قومه في سبيل الله لا يهتم إذ إنه مؤمن بأنه لو قتل هو لكان مقتولًا في سبيل الله، فلا يذل لأعداء الله. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾: يحب الصابرين الذين يصبرون على كل ما يجب عليه الصبر، والصبر ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، يعني أن الإنسان يصبر نفسه على الطاعة ولا يضجر منها ولا يدعها، وصبر عن معصية الله، يعني أن الإنسان يصبر نفسه عن المعصية فلا يقدم عليها، وصبر على أقدار الله المؤلمة، فلا يتسخط بما يقضيه الله عليه من الأشياء المؤلمة. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الله له عناية خاصة بهذه الأمة، حيث يسليهم بما حصل للأمم السابقة؛ لقوله: (وكأين من نبي قُتِلَ) على قراءة الوقف. ٢ - أن الجهاد مشروع في غير هذه اللأمة؛ لقوله: ﴿قَاتَلَ﴾ والقتال من الأنبياء وأتباعهم لا يكون إلَّا عن جهاد وهو كذلك. ٣ - الثناء على من سبق ممن يستحق الثناء، ولهذا قال: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾.

стр. 864

٤ - أن من طرق التشجيع على الشيء والإغراء به، أن يُذكر للإنسان سلف يقتدي به ويتشجع للحاق به؛ لقوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾. ٥ - الإشارة إلى انحطاط مرتبة الذين يذلون لأعداء الله، يؤخذ من قوله: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ وذلك أن الإنسان المؤمن يجب أن يكون أشم كالطود العظيم بالنسبة لأعداء الله حتَّى إنه يجوز للإنسان الخيلاء وجر الثوب في مقابلة الأعداء، كما قال النبي ﷺ : "إنها لمشية يبغضها الله إلَّا في هذا الموطن" (١)، حتَّى إن بعض العلماء قال: يجوز للجيش الإسلامي أن يصبغ بالسواد رأسه ولحيته أمام الأعداء من أجل إرهابهم لأنهم يظنون أن المقابل لهم شباب، على كل حال سواء قلنا بهذا القول أم لم نقل، ينبغي للإنسان ألا يذل أمام عدوه بل يظهر له العزة بالقول وبالفعل؛ لأن إذلال الكافرين محبوب إلى الله، قال الله ﵎ في وصف النبي ﷺ وأصحابه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، فكل شيء تغيظ به

стр. 865

الكفار فهو قربة لك عند الله، وكل شيء تنال به الكفار من أذى أو قتل أو غير ذلك فإنه قربة تقربك إلى الله ، إلَّا إذا كان بيننا وبينهم عهد، فإن الواجب الوفاء بعهدهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]. ٦ - إثبات المحبة لله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ والمحبة صفة من صفات الله تعالى المتعلقة بمشيئته؛ فهي من الصفات الفعلية لأنها تتعلق بالمشيئة، ووجه كونها تتعلق بالمشيئة أنَّها مربوطة بسبب، وكل صفة مربوطة أو مُعَلقة بسبب فإنها من الصفات الفعلية، وبناءً على هذه القاعدة المفيدة نقول: الرضا والفرح والضحك صفات فعلية. فالله تعالى يحب، ولا ألذ للإنسان من محبة الله، من كونه يحب الله ، ولذلك إذا قمت تصلي وأنت صافي القلب بعيدًا عن الدنيا، مقبلًا على الله، تجد في هذه الصلاة محبة الله ولذة عظيمة تنسيك الدنيا كلها، لأنك لا تجد شيئًا ألذ من محبة الله . ومرَّ علينا كثيرًا ولا حاجة إلى التكرار أن أهل التعطيل ينكرون حقيقة المحبة يقولون: إن المراد بالمحبة الإثابة أو إرادة الإثابة. يعني أنَّها الشيء المخلوق المنفصل عن الله، وهو الثواب أو الإرادة؛ لأنهم يثبتون صفة الإرادة، فمعنى ﴿يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ على قولهم: أي يثيبهم أو يريد أن يثيبهم. ٧ - الحثُّ على الصبر؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ لأننا لا نعلم فائدة أجلّ وأعظم من الحث على الصبر في مثل هذا التعبير.

стр. 866

• ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧]. لما ذكر الله حسن فعل هؤلاء الربيين الذين قاتلوا مع الأنبياء وقتلوا، وأنهم ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، وهذا حسنُ فِعْل ذَكَرَ حسنَ قولهم فقال: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾: (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر، فهي تساوي المصدر أي: وما كان قولهم إلَّا قولهم: ربنا اغفر لنا ذنوبنا. وهذه جملة مفيدة للحصر، يعني حصرت أقوالهم عند هذه المصائب أنهم سألوا الله المغفرة؛ مغفرة الذنوب والإسراف، وسألوه الثبات، وذلك لأن ما أصابهم إنما أصابهم بالذنوب كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] إذن علاقة هذه الآية بما قبلها أنَّه لما ذكر الله حسنَ فعالهم ذكر حسنَ مقالهم. أما من حيث الإعراب فيقول المعربون: إن (قول) خبر كان مقدم، و (أن) وما دخلت عليه (أن قالوا) اسمها مؤخر، وعلى هذا فهو من باب تقديم خبر كان. ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾ يعني عند حدوث القتل ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ الضمير يعود على الباقين منهم الذين لم يقتلوا؛ لأن الذين قتلوا لا يمكن أن يقولوا هذا. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾، (ربنا) يعني يا ربنا، فهو منادى حذفت منه ياء النداء تخفيفًا وتيمنًا بالبداءة باسم الله. فحذف ياء النداء هنا له وجهان:

стр. 867

الأول: للتخفيف، والثاني: التيمن بالبداءة باسم الله. نادوا الله تعالى عند الدعاء باسم الربوبية؛ لأن الربوبية هي التي فيها التصرف، وإجابة الدعاء من باب الربوبية، فتوسلوا باسم الله الذي يناسب ما يطلبون وهو إجابة الدعاء. ﴿اغْفِرْ﴾ يعني استو وتجاوز؛ لأنه مأخوذ من المغفر وهو ما يقي به المقاتل رأسه من السهام، في المغفر الستر والوقاية، ولهذا لو أن الله هتك ستر المذنب لم تكن مغفرة تامة، ولو عذبه به وأخفاه عن الناس لم تكن مغفرة تامة، فإذا ستره وعفا عنه صارت المغفرة تامة. ﴿ذُنُوبَنَا﴾ أصل مادة "الذال والنون والباء" تدور حول معانٍ متعددة منها النصيب كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩] أي نصيبًا. ومنه سمي ذنوب الماء، أي: الدلو؛ لأنه شيء مقدر من الماء، ويطلق الذنب على الإثم؛ لأنه نصيب العامل ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. ﴿وَإِسْرَافَنَا﴾: الإسراف: مجاوزة الحد، ومجاوزة الحد هي إما في غلو وإما في تقصير، أما مجاوزة الحد في الغلو فظاهر، وأما في التقصير فلأن المطلوب من المكلف ألا يتعدى حدود الله تجاوزا ولا يقربها أيضًا، فإذا كان الإنسان فاعلًا للمحرم فهو مسرف؛ لأنه تجاوز حد العبودية إذ مقتضى العبودية أن يكون مجتنبًا لما حرّم الله. وإذا فرَّط في الواجب كان مسرفًا أيضًا فيما تقتضيه العبودية؛ لأن مقتضى العبودية أن يكون قائمًا بالواجب، فالإنسان

стр. 868

قد يسرف في الواجب وفي المحرم وفي المباح أيضًا، كما لو أسرف في الإنفاق على نفسه وعلى أهله فإنه داخل في الإسراف. وقوله: ﴿فِي أَمْرِنَا﴾ المراد بالأمر هنا الشأن أي في شأننا، وهو مفرد مضاف فيعم جميع الأمور. ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾: ثبّت أقدامنا عند ملاقاة الأعداء وعند حلول الشبهات وعند ورود الشهوات، والإنسان محتاج إلى أن يثبِّته الله في مواطن القتال، إذ لو لم يثبته الله لفرَّ. ومحتاج إلى أن يثبِّته الله عند الشبهات، إذ لو لم يثبته الله لزاغ. ومحتاج إلى أن يثبته الله عند الشهوات، إذ لو لم يثبته الله لهلك. وكثير من الناس ينزلقون عند وجود الشبهات فتجده ذا يقين، ولكنه إذا وردت عليه أدنى شبهة تأثر لأنه لم يثبت. كثير من الناس أيضًا يكون عنده علم ويقين، وليس عنده شك ولكن الشهوة قد تغلبه فلا يثبت. فالمطلوب تثبيت الأقدام في كل موضع يمكن أن تزل فيه، فيدخل في ذلك كما قلت تثبيت الأقدام عند القتال كما هو سياق الآيات، وتثبيت الأقدام عند الشبهات، وتثبيت الأقدام عند الشهوات. ﴿وَانْصُرْنَا﴾: انصرنا يعني اجعل النصر لنا، وهو الغلبة ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ يعني الكافرين بالله، فيدخل في ذلك أن ينصرك الله على نفسك؛ لأن نفسك إن لم ينصرك الله عليها فإنها تأمرك بالسوء ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]. ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] فإذا لم ينصرك الله عليها أهلكتك، وإذا نصرك الله عليها

стр. 869

وجعل الغلبة للنفس المطمئنة سلمت منها، ويدخل في النصر على القوم الكافرين النصر على الشيطان، فإن الشيطان كافر، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] ويدخل في ذلك النصر على كفار الإنس، وذلك حين قتالهم فإن الإنسان إذا لم ينصره الله عليهم فإنه لا ناصر له كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن هؤلاء الربيين الذين قاتلوا مع النبي كملت منهم الأفعال والأقوال، من الأفعال قوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران: ١٤٦] ومن الأقوال: أنهم لجأوا إلى الله بسؤال المغفرة، مغفرة الذنوب والإسراف في الأمر، لأنهم يعلمون أن ما أصابهم إنما هو بسبب الذنوب. ٢ - أنَّه ينبغي على الإنسان أن يدعو الله تعالى بهذا الدعاء لاسيما عند ملاقاة الكفار حتَّى ينتصر عليهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. ٣ - أن الإنسان مفتقر إلى مغفرة الله؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، ولو كان غنيًا عنها ما سألها ولكنه مفتقر إليها غاية الافتقار، حتَّى إن النبي ﵊ لمّا حدّث أصحابه أنَّه لن يدخل الجنَّةَ أحد بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلَّا أن يتغمدني الله برحمته" (١).

стр. 870

٤ - أن الإنسان لا يخلو من الإسراف على نفسه إما في غلو وإما في تقصير، وجه ذلك أن سؤالهم الله أن يغفر لهم الإسراف يدل على وجود هذا الشيء، وأنت إذا تأملت نفسك وجدت أنك لن تخلو من الإسراف. ٥ - أن الإنسان مفتقر إلى تثبيت القدم من الله ؛ لقوله: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾، وقد ذكرنا أن هذا يشمل ثلاثة مواطن: عند مواجهة الأعداء، وعند الشبهات، وعند الشهوات. ٦ - أن الله إذا لم ينصرك على عدوك، فإنك لن تنتصر؛ لقوله: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ فإن قلت: هل هذا يعارض أمر الله باتخاذ ما نستطيع أو بإعداد ما نستطيع للأعداء من القوة؟ فالجواب: لا، لأنك إذا سألت الله شيئًا فإن المطلوب منك أن تسعى في حصوله وإيجاده، ولهذا لو سألت الله الجنَّةَ، فالمطلوب منك أن تعمل لها لا أن تقول: اللهم إني أسألك الجنَّةَ وتترك العمل، كذلك إذا سألنا الله أن ينصرنا على القوم الكافرين فان علينا أن نفعل من الأسباب ما نستطيع، سواء كانت هذه الأسباب معنوية أو مادية. * * * • ثم قال الله تعالى مبينًا ما ترتب على حسن حالهم ومقالهم: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨]: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ آتاهم: أي أعطاهم الله. و"أتى": تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر؛ لأنها من باب كسا وأعطى.

стр. 871

﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ المفعول الأول هنا: الهاء في آتاهم، والثاني: ثواب ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي جزاءها وذلك بالنصر على أعدائهم والغنيمة فيمن تحل له الغنيمة. ومعلوم أنَّه لا تحل الغنيمة إلَّا لهذه الأمة، لكن المراد النصر على الأعداء والعزة والغلبة عليهم، وحُسْن ثواب الآخرة، ولم يقل: ثواب الآخرة، بل قال: حسن؛ لأن ثواب الآخرة الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وليس ثواب مكافأة فقط، إذ لو كان ثواب مكافأة فقط لكان الحسنة بمثلها، لكنه ثواب حُسْن وفضل، ولهذا قال: ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ هذا وجه، والوجه الثاني أنَّه لم يعبر عن ثواب الدنيا بالحسن؛ لأن الدنيا مهما كانت فهي دار شقاء وعناء وكدر، لا يمكن أن يخلو صفوها من كدر، ولهذا لم يقل: حسن ثواب الدنيا، إذ إنه في الحقيقة ليس له حسن، وهو إن كان حسنًا فهو حسن نسبي وإلَّا ففيه حسن لا شك ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] لكنه أمر نسبي حتَّى المنعمون بالنعمة تجدهم أحيانًا يأتيهم ما ينغص عليهم هذه النعمة. وقوله: ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ يعني يوم القيامة، وذلك برفعة الدرجات في جنات النعيم، والنجاة من دركات الجحيم. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني أنهم هم محسنون فأحبهم الله ، وكان من مقتضى محبته لهم هذا الثواب الحاصل في الدنيا وفي الآخرة. وقوله: ﴿يُحِبُّ﴾ المحبة صفة من صفات الله حقيقة، فهو يحب حقيقة، وليست محبته بمعنى الثواب أو الجزاء

стр. 872

كما قاله بعض أهل التحريف الذين ينكرون من الصفات ما ينكرون ومنها المحبة، فإنهم ينكرونها؛ ويقولون: إن الله لا يحب بل ولا يُحب، وتعليلهم أن الحب لا يكون إلَّا بين متجانسين، مخلوق ومخلوق، ولكن نقول لهم: هذا باطل. فالحب قد يكون بين شيئين متباعدين ومنه قول الرسول ﷺ : "أُحد جبل يحبنا ونحبه" (١) وهو جماد، ومن الأشياء المحسوسة الملموسة أن الإنسان يحب أثاثه وأمتعته ورواحله وسياراته ودوره؛ يحبها محبة ظاهرة ملموسة محسوسة وهي ليست من جنسه فهي من جنس آخر، بل هي أيضًا دونه؛ لأنها ملكه، فهذا التعليل الذي نفوا به صفة المحبة لله تعليل باطل. وقوله: ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يشمل المحسنين في عبادة الله والمحسنين إلى عباد الله؛ أما المحسنون في عبادة الله فقد بيَّن الرسول ﷺ كيف يكون الإحسان فقال حين سأله جبريل عن الإحسان: "أن تعبد الله كأَنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (٢)، يعني أن تعبد الله تعالى طلبًا مع اليقين التام، فإن لم تصل إلى هذه الدرجة فلا أقل من الدرجة الثانية، وهي أن تعبد الله هربًا، تعبده كأنه يراك فتهرب من عقابه بالقيام بطاعته، فالإحسان حقيقة يشير فيه الرسول ﷺ إلى أنَّه نوعان: إحسان بطلب، وإحسان بهرب. الأول: أن تعبد الله كأنك تراه، فتطلبه طلب الوصول إليه. والثاني: كأنه يراك فتخافه وتخشاه وتعظمه، والأول أكمل من الثاني. هذا هو القول الراجح في معنى الحديث، وإن كان بعضهم

стр. 873

يقول: إنه مرتبة واحدة، وأن المعنى: إن لم تكن تراه فإنه يراك قريب من المعنى الأول، فالجملتان قريبتان من الترادف، والصواب ما قلناه أولًا، وإذا كان يحب المحسنين؛ فإنه يترتب على محبة الله أشياء كثيرة، منها ما يكون في الدنيا ومنها ما يكون في الآخرة؛ فما يكون في الدنيا فإن الله إذا أحب الإنسان سدد أعماله وخطواته وأقواله وأفعاله، كما جاء في الحديث الصحيح: "من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه. . ." (١) هذا من فوائد محبة الله. ومن فوائد محبة الله تيسير فعل الطاعة وترك المعصية، وذلك لأن الإنسان إذا أحب شيئًا طلب الوصول إليه؛ فإذا كان يحب المال طلب الوصول إلى المال بالبيع والشراء والتأجير وغير ذلك، وإذا أحب شخصًا طلب الوصول إليه بمصاحبته ومصادقته، وإذا أحب أي شيء فإنه يطلب الوصول إليه، فإذا أحب الله العبد أحبه العبد فطلب الوصول إليه. ومن فوائد محبة الله للعبد أن الله تعالى يلقي في قلوب العباد محبته، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]. وجاء في الحديث: "أن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل: إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه

стр. 874

أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" (١) فيكون مقبولًا عند الناس. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الله أثاب هؤلاء الذين أحسنوا في مقالهم وفعالهم بثواب الدنيا وثواب الآخرة. ٢ - أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه؛ فهو يثيب الطائع بثوابين: ثواب في الدنيا وثواب في الآخرة، بخلاف العقوبة: فإن الله تعالى لا يجمع بين عقوبتين، فإذا شرَّع عقوبة في الدنيا على ذنب فإنه لا يعاقب به في الآخرة، كما جاء في الحديث: "إن الحدود كفارة" (٢). الحدود يعني العقوبات كحد الزنا والسرقة إنها كفارة لأصحابها، وقال النبي ﷺ للمتلاعنين: "عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة" (٣)، بل إن الله تعالى قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، فلن يجمع الله للإنسان عقوبتين على معصية، عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة، لكن يجمع بين ثوابين في الطاعة ثوابًا في الدنيا وثوابًا في الآخرة؛ لأن رحمة الله سبقت غضبه.

стр. 875

فإن قال قائل: في بعض الآيات رتَّب الله على بعض الأعمال -مثل من حارب الله أو سعى في الأرض فسادًا- عذابين في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ ثم ذكر في النهاية ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. فالجواب: صحيح أن هذا الخزي ينالهم في الدنيا، ولكن لعل هذا لعظم أفعالهم صار لهم الحد في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وإلَّا فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما: "أن من أصاب شيئًا من هذه الدنوب والمعاصي فأقيم عليه في الدنيا، فإنه كفارة له". ولقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] وأن الله لا يجمع للإنسان عقوبتين على المعصية. وقد يقال: لشدة جرمهم وذنبهم يجمع لهم بين هذا وهذا. ٣ - الإشارة إلى خفة شأن الدنيا بالنسب! للآخرة، تؤخذ من قول الله تعالى: ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ كأن الدنيا ليست بشيء حتَّى يكون فيها حسن كما قررنا. ففيه إشارة إلى أن العاقل ينبغي له أن يعتني بثواب الآخرة الذي هو حسن. ٤ - إثبات البعث والجزاء؛ لقوله: ﴿ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾. ٥ - إثبات المحبة لله، وهي صفة حقيقية ثابتة لله على الوجه اللائق به. وهكذا جميع الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة، كالرضا والفرح والعجب، يجب علينا أن نؤمن بها على أنَّها حق على حقيقتها؛ لأن الله خاطبنا بالقرآن بلسان عربي مبين. ولم

стр. 876

يأتِ عن الصحابة ولا عن الأئمة أنهم حرَّفوا هذه النصوص عن ظواهرها، وهذا يدل على أنهم أقرَّوا بها كما جاءت على ما هي عليه، وهذا مذهب السلف ومذهب أهل السنة والجماعة وفيه الراحة والطمأنينة؛ لأن الإنسان إذا لاقى ربه وقد أثبت له الصفة التي دلَّ عليها القرآن والسنة فإنه يوافيه بحجة؛ لكن إذا وافى ربه وقد حرَّف وقال: معنى ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي يثيبهم فليس له حجة عند الله. ونحن نتكلم دائمًا على أن الذين أنكروا شيئًا من صفات الله بحجة عقلية نجيبهم على سبيل الإجمال بأن نقول: أولًا: أن هذا خلاف طريقة السلف؛ لأن السلف لم يستدلوا بالعقل على إثبات الصفات أو نفيها. ثانيًا: أن العقل لا مجال له في باب صفات الله؛ لأن صفات الله خبر محض، والأخبار المحضة ليس للعقول فيها مجال إطلاقًا، ثم لو قال قائل: ألا يمكن أن نقيس الغائب على الشاهد؟ قلنا: لا يمكن القياس؛ لأن الله نفى هذا القياس ونهى عنه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] نعم ربما أقيس شخصًا لم أعلم به على شخص أعلم به وأشاهده، ولكني لا يمكن أن أقيس الخالق على المخلوق؛ لأن الله نفى ذلك بل نهى عنه. ثالثًا: أن نقول لهم: إن نفيكم لما نفيتم بحجة أن العقل لا يدل عليه غير صحيح في الاستدلال عند العقلاء، وذلك لأننا لو قدرنا أن العقل لا يدل عليه فقد دلَّ عليه السمع، وانتفاء الدليل المعين لا يستلزم انتفاء المدلول. يعني إذا قلنا: هذا لا يدل على كذا، قلنا: لكن عندنا دليل

стр. 877

آخر، هب أن العقل لا يدل على ما نفيتم من الصفات لكن السمع دلَّ عليه، وهذا كما أنَّه في الأمور المعقولات فهو أيضًا في الأمور المحسوسات، لو قلت: إن هذا الطَّرِيقِ لا يؤدي إلى مكة، هل معناه أنَّه لا يمكن أن نصل إلى مكة؟ يمكن أن نصل عن طريق آخر، فهب أن العقل لا يدل على ثبوت ما نفيتم فإننا نستدل عليه بالسمع. رابعًا: أن نقول: بل إن العقل يدل عليه وأولى مما ذكرتم، يعني أن نثبت ما نفيتم بدليل العقل، نثبته بدلالة العقل إثباتًا على وجه يكون أظهر مما ذكرتم، فمثلًا: هم يقولون والكلام هنا مع الأشعرية: إن الإرادة ثابتة لله ، لأن العقل دلَّ عليها بالتخصيص، يعني كون السماء سماء والأرض أرضًا هذا تخصيص. ما الذي خصَّص أن تكون السماء سماء والأرض أرضًا؟ الإرادة: أراد الله أن تكون السماء سماء فكانت، وأن تكون الأرض أرضًا فكانت، إذن فهذا دليل عقلي على ثبوت الإرادة لله. ونقول: أنتم نفيتم الرحمة ونحن نستدل لها بالعقل! ألم تكن نعم الله عليكم لا تحصى؟ سيقولون: بلى لا تحصى. وهي آثار رحمة، ولهذا حتَّى العامة إذا جاء المطر وانتشر الخصب يقولون: هذه من رحمة الله أن أنزل علينا المطر وانتشر الخصب، بل يقولون: مطرنا بفضل الله ورحمته، يثبتون الرحمة لله بدليل عقلي. كذلك أيضًا الرضا يمكن أن نثبته بدليل العقل. فإثابة الطائعين تدل على رضا الله عنهم، إذ لو غضب لانتقم لكنه رضي فأثاب. فهذا دليل عقلي، فصار الذين ينكرون ما ينكرون من الصفات بحجة أن العقل لا يدل عليها محجوجين من أربعة أوجه كما ذكرناها سابقًا.

стр. 878

٦ - الحث على الإحسان؛ لأنَّ الإحسان سبب لغاية هي غاية كل إنسان وهي محبة الله، فإذا كان سببًا لهذه الغاية العظيمة كان مأمورًا به محثوثًا عليه. ويدلكم على أن محبة الله هي الغاية أن الله قال في كتابه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ولم يقل: فاتبعوني تصدقوا فيما ادعيتم بل قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، لأن الثمرة العظيمة هي أن الله يحبك، مع أننا نضمن أنَّه من أحب الله حقا فسيحبه الله؛ لأن الله يقول: "من أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن تقرب إلي شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت منه باعًا" (١). فإذا كانت محبتك لله صادقة فإن محبة الله لك مضمونة. لكن البلاء كل البلاء أن تدَّعي المحبة وليست محبتك صادقة، يكون قلبك مشغولًا بمحابَّ أخرى كمحبة المال ومحبة الأولاد ومحبة القصور ومحبة المراكب ومحبة النساء وهكذا، هذه المحاب تضايق محبة الله في القلب، إلَّا إذا كانت تابعة لمحبته ، ولا يقال عنا: أننا نوصد باب محبة جبلت النفوس عليها، وإنَّما نقول: محبة هذه الأشياء إذا كانت تابعة لمحبة الله صارت من محبة الله. لو أحب المال من أجل أن ينفقه في سبيل الله، كانت هذه المحبة لا تزاحم محبة الله بل تزيدها. ولو أحب النساء من أجل تكثير الأمة ومن أجل تحصين فرجه ومن أجل الفوائد التي رتبت على النكاح، كان هذا من محبة الله، لكن لمجرد قضاء الوطر تجده يتعلق

стр. 879

قلبه بكل امرأة، ما يستقر على شيء، حينئذ تكون هناك مزاحمة فتضعف محبة الله في القلب، المهم أن الشأن كل الشأن هو أن الله يحبك، هذا هو المهم. ٧ - إثبات الصفات الاختيارية لله يعني التي تتعلق بمشيئته، فإذا علّق الله الصفة على فعل علمنا أنَّها من الصفات الاختيارية المتعلقة بمشيئته. فإذا كان الإحسان سببًا لمحبة الله وهو فعل العبد وهو حادث، لزم من ذلك ثبوت المحبة المعلقة بالإحسان. والصفات الاختيارية أيضًا أنكرها الأشاعرة ونحوهم، وقالوا: لا يمكن أن يكون لله صفات حادثة اختيارية، لماذا؟ قالوا: لأننا لو أثبتنا لله صفات حادثة لزم قيام الحوادث به، والحوادث لا تقوم إلَّا بحادث، والله أزلي أبدي. فيقال: ويلكم هذا كذب أن الحوادث لا تقوم إلَّا بحادث! أليس الله يقول: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، ويقول: ﴿اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] أليس الإنسان منا إرادته ليست تابعة لوجوده، بل للإنسان إرادات تتجدد ولا يلزم أن يكون هذا المريد لم يوجد إلَّا عند وجود الإرادة بل هو سابق عليها. نحن سابقون على إرادتنا يعني أن الإنسان موجود قبل أن يريد، فلا يلزم تساوي الإرادة مثلًا أو الأفعال الاختيارية مع الوجود، فالإنسان يفعل أفعالًا كثيرة متجددة لم تكن معه حين وجوده، فكذلك الرب يفعل ما يريد أفعالًا لم تكن معه أزلية بل هي حادثة، لكن قد تكون حادثة النوع وقد تكون حادثة الآحاد، ويكون نوعها قديمًا أزليًا.

стр. 880

فالكلام مثلًا قديم أزلي لم يزل الله متكلمًا لكن آحاده حادثة لا شك ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ونحن نعلم أن مرادات الله تقع ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] يحيي ويميت، يعز ويذل، يرزق ويمنع، وكل هذه الأشياء بإرادة مقرونة بالقول: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ومع ذلك لا يلزم منه أن يكون حادثًا. فتعليلهم هذا النفي الذي سلكوه تعليل عليل يوجب الوصف بالنقص. فانظر كيف كان أهل الباطل يفرون مما يعتقدونه باطلًا، فيقعون في شيء هو أبطل منه وأشر منه، مع تطاولهم على تحريف النصوص وتعطيل الله عما وصف به نفسه، فهم محرفة ومعطلة واقعون في شر مما فروا منه. فإن قال قائل: وهل يؤثر أخذ المغنم على الثواب الأخروي لحديث: "ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلَّا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم. . ." (١)؟ الجواب: أن أخذ المغنم لا يؤثر على الثواب الأخروي إذا خلصت النية أن تكون كلمة الله هي العليا، لكن قد يكون بعض المجاهدين يغلِّب جانب الغنيمة، فمن هنا ينقص الأجر كثيرًا حسب التغليب الذي قام في قلبه، فالحديث يحتاج إلى نظر في سببه، فلربما يكون سببه يدل على أن لهم إرادة في الدنيا.
следующие страницы →