← Тафсир

Тафсир · id 545

تفسير العثيمين: آل عمران

ابن عثيمين

Полный текст (1 207 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

يأتِ عن الصحابة ولا عن الأئمة أنهم حرَّفوا هذه النصوص عن ظواهرها، وهذا يدل على أنهم أقرَّوا بها كما جاءت على ما هي عليه، وهذا مذهب السلف ومذهب أهل السنة والجماعة وفيه الراحة والطمأنينة؛ لأن الإنسان إذا لاقى ربه وقد أثبت له الصفة التي دلَّ عليها القرآن والسنة فإنه يوافيه بحجة؛ لكن إذا وافى ربه وقد حرَّف وقال: معنى ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي يثيبهم فليس له حجة عند الله. ونحن نتكلم دائمًا على أن الذين أنكروا شيئًا من صفات الله بحجة عقلية نجيبهم على سبيل الإجمال بأن نقول: أولًا: أن هذا خلاف طريقة السلف؛ لأن السلف لم يستدلوا بالعقل على إثبات الصفات أو نفيها. ثانيًا: أن العقل لا مجال له في باب صفات الله؛ لأن صفات الله خبر محض، والأخبار المحضة ليس للعقول فيها مجال إطلاقًا، ثم لو قال قائل: ألا يمكن أن نقيس الغائب على الشاهد؟ قلنا: لا يمكن القياس؛ لأن الله نفى هذا القياس ونهى عنه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] نعم ربما أقيس شخصًا لم أعلم به على شخص أعلم به وأشاهده، ولكني لا يمكن أن أقيس الخالق على المخلوق؛ لأن الله نفى ذلك بل نهى عنه. ثالثًا: أن نقول لهم: إن نفيكم لما نفيتم بحجة أن العقل لا يدل عليه غير صحيح في الاستدلال عند العقلاء، وذلك لأننا لو قدرنا أن العقل لا يدل عليه فقد دلَّ عليه السمع، وانتفاء الدليل المعين لا يستلزم انتفاء المدلول. يعني إذا قلنا: هذا لا يدل على كذا، قلنا: لكن عندنا دليل

стр. 877

آخر، هب أن العقل لا يدل على ما نفيتم من الصفات لكن السمع دلَّ عليه، وهذا كما أنَّه في الأمور المعقولات فهو أيضًا في الأمور المحسوسات، لو قلت: إن هذا الطَّرِيقِ لا يؤدي إلى مكة، هل معناه أنَّه لا يمكن أن نصل إلى مكة؟ يمكن أن نصل عن طريق آخر، فهب أن العقل لا يدل على ثبوت ما نفيتم فإننا نستدل عليه بالسمع. رابعًا: أن نقول: بل إن العقل يدل عليه وأولى مما ذكرتم، يعني أن نثبت ما نفيتم بدليل العقل، نثبته بدلالة العقل إثباتًا على وجه يكون أظهر مما ذكرتم، فمثلًا: هم يقولون والكلام هنا مع الأشعرية: إن الإرادة ثابتة لله ، لأن العقل دلَّ عليها بالتخصيص، يعني كون السماء سماء والأرض أرضًا هذا تخصيص. ما الذي خصَّص أن تكون السماء سماء والأرض أرضًا؟ الإرادة: أراد الله أن تكون السماء سماء فكانت، وأن تكون الأرض أرضًا فكانت، إذن فهذا دليل عقلي على ثبوت الإرادة لله. ونقول: أنتم نفيتم الرحمة ونحن نستدل لها بالعقل! ألم تكن نعم الله عليكم لا تحصى؟ سيقولون: بلى لا تحصى. وهي آثار رحمة، ولهذا حتَّى العامة إذا جاء المطر وانتشر الخصب يقولون: هذه من رحمة الله أن أنزل علينا المطر وانتشر الخصب، بل يقولون: مطرنا بفضل الله ورحمته، يثبتون الرحمة لله بدليل عقلي. كذلك أيضًا الرضا يمكن أن نثبته بدليل العقل. فإثابة الطائعين تدل على رضا الله عنهم، إذ لو غضب لانتقم لكنه رضي فأثاب. فهذا دليل عقلي، فصار الذين ينكرون ما ينكرون من الصفات بحجة أن العقل لا يدل عليها محجوجين من أربعة أوجه كما ذكرناها سابقًا.

стр. 878

٦ - الحث على الإحسان؛ لأنَّ الإحسان سبب لغاية هي غاية كل إنسان وهي محبة الله، فإذا كان سببًا لهذه الغاية العظيمة كان مأمورًا به محثوثًا عليه. ويدلكم على أن محبة الله هي الغاية أن الله قال في كتابه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ولم يقل: فاتبعوني تصدقوا فيما ادعيتم بل قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، لأن الثمرة العظيمة هي أن الله يحبك، مع أننا نضمن أنَّه من أحب الله حقا فسيحبه الله؛ لأن الله يقول: "من أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن تقرب إلي شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت منه باعًا" (١). فإذا كانت محبتك لله صادقة فإن محبة الله لك مضمونة. لكن البلاء كل البلاء أن تدَّعي المحبة وليست محبتك صادقة، يكون قلبك مشغولًا بمحابَّ أخرى كمحبة المال ومحبة الأولاد ومحبة القصور ومحبة المراكب ومحبة النساء وهكذا، هذه المحاب تضايق محبة الله في القلب، إلَّا إذا كانت تابعة لمحبته ، ولا يقال عنا: أننا نوصد باب محبة جبلت النفوس عليها، وإنَّما نقول: محبة هذه الأشياء إذا كانت تابعة لمحبة الله صارت من محبة الله. لو أحب المال من أجل أن ينفقه في سبيل الله، كانت هذه المحبة لا تزاحم محبة الله بل تزيدها. ولو أحب النساء من أجل تكثير الأمة ومن أجل تحصين فرجه ومن أجل الفوائد التي رتبت على النكاح، كان هذا من محبة الله، لكن لمجرد قضاء الوطر تجده يتعلق

стр. 879

قلبه بكل امرأة، ما يستقر على شيء، حينئذ تكون هناك مزاحمة فتضعف محبة الله في القلب، المهم أن الشأن كل الشأن هو أن الله يحبك، هذا هو المهم. ٧ - إثبات الصفات الاختيارية لله يعني التي تتعلق بمشيئته، فإذا علّق الله الصفة على فعل علمنا أنَّها من الصفات الاختيارية المتعلقة بمشيئته. فإذا كان الإحسان سببًا لمحبة الله وهو فعل العبد وهو حادث، لزم من ذلك ثبوت المحبة المعلقة بالإحسان. والصفات الاختيارية أيضًا أنكرها الأشاعرة ونحوهم، وقالوا: لا يمكن أن يكون لله صفات حادثة اختيارية، لماذا؟ قالوا: لأننا لو أثبتنا لله صفات حادثة لزم قيام الحوادث به، والحوادث لا تقوم إلَّا بحادث، والله أزلي أبدي. فيقال: ويلكم هذا كذب أن الحوادث لا تقوم إلَّا بحادث! أليس الله يقول: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، ويقول: ﴿اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] أليس الإنسان منا إرادته ليست تابعة لوجوده، بل للإنسان إرادات تتجدد ولا يلزم أن يكون هذا المريد لم يوجد إلَّا عند وجود الإرادة بل هو سابق عليها. نحن سابقون على إرادتنا يعني أن الإنسان موجود قبل أن يريد، فلا يلزم تساوي الإرادة مثلًا أو الأفعال الاختيارية مع الوجود، فالإنسان يفعل أفعالًا كثيرة متجددة لم تكن معه حين وجوده، فكذلك الرب يفعل ما يريد أفعالًا لم تكن معه أزلية بل هي حادثة، لكن قد تكون حادثة النوع وقد تكون حادثة الآحاد، ويكون نوعها قديمًا أزليًا.

стр. 880

فالكلام مثلًا قديم أزلي لم يزل الله متكلمًا لكن آحاده حادثة لا شك ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ونحن نعلم أن مرادات الله تقع ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] يحيي ويميت، يعز ويذل، يرزق ويمنع، وكل هذه الأشياء بإرادة مقرونة بالقول: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ومع ذلك لا يلزم منه أن يكون حادثًا. فتعليلهم هذا النفي الذي سلكوه تعليل عليل يوجب الوصف بالنقص. فانظر كيف كان أهل الباطل يفرون مما يعتقدونه باطلًا، فيقعون في شيء هو أبطل منه وأشر منه، مع تطاولهم على تحريف النصوص وتعطيل الله عما وصف به نفسه، فهم محرفة ومعطلة واقعون في شر مما فروا منه. فإن قال قائل: وهل يؤثر أخذ المغنم على الثواب الأخروي لحديث: "ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلَّا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم. . ." (١)؟ الجواب: أن أخذ المغنم لا يؤثر على الثواب الأخروي إذا خلصت النية أن تكون كلمة الله هي العليا، لكن قد يكون بعض المجاهدين يغلِّب جانب الغنيمة، فمن هنا ينقص الأجر كثيرًا حسب التغليب الذي قام في قلبه، فالحديث يحتاج إلى نظر في سببه، فلربما يكون سببه يدل على أن لهم إرادة في الدنيا.

стр. 881

• قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩ - ١٥٠]. صدَّر الله هذه الآية بالنداء، والتصدير بالنداء يدل على العناية بما سيوجه للمخاطب، وذلك لأن النداء يفيد التنبيه، ولا ينبه الإنسان إلَّا لشيء مهتم به. فإذا وجَّه الله الخطاب، أو إذا صدَّر الخطاب بالنداء فهو دليل على العناية به لأهميته، ثم وجّه إلى العباد باسم الإيمان ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والغرض من ذلك هو: أولًا: الإغراء والتشجيع على قبول ما يلقى؛ لأن الإيمان هو الذي يحمل الإنسان على قبول ما أمره الله به وعلى ترك ما نهى الله عنه. ولهذا قال ابن مسعود ﵁: "إذا قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه". ويفيد أيضًا فائدة ثانية، وهي: أن قبول المذكور من مقتضيات الإيمان. كما أنك لو وجهت إلى شخص كريم وقلت له: يا أيها الكريم، أعط الفقير وأعن المحتاج، فهو يدل على أن إعطاء الفقير وإعانة المحتاج من مقتضى كرمه، إذن قبول ما يأتي بعد هذا الخطاب يكون من مقتضى الإيمان. الفائدة الثالثة أو الغرض الثالث: أن عدم قبوله نقص في الإيمان؛ لأنه إذا وجَّه الخطاب إلى إنسان بلفظ الإيمان ولكن لم يمتثل فهذا نقص في إيمانه؛ لأن ما يأتي بعد النداء بـ ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 882

الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إما مأمور به أو منهي عنه أو مخبر به، فترك المأمور به نقص في الإيمان، والوقوع في المحظور نقص في الإيمان، والتكذيب بالخبر نقص في الإيمان. استمع إلى هذا الخبر من الله ، خبر من العليم بكل شيء : ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: (إن) هنا شرطية، وفعل الشرط (تطيعوا) مجزوم بحذف النون والواو فاعل؛ لأنه من الأفعال الخمسة. أما جواب الشرط فهو قوله: ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ وهو مجزوم بحذف النون والواو فاعل. قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إذن هناك أمر موجه من الكفار إلى المؤمنين؛ لأن الطاعة تقابل الأمر، أو نهي موجه من الكافرين إلى المؤمنين يأمرونهم بالفحشاء وينهونهم عن المعروف، فإن أطعتموهم في ذلك فالجواب: يردوكم على أعقابكم. وقوله: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عامة تشمل اليهود والنصارى والمشركين والملاحدة الذين ليس لهم دين ولا يتعبدون بشيء، أي واحد من الكفرة إذا أمرك بشيء فأطعته فإنه يردك على أعقابك فتنقلب خاسرًا. وقوله: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي فيما يتعبد به الله، أما في المسائل الأخرى كمسائل الصناعة مثلًا فإنه لا يدخل في الآية بلا شك، فلو أن مهندسًا من الكفار أمرك أن تصنع كذا لتكون النتيجة كذا فإنه لا يدخل في الآية، إنما يقصد به ما يكون

стр. 883

على سبيل التعبد كأن يأمرك بالفحشاء مثل شرب الخمر والسرقة وسوء الأخلاق، أو ينهاك عن المعروف؛ ينهاك عن الصلاة، أو ينهاك عن الإخلاص لله وما أشبه ذلك. ﴿أَعْقَابِكُمْ﴾: الأعقاب جمع عقب، وهو مؤخرة القدم، ويقال له: العرقوب يعني يجعلونكم تمشون على الخلف، ومعلوم أن الذي يمشي على الخلف سوف يقع في الحفر ويطأ الشوك والحصى، وهذا قريب من قوله: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]. ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ الانقلاب يقتضي التحول من حال إلى حال، ولهذا يقال: انقلب في فراشه من الجنب الأيمن إلى الجنب الأيسر. إذن هناك تحول من حال إلى أخرى إذا أطعنا هؤلاء الكفار. وقوله: ﴿خَاسِرِينَ﴾ هذه حال من الواو في قوله: (فتنقلبوا) أي تكونوا في خسارة بعد أن كنتم في ربح؛ لأن الإيمان ربح كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١، ٢] كل إنسان، ولهذا "ال" هنا للعموم أي أن كل إنسان في خسر. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] الذين اتصفوا بهذه الصفات الأربع هم الرابحون، ومن سواهم فهو خاسر عصره. وهذه الحكمة من أن الله أقسم بالعصر دون غيره؛ لأن العصر هو خزائن الأعمال. فإذا لم يقم الإنسان بهذه الصفات الأربع خسر عصره وكان عمره خسارة. ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ لأنكم تحولتم من الإسلام إلى الكفر،

стр. 884

وفي آية أخرى سبقت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٠]، فهنا قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهناك قال: ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. لأن الذين أوتوا الكتاب بعضهم فيه خير، كما قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]. وهذا من بلاغة القرآن لما قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] فريقًا منهم. أما الكفار فكل الكافرين يريدون منا أن نكفر، وأن ننقلب على أعقابنا خاسرين. فإن قال قائل: لمَ لا نحمل قوله ﴿فَرِيقًا﴾ على العموم فيشمل كل أهل الكتاب لقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١] أي: كل يهودي وكل نصراني؟ فالجواب: أن يقال: الآية صريحة ﴿فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] لأن بعض أهل الكتاب معهم نصح لكن ليس كلهم، ثم إن أهل الكتاب في الحقيقة في الوقت الحاضر ليس فيهم نصح؛ لأن الذين فيهم مودة للذين آمنوا أو أقرب الناس مودة هم الذين إذا ﴿سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، هؤلاء قريبون من المؤمنين، يتأثرون بأدنى دعوة ويدخلون في الإسلام، أما نصارى اليوم فالظاهر أنهم كيهود الأمس معاندون ضد الإسلام، ولا يريدون أن تقوم للإسلام قائمة. ولكن الإسلام دين الفطرة تتقبله النفوس وتطمئن إليه، وهو أمر يحث الدعاة المخلصين من المسلمين، والقلوب بيد الله .

стр. 885

ثم قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾: (بل) هنا للإضراب الإبطالي، لكنه إبطال شيء مقدر؛ لأن طاعتنا للكفار تكون لرجاء أو خوف، يعني نحن لو أطعنا الكفار فإما أن نطيعهم رجاء، وإما أن نطيعهم خوفًا؛ رجاء أن ينصرونا أو يمدونا بالمال وما أشبه ذلك، أو خوفًا من أن يسطوا علينا وأن يحاربونا ويقاتلونا. هنا حسن الإضراب تمامًا فقال: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ يعني لا تطيعوهم وتتولوهم فإن لكم مَنْ هو خير من ولايتهم وهو الله. ولهذا يعتبر هذا الإضراب إضرابًا إبطاليًا لشيء مقدر ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أجل أن يكونوا لكم أولياء فإنهم سوف ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. ثم قال: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ إذا كان الله مولانا فإنه لا يهمنا أحد من الخلق ما دمنا نؤمن بأن الله هو مولانا بما معنا من الأوصاف التي نستحق بها الولاية، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولن يهمونا أبدًا مهما كانوا من القوة، ومهما كانوا من الصناعة، ومهما كانوا من المال؛ لأن معنا الله وهو الذي يقول للشيء كن فيكون، ولكن الله يأمرنا أن نقاتل بأيدينا، فإذا أعيتنا القدرة مع القيام بما يجب حينئذ جاءنا نصر من الله لا قِبَل للبشر به، وهذه حقيقة يجب أن نفهمها. نحن مأمورون بأن نعدَّ العدة وأن نقاتل، لكن إذا جاءنا من لا طاقة لنا به حينئذ يأتي نصر من الله ليس لنا به طاقة ولا لغيرنا، وله شواهد في التاريخ. فموسى ﵇ لما خرج من مصر وكان فرعون قد

стр. 886

جمع له جميع أهل المدائن، كل المدن جميعهم من أجل القضاء على موسى وقومه وقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] ليخفف شأنهم عند قومه حتى يستعدوا ويهموا بالقضاء عليهم، ووصلوا إلى البحر. هل للإنسان طاقة بالبحر؟ ليس له طاقة، ولهذا قال قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] لأن البحر أمامهم وفرعون وجنوده خلفهم فكيف ينجون منهم؟ قال: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]. فأمره سبحانه أن يضرب البحر فضربه مرة واحدة بعصا تحمل باليد، مرة واحدة فقط، فانفلق اثني عشر طريقًا يبسًا بلحظة، هذه الأرض الرطبة التي هي وحل وطين صارت بلحظة يبسًا، وها هو الماء السيال صار كل فرق منه كالطود العظيم كالجبل، جبال واقفة ليست سيالة. حتَّى إن بعض العلماء يقول: إن الله تعالى جعل في هذه الكتل المائية فرجًا حتَّى ينظر بنو إسرائيل بعضهم إلى بعض؛ لأن الإنسان في وسط الماء، المياه عن يمينه ويساره يخشى أن أصحابه قد غرقوا فجعل الله لهم فُرَجًا في هذه الأطواد ينظر بعضهم إلى بعض، بلحظة لا طاقة للبشر بها. فمن كان الله مولاه فهو منصور. خرجوا من البحر ناجين، ثم دخل فرعون وقومه في البحر، ولمَّا تكاملوا داخلين، أمر الله البحر أن ينطبق فانطبق بلحظة فأغرق فرعون وجنوده، وكان فرعون قد أرعب بني إسرائيل فأخرجه الله جل وعلا لهم جسدًا ينظرون إليه ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢] فاطمأنوا أنَّه هلك.

стр. 887

وفيما يذكر من تاريخ هذه الأمة الإسلامية أن العلاء بنُ الحضرمي لما وصل إلى البحرين وجد البحر أمامه وليس معه سفن، فدعا الله فعبر الماء على أقدامه والخيول والإبل كلها تمشي على الماء كأنما تمشي على صفا من حجر، هذه ليس لنا بها طاقة. وكذلك أيضًا ما يذكر عن سعد بنُ أبي وقاص عند فتح المدائن أنَّه وصل إلى دِجْلة وهي تقذف زبدًا من قوة الجريان، وقد عبرها الفرس بسفنهم وجسورهم وكسروا الجسور وأغرقوا السفن، ولم يبق للمسلمين شيء يعبرون به، فقال سعد بنُ أبي وقاص لسلمان الفارسي: أعطنا من آرائك؛ لأنه ﵁ كان ذا رأي في الحرب، وهو الذي أشار بحفر الخندق على المدينة في عام الأحزاب فقال: والله لا أرى حيلة في هذا، البحر بين أيدينا وليس معنا سفن ولا جسور ولكن دعني أنظر في القوم، إن كانوا على ما ينبغي وهم أهل للنصرة فليس بنو إسرائيل بأولى منا من النصرة، والله قد فلق البحر لهم فعبروا. فذهب فوجد القوم فرسانًا في النهار رهبانًا بالليل؛ في الليل ركوعًا وسجودًا، وفي النهار يصلحون معدات الحرب ويستعدون. فرجع إليه بعد ثلاث وقال: إني وجدت القوم على أحسن ما يرام، ولكن توكل على الله، فنادى سعد بالرحيل وأنه سوف ينفذ البحر وقال: إني مكبر ثلاثًا، فإذا كبّرت الثالثة فخوضوا البحر باسم الله ففعلوا، فيقال -سبحان الله- إنهم عبروا كلهم بخيلهم ورجلهم وإبلهم. حتَّى إن بعض المؤرخين ذكر أن الخيل إذا تعبت أنشأ الله لها ربوة تقف عليها وتستريح، هذا نصر ليس لنا به طاقة لكنه من الله . ولهذا قال هنا: لا تراءوا الكافرين ولا

стр. 888

تطيعوهم استجلابًا للنصر أو خوفًا منهم؛ لأن لكم وليًّا أعظم منهم وهو الله . ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾: يعني خير من ينصر، بل هو خير الناصرين، وأعظم الناصرين وأقدرهم وأقواهم : ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠] لا أحد. فالإضراب هنا من أحسن ما يكون في هذا الموضع ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ أي خير مَنْ ينصر. من فوائد الآيتين الكريمتين: ١ - فضيلة الإيمان حيث يوجه الخطاب إلى الناس بوصف الإيمان في مقام الإرشاد والتنبيه، وأن الإيمان مقتضٍ للامتثال. ٢ - أنَّه لا يجوز لنا أن نطيع الكافرين؛ لأن طاعتهم وسيلة إلى الكفر ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. ٣ - وجوب الحذر من الكفار، وأنهم لا يمكن أن يدبروا أمرًا فيه مصلحة للمسلمين والإسلام أبدًا، إن ذلك مستحيل، حتَّى الحلفاء الذين يكون بينهم وبين المسلمين حلف فإنه لا يمكن أن يحالفوا المسلمين إلَّا لمصلحتهم قطعًا. فخزاعة كان بينها وبين الرسول ﷺ حلف في صلح الحديبية لكن لمصلحتهم. ٤ - أن طاعة الكفار نتيجتها الحتمية الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. الكفار يأخذوننا شيئًا فشيئًا، يوردون علينا أشياء نطيعهم فيها، وهل يقفون عند هذا الحد؟ لا، لا يقفون، يدخلون أشياء

стр. 889

حتَّى ننقلب على أعقابنا، وليس معنى ذلك أن نسجد لهم ونركع لهم. كلا، بل إذا خرج الإنسان من دينه كفى، ولهذا يذكر عن بعض رؤسائهم أنَّه قال: نحن نسعى للتنصير لا من أجل أن نخرج المسلم من دينه إلى النصرانية؛ لأن دين النصرانية معروف بعيد عن الفطرة، وأعني بدين النصرانية الذي هم عليه الآن، أما ما جاء به المسيح فهو حق، لكن ما جاء به المسيح قد انتهى ونسخ بالدين الإسلامي. يقول: (نحن لا نريد أن نخرج المسلم من دينه إلى النصرانية لكن يكفينا أحد أمرين: إما أن نخرجه من دينه إلى (لا دين) ويكون بهيميًا ليس همه إلَّا بطنه وفرجه ومتعه، وإما أن نشككه في الدين)، ومعلوم أن الإيمان لا يصح مع الشك، الإيمان يقين إذا كان عند الإنسان أدنى تردد فليس بمؤمن، لا إيمان مع التردد. هم يقولون: يكفي أن نخرجه إلى أن يكون بهيميًا أو مترددًا شاكًا حائرًا، هذه نتيجة كفرية. ٥ - أن الكفر خسارة؛ لقوله: ﴿فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِيِنَ﴾ وإذا كان الكفر خسارة فالإيمان ربح، ولهذا لا نجد أحدًا أربح من المؤمن في هذه الدنيا، حتَّى لو كان فقيرًا ولو كان وحيدًا ليس عنده أموال ولا بنون، فإنه أربح من الكافر؛ لأن الكافر قد خسر الدنيا والآخرة، ولم يستفد من دنياه حقيقة وإنَّما يعيش كما تعيش البهائم كما قال أعلم العالمين: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾، سبحان الله مثال منطبق تمامًا ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] نتيجة سيئة (النار مثوى لهم) يخرجون من الدنيا والعياذ بالله التي نعموا فيها إلى نار جهنم، وحينئذ يكون خروجهم أشد وأصعب بخلاف المؤمن -عسى الله أن يجعلنا من المؤمنين- المؤمن يخرج من الدنيا ونكدها وتنغيصها إلى دار النعيم كما قال

стр. 890

تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ عند موتهم ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، وهذه الآية تدل على نعيم القبر؛ لأنه قال: ادخلوا الجنَّةَ الآن من موتكم. وقد ثبت في الحديث الصحيح: "يفسح له في قبره مد البصر، ويفتح له باب إلى الجنَّةَ ويأتيه من رَوْحِها ونعيمها" (١) كما هو معروف. ٦ - التحذير الشديد من طاعة الكفار وولايتهم، ومع الأسف الشديد إننا اليوم قد هان علينا الولاء والبراء، الولاء والبراء الذي يجب أن يكون من المؤمن وهو الذي به يذوق حلاوة الإيمان مفقود إلَّا مِمَّن شاء الله. كان الناس -وقد أدركناهم- إذا ذكر النصراني عند أحدهم اقشعر جلده وقال: أعوذ بالله، نصراني أو يهودي. أما الآن فيقال: إن بعض الناس من المسلمين يصف النصراني بالأخوة -أخونا فلان- كيف أخونا فلان؟ ! ماذا قال إبراهيم ﵇ هو وقومه؟ : ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾، تبرؤوا منهم قبل أن يتبرؤوا من الأصنام ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾ إلى متى؟ ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. والله يقول: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] هذه الأسوة الحسنة أن نتبرأ من

стр. 891

الكافرين، وأن نبغضهم، ونعتقد أنهم أعداء مهما ألانوا لنا القول وزخرفوه لنا، فهم أعداؤنا، ووالله لن تعود هذه العداوة ولايةً أبدًا إلى يوم القيامة. يجب علينا أن نحذر، وهنا نوجه الخطاب إلى ولاة الأمور وإلى عامة الناس بالتحذير من الكفار وولايتهم، وننصحهم بأن يتخذوهم أعداء حقيقيين كما هو الواقع، كذلك أيضًا الرعية يجب عليهم أن يبتعدوا عن الكفار ولاسيما في هذه الجزيرة؛ لأن هذه الجزيرة لها شأن خاص في إبعاد الكفار عنها. قال النبي ﷺ في مرض موته عند فراقه الدنيا يوصي أمته يقول: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" (١). ويقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتَّى لا أدعَ إلَّا مسلمًا" (٢). الأول في الصحيحين والثاني في مسلم. ويقول فيما صحَّ عنه أيضًا: "أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب" (٣). وننصح إخواننا العامة بأن يأخذوا بعين الاعتبار هذه الوصية من الرسول ﷺ وأن لا يُحضِرُوا إلى هذه البلاد أحدًا من اليهود أو النصارى أو غيرهم من الكفار إلَّا للضرورة القصوى في حدود معينة. بمعنى أن لا يحضروهم على سبيل الاستيطان المؤبد، بل يحضرونهم عند الضرورة، وتقدر الضرورة بمدة معينة لا على سبيل الاستيطان المؤبد.

стр. 892

٧ - إثبات الولاية لله ، إثبات ولاية الله تعالى للمؤمنين لأنه قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم قال: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ وهذه ولاية خاصة؛ لأن ولاية الله للخلق نوعان: عامة لكل أحد، وهذه معناها تولي الأمور سواء بنصر أو بخذلان أو غير ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦١، ٦٢]. أما الولاية الخاصة فهي خاصة بالمؤمنين ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهو ولي المتقين، فالولاية هذه خاصة ومعناها أو مقتضاها أن الله يتولى هذا الذي استحقها باللطف والعناية ويوفقه، ويفسر هذا حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال فيما يرويه عن ربه : "من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتَّى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها" (١) يعني أن الله يسدده في جميع تصرفاته، إذن هذه ولاية خاصة تختص بمن يستحقها من المؤمنين المتقين. هنا ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ والمراد بها الولاية الخاصة. ٨ - أن الله ناصر لأوليائه؛ لقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ وهذا من ولايته.

стр. 893

فإن قال قائل: كيف نجيب عما أخبر الله به في كتابه أن من الناس من قتل الأنبياء بغير حق؟ فالجواب عن هذا من أحد وجهين: الوجه الأول: أن المراد بالنصر أو الوعد بالنصر لمن أمر بالجهاد، فإن الله ينصره؛ لأن الله لا يكلفه بشيء إلَّا والعاقبة له فيه، وأما الذين قتلوا من الأنبياء فلم يؤمروا بالجهاد. الوجه الثاني: أن نقول: إن النصر نوعان: أ - نصر شخصٍ معين بمعنى أن الإنسان يدركه بشخصه. ب - نصر معنوي بمعنى أن الله ينصر من جاء بهذا ولو بعد موته. ولهذا نجد أقوال الأئمة -أئمة المسلمين- كأنهم أحياء بيننا، أقوالهم حية فكأنهم أحياء، إذا أخذت كتابًا لعالم من العلماء وقرأته وانتفعت به فكأنَّما درّسك هذا العالم، إذن هذا نصر، نصر لمبدئه وهدفه ودعوته. وجه ثالث أيضًا: أن نوزع النصر على الزمن، فنقول: إن النصر قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة، والذين قتلوا من الأنبياء سوف يكون نصرهم في الآخرة عندما يختصمون مع أقوامهم، فإنَّ أهل الحق وأهل الباطل يوم القيامة يختصمون عند الله؛ يختصمون فيقضى بينهم فيما هم فيه يختلفون. فلا تظنوا أن الخلاف الذي يقع بين أهل الحق وأهل الباطل ينتهي بالدنيا، كلا، سوف يحكم الله بينهم يوم القيامة وينصر أهل الحق ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣]، ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ

стр. 894

فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨] والآيات متعددة تدل على هذا ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣٠، ٣١] إذن إذا حكم الله لأهل الحق على أهل الباطل يوم القيامة فهذا نصر. فصار الجواب على هذه الآية من ثلاثة أوجه: - إما أن نقول: إن الذين وُعدوا بالنصر هم الذين أُمروا بالجهاد. - أو نقول: إن النصر نوعان: نصر لشخص منصور يدركه في حياته، ونصر لدعوته وما جاء به، وهذا يكون ولو بعد مماته. - أو نقول: إن المراد بالنصر هو النصر يوم القيامة عندما يختصمون عند الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. ٩ - ومن الفوائد أيضًا أنَّه يوجد أحد ينصر غير الله ، وهذا صحيح ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]، لكن الله هو خير الناصرين، كما أنَّه يوجد خالق غير الله لكن الله أحسن الخالقين. وكما ذكرت فيما سبق أن الخلق المضاف إلى غير الله ليس هو الخلق المضاف لله؛ لأن الخلق المضاف لله هو الإبداع، والخلق المضاف إلى غيره ما هو إلَّا تحويل وتغيير الشيء من شيء إلى شيء، ومن صورة إلى صورة مثله. ١٠ - وهنا فائدة وهي أنَّه يجب أن يعلم أن ما لم يكن في القرآن وصحيح السنة من الأخبار فإنه لا يصدق ولا يكذب؛

стр. 895

لأن الله تعالى قال: ، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩]، إذن لا نتلقى أخبارهم إلَّا من الله ؛ إما من كتابه أو صحيح السنة وما عدا ذلك فإنه يتوقف فيه. * * * • ثم قال الله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٥١]. ﴿سَنُلْقِي﴾ الفاعل هو الله ، وعبَّر عن نفسه تعالى بفعل يقتضي الجمع مريدًا بذلك التعظيم (أي سنلقي نحن)، ولا يمكن أن يراد به إلَّا ذلك؛ لأن الله واحد ليس متعددًا، فلا يمكن أن يكون معه أحد بخلاف غيره، فإنك إذا قلت لشخص: سنأتيك يحتمل أنك أردت التعظيم، ويحتمل أنك أردت الجمع، أما بالنسبة لله فلا يمكن أن يراد الجمع الذي هو التعدد، وإنَّما يراد به التعظيم، ويدل لهذا قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢] فالله هو الملقي لكنه يذكر نفسه تعالى أحيانًا بصيغة الإفراد لأنه واحد، وأحيانًا بصيغة الجمع لأنه عظيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويحتمل أنَّه يذكر نفسه بصيغة الجمع لما له من الجنود العظيمة التي لا يعلمها إلَّا هو، فيكون هذا إشارة إلى أنَّه ذو عظمة وسلطان وجنود تفعل ما يأمر به جل وعلا. وقوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ السين

стр. 896

تدخل على الفعل المضارع وتفيد أمرين: القرب، والتحقيق. وهي تفيد التحقيق من وجه وتفيد القرب من وجه آخر بخلاف (سوف) فإنها تفيد التحقيق وتفيد الإمهال، ولهذا تكون (سوف) للتسويف، والسين للتنفيس أي القرب. ﴿الرُّعْبَ﴾ فيها قراءتان: الرُّعُب والرُّعْب، وهذا يوجد في اللغة العربية كثيرًا يعني التسكين للتخفيف، والحركة على الأصل مثل: النهْر والنهَر، والمعنى واحد. والرعب أشد الخوف، وإنما يذكر الله أنه يلقي الرعب في القلب؛ لأن القلب إذا دخله الرعب فإنه لا يمكن أن يثبت البدن، ولو ثبت البدن أو حاول الإنسان الثبات فإن قلبه من شدة الرعب سوف يحمله عن الأرض حملًا ويفر ولا يمكن أن يبقى، ولهذا نجد بني النضير لما ألقى الله في قلوبهم الرعب ماذا صنعوا؟ الواحد منهم ينجو بنفسه حتى إنهم كانوا من شدة خوفهم يحملون الأمتعة ويكسرون البيوت، يعني: لا يقلعون الأبواب بتؤدة وطمأنينة من شدة الرعب الذي أصابهم. والرعب أقوى سلاح يكون على العدو، فإذا ألقى الله الرعب في قلوب العدو؛ فإنه لن يبقى. ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ الباء هنا للسببية أي بسبب شركهم بالله. و (ما) يسميها العلماء مصدرية أي: بشركهم، وعلامة (ما) المصدرية أن يصح تحويل ما بعدها إلى مصدر، فإذا صحَّ تحويل ما بعدها إلى مصدر فهي مصدرية، وقد ذكروا أن لِـ (ما) معانِيَ عشرة مجموعة -أو مشارًا إليها- في بيت من الشعر: ستفهم شرط الوصل فاعجب لنكرها ... بكف ونفي زيد تعظيم مصدر والأخير هو المثال الذي معنا.

стр. 897

و ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ أي بشركهم بالله، وحيث جعلوا لله تعالى شركاء، ولكن هؤلاء الشركاء الذين جعلوهم مع الله إنما جعلوهم شركاء في العبادة لا في الربوبية، ولهذا كان شرك العرب شركًا في الألوهية لا في الربوبية ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٥]، فهم يقرون بأن الله هو الخالق، وأن ما في الكون ملكه، لا ينكرون هذا لكنهم يشركون في العبادة، فيعبدون مع الله غيره، ومع ذلك يدَّعون أنهم يعبدون هذه الأصنام لتكون شفعاء لهم عند الله، فهم يقرون أيضًا أنها دون مرتبة الله لكن يعبدونها ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] أي يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. يقول: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾: (ما) تحتمل أن تكون اسمًا موصولًا أي الذي لم ينزل به سلطانًا، وتحتمل أن تكون نكرة موصوفة أي شيئًا لم ينزل به سلطانًا، والمعنى لا يختلف على التقديرين، فقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ﴾ فيها قراءتان: يُنَزِّل، وُينزِل، أي بالتشديد والتخفيف. وقوله: ﴿سُلْطَانًا﴾ أي حجة وبرهانًا فيجعلون لله شركاء لم ينزل الله بهم سلطانًا أي ليس لهم بهم حجة. وقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ القيد هنا لبيان الواقع وليس للاحتراز، أي أن واقع هؤلاء الشركاء أنه لا سلطان لشركهم ولا دليل، وليس المعنى أنهم يشركون ما لم ينزل به ولو

стр. 898

أشركوا ما نزل به لكانوا على صواب، لا؛ لأنه لا يمكن أن يأتي سلطان أي "حجة" على أن الله له شركاء. فإذا قال قائل: ما الفائدة من ذكره هذا الوصف الذي يبيّن الواقع؟ قلنا: الفائدة في ذلك إقامة الحجة على أنه ليس لهم دليل في إشراكهم به؛ لأنهم بنوا على غير سلطان وعلى غير حجة، إذا كان كذلك فالغرض من هذا التنفير عن هذا الإشراك، عكس ذلك أن يأتي وصف لبيان الواقع من أجل الحث والإغراء على لزوم الحكم كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] فإن الرسول ﷺ لا يدعو الخلق إلى ما يميتهم، وإنما يدعوهم إلى ما يحييهم. فالقيد إذن لبيان الواقع ولكن جيء به للحث والإغراء على إجابة دعوته، كما أن القيد الذي في الآية هذه ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ لبيان بطلان هذا الإشراك وأنه ليس له دليل. قال: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ واعلم أن السلطان ما كان له سلطة، فالدليل يسمى سلطانًا، والأمير على القوم يسمى سلطاناً، وولاية الرجل على أهله سلطان، وهكذا كل من كانت له سلطة فإنه يسمى سلطانًا. قد يكون السلطان بمعنى القدرة على الشيء مثل قوله تعالى: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] أي بقدرة، ولا قدرة لكم على نفوذ أقطار السموات والأرض. قال: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾: ﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾ أي: مرجعهم النار، فهم -والعياذ بالله- مغلوبون في الدنيا وفي الآخرة، ففي الدنيا يلقي الله في قلوبهم

стр. 899

الرعب فلا يقرون ولا يستقرون، وفي الآخرة مأواهم النار، والنار هي الدار التي أعدها الله لأعدائه يعذبهم بها، وهي موجودة الآن عرضت على النبي ﷺ في صلاة الكسوف حتى إنه تأخر مخافة أن يصيبه من وهجها ﵊ (١) ورأى فيها من يعذب. ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ (بئس) فعل جامد لإنشاء الذم، ويقابله (نِعْمَ)، وهذا الفعل يحتاج إلى فاعل وإلى مخصوص فاعله مثوى، والمخصوص محذوف والتقدير: هي أو النار. وقوله: ﴿مَثْوَى﴾ المثوى: المستقر الذي يثوي إليه الإنسان ويستقر فيه كالمسكن مثلًا. من فوائد الآية الكريمة: ١ - إثبات الأفعال الاختيارية لله؛ لقوله: ﴿سَنُلْقِي﴾. ٢ - من كمال الله تجدد أفعاله التي تكون تابعة لإرادته وحكمته؛ لأن إلقاء الرعب في قلوب هؤلاء حادث، ﴿سَنُلْقِي﴾ أي في المستقبل. ثم هؤلاء متى وجدوا؟ هل هم أزليون؟ لا، هم حادثون وقلوبهم حادثة والرعب الذي يلقى فيها حادث. وبه نرد على من أنكروا أفعال الله الاختيارية وقالوا: إن الله ليس له أفعال حادثة، زعمًا منهم أن الفعل الحادث لا يقوم إلا بحادث، فيلزم من هذا إنكار صفة القدم

стр. 900

عن الله، هذا على زعمهم، ونحن نقول: هذه دعوى باطلة، دعوى من يقول: إن الفعل الحادث لا يقوم إلا بحادث، نحن نشاهد أفعالًا لنا لم تكن قديمة كقدمنا، فالإنسان يتعشى اليوم غير عشائه بالأمس، فهذا فعل حادث في محدث فلا يلزم أن يكون الفعل مقارنًا للفاعل أبدًا (لوجود الفاعل). إذن نقول: في هذه الآية ردٌّ على هؤلاء الذين ينكرون قيام الأفعال الاختيارية بالله . ٣ - بيان عظمة الله، من قوله: ﴿سَنُلْقِي﴾. فإن هذه الصيغة تدل على العظمة أو التعدد. والتعدد في حق الله محال فتعيَّن أن تكون للتعظيم. ٤ - أن محل الإرادة والتدبير للبدن هو القلب؛ لقوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾، وليس المحل هو الدماغ خلافًا للمشهور عند فلاسفة اليوم، فإن الدماغ في الحقيقة لا يدبر، بل يتصور ثم يرسل الصورة إلى القلب، والقلب يحكم، الدماغ بمنزلة ما نسميه "بالسكرتير" يجهز الأوراق ويرتبها ثم يرسلها إلى الملك ويقول له: ماذا تأمر؟ والدليل على هذا قوله ﵎: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] نصٌّ واضح أن العقل يكون في القلب، وأن محل هذا القلب هو الصدر، وبهذا نرد على من قالوا: إن المراد بقوله: ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦] القلوب المعنوية هي الدماغ، والله يقول: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] وهذا نص صريح، ثم إن السنة أيدت هذا فقال النبي ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا

стр. 901

صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (١) فالتدبير للقلب، والتصور للدماغ. قال الإمام أحمد ﵀: العقل في القلب وله اتصال بالدماغ، واتصاله هو ما ذكرنا أن الدماغ يتصور ثم يرسل إلى القلب، والقلب يأمر بواسطة الدماغ، والدماغ يحرك الأعصاب، وبهذا التقرير يتبين لنا أن ما جاء به القرآن والسنة في هذه المسألة لا يخالف ما هو معروفٌ عند الأطباء اليوم. فإن القلب الصناعي لابد أن يدخله مثلًا العروق ويحصل منه حركة، هذه الحركة يمكن أن نفسرها بأنها أمر من القلب يصدر سواء بشيء ثابت بخلقة الله أو بالصناعة. ٥ - أن إلقاء الرعب في قلب الأعداء من أكبر النصر؛ لقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠] ثم قال: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ فالرعب من أقوى أسباب النصر وهو أمر معروف، هذا الرعب هل هو خاص في عهد الرسول ﵊، أو يشمل ما يحصل لأعداء أتباعه إلى يوم القيامة؟ الثاني هو الثابت، ولهذا قال النبي ﵊ فيما صحَّ عنه: "نصرت بالرعب مسيرة شهر" (٢). ٦ - إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا﴾ لأن الباء للسببية وهو الحق.

стр. 902

والأسباب إما شرعية وإما حسية، وإنكارها سفه في العقل وضلال في الدين؛ لأن النصوص قد تكاثرت وتجمعت على إثبات الأسباب. دخول الجنة لا يحصل إلا بسبب، والنجاة من النار لا تحصل إلا بسبب. والولد لا يحصل إلا بسبب، والرزق لا يحصل إلا بسبب، كل شيء لابد له من سبب، فإنكار الأسباب ضلال في الدين وسفه في العقل. ومن العجب أن الأشاعرة ومن نحا نحوهم في هذا الباب يقولون: إن الله تعالى يوجد الأشياء بلا واسطة، وتقع الأشياء بتدبيره مباشرة بلا واسطة؛ لأنَّهم يقولون: لو أثبتنا الواسطة وجعلنا لها تأثيرًا لكان هذا نوعًا من الشرك بالله. فمثلًا يقولون: لا أثر للسكين في قطع اللحم، ولا أثر للحجر في كسر الزجاجة، فلو أتى إنسان بلحم وجعل يقطعه بالسكين فلا أثر للسكين في قطع اللحم، ولو رمى زجاجة بحجر وانكسرت، فلا أثر للحجر في كسر الزجاجة، فالأسباب لا تؤثر عندهم، وهذا سفه في العقل، لكنني أقول: هذه الأسباب لا يوجد بها المسبَّب بذاتها وإنما يوجد بما أودع الله فيها من القوى التي خلقها الله ، ومن ذلك الرعب الذي يلقى في قلوب الذين كفروا بسببٍ وهو الإشراك. ٧ - أنه إذا كان الرعب يلقى في قلوب الذين كفروا لإشراكهم، فإن الأمن يلقى في قلوب الذين آمنوا لتوحيدهم؛ لأن ما ثبت للشيء ثبت ضده لضده، فإذا ثبت الرعب للكفار بسبب إشراكهم ثبت الأمن للمؤمنين بتوحيدهم، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، والظلم هو

стр. 903

الشرك كما فسره النبي ﷺ لما نزلت هذه الآية. قالوا: يا رسول الله، أيّنا لم يظلم نفسه قال: "إنما ذلكم الشرك، ألم تسمعوا إلى قول الرجل الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ " (١) [لقمان: ١٣]. إذن كلما كان الإنسان أشد إيمانًا بالله وأشد توحيدًا له كان أشد أمنًا واستقرارًا، وهذا شيء مجرب؛ لأنه من كان أشد إيمانًا بالله وأشد توحيدًا لله كان أقوى توكلًا عليه، ومن أقوى أسباب الأمن ومصابرة الأعداء التوكل على الله حتى إن من الناس من يقوم توكله على الله مقام الدواء في الشفاء، وهذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو واقع. وبعض الناس يكون عنده قوة توكل على الله ويشفى بدون علاج بسبب قوة توكله على الله، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حينما ذكر أن الدواء بالمحرم ليس ضروريًا، حتى يقال: إن الدواء بالمحرم جائز للضرورة، قال: هذا ليس للضرورة؛ لأن المريض قد يشفى بدواء آخر وقد يشفى بالقراءة، قال: وقد يشفى بقوة التوكل على الله. وقد مرض أبو بكر ﵁ فقيل له: أَلَا ندعو لك الطبيب؟ قال: إنه قد رآني، وقال: "إني أفعل ما أريد". من يعني به؟ الله ، فالحاصل أن نقول: إن الإنسان كلما قوي إيمانه بالله وقوي توحيده ازداد أمنًا وطمأنينة واستقرارًا، وهذا أمر مشاهد مدرك بالحس.

стр. 904

٨ - أنه لا دليل لأحد على شركه؛ لقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾. ٩ - النداء والإعلان عن سفه هؤلاء المشركين لكونهم أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، لو كان لهم دليل لعذروا لكن لا دليل لهم، وهذا نداء عليهم وإعلان بسفههم. ١٠ - إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾. ١١ - إثبات أن النار مأوى الكافرين الذين أشركوا بالله، فنحن نشهد بأن كل كافر مشرك فمأواه النار ولكن هل نشهد بهذا على شخص بعينه؟ . الجواب: لا، لا نشهد عليه ولكننا نقول: إننا نعامله في الدنيا معاملة الكافر، فمثلًا لو مات زعيم من زعماء الكفرة كزعيم الروس أو زعيم أمريكا أو ما أشبه ذلك نحكم بأنه كافر، وأن كل كافر في النار، فلا نصلي عليه ولا نكفنه ولا ندفنه مع المسلمين، ولا ندعو له بالرحمة، لكن مسألة الجزاء هذا ندخله في العموم، نقول: كل كافر فإنه في النار. فالمعين غير العموم، وكذا لو مات واحد من المسلمين ومات على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله هل نشهد له بالجنة؟ الجواب: لا، بل نقول: إن كل مسلم يدخل الجنة، ونقول أيضًا: كل كافر سيدخل النار، ولهذا كان من عقيدة أهل السنة والجماعة أننا لا نشهد لمعين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ . وزاد شيخ الإسلام ﵀ أنه لو اتفقت الأمة على الثناء عليه كالأئمة الأربعة مثلًا نشهد لهم بالجنة، لا لأن الرسول ﷺ -

стр. 905

شهد لهم، ولكن لأن الأمة أثنت عليهم وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ولما مرت جنازة من عند الرسول ﵊ وهو جالس في أصحابه فأثنوا عليها خيرًا، قال: "وجبت" ثم مرت أخرى فأثنوا عليها شرًّا، قال: "وجبت" قالوا: ما وجبت؟ قال: "أما الأول فوجبت له الجنة، وأما الثاني فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض" (١). وقال ﷺ : "إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار" (٢). والمقصود أننا لا نشهد لأحد معين بجنة ولا نار، لكن يكفي أن نقول: الأصل في هذا أنه من أهل النار، هذا هو الأصل لكن لا نجزم بالأصل فيجوز أنه في آخر لحظة من حياته ألقى الله في قلبه الإيمان. فإنه إذا كان قد تاب ولم يحضره الموت فإن الله يتوب عليه. وعلى كل حال شهادتنا له بالنار لا توجب له النار، وعدم شهادتنا له بالنار لا تمنعه عن النار، إذن: لا فائدة من أن نلزم أنفسنا بالشهادة لهذا الشخص المعين بالنار.

стр. 906

١٢ - ذم النار ومثواها والعياذ بالله؛ لقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ وصدق الله فإن أبأس دار وأقبح دار وأخبث دار هي النار، ولهذا استحقت هذا الوصف من الله وهو قوله: ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾. * * * • ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾: هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: الأول: القسم المقدر؛ لأن التقدير: (والله لقد). والثاني: اللام. والثالث: قد، فهذه ثلاثة مؤكدات في هذه الجملة. ﴿صَدَقَكُمُ﴾: أي أنجزه لكم. وقوله: ﴿وَعْدَهُ﴾ منصوب بنزع الخافض أي: صدقكم الله في وعده، يقال: صدقه، ويقال: صدَّقه، وبينهما فرق، فإذا قيل: صَدَقه يعني أخبره بالصدق، وإذا قال صدَّقه أي قال: إنَّ ما أخبرت به صدق، فالتصديق من المخاطب للمتكلم، والصدق من المتكلم للمخاطب، فمعنى قوله تعالى: ﴿صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي أنجز لكم الوعد فصار ما أخبركم به صدقًا.

стр. 907

﴿وَعْدَهُ﴾: أي ما وعدكم به من النصر، ثم بيَّن موضع هذا الصدق فقال: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ فـ"إذ" هنا ظرف متعلق بصدق، أي صدقكم وعده حين حسستموهم بإذنه. وقوله: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ مضارع عبَّر به عن شيء ماضٍ على تقدير حكاية الحال؛ لأن القاعدة أن يعبر عن الماضي بصيغة الماضي، فيقال: قال زيد، لكنه عبَّر هنا عن الماضي بصيغة الحاضر لحكاية الحال لتقريب تصور الماضي في الذهن؛ لأن الماضي قد انقضى فربما يكون الإنسان ناسيًا له، فإذا صيغ بصيغة المضارع صار الماضي كأنه حاضر، وهذا ما يعبر عنه النحويون بحكاية الحال، حكاية الحال الماضي كأنها الآن واقعة من أجل أن يكون ذلك أقرب لحضورها في الذهن. وقوله: ﴿تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ الحس القتل أو أشد القتل، ﴿تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ أي تقتلونهم أشد قتلة بإذن الله الكوني والشرعي، بإذنه الكوني لأنه قد وقع، وكل شيء قد وقع فإن الله قد أذن به كونًا، وبإذنه الشرعي لأن الله تعالى قد شرع لنا أن نقاتل الكفار فيكون قتلنا لهم مأذونًا فيه شرعًا، إذن في هذه الآية اجتمع الإذنان: الكوني والشرعي. وقوله: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ أي تقتلونهم بإذنه، هذا نصر. فإن قال قائل: وهل قُتل أَحدٌ من الكفار في يوم أُحد؟ . فالجواب: نعم، قُتل منهم أكثر من تسعة رجال وانهزموا وفروا حتى رُئي النساء ينطلقن يصعدن في الجبل مذعورات

стр. 908

كاشفات الرؤوس حاسرات السيقان؛ لأنهن قد هربن حيث أيقنّ بالأسر وكانت الغلبة والعزة في أول النهار للمسلمين. ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ﴾: ﴿حَتَّى﴾ قيل: إنها ابتدائية، وقيل: إنها للغاية. فالوجه الأول: أن (حتى) للغاية، أي صدقكم وعده إذ تحسّونهم بإذنه إلى أن فشلتم، وعلى هذا فتكون (إذا) غير شرطية، حتى وقت فشلكم، هذا وجه كون (حتى) للغاية. ﴿إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ أي حتى حين فشلتم، أي أن صدق الوعد والحس استمر إلى أن فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون. والوجه الثاني: أن (حتى) ابتدائية، فالجملة مستأنفة وتكون (إذا) على هذا الوجه شرطية وجوابها يُذكر إن شاء الله. ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ الفشل معناه الجبن والخور أي: حتى إذا جبنتم وخِرتم وعجزتم عن الانتصار. ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ المنازعة: المخاصمة والاختلاف. وقوله: ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ هل المراد بالأمر الشأن أو المراد بالأمر واحد الأوامر؟ على القول الأول يكون الأمر واحد الأمور، وعلى الثاني يكون الأمر واحد الأوامر، ومعنى ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي في الشأن على القول الأول أو في الأمر أي: أمر الرسول ﵊، على القول الثاني، ويكون الخطاب موجهًا إلى الرماة وكانوا خمسين رجلًا أَمَّر عليهم النبي ﷺ عبد الله بن جبير، وقال لهم: "لا تبرحوا مكانكم، ابقوا في الجبل سواء كانت لنا أو علينا"، ولما رَأَوْا المسلمين قد

стр. 909

انتصروا وانهزم المشركون وصار المسلمون يجمعون الغنائم أرادوا النزول من الجبل فنازعهم أميرهم وقال لهم: امكثوا، ولكنهم أصروا على النزول فنزل أكثرهم. إذن: يكون الأمر هنا واحد الأوامر أي تنازعتم في أمر الرسول ﷺ فمنكم من قال: نبقى امتثالًا لأمره، ومنكم من نزل اغتنامًا لكسب الغنيمة (١). والمعنيان متلازمان لأنه لما اختلفوا في أمر الرسول تنازعوا في شأنهم أي في أمرهم. ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾: أي: وعصيتم الرسول لكن لم يذكر المفعول به كراهة لذكره حيث إنه يكون أشد وقعًا وتوبيخًا، وكأن الله أراد أن يوبِّخهم بطريق لين، قال: ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ ولم يقل: عصيتم الرسول؛ لأن هذا أهون مما لو صرح به وقال: (وعصيتم الرسول) فإذا قيل: عصيتم الرسول صار أشد وقعًا في التوبيخ. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ﴾: ﴿أَرَاكُمْ﴾ يعني من بعد ما أراكم رؤيا عين ما تحبون من النصر وهزيمة أعدائكم، وجواب الشرط على الوجه الثاني في ﴿إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ قال بعضهم: إن جواب الشرط (تنازعتم) والتقدير: حتى إذا فشلتم تنازعتم في الأمر وعصيتم، وعلى هذا الوجه تكون الواو زائدة. وقال بعضهم: جواب الشرط (عصيتم) والتقدير: حتى إذا

стр. 910

فشلتم وتنازعتم في الأمر عصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون. وعلى هذا الوجه تكون الواو زائدة أيضًا. وقال بعضهم: جواب الشرط محذوف تقديره: انقسمتم قسمين: منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة. وقال بعضهم: محذوف تقديره: حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون فاتكم النصر. وقال بعضهم: الجواب محذوف قطعًا، والقول بأن الواو زائدة في (تنازعتم)، وأنه جواب الشرط، أو في (عصيتم) وأنه جواب الشرط قول ضعيف؛ لأن الحرف هنا حرف جاء لمعنى يفوت بفواته ما جاء من أجله، فالجواب إذن محذوف وفائدة حذفه: أن يذهب الذهن كل مذهب في تقديره، وكل شيء يقدر جوابًا لـ"إذا" لا ينافي المقدر الآخر، فإنه صالح، وعلى هذا ممكن أن نقول: "وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون فاتكم ما تحبون، أو فاتكم النصر، أو خُذِلتم، أو انقسمتم إلى قسمين" كل هذه الاحتمالات صحيحة ولا تتنافى، فقد فاتهم النصر وانقسموا إلى قسمين، وخذلوا، وهذا من بلاغة القرآن؛ فالحذف من أجل أن يكون أشمل للمعنى وأكثر. ثم قال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾: (مِنْ) هنا تبعيضية أي: بعضكم يريد الدنيا، وبعضكم الآخر يريد الآخرة، فالذين نزلوا لجمع الغنائم ظاهر عليهم أنهم يريدون الدنيا، والذين ثبتوا ظاهر عليهم أنهم يريدون الآخرة، وهذا على سبيل المثال، وإلا فالأمثلة كثيرة في الذين يريدون

стр. 911

الدنيا والذين يريدون الآخرة، حتى في طلب العلم، من الناس من يريد الدنيا، ومن الناس من يريد الآخرة، ومن الناس من يريد الجاه والرفعة والسيادة؛ لأن العلم يرفع بيوتًا لا عماد لها، والجهل يهدم بيوت العز والشرف، ومنهم من يريد الآخرة: أن يحفظ شريعة الله، وأن يعلِّم عباد الله، وأن يتعبد لله على بصيرة، وما أشبه ذلك، فهذا حال الناس كلهم، منهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة. وقوله : ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾: ﴿ثُمَّ﴾ أي بعد أن صدقكم الله وعده بحَسِّهم -أي بقتلهم- صرفكم عنهم، يعني: بعد أن فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم صرفكم عنهم، وتأمل قوله: ﴿صَرَفَكُمْ﴾ فإن الصرف يقتضي إقبالًا شديدًا يُعاني فيه المقبل حتى يصرف، كما تقول: صرفت الدابة عن العلف وما أشبه ذلك، فيفيد بأن المسلمين كانوا مقبلين جدًّا على هؤلاء الأعداء لكن صرفوا عنهم مع شدة رغبتهم في القضاء عليهم؛ لأنه كان لهم النصر في أول الأمر لكن صرفوا عنهم. وقوله: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ أي ليختبركم؛ والابتلاء في الأصل الاختبار والامتحان، ويكون في الخير ويكون في الشر، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وقال سليمان ﵇ لما رأى عرش بلقيس حاضرًا عنده مستقرًا أمامه قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] فالخير ابتلاء، والشر ابتلاء، الشر يبُتلى به الإنسان ليصبر، والخير يُبتلى به ليشكر؛ فكله ابتلاء، ولهذا قال: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا

стр. 912

عَنْكُمْ﴾ هذه الجملة أيضًا مؤكدة بثلاث مؤكدات: القسم المقدر لأن الأصل: والله لقد، واللام، وقد، وإنما أكدت الجملة هنا والجملة هناك في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ لأنه قد يتبادر من الوقائع خلاف ذلك، فمثلًا في الجملة الأولى ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ قد يتبادر من كون الهزيمة في آخر الأمر على المسلمين أن الله لم يصدقهم وعده، فأكد ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾، هذا النصر. والثانية لما ابتلوا بهذه البلوى قد يتبادر إلى الذهن بأن الله سوف يعاقبهم على معصيتهم وتنازعهم وجبنهم فقال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ فكان التأكيد هنا وفي أول الآية في غاية ما يكون من البلاغة؛ لأن المقام يقتضي التأكيد. وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ العفو بمعنى التجاوز، ويكون للإنسان محمودًا ويكون مذمومًا، فإذا كان مع القدرة فهو محمود، ويكون مذمومًا إذا كان مصدره العجز، فلا يُحمد عليه الإنسان؛ لأن هذا يدل على ضعفه وعدم أخذه لنفسه بالحق. أما عفو الله فهو بلا شك كائن مع القدرة؛ لأن الله قادر على أن يعاقب لكنه يعفو مع القدرة كما قال تعالى: ﴿كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]. وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ يشمل كل من وقعت منهم المخالفة، وهذا من فضل الله عليهم، ويجدر بنا هنا أن نذكر قصة عجيبة: جاء رجل من الخوارج إلى عبد الله بن عمر ﵄ وهو مستظل بالكعبة، فوقف عليه بعد أن سأل عنه فقال: من هذا؟ فقالوا: هذا عبد الله بن عمر. فسأله عن أمير المؤمنين عثمان، قال

стр. 913

له: أما علمت أن عثمان بن عفان تخلَّف عن غزوة بدر؟ قال: بلى تخلف، قال: أما علمت أنه فرَّ يوم أُحد؟ قال: بلى فرَّ. قال: أما علمت أنه لم يبايع بيعة الرضوان؟ قال: بلى. قال الخارجي: الله أكبر -يعني أنه انتصر- لأنه إنما سأل هذه الأسئلة الثلاثة ليقدح في عثمان ﵁ فكبَّر الخارجي، فلما كبَّر قال له: أما وقد قلت فسأحدثك: أما تخلفه عن غزوة بدر فإن النبي ﷺ أمره أن يبقى ليمرّض ابنته -أي: ابنة الرسول ﷺ كانت مريضة- رقية -زوجة عثمان- فتخلَّف ليمرضها بأمر النبي ﷺ وضرب له النبي ﷺ بسهمه وأجره، إذن لا يلام. أما فراره في أُحد فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ وبعد العفو لا يبقى أثر الذنب. وأما تخلّفه عن بيعة الرضوان فإنه لا يوجد أحد من بطون قريش أعز من البطن الذي منه عثمان؛ لأنه بطن قوي في قريش، فلم ير النبي ﷺ أحدًا أحق بأن يبعثه إلى قريش من عثمان فبعثه إلى قريش ليفاوضهم؛ لأن له مكانة، ثم إن الرسول ﷺ لما بايع المؤمنين تحت الشجرة أخذ بيده الكريمة ووضعها على اليد الأخرى، وقال: هذه عن يد عثمان -الله أكبر- فكانت يد النبي ﵇ خير من يد عثمان لعثمان، أليس كذلك؟ سبحان الله! ثم قال: اذهب بها إلى قومك أو كلمة نحوها، يعني أنت جئت تريد أن تقدح في أمير المؤمنين وصار الآن القدح -ولله الحمد- مدحًا. فمثل هذه المسائل ينبغي للإنسان أن ينتبه لها ويكون حذرًا، فبعض الناس ربما يسأل سؤالًا ظاهره الاسترشاد ولكن يكون معناه النقد، فإذا جاء به على هذا الوجه ألقم الناقد حجرًا، وصار هذا من سوء فهمه. وعلى كل حال فلكل مقام مقال، وليس معنى هذا أن نسيء

стр. 914

الظن في كل واحد. فابن عمر ﵁ فَهِمَ من هذا الخارجي أنه يريد الطعن والقدح في عثمان فأجابه. ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ﴾ أي: صاحب فضل ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. وأنتم منهم ولذلك عفا عنكم، وهنا في الجملة إظهار في موضع الإضمار، إذ مقتضى السياق أن يقول: "والله ذو فضل عليكم" وفائدته (أي فائدة الإظهار في مقام الإضمار) تقدمت لنا وقلنا: فيه ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: التسجيل على محل الإضمار أو على مرجع الضمير بأنه من أهل هذا الوصف، يعني إثبات هذا الوصف لمرجع الضمير، مثلًا: (والله ذو فضل عليكم) إذا قال: "على المؤمنين" بدل "عليكم" أفاد بأنهم مؤمنون. الفائدة الثانية: العموم؛ لأنه لو قال: (والله ذو فضل عليكم) اختص الفضل بمرجع الضمير، وإذا قال: "على المؤمنين" تشملهم وغيرهم. الفائدة الثالثة: العلة (علة الحكم)، الحكم كون الله ذو فضل، والعلة -وهي الإيمان- في هذه الآية، وهي تختلف باختلاف السياق، هذه فائدة الإظهار في موضع الإضمار هنا، فهنا مناسبة لفظية في الإظهار، وهي تناسبُ رؤوس الآيات، لأنه لو قال: (والله ذو فضل عليكم) لم تتناسب مع ما بعدها ومع ما قبلها. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الله قد نصر المؤمنين في أُحد كما نصرهم في بدر؛ ودليله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾.

стр. 915

٢ - أن من البلاغة أن يؤكد الخبر إذا كان الحال تقتضي ذلك، يؤخذ من قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ حيث كان فيه قسم وتوكيد باللام وقد. ٣ - شدة عزيمة الصحابة ﵃ في طلب العدو؛ لأنه قال: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ والحس: القتل أو أشده كأنه يسمع له صوت عند القتل، وهكذا ينبغي للمسلمين أن يأتوا أعداءهم الحربيين على شدة وغلظة، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء: ١٠٤] يعني: لا تضعفوا في طلبهم، وانظر إلى هذه التعزية للصحابة: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤]. ٤ - أن النزاع والمعصية سبب لفوات كمال النصر؛ لأن المسلمين في أول الأمر انتصروا وقتلوا المشركين، لكن لما حدث هذا المانع امتنع أو انتفى كمال النصر. ٥ - أن مثل هذا الأمر -النزاع والمعصية- سبب للخذلان؛ تؤخذ من واقع الأمر؛ لأن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ جواب الشرط فيه محذوف، والمعنى أنكم خسرتم هذا النصر وخذلتم، ومن قرأ الغزوة تبين له ما حصل للصحابة من الأمور العظيمة التي ستأتي إن شاء الله عند قوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣]. ٦ - المعصية بعد النعمة أشد من المعصية قبل النعمة؛ لقوله: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ وإلا لكان يقول: ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ فقط، لكن كون المعصية تقع بعد أن أراهم الله ما يحبون هذه أعظم، أعظم مما إذا لم يكن الله قد أراهم ما يحبون. ٧ - الحثُّ على اجتماع الكلمة، وجهه أن النزاع سبب
следующие страницы →