الدنيا والذين يريدون الآخرة، حتى في طلب العلم، من الناس من يريد الدنيا، ومن الناس من يريد الآخرة، ومن الناس من يريد الجاه والرفعة والسيادة؛ لأن العلم يرفع بيوتًا لا عماد لها، والجهل يهدم بيوت العز والشرف، ومنهم من يريد الآخرة: أن يحفظ شريعة الله، وأن يعلِّم عباد الله، وأن يتعبد لله على بصيرة، وما أشبه ذلك، فهذا حال الناس كلهم، منهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة.
وقوله : ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾:
﴿ثُمَّ﴾ أي بعد أن صدقكم الله وعده بحَسِّهم -أي بقتلهم- صرفكم عنهم، يعني: بعد أن فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم صرفكم عنهم، وتأمل قوله: ﴿صَرَفَكُمْ﴾ فإن الصرف يقتضي إقبالًا شديدًا يُعاني فيه المقبل حتى يصرف، كما تقول: صرفت الدابة عن العلف وما أشبه ذلك، فيفيد بأن المسلمين كانوا مقبلين جدًّا على هؤلاء الأعداء لكن صرفوا عنهم مع شدة رغبتهم في القضاء عليهم؛ لأنه كان لهم النصر في أول الأمر لكن صرفوا عنهم.
وقوله: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ أي ليختبركم؛ والابتلاء في الأصل الاختبار والامتحان، ويكون في الخير ويكون في الشر، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وقال سليمان ﵇ لما رأى عرش بلقيس حاضرًا عنده مستقرًا أمامه قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] فالخير ابتلاء، والشر ابتلاء، الشر يبُتلى به الإنسان ليصبر، والخير يُبتلى به ليشكر؛ فكله ابتلاء، ولهذا قال: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا
стр. 912
عَنْكُمْ﴾ هذه الجملة أيضًا مؤكدة بثلاث مؤكدات: القسم المقدر لأن الأصل: والله لقد، واللام، وقد، وإنما أكدت الجملة هنا والجملة هناك في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ لأنه قد يتبادر من الوقائع خلاف ذلك، فمثلًا في الجملة الأولى ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ قد يتبادر من كون الهزيمة في آخر الأمر على المسلمين أن الله لم يصدقهم وعده، فأكد ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾، هذا النصر. والثانية لما ابتلوا بهذه البلوى قد يتبادر إلى الذهن بأن الله سوف يعاقبهم على معصيتهم وتنازعهم وجبنهم فقال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ فكان التأكيد هنا وفي أول الآية في غاية ما يكون من البلاغة؛ لأن المقام يقتضي التأكيد.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ العفو بمعنى التجاوز، ويكون للإنسان محمودًا ويكون مذمومًا، فإذا كان مع القدرة فهو محمود، ويكون مذمومًا إذا كان مصدره العجز، فلا يُحمد عليه الإنسان؛ لأن هذا يدل على ضعفه وعدم أخذه لنفسه بالحق. أما عفو الله فهو بلا شك كائن مع القدرة؛ لأن الله قادر على أن يعاقب لكنه يعفو مع القدرة كما قال تعالى: ﴿كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩].
وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ يشمل كل من وقعت منهم المخالفة، وهذا من فضل الله عليهم، ويجدر بنا هنا أن نذكر قصة عجيبة: جاء رجل من الخوارج إلى عبد الله بن عمر ﵄ وهو مستظل بالكعبة، فوقف عليه بعد أن سأل عنه فقال: من هذا؟ فقالوا: هذا عبد الله بن عمر. فسأله عن أمير المؤمنين عثمان، قال
стр. 913
له: أما علمت أن عثمان بن عفان تخلَّف عن غزوة بدر؟ قال: بلى تخلف، قال: أما علمت أنه فرَّ يوم أُحد؟ قال: بلى فرَّ. قال: أما علمت أنه لم يبايع بيعة الرضوان؟ قال: بلى. قال الخارجي: الله أكبر -يعني أنه انتصر- لأنه إنما سأل هذه الأسئلة الثلاثة ليقدح في عثمان ﵁ فكبَّر الخارجي، فلما كبَّر قال له: أما وقد قلت فسأحدثك: أما تخلفه عن غزوة بدر فإن النبي ﷺ أمره أن يبقى ليمرّض ابنته -أي: ابنة الرسول ﷺ كانت مريضة- رقية -زوجة عثمان- فتخلَّف ليمرضها بأمر النبي ﷺ وضرب له النبي ﷺ بسهمه وأجره، إذن لا يلام. أما فراره في أُحد فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ وبعد العفو لا يبقى أثر الذنب. وأما تخلّفه عن بيعة الرضوان فإنه لا يوجد أحد من بطون قريش أعز من البطن الذي منه عثمان؛ لأنه بطن قوي في قريش، فلم ير النبي ﷺ أحدًا أحق بأن يبعثه إلى قريش من عثمان فبعثه إلى قريش ليفاوضهم؛ لأن له مكانة، ثم إن الرسول ﷺ لما بايع المؤمنين تحت الشجرة أخذ بيده الكريمة ووضعها على اليد الأخرى، وقال: هذه عن يد عثمان -الله أكبر- فكانت يد النبي ﵇ خير من يد عثمان لعثمان، أليس كذلك؟ سبحان الله! ثم قال: اذهب بها إلى قومك أو كلمة نحوها، يعني أنت جئت تريد أن تقدح في أمير المؤمنين وصار الآن القدح -ولله الحمد- مدحًا.
فمثل هذه المسائل ينبغي للإنسان أن ينتبه لها ويكون حذرًا، فبعض الناس ربما يسأل سؤالًا ظاهره الاسترشاد ولكن يكون معناه النقد، فإذا جاء به على هذا الوجه ألقم الناقد حجرًا، وصار هذا من سوء فهمه.
وعلى كل حال فلكل مقام مقال، وليس معنى هذا أن نسيء
стр. 914
الظن في كل واحد. فابن عمر ﵁ فَهِمَ من هذا الخارجي أنه يريد الطعن والقدح في عثمان فأجابه.
﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ﴾ أي: صاحب فضل ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. وأنتم منهم ولذلك عفا عنكم، وهنا في الجملة إظهار في موضع الإضمار، إذ مقتضى السياق أن يقول: "والله ذو فضل عليكم" وفائدته (أي فائدة الإظهار في مقام الإضمار) تقدمت لنا وقلنا: فيه ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: التسجيل على محل الإضمار أو على مرجع الضمير بأنه من أهل هذا الوصف، يعني إثبات هذا الوصف لمرجع الضمير، مثلًا: (والله ذو فضل عليكم) إذا قال: "على المؤمنين" بدل "عليكم" أفاد بأنهم مؤمنون.
الفائدة الثانية: العموم؛ لأنه لو قال: (والله ذو فضل عليكم) اختص الفضل بمرجع الضمير، وإذا قال: "على المؤمنين" تشملهم وغيرهم.
الفائدة الثالثة: العلة (علة الحكم)، الحكم كون الله ذو فضل، والعلة -وهي الإيمان- في هذه الآية، وهي تختلف باختلاف السياق، هذه فائدة الإظهار في موضع الإضمار هنا، فهنا مناسبة لفظية في الإظهار، وهي تناسبُ رؤوس الآيات، لأنه لو قال: (والله ذو فضل عليكم) لم تتناسب مع ما بعدها ومع ما قبلها.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن الله قد نصر المؤمنين في أُحد كما نصرهم في بدر؛ ودليله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾.
стр. 915
٢ - أن من البلاغة أن يؤكد الخبر إذا كان الحال تقتضي ذلك، يؤخذ من قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ حيث كان فيه قسم وتوكيد باللام وقد.
٣ - شدة عزيمة الصحابة ﵃ في طلب العدو؛ لأنه قال: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ والحس: القتل أو أشده كأنه يسمع له صوت عند القتل، وهكذا ينبغي للمسلمين أن يأتوا أعداءهم الحربيين على شدة وغلظة، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ [النساء: ١٠٤] يعني: لا تضعفوا في طلبهم، وانظر إلى هذه التعزية للصحابة: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤].
٤ - أن النزاع والمعصية سبب لفوات كمال النصر؛ لأن المسلمين في أول الأمر انتصروا وقتلوا المشركين، لكن لما حدث هذا المانع امتنع أو انتفى كمال النصر.
٥ - أن مثل هذا الأمر -النزاع والمعصية- سبب للخذلان؛ تؤخذ من واقع الأمر؛ لأن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ جواب الشرط فيه محذوف، والمعنى أنكم خسرتم هذا النصر وخذلتم، ومن قرأ الغزوة تبين له ما حصل للصحابة من الأمور العظيمة التي ستأتي إن شاء الله عند قوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣].
٦ - المعصية بعد النعمة أشد من المعصية قبل النعمة؛ لقوله: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ وإلا لكان يقول: ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ فقط، لكن كون المعصية تقع بعد أن أراهم الله ما يحبون هذه أعظم، أعظم مما إذا لم يكن الله قد أراهم ما يحبون.
٧ - الحثُّ على اجتماع الكلمة، وجهه أن النزاع سبب
стр. 916
للخذلان، فيكون الاتفاق سبب للنصر وهو كذلك، الاجتماع اجتماع الناس على كلمة واحدة لا شك أنه سبب للنصر، ولهذا ينبغي لطلبة العلم وللعلماء أن لا يظهر خلافهم ونزاعهم أمام العامة، اختلاف الآراء لابد أن يكون، لكن كون كل واحد منهم يعيب على الآخر إن خالفه، هذا خطر عظيم جدًّا؛ لأن العامة ترى هذا النزاع فلا تثق بواحد منهم، على أن العامة أيضًا سوف يتفرقون، فالنزاع لا شك أنه سبب للخذلان والفشل وتمزق الأمة.
٨ - أن المدار كله على ما في القلب؛ لقوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ وكأن هذا -والله أعلم- فيه إشارة إلى أن سبب الجبن والنزاع والمعصية سوء النية من بعض مَنْ كان فيهم، ويمكن أن نجعل قوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ جملة استئنافية تعليلية لما حصل، ولا شك أن المدار كله على ما في القلب، وأنه متى كان القلب صالحًا صلح العمل، ومتى كان فاسدًا فسد العمل.
٩ - أنه قد يكون في خير القرون من يعاب عليه الفعل؛ لقوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ ولكن الصحابة ﵃ بخاصة لهم من الفضائل والسوابق والصحبة ما يكفّر ما حصل منهم من الآفات وغيرها، ولهذا للصحابة مزية على غيرهم، يعني المكفّرات العامة لكل أحد مثل (ما يصيب المؤمن من همٍّ ولا غمٍّ ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها عنه) (١). هذه عامة
стр. 917
لكل أحد، لكن للصحابة أشياء خاصة توجب محو ما حصل منهم من السيئات، ويدلك على هذا أن منع أعظم المصائب وأكبر المعايب التجسس لحساب المشركين، ووقعت من حاطب ﵁، ولما استأذن عمر النبي ﷺ في قتله قال له النبي ﷺ : "وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (١)، مع أن هذه مصيبة عظيمة، التجسس لحساب الكفار يوجب القتل ولو كان الإنسان مسلمًا؛ لأن هذا من السعي في الأرض فسادًا، ولهذا لم يقل الرسول ﷺ لا تقتله لأنه مسلم، بل قال: لا تقتله لأنه شهد بدرًا. وقد قال الله تعالى: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، ولهذا كان القول الصحيح الذي لا شك فيه أن الجاسوس يقتل ولو كان مسلمًا، ولو كان يصلي ليلًا ونهارًا فإنه يقتل.
١٠ - إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾، فإن سبب صرف الله هؤلاء عن الكفار هو ما حصل منهم من الفشل والتنازع والمعصية.
١١ - إثبات الحكمة في أفعال الله، فيكون في هذا ردٌّ على الجهمية ونحوهم ممن ينكرون حكمة الله ، ويقولون: إن الله يفعل لا لحكمة ولكن لمجرد مشيئة، ونحن نؤمن بأن الله لا يفعل شيئًا ولا يشرع شيئًا إلا لحكمة، لكن من الحِكم ما هو معلوم للبشر وما هو مجهول لا تبلغه العقول.
стр. 918
١٢ - أن ما حصل من المؤمنين من التنازع والفشل والمعصية وإرادة الدنيا كله محاه الله ، يؤخذ من قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ إذن لا أثر له وكما سبق في قصة الخارجي الذي جاء إلى عبد الله بن عمر ﵄.
١٣ - إثبات الفضل لله عليهم وعلى غيرهم من المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فإن قال قائل: وهل لله فضل على غير المؤمنين؟
فالجواب: نعم، إن الله لذو فضل على الناس و ﴿اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] على كل أحد.
لكن الفضل نوعان: فضل خاص، وفضل عام، فالخاص للمؤمنين، والعام للجميع، وإلا فكل أحد قد تفضل الله عليه بالصحة والعافية والطعام والشراب واللباس والأزواج والبنين وغير ذلك، أما الفضل الخاص الذي يتصل بفضل الآخرة فهو للمؤمنين فقط.
* * *
• قال تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣].
﴿إِذْ﴾ هذه ظرف، والظرف لابد له من متعلق، ومتعلق "إذ" على أرجح الأقوال محذوف، والتقدير: (اذكروا إذ تصعدون) هذا أحسن ما قيل فيها وإلا بعضهم قال: إن متعلق "إذ" ما قبلها (ولقد عفا عنكم حين تصعدون). وبعضهم قال: "ثم صرفكم عنهم حين تصعدون" ولكن الأقرب أن المتعلق محذوف،
стр. 919
والتقدير: (اذكروا إذ تصعدون) حتى تكون هذه الحال دائمًا على أذهانكم.
وقوله: ﴿تُصْعِدُونَ﴾ بضم التاء وهي غير (تَصعدون) بفتحها؛ لأن الصعود الرقي إلى أعلى كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] أما الإصعاد فهو السير هربًا في أرض مستوية يقال: (أصعد) أي ذهب هاربًا أو مسرعًا في الأرض، وهذا هو الذي حصل للصحابة ﵃ ومنهم من صعد الجبل لكن المراد بقوله ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أي تهربون سراعًا في أرض مستوية؛ لأن أصعد مأخوذ من الصعيد و (الصعيد) وجه الأرض كما قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣].
قال: ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي لا تعكفون أو تلتفتون إلى أحد، ولم يقل: لم تلتفتوا؛ لأن (الليَّ) أبلغ، و (اللي) هو الانعطاف على الشيء، هم لا يلوون على أحد هربًا أو خوفًا من قتل الكفار إياهم، وتصور المشهد كيف كان، حوالي سبعمائة نفر من خيار المؤمنين يهربون لا يبقى مع الرسول ﷺ إلا نفر قليل، وانظر أيضًا قوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ الرسول ﷺ في أخريات القوم هو الذي يلي الأعداء في الآخر يدعوكم يا عباد الله، كروا، ارجعوا، ولكن لشدة الأمر لا يلوون على أحد، وهذه قضية عظيمة ولكن الله قد عفا عنهم ولم يؤاخذهم بما جرى.
﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾:
﴿أُخْرَاكُمْ﴾ يعني الآخر منكم؛ لأن من عادة النبي صلوات الله وسلامه عليه أن يكون في أخريات القوم، ليس
стр. 920
كالملوك يأخذون الصدر بل هو كالراعي يكون في الآخِر يتفقد الرعية، فقد يحتاجه أحد عندما يتخلف بعيره أو فرسه، فيساعده. كما في قصة جابر ﵁ لما رجعوا في سيرهم وكان على جمل قد تعب ولا يقدر على السير قال: فلحقني رسول الله ﵊، ودعا للجمل وضربه، ضرب الجمل ضربًا عاديًا، ودعا له فسار سيرًا لم يسر مثله قط، سبحان الله! كان لا يمشي إلا قليلًا، ثم أصبح جابر يرده في خطامه لئلا يسبق القوم -الله أكبر- هذه آية من آيات الله وآيات الرسول ﵊، ثم قال له: "بعنيه" طلب الرسول ﷺ من جابر أن يبيعه عليه (بعنيه بِوَقِيَّةٍ) والأوقية أربعون أو خمسون درهمًا ولكنه أبى، قال: لا أبيعه، والآن يساومه النبي ﷺ قال: "بعنيه"، فباعه على النبي ﵇ لكنه استثنى أن يحمله إلى المدينة فأعطاه النبي ﷺ شرطه، ثم لما وصل المدينة وأتى إلى النبي ﷺ عند باب المسجد، قال له: "أصليت؟ " قال: لا، قال: "ادخل فصلِّ ركعتين"؛ لأن السنة للمسافر إذا قدم بلده أن يبدأ قبل كل شيء بالمسجد يصلي فيه ركعتين، ثبت هذا من فِعْل الرسول ﷺ وأَمْرِه (١)، وهذه سنة تفوت كثيرًا من الناس، ثم أعطاه الدراهم وجابر يريد أن يعطيه الجمل، فقال النبي ﷺ : "أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك فهو لك" (٢).
стр. 921
حقًّا هذا غاية ما يكون من الكرم، والنبي ﷺ لم يقصد بأن يتصدق عليه. بعض العلماء ﵏ قالوا: إن الرسول ﷺ أراد أن يتصدق عليه بثمن الجمل ففعل هذه الحيلة، هذا غلط. لكن الرسول ﵊ أراد أن يعرف كيف كان غلاء هذا الجمل في قلب جابر بعد أن كان عنده رخيصًا يريد أن يتركه، فطلب منه البيع، وإلا فالذي يظهر من قوله: "أتراني ماكستك لآخذ جملك" أن الرسول ﷺ لم يرد الشراء من الأصل ولكنه أراد أن يعلم ما عند جابر ﵁.
قال تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ "أثابكم" الفاعل هو الله، ومعنى ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ أي: أعطاكم و ﴿غَمًّا﴾ هو الثواب الذي أعطاهم الله، فهو المفعول الثاني لأثابكم، والثواب هو المجازاة على العمل إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، حتى الإثابة على الشر تسمى ثوابًا، قال تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] لكن إذا قرن الثواب بالعقاب صار العقاب الجزاء على السيئات، وصار الثواب الجزاء على الحسنات، وأمثال هذا في اللغة كثير، تكون الكلمة لها معنى إذا أفردت، ولها معنى إذا قُرنت بغيرها.
وقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾:
غمًّا: مفعول ثانٍ لأثابكم، بغمٍّ: الباء هنا قيل: إنها للمصاحبة، وقيل: إنها للمبادلة، وقيل: إنها بمعنى على، ولكل وجهة نظر، فأما الذين قالوا للمصاحبة، فقالوا: إن معناها أثابكم غمًا مصحوبًا بغم يعني مقترنًا به لم يفصل بينهما فاصل، غموم متتابعة، والذين قالوا إنها بمعنى "على"، يقولون: إن معناها
стр. 922
أصابكم غمًا على غمٍّ، ولا يلزم أن تكون متتابعة، والذين قالوا إنها للبدل والعوض يقولون: إن معناها أصابكم غمًا (بغم) بدلًا عن الغم الذي حصل منكم، وإذا تأملنا وجدنا أن الآية الكريمة تحتمل كل المعاني الثلاثة كما سيتبين إن شاء الله من تفسير الغم ما هو؟ والقاعدة في التفسير: أن الآية إذا كانت تحتمل أكثر من معنى وليس بينهما منافاة فإنها تحمل على ما تحتمله من المعاني؛ لأن هذا من بلاغة القرآن. فما هي الغموم التي أصابتهم؟
نحن نعلم أن المسلمين في أُحد أصيبوا بمصائب عظيمة:
أولًا: كان النصر لهم في أول النهار ثم كان عليهم في آخر النهار، وهذا لا شك أنه يحدث غمًا عظيمًا؛ لأنه بعد أن تفرح النفوس بالنصر ثم تنتكس يكون هذا أشد عليها مما لو كانت الانتكاسة لم تسبق بنصر.
ثانيًا: قُتل منهم شهداء من شجعانهم مثل حمزة بن عبد المطلب ﵁، وهذا لا شك أنه يفت في أعضادهم.
ثالثًا: تأخر ثلث الجيش تقريبًا من أثناء الطريق وهم المنافقون الذين انخذل بهم عبد الله بن أبيّ المنافق.
رابعًا: أُشيع أن النبي ﷺ قُتل، كيف تكون نفوس المؤمنين إذا أشيع أن إمامهم وقائدهم ﷺ قد قتل؟
خامسًا: أن الرسول ﷺ أصيب يوم أحد، فكسرت رباعيته وشجَّ وجهه، وأصابه من الضعف والوهن ما لم يصبه من قبل، فالغموم كثيرة.
وهذه الغموم إذا قلنا: إن الباء بدلية يكون معناها أنكم أصابكم غم بسبب ما أصبتم الرسول ﷺ به من الغم؛ لأن نزولهم
стр. 923
من الجبل الذي جعلهم النبي ﷺ فيه لا شك أنه يحزن الرسول ﵊، ذلك القائد الذي رتَّب الجيش وأمرهم بأن لا يدعوا المكان مهما كان الأمر ثم خالفوه، وطاعة النبي ﷺ في هذا الباب واجبة من وجهين:
الأول: أن أمره شرع يجب اتباعه.
والثاني: من وجهة أنه قائد وولي أمر، ومخالفة القائد ولو لم يكن رسولًا تعتبر شديدة في نفسه، فكما أنه حصل للنبي ﷺ منهم غم أصابهم الله بغموم.
أما على القول بأنها للمصاحبة فالأمر ظاهر؛ لأنها غموم متلاحقة في غزوة واحدة.
وأما كونه غمًا على غم فكذلك أيضًا، كلما فات غم أتى غم آخر، ولهذا قال: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾، اللام هنا للتعليل، والمعلل قوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ أى: أثابكم غمًا بغم من أجل أن لا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم كيف ذلك؟ لأن الغم الأكبر ينسي الغم الأصغر فمثلًا:
إذا فاتهم النصر فهذا غم بلا شك، لكن إذا قُتل نبيهم ﵊ هذا أشد غمًّا، فلما أشيع أنه قتل نسوا الغم الأول ولم يحزنوا عليه لأنهم أصيبوا بغم أكبر. فإذا جاء الفرج وتبين أن الرسول ﷺ قد بقي زالت الغشاوة كلها، فيكون هذا من لطف الله بهم أنه يصيبهم بمصائب تنسيهم المصائب الأولى، ثم بعد ذلك تنفرج، وهذا من رحمته وعنايته بالصحابة والنبي ﷺ ، ولهذا قال: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾
стр. 924
يعني: من النصر والغنيمة ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ من الخذلان وفَقْد الغنيمة، فهذه من حكمة الله ، هذا هو الصواب في معنى الآية الذي لا يحتمل غيره. وأما قول صاحب الجلالين ﵀: إنَّ "لا" زائدة هنا والمعنى لكي تحزنوا على ما فاتكم وما أصابكم، فهذا قول بعيد جدًّا، بل إن الله يحب من المؤمنين ألا يحزنوا بل ويسلّيهم إذا وجدت أسباب الحزن. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٠] هذا تسلية، فكيف يفعل الله شيئًا من أجل أن يحزنوا؟ لكن المعنى كما سبق أن هذه الغموم التي أصابتهم من أجل أن ينسي بعضها بعضًا فلا يحزنوا على ما أصابهم ولا ما فاتهم، وحينئذٍ إذا انكشف الكل صار له طعم لذيذ في النفوس.
ونصبُ الفعل "تحزنوا" في قوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ هل هو بـ"كي" أم باللام؟
يقولون: إذا ذكرت "اللام" و"كي" فالنصب بـ"كي"، وإذا ذكرت "كي" وحدها أو "اللام" وحدها فالكوفيون يقولون: الحرف هو الناصب، والبصريون يقولون: الناصب (أن مضمرة) يعني إذا اجتمعا صار النصب (بكي) مباشرة.
يقول : ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. خبير مأخوذ من الخُبْرِ وهو العلم ببواطن الأمور، ومنه سمي الزارع خبيرًا لأنه يدفن الحب ويخفيه. فالأصل أن هذه المادة تدل على الخفاء، فالخبير هو العليم ببواطن الأمور، والعليم ببواطن الأمور عليم بظواهر الأمور من باب أولى.
стр. 925
وقوله: ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾:
﴿بِمَا﴾ أي (بالذي) تعملون من خير وشر، من فعل وقول ووسوسة في النفوس، لكن هنا قال: "بما تعملون" لأن المراد بالخبرة هنا ما يترتب عليها من الحساب، فهي جملة خبرية تفيد التهديد؛ لأن الله لا يحاسب إلا على العمل. أما حديث النفس فلا يحاسب عليه، ولو حدّث الإنسان نفسه بفعل المعاصي أو ترك الواجبات ثم لم ينفذ فإنه لا يحاسب، ولهذا قال: ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - تذكير المؤمنين بما جرى منهم من المخالفة حيث قال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ﴾ هذا على القول بأن (إذ) متعلقة بمحذوف تقديره (اذكر)، أما على القول بأنها متعلقة بـ (عفا) فيستفاد منها تذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم في عفوه عنهم حين أَصْعَدوا.
٢ - التوبيخ اللطيف في قوله: ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ فإن الشجاعة تمنع أن يقع من الإنسان مثل هذه الحال، يهرب ولا يلوي على أحد، والرسول يدعوه يقول: (إليَّ عباد الله) ففيها توبيخ لطيف للصحابة مما جرى منهم.
٣ - حسن رعاية النبي ﷺ لأمته في قيادته العظيمة حيث يكون في أخريات القوم، وهذا شأنه صلوات الله وسلامه عليه، أن يكون في أخريات القوم من أجل أن يتفقدهم، وليس كالملوك الذين يتقدمون الناس، بل هو يتأخر، كما حصل في قصة جمل جابر ﵁ حيث كان النبي ﷺ في أخريات القوم وقد
стр. 926
أعيا جمل جابر، فلحقه النبي ﷺ وضربه ودعا له فمشى الجمل. مما يدل على أنه من أهداف النبي ﷺ للتأخر مثل هذه الحالة.
٤ - أنه ينبغي للقائد أن يكون ذا شجاعة في قيادته بحيث يثبت ويدعو إلى الثبات بقوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ لأنه لو لم يثبت وهرب معهم لم يكن صالحًا للقيادة.
٥ - إثبات رسالة النبي ﷺ في قوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾.
٦ - حكمة الله وعدله في إثابته عباده؛ لقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾، فالعدل ظاهر جدًّا إذا جعلنا الباء للبدل، والحكمة ظاهرة إذا جعلناها للمصاحبة أو بمعنى على؛ لأن هذه الغموم التي يتلو بعضها بعضًا يخفف بعضها بعضًا.
٧ - إثبات الحكمة، إثبات حكمة الله في أفعاله من قوله (لكيلا)، فإن اللام هنا للتعليل، وهذه المسألة -أعني إثبات الحكمة لله في أفعاله وأحكامه الشرعية- ينفيها الجهمية بل والأشعرية أيضًا ينفونها ويقولون: إن أفعال الله لا تعلل لأنها لو عللت لكان يفعل لغرض، ولأنها لو عللت لصح أن يتوجه السؤال إليه عنها. فيقال: لم فعلت؟ والله ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وقد بيّنا فيما سبق أن نفي العلة أو نفي الحكمة لأفعال الله يعد تنقصًا لله ؛ لأنه إذا انتفت الحكمة في أحكامه الشرعية أو القدرية صارت أحكامه عبثًا ولعبًا، وقد أبطل الله ذلك في عدة آيات من أشهرها قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧].
стр. 927
٨ - أن الله يحب من عباده ألا يحزنوا؛ لأنه قدّر الغم بالغم من أجل ألا يحزنوا، وذلك لأن الحزن يحدث للإنسان انقباضًا ربما يمنعه عن كثير من المصالح، وربما يحدث له عقدًا نفسية، والإنسان ينبغي أن يعوِّد نفسه على انشراح الصدر وانبساط النفس بقدر ما يستطيع؛ لأنه لا شك أن الإنسان إذا كان صدره منشرحًا ونفسه منبسطة أن يكون مستريحًا قابلًا للتفهم والتفهيم.
٩ - التربية العظيمة للعباد، وهي ألا يحزنوا على ما فاتهم، إذا فاتك خير تظنه خيرًا لنفسك فقل: قَدَّرَ الله وما شاء فعل، وكذلك إذا أصابك ما تكره قل: قدر الله وما شاء فعل، واعلم أن الحزن لا يرد الغائب أبدًا، وإنما يزيد الإنسان بلاءً.
١٠ - إثبات علم الله الواسع بكل معلوم؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
١١ - وجوب الحذر من المخالفة، مخالفة الله . ووجهه: أنه إذا كان خبيرًا بعملنا فإن ذلك يوجب لنا ألا نخالفه؛ لأننا إن خالفناه علم، وإذا علم فسوف يحاسبنا.
١٢ - الرد على الجبرية من قوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ ووجه ذلك: أنه أضاف العمل إليهم. والجبرية يقولون: إن الإنسان لا يعمل، لا يفعل شيئًا باختياره.
١٣ - الرد على غلاة القدرية من قوله: ﴿خَبِيرٌ﴾ لأن غلاة القدرية ينكرون علم الله بفعل العبد، ويقولون: إن الله لا يعلم أفعال العبد لكن إذا فعلها علم بها.
стр. 928
• ثم قال : ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]:
﴿ثُمَّ﴾ للترتيب بمهلة، ﴿أَنزَلَ﴾ أي الله ﴿مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ﴾ كل الغموم السابقة، فالمراد بالغم هنا جنس الغم فشمل الغم بعد الغم. ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ أمنة يجوز في إعرابها وجهان:
الوجه الأول: أن تكون مفعولًا لأجله.
الوجه الثاني: أن تكون مفعولًا به لأنزل، فعلى الوجه الأول يكون "نعاسًا" مفعول أنزل، وعلى الثاني يكون "نعاسًا" بدلًا أو عطف بيان من أمنة، وأمنة بمعنى أَمن، يعني أنزل لكم من بعد الغم أمنًا، وأمنة وأمن بمعنى واحد، وقال بعض المفسرين: إن هناك فرقًا بين الأمن وبين الأمنة، وهو أن الأمنة أمن مؤقت يكون بعده خوف كما في الآية، والأمن يكون أمنًا مطردًا كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] في الجنة.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن الأمن مصدرٌ، والمصدر مطلق يشمل القليل والكثير أما ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ فإن فيها (أل) الدالة على الكمال والاستغراق، لكن لو قلت: أَمِن أمنًا لا يدل على أنه دائم أو أمنة لا يدل على أنه دائم، فالظاهر القول الأول، أنه لا فرق بينهما، لهذا فسره كثير من المفسرين قالوا: أمنة يعني أمنًا.
стр. 929
فما المراد بهذا الأمن؟ قال: (نعاسًا) والنعاس: مقدمة النوم، وهو دليل على طمأنينة القلب؛ لأن الخائف لا يمكن أن يَنْعَس، لِأَنَّ قلبه مضطرب، لكن الآمن المطمئن ينعس، ولهذا قال: ﴿نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ وفي قراءة: (تغشى طائفة منكم) فإذا كانت القراءة (تغشى) فالضمير يعود على أمنة. وإذا كانت القراءة (يغشى) فالضمير يعود على نعاسًا.
﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾:
أي يصيب طائفة، والغشيان في الأصل: التغطية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، لكن قد يراد به مجرد الإصابة وقد يراد به مع الإصابة أنه شملهم جميعًا. ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين.
﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾:
يعني فلم يغشهم النعاس لماذا؟ لأن أنفسهم قد أهمتهم، وأوقعتهم في الهم؛ وهم من شدة قلقهم يقولون: لا ندري ما يكون، والذي هكذا حاله لا يأتيه النوم ولا يقربه النعاس، ولهذا قال: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ وطوى ذكر ترك عدم النعاس لأنه يعلم من حَار منهم فإنه لا يمكن أن ينعس إذا كانت قد أهمتهم أنفسهم.
يقول: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾:
جملة ﴿يَظُنُّونَ﴾ يجوز أن تكون خبرًا ثانيًا لقوله: ﴿وَطَائِفَةٌ﴾ والخبر الأول جملة (قد أهمتهم أنفسهم)، يعني: وطائفة أهمتهم أنفسهم وكذلك يظنون بالله غير الحق، ويجوز أن
стр. 930
تكون ﴿يَظُنُّونَ﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿أَهَمَّتْهُمْ﴾ يعني: أهمتهم حال كونهم يظنون بالله غير الحق، يعني: يظنون بالله ظنًا غير ظن الحق، فما هو هذا الظن؟
يظنون أشياء كثيرة يقولون مثلًا: هل لنا من الأمر من شيء؟ وظنهم مثلًا أن الرسول ﵊ قُتل حقيقة، وأنه لا نصر للإسلام بعده، وأن الدولة ستكون للكافرين، وما أشبه ذلك من الظنون الفاسدة، ولا شك أن هذا ظن مبني على الجهل، ولهذا قال: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ فبدأ ببطلان هذا الظن أولًا، ثم بيَّن أنه صادر عن جهل ولهذا قال: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ أي ظن أهل الجهل؛ لأن من عرف الله بأسمائه وصفاته وأحكامه لا يمكن أبدًا أن يظن به هذا الظن، أن الله يديل الباطل على الحق، وأن الله لا ينصر رسوله، لا يظن هذا الظن إلا من لا يعرف الله .
قال: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾:
جملة (يقولون) يصح أن تكون خبرًا ثانيًا أو ثالثًا لطائفة، ويصح أن تكون حالًا من الواو في (يظنون)، يظنون حال كونهم قائلين.
وقوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ بألسنتهم أو بقلوبهم؟
يحتمل الأمرين، يحتمل أنهم يقولون في أنفسهم، ويحتمل أنهم يقولون في قلوبهم بألسنتهم، يعني يقول بعضهم لبعض: هل لنا من الأمر من شيء؟ .
والأصل في القول إذا أطلق فهو قول اللسان، وإذا كان
стр. 931
قول النفس فلابد أن يقيد، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨]، فإذن تكون الآية دالة على أن هذا القول صادر منهم بألسنتهم.
إذا قال قائل: أنتم تقولون: إن القول إذا أطلق فهو قول اللّسان فكيف تجيبون عن قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١]؟ يقال: هذا من باب التأكيد، وليقابل قول ما ليس في قلوبهم.
﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾:
﴿هَل﴾ هنا للاستفهام لكن المراد من الاستفهام هنا الإنكار، كأنهم يقولون: هل نحن روجعنا، هل أخذت مشورتنا، أو أنهم ينفون فيكون الاستفهام للنفي يعني يقول: ليس لنا من الأمر من شيء.
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾:
هذا يؤيد أن ﴿هَل﴾ بمعنى الإنكار أي أنهم ينكرون أنهم لم يرجع إليهم بشيء، فسياق الآية يدل على هذا، وأن هؤلاء أخذوا على القيادة في هذه الغزوة أنها لم تراجعهم. وقالوا: هل لنا من الأمر من شيء؟ فقال الله : ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾. ويؤيد هذا أيضًا قوله: يقولون ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ يعني لو كان لنا من الأمر شيء ما حصلت هذه الهزيمة إلى آخر الآيات. فالظاهر أن الاستفهام هنا ليس للنفي كما ذهب إليه بعض المفسرين، ولكن معناه الإنكار على القيادة أنها لم تراجعهم في هذا الأمر.
﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾، الأمر هنا واحد
стр. 932
الأمور أو واحد الأوامر؟ الأول: يعني: هل لنا من أمور الحرب شيء؟ لم يوجّه إلينا من أمر الحرب شيء، فكأنهم يريدون أن يتنصلوا مما حصل ويقولون: ما روجعنا ولا رُجِع إلينا ولا أُخِذ رأينا.
قال الله : ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾:
فيها قراءتان: (كُلُّه) و (كُلَّه) فأيهما أرجح؟
يقال: إن كليهما راجح؛ لأنهما قراءتان سبعيتان، فإذا كانت (كلَّه) صارت كل: منصوبة على التوكيد؛ توكيد الأمر ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ وعلى قراءة الرفع تكون (الأمر) اسم إن، و (كل) مبتدأ و (لله) خبره، والجملة من المبتدأ والخبر: خبر إن، على كل حال هنا (الأمرَ كلَّه لله) يشمل الأمر الكوني والأمر الشرعي، فالأمر لله كله هو الذي يتصرف في عباده كما يشاء حسب ما تقتضيه الحكمة، سواء كان هذا الأمر كونيًا وهو الذي يقول الله له: كن فيكون، أو شرعيًا وهو الأمر الموجه للعباد افعلوا أو لا تفعلوا، كله لله، كما أن الحكم كله لله.
قال الله تعالى: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾:
﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي يضمرون في نفوسهم ما لا يبدونه للرسول ﷺ ، ولكن الله يعلمه، وهذا يعد بلا شك مما جرى من بعض الصحابة ﵃، وهو أمر لو تركوه لكان أفضل، فلو كانوا يصارحون الرسول ﷺ ويصالحونه لكان خيرًا من كونهم يتكلمون فيما بينهم ويخفونه عن رسول الله ﷺ ، وهذا ليس لجميع الصحابة بل لطائفة منهم؛ لأن المنافقين كلهم رجعوا قبل أن يصلوا إلى أُحد، فإن بقي فقد بقي ناس قليلون، لكن ظاهر الآية
стр. 933
حين قال: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أن هذه الطائفة من المؤمنين مع أنه ربما يقول قائل: بل إن الآية تدل على أن هذه الطائفة ليست من المؤمنين؛ لأنه قال: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ ولم يقل: وطائفة منكم لكن الذي يرجح التقسيم الأول؛ لأنه قال: يغشى طائفة وطائفة قد أهمتهم، والمفسرون مختلفون في ذلك على قولين:
القول الأول: أن هذه الطائفة طائفة من المنافقين.
القول الثاني: أنها طائفة من المؤمنين لكنهم ضعاف الإيمان.
وقوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ﴾:
جملة (يقولون) تفسير للذي يخفونه، والقول هنا قول باللسان؛ لأن القول إذا أطلق فهو قول اللسان.
﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾:
الأمر هنا واحد الأمور، يعني لو كان لنا من الشأن في هذه الغزوة شيء وردّ الأمر إلينا ما قتلنا هاهنا، يعني ما خرجنا ولا قتلنا، وذلك أن النبي ﵊ استشار الصحابة حين الخروج إلى أُحد هل يخرج أم لا؟
فأشار عليه الشبان بأن يخرج لأنهم أو كثيرًا منهم لم يخرجوا في غزوة بدر، فأرادوا أن يعوضوا عن تخلفهم عن غزوة بدر بهذه الغزوة، وقال بعض الصحابة: بل نبقى يا رسول الله في المدينة فإن دخلوا علينا قاتلناهم من على السطوح، وكان رأي النبي ﷺ يميل إلى هذا، ولكنه دخل بيته ﵊ ثم عزم على أن يخرج ولبس لأمة الحرب وخرج.
стр. 934
فكأنهم أرادوا أن يرجع عن عزيمته وقالوا: استكرهنا رسول الله ﷺ فقالوا له فقال: "ما كان لنبي لبس لأمة الحرب أن يضعها حتى يفتح الله بينه وبين عدوه" (١) فخرج، فالذين قالوا نبقى في المدينة هم الذين قالوا: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ يعني لبقينا في المدينة ولم نقتل.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾:
يعني قل يا محمد لهؤلاء الذين قالوا: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾: لو كنتم في بيوتكم أي لو بقيتم فيها ولم تخرجوا ليس في مدينتكم فحسب بل في بيوتكم في قعر البيت لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم، يعني اختفاءكم وبقاءكم في بيوتكم لا يمنع أن تبرزوا إلى مضاجعكم حيث كتب عليكم القتل.
وقوله: ﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾ فيها قراءتان سبعيتان: ضم الباء وكسرها في (بِيُوتكم).
وفي ﴿كُتِبَ عَلَيْهِمُ﴾ ثلاث قراءات سبعيات: كسر الهاء والميم، وضم الهاء مع ضم الميم، وكسر الهاء مع ضم الميم (عليهِمِ القتل) (عليهُمُ القتل) (عليهِمُ القتل).
وقوله: ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ﴾:
(لو) هذه شرطية، وفعل الشرط: (كنتم) وجوابه (لبرز)، وقد مرَّ علينا أن (لو) تأتي شرطية وتأتي مصدرية للتمني، مثل
стр. 935
قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] يعني ودوا أن تدهن، فتكون مصدرية.
﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾:
كتب عليهم القتل كتابة قدرية لا كتابة شرعية، فهي كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] هذه كتابة قدرية. أما قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] فهي كتابة شرعية بمعنى فرض.
وقوله: ﴿إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾:
أي مكان الاضطجاع؛ لأن الميت يضطجع في قبره ولكنه اضطجاع إلى أمدٍ، إلى أن يبعث يوم القيامة، فإن الاضطجاع في القبور ليس هو آخر شيء، ولما سمع أعرابي رجلًا يقرأ قول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١، ٢] قال: والله ما الزائر بمقيم، فاستدل بهذه الآية على أنه لابد من مفارقة لهذه المقابر وذلك في البعث.
وقوله: ﴿إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي محل اضطجاعهم الذي يدفنون فيه.
﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾:
الواو حرف عطف، واللام: لام التعليل، ولهذا يجب كسرها ولا يجوز أن تسكنها، يعني لا يجوز أن تقرأ (ولْيبتلي) بل يجب أن تقول (وليبتلي) لأن لام التعليل مكسورة في كل حال بخلاف لام الأمر، فإن لام الأمر تسكن إذا وقعت بعد حرف العطف الواو والفاء وثم، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ
стр. 936
وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] أما لام التعليل فإنها مكسورة دائمًا ولو بعد الواو أو ثم أو الفاء.
يقول: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ﴾:
الواو حرف عطف فأين المعطوف عليه؟
يقولون: إن المعطوف عليه مقدر، والتقدير: فعل ما فعل ليتبين لكم ما حصل بسبب عصيانكم وليبتلي، فالمقدر الآن علة ومعلول لأجل أن يصح عطف العلة الثانية على العلة التي حذفت مع معلولها.
وقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾:
(يبتلي) بمعنى يختبر ويمتحن، و (ما في صدوركم) هي القلوب؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾:
قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ معطوفة على يبتلي، والتمحيص بمعنى التخليص، محَّصه أي خلّصه، يخلّص ما في قلوبكم من كل ما يكون فيها من إرادات سيئة كقوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] أو فيه شيء من التسخط على القدر أو غير ذلك مما يفسد ما في القلب.
وقوله: ﴿مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وإذا قال قائل: ذكرتم أن ما في الصدور هي القلوب، وأن التمحيص أيضًا للقلوب، فكيف كان ذلك؟
نقول: كان ذلك لأن الابتلاء غير التمحيص، الابتلاء:
стр. 937
اختبار، والتمحيص: تنقية، ولهذا اختلف التعبير فقال: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ولم يقل: ما في صدوركم بل قال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ من الأذى الذي يضركم في دينكم؛ لأن كراهة ما وقع أو إرادة ما لا ينبغي إرادته أين تكون؟ تكون في القلب، ولهذا كان التمحيص على ما في القلب أو كان التمحيص لما في القلب لا للقلب نفسه، والابتلاء للقلب نفسه، ويبتلي ما في صدوركم ويمحص ما في القلوب أي ينقي، فاختلف المورد. المورد في الأول: القلب، وفي الثاني: ما في القلب.
﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾:
الجملة هذه استئنافية لبيان إحاطة علم الله بما في القلب ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٦، ١٧].
وفائدة ختم الآية بها أنه لما بيَّن أن الله تعالى قدّر ما قدّر لهاتين الحكمتين الابتلاء والتمحيص، بيَّن أنه بعد ذلك سيعلم ماذا يكون في القلب بعد هذا الابتلاء وهذا التمحيص.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن الله هو الذي يجلب للمرء النوم أو يرفعه عنه؛ لقوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾، ولكن الله بحكمته جعل للنوم أسبابًا، فالإنسان مثلًا إذا اضطجع واسترخى أتاه النوم، وإذا انشغل قلبه واهتم لأمر ما فإنه لا يأتيه النوم، وهذا كغيره من الأشياء التي تكون بإرادة الله ولكن لها سبب.
стр. 938
٢ - أنك إذا أرقت ولم يأتك النوم في الليل؛ فالجأ إلى الله واسأله أن يذهب عنك الأرق، وادع بما وردت به السنة من دعاء الأرق المشهور (١).
٣ - أن النعاس قد يكون محمودًا ويعتبر من النعم؛ لقوله: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾. قال العلماء: النعاس في الحرب نعمة، والنعاس في العلم لا يكون نقمة ولكن يكون مذمومًا، يعني محمودًا في الحرب ونعمة، أما في العلم فإنه مذموم، وكذلك أيضًا في الصلاة. ولكنه إذا غلب على الإنسان فإنه لا يؤاخذ به إلا أن النبي ﷺ أمر الإنسان إذا أصابه النعاس في الصلاة أن يضطجع، وأن يستريح قال: فلعله يذهب ليدعو لنفسه فيكون الأمر بالعكس (٢).
٤ - أن النعاس الذي أصابهم إنما أصاب المؤمنين الخلّص؛ لقوله: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾.
٥ - أنه قد يوجد في الكمّل من المؤمنين شيء من العيوب كالأنانية، فإن قوله: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يدل على أنانيتهم وأنهم ليس لهم همٌّ إلا أنفسهم، والذي يليق بالمؤمن أن يكون همّه في مثل هذه المواطن نصرة الإسلام وعزة الإسلام، وأن يبيع نفسه لله.
стр. 939
٦ - أن الإنسان الذي لا يكون له همٌّ إلا نفسه في هذه المواطن قد يبتلى -والعياذ بالله- بهذه البلوى العظيمة، وهي أن يظن بالله غير الحق ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾. وقد ذكر ابن القيم ﵀ في "زاد المعاد" أنواعًا كثيرة من الظن بالله غير الحق منها:
أنهم ظنوا أن هذه الهزيمة لا انتصار بعدها، وهذا ظن سوء؛ فكل من ظنَّ أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة فقد ظنَّ بالله ظن السوء، ومن أراد أن يرجع إلى كلام ابن القيم في زاد المعاد فهو كلام جيد لم يوجد لا في كتب التفسير ولا في كتب التاريخ.
٧ - ذم من ظنَّ بالله غير الحق؛ لأن الله ذكر ذلك في سياق ذم هؤلاء الذين ليس لهم همٌّ إلا أنفسهم، فإذا كان من ظنَّ بالله غير الحق مذمومًا كان من ظنَّ به ظنَّ الحق محمودًا.
٨ - أنه لا يظن أحدٌ بالله ظنًا غير الحق إلا وهو جاهل؛ لقوله تعالى: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ فكل من ظنَّ بالله غير الحق فإنه بلا شك جاهل لم يقدر الله حقَّ قدره.
٩ - أن هؤلاء أنكروا ما فعله الرسول ﷺ من الخروج إلى أحد، لكنه على وجه خفي؛ لقولهم: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لأنه على زعمهم لو كان لهم شيء من الأمر ما قتلوا.
١٠ - بيان أن الأمر كله لله، الأمر الشرعي، والأمر الكوني، ليس لأحد مع الله أمر، فكل الأمر لله؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾.
١١ - أنه يجب على الإنسان أن ينكر المنكر بذكر الحق؛ لأن الله قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، والأمر في قوله ﴿قُل﴾ أدنى أحواله أن يكون للاستحباب.
стр. 940
١٢ - أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب؛ لقوله تعالى: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ لأنه لو كان يعلم الغيب لكان يعلم ما يخفون وإن لم يبدوه، ولكن النبي ﷺ لا يعلم الغيب لا في حياته ولا بعد مماته، وإذا كان لا يعلم الغيب في حياته فعدم علمه الغيب في مماته من باب أولى، وقد صرح الله بذلك حيث أمره أن يقول: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠] أمر الله أن يعلن هذا وقد أعلنه ﵊ على الملأ، لم يكتم شيئًا مما أوحاه الله إليه ومنه هذا.
١٣ - التنديد بمن يعترضون على القدر؛ لقوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ إلخ.
١٤ - أن ﴿لَوْ﴾ بعد القدر لا تفيد شيئًا؛ لقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ فقضاء الله لا مفر منه.
١٥ - أنه قد يكون فيها إشارة إلى أن الشهداء يدفنون في مكان استشهادهم؛ لقوله: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي في أماكن قتلهم. وهذا إن لم تفده هذه الآية فقد استفيد من السنة، فإن قومًا من الصحابة حملوا قتلاهم في أحد لدفنهم في المدينة فأمر النبي ﷺ بردِّهم إلى مصارعهم يدفنون هناك فدفنوا في أحد (١).
стр. 941
١٦ - إثبات الحكمة في أفعال الله بقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ والنصوص في إثبات حكمة الله لا تعد ولا تحصى، بل حتى الأمور الكونية التي لا حصر لها كلها تفيد إثبات حكمة الله .
١٧ - أن العبرة والمدار على القلوب التي في الصدور؛ لقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ وقد بيَّنا فيما مضى أن أحكام الدنيا على الظواهر، وأحكام الآخرة على البواطن، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ٩، ١٠]، وقوله ﵎: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٨، ٩]، ولأن النبي ﷺ كان لا يقتل المنافقين وهو يعلم ببعضهم ويقول: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" (١) إجراءً على ظاهرهم، ولأنه لو رُجِع إلى الباطن في أحكام الدنيا لسادت الفوضى بين الأمة؛ لأن كل إنسان قد يقتل الشخص أو يؤدبه أو يعزِّره ويقول: إن قلبه منطو على الكفر والنفاق، ويحصل في هذا من الشر ما لا يمكن أن تعيش الأمة به، ولكن الله بحكمته ورحمته جعل أحكام الدنيا على الظواهر.
١٨ - أن الله تعالى قد يبتلي عباده بما ينقي قلوبهم ويخلصها من الشوائب؛ لقوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ والتمحيص كما قلنا التنقية.
стр. 942
١٩ - إثبات علم الله بما في القلوب؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
ويتفرع على هذه الفائدة: التحذير من إضمار ما لا يرضى به الله؛ لأنك إذا أضمرت ما لم يرض به الله فسوف يحاسبك عليه وإن كان لا يبدو للناس، فعلى المرء أن يحاسب نفسه دائمًا وينظر ما في قلبه، هل في قلبه الخير وإرادة ما يرضي الله أو أن الأمر بالعكس؟ فليصحح الوضع.
* * *
• قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥].
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾ هذه جملة مؤكدة بـ (إنّ)، و (الذين) اسمها، وقوله: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ جملة خبر إن.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾:
جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات. وهي: القسَم، واللام، وقد.
يقول الله خبرًا عن هؤلاء الذين تولوا يوم أحد وانهزموا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾:
الجمعان: مثنى جمع، والمراد بهم جمع الرسول ﷺ وجمع الكفار، المسلمون بقيادة الرسول ﷺ ، والكفار بقيادة أبي سفيان.
يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾:
تولوا: يعني أدبروا وهربوا وهم أكثر الجيش حتى إنه لم يبق مع النبي ﷺ إلا نحو ثلاثة عشر رجلًا منهم أبو بكر وعمر وعلي
стр. 943
رضي الله عنهم (١)، هؤلاء الذين تولوا يوم التقى الجمعان أي تلاقوا وجهًا لوجه. ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾: استزل: في الأصل طلب الزلة، يعني إنما صدهم الشيطان من أجل أن يطلب زلتهم، وقيل: استزل بمعنى أزل يعني إنما أزلهم. والمراد بـ"أزل" أي: أوقعهم في الزلل، والزلل هو الخطأ والانحراف عن الصواب.
وقوله: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾:
الشيطان: اسم جنس، ولكل إنسان شيطان قرين له يأمره بالشر وينهاه عن الخير، والشيطان هنا يقولون: إنه مشتق من شَطَن إذا بَعُدَ؛ لبعده عن رحمة الله، ومن أجل ذلك كان منصرفًا كما قال تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧]. وقال بعضهم: إنه من شَاطَ، ولو كان كذلك لكان غير منصرف إذا قصد به العَلم؛ لأنه إذا كان من شاط صارت النون والألف زائدتين، وإذا كانت النون والألف زائدتين في عَلَمٍ أو في وَصْفٍ امتنع من الصرف.
﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾:
الباء هنا للسببية، أي ببعض الذي كسبوه، وما هو الذي يكون سببًا لإغواء الشيطان من المكاسب؟ هو المعاصي أي: أن لديهم ذنوبًا كانت سابقة، ثم إن الشيطان استزلهم بها أي أوقعهم في الزلل لسبب هذه الذنوب؛ لأن الذنوب تكون سببًا للذنوب الأخرى، ولهذا قال بعض السلف: إن من علامة قبول الحسنة الحسنة بعدها، ومن علامة ردها السيئة بعدها.
стр. 944
فالإنسان إذا أذنب ذنبًا فإنه إن لم يتب فإن الشيطان يوقعه في ذنب آخر، وهكذا حتى يصبح قد أحاطت به خطيئته، ولهذا قال العلماء: إن المعاصي بريد الكفر، يعني تنتقل بالإنسان مرحلة بعد أخرى حتى يصل إلى قمة المعاصي وهي الكفر.
ثم قال الله لما بيَّن خطأهم وأنهم هم السبب في هذا الخطأ: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾. وهذه كالتي سبقت في قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] فكرر الله العفو مرتين.
﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾: أي عن الذين تولوا، والعفو: ترك المؤاخذة على الذنب، ويكون في الغالب في ترك الواجبات، يعني أن الله عفا عمن ترك الواجب، والمغفرة وتكون فيمن فعل المحرم.
﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾:
الغفور من أسماء الله، والحليم من أسمائه سبحانه، والغفور معناه ذو المغفرة وهي ستر الذنب والتجاوز عنه؛ لأن أصلها من المِغْفَر وهو ما يلبس على الرأس ليتقى به السهام، وهو جامع بين الستر والوقاية، أما الحلم فهو التأني وعدم السرعة، ولهذا قال ابن القيم ﵀:
وهو الحليم فلا يعاجل عبده ... بعقوبة ليتوب من عصيان
فالحليم معناها: الممهل للعباد المتأني في عقوبتهم.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - بيان سبب انهزام من انهزم من الصحابة، وهو استزلال الشيطان لهم، ثم بيان هذا السبب الذي بُني عليه هذا السبب،
стр. 945
وهو بعض ما كسبوا من المعاصي، فيستفاد من هذا أو يتفرع من هذه الفائدة فائدتان:
الفائدة الأولى: أن كل ترك للواجب أو فعل للمحرم فإنما هو من استزلال الشيطان؛ لأنه هو الذي يأمر بالفحشاء وينهى عن المعروف، فكل ما حصل من تفريط في واجب، أو وقوع في محرم فإنه من الشيطان.
والفائدة الثانية: أن الإنسان قد يعاقب بالمعصية لمعصية أخرى، أي أنه تكون عقوبته أن يعصي الله مرة ثانية.
ويتفرع على هذا أيضًا فائدة وهي: أن العقوبة لا تختص بالألم البدني أو فوات الشهوات، بل قد تكون العقوبة بخذلان المرء عن الطاعات، ويذكر عن الحسن البصري ﵀ أنه قال: إن الرجل ليحرم قيام الليل بما فعل من المعصية أو بالذنب يصيبه.
ولا شك أن المعاصي سبب للخذلان، ويؤيد ما قلنا هذه الآية: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾، وهي التي بنينا عليها هذه الفائدة، لكن يؤيدها أيضًا قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ هذه عقوبة بدنية، ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ وهذه عقوبة دينية، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ وهذه أيضًا عقوبة دينية ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] كذلك، فالمعاصي لها أسباب سيئة وعواقب وخيمة نسأل الله العفو والعافية.
٢ - تحريم الفرار إذا التقى الجمعان، وجهه أن الله بيَّن أن هذا من استزلال الشيطان وأنه عفا عنهم، ولولا أنهم يستحقون
стр. 946
العقوبة لم يكن لقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ فائدة، نستثني من ذلك -أي من تحريم الفرار عند التقاء الجمعان- مسائل:
المسألة الأولى: إذا كانوا أكثر مثليهم فلهم الفرار ولكن الثبات أفضل.
المسألة الثانية: إذا كان متحرفًا لقتال، يعني من أجل أن يأتي بأسلحة أو يستحث قومًا على الجهاد، أو ذهب من أجل أن يكرّ عليهم من الجهة الأخرى، المهم أنه متحرف لقتال.
المسألة الثالثة: أو متحيزًا إلى فئة، يعني أن الجبهة التي هو فيها ضعفت ففرَّ من أجل أن يتحيز إلى فئة أقوى، أو تكون الجبهتان ضعيفتين فتتحيز إحداهما إلى الأخرى، فهذا لا بأس به، وما عدا ذلك فإن الفرار يوم الزحف من كبائر الذنوب والعياذ بالله كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥، ١٦].
٣ - إثبات أن للشيطان تأثيرًا على العبد حتى في عمله الصالح وحتى في الجهاد؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾، ولكن بماذا تحصل العصمة من هذا الشيطان؟ تحصل العصمة بما ذكره الله في قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، هذه العصمة كلما أحسست بشيء في داخلك ينهاك عن معروف ويأمرك بمنكر فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
٤ - الردُّ على الجبرية وذلك من قوله: ﴿بِبَعْضِ مَا
стр. 947
كَسَبُوا﴾، ومن قوله: ﴿تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾.
٥ - بيان أن الله قد عفا عن هؤلاء؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾.
٦ - أنه ينبغي التأكيد من أجل زيادة طمأنينة المخاطب؛ لأنه أكَّد هذه الجملة الخبرية التي تفيد العفو عنهم؛ أكدها بقسَم، ولام، وقد، من أجل أن تزداد طمأنينتهم في هذا العفو.
٧ - بيان فضل الله على عباده وإلا فإن الفرار الذي حصل من الصحابة عظيم، لكن رحمة الله أوسع، فمن أجل سعة رحمة الله عفا الله عنهم.
٨ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما الغفور والحليم وما تضمناه من صفة، فالغفور تضمن المغفرة، والحليم تضمن الحلم.
* * *
• ثم قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٥٦]:
قوله: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ اللام هل هي للتعدية أي: تعدية القيول أم لها معنى آخر؟ نقول: إن لها معنى آخر، وليس لتعدية القول؛ لأن إخوانهم قد ماتوا وقتلوا، فلا يمكن أن يوجَّه القول لهم لكنها بمعنى (في) أي: قالوا في إخوانهم. أو بمعنى (عَنْ) أي: قالوا عن إخوانهم أيضًا.
يقول: ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ غزى: جمع غازٍ على وزن فُعَّل، قال ابن مالك:
стр. 948
وفُعَّلٌ لفاعل وفاعلة ... وصفين نحو عاذل وعاذلة
عاذلة يقال: عُذَّل، وغازٍ يقال: غُزًّى، ويقال أيضًا: غزاة كقاضي وقضاة، ولكن هنا نجعل غُزًّى جمع غازٍ، ووزنها الصرفي فُعَّل.
وكذلك أيضًا قوله: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ اللام هل هي للتعليل أو للعاقبة؟ يقال: إنها للعاقبة، يعني يقال هذا القول ليجعل الله هذا القول حسرة في قلوبهم.
وقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾:
الخطاب أو النداء موجَّه للمؤمنين، وفائدة توجيه النداء للمؤمنين في هذا الخطاب:
أولًا: الحث والإغراء على قبول ما يوجَّه إليهم وامتثاله؛ لأن وصف الإيمان يزيد الإنسان قوة وشجاعة كما لو قلت لشخص: يا أيها الرجل افعل كذا وكذا، أي (لرجولتك) افعل، وهذا سيعطيه قوة واندفاعًا في قبول ما توجه إليه.
الفائدة الثانية: أن ما يأتي بعدها من مقتضيات الإيمان.
الفائدة الثالثة: أن مخالفة ذلك نقص في الإيمان، لأنه إذا كان قبوله والإتيان به من مقتضيات الإيمان، كان مخالفته من نواقص الإيمان.
أما بدء الخطاب بالنداء فإنه يفيد التنبه والعناية بما يذكر، ولهذا قال ابن مسعود: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه".
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾:
الإيمان شرعًا: هو الإقرار المتضمن للقبول والإذعان،
стр. 949
فالإقرار المجرد لا يسمى شرعًا إيمانًا، بل لابد من قبول وإذعان. القبول ضد الرفض، والإذعان ضد الاستكبار.
يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: يعني مثل الذين كفروا.
ثم قال: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾: وهذا لا شك أنه من جملة كفرهم؛ لأنه دال على ضعف الإيمان.
وقوله: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾:
قال بعض المفسرين: إخوانهم في النسب، وقال بعض المفسرين: إخوانهم في الكفر، والثاني أقرب، أي: قالوا في شأن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض.
﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾:
يعني لو لم يضربوا في الأرض ما ماتوا، ولو كانوا عندنا ولم يغزوا ما قتلوا، فقوله: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ هذا فيه ما يسمى عند البلاغيين لفًا ونشرًا مرتبًا، (ما ماتوا) مقابل (إذا ضربوا)، (وما قتلوا) مقابل (أو كانوا غزى)، و (إذا ضربوا) قبل (كانوا غزى)، إذن فهو مرتب، فلو كانوا عندنا ولم يضربوا في الأرض ما ماتوا، ولو كانوا عندنا ولم يغزوا ما قتلوا. يقول هؤلاء: لو أنهم لم يسافروا ما ماتوا، ولو أنهم لم يغزوا ما قتلوا، هكذا يقولون.
لكن الله يقول: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾:
أي ليجعل الله هذا القول الذي قالوه وهو لا يغني عنهم شيئًا، يجعله الله حسرة في قلوبهم، حسرة: يعني تحسرًا وندمًا يستحسر به القلب ولا ينبسط ولا يفرح، وإلا فإن هذا القول لا يغني شيئًا.
стр. 950
واللام في قوله ﴿لِيَجْعَلَ﴾ سبق أن بيَّنا أنها للعاقبة، وبيَّنا أن اللام الداخلة على الفعل في مثل هذا التركيب، تكون إما للعاقبة وإما للتعليل وإما زائدة، فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] هذه زائدة، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨] اللام زائدة، ودليل هذا أنه في الآية الثانية قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا﴾ [التوبة: ٣٢]. واللام في قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] للعاقبة، ولو ظنوا أنه يكون عدوًا وحزنًا لقتلوه. هذه الآية ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أيضًا للعاقبة، لأنهم لو ظنوا أن هذا حسرة وأنه لا فائدة منه إلا التحسر والندم وتكرار المصيبة ما قالوا هذا، ولكن الواقع أنه يكون حسرة في قلوبهم وإلا فإنه لا يغنى شيئًا لماذا؟ لأن الأمر بيد الله، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ الإحياء والإماتة بيد الله أي: إذا قدّر الله إماتة شخص على سبب من الأسباب يسَّر له هذا السبب، وصار هو نفسه يفعل ذلك السبب، فالإحياء والإماتة بإذن الله .
﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾:
يعني ومن جملة ما هو بصير به عملهم، والبصير هنا يحتمل بصر الرؤية، ويحتمل بصر العلم، يحتمل المعنيين جميعًا، فهو بصير بما نعمل بمعنى عليم، وهذا بصر العلم، وبصير بما نعمل بمعنى راء لما نعمل، وهذا بصر الرؤية.
فإذا قال قائل: هل تثبتون لله بصر الرؤية؟ قلنا: نعم، قال النبي ﷺ : "حجابه النور -أي الله لو كشفه لأحرقت