← Тафсир

Тафсир · id 545

تفسير العثيمين: آل عمران

ابن عثيمين

Полный текст (1 207 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

العقوبة لم يكن لقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ فائدة، نستثني من ذلك -أي من تحريم الفرار عند التقاء الجمعان- مسائل: المسألة الأولى: إذا كانوا أكثر مثليهم فلهم الفرار ولكن الثبات أفضل. المسألة الثانية: إذا كان متحرفًا لقتال، يعني من أجل أن يأتي بأسلحة أو يستحث قومًا على الجهاد، أو ذهب من أجل أن يكرّ عليهم من الجهة الأخرى، المهم أنه متحرف لقتال. المسألة الثالثة: أو متحيزًا إلى فئة، يعني أن الجبهة التي هو فيها ضعفت ففرَّ من أجل أن يتحيز إلى فئة أقوى، أو تكون الجبهتان ضعيفتين فتتحيز إحداهما إلى الأخرى، فهذا لا بأس به، وما عدا ذلك فإن الفرار يوم الزحف من كبائر الذنوب والعياذ بالله كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥، ١٦]. ٣ - إثبات أن للشيطان تأثيرًا على العبد حتى في عمله الصالح وحتى في الجهاد؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾، ولكن بماذا تحصل العصمة من هذا الشيطان؟ تحصل العصمة بما ذكره الله في قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، هذه العصمة كلما أحسست بشيء في داخلك ينهاك عن معروف ويأمرك بمنكر فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ٤ - الردُّ على الجبرية وذلك من قوله: ﴿بِبَعْضِ مَا

стр. 947

كَسَبُوا﴾، ومن قوله: ﴿تَوَلَّوْا مِنْكُمْ﴾. ٥ - بيان أن الله قد عفا عن هؤلاء؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾. ٦ - أنه ينبغي التأكيد من أجل زيادة طمأنينة المخاطب؛ لأنه أكَّد هذه الجملة الخبرية التي تفيد العفو عنهم؛ أكدها بقسَم، ولام، وقد، من أجل أن تزداد طمأنينتهم في هذا العفو. ٧ - بيان فضل الله على عباده وإلا فإن الفرار الذي حصل من الصحابة عظيم، لكن رحمة الله أوسع، فمن أجل سعة رحمة الله عفا الله عنهم. ٨ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما الغفور والحليم وما تضمناه من صفة، فالغفور تضمن المغفرة، والحليم تضمن الحلم. * * * • ثم قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٥٦]: قوله: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ اللام هل هي للتعدية أي: تعدية القيول أم لها معنى آخر؟ نقول: إن لها معنى آخر، وليس لتعدية القول؛ لأن إخوانهم قد ماتوا وقتلوا، فلا يمكن أن يوجَّه القول لهم لكنها بمعنى (في) أي: قالوا في إخوانهم. أو بمعنى (عَنْ) أي: قالوا عن إخوانهم أيضًا. يقول: ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ غزى: جمع غازٍ على وزن فُعَّل، قال ابن مالك:

стр. 948

وفُعَّلٌ لفاعل وفاعلة ... وصفين نحو عاذل وعاذلة عاذلة يقال: عُذَّل، وغازٍ يقال: غُزًّى، ويقال أيضًا: غزاة كقاضي وقضاة، ولكن هنا نجعل غُزًّى جمع غازٍ، ووزنها الصرفي فُعَّل. وكذلك أيضًا قوله: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ اللام هل هي للتعليل أو للعاقبة؟ يقال: إنها للعاقبة، يعني يقال هذا القول ليجعل الله هذا القول حسرة في قلوبهم. وقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: الخطاب أو النداء موجَّه للمؤمنين، وفائدة توجيه النداء للمؤمنين في هذا الخطاب: أولًا: الحث والإغراء على قبول ما يوجَّه إليهم وامتثاله؛ لأن وصف الإيمان يزيد الإنسان قوة وشجاعة كما لو قلت لشخص: يا أيها الرجل افعل كذا وكذا، أي (لرجولتك) افعل، وهذا سيعطيه قوة واندفاعًا في قبول ما توجه إليه. الفائدة الثانية: أن ما يأتي بعدها من مقتضيات الإيمان. الفائدة الثالثة: أن مخالفة ذلك نقص في الإيمان، لأنه إذا كان قبوله والإتيان به من مقتضيات الإيمان، كان مخالفته من نواقص الإيمان. أما بدء الخطاب بالنداء فإنه يفيد التنبه والعناية بما يذكر، ولهذا قال ابن مسعود: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه". ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: الإيمان شرعًا: هو الإقرار المتضمن للقبول والإذعان،

стр. 949

فالإقرار المجرد لا يسمى شرعًا إيمانًا، بل لابد من قبول وإذعان. القبول ضد الرفض، والإذعان ضد الاستكبار. يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: يعني مثل الذين كفروا. ثم قال: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾: وهذا لا شك أنه من جملة كفرهم؛ لأنه دال على ضعف الإيمان. وقوله: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾: قال بعض المفسرين: إخوانهم في النسب، وقال بعض المفسرين: إخوانهم في الكفر، والثاني أقرب، أي: قالوا في شأن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض. ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾: يعني لو لم يضربوا في الأرض ما ماتوا، ولو كانوا عندنا ولم يغزوا ما قتلوا، فقوله: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ هذا فيه ما يسمى عند البلاغيين لفًا ونشرًا مرتبًا، (ما ماتوا) مقابل (إذا ضربوا)، (وما قتلوا) مقابل (أو كانوا غزى)، و (إذا ضربوا) قبل (كانوا غزى)، إذن فهو مرتب، فلو كانوا عندنا ولم يضربوا في الأرض ما ماتوا، ولو كانوا عندنا ولم يغزوا ما قتلوا. يقول هؤلاء: لو أنهم لم يسافروا ما ماتوا، ولو أنهم لم يغزوا ما قتلوا، هكذا يقولون. لكن الله يقول: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾: أي ليجعل الله هذا القول الذي قالوه وهو لا يغني عنهم شيئًا، يجعله الله حسرة في قلوبهم، حسرة: يعني تحسرًا وندمًا يستحسر به القلب ولا ينبسط ولا يفرح، وإلا فإن هذا القول لا يغني شيئًا.

стр. 950

واللام في قوله ﴿لِيَجْعَلَ﴾ سبق أن بيَّنا أنها للعاقبة، وبيَّنا أن اللام الداخلة على الفعل في مثل هذا التركيب، تكون إما للعاقبة وإما للتعليل وإما زائدة، فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] هذه زائدة، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨] اللام زائدة، ودليل هذا أنه في الآية الثانية قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا﴾ [التوبة: ٣٢]. واللام في قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] للعاقبة، ولو ظنوا أنه يكون عدوًا وحزنًا لقتلوه. هذه الآية ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أيضًا للعاقبة، لأنهم لو ظنوا أن هذا حسرة وأنه لا فائدة منه إلا التحسر والندم وتكرار المصيبة ما قالوا هذا، ولكن الواقع أنه يكون حسرة في قلوبهم وإلا فإنه لا يغنى شيئًا لماذا؟ لأن الأمر بيد الله، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ الإحياء والإماتة بيد الله أي: إذا قدّر الله إماتة شخص على سبب من الأسباب يسَّر له هذا السبب، وصار هو نفسه يفعل ذلك السبب، فالإحياء والإماتة بإذن الله . ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: يعني ومن جملة ما هو بصير به عملهم، والبصير هنا يحتمل بصر الرؤية، ويحتمل بصر العلم، يحتمل المعنيين جميعًا، فهو بصير بما نعمل بمعنى عليم، وهذا بصر العلم، وبصير بما نعمل بمعنى راء لما نعمل، وهذا بصر الرؤية. فإذا قال قائل: هل تثبتون لله بصر الرؤية؟ قلنا: نعم، قال النبي ﷺ : "حجابه النور -أي الله لو كشفه لأحرقت

стр. 951

سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (١). هذا لإثبات البصر لله، أما بصر العلم فواضح وكثير، إذن في هذه الآية إثباث إحاطة علم الله بكل ما نعمل لقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، و (ما) هنا اسم موصول، واسم الموصول يفيد العموم ولو كان واحدًا. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]. (فالذي) اسم مفرد وعاد عليه الإشارة والضمير جمعًا؛ لأنه عام، فإن اسم الموصول -وإن كان لفظه لفظ المفرد- يكون للعموم، فالقاعدة: أن (كل اسم موصول فهو للعموم). ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: فِيها قراءة ثانية، فهل فِي الآية التفات؟ الواقع ليس فيها التفات حقيقة؛ لأنه إذا قال ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فالخطاب في أول الآية موجه للمؤمنين ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا﴾ مخاطبة، لا تكونوا، فإن كنتم فالله بما تعملون بصير، إذن لا التفات، إذا جعلنا (بما يعملون) عائدًا على (الذين كفروا) و (قالوا لإخوانهم) أيضًا، فليس فيه التفات، فالحقيقة أنه ليس في الآية التفات سواء جاءت بالتاء أو بالياء؛ لأنها إن جاءت بالتاء فقد روعي فيها صدر الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا. . . وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وإن كانت بالياء فقد روعي فيها آخر الآية. وفي هذه الآية إشكال وهو أن قوله: (قالوا) ماض و (إذا ضربوا) مستقبل، ويجاب عنه بأن بعض العلماء قال: إن (إذا) هنا

стр. 952

لا يراد بها الاستقبال، وأنها سلبت الدلالة على المستقبل، وأن المراد بها مجرد الظرف، وهذا يشبه قوله: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ قالوا: والدلالة على المعنى قد تسلب الكلمة كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] هل معناه كان في الأزل ثم لم يكن الله غفورًا رحيمًا؟ لا، سلبت الدلالة على الزمان، لذلك سلبت "إذا" الدلالة على المستقبل، وصار المراد بهذا مجرد الزمان فقط. من فوائد الآية الكريمة: ١ - تعلية شأن المؤمنين بإيمانهم من قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأن المخاطب لا ينادى إلا بأحب الأوصاف إليه، ولهذا لو ناديت أحدًا بأقبح الأوصاف لسابَّك وشاتمك، ففيه تعلية شأن المؤمنين بإيمانهم. ومنها فضيلة الإيمان وأنه مقتضٍ لكل الأخلاق الفاضلة. ٢ - الإشارة إلى النهي عن التشبه بالكفار؛ لقوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾. والتشبه بالكفار اختلف فيه العلماء، فذهب أصحاب الإمام أحمد ﵀ في المشهور عنهم إلى أن التشبه بالكفار مكروه، والمكروه عند الفقهاء كراهة تنزيه، أي يثاب تاركه امتثالًا، ولا يعاقب فاعله، لكن قولهم هذا ضعيف. والصواب أن التشبه بالكفار حرام، ولما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حديث: "من تشبه بقوم فهو منهم" (١) في كتابه القيم الذي أشير به

стр. 953

على كل طالب علم وهو (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) لما ذكر هذا الحديث قال: وأقل أحوال هذا الحديث التحريم؛ وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم؛ لأن قوله: "من تشبه بقوم فهو منهم" ظاهره أنه كافر، فالاقتصار على الكراهة التي يراد بها كراهة التنزيه عند الفقهاء فيه نظر ظاهر. المهم أن في هذه الآية إشارة إلى النهي عن التشبه بالكفار، لاسيما إذا كان الفعل نفسه محرمًا، فإن قولهم هذا فيه اعتراض على القدر كما سيتبين إن شاء الله. فإن قال قائل: ما هو ضابط التشبه؟ وهل يشترط فيه القصد؟ فالجواب: أن ضابط التشبه أن يأتي بما يختص بالكفار من لباس أو تحلية جسم أو غيره، بحيث يقول من رآه: هذا من الكفار؛ لأنه لا يمكن أن يقول هذا من الكفار إلا إذا كان الشيء مختصًا بهم، أما إذا كان عامًا فإنه لا يمكن أن يقال هذا من الكفار. فمثلًا الذي يلبس البنطلون عند الناس مع أنه في بعض البلاد الإسلامية هو لباس الناس، هل نقول: إن البنطلون تشبه؟ الجواب: لا، لأنه ليس خاصًّا بالكفار. مسألة: وهل يشترط في التشبه القصد أو لا يشترط؟ الجواب: لا يشترط؛ لأن الإنسان لو قصد التشبه لكان الخطر عظيمًا؛ لأنه لا يقصد التشبه بهم إلا من ملئ قلبه -أو كاد يملأ- بمحبتهم وتعظيمهم، بل إن التشبه حاصل بصورة التشبه سواء قصد أم لم يقصد. هذا نقوله باعتبار الشخص نفسه، أما باعتبار إنكارنا عليه فإننا ننكر عليه مطلقًا، لأننا لو سكتنا عن الإنكار عليه لأمكن كل واحد أن يقول إنني لم أقصد التشبه، فنحن نقول: الإنكار

стр. 954

على المتشبه مطلقًا سواء قصد أم لم يقصد، لكن الكلام على المتشبه نفسه هل يشترط لكونه متشبهًا أن يقصد التشبه أم لا يشترط؟ مسألة: التشبه في الأمور الدينية بالكفار أعظم بكثير من التشبه في الأمور العادية؛ لأن التشبه بهم في الأمور الدينية يعني تعظيم الباطل لذاته لا لكونه من خصائصهم. ولهذا ذكر ابن القيم ﵀ في أحكام أهل الذمة أنه حرام بالاتفاق، وقال: هذا إن سلم فاعله من الكفر فقد أتى محرمًا لا شك فيه؛ لأن التشبه بهم في الأمور الدينية يعني تعظيم دينهم، ودينهم منسوخ بدين محمد ﷺ بإجماع المسلمين، ومن زعم أن اليهود أو النصارى أو غيرهم على دين صحيح مقبول عند الله فهو كافر، يُعلَّم حتى يرجع؛ لأن الله يقول : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] ويقول: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وصحَّ عن النبي ﷺ فيما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به؛ إلا كان من أصحاب النار" (١)، وإذا قيل أصحاب النار فهم أصحابها الذين لا يخرجون منها وهم الكفار. ٣ - أن الندم على ما وقع لا يرفع الواقع، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾.

стр. 955

٤ - أن هذا الدين رحمة؛ لأن نهي الله عن الندم على ما مضى مصلحة للإنسان، لأنه يطمئن قلبه ولا يتحسر ولا يحزن، فإنه يقول لنفسه: هذا الأمر لابد أن يقع كما وقع، فلا حاجة لأن تقول: لو أني فعلت لما حصل؛ إنما تقول: لو أني فعلت في أمر تكون فرطت فيه، أما شيء لم يكن بتفريطك فهذا لا يحل لك أن تندم عليه. ٥ - أنه لو أن شخصًا سافر ثم صار عليه حادث، ثم قال أهله: لو أنه لم يسافر لما حصل له حادث. نفول: هذا من قول الكفار: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا﴾، هذا قول الكفار، والمؤمن لا يقول هذا، المؤمن يقول: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ويقول: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]، ويقول: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أن الأمر بيد الله ولا يمكن أن يتغير المقدور عما وقع أبدًا. ٦ - أن هؤلاء المعترضين على القدر يكون اعتراضهم حسرة في قلوبهم، ولا ينسون المصيبة، وتجد الشيطان يلعب بهم (ليته ما راح، ليته ما غزا، ليته ما فعل. . .)، ولهذا قال النبي ﵊ مشيرًا إلى هذا المعنى: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف" (١)، وهل المراد القوي في بدنه يحمل الحجر الكبير ولا يبالي ولكن صلاته ضعيفة، أو المؤمن الذي لا يحمل إلا عشر كيلو أو ما شابه ولكنه يتهجد

стр. 956

بالليل ويصوم ما شاء الله ويصلي الواجبات؟ . المراد الثاني، المؤمن القوي في إيمانه؛ لأن القوي وصف عائد على ما سبق، والمؤمن مشتق من الإيمان. إذن المؤمن القوي في إيمانه ولابد، وليس المؤمن القوي في بدنه، فلو قال: البدين القوي، قلنا: معناه القوي في بدنه، ولو قال: الرجل القوي، قلنا: في رجولته، لكنه قال: المؤمن القوي أي في إيمانه، وقوة البدن لا تمدح إلا إذا كان فيها زيادة قوة في الإيمان، وكثرة المال لا تمدح إلا إذا كان فيها زيادة في الإيمان، يقول الرسول ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف". ولما كان هذا الكلام من الصادق المصدوق قد يؤدي إلى انحطاط رتبة المؤمن الضعيف، لذلك قال: (وفي كل خير) جبرًا لما يتوهم من نقص الضعيف، وهذا الأدب من الرسول ﵊ هو مما أدّبه الله به، قال الله : ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠]، وقال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] فالنبي ﵊ قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير" ثم قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز" يعني لا تكسل أو تضعف عن الاهتمام بالعمل، وإن أصابك شيء بعد الحرص والاستعانة بالله والقوة في العمل فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان.

стр. 957

إذن من قال: (لو) معترضًا على القدر فقد شابه الكفار، وقد فتح على نفسه باب عمل الشيطان. ٧ - الرد على القدرية؛ لقوله: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعني أن الله قدّر أن يقولوا هذا القول ليجعله حسرة في قلوبهم. ٨ - إثبات أن الإحياء والإماتة بيد الله ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ وهذا أيضًا مؤجل، الإحياء والإماتة مؤجلة بأجل لا يزيد ولا ينقص أبدًا ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨]. ٩ - إثبات عموم علم الله بكل ما نعمل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أو (بما يعملون) ويترتب على هذه الفائدة فائدة مسلكية ينتفع بها الإنسان في سلوكه وعمله، وهي أنه إذا آمن بأن الله بصير بما يعمل لزم من ذلك أن يستقيم على أمره، فعندما تريد أن تفعل معصية تذكر أن الله بصير بعملك، وإذا أردت أن تعمل طاعة تذكر أن الله بصير بعملك فأحسن الطاعة، فهذه تفيد الإنسان في سيره إلى الله ، إذا آمن بأن الله بصير بما يعمل حسن سيره إلى الله، واستعان بذلك على إحسان العبادات وعلى ترك المحرمات. ١٠ - الرد على الجبرية حيث أضاف العمل إليهم، والجبرية لا يضيفون العمل إلى الإنسان يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، فالإنسان الذي يحرك يده اختيارًا كالإنسان الذي فيه رعشة كلاهما سواء لا يستطيعان أن يمنعا أنفسهما.

стр. 958

• ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٧]: في هذه الآية كلمتان فيهما قراءتان: الأولى: (مُتُّم) مأخوذة من مات يموت، وتكون (مُتم) بضم الميم، وإذا أخذت من مات يَمَات تكون: (مِتُّم) بكسر الميم، تقول: مات الرجل يَمَات الرجل، ومات الرجل يَمُوت الرجل، ويمات كيخاف، وأصلها: مَوِتَ يَمْوَتُ، كخَافَ يَخَاف أصلها خَوفَ يَخْوَفُ، إذن هي من باب فَرِح يَفْرَح، خَوِف يَخْوَف. ففيها قراءتان: قراءة بكسر الميم (مِتم) وقراءة بضم الميم (مُتم). الكلمة الثانية: قوله: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ فيها قراءتان: قراءة بالياء (يجمعون) وقراءة بالتاء (تجمعون). هل في الآية التفات؟ يقال: نعم، وهذا على قراءة الياء، أما على قراءة التاء فليس فيها التفات؛ لأن الآية كلها للخطاب، وفي الآية أيضًا من جهة اللغة العربية ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أنه اجتمع في الجملة قسَم وشرط، والسابق هنا القسم، وإذا تقدم القسم أيهما يحذف جواب الشرط أم جواب القسم؟ الجواب: أن الذي يحذف هو جواب المتأخر وهو هنا الشرط. قال ابن مالك: واحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم يعني عند اجتماع شرط وقسم في الجملة احذف جواب ما أخرت فهو ملتزم، وهنا المتقدم القسَم. إذن الذي يحذف جواب الشرط، ولهذا جاء الجواب ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ وهو جواب قسم، فاللام

стр. 959

هنا واقعة في جواب القسم، واللام في لئن موطئة للقسم، وجواب الشرط محذوف. فإن قال قائل: كيف يحذف وهو ركن في الجملة؟ قلنا: لأنه وجد ما يسد مسده وهو جواب القسم. يقول الله : ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي في الجهاد في سبيله، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك بمعنى قتلتم في سبيل الله في الجهاد، أو قتلتم في سبيل الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو قتلتم في سبيل الله في الدعوة إليه، أو قتلتم في سبيل الله في بيان الحق، كل هذا داخل في سبيل الله؛ لأن الجامع بينها أن هذا قتل وهو يدافع عن دين الله . يقول الله : ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: خير من الدنيا وما فيها. وقوله : ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ نقول: إن المعنى أو مُتُّم في سبيل الله فيكون المراد به من مات في الجهاد؟ أو متُّم مطلقًا؟ الظاهر الثاني؛ لأن الله لو أراد الأول لقال: (ولئن قتلتم أو متم في سبيل الله) فلما أخَّر (متم) عن القيد علم أنه غير مراد في الجملة الثانية، ولهذا يقول العلماء قاعدة، وهي: (أن كل قيد بشرط أو صفة أو استثناء أو غيره، إذا تعقب جملًا -أي: صار في آخرها- فهو عائد على الكل، وإن توسط عاد على ما سبق فقط دون ما تأخر عنه إلا ما دلَّ عليه الدليل)، وعلى هذا نطبق قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

стр. 960

[النور: ٤، ٥] هذه الآية فيها قيد بالاستثناء تعقب الجمل الثلاث، فهل يعود إلى الثلاث؟ نقول: أما الأولى فلا يعود إليها بالإجماع، وأما الثالثة فيعود إليها بالإجماع، وأما الوسطى ففيه خلاف. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] الجملة الأولى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ والثانية ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ والثالثة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الاستثناء لا يعود إلى الأولى بالاتفاق، فلو تاب القاذف، فإن حق المقذوف لا يسقط ويجلد القاذف ثمانين جلدةً، ولو تاب القاذف زال عنه وصف الفسق بالاتفاق، وإذا تاب القاذف فهل تقبل شهادته أم لا؟ في هذا خلاف، فمنهم من قال تقبل، ومنهم من قال لا تقبل. يقول : ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: يقول الله مبيّنًا ومسليًا لعباده المؤمنين أنهم إذا خرجوا من ديارهم وقتلوا أو ماتوا، فإن ما يقبلون عليه خير مما يرحلون عنه، وهذا بما قبله ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] يعني: لو متم أو قتلتم فإن هذا ليس حسرة، بل هذا خير ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي في الجهاد في سبيل الله، ويحتمل أن يكون المعنى أعم من الجهاد في سبيل الله بالسلاح ليشمل الجهاد في سبيل الله بالدعوة إلى الله والعلم، فمن قتل لكونه داعية فإنه مقتول في سبيل الله؛ لأنه كالمجاهد بسلاحه، وقوله: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ يعني دون أن تقتلوا في سبيل الله ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من الدنيا كلها أي: (المغفرة) لكم من الله ورحمة لكم أيضًا، والفرق بين المغفرة والرحمة أن

стр. 961

المغفرة بها زوال المكروه، والرحمة بها حصول المطلوب، أي أنكم يحصل لكم مطلوبكم وتنجون من مرهوبكم، والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، والرحمة تقتضي الإحسان إلى المرحوم والإنعام عليه. وفي قوله ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إضافة المغفرة إلى الله تدل على عظمة هذه المغفرة، وذلك لأن الشيء يعظم بعظم باذله، فمثلًا: إذا قلت: أعطاني الملك عطية، وقلت: أعطاني الصعلوك عطية، والصعلوك هو الفقير، إذا قلت: أعطاني الملك عطية يتصور الناس أنها كثيرة. وإذا قلت: أعطاني الصعلوك عطية يتصورون أنها قليلة، فالشيء يعظم بحسب ما يضاف إليه؛ فلهذا قال ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي ابتداؤها منه فهو الذي يبتدئها ويتفضل بها. ﴿وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ يعني خير مما يجمعون أو خير مما تجمعون من الدنيا كلها، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن من قتل في سبيل الله أو مات من المؤمنين فقد انتقل إلى خير من الدنيا كلها؛ لقوله: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. ٢ - مِنَّةُ الله على عباده بتسليتهم في الأمور التي يهمهم فواتها، فالإنسان يهمه فوات الدنيا، فكلٌ يحب أن يبقى في الدنيا، فإذا جاءت التسلية من الله وقيل: إنك إذا مت أو قتلت انتقلت إلى ما هو خير، فإن الإنسان يتسلى بهذه ويقول: الحمد لله أنني إذا انتقلت إلى الآخرة فأنا أنتقل إلى خير من الدنيا.

стр. 962

٣ - الجمع بين المغفرة والرحمة ليكمل للإنسان سعادته، إذ بالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب. ٤ - جواز إيقاع التفضيل بين شيئين بينهما بُعدٌ تام؛ لأنك إذا نسبت ما في الدنيا للآخرة فليس بشيء، قال الرسول ﷺ : "لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (١)، وأبين من ذلك قول الله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]. * * * • ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨]: نقول في ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ﴾ من حيث الإعراب ما قلنا في الآية التي قبلها أي: أنه اجتمع فيها جواب القسم وجواب الشرط، فحذف جواب الشرط ونقول: في (متم) قراءتان كما في الآية التي قبلها بكسر الميم على أنها من مات يمات، وبضم الميم على أنها من مات يموت. يقول الله : إن متم أو قتلتم فإن مرجعكم إلى الله مهما طالت بكم الأيام أو قصرت فالمرجع إلى الله، وإذا كان المرجع إلى الله فإن الإنسان سوف يبقى مطمئنًا، إذ إن من كان مرجعه إلى الله فإنه لا يخاف ظلمًا ولا هضمًا، بل إنه إذا كان مؤمنًا فإنه يستبشر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣] ولما حدَّث النبي ﵊ عائشة فقال: "من أحب لقاء الله أحب الله

стр. 963

لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"، قالت: يا رسول الله، كلنا يكره الموت ولقاء الله يكون بالموت، قال: "ليس الأمر كذلك ولكن المؤمن إذا حضره الأجل فبشِّر بالجنة اشتاق إلى ربِّه وأحب لقاء الله، والكافر -والعياذ بالله- إذا حضره الأجل بُشِّر بالنار فكره لقاء الله فكره الله لقاءه" (١). ففي هذه الآية أن المرجع إلى الله مهما طالت بالإنسان الحياة، وعلى أي صفة كان موته سواء كان بالقتل أو بغيره فالمرجع إلى الله. من فوائد الآية الكريمة: ١ - زيادة التسلية للمؤمنين؛ لأن المؤمن إذا علم أن مرجعه إلى الله فإنه سوف يطمئن وسوف يستبشر وينشرح صدره بذلك. ٢ - إثبات لقاء الله ؛ لقوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾. ٣ - إثبات الحشر يوم القيامة، فإن الناس يقومون من قبورهم ويحشرون إلى الله ليجازيهم. * * * • قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]: قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾: الفاء عاطفة، والباء حرف جر، وما زائدة ولكنها زائدة لفظًا

стр. 964

ومعنى، أي تفيد زيادة المعنى، وقد كره بعض العلماء أن نقول زائدة، أو أن نقول عن أي حرف في القرآن أنه زائد، قال: لأن القرآن لا زيادة فيه، ولكن نقول: إن المراد بقولنا زائدة: أي من حيث الإعراب لا من حيث المعنى، وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ إذا جعلنا (ما) زائدة تكون رحمة مجرورة بالباء، وهذا في القرآن كثير، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] أي فبنقضهم ميثاقهم، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] أي عن قليل. وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾: الجار والمجرور متعلق بالفعل (لنت). وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ﴾ "لو" هذه شرطية وفعل الشرط ﴿كُنْتَ﴾ وجوابه ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. يقول الله مخاطبًا نبيه ﷺ ومبينًا نعمته عليه وعلى أمته يقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي فبسبب رحمة الله لك ولأمتك ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي كنت لينًا لهم، لينًا في مقالك، لينًا في جلوسك، لينًا في مقابلتك، في كل أحوالك، فالرسول ﵊ من أسهل الناس خُلقًا وأكرمهم نُزُلًا، وقد قال الله عنه وكفى به قولًا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أسند الرحمة إلى الله لأنه المتفضل بها، ولأن إسنادها إليه يفيد عظمتها وأنها رحمة عظيمة. وقوله: ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ الضمير يعود على الصحابة ﵃ وعلى من بعدهم أيضًا؛ لأن التشريع الذي يقع في

стр. 965

عهد الصحابة تشريع لهم وللأمة إلى يوم القيامة، وكونه رحمة له واضح، وكذلك كونه رحمة لهم واضح أيضًا من أجل أن يألفوه وأن يستأنسوا به وتتسهل معاملته إياهم، ولهذا كان النبي ﵊: لا يخير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا (١). قال الله : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾: هذه عطف على قوله ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ اللين يقابله الشدة، والشدة تكون في الهيئة وفي القول وفي القلب، قال: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ (الفظ) الجافي الشديد في مقاله الذي يصعِّر خده للناس، جافيًا أيضًا في قوله عنيفًا شديدًا لا يلين، والغِلَظ يكون في القلب؛ تجد قلبه قاسيًا لا يرحم، ولا يُنزل الناس منازلهم، ولا ينظر إلى الأحوال المقترنة بالأفعال، فأحيانًا تكون هناك أحوال تقترن بفعل الشخص يعذر بفعله من أجلها، فتجد غليظ القلب -والعياذ بالله- يعامل الناس معاملة واحدة لا ينظر إلى أحوالهم، ولا ينظر إلى ظروفهم -كما يقولون-، وإنما تجده غليظ القلب قاسيًا لا يلين. ومن أعظم ما يدل على ذلك ما يبدر من بعض الناس في معاملة الصغار، تجده في معاملة الصغار عنيفًا يريد من الصغير أن يكون أدبه كأدب الكبير، وهذا لا شك أنه خطأ عظيم، وهذا من غلظ القلب، ولما رأى الأقرع بن حابس

стр. 966

النبي ﷺ يقبِّل الحسن والحسين قال: أتقبّلون أولادكم؟ قال: "نعم"، قال: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتهم، قال: (أوَ أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك) (١). فالإنسان ينبغي له أن يكون رحيمًا، وأن يكون لين القلب. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾: الفظ: الجافي الشديد القول. غليظ القلب: القاسي القلب الذي لا يلين قلبه لأي سبب من الأسباب. يقول تعالى: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾: انفضوا: أي تفرقوا وخرجوا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] أي تفرقوا إليها وخرجوا. وقوله: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ولم يقل منك؛ لأن من حولك أبلغ من قوله منك. يعني انفضوا وبعدوا حتى لا يقربوا إلى مكان قريب منك، أي يبعدون حتى عما قارب مكانك. يقول الله : ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾: هذا تفريع على قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ فاعف عنهم إذا قصروا في حقك. والعفو: هو التسامح وعدم المؤاخذة. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾: في حق الله إذا قصروا فيه، فالصحابة قد يقصرون في حق الرسول ﵊، وقد يقصرون في حق الله،

стр. 967

أما في حق الرسول ﷺ فقال: (اعف عنهم) وما أكثر ما يحصل من جفاة الأعراب أو غيرهم من الكلام المسيء إلى رسول الله ﷺ ، ولكنه يصبر ويتحمل ويعفو عنهم إلى حد أن رجلًا من الأنصار قال له لما حكم فيه في خصومة بينه وبين الزبير بن العوام قال له: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟ وهذا اتهام، اتهام فظيع. فالزبير بن العوام أمه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﵊ (١). فقال هذا الرجل الأنصاري عفا الله عنه قال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟ وقال له رجل وهو يقسم فيئًا قال: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، وقال له: اعدل (٢). كل هذه الكلمات كان النبي ﵊ يصبر ويحتسب الأجر من الله ويعفو حتى أحيانًا يأتيه من زوجاته ما يأتيه مما يحصل بسبب الغيرة بين النساء وهو يعفو عنهن (٣). قال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: الضمير في (شاورهم) يعود على الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أي شاور أصحابك في الأمر. والمشورة هي استطلاع الرأي بحيث يعرض الشيء على المستشار ليستطلع الرأي وينظر ما رأيه فيه، والمستشار مؤتمن يجب عليه أن يؤدي الأمانة على الوجه الذي يرى أنه أصلح لمستشيره.

стр. 968

وقوله : ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ كلمة الأمر: المراد بها واحد الأمور لا واحد الأوامر؛ لأن الأوامر لا يستشير فيها أحدًا، الأوامر يؤمر بها شرعًا، لكن في الأمر أي في الشأن وهو مفرد محلى بـ (ال) فهل (ال) هذه للعموم؟ أي شاورهم في كل أمر أو هو عام أريد به الخاص؟ أي شاورهم في الأمر الذي يكون مشتركًا أو مشتبهًا عليك وجهه؟ الجواب: الثاني بلا شك؛ لأنه لا يمكن أن الرسول ﷺ يأمره الله بأن يشاورهم في كل شيء، إنما يشاورهم في الأمر العام المشترك بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] أمرهم الذي يجمعهم جميعًا شورى بينهم، أما الأمر الخاص فإنه تطلب الاستشارة عند اشتباه الأمر، كما فعل النبي ﵊ حين استشار أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب في شأن عائشة لما حصلت قصة الإفك، وكثر فيها القيل والقال، وغير هذا من الأمور الخاصة التي قد تشْكل على الرسول ﵊ فيستشير فيها (١)، إذن (شاورهم): استطلع رأيهم (في الأمر) أي في الأمر المشترك أو في الأمر الخاص إذا اشتبه عليك؛ وذلك لأن الشورى يحصل فيها فوائد نذكرها إن شاء الله في الفوائد. ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: إذا عزمت أي صممت على الفعل، هل بعد المشورة أو قبل المشورة؟ الظاهر بعد المشورة؛ لأن الفاء تدل على أن ما بعدها مفرع على ما قبلها، أي ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ بعد الاستشارة واستطلاع

стр. 969

الرأي، فلا تعتمد على مشورتهم بل اعتمد على الله ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فهنا أمر بالأسباب والاعتماد على الله ، الأسباب هي المشورة، والاعتماد على الله هو التوكل عليه، فما معنى التوكل؟ معنى التوكل هو الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة بالله وشعور النفس بأنها محتاجة إلى الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾: لما أمره بالتوكل بيَّن الثمرة العظيمة من هذا التوكل، وله ثمرات كثيرة منها هذه الثمرة التي ذكرها الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ أي: إن الله يحب المتوكلين عليه. من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان رحمة الله بنبيه ﷺ وبأمته، وذلك بجعله لينًا لهم، فهذه رحمة به وبهم. ٢ - أنه ينبغي لمن له سيادة في قومه أن يكون لينًا ليتعرض لرحمة الله ، دليل ذلك واضح، أن رسول الله ﷺ سيد قومه بل سيد الأمة جميعًا فألانه الله لهم. ٣ - أن اللين أولى بكثير من الفظاظة والشدة؛ لأن الله جعله من الرحمة، ولكن الفقهاء ﵏ لما ذكروا ما ينبغي للقاضي أن يتأدب به قالوا: ينبغي أن يكون لينًا من غير ضعف؛ لأن بعض الناس قد يكون لينًا ويكون بسبب لينه ضعيفًا غير حازمٍ، وهذا نقص في اللين، لكن ينبغي أن يكون لينًا مع الحزم والقوة في موضعها؛ لأن القوة في موضعها حكمة، فاللين إن ضاعت منه الحكمة فهو مذموم، وإن اجتمع مع الحكمة فهو محمود.

стр. 970

٤ - بيان مضار الفظاظة والغلظة، وأن من أعظم مضارها نفور الناس عن الإنسان إذا كان فظًا غليظ القلب؛ لقوله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. هذا مع أنهم يرجون. من قربهم من الرسول ﵊ ما يرجون، فكيف إذا كان الإنسان لا يرجى منه ما يرجى من الرسول إذا كان فظًا غليظ القلب؟ فالظاهر أنه لا يكفي أن ينفضوا من حوله، فربما رموه بالحجارة؛ لأن الصحابة يرجون من الرسول الخير بقربهم منه، فإذا قدّر أنه غليظ القلب ينفضون من حوله فمن سواه من باب أولى. ٥ - الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يستعمل مع الناس كل ما يجلبهم إليه، ووجهه: أن الله جعل الفظاظة والغلظة سببًا للتنفير على سبيل الذم لا على سبيل المدح، فينبغي للإنسان أن يستعمل في معاملة الناس كل ما يقربهم إليه بشرط ألا يضيع شيئًا من الواجبات. ٦ - أن الإنسان قد يعذر في الابتعاد عن أهل الخير إذا كانوا جفاة غلاظ القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ويعني بهم الصحابة رضوان الله عليهم، ويعني بالمنفض عنه، الرسول ﵊، فإذا كان الصحابة لا يلامون على الانفضاض عن الرسول إذا كان فظًا غليظًا فما بالك بمَنْ دونه بمراحل، فلهذا إذا كان الإنسان فظًا غليظًا ولم ير الناس حوله فلا يلومن إلا نفسه، ونحن نرى الآن أن الإنسان ربما يكون كافرًا فإذا كان يعامل الناس باللين والرفق والبشاشة والسماحة ربما يفضلونه على مسلم فظ غليظ القلب.

стр. 971

٧ - أنه ينبغي للإنسان أن يعفو عن حقِّه في معاملة إخوانه؛ لقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ ولكن هذه الآية مقيدة بما إذا كان العفو إصلاحًا، قيَّدها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، أما إذا كان في العفو زيادة إفساد وطغيان فإن هذه مصلحة تضمنت مفسدة أعظم، مثل: لو كان الجاني معروفًا بالشر والفساد فهل الأولى أن نعفو عنه أو أن نؤاخذه بالذنب؟ الأولى أن نؤاخذه بالذنب، ولهذا ينبغي في حوادث السيارات ألا يتعجل الإنسان بالعفو عمن تسبب فِي الحادث، بل ينظر إذا كان من الرجال المتهورين الذين إذا عفونا عنه اليوم أحدث حادثًا غدًا، فهنا الأولى أن لا نعفو، أما إذا علمنا أن الرجل شديد الحرص على سلامة الأنفس والأموال، ولكن هذا أمر لم يستطع التحرز منه ونعلم أنه سوف يتحرز غاية التحرز في المستقبل، فإن الأولى في هذا العفو، إذن فالعفو مقيد بالإصلاح ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾. وهل العفو واجب؟ الجواب: أنه ليس بواجب؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] فمن انتصر لنفسه بعد أن ظلم فليس عليه سبيل، لكن الأفضل أن يعفو إذا كان في العفو إصلاح. ٨ - أن التفريط في حقِّ النبي ﵊ قد يكون ذنبًا؛ لأن الله لما أمر نبيه بالعفو عن حقِّه الخاص قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وهو كذلك، فإن الرسول ﵊ ليس كغيره؛ لأن له حق الإسلام وحق الرسالة، ولأنه أعظم الناس حقوقًا علينا، فالاعتداء في حقه أشد من غيره بل يكسب الإثم، ولهذا

стр. 972

قال: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، أما غير الرسول ﷺ إذا عفا عن حقِّه الخاص انتهى، لكن الرسول ﵊ لما كان الأمر الذي يتعلق به متعلقًا بحق الله قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ولهذا إذا سبَّ أحد شخصًا من الناس لم يكفر ولو سبَّ النبي ﷺ كفر لعظم حقه. ٩ - الأمر بالشورى؛ لقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وهذا الأمر قد يكون للوجوب وقد يكون للاستحباب حسب الأمر المشاور فيه، وحسب الإشكال الواقع فيه، فالأمور الكبيرة مع الإشكال الكبير تكون المشاورة فيها واجبة، والأمور الصغيرة مع الإشكال اليسير تكون المشورة فيها مستحبة، فإذن الأمر هنا شاورهم مشترك بين الوجوب والاستحباب حسب ما تقتضيه الحال، وهنا مسألتان: الأولى: هل معنى هذا أن النبي ﷺ يكوِّن مجلسًا للشورى يرجع إليه؟ الجواب: لا، بل شاورهم عند وجود سبب الاستشارة لا أن يُكوَّن مجلس يُرجع إليه، لأنه إذا كُوِّن مجلس يُرجع إليه ربما يبقى هذا المجلس دائمًا مع تغيُّر أحوال أهله، ومع وجود أناسٍ جُددٍ خيرٍ منهم، فإذا قلنا: إن ولي الأمر إذا نزلت به نازلة حينئذٍ يستشير من يرى أنه مؤهلٌ للشورى، يبقى وليُّ الأمر تتجدد له الرجال الذين يستشيرهم، ولا يبقى المجلس الاستشاري هذا، ولا يبقى رافعًا رأسه، وإليه يُرجع الأمر، ولا شك أن هذا هو طريق النبي ﷺ ، لكنه قد يكون لولي الأمر أصحاب خاصُّون يستشيرهم، مثل أبي بكر وعمر، كان النبي ﷺ يرجع إلى رأيهما

стр. 973

دائمًا ويستشيرهما، ويرى أنه في رأيهما السداد والرشد، ولكن ليس في كل شيء يرجع إليهما، أحيانًا يستشير بقيَّة الصحابة عمومًا. المسألة الثانية: قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ هل إذا صدر من المستشارين أمر هل هو مُلزِمٌ أو كاشف للرأي؟ الجواب: أنه كاشف للرأي، وليس بمُلزِم؛ لأنه لو كان مُلزمًا لكان الحكم بأيدي جماعة، والحكم بيد واحد، لكن يجب على المستشير أن يتبع ما يرى أنه أصلح، ولا يجوز أن ينتصر لرأيه لأنه رأيه، بل الواجب عليه -لحق الله ولحق من ولاهم الله عليه- أن يتبع ما هو أصلح حتى لو خالفوه، والأصلح في رأيهم يجب عليه أن يتبع رأيهم، لكنه ليس بمُلزِم. بمعنى أننا لا نقول: إن هؤلاء لهم سلطة على الحاكم، بل الحاكم له السلطة، ولهذا قال هنا: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، ولم يقل: إذا أشاروا عليك فخذ به إذا عزمت، وهو قد يعزم على ما أشاروا به، وقد يعزم على غيره. ١٠ - الحكمة من الأمر بالمشاورة ما يترتب عليها من فوائد، فللمشاورة فوائد منها: أولًا: ألا يستبد الرئيس أو ولي الأمر برأيه، هذه فائدة مهمة جدًا. ثانيًا: تعويد أفراد الأمة على النظر في شؤونهم حتى يتمرنوا ويمارسوا هذا الأمر. ثالثًا: التواضع ممن شاور، فلا شك أنه إذا شاور فهو متواضع. رابعًا: تنشيط الأمة حيث ترى أنه يُرجَع إليها في الرأي،

стр. 974

فتنشط وتعمل ما فيه الخير العام، بخلاف ما إذا استبد ولي الأمر في رأيه، فإنه وإن كان صوابًا ربما تشمئز النفوس منه فيقولون مثلًا: لم يرجع إلينا، لم يشاورنا في هذا الأمر الكبير وما أشبه ذلك. خامسًا: أنه إذا اجتمعت الآراء مع حسن النية فإن الغالب أن الله يوفقهم للصواب. سادسًا: أن الإنسان ربما يرى في هذا الأمر مصلحة ويفوته ما يترتب عليه من مفسدة لاسيما إذا كان له هوى، فإن الهوى كما قيل: يُعمي ويُصِم، أحيانًا يكون للإنسان هوى فيرى المصلحة ولا يرى المفسدة في الشيء، فإذا حصل التشاور تبينت المصالح من المفاسد. سابعًا: ومن فوائد المشورة أيضًا: أن الأمة إذا اجتمعت على رأيها لم يكن للناس اعتراض، ومعلوم أن الذي يُشاوَر هم أهل الأمانة وأهل الحل والعقد والمعرفة، فإن ولي الأمر إذا أشكلت عليه المسألة الشرعية يشاور علماء الشرع، وإذا أشكلت عليه مسألة سياسية يشاور علماء السياسة، وإذا أشكلت عليه مشكلة اجتماعية يشاور علماء الاجتماع، وإذا أشكلت عليه مسألة جيولوجية يشاور علماء الجيولوجيا، وإذا أشكلت عليه مسألة طبية يشاور علماء الطب. والمراد أن يجعل مستشارين لكل حال ما يناسبها؛ لأن من شرط الاستشارة أن يكون المستشار ذا رأي سديد وأمانة، ومعلوم أنك لو استشرت عالمًا من علماء الشرع من أحسن العلماء في مسألة طبية لم يقدر أن يقول لك شيئًا. إذن الاستشارة تكون في كل إنسان بحسب ما يناسبه؛ لأن المستشار مؤتمن.

стр. 975

ثامنًا: ومن فوائد الشورى أيضًا: أنه إذا أخطأ الإمام أو ولي الأمر لم يُنسب الخطأ له بل يُنسب إلى المستشارين، ولهذا يقول بعضهم في المشورة: إن الشورى ستر لعيبي، إذا أخطأت قالوا: هذا من المستشارين، وإن أصبت مدحوني وإياهم. تاسعًا: أنها طاعة لله ورسوله؛ لأن الله أمر بها. ١١ - أنه يجب على الإنسان أن يكون اعتماده على الله مع فعل الأسباب؛ لقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. ١٢ - أن النبي ﷺ يعتريه ما يعتري البشر من التردد في الأمور، ووجه الدلالة: أولًا في قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ﴾ وثانيًا في قوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ فإن العزيمة قد يسبقها تردد كما هو الواقع. ١٣ - أنه ينبغي على الإنسان إذا عزم على الأمر ألا يتردَّد؛ لأن التردد يُحيِّر الإنسان ويوقعه في القلق، ولهذا قال الشاعر: إذا كنتَ ذا رأيٍ فكن ذا عزيمةٍ ... فإن فساد الرأي أن تتردَّدا وكثير من الناس يرى المصلحة في شيء ويعزم عليه ثم يتردد فيكون مذبذبًا، أحيانًا كذا وأحيانًا كذا، ويُؤْثر عن عمر بن الخطاب ﵁ كلمة نافعة جدًا، وهي قوله: (من بورك له في شيء فليلزمه). . كلمة عجيبةٌ لو توزن بالذهب لوزنته. (من بورك له في شيء فليلزمه) يعني إذا عمل الإنسان عملًا ورأى فيه البركة والثمرة فليلزمه، ولنضرب لهذا مثلًا بحال طالب العلم الذي شرع في دراسة كتاب أو مراجعته، ووجد فيه خيرًا، ووجد أنه يستفيد وينتفع، فنقول له: الزم هذا وأكمله، ولا تقل: هذا كتاب مختصر قليل، كمن شرع في مطالعة كتاب "زاد

стр. 976

المستقنع"، ورأى فيه بركة، وانتفع به، إلا أنه لم يكمله وقال لا يكفي هذا، أريد أن أطالع "الإنصاف"، ثم قال: لا يكفي هذا، أريد أن أطالع "المُغني"، هذه طريقة غير مجدية، بل إذا بارك الله لك في شيء فالزمه حتى لا يضيع عليك الوقت. وهنا مسألة أيضًا قد ترد وهي: أنه يريد أن يطالع مسألة في الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، فيُراجع الفهرس حتى يقع عليها، ثم يُلاحظ مسألة ثانية، فيذهب ينظر فيها فيضيع عليه الوقت، ولهذا كان من حكمة الرسول ﵊، أن يبدأ بالشيء الذي يريده، لما دعاه عتبان بن مالك ﵁، ليُصلي في مكان في بيته يتخذه مصلى، خرج النبي ﷺ مع بعض أصحابه، فلما دخل البيت قال: يا رسول الله، قد صنعت لكم طعامًا. قال: "أين تحب أن أصلي من بيتك؟ " (١)، سأله قبل الطعام، لماذا؟ . لأنه جاء لهذا الغرض. فابدأ بالغرض الذي أتيت إليه، فهذه المسألة ينبغي للإنسان أن يجعلها على باله في تصرفاته في العلم وفي الدنيا أيضًا. وهذه نأخذها من قوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. ١٤ - إثبات المحبة لله ، أن الله يحب، وهل محبة الله حقيقية؟ نعم، حقيقية؛ لأن لدى أهل السنة والجماعة قاعدة أن كل ما وصف الله به نفسه فهو حقيقة، لكن مذهبهم مُبرَّأ من التمثيل والتكييف، والتحريف والتعطيل، فلا يُمثِّلون صفات الله بصفات خلقه، ولا يُكيِّفونها، فما هي المحبة؟ المحبة هي المحبة، لا يمكن أن تعرف المحبة بأوضح منها. من لفظها، لأننا

стр. 977

كما قلنا فيما سبق: الانفعالات النفسية لا يمكن تحديدها بغير ألفاظها أبدًا، فلو قال قائل: ما معنى البُغض؟ الجواب: الكراهة، وما معنى الكراهة؟ الجواب: البغض، فكل هذه لا يمكن تحديدها إلا بآثارها. وأما إثبات المحبة لله أي: صفة المحبة، فإن أهل القِبلة الذين ينتسبون للإسلام اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال: القول الأول: نفي حقيقتها عن الله وعن المخلوق، فيقولون: إن الله لا يُحِب ولا يُحَب. أعوذ بالله، عِلَّتُهم: أن المحبة إنما تكون بين شيئين من جنس واحد، ومعلوم الفرق بين الخالق والمخلوق. القول الثاني: يقولون: إن الله يُحَب ولا يُحِب. القول الثالث: أن الله يُحِب ويُحَب، قال الله : ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. وفي القرآن الكريم كثير من الأوصاف علَّق الله بها المحبة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وأمثلةٌ كثيرة. نحن نرى أن المحبة صفة حقيقية ثابتة لله، وأن من آثارها الثواب والرضا وغير ذلك مما يترتب عليه، والذين يُنكرونها يقولون: المراد بمحبة الله الثواب، فيقولون مثلًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ يعني يُثيب المتوكلين، وهذا خطأ. ١٥ - فضيلة التوكل، ووجهه أن الله علَّق المحبة عليه، وهذا يدل على فضيلته وعلى الحث عليه، فإن قال قائل: هل التوكل خاص بالله؟ فنقول: أما توكُّل العبادة الذي يعتمد الإنسان فيه على ربه، ويفوِّض الأمر إليه فهذا خاص بالله، وأما توكُّل

стр. 978

الاستنابة، بمعنى أن الإنسان يُنيب غيره عنه في شيء من الأشياء، فهذا جائز، والفرق بينهما ظاهر: التوكل على الله: يقطع الإنسان العلائق مما سوى الله حتى من نفسه، ويُفوِّض أمره إلى الله تفويضًا كاملًا، لكن الاستنابة يرى فيه أنه فوق الوكيل، أنا وكَّلت إنسانًا يشتري لي حاجة، فأنا متوكِّل عليه ولكن هل توكُّلي عليه كتوكُّلي على الله؟ أبدًا؛ لأن توكُّلي على الله تفويض إلى الله تفويضًا مُطلقًا، وأعتقد أنه هو حسبي، لكن هذا الرجل توكُّلي عليه على أنه نائبٌ عنِّي، لا على أني طريح عليه، أفوِّض الأمر إليه، على أنه نائب عني أستطيع أن أعزله، وأستطيع أن أوبِّخه إذا خالف مرادي. وأستطيع أن أحبسه إذا تسبَّب علي بضررٍ بخلاف التوكل على الله. * * * • ثم قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]. قال الله ﵎: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾: هذه الجملة جملة شرطية، فعل الشرط فيها مضارع مجزوم (إن ينصرك)، وجواب الشرط فيها جملة اسمية مصدَّرة بلا، واقترنت بالفاء لأنها جملة اسمية. كما في قول الناظم: اسمية طلبية وبجامدٍ ... وبما لن وبقد وبالتنفيسِ ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾:

стр. 979

أيضًا الجملة هذه جملة شرطية، فعل الشرط فيها فعل مضارع مجزوم، وجواب الشرط فيها جملة استفهامية مرتبطة بالفاء وجوبًا؛ لأن الجملة اسمية. وقوله: ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾، فيها (من) و (ذا) و (الذي)، فهل (ذا) التي بعد (من) اسم موصول أو مُلغاة؟ الجواب: أنها مُلغاة؛ لأن ما بعدها اسم موصول، و (ذا) التي بعد (مَنْ) تكون اسمًا موصولًا بشرط ألا يأتي بعدها اسم موصول، فإن أتى بعدها اسم موصول تعيَّن أن تكون ملغاة. وقال بعض النحويين: لا يتعيَّن أن تكون ملغاة، ويكون الاسم الموصول الثاني توكيدًا للاسم الموصول الأول، كأنه يُقال: من الذي ينصركم من بعده، هذا ما يتعلَّق بالآية من حيث الإعراب. أما قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: فقد سبق الكلام على مثلها. يقول الله في هذه الآية: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ يعني إذا قدَّر الله نصركم فإنه لن يغلبكم أحد، وإنما قلت: (إن يُقدِّر الله نصركم) لأنه لو كان المراد النصر بالفعل لم يكن لقوله: ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ فائدة؛ لأن النصر قد حصل. وعلى هذا يكون المعنى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ﴾ أي إن يُقدِّر نصركم، وهذا نظير قول الرسول ﷺ : "واعلم أن ما أصابك لم يكن ليُخطِئك" (١). قال بعض العلماء: أن ما أصابك أي: ما قُدِّر أن يُصيبك، لأن ما أصابك بالفعل قد حصل، فلا يستقيم قوله: "لم يكن ليُخطئك".

стр. 980

ولكن الصحيح أن الحديث على ظاهره: "أن ما أصابك لم يكن ليُخطئك". يعني أن الأمر لا يمكن أن يقع على خلاف الواقع. فما أصابك لم يكن ليُخطئك أبدًا فلا حاجة إلى الندم. هنا يقول: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾، و (لا) هذه نافية للجنس، والنافية للجنس نصٌّ في العموم؛ لأن النفي قد يكون للعموم نصًّا وقد يكون للعموم ظاهرًا، والفرق بين النص والظاهر: أن النصَّ لا يحتمل التخصيص، والظاهر يحتمل أن يكون عامًا أُريدَ به الخصوص. قال أهل العلم في النحو: و (لا) النافية نصٌّ في العموم، كما أن (مِن) الزائدة إذا جاءت بعد النفي، صار النفي نصًّا في العموم، كما لو قلت: (ما في الدار من رجلٍ) هذه نص في العموم كقولكَ: (لا رجلَ في الدار). الحاصل: أن قوله: ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ عام، يعني: لا أحد يغلبكم مهما كانت قوته ومهما كان عدده، وإنما قال الله ذلك من أجل أن نعلِّق النصر بالله لا بغيره. قال: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. معنى ﴿يَخْذُلْكُمْ﴾ مقابل ﴿يَنْصُرْكُمُ﴾ فالخذلان ضد النصر، وهذه من القواعد التي تُفيدك في تفسير القرآن، أن الكلمة قد يظهر معناها بما قُرِن معها من الضد. لو قال قائل: في قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١]، ما معنى ثُبات؟ الجواب: فُرادى؛ لمقابلتها لقوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١].

стр. 981

قوله: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ أي إن يُقدِّر لكم الخذلان، وهو عدم النصر ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. ويمكن أيضًا أن نستدل على معنى الخذلان بقوله: ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾، فـ (مَن): استفهام جاء بمعنى النفي؛ لأنه مُشْرَب بمعنى التَّحدِّي، يعني كأن الله يقول: نتحدَّاكم إذا أراد الله خذلانكم أن ينصركم أحدٌ من بعده، حتى لو اجتمعت قوى الأرض كلها على أن تنصركم، والله تعالى لم ينصركم فإنه لا يمكن أن تنتصروا، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده؟ الجواب: لا أحد. وقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (على الله): جار ومجرور مقدَّم على عامله وهو (يتوكل)، وتقديم ما حقه التأخير يُفيد الحصر، أي على الله لا غيره ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾، والفاء هنا قال النحويون: إنها زائدة لتحسين اللفظ، ولا يمكن أن تكون عاطفة؛ لأن الواو في قوله ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ تُغني عنها، ولهذا لو قيل: (وعلى الله ليتوكل) صحَّ، فهي زائدة لتحسين اللفظ، ووجه كونها لتحسين اللفظ: أن اللفظ لو جاء (وعلى الله ليتوكل المؤمنون) لم يكن بذاك بلاغة، فإذا قيل: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ أي: فليعتمد، ولكن التوكل على الله ليس كالتوكل على الآدمي، التوكل على الله فيه إنابةٌ وخضوع وذل وتفويض واعتمادٌ تام على الله، بخلاف ما إذا توكل الإنسان على شخص وكيل له، فإنه لا شك يعتمد عليه فيما وكله فيه، لكن لا يجد من قلبه أنه مفوَّض تفويضًا تامًّا، فالتوكل على الله عبادة، فلهذا قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ يعني وحده فليتوكل المؤمنون أي: المؤمنون به.

стр. 982

والإيمان بالله إذا أُطلق شمل جميع ما يجب الإيمان به من الأركان الستة التي بيَّنها الرسول ﷺ في قوله لجبريل: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره" (١). من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان كمال قدرة الله ؛ لقوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾. ٢ - وجوب تعلّق القلب بالله وحده في طلب الانتصار؛ لقوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾، إذن يُطلب النصر بناءً على هذه القاعدة من الله . ٣ - أن الله إذا قدَّر خذلان أحدٍ فلا ناصر له؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. ٤ - أنه إذا آمن الإنسان بهذا فإنه لابد أن يفعل الأسباب التي يكون بها النصر، ومنها: الأول: الإخلاص لله ؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]. الإخلاص لله في العبادة.

стр. 983

ثانيًا: إقامة الصلاة. ثالثًا: إيتاء الزكاة. رابعًا: الأمر بالمعروف. خامسًا: النهي عن المنكر. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠، ٤١]. وتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] يتبيَّن لك أن هذا النصر محقَّق؛ لأنه إِذا كان الله قويًا عزيزًا فكل من أمامه ضعيفٌ ذليل، ثم تأمل مرة أخرى قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] يتبيَّن لك أن القوى الظاهرة المادية مهما عظمت فإن عاقبتها بيد الله ، هو الذي يجعل العاقبة لمن يشاء والعاقبة للمتقين، وإذا أردت أن تعرف هذا من الناحية التاريخية فانظر ما جرى للأمة الإسلامية في أول عهدها، أسقطت الدول الكبرى العظمى، دولة الروم ودولة الفرس ودولة القبط في مصر، ملكوا مشارق الأرض ومغاربها، هذا من الناحية التاريخية، ومن الناحية الواقعية زلزلة واحدة في لحظات من رب العرش تدمر كل شيء، ولا يستطيع أحد أن يمنع هذه الزلزلة، فلهذا نقول: إن من ضعف الإيمان أن ينظر الإنسان إلى الأمر المادي، ولا ينظر إلى قدرة الله وقوته، إِذن لابد أن

стр. 984

نسلك أسباب النصر، ونحن إذا سلكنا أسباب النصر بإيمان ويقين تحقق لنا. ٥ - التحذير من فعل أسباب الخذلان؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. ومن أسباب الخذلان: تولي الكفار ومناصرتهم ومعاضدتهم، فإن هذا من أسباب الخذلان، فالاعتماد يكون على الله ، لأن الله قال: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. ٦ - وجوب التوكل على الله وحده؛ لقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وإفراده بالتوكل يؤخذ من تقديم المعمول على عامله؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، وهذه قاعدة، حتى للمبتدأ والخبر، فلو قلت: لله ملك السموات والأرض يعني لا لغيره. ٧ - أن التوكل من مقتضيات الإيمان؛ لأنه علق الحكم على وصف، وهو الإيمان، فدلَّ ذلك على أنه كلما قوي الإيمان قوي التوكل على الله، وكلما ضعُف الإيمان ضعف التوكل على الله. فإن قال قائل: هل إفراد الله بالتوكل يُنافي فعل الأسباب؟ فالجواب: لا، بل فعل الأسباب من التوكل على الله؛ لأنك إذا توكَّلت على الله فمن مقتضيات التوكل عليه أن تفعل ما أمرك به. لو قال قائل: أنا سأدخل النار متوكلًا على الله، نقول: هذا غير صحيح، اللهمَّ إلَّا أن يقع ذلك على سبيل التحدي، فيمكن لهذا أن يكون آية من آيات الله، وينصر الله هذا الفاعل لنصرة دينه، ويكون هذا الذي حصل من دخوله في النار كرامة، ولهذا

стр. 985

ذُكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما ناظر رئيس البطائحية الذي جاء يُناظره في مسائل من أصول الدين قال له رئيس البطائحية: أنا أصوب منك؛ لأني أنا أستطيع أن أدخل في النار ولا يُصيبني منها شيء، فهل تستطيع أن تدخل في النار ولا يُصيبك شيء؟ قال شيخ الإسلام: نعم، أنا أستطيع بشرط أن أنزل أنا وإياك في هذا النهر، ونغتسل تمامًا ثم ندخل النار؛ وذلك لأن الرجل قد طلى جسمه بشيء يُضاد النار، فيريد أن يموِّه على الناس بدخول النار، وعلى كل حال أقول: إن فعل الأسباب لا يُنافي التوكل، ولهذا شواهد: نعلم علم اليقين أن نبينا محمدًا ﷺ سيد المتوكلين، ومع ذلك كان يتوقَّى الحرَّ، ويتوقَّى البرد، ويأكل لدفع الجوع، ويشرب لدفع الظمأ، وفي الغزوات كان يلبس الدرع يتوقَّى به السهام، وفي غزوة أحد لبس درعين، وفي غزوة الخندق لما أحاط الأعداء بالمدينة حفر الخندق بمشورة سلمان الفارسي ﵁، ولم يقل نتوكل على الله، والوقائع على هذا كثيرة تدل على أن فعل الأسباب لا يُنافي التوكل، ولكن يجب أن نلاحظ شرطًا مهمًا، وهو أن تكون الأسباب أسبابًا شرعية أو كونية، لا أسبابًا وهمية. أسباب شرعية يعني ثبت بالشرع أنها سبب، أو أسباب كونية أي ثَبت بالتجارب أنها سبب. أما السبب الوهمي كتعليق التمائم غير الشرعية والتطير وما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز الاعتماد عليه.
следующие страницы →