إمامته حرم الخروج عليه وقتاله، سواء ثبتت بإجماع المسلمين عليه: كإمامة أبي بكر الصديق، ﵁، أو بعهد الإمام الذي قبله إليه: كعهد أبي بكر إلى عمر، ﵄، أو باجتهاد أهل الحل والعقد لأن عمر جعل أمر الإمامة شورى بين ستة من الصحابة فوقع الإتفاق على عثمان، ﵁ أو بقهره للناس حتى أذعنوا له، ودعوه إماما: كعبد الملك بن مروان لما خرج على ابن الزبير فقتله، واستولى على البلاد وأهلها حتى بايعوه طوعا وكرها، ودعوه إماما. ولأن في الخروج على من ثبتت إمامته بالقهر شق عصا المسلمين، وإراقة دمائهم، وإذهاب أموالهم.
قال أحمد في رواية العطار: ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين: فلا يحل لأحد يؤمن بالله أن يبيت، ولا يراه إماما برا كان أو فاجرا. وقال في الغاية: ويتجه: لا يجوز تعدد الإمام، وأنه لو تغلب كل سلطان على ناحية كزماننا فحكمه كالإمام.
"ويعتبر كونه قرشيا" لقول المهاجرين للأنصار إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش. وقال أحمد في رواية منها: لا يكون من غير قريش خليفة.
"بالغا عاقلا سميعا بصيرا ناطقا حرا ذكرا عدلا عالما ذا بصيرة كافئا ابتداء ودوما" لاحتياجه إلى ذلك في أمره ونهيه، وحربه وسياسته، وإقامة الحدود ونحو ذلك، ولأن العبد منقوص برقه مشغول بحقوق سيده. وقوله ﷺ ، في حديث العرباض وغيره - "والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد ... ". الحديث - محمول
стр. 1017
على نحو أمير سرية. والمرأة ليست من أهل الولاية، وفي الحديث "ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" رواه البخاري.
"ولا ينعزل بفسقه" لما في ذلك من المفسدة، بخلاف القاضي، ولحديث: "إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان".
"وتلزمه مراسلة البغاة، وإزالة شبههم، وما يدعون من المظالم" لأن ذلك وسيلة إلى الصلح المأمور به، والرجوع إلى الحق. ولأن عليا، ﵁ راسل أهل البصرة يوم الجمل قبل الوقعة، وأمر أصحابه أن لا يبدؤوهم بقتال، وقال: إن هذا يوم من فلج فيه فلج يوم القيامة١ وروى عبد الله بن شداد أن عليا، ﵁، لما اعتزله الحرورية بعث إليهم عبد الله بن عباس فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف.
"فإن رجعوا وإلا لزمه قتالهم" لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ٢
"ويجب على رعيته معونته" للآية، ولأن الصحابة قاتلوا مانعي الزكاة وقاتل علي، ﵁، أهل البصرة يوم الجمل، وأهل الشام بصفين وإذا حضر من لم يقاتل لم يجز قتله لأن عليا، ﵁، قال: إياكم وصاحب البرنس يعني: محمد بن طلحة السجاد، وكان حضر طاعة لأبيه، ولم يقاتل. ولأن القصد كفهم، وهذا قد كف نفسه. قاله في الكافي.
стр. 1018
"وإذا ترك البغاة القتال حرم قتلهم، وقتل مدبرهم وجريحهم" لقول مروان: "صرخ صارخ لعلي يوم الجمل: لا يقتلن مدبر، ولا يذفف على جريح، ولا يهتك ستر، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن"١ رواه سعيد. وعن عمار نحوه. وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ ، قال: "يا ابن أم عبد: ما حكم من بغى على أمتي؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم. فقال: "لا يقتل مدبرهم، ولا يجاز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يقسم فيئهم" ٢ وعن أبي أمامة قال: شهدت صفين، فكانوا لا يجيزون على جريح، ولا يطلبون موليا، ولا يسلبون قتيلا ولأن المقصود دفعهم فإذا حصل لم يجز قتلهم كالصائل.
"ولا يغنم مالهم، ولا تسبى ذراريهم" لا نعلم في ذلك خلافا بين أهل العلم، لأن مالهم مال معصوم، وذريتهم معصومون لا قتال منهم ولا بغي.
"وبجب رد ذلك إليهم" لأن أموالهم كأموال غيرهم من المسلمين، وإنما أبيح قتالهم للرد إلى الطاعة. وعن علي أنه قال يوم الجمل: من عرف شيئا من ماله مع أحد فليأخذه، فعرف بعضهم قدرا مع أصحاب
стр. 1019
علي وهو يطبخ فيها، فسأله إمهاله حتى ينطبخ الطبيخ فأبى، وكبه وأخذها.
"ولا يضمن البغاة ما أتلفوه حال الحرب" كما لا يضمن أهل العدل ما أتلفوه للبغاة حال الحرب لأن عليا لم يضمن البغاة ما أتلفوه حال الحرب من نفس ومال وقال الزهري: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ ، متوافرون وفيهم البدريون، فأجمعوا أنه لا يقاد أحد، ولا يؤخذ مال على تأويل القرآن إلا ما وجد بعينه ذكره أحمد في رواية الأثرم محتجا به. وإن استولوا على بلد فأقاموا الحدود، وأخذوا الزكاة والخراج والجزية احتسب به لأن عليا، ﵁، لم يتبع ما فعله أهل البصرة، ولم يطالبهم ب شيء مما جباه البغاة ولأن ابن عمر، وسلمة بن الأكوع يأتيهم ساعي نجدة الحروري فيدفعون إليه زكاتهم ولأن في ترك الاحتساب بذلك ضررا عظيما على الرعايا.
"وهم في شهادتهم، وإمضاء حكم حاكمهم كأهل العدل" لأن التأويل السائغ في الشرع لا يفسق به الذاهب إليه أشبه المخطئ من الفقهاء في فرع، فيقضى بشهادة عدولهم، ولا ينقض حكم حاكمهم إلا ما خالف نص كتاب أو سنة أو إجماعا. وإن أظهر قوم رأي الخوارج: كتكفير مرتكب الكبيرة، وسب الصحابة، ولم يخرجوا عن قبضة الإمام: لم يتعرض لهم، لأن عليا سمع رجلا يقول: لا حكم إلا الله - تعريضا بالرد عليه في التحكيم - فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل، ثم قال: لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله،
стр. 1020
ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدؤكم بقتال وإن عرضوا بسبب الإمام أو غيره من أهل العدل: عزروا كيلا يصرحوا، ويخرقوا الهيبة. والوجه الثاني: لا يعزرون، لما روي أن عليا كان في صلاة الفجر، فناداه رجل من الخوارج ﴿ ... لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ١ فأجابه علي، ﵁: ﴿ ... فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ٢ ولم يعزره.
ومن كفر أهل الحق والصحابة، واستحل دماء المسلمين بتأويل: فهم خوارج فسقة، لأن عليا قال في الحرورية لا تبدؤوهم بقتال وأجراهم مجرى البغاة، وكذلك عمر بن عبد العزيز. وذهب طائفة من أهل الحديث إلى أنهم كفار حكمهم حكم المرتدين، لحديث أبي سعيد مرفوعا، وفيه: " ... يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة" رواه البخاري. وفي لفظ: "لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" فعلى هذا يجوز قتلهم ابتداء، وقتل أسراهم، وإتباع مدبرهم. ومن قدر عليه.
منهم استتيب كالمرتد، فإن تاب وإلا قتل. قاله في الكافي. وقال الشيخ تقي الدين: الخوارح يقتلون ابتداء، ويجهز على جريحهم. وقال جمهور العلماء: يفرقون بينهم وبين البغاة المتأولين، وهوا لمعروف عن الصحابة، وعليه عامة الفقهاء.
стр. 1021
باب حكم المرتد
مدخل
...
باب حكم المرتد:
"وهو: من كفر بعد إسلامه" وأجمعوا على وجوب قتله إن لم يتب، لحديث ابن عباس مرفوعا: "من بدل دينه فاقتلوه" رواه الجماعة إلا مسلما. وروي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاذ بن جبل وخالد بن الوليد وغيرهم. وسواء الرجل والمرأة، لعموم الخبر. وروى الدارقطني أن امرأة - يقال لها: أم مروان ارتدت عن الإسلام، فبلغ أمرها إلى النبي ﷺ ، فأمر أن تستتاب، فإن تابت وإلا قتلت.
"ويحصل الكفر بأحد أربعة أمور:"
"١- بالقول: كسب الله تعالى، أو رسوله، أو ملائكته" لأنه لا يسبه إلا وهو جاحد به.
"أو ادعى النبوة" أو تصديق من ادعاها، لأن ذلك تكذيب لله تعالى في قوله: ﴿ ... وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ١ ولحديث: "لا نبي بعدي" ونحوه.
"٢- أو الشركة له تعالى" لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ٢ وقال الشيخ تقي الدين: أو كان مبغضا لرسوله، أو
стр. 1022
لما جاء به اتفاقا، أوجعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم، ويدعوهم ويسألهم: كفر إجماعا.
"٣- بالفعل: كالسجود للصنم ونحوه" كشمس وقمر وشجر وحجر وقبر، لأنه إشراك بالله تعالى.
"وكإلقاء المصحف في قاذورة " أو ادعى اختلافه، أو القدرة على مثله لأن ذلك تكذيب له.
"٤- بالاعتقاد: كاعتقاد الشريك له تعالى" أو الصاحبة، أو الولد، لقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ ١.
"أو أن الزنى والخمر حلال، أو أن الخبز حرام، ونحو ذلك مما أجمع عليه إجماعا قطعيا" لأن ذلك معاندة للإسلام، وامتناع من قبول أحكامه، ومخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأمة.
"وبالشك في شيء من ذلك" أي: في تحريم الزنى والخمر، أو في حل الخبز ونحوه، ومثله لا يجهله لكونه نشأ بين المسلمين. وإن كان يجهله مثله، لحداثة عهده بالإسلام أو الإفاقة من جنون ونحوه: لم يكفر، وعرف حكمه ودليله، فإن أصر عليه كفر، لأن أدلة هذه الأمور ظاهرة من كتاب الله وسنة رسوله، ولا يصدر إنكارها إلا من مكذب لكتاب الله وسنة رسوله. قاله في الكافي.
"فمن ارتد، وهو مكلف مختار استتيب ثلاثة أيام" وجوبا، لما روى مالك والشافعي أنه قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى، فقال له عمر: هل كان من مغربة خبر؟ قال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، فقال: ما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه، قال عمر: فهلا حبستموه ثلاثا،
стр. 1023
وأطعمتموه كل يوم رغيفا، واستتبتموه لعله يتوب أو يراجع أمر الله. اللهم إني لم أحضر، ولم أرض إذ بلغني فلولا وجوب الاستتابة لما برئ من فعلهم. وأحاديث الأمر بقتله تحمل على ذلك جمعا بين الأخبار.
"فإن تاب فلا شيء عليه، ولا يحبط عمله" لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ ... ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ ... ﴾ ١ ولمفهوم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ ٢ وعن أنس مرفوعا: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ولأن النبي ﷺ كف عن المنافقين حين أظهروا الإسلام.
"وإن أصر قتل بالسيف" لما تقدم، ولحديث: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة" وحديث: "من بدل دينه فاقتلوه، ولا تعذبوا بعذاب الله. يعني: النار" رواه البخاري وأبو داود.
"ولا يقتله إلا الإمام أو نائبه" لأنه قتل لحق الله تعالى، فكان إلى الإمام، كرجم الزاني المحصن.
"فإن قتله غيرهما أساء وعزر" لافتئاته على ولي الأمر.
"ولا ضمان" بقتل مرتد،
"ولو كان قبل استتابته" لأنه مهدر الدم بالردة في الجملة، ولا يلزم من تحريم القتل الضمان، بدليل نساء الحرب وذريتهم.
стр. 1024
"ويصح إسلام المميز" ذكرا أو أنثى إذا عقله لأن عليا، ﵁، أسلم وهو ابن ثمان سنين رواه البخاري في تاريخه. فصح إسلامه، وثبت إيمانه، وعد بذلك سابقا. وروي عنه قوله:
سبقتكمو إلى الإسلام طرا ... صبيا ما بلغت أوان حلمي
"وردته" أي: المميز، لأن من صح إسلامه صحت ردته كسائر الناس.
"لكن لا يقتل حتى يستتاب بعد بلوغه ثلاثة أيام" لأن بلوغه أول زمن صار فيه أهل العقوبة، لحديث "رفع القلم عن ثلاثة". وتقدم.
стр. 1025
فصل وتوبة المرتد، وكل كافر إتيانه بالشهادتين:
لحديث ابن مسعود أن النبي ﷺ دخل الكنيسة، فإذا هو بيهودي يقرأ عليهم التوراة، فقرأ.. حتى إذا أتى على صفة النبي ﷺ ، وأمته، فقال: هذه صفتك وصفة أمتك، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال ﷺ : "لوا أخاكم" رواه أحمد. وعن أنس أن يهوديا قال للنبي ﷺ : أشهد أنك رسول الله، ثم مات، فقال رسول الله ﷺ : "صلوا على صاحبكم" احتج به أحمد في رواية مهنا.
"مع رجوعه عما كفر به" لأنه كذب الله ورسوله بما اعتقد، فلا بد من إتيانه بما يدل على رجوعه عنه.
стр. 1026
"ولا يغني قوله: محمد رسول الله، عن كلمة التوحيد" لأنه غير موحد، فلا يحكم بإسلامه حتى يوحد الله، ويقر بما كان يجحده.
"وقوله: أنا مسلم توبة" لأنه يتضمن الشهادتين. وعن المقداد أنه قال: يا رسول الله: أرأيت، إن لقيت رجلا من الكفار، فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بصخرة، فقال: أسلمت أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال: "لا تقتله، فإن قتلتة فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها" وعن عمران بن حسين قال: أصاب المسلمون رجلا من بني عقيل، فأتوا به النبي ﷺ ، فقال: يا محمد: إني مسلم، فقال رسول الله ﷺ : "لو كنت قلت، وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح" رواهما مسلم. قال في المغني: ويحتمل أن هذا في الكافر الأصلي، أو من جحد الوحدانية، وأما من كفر بجحد نبي أو كتاب، أو فريضة ونحو هذا: فلا يصير مسلما بذلك، لأنه ربما اعتقد أن الإسلام ما هو عليه، فإن أهل البدع كلهم يعتقدون أنهم هم المسلمون، ومنهم من هو كافر.
"وإن كتب كافر الشهادتين صار مسلما" لأن الخط كاللفظ.
"وإن قال: أسلمت، أو: أنا مسلم، أو: أنا مؤمن: صار مسلما" بذلك وإن لم يتلفظ بالشهادتين، لما تقدم.
"ولا يقبل في الدنيا بحسب الظاهر توبة زنديق، وهو: المنافق الذي يظهر الإسلام، ويخفي الكفر" لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ... ﴾ ١ والزنديق: لا يعلم تبيين رجوعه، وتوبته،
стр. 1027
لأنه لا يظهر منه بالتوبة خلاف ما كان عليه، فإنه كان ينفي الكفرعن نفسه قبل ذلك، وقلبه لا يطلع عليه.
"ولا من تكررت ردته" لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ ٢ ولأن تكرار ردته يدل على فساد عقيدته، وقلة مبالاته بالإسلام.
"أو سب الله تعالى، أو رسوله، أو ملكا له" لعظم ذنبه جدا فيدل على فساد عقيدته. قال أحمد: لا تقبل توبة من سب النبي ﷺ .
"وكذا من قذف نبيا أو أمه" لما في ذلك من التعرض للقدح في النبوة الموجب للكفر.
"ويقتل، حتى ولو كان كافرا فأسلم" لأن قتله حد قذفه فلا يسقط بالتوبة، كقذف غيرهما. ومن قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف.
стр. 1028
كتاب الأطعمة
مدخل
مدخل
...
كتاب الأطعمة:
الأصل فيها الحل، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ١ وقوله: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً﴾ ٢ وقوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ٣
"يباح كل طعام طاهر لا مضرة فيه" لما تقدم. ويحرم مضر: كسم، لقوله تعالى: ﴿ ... وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ٤ والسم مما يقتل غالبا.
"إن حلف: لا يشرب" مما لا يؤكل عادة: كقشر بيض، وقرن حيوان مذكى إذا دقا. وسأله الشالنجي عن المسك يجعل في الدواء ويشرب، قال: لا بأس به.
"ويحرم النجس: كالميتة، والدم، ولحم الخنزير" لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ ٥ وقوله ﷺ في الخمر "أكفئوها فإنها رجس".
"والبول، والروث، ولو طاهرين" لاستقذارهما، فإن اضطر إليهما أو إلى أحدهما أبيحا، لقصة العرنيين.
стр. 1029
"ويحرم من حيوان البر. الحمر الأهلية" لحديث جابر أن النبي ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل متفق عليه. قال أحمد: خمسة وعشرون من الصحابة كرهوها. وقال ابن عبد البر: لا خلاف اليوم في تحريمها. قال في الشرح: وألبان الحمر محرمة في قول الأكثر، ورخص فيها عطاء وطاووس. وأما الفيل: فقال أحمد، ليس هو من طعام المسلمين. وقال الحسن: هو مسخ، ولأنه مستخبث، وذو ناب من السباع.
"وما يفترس بنابه: كأسد ونمر وذئب وفهد وكلب" لحديث أبي ثعلبة الخشني نهى رسول الله ﷺ ، عن أكل كل ذي ناب من السباع متفق عليه. وعن أبي ذر مرفوعا: "كل ذي ناب حرام" رواه مسلم. قال ابن عبد البر: هذا نص صحيح صريح يخص العموم.
"وقرد" لأن له نابا، وهو مسخ، فهو من الخبائث. قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافا في أن القرد لا يؤكل، ولا يجوز بيعه. ذكره في الشرح.
"ودب، ونمس، وابن آوى" شبه الثعلب، ورائحته كريهة.
"وابن عرس، وسنور ولو بريا" لنهيه ﷺ عن أكل الهر وأكل ثمنها رواه أبو داود، وابن ماجه.
"وثعلب" على الأصح،
"وسنجاب، وسمور" لأنها من السباع، فتدخل في العموم.
"ويحرم من الطير ما يصيد بمخلبه" في قول الأكثر.
"كعقاب، وباز، وصقر، وباشق، وحدأة، وبومة" لحديث ابن عباس
стр. 1030
نهى رسول الله ﷺ عن أكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير رواه الجماعة، إلا البخاري والترمذي.
"وما يأكل الجيف: كنسر، ورخم، وقاق" وهو العقعق، طائر نحو الحمامة طويل المذنب، فيه بياض، وسواد، نوع من الغربان.
"ولقلق" طائر نحو الأوزة، طويل العنق، يأكل الحيات.
"وغراب" بين وأبقع،١ قال عروة: ومن يأكل الغراب، وقد سماه النبي ﷺ فاسقا؟! والله ما هو من الطيبات. ولإباحة قتله في الحل والحرم، ولأن هذه مستخبثة لأكلها الخبائث.
"وخفاش" وهو: الوطواط. قال أحمد: ومن يأكل الخفاش؟
"وفار" نص عليه، لكونها فويسقة لأنه ﷺ أمر بقتله في الحرم ولا يجوز فيه قتل صيد مأكول.
"وزنبور، ونحل، وذباب" لأنها مستخبثة غير مستطابة.
"وهدهد، وخطاف" لحديث ابن عباس نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد٢ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه ونهى ﷺ عن قتل الخطاطيف رواه البيهقي مرسلا.
"وقنقذ ونيص" نص عليه، لحديث أبي هريرة ذكر القنفذ
стр. 1031
لرسول الله ﷺ فقال: "هو خبيثة من الخبائث" رواه أبو داود. والنيص مثله، لأنه يقال: هو عظيم القنافذ.
"وحية" لأن لها نابا من السباع. نص عليه.
"وحشرات" كديدان، وجعلان، وبنات وردان،١ وخنافس، ووزغ، وحرباء، وورل،٢ وعقرب، وصراصر، وجرذان، وبراغيث، وقمل، وأشباهها لأنها مستخبثة، فيعمها قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ٣.
"ويؤكل ما تولد من مأكول طاهر: كذباب الباقلاء ودود الخل والجبن، تبعا لا انفرادا" قال أحمد في الباقلاء المدودة: تجنبه أحب إلي، وإن لم يتقذره، فأرجو. وقال عن تفتيش التمر الممدود: لا بأس به إذا علمه.
стр. 1032
فصل ويباح ماعدا هذا كبهيمة الأنعام:
من إبل، وبقر، وغنم لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ ١
"والخيل" كلها. نص عليه. وروي عن ابن الزبير، لحديث جابر، وتقدم. وقالت أسماء نحرنا فرسا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه ونحن بالمدينة متفق عليه.
стр. 1033
"وباقي الوحش: كضبع" رخص فيه: سعد، وابن عمر، وأبو هريرة. وقال عروة بن الزبير: ما زالت العرب تأكل الضبع، لا ترى بأكله بأسا. وقال عبد الرحمن: قلت لجابر: الضبع: صيد هي؟ قال: نعم، قلت: آكلها؟ قال: نعم، قلت: أقاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وهذا يخصص النهي عن كل ذي ناب من السباع جمعا بين الأخبار. وفي الروضة: لكن إن عرف بأكل الميتة فكالجلالة١.
"وزرافة" نص عليه، لأنها من الطيبات.
"وأرنب" رخص فيها أبو سعيد، وأكلها سعد بن أبي وقاص. وقال أنس أنفجنا أرنبا، فسعى القوم فلغبوا، فأخذتها، فجئت إلى أبي طلحة فذبحها، وبعث بوركها، أو قال: فخذها إلى النبي ﷺ ، فقبله٢ متفق عليه. وعن محمد بن صفوان أنه صاد أرنبين فذبحهما بمرتين، فأتى رسول الله ﷺ فأمره بأكلهما رواه أحمد والنسائي، وابن ماجه.
"ووبر، ويربوع، وبقر وحش، وحمره" على اختلاف أنواعها، لأنها مستطابة.
قضت الصحابة فيها بالجزاء على المحرم.
"وضب" وإباحته: قول عمر، وابن عباس، وغيرهما من الصحابة. ولم يعرف عن صحابي خلافه، فيكون إجماعا، قاله في الشرح. وقال
стр. 1034
أبو سعيد كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ ، لأن يهدى إلى أحدنا ضب أحب إليه من دجاجة وأكله خالد بن الوليد ورسول الله ﷺ ينظر متفق عليه.
"وظباء" وهي: الغزلان، على اختلاف أنواعها، لأنها مستطابة تفدى في الإحرام والحرم.
"وباقي الطير: كنعام، ودجاج" لقول أبي موسى رأيت النبي ﷺ يأكل الدجاج متفق عليه.
"وطاوس، وببغاء" وهي: الدرة.
"وزاغ" طائر صغير أغبر.
"وغراب زرع" وهو أسود كبير أحمر المنقار. والرجل يأكل الزرع، ويطير مع الزاغ، وكحمام بأنواعه، وعصافير وقنابر، وكركي وكروان، وبط وأوز، وأشباهها مما يلتقط الحب، ويفدى في الإحرام، لأنه مستطاب، فيتناوله عموم قوله تعالى: ﴿ ... وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ ... ﴾ ١ وعن سفينة قال: أكلت مع رسول الله ﷺ لحم حبارى٢ رواه أبو داود.
"ويحل كل ما في البحر" لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ ... ﴾ ٣ وقوله ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" صححه الترمذي.
стр. 1035
"غير ضفدع" فيحرم. نص عليه، واحتج بالنهي عن قتله.
"وحية" لأنها من المستخبثات.
"وتمساح" نص عليه، لأن له نابا يفترس به. واختار ابن حامد والقاضي: يحرم الكوسج، لأنه ذو ناب، وهو: سمكة لها خرطوم كالمنشار، وتسمى: المقرش.
والأشهر أنه مباح: كخنزير الماء وكلبه وإنسانه، لعموم الآية والأخبار، وروى البخاري "أن الحسن بن علي ركب على سرج عليه من جلود كلاب الماء".
"وتحرم الجلالة: وهي التي أكثر علفها النجاسة، ولبنها وبيضها" لحديث ابن عمر نهى النبي ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها رواه أحمد وأبو داود، وفي رواية له نهى عن ركوب جلالة الإبل وعن ابن عباس نهى النبي ﷺ عن شرب لبن الجلالة رواه أحمد، وأبو داود. والترمذي، وصححه. وبيضها كلبنها، لأنه متولد منها.
"حتى تحبس ثلاثا، وتطعم الطاهر" لأن ابن عمر كان إذا أراد أكلها حبسها ثلاثا وقال مالك: تحبس الناقة، والبقرة أربعين يوما، وقدمه في الكافي، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص نهى النبي ﷺ عن الإبل الجلالة أن لا يؤكل لحمها، ولا يشرب لبنها، ولا يحمل عليها إلا الأدم، ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة رواه الخلال. والبقرة في معناها، ويحبس الطائر ثلاثا، لفعل ابن عمر. والأول: المذهب ويحرم ما سقي من الزرع والثمار، أو سمد بنجس. نص عليه، لأنه يتغذى بالنجاسات كالجلالة إذا حبست،
стр. 1036
وأطعمت الطاهر وعن ابن عباس، قال كنا نكري أراضي رسول الله ﷺ ونشترط عليهم أن لا يدخلوها بعذرة الناس ولولا تأثير ذلك لما اشترط عليهم تركه.
"ويكره أكل تراب وفحم وطين" لضرره، نص عليه. وغدة١.
"وأذن قلب" نص عليه. قاله في رواية عبد الله كره النبي ﷺ أكل الغدة ونقل أبو طالب نهى النبي ﷺ عن أذن القلب.
"وبصل، وثوم، ونحوهما" ككراث، وفجل. صرح أحمد بأنه كرهه لمكان الصلاة، وعن جابر مرفوعا: "من أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" متفق عليه.
"ما لم ينضج بطبخ" لحديث أبي أيوب في الطعام الذي فيه الثوم، قال فيه: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا، ولكني أكرهه من أجل ريحه" حسنه الترمذي. وعن علي ﵁ مرفوعا وموقوفا النهي عن أكل الثوم إلا مطبوخا رواه الترمذي. وعن عائشة قالت إن آخر طعام أكله رسول الله ﷺ فيه بصل رواه أبو داود. وقال عمر في خطبته في البصل والثوم: فمن أكلهما فليمتهما طبخا رواه مسلم والنسائي وابن ماجه.
стр. 1037
فصل ومن اضطر جاز له أن يأكل من المحرم ما يسد رمقه فقط:
لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ١ وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ ٢ وقوله: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ٣ فإذا أكل ما يسد رمقه. زالت الضرورة، فتزول الإباحة. وهو اختيار الخرقي. وعنه: له الشبع. اختاره أبو بكر، لأنه طعام أبيح له أكله، فجاز له الشبع منه كالحلال. ويجب الأكل. نص عليه، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ٤ وقوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ٥ قال مسروق: من اضطر، فلم يأكل ولم يشرب فمات: دخل النار. وقيل: لا يجب لما روي عن عبد الله بن حذافة صاحب رسول الله ﷺ أن ملك الروم حبسه، ومعه لحم خنزير مشوي، وماء ممزوج بخمر ثلاثة أيام، فأبى أن يأكله، وقال: لقد أحله الله لي، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام ويجب تقديم السؤال على أكل المحرم، نص عليه. وقال لسائل: قم قائما ليكون لك عذر عند الله.
стр. 1038
"ومن لم يجد إلا آدميا مباح الدم: كحربي وزان محصن: فله قتله، وأكله" لأنه لا حرمة له، أشبه السباع.
"ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينه" كثياب لدفع برد، ودلو وحبل لاستقاء ماء.
"وجب على ربه بذله مجانا" بلا عوض، لأنه تعالى ذم على منعه بقوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ١ فإن احتاج ربه إليه، فهو أحق به من غيره لتميزه بالملك.
"ومن مر بثمر بستان لا حائط عليه ولا ناظر: فله من غير أن يصعد على شجرة أو يرميه بحجر أن يأكل ولا يحمل" لقول أبي زينب التميمي سافرت مع أنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة، وأبي برزة، فكانوا يمرون بالثمار فيأكلون في أفواههم وهو قول: عمر، وابن عباس. قال عمر: يأكل ولا يتخذ خبنة٢ وكون سعد أبى الأكل لا يدل على تحريمه، لأن الإنسان قد يترك المباح غناء عنه، أو تورعا، وعن رافع أن رسول الله ﷺ قال: "لا ترم، وكل ما وقع، أشبعك الله وأرواك" صححه الترمذي.
وعنه: له الأكل إن كان جائعا فقط، لحديث عمر، وابن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ سئل عن الثمر المعلق، فقال: "ما أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن
стр. 1039
أخذ منه من غير حاجة، فعليه غرامة مثليه: والعقوبة" قال في الشرح: وعليه أكثر الفقهاء. ولنا قول من سمينا من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف منهم، فإن كانت محوطة، لم يجز الدخول، قال ابن عباس إن كان عليها حائطا فهو حريم، فلا تأكل١. انتهى. وكذا إن كان ثم حارس، لدلالة ذلك عن شح صاحبه به، وعدم المسامحة.
"وكذا الباقلاء، والحمص" وشبههما مما يؤكل رطبا وفي الزرع، وشرب لبن الماشية روايتان: إحداهما: يجوز. لحديث سمرة في الماشية صححه الترمذي، وقال: العمل عليه عند بعض أهل العلم والثانية: لا يجوز، لحديث ابن عمر: "لا يحلب أحد ماشية أحد إلا بإذنه ... " الحديث متفق عليه.
"وتجب ضيافة المسلم على المسلم في القرى دون الأمصار يوما وليلة، وتستحب ثلاثا" لقوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته". قال: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: "يومه، وليلته" والضيافة ثلاثة أيام وما زاد على ذلك فهو صدقة. "ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يؤثمه" قيل: يا رسول الله: كيف يؤثمه؟ قال "يقيم عنده، وليس عنده ما يقريه" وعن عقبة بن عامر: قلت للنبي ﷺ إنك تبعثنا، فننزل بقوم لا يقروننا، فما ترى؟ فقال: "إذا نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف: فاقبلوا. وإن لم يفعلوا: فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي له" متفق عليه. ولو لم تجب الضيافة، لم يأمرهم بالأخذ، واختص ذلك بالمسافر،
стр. 1040
لقول عقبة إنك تبعثنا فننزل وبأهل القرى لقوله بقوم والقوم إنما ينصرف إلى الجماعات دون أهل الأمصار. وقال أحمد: كأنها على أهل القرى، فأما مثلنا الآن فكأن ليس مثلهم، وذلك أن أهل القرى فليس عادتهم بيع القوت ذكره في الشرح. وعنه: تجب للذمي. نقله الجماعة. وظاهر نصوصه: تجب للحاضر وفي المصر. ذكره في الفروع بمعناه لعموم قوله ﷺ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه".
стр. 1041
باب الذكاة
مدخل
...
باب الذكاة:
"وهي: ذبح أو نحر الحيوان المقدور عليه" فلا يباح إلا بها لأنه تعالى حرم الميتة وما لم يذك، فهو ميتة، ويباح الجراد والسمك، وما لا يعيش إلا في الماء بدونها، لحديث ابن عمر مرفوعا: "أحل لنا ميتتان ودمان. فأما الميتتان: فالحوت، والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال" رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني.
"وشروطها أربعة:"
"أحدها: كون الفاعل عاقلا، مميزا قاصدا للذكاة" فلا يباح ما ذكاه مجنون، وطفل لم يميز لأنهما لا قصد لهما، ولأن الذكاة أمر يعتبر له الدين فاعتبر فيه العقل: كالغسل
"فيحل ذبح الأنثى، والقن، والجنب" لحديث كعب بن مالك عن أبيه أنه كانت له غنم ترعى بسلع، فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمها موتاء فكسرت حجرا، فذبحتها به. فقال لهم: لا تأكلوا حتى
стр. 1042
أسأل النبي ﷺ أو أرسل إليه، فأمر من يسأله. وإنه سأل النبي ﷺ عن ذلك أو أرسل إليه فأمر بأكلها رواه أحمد، والبخاري ففيه إباحة ذبيحة المرأة، والأمة، والحائض، والجنب لأنه ﵇، لم يستفصل عنها، وفيه أيضا: إباحة الذبح بالحجر. وما خيف عليه الموت. وحل ما يذبحه غير مالكه بغير إذنه، وغير ذلك وقال ابن المنذر: أجمعوا على إباحة ذبيحة المرأة والصبي.
"والكتابي" لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ ١ قال البخاري: قال ابن عباس طعامهم: ذبائحهم ومعناه عن ابن مسعود رواه سعيد.
"إلا المرتد، والمجوسي. والوثني، والدرزي، والنصيري" لمفهوم قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ ١ وإنما أخذت الجزية من المجوس لأن لهم شبهة كتاب.
"الثاني: الآلة فيحل الذبح بكل محدد من حجر وقصب، وخشب وعظم غير السن والظفر" نص عليه، لما تقدم. وعن رافع بن خديج مرفوعا "ما أنهر الدم فكل ليس السن والظفر" متفق عليه وعنه: لا يذكى بالعظم وبه قال النخعي، لقوله: أما السن فعظم.
"الثالث: قطع الحلقوم" أى: مجرى النفس.
"والمريء" ٢ مجرى الطعام والشراب.
стр. 1043
"ويكفي قطع البعض منهما" فلا تشترط إبانتهما، لأنه قطع في محل الذبح ما لا تبقى الحياة معه، لما روي عن عمر أنه نادى: "إن النحر في اللبة، أو الحلق لمن قدر" أخرجه سعيد، ورواه الدارقطني مرفوعا بنحوه. وعنه: ويشترط فري الودجين - وهما: عرقان محيطان بالحلقوم١ لحديث أبي هريرة قال: نهى النبي ﷺ عن شريطة الشيطان، وهي: التي تذبح، فيقطع الجلد، ولا تفري الأوداج، ثم تترك حتى تموت. رواه أبو داود. وذكر الشيخ تقي الدين وجها: يكفي قطع ثلاثة من الأربعة. وقال: إنه الأقوى. وسئل عمن قطع الحلقوم والودجين، لكن فوق الجوزة، فقال: هذا فيه نزاع. والصحيح: أنها تحل. انتهى. وحكاه في الإقناع عن الشيخ تقي الدين أي: سواء فوق الغلصمة أو تحتها. وجزم به في شرح المنتهى.
"فلو قطع رأسه حل" سواء من جهة وجهه وقفاه لقول علي، ﵁، فيمن ضرب وجه ثور بالسيف: تلك ذكاة وأفتى بأكلها عمران بن حصين، ولا مخالف لهما.
"ويحل ذبح ما أصابه سبب الموت: من منخنقة، ومريضة وأكيلة سبع وما صيد بشبكة، أو فخ أو أنقذه من مهلكة إن ذكاه وفيه حياة مستقرة: كتحريك يده أو رجله أو طرف عينه" لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ ٢ مع أن ما تقدم ذكره أسباب للموت، ولحديث كعب بن مالك المتقدم وقال ابن عباس في ذئب عدا على شاة، فوضع قصبها بالأرض.
стр. 1044
فأدركها فذبحها بحجر، قال: يلقي ما أصاب الأرض منها، ويأكل سائرها قال أحمد: إذا مصعت١ بذنبها، وطرفت بعينها، وسال الدم، فأرجو ذكره في الشرح.
"وما قطع حلقومه، أو أبينت حشوته" أي: قطعت أمعاؤه ونحوها مما لا تبقى معه حياة.
"فوجود حياته كعدمها" قال في الشرح: والأول أصح، لعموم الآية ولأنه ﷺ ، لم يستفصل في حديث، جارية كعب.
"لكن لو قطع الذابح الحلقوم، ثم رفع يده قبل قطع المريء: لم يضر إن عاد فأتم الذكاة على الفور" كما لو لم يرفعها.
"وما عجز عن ذبحه: كواقع في بئر. ومتوحش، فذكاته لجرحه في أي محل كان" روي عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، لحديث رافع بن خديج قال: كنا مع النبي ﷺ ، فند بعير -وكان في القوم خيل يسير- فطلبوه، فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم، فحبسه الله. فقال النبي ﷺ : "إن لهذه البهائم أوابد ٢ كأوابد الوحش: فما غلبكم منها فاصنعوا به كذا". وفي لفظ: "فما ند عليكم فاصنعوا به هكذا" متفق عليه.
стр. 1045
وفي حديث أبي العشراء عن أبيه مرفوعا: "لو طعنت في فخذها لأجزأك" رواه الخمسة. قال المجد: وهذا فيما لا يقدر عليه.
"الرابع: قول: بسم الله. لا يجزئ غيرها عند حركة يده بالذبح" لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ﴾ ١
"وتجزئ بغير العربية ولو أحسنها" لأن المقصود ذكر الله تعالى.
"ويسن التكبير" مع التسمية، لما ثبت أنه ﷺ كان إذا ذبح قال: "بسم الله، والله أكبر" وكان ابن عمر يقوله. قال في الشرح: ولا خلاف أن التسمية تجزئ.
"وتسقط التسمية سهوا" روي عن إبن عباس.
"لا جهلا" وعن راشد بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : "ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم، إذا لم يتعمد" أخرجه سعيد. ولحديث: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" والآية محمولة على العمد، جمعا بين الأخبار.
"ومن ذكر" عند الذبح
"مع اسم الله تعالى اسم غيره لم تحل" الذبيحة. روي ذلك، عن علي ﵁. وحرم عليه ذلك لأنه شرك.
стр. 1046
فصل وتحصل ذكاة الجنين بذكاة أمه:
إذا خرح ميتا أو متحركا كحركة المذبوح. روي عن علي، وابن عمر، لحديث جابر مرفوعا: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" رواه أبو داود بإسناد جيد. ورواه الدارقطني من حديث ابن عمر، وأبي هريرة، واستحب أحمد ذبحه، ليخرج الدم الذي في جوفه. وذكر ذلك عن ابن عمر. وقال ابن المنذر: كان الناس على إباحته، لا نعلم أحدا خالف ما قالوا، إلى أن جاء النعمان، فقال: لا يحل، لأن ذكاة نفس لا تكون ذكاة لنفسين. انتهى.
"وإن خرج حيا حياة مستقرة لم يبح إلا بذبحه" نص عليه، لأنه مستقل بحياته، أشبه ما ولدته قبل ذبحها.
"ويكره الذبح بآلة كالة" لأنه تعذيب للحيوان، ولقوله ﷺ "وإن ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" رواه أحمد، والنسائي وابن ماجه.
"وسلخ الحيوان، أو كسر عنقه قبل زهوق نفسه" لحديث أبي هريرة: بعث النبي ﷺ ، بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى بكلمات، منها: "لا تعجلوا الأنفس أن تزهق، وأيام منى أيام أكل وشرب وبعال" رواه الدارقطني. وقال عمر لا تعجلوا الأنفس حتى تزهق ولا يحرم، لحصوله بعد الذبح.
وقال البخاري: قال ابن عمر وابن عباس: إذا قطع الرأس فلا بأس به.
стр. 1047
"وسن توجيهه للقبلة" لأن ابن عمر كان يستحب ذلك، لأنها أولى الجهات بالاستقبال.
"على جنبه الأيسر" والرفق به،
"والإسراع في الذبح" لما تقدم.
"وما ذبح، فغرق، أو تردى من علو، أو وطئ عليه شيء يقتله مثله: لم يحل" نص عليه. واختاره الخرقي، لأن النبي ﷺ ، قال لعدي بن حاتم: "فإن وقعت في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري: الماء قتله، أو سهمك" متفق عليه. ولأن ذلك يعين على الزهوق، فيحصل من سبب مبيح ومحرم، فغلب التحريم. وقال الأكثر: يحل، لحصوله بعد الذبح والحل.
стр. 1048
كتاب الصيد والذبائح:
الأصل في إباحته: الكتاب، والسنة، والإجماع. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ١ وقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ ٢ الآية وقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ٣ قال ابن عباس وهي: الكلاب المعلمة، والبازي، وكل ما تعلم الصيد ولحديث عدي بن حاتم وأبي ثعلبة. متفق عليهما.
стр. 1049
"يباح لقاصده" لما تقدم.
"ويكره لهوا" لأنه عبث. فإن ظلم الناس فيه بالعدوان على زروعهم ومواشيهم ونحوها: فحرام.
"وهو أفضل مأكول" لأنه من اكتساب الحلال الذي لا شبهة فيه.
"فمن أدرك صيدا مجروحا متحركا فوق حركة مذبوح، واتسع الوقت لتذكيته: لم يبح إلا بها" لأنه مقدور على ذبحه، فلم يبح بدونه كغير الصيد.
"وإن لم يتسع، بل مات في الحال: حل" لأن عقره قد ذبحه. قال قتادة: يأكله ما لم يتوان في ذكاته، أو يتركه عمدا. ومتى أدركه ميتا: حل.
"بأربعة شروط:"
"١-كون الصائد أهلا للذكاة حال إرسال الآلة" فلا يحل صيد مجوسي، أو وثني، أو مرتد. وكذا ما شارك فيه، لأن الاصطياد كالذكاة، وقائم مقامها، لقوله ﷺ : "فإن أخذ الكلب ذكاة" متفق عليه. وما لا يفتقر إلى ذكاة: كالحوت والجراد، يباح إذا صاده من لا تحل ذبيحته في قول أكثر أهل العلم.
"ومن رمى صيدا فأثبته، ثم رماه ثانيا فقتله: لم يحل" لأنه صار مقدورا عليه بإثباته، فلا يباح إلا بذبحه. قال العمروشي من المالكية: وأما بندق الرصاص فهي أقوى من كل محدد، فيحل بها الصيد. قال الشيخ عبد القادر الفاسي:
стр. 1050
وما ببندق الرصاص صيدا ... جواز أكله قد استفيدا
أفتى به والدنا الأواه ... وانعقد الإجماع من فتواه
"٢- الآلة. وهي نوعان:"
"الأول: ما له حد يجرح: كسيف، وسكين، وسهم" فيشترط له ما يشترط لآلة الذكاة، ولا بد أن يجرحه. فإن قتله بثقله لم يبح، لأنه وقيذ. وإن صاد بالمعراض أكل ما قتل بحده دون عرضه. قال في الشرح: المعراض: عود محدود ربما جعل في رأسه حديدة. انتهى. لحديث: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكل" وعن عدى بن حاتم، قلت يا رسول الله: إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، فقال: "إذا رميت بالمعراض فخرق، فكله، وإن أصاب بعرضه فلا تأكله" متفق عليه.
"الثاني: جارحة معلمة: ككلب غير أسود" بهيم وهو الذي لا بياض فيه، فيحرم صيده. نص عليه لأنه ﷺ ، أمر بقتله، وقال: "إنه شيطان" متفق عليه. وما قتله الشيطان لا يباح. قال أحمد: لا أعلم أحدا من السلف يرخص فيه، يعني: صيد الكلب الأسود.
"وفهد، وباز، وصقر، وعقاب، وشاهين" فيباح ما قتله من الصيد، لقوله تعالى: ﴿ ... وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ... ﴾ ١ قال ابن عباس: هي: الكلاب المعلمة، وكل طير تعلم الصيد، والفهود، والصقور، وأشباهها والجارح لغة: الكاسب.
"فتعليم الكلب، والفهد بثلاثة أمور: بأن يسترسل إذا أرسل.
стр. 1051
وينزجر إذا زجر" قال في المغني، والشرح: قبل إرساله على الصيد، أو رؤيته، أما بعد ذلك، فلا يعتبر، وقال الموفق: ولا أحسب هذه الخصال تعتبر في غير الكلب، لأن الفهد لا يكاد يجيب داعيا. وإن عد متعلما، فيكون التعليم في حقه بما يعده أهل العرف معلما.
"وإذا أمسك لم يأكل" لحديث: "فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه" متفق عليه. وإن شرب من دمه لم يحرم. رواية واحدة.
"وتعليم الطير بأمرين: بأن يسترسل إذا أرسل ويرجع إذا وعي" ولا يعتبر ترك الأكل، لأنه إجماع الصحابة، قال معناه في الشرح، لقول ابن عباس: إذا أكل الكلب فلا تأكل، وإن أكل الصقر فكل رواه الخلال. وقال أيضا لأنك تستطيع أن تضرب الكلب، ولا تستطيع أن تضرب الصقر.
"ويشترط أن يجرح الصيد. فلو قتله بصدم أو خنق لم يبح" كالمعراض إذا قتل بثقله، ولأن الله حرم الموقوذة، ولمفهوم حديث "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه: فكل".
"٣- قصد الفعل، وهو: أن يرسل الآلة لقصد الصيد" لأن قتل الصيد أمر يعتبر له الدين، فاعتبر له القصد، كطهارة الحدث.
"فلو سمى وأرسلها لا لقصد الصيد، أو لقصده ولم يره، أو استرسل الجارح بنفسه فقتل صيدا: لم يبح" لحديث: "إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه: فكل" متفق عليه. ولأن إرسال الجارح جعل بمنزلة الذبح، ولهذا اعتبرت التسمية معه. فإن زجره فزاد عدوه
стр. 1052
بزجره: حل حيث سمى عند زجره، وبه قال مالك والشافعي، لأن زجره أثر في عدوه أشبه ما لو أرسله. وقال إسحاق: يؤكل إذا سمى عند انفلاته.
"٤- قول: بسم الله، عند إرسال جارحه، أو رمي سلاحه" لمفهوم "إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه: فكل" متفق عليه.
"ولا تسقط هنا سهوا" وهو قول: الشعبي، وأبي ثور، لقوله: "فإن وجدت معه غيره، فلا تأكل، فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على الآخر" متفق عليه. وأباحه مالك مع النسيان كالذكاة. وعنه: إن نسي على السهم أبيح دون الجارحة.
"وما رمي من صيد فوقع في ماء، أو تردى من علو، أو وطئ عليه شيء - وكل من ذلك يقتل مثله -: لم يحل" لحديث عدي بن حاتم، قال سألت النبي ﷺ ، عن الصيد، فقال: "إذا رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن وجدته قد قتل: فكل، إلا أن تجده وقع في ماء، فإنك لا تدري: الماء قتله، أو سهمك؟ " متفق عليه. والتردي ونحوه: كالماء في ذلك تغليبا للتحريم.
"ومثله: لو رماه بمحدد فيه سم" مع احتمال إعانته على قتله تغليبا للتحريم، لأنه الأصل. فإذا شككنا في المبيح رد إلى أصله.
"وإن رماه بالهواء أوعلى شجرة أو حائط فسقط ميتا حل" لأن موته بالرمي ووقوعه في الأرض لا بد منه، فلو حرم به أدى إلى أن لا يحل طير أبدا.
стр. 1053
كتاب الأيمان
مدخل
مدخل
...
كتاب الأيمان:
جمع يمين، وهو: الحلف والقسم.
"لا تنعقد اليمين إلا بالله تعالى" لقوله تعالى: ﴿ ... فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ ... ﴾ ١ وقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ... ﴾ ٢ وحديث "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" متفق عليه.
"أو اسم من أسمائه" لا يسمى به غيره: كقوله: والله، والرحمن، ومالك يوم الدين، لقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ... ﴾ ٣ فجعل لفظة: الله، ولفظة الرحمن، سواء في الدعاء، فيكونان سواء في الحلف. أو يسمى به غيره، ولم ينو الحالف الغير: كالرحيم، والعظيم، والقادر، والرب، والمولى، لأنه بإطلاقه ينصرف إلى اليمين، وهذا مذهب الشافعي. قاله في الشرح.
"أو صفة من صفاته: كعزة الله، وقدرته" وعظمته، وجلاله، فتنعقد بها اليمين في قولهم جميعا. وورد القسم بها. كقول الخارج من النار: وعزتك، لا أسأل غيرها. وفي القرآن: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٤
"وأمانته" لأنها صفة من صفاته. وكذا عهده، وميثاقه، لأن ذلك
стр. 1054
بإضافته إلى اسم الله تعالى، صار يمينا بذكر اسمه تعالى معه، وقرينة الاستعمال صارفة إليه.
"وإن قال: يمينا بالله أو قسما، أو شهادة انعقدت" لا نعلم فيه خلافا. قاله في الشرح، لقوله تعالى: ﴿ ... فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ ... ﴾ ١ ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ ... ﴾ ٢ ﴿ ... فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ... ﴾ ٣ ولأن تقديره: أقسمت قسما بالله ونحوه.
"وتنعقد بالقرآن وبالمصحف" وبسورة منه، أو آية، لأنه صفة من صفاته تعالى. فمن حلف به، أو ب شيء منه: كان حالفا بصفته تعالى. والمصحف يتضمن القرآن، ولذلك أطلق عليه في حديث "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو" وقالت عائشة: "ما بين دفتي المصحف كلام الله" وكان قتادة يحلف بالمصحف. ولم يكرهه أحمد وإسحاق.
وفيها كفارة واحدة لأنها يمين واحدة، ولأن الحلف بصفات الله، وتكرار اليمين بها لا يوجب أكثر من كفارة، وهذا أولى. وعنه: بكل آية كفارة. لأن ذلك يروى عن ابن مسعود. قال أحمد: ما أعلم شيئا يدفعه. قال في الكافي: ويحتمل أن ذلك ندب غير واجب، لأنه قال: عليه بكل آية كفارة يمين، فإن لم يمكنه، فعليه كفارة يمين. ورده إلى كفارة واحدة عند العجز دليل على أن الزائد عليها غير واجب.
стр. 1055
"وبالتوراة، ونحوها من الكتب المنزلة" كالإنجيل والزبور، لأن الإطلاق ينصرف إلى المنزل من عند الله، لا المغير والمبدل. ولا تسقط حرمة ذلك بكونه نسخ بالقرآن، كالمنسوخ حكمه من القرآن، وذلك لا يخرجه عن كونه كلام الله.
"ومن حلف بمخلوق: كالأولياء، والأنبياء ﵈. أو: بالكعبة أو نحوها: حرم" قال ابن عبد البر: هذا أمر مجمع عليه، لقوله ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم. فمن كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت" متفق عليه. وعن ابن عمر مرفوعا: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" حسنه الترمذي. وقال ابن مسعود: أن أحلف بالله كاذبا، أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا قال الشيخ تقي الدين: لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك. يشير إلى حديث ابن عمر السابق.
"ولا كفارة" ولو حنث، لأنها وجبت في الحلف بالله تعالى، صيانة لأسمائه وصفاته تعالى، وغيره لا يساويه في ذلك. ولأن الحلف بغير الله شرك. وكفارته: التوحيد، لحديث: "من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله" وعن أبي هريرة مرفوعا: "خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله ... " الحديث، رواه أحمد.