← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 5463

منار السبيل في شرح الدليل

ابن ضويان

Полный текст (1 165 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

فصل في آداب القاضي: "ويسن كون الحاكم قويا بلا عنف" لئلا يطمع فيه الظالم. "لينا بلا ضعف" لئلا يهابه المحق، "حليما" لئلا يغضب من كلام الخصم فيمنعه الحكم "متأنيا" لئلا تودي عجلته إلى ما لا ينبغي، "متفطنا" متيقظا لا يؤتى من غفل. ولا يخدع لغرة، ذا ورع ونزاهة وصدق، "عفيفا" لئلا يطمع في ميله بإطماعه، "بصيرا بأحكام الحكام قبله" ليسهل عليه الحكم، وتتضح له طريقه. قال علي، ﵁ لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضيا حتى تكمل فيه خمس خصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم وقال عمر بن عبد العزيز: سبع خلال إن فات القاضي منها واحدة فهي وصمة: العقل، والفقه، والورع، والنزاهة، والصرامة، والعلم بالسنن، والحلم. "ويجب عليه العدل بين الخصمين في لحظه، ولفظه، ومجلسه والدخول عليه" لحديث أم سلمة أن النبي ﷺ ، قال: "من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه، وإشارته، ومقعده، ولا يرفعن صوته على أحد الخصمين ما لا يرفعه على الآخر"

стр. 1087

رواه عمر بن أبي شيبة في كتاب قضاة البصرة. وكتب عمر إلى أبي موسى واس بين الناس في وجهك، ومجلسك وعدلك، حتى لا ييأس الضعيف من عدلك، ولا يطمع شريف في حيفك وجاء رجل إلى شريح وعنده السري، فقال: أعدني على هذا الجالس إلى جنبك، فقال للسري: قم فاجلس مع خصمك، قال: إني أسمعك من مكاني، قال: قم فاجلس مع خصمك، فإن مجلسك يريبه، وإني لا أدع النصرة وأنا عليها قادر. "إلا المسلم مع الكافر: فيقدم دخولا، ويرفع، جلوسا" لحرمة الإسلام ولما روى إبراهيم التيمي أن عليا، رضى الله عنه، حاكم يهوديا إلى شريح، فقام شريح من مجلسه، وأجلس عليا فيه، فقال علي، ﵁: لو كان خصمي مسلما لجلست معه بين يديك، ولكن سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "لا تساووهم في المجالس". "ويحرم عليه أخذ الرشوة" لحديث ابن عمر، قال: لعن رسول الله ﷺ ، الراشي والمرتشي صححه الترمذي. ورواه أبو هريرة، وزاد في الحكم ورواه أبو بكر في زاد المسافر، وزاد والرائش وهو: السفير بينهما. وكذا الهدية، لحديث أبي حميد الساعدي مرفوعا: "هدايا العمال غلول" رواه أحمد. وقال عمر بن عبد العزيز: كانت الهدية فيما مضى هدية، وأما اليوم فهي رشوة. قال في الفروع: وقال كعب الأحبار قرأت في بعض ما أنزل الله على أنبيائه: الهدية تفقأ عين الحكم وقال الشاعر: إذا أتت الهدية دارقوم ... تطايرت الأمانة من كواها إلا ممن كان يهاديه قبل ولايته بشرط أن لا يكون له حكومة فيباح

стр. 1088

قبولها، لانتفاء التهمة. واستحب القاضي التنزه عنها، لأنه لا يأمن أن تكون لحكومة منتظرة. ويكره أن يباشر البيع والشراء بنفسه، لئلا يحابى فيجري مجرى الهدية. وروى أبو الأسود المالكي عن أبيه عن جده مرفوعا: "ما عدل وال اتجر في رعيته أبدا" وقال شريح: شرط علي عمر حين ولاني القضاء أن لا أبيع ولا أبتاع، ولا أرتشي، ولا أقضي وأنا غضبان فإن احتاج لم يكره، لأن أبا بكر الصديق قصد السوق ليتجر فيه حتى فرضوا له ما يكفيه. "ولا يسار أحد الخصمين، أو يضيفه، أو يقوم له دون الآخر" لأنه إعانة له على خصمه، وكسر لقلبه. وروي عن علي، ﵁ أنه نزل به رجل، فقال: ألك خصم؟ قال: نعم، قال: تحول عنا، فإني سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "لا تضيفوا أحد الخصمين إلا ومعه خصمه". "ويحرم عليه الحكم، وهو غضبان كثيرا" لحديث أبي بكر مرفوعا: "لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان" متفق عليه. "أو حاقن، أو في شدة جوع، أو عطش، أو هم. أو ملل، أو كسل، أو نعاس، أو برد مؤلم، أو حر مزعج" قياسا على الغضب، لأنه في معناه، لأن هذه الأمور تشغل قلبه، ولا يتوفر على الاجتهاد في الحكم، وتأمل الحادثة. "فإن خالف وحكم" في حال من هذه الأحوال. "صح إن أصاب الحق" لأن النبي ﷺ ، حكم في حال غضبه في حديث مخاصمة الأنصاري والزبير في شراج الحرة رواه الجماعة.

стр. 1089

"ويحرم عليه أن يحكم بالجهل. أو هو متردد. فإن خالف وحكم: لم يصح. ولو أصاب" الحق لحديث بريدة مرفوعا: "القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار. فأما الذي في الجنة: فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم: فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل: فهو في النار" رواه أبو داود وابن ماجه. "ويوصي الوكلاء والأعوان ببابه بالرفق بالخصوم وقلة الطمع" لئلا يضروا بالناس، "ويجتهد أن يكونوا شيوخا أو كهولا من أهل الدين والعفة والصيانة" ليكونوا أقل شرا فإن الشباب شعبة من الجنون. "ويباح له أن يتخذ كاتبا يكتب الوقائع" وقيل: يسن، لأن النبي ﷺ استكتب زيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهما ولأن الحاكم يكثر اشتغاله ونظره في أمر الناس، فيشق عليه تولي الكتابة بنفسه. "ويشترط كونه مسلما مكلفا عدلا" لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ... ﴾ ١ الآية وقال عمر: لا تؤمنوهم وقد خونهم الله، ولا تقربوهم وقد أبعدهم الله، ولا تعزوهم وقد أذلهم الله ولأن الكتابة موضع أمانة فاشترط لها العدالة. "ويسن كونه حافظا عالما" لأن فيه إعانة على أمره، وكونه جيد الخط عارفا، لئلا يفسد ما يكتبه بجهله، وكونه ورعا نزها كيلا يستمال بالطمع. وقال ابن المنذر: يكره للحاكم أن يفتي في الأحكام، كان شريح يقول: أنا أقضي ولا أفتي.

стр. 1090

باب طريق الحكم وصفته مدخل ... باب طريق الحكم وصفته: "إذا حضر إلى الحاكم خصمان: فله أن يسكت حتى يبتدئا، وله أن يقول: أيكما المدعي؟ " لأنه لا تخصيص في ذلك لأحدهما. "فإذا ادعى أحدهما: اشترط كون الدعوى معلومة" أي: ب شيء معلوم، ليتمكن الحاكم من الإلزام به، وكونها محررة لترتب الحكم عليها، لقوله ﷺ "إنما أقضي على نحو ما أسمع". "وكونها منفكة عما يكذبها" فلا يصح الدعوى على شخص بأنه قتل أو سرق من عشرين سنة، وسنه دونها. "ثم إن كانت بدين: اشترط كونه حالا" فلا تصح بالمؤجل، لأنه لا يملك الطلب به قبل أجله. "وإن كانت بعين: اشترط حضورها لمجلس الحكم لتعين بالإشارة" نفيا للبس. "فإن كانت غائبة عن البلد: وصفها كصفات السلم" بأن يذكر ما يضبطها من الصفات. وإن ادعى عقارا غائبا عن البلد: ذكر موضعه وحدوده، وتكفي شهرته عندهما، وعند حاكم عن تحديده، لحديث الحضرمي والكندي. "فإذا أتم المدعي دعواه: فإن أقر خصمه بما ادعاه، أو اعترف بسبب الحق، ثم ادعى البراءة: لم يلتفت لقوله، بل يحلف المدعي على نفي ما ادعاه" المدعى عليه من البراءة بالإبراء أو الأداء،

стр. 1091

"ويلزمه بالحق، إلا أن يقيم" المدعى عليه "بينة ببراءته" فيبرأ. فإن عجز عن إقامتها: حلف المدعي على بقاء حقه. "وإن أنكر الخصم ابتداء: بأن قال لمدع قرضا أو ثمنا: ما أقرضني، أو: ما باعني، أو لا يستحق علي شيئا مما ادعاه، أو لا حق له علي: صح الجواب" لنفيه عين ما ادعى به. "فيقول الحاكم للمدعي: هل لك بينة؟ " لما روي أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ : حضرمي وكندي، فقال الحضرمي: يا رسول الله: إن هذا غلبني على أرض لي، فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي، ليس له فيها حق، فقال النبي ﷺ ، للحضرمي: "ألك بينة؟ " فقال: لا. قال: "فلك يمينه" صححه الترمذي. "فإن قال: نعم، قال له: إن شئت فأحضرها، فإذا أحضرها وشهدت سمعها، وحرم ترديده" ويكره نعسها وانتهارها، لئلا يكون وسيلة إلى الكتمان. وكان شريح يقول للشاهدين: ما أنا دعوتكما، ولا أنهاكما أن ترجعا، وما يقضي على هذا المسلم غيركما، وإني بكما أقضي اليوم، وبكما أتقي يوم القيامة.

стр. 1092

فصل ويعتبر في البينة العدالة ظاهرا وباطنا: لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ١ وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ٢ إلا في عقد النكاح، فتكفي العدالة ظاهرا. وعنه: تقبل شهادة كل مسلم لم تظهر منه ريبة. واختاره: الخرقي، وأبو بكر وصاحب الروضة لقبوله ﷺ ، شهادة الأعرابي برؤية الهلال وقول عمر، ﵁: المسلمون عدول بعضهم على بعض. "وللحاكم أن يعمل بعمله فيما أقربه في مجلس حكمه" وإن لم يسمعه غيره. نص عليه، لقوله ﷺ : "إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع ... ". الحديث، رواه الجماعة. "وفي عدالة البينة وفسقها" بغير خلاف، لئلا يتسلل لاحتياجه إلى معرفة عدالة المزكين أو جرحهم، ثم يحتاجون أيضا إلى مزكين. "فإن ارتاب منها: فلا بد من المزكين لها" لتثبيت عدالتها. "فإن طلب المدعي من الحاكم أن يحبس غريمه حتى يأتي بمن يزكي بينته: أجابه لما سأل، وانتظره ثلاثة أيام" لقول عمر في كتابه إلى أبي

стр. 1093

موسى الأشعري واجعل لمن ادعى حقا غائبا أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذت له حقه، وإلا استحللت القضية عليه، فإنه أنفى للشك، وأجلى للغم. "فإذا أتى بالمزكين اعتبر معرفتهم لمن يزكونه بالصحبة والمعاملة" لما روى سليمان بن حرب قال: شهد رجل عند عمر بن الخطاب، ﵁، فقال له عمر: إني لست أعرفك، ولا يضرك أني لا أعرفك، فأتني بمن يعرفك. فقال رجل: أنا أعرفه يا أمير المؤمنين، قال: بأي شيء تعرفه؟ فقال: بالعدالة، قال: هو جارك الأدنى تعرف ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: فعاملك بالدرهم والدينار اللذين يستدل بهما على الورع؟ قال: لا، قال: فصاحبك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: فلست تعرفه. ثم قال للرجل: ائتني بمن يعرفك. "فإن ادعى الغريم فسق المزكين، أو فسق البينة المزكاة، وأقام بذلك بينة: سمعت، وبطلت الشهادة" لأن الجرح مقدم على التعديل، لأن الجارح يخبر بأمر باطن خفي على المعدل، وشاهد العدالة يخبر بأمر ظاهر، ولأن الجارح مثبت، والمعدل ناف، فقدم الإثبات. "ولا يقبل من النساء تعديل ولا تجريح" لأنها شهادة بما ليس بمال، ولا المقصود منه المال. ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال، أشبه الحدود. قاله في الكافي. ولا يسمع جرح لم يبين سببه، بذكر قادح فيه عن رؤية، أو سماع، أو استفاضة عند الناس، لأن ذلك شهادة عن

стр. 1094

علم، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١ لكن يعرض جارح بزنى أو لواط، لئلا يجب عليه الحد. "وحيث ظهر فسق بينة المدعي، أو قال ابتداء: ليس لي بينة، قال الحاكم: ليس لك على غريمك إلا اليمين" لقوله ﷺ ، في حديث: الحضرمي والكندي "شاهداك أو يمينه"، فقال: إنه لا يتورع من شيء، قال: "ليس لك إلا ذلك" رواه مسلم. "فيحلف الغريم على صفة جوابه في الدعوى، ويخلى سبيله" لانقطاع الخصومة. "ويحرم تحليفه بعد ذلك" نص عليه، لأنه لا يلزمه أكثر من ذلك، لما تقدم. "وإن كان للمدعي بينة، فله أن يقيمها بعد ذلك" لما روي عن عمر أنه قال: البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة هذا إن لم يكن قال: لا بينة لي، فإن قال ذلك، ثم أقامها: لم تسمع، لأنه مكذب لها. "وإن لم يحلف الغريم: قال له الحاكم: إن لم تحلف، وإلا حكمت عليك بالنكول" نص عليه. "ويسن تكراره ثلاثا" قطعا لحجته، "فإن لم يحلف: قضى عليه بالنكول وألزمه الحق" لحديث ابن عمر أنه باع زيد بن ثابت عبدا فادعى عليه زيد أنه باعه إياه عالما بعيبه، فأنكره ابن عمر، فتحاكما إلى عثمان، فقال عثمان لابن عمر: احلف أنك ما علمت به عيبا، فأبى ابن عمر أن يحلف، فرد عليه العبد رواه

стр. 1095

أحمد. ولأن النبي ﷺ ، قال "اليمين على المدعى عليه" فحصرها في جنبته، فلم تشرع لغيره. وقيل: ترد اليمين على الخصم، اختاره أبو الخطاب، وقال: قد صوبه أحمد، وقال: ما هو ببعيد يحلف ويستحق، لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ رد اليمين على صاحب الحق رواه الدارقطني. وروي أن المقداد اقترض من عثمان مالا، فتحاكما إلى عمر، فقال عثمان: هو سبعة آلاف، وقال المقداد: هو أربعة آلاف، فقال المقداد لعثمان: احلف أنه سبعة آلاف، فقال عمر: أنصفك. احلف أنها كما تقول، وخذها رواه أبو عبيد، وقال: فهذا عمر قد حكم برد اليمين، ورأى ذلك المقداد، ولم ينكره عثمان. وروى أبو عبيد أيضا عن شريح، وعبد الله بن عقبة أنهما قضيا برد اليمين. وقال علي إن رد اليمين له أصل في الكتاب والسنة. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿ ... أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ ١ وأما السنة فحديث القسامة انتهى.

стр. 1096

فصل وحكم الحاكم يرفع الخلاف لكن لا يزيل الشيء عن صفته باطنا: لحديث: "فمن قضيت له بشيء من حق أخيه: فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار" متفق عليه. "فمتى حكم له ببينة زور بزوجية امرأة ووطء مع العلم: فكالزنا" فيجب عليه الحد بذلك، وعليها الامتناع منه ما أمكنها، فإن أكرهها فالإثم عليه دونها.

стр. 1097

"وإن باع حنبلي متروك التسمية" عمدا من ذبيحة أو صيد، "فحكم بصحته شافعي: نفذ" عند أصحابنا إلا أبا الخطاب. قاله في الفروع. وكذا إن حكم حنفي لحنبلي بشفعة جوار. "ومن قلد" مجتهدا، "في نكاح" مختلف فيه، "صح ولم يفارق" زوجته "بتغير اجتهاده" أي: المجتهد الذي قلده في صحته "كالحاكم بذلك" أي: كما لو حكم له حاكم مجتهد بصحة نكاح، فتغير اجتهاده: فلا يفارق.

стр. 1098

فصل وتصح الدعوى بحقوق الآدميين على الميت: "وعلى غير المكلف، وعلى الغائب مسافة قصر، وكذا دونها إن كان مستترا بشرط البينة في الكل" لحديث هند قالت: يا رسول الله: إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" متفق عليه. فقضى لها، ولم يكن أبو سفيان حاضرا. ويحمل حديث علي على ما إذا كانا حاضرين. وعنه لا يجوز القضاء على الغائب، وهو اختيار ابن أبي موسى، لحديث علي مرفوعا: "إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء" حسنه الترمذي. والميت وغير المكلف كالغائب، لأن كلا منهم لا يعبر عن نفسه. وأما المستتر فلتعذر حضوره

стр. 1099

كالغائب بل أولى، لأن الغائب قد يكون له عذر بخلاف المتواري. ولئلا يجعل الاستتار وسيلة إلى تضييع الحقوق فإن أمكن إحضاره أحضر، بعدت المسافة أو قربت، لما روي أن أبا بكر، ﵁ كتب إلى المهاجر بن أبي أمية أن: ابعث إلي بقيس بن المكشوح في وثاق، فأحلفه خمسين يمينا على منبر رسول الله ﷺ : إنه ما قتل دادويه ولأنا لو لم نلزمه الحضور جعل البعد طريقا إلى إبطال الحقوق. قاله في الكافي. "ويصح أن يكتب القاضي الذي ثبت عنده الحق" أي: كل حق للآدمي لا في حد، لأن حقوق الله تعالى مبنية على الستر، والدرء بالشبهات. "إلى قاض آخر معين أو غير معين" كأن يكتب إلى من يصل إليه كتابه من قضاة المسلمين من غير تعيين بما ثبت عنده، ليحكم به، وبما حكم لينفذه، ويكتب. "بصورة الدعوى الواقعة على الغائب بشرط أن يقرأ ذلك على عدلين، ثم يدفعه لهما" لأن ما أمكن إثباته بالشهادة لم يجز الاقتصار فيه على الظاهر، كالعقود. قاله في الكافي. وقال في الشرح: وحكي عن الحسن وسوار والعنبري أنهم قالوا: إذا عرف خطه وختمه: قبله. وهو قول: أبي ثور. "ويقول فيه: وإن ذلك قد ثبت عندي، وإنك تأخذ الحق للمستحق" لما روى الضحاك بن سفيان قال "كتب إلي رسول الله ﷺ ، أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها" رواه أبو داود والترمذي.

стр. 1100

"فيلزم القاضي الواصل إليه ذلك العمل به" لإجماع الأمة على قبوله، لقوله تعالى: ﴿ ... إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ ١ ولأنه ﷺ كتب إلى ملوك الأطراف وإلى عماله وسعاته.

стр. 1101

باب القسمة مدخل ... باب القسمة: أجمعوا عليها، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ ١ وقوله: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ... ﴾ ٢ وحديث: "إنما الشفعة فيما لم يقسم" وقسم النبي ﷺ ، الغنائم بين أصحابه ولحاجة الشركاء إليها ليتخلصوا من سوء المشاركة. وذكرت في القضاء، لأن منها ما يقع بإجبار الحاكم عليه. "وهي نوعان قسمة تراض" وهي: ما فيه ضرر أو رد عوض. "وقسمة إجبار" وهي: ما لا ضرر فيه ولا رد عوض. "فلا قسمة في مشترك إلا برضى الشركاء كلهم، حيث كان في القسمة ضرر ينقص القيمة" لحديث "لا ضرر ولا ضرار" رواه أحمد ومالك في الموطأ. "كحمام، ودور صغار" بحيث يتعطل الانتفاع بها، أو يقل إذا قسمت، "وشجر مفرد وحيوان" وأرض ببعضها بئر أو بناء، ولا تتعدل

стр. 1102

بأجزاء ولا قيمة، لأن فيها إما ضررا أو رد عوض، وكلاهما لا يجبر الإنسان عليه. "وحيث تراضيا صحت، وكانت بيعا يثبت فيها ما يثبت فيه من الأحكام" من خيار مجلس، وشرط، وغبن، ورد بعيب، لأنها معاوضة. "وإن لم يتراضيا ودعا أحدهما شريكه إلى البيع في ذلك، أو إلى بيع عبد أو بهيمة أو سيف ونحوه مما هو شركة بينهما: أجبر إن امتنع" دفعا للضرر. "فإن أبى: بيع عليهما" أي: باعه الحاكم، "وقسم الثمن" بينهما على قدر حصصهما. نص عليه في رواية الميموني وحنبل. "ولا إجبار في قسمة المنافع" بأن ينتفع أحدهما بمكان، والآخر بآخر، أو كل منهما ينتفع شهرا ونحوه، لأنها معاوضة فلا يجبر عليها الممتنع كالبيع، ولأن القسمة بالزمان يأخذ أحدهما قبل الآخر فلا تسوية لتأخر حق الآخر. "فإن اقتسماها بالزمن: كهذا شهرا، والآخر مثله، أو بالمكان: كهذا في بيت، والآخر في بيت: صح جائزا ولكل الرجوع" متى شاء، فلو رجع أحدهما بعد استيفاء نوبته: غرم ما انفرد به، أي: أجرة مثل حصة شريكه مدة انتفاعه. وقال الشيخ تقي الدين: لا تنفسخ حتى ينقضي الدور، ويستوفي كل واحد حقه.

стр. 1103

فصل النوع الثاني قسمة إجبار: "وهي: ما لا ضرر فيها، ولا رد عوض" سميت بذلك لإجبار الممتنع منها إذا كملت الشروط. "وتتأتى في كل مكيل وموزون، وفي دار كبيرة، وأرض واسعة، ويدخل الشجر تبعا" للأرض، كالأخذ بالشفعة. "وهذا النوع ليس بيعا" لمخالفته له في الأحكام والأسباب كسائر العقود، فلو كانت بيعا لم تصح بغير رضي الشريك، ولوجبت فيها الشفعة، ولما لزمت بالقرعة، بل إفراز للنصيبين، وتمييز للحقين. فيصح قسم لحم هدي وأضحية، مع أنه لا يصح بيع شيء منهما. "فيجبر الحاكم أحد الشريكين إذا امتنع" ويشترط لذلك ثبوت ملك الشركاء وثبوت أن لا ضرر فيها، وثبوت إمكان تعديل السهام في المقسوم، فإذا اجتمعت أجبر الممتنع، لأن طالبها يطلب إزالة ضرر الشركة عنه وعن شريكه، وحصول النفع لكل منهما بتصرفه في ملكه بحسب اختياره من غير ضرر بأحد، فوجبت إجابته. ويقسم عن غير مكلف وليه، فإن امتنع أجبر، ويقسم الحاكم على غائب بطلب شريكه أو وليه، لأنها حق عليه، فجاز الحكم به كسائر الحقوق. "ويصح أن يتقاسما بأنفسهما، وأن ينصبا قاسما بينهما" لأن الحق لا يعدوهما، أو يسألا الحاكم نصبه، لأنه أعلم بمن يصلح للقسمة، فإذا سألاه وجبت إجابتهما لقطع النزاع.

стр. 1104

"ويشترط إسلامه وعدالته وتكليفه" ليقبل قوله في القسمة، "ومعرفته بالقسمة" ليحصل منه المقصود، ويكفي واحد إن لم يكن في القسمة تقويم، لأنه بالحاكم. "وأجرته بينهما على قدر أملاكهما" نص عليه، ولو شرط خلافه. "وإن تقاسما بالقرعة جاز ولزمت القسمة بمجرد خروج القرعة" لأن القاسم، كحاكم، وقرعته حكم. نص عليه. "ولو فيها رداءة وضرر" إذا تراضيا عليها، وخرجت القرعة إذ القاسم يجتهد في تعديل السهام، كاجتهاد الحاكم في طلب الحق، فوجب أن تلزم قرعته، كقسمة الإجبار. "وإن خير أحدهما الآخر بلا قرعة، وتراضيا: لزمت بالتفرق" بأبدانهما كالبيع. "وإن خرج في نصيب أحدهما عيب جهله: خير بين فسخ وإمساك، ويأخذ الأرش" كالمشتري، لوجود النقص. "وإن غبن غبنا فاحشا: بطلت" لتبين فساد الإفراز. "وإن ادعى كل أن هذا من سهمه" وأنكره الآخر، "تحالفا، ونقضت" القسمة، لأن المدعى لا يخرج عن ملكهما، ولا سبيل لدفعه إلى مستحقه منهما بدون نقض القسمة. "وإن حصلت الطريق في حصة أحدهما ولا منفذ للآخر: بطلت" لعدم تمكن الداخل من الانتفاع بما حصل له بالقسمة، فلا تكون السهام معدلة، والتعديل واجب في جميع الحقوق. وقال ابن قندس: فإن أخذه راضيا عالما أنه لا طريق له جاز، لأن قسمة التراضي بيع، وشراؤه على هذا الوجه جائز.

стр. 1105

باب الدعاوى والبينات: الدعوى لغة: الطلب. واصطلاحا: إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره، أو في ذمته. والمدعي: من يطالب غيره بحق. والمدعى عليه: المطالب، ويقال أيضا: المدعي: من إذا ترك ترك، والمدعى عليه: من إذا ترك لا يترك. والبينة: العلامة، كالشاهد فأكثر. وأصل هذا الباب حديث ابن عباس مرفوعا: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" رواه أحمد ومسلم. "ولا تصح الدعوى إلا من جائز التصرف" أي: حر مكلف رشيد. "وإن تداعيا عينا لم تخل من أربعة أحوال:" "١- أن لا تكون بيد أحد، ولا ثم ظاهر" يعمل به "ولا بينة" لأحدهما، "فيتحالفان ويتناصفانها" لاستوائهما في الدعوى، وليس أحدهما أولى بها من الآخر، لعدم المرجح. "وإن وجد ظاهر" يرجع أنها "لأحدهما عمل به" فيحلف ويأخذها. فلو تنازع الزوجان في قماش البيت ونحوه: فما يصلح لرجل فهو له، وما يصلح لها فلها، ولهما فلهما.

стр. 1106

"٢- أن تكون بيد أحدهما فهي له بيمينه" لما تقدم، ولحديث "شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك" ولأن الظاهر من اليد الملك، فإن كان للمدعي بينة حكم له بها. "فإن لم يحلف قضي عليه بالنكول ولو أقام بينة" لجواز أن يكون مستند بينته رؤية التصرف، ومشاهدة اليد، ولعدم حاجته إليها. وفي شرح المنتهى، قلت: بل هو محتاج إليها لدفع التهمة، واليمين عنه. انتهى. وقال في الشرح وإن كان لأحدهما بينة حكم له بها، ولم يحلف، وهو قول أهل الفتيا. وقال شريح والنخعي: يحلف. انتهى. ولأن البينة حجة صريحة في إثبات الملك لا تهمة فيها فكانت أولى من اليمين التي يتهم فيها. قاله في الكافي. "٣- أن تكون بيديهما كشيء: كل ١ ممسك ببعضه فيتحالفان، ويتناصفانه" لا نعلم فيه خلافا. قاله في الشرح، لحديث أبي موسى أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ ، في دابة ليس لأحدهما بينة: فجعلها بينهما نصفين رواه الخمسة إلا الترمذي. "فإن قويت يد أحدهما، كحيوان: واحد سائقه، والآخر راكبه" فللثاني بيمينه، لأن تصرفه أقوى، ويده آكد، وهو المستوفي لمنفعة الحيوان. "أو قميص: واحد آخذ بكمه، والثاني لابسه: فللثاني بيمينه" لما تقدم.

стр. 1107

"وإن تنازع صانعان في آلة دكانهما: فآلة كل صنعة لصانعها" كنجار وحداد بدكان، فآلة النجارة للنجار، وآلة الحدادة للحداد بيمينه حيث لا بينة عملا بالظاهر. "ومتى كان لأحدهما بينة فالعين له" لحديث الحضرمي والكندي١ "فإذا كان لكل منهما بينة به وتساوتا من كل وجه تعارضتا وتساقطتا" لأن كلا منهما تنفي ما تثبته الأخرى "فيتحالفان ويتناصفان ما بأيديهما" لحديث أبي موسى أن رجلين ادعيا بعيرا على عهد رسول الله فبعث كل منهما بشاهدين، فقسمه النبي ﷺ ، بينهما رواه أبو داود. "ويقترعان فيما عداه" أي: فيما ليس بيديهما، أو بيد ثالث لا يدعيه. "فمن خرجت له القرعة فهو له بيمينه" روي عن ابن عمر وابن الزبير، وبه قال إسحاق وأبو عبيد: ذكره في الشرح. كما لو لم يكن لواحد منهما بينة، لحديث أبي هريرة أن رجلين تداعيا عينا لم يكن

стр. 1108

لواحد منهما بينة، فأمرهما رسول الله، ﷺ ، أن يستهما على اليمين أحبا أم كرها رواه أبو داود. وروى الشافعي عن ابن المسيب أن رجلين اختصما إلى رسول الله، ﷺ ، في أمر، فجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة، فأسهم النبي، ﷺ ، بينهما. "وإن كانت العين بيد أحدهما: فهو داخل، والآخر خارج، وبينة الخارج مقدمة على بيعة الداخل" لحديث: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه" وفي لفظ: "واليمين على من أنكر" رواه الترمذي. وحديث: "شاهداك أو يمينه" وعن ابن عباس أن النبي، ﷺ ، قضى باليمين على المدعى عليه متفق عليه. "لكن لو أقام الخارج بينة أنها ملكه، والداخل بينة أنه اشتراها منه: قدمت بينته" أي: الداخل، "هنا، لما معها من زيادة العلم" لشهادتها بأمر حدث على الملك خفي على الأولى، كما لو ادعى بدين وأقام به بينة، فقال المدعى عليه: أبرأني، وأقام بينة بذلك: قدمت، لما معها من زيادة العلم، "أو أقام أحدهما بينة أنه اشتراها من فلان، وأقام الآخر بينة كذلك عمل بأسبقهما تاريخا" لإثباتها أنه اشتراها من مالكها، ولمصادفة التصرف الثاني ملك غيره فوجب بطلانه، فإن لم يعلم التاريخ، أو اتفق: تساقطتا، لتعارضهما وعدم المرجح. "٤- أن تكون بيد ثالث، فإن ادعاها لنفسه حلف لكل واحد يمينا" لأنهما اثنان، كلاهما يدعيها.

стр. 1109

"فإن نكل أخذها منه مع بدلها" أي: مثلها إن كانت مثلية، وقيمتها إن كانت متقومة، لتلف العين بتفريطه، وهو ترك اليمين للأول، أشبه ما لو أتلفها. "واقترعا عليهما" أي: العين وبدلها، لأن المحكوم له بالعين غير معين. "وإن أقر بها لهما اقتسماها" نصفين، "وحلف لكل واحد يمينا" بالنسبة إلى النصف الذي أقر به، لصاحبه، لأنه يدعيه له، كما لو أقر بها، لأحدهما فإنه يحلف للآخر. "وحلف كل واحد لصاحبه على النصف المحكوم له به" كما لو كانت العين بيديهما ابتداء. "وإن قال: هي لأحدهما، وأجهله، فصدقاه" على جهله به، "لم يحلف" لتصديقهما له في دعواه، "وإلا" يصدقاه "حلف يمينا واحدة" لأن صاحب الحق منهما واحد غير معين، "ويقرع بينهما، فمن قرع حلف وأخذها" نص عليه، لحديث أبي هريرة السابق.

стр. 1110

كتاب الشهادات مدخل مدخل ... كتاب الشهادات: أجمعوا على قبول الشهادة في الجملة، لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الآية١ وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ... ﴾ ٢ وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ... ﴾ ١ وحديث: "شاهداك أو يمينه" ولدعاء الحاجة إليها لحصول التجاحد. قال شريح: القضاء جمر، فنحه عنك بعودين - يعني: الشاهدين - وإنما الخصم داء، والشهود شفاء، فأفرغ الشفاء على الداء. "تحمل الشهادة في حقوق الآدميين فرض كفاية" لقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ... ﴾ ١ قال ابن عباس وقتادة والربيع: المراد به: التحمل للشهادة وإثباتها عند الحاكم. "وأداؤها فرض عين" لقوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ... ﴾ ٣ وإن كان الحاكم غير عدل: لم يلزمه الأداء. قال أحمد في رواية ابن الحكم: كيف أشهد عند رجل ليس عدلا لا يشهد؟. وقال في رواية ابنه عبد الله: أخاف أن يسعه أن لا يشهد عن الجهمية. وعن أبي هريرة مرفوعا: "يكون في آخر الزمان

стр. 1111

أمراء ظلمة، ووزراء فسقة، وقضاة خونة، وفقهاء كذبة، فمن أدرك منكم ذلك الزمان فلا يكونن لهم كاتبا، ولا عريفا، ولا شرطيا" رواه الطبراني. "ومتى تحملها وجبت كتابتها" لئلا ينساها. "ويحرم أخذ أجرة وجعل عليها" ولو لم تتعين عليه في الأصح، لأنها فرض كفاية، ومن قام به فقد قام بفرض، ولا يجوز أخذ الأجرة ولا الجعل عليه: كصلاة الجنازة. "لكن إن عجز عن المشي" إلى محلها، "أو تأذى به: فله أخذ أجرة مركوب" لأنه لا يلزمه أن يضر نفسه لنفع غيره، لحديث "لا ضرر ولا ضرار". "ويحرم كتم الشهادة" للآية. "ولا ضمان" لأنه لا تلازم بين التحريم والضمان. "ويجب الإشهاد في عقد النكاح خاصة" لأنه شرط فيه فلا ينعقد بدونها. "ويسن في كل عقد سواه" من بيع وإجارة وصلح وغيره، لقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ١ وحمل على الاستحباب، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ٢ "ويحرم أن يشهد إلا بما يعلمه" لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٣ قال المفسرون: هو ما شهد به عن بصيرة وإيقان.

стр. 1112

وقال ابن عباس سئل النبي، ﷺ ، عن الشهادة، فقال: "ترى الشمس؟ " قال: "على مثلها فاشهد، أو دع" رواه الخلال. "والعلم إما برؤية أو سماع" فالرؤية تختص بالفعل: كقتل، وسرقة، وغصب، وعيوب مرئية في نحو مبيع ونحوها. والسماع ضربان: ا - سماع من مشهود عليه: كعتق وطلاق وإقرار ونحوها، فيلزمه الشهادة بما سمع من قائل عرفه يقينا، كما في الكافي. ٢- وسماع بالاستفاضة بأن يشتهر المشهود به بين الناس، فيتسامعون به بإخبار بعضهم بعضا. قال في الشرح: وأجمعوا على صحة الشهادة بالاستفاضة على النسب، واختلفوا فيما سواه، فقال أصحابنا تجوز في تسعة أشياء: النكاح، والملك المطلق، والوقف، ومصرفه، والموت، والعتق، والولاء، والولاية، والعزل. وقال أبو حنيفة: لا تقبل إلا في النكاح، والموت. ولنا: أن هذه تتعذر الشهادة عليها غالبا بمشاهدتها، أو مشاهدة أسبابها فجازت كالنسب. قال مالك: ليس عندنا من يشهد على أجناس أصحاب رسول الله، ﷺ ، إلا بالسماع، وقال: السماع في الأجناس، والولاء جائز. قيل لأحمد: أتشهد أن فلانة امرأة فلان، ولم تشهد؟ قال: نعم إذا كان مستفيضا: فأشهد أن فاطمة بنت رسول الله، وأن خديجة وعائشة زوجتاه، وكل أحد يشهد بذلك من غير

стр. 1113

مشاهدة. ولا تقبل الاستفاضة إلا من عدد يقع العلم بخبرهم. وقيل: تسمع من عدلين. وهو قول المتأخرين من الشافعية. انتهى. وقال الشيخ تقي الدين: أو ممن تطمئن إليه النفس ولو واحدا. "ومن رأى شيئا بيد إنسان يتصرف فيه مدة طويلة: كتصرف الملاك من نقض وبناء وإجارة وإعارة: فله أن يشهد له بالملك" في قول ابن حامد، لأن تصرفه فيه على هذا الوجه بلا منازع دليل صحة الملك فجرت مجرى الاستفاضة. "والورع أن يشهد باليد والتصرف" لأنه أحوط خصوصا في هذه الأزمنة، ولأن اليد قد تكون عن غصب وتوكيل وإجارة وعارية، فلم تختص في الملك، فلم تجز الشهادة به مع الاحتمال. قاله في الكافي.

стр. 1114

فصل وإن شهدا أنه طلق من نسائه: "واحدة، ونسيا عينها لم تقبل" شهادتهما، لأنهم شهدا بغير معين فلا يمكن العمل بها، كقولهما: إحدى هاتين الأمتين عتيقة. "ولو شهد أحدهما أنه أقر له بألف، والآخر أنه أقر له بألفين: كملت بالألف" لاتفاقهما عليه. "وله" أي: المشهود له "أن يحلف على الألف الآخر ويستحقه" حيث لم يختلف السبب، ولا الصفة. "وإن شهدا أن عليه ألفا لزيد، وقال أحدهما: قضاه بعضه: بطلت

стр. 1115

شهادته" نص عليه، لأن قوله: قضاه بعضه، يناقض شهادته عليه بالألف فأفسدها. "وإن شهدا أنه أقرضه ألفا ثم قال أحدهما: قضاه نصفه: صحت شهادتهما" لأنه رجوع عن الشهادة بخمس مائة، وإقرار بغلط نفسه أشبه ما لو قال: بألف بل بخمسمائة، ولأنه لا تناقض في كلامه، ولا اختلاف. "ولا يحل لمن" تحمل شهادة بحق "وأخبره عدل باقتضاء الحق أن يشهد به" نص عليه. "ولو شهد اثنان في جمع من الناس على واحد منهم أنه طلق أو أعتق، أو شهدا على خطيب أنه قال، أو فعل على المنبر في الخطبة شيئا، ولم يشهد به أحد غيرهما: قبلت شهادتهما" لكمال النصاب.

стр. 1116

باب شروط من تقبل شهادته مدخل ... باب شروط من تقبل شهادته: "وهي ستة" "١- البلوغ: فلا شهادة لصغير، ولو اتصف بالعدالة" لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ١ والصبي ليس من رجالنا. وعنه: تقبل شهادتهم في الجراح خاصة، إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها، لأنه قول ابن الزبير. قاله في الكافي. وقال في الشرح: قال إبراهيم: كانوا يجيزون شهادة بعضهم على بعض. "٢- العقل: فلا شهادة لمعتوه ومجنون" وسكران ومبرسم٢،

стр. 1117

لأن قولهم على أنفسهم لا يقبل، فعلى غيرهم أولى، وتقبل ممن يخنق أحيانا - نص عليه - إذا تحمل وأدى في حال إفاقته، لأنها شهادة من عاقل. "٣- النطق: فلا شهادة لأخرس" بإشارته، لأن الشهادة يعتبر لها اليقين. وإنما اكتفي بإشارة الأخرس في أحكامه المختصة به، كنكاحه وطلاقه للضرورة، وهي هنا معدومة. "إلا إن أداها بخطه" فتقبل، لدلالة الخط على الألفاظ. "٤- الحفظ: فلا شهادة لمغفل، ومعروف بكثرة غلط وسهو" لأنه لا تحصل الثقة بقوله، لاحتمال أن يكون ذلك من غلطه. وتقبل شهادة من يقل ذلك منه، لأنه لا يسلم منه أحد. "٥- الإسلام: فلا شهادة لكافر ولو على مثله" لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ١ وقال: ﴿ ... مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ... ﴾ ٢ والكافر ليس بعدل، ولا مرضي، ولا هو منا. وروى حنبل: تقبل شهادة بعضهم على بعض، واختاره الشيخ تقي الدين، لحديث جابر أنه، ﷺ ، أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض رواه ابن ماجه من رواية مجالد، وهو ضعيف. ويحتمل أن المراد اليمين، لأنها تسمى شهادة، قال تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ... ﴾ ٣ إلا أن شهادة أهل الكتاب تقبل في الوصية في السفر

стр. 1118

إذا لم يكن غيرهم، ويستحلف مع شهادته بعد العصر، لخبر أبي موسى١ رواه أبو داود وغيره، وقضى به أبو موسى، وكذا قضى به ابن مسعود في زمن عثمان. قال ابن المنذر: وبهذا قال أكابر الماضين. "٦- العدالة" وهي: استواء أحواله في دينه، وقيل: من لم تظهر منه ريبة. ذكره في الشرح. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "لا تجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه" ٢ رواه أحمد وأبو داود. "ويعتبر لها شيئان:" "١- الصلاح في الدين، وهو: أداء الفرائض برواتبها" نقل أبو طالب: الوتر: سنة سنها النبي، ﷺ . فمن ترك سنة من سننه، فهو رجل سوء، فلا تقبل شهادة من داوم على ترك الرواتب، فإن تهاونه بها يدل على عدم محافظته على أسباب دينه، وربما جر إلى التهاون بالفرائض. وكذا ما وجب من صوم وزكاة وحج، "واجتناب المحرم: بأن لا يأتي كبيرة، ولا يدمن على صغيرة"

стр. 1119

لقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ... ﴾ ١ وقال في القاذف: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً ... ﴾ ٢ ويقاس عليه كل مرتكب كبيرة، لأنه لا يؤمن من مثله شهادة الزور. واعتبر في الصغائر الكثرة، لأن الحكم للأغلب بدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣ ولا يقدح فيه فعل صغيرة نادرا، لأن أحدا لا يسلم منها، ولهذا يروى مرفوعا: "إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما؟ " والكبيرة: ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة. نص عليه. وقال الشيخ تقي الدين: أو لعنة، أو غضب، أو نفي الإيمان. انتهى. والصغيرة: ما دون ذلك. ٢-"استعمال المروءة" الإنسانية "بفعل ما يجمله ويزينه" عادة كالسخاء وحسن الخلق، وحسن المجاورة ونحوها، "وترك ما يدنسه ويشينه" من الأمور الدنية المزرية به. "فلا شهادة، لمتمسخر" أي: مستهزئ "ورقاص، ومشعبذ" والشعبذة: خفة في اليدين كالسحر. "ولاعب بشطرنج ونحوه" كنرد، ولو خلا من القمار، لحديث أبي موسى مرفوعا: "من لعب بالنردشير فقد عصى الله ورسوله" رواه أبو داود. وعن واثلة بن الأسقع مرفوعا: "إن لله في كل يوم

стр. 1120

ثلاثمائة وستين نظرة، ليس لصاحب الشاه منها نصيب" رواه أبو بكر. ومر علي، ﵁، على قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟! والنرد أشد من الشطرنج. نص عليه أحمد، للاتفاق عليه، وثبوت الخبر فيه. "ولا لمن يمد رجليه بحضرة الناس، أو يكشف من بدنه ما جرت العادة بتغطيته، ولا لمن يحكي المضحكات، ولا لمن يأكل بالسوق، ويغتفر اليسير كاللقمة والتفاحة" ولا لمغن وطفيلي، ومتزي بزي يسخر منه، وأشباه ذلك مما يأنف منه أهل المروءات، لأنه لا يأنف من الكذب بدليل ما روى أبو مسعود البدري مرفوعا: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" رواه البخاري.

стр. 1121

فصل ومتى وجد الشرط ... إلخ ... فصل ومتى وجد الشرط ... "بأن بلغ الصغير، وعقل المجنون، وأسلم الكافر، وتاب الفاسق: قبلت الشهادة بمجرد ذلك" لزوال المانع. "ولا تشترط الحرية، فتقبل شهادة العبد والأمة في كل ما تقبل فيه شهادة الحر والحرة" لعموم الآيات والأخبار، والعبد داخل فيها، فإنه من رجالنا، وتقبل روايته، وفتواه، وأخباره الدينية فقبلت شهادته، لأنه عدل غير متهم، فأشبه الحر. وتقدم حديث عقبة بن الحارث في الرضاع. ولا تقبل شهادته في الحد، لأنه يدرأ بالشبهات، وفي شهادة العبد شبهة، لوقوع الخلاف فيها. قاله في الكافي.

стр. 1122

"ولا يشترط كون الصناعة غير دنية" فتقبل شهادة حجام وحداد وزبال وكناس وقراد ودباب ونحوهم، إذا حسنت طريقتهم في دينهم، لقوله تعالى: ﴿ ... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ١، وتقبل شهادة ولد الزنى في قول الأكثر. قاله في الشرح. وتقبل شهادة بدوي على قروي، لأنه مسلم عدل. وحديث أبي هريرة مرفوعا: -"لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية" - محمول على من لم تعرف عدالته من أهل البدو. "ولا كونه بصيرا: فتقبل شهادة الأعمى بما سمعه حيث تيقن الصوت، وبما رآه قبل عماه" لعموم الآيات، ولأنه عدل مقبول الرواية فقبلت شهادته، كالبصير.

стр. 1123

باب موانع الشهادة: "وهي ستة:" "١- كون الشاهد أو بعضه ملكا لمن يشهد له" لأن القن يتبسط في مال سيده، وتجب نفقته عليه، كالأب مع ابنه. "وكذا لو كان زوجا له" لتبسط كل منهما في مال الآخر، وإضافته إليه، واتساعه بسعته، وتقدم قول عمر لعبد الله بن عمرو بن الحضرمي في حد السرقة. "ولو في الماضي" بأن يشهد أحد الزوجين للآخر بعد طلاق بائن أو خلع: فلا تقبل، لتمكنه من بينونتها للشهادة، ثم يعيدها.

стр. 1124

"أو كان من فروعه، وإن سفلوا من ولد البنين والبنات، أو من أصوله، وإن علوا" فلا تقبل شهادة بعضهم لبعض، للتهمة بقوة القرابة. وعن عائشة مرفوعا: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه، ولا ظنين في قرابة ولا ولاء" ورواه الخلال بنحوه من حديث عمر وأبي هريرة، ورواه أحمد وأبو داود بنحوه من حديث عمرو بن شعيب. والظنين: المتهم، وكل من الوالدين والأولاد متهم في حق الآخر، لأنه يميل إليه بطبعه، ولهذا قال النبي، ﷺ "فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها". "وتقبل" شهادة الشخص "لباقي أقاربه: كأخيه" لعموم الآيات، ولأنه عدل غير متهم. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن شهادة الأخ لأخيه جائزة. "وكل من لا تقبل" شهادته "له فإنها تقبل عليه" لعدم التهمة فيها. قال الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ١ ٢-"كونه يجر بها نفعا لنفسه: فلا تقبل شهادته لرقيقه" ولو مأذونا له، "ومكاتبه" لأنه رقيقه، لحديث: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" "ولا لمورثه بجرح قبل اندماله" لأنه قد يسري إلى نفسه فتجب الدية للشاهد بشهادته، فكأنه شهد لنفسه. "ولا لشريكه فيما هو شريك فيه" لاتهامه. قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافا.

стр. 1125

"ولا لمستأجره فيما استأجره فيه" نص عليه. كمن نوزع في ثوب استأجر أجيرا لخياطته ونحوها فلا تقبل للتهمة فيه. "٣- أن يدفع بها ضررا عن نفسه: فلا تقبل شهادة العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ" وشبه العمد، لأنهم متهمون في دفع الدية عن أنفسهم، ولو كان الشاهد فقيرا أو عبدا، لجواز أن يوسر أو يموت من هو أقرب منه. "ولا شهادة الغرماء بجرح شهود دين على مفلس" أو ميت تضيق تركته عن ديونهم، لما في ذلك من توفير المال عليهم. قال الزهري: مضت السنة في الإسلام أن لا تجوز شهادة خصم، ولا ظنين. وهو: المتهم. قاله في الشرح. "ولا شهادة الضامن لمن ضمنه بقضاء الحق أو الإبراء منه" لأنه متهم بقصد دفع الضمان عن نفسه. "وكل من لا تقبل شهادته له تقبل شهادته بجرح شاهد عليه" كسيد يشهد بجرح شاهد على قنه ومكاتبه، لأنه متهم بدفع الضرر عن نفسه. "٤- العداوة لغير الله تعالى: كفرحه بمساءته، وغمه لفرحه، وطلبه له الشر، فلا تقبل شهادته على عدوه" في قول أكثر أهل العلم، لحديث "ولا ذي غمر على أخيه" قاله في الشرح. ولأنه يتهم بإرادة الضرر بعدوه. "إلا في عقد النكاح" فتقبل شهادته فيه، لأن القصد إعلانه ولا تهمة. "٥- العصبية: فلا شهادة لمن عرف بها، كتعصب جماعة على جماعة، وإن لم تبلغ رتبة العداوة" لما تقدم.
следующие страницы →