فصل في الخلطة
[وإذا اختلط اثنان فأكثر من أهل الزكاة في نصاب ماشية لهم جميع الحول، واشتركا فى المبيت، والمسرح، والمحلب، والفحل، والمرعى زكيا كالواحد. ولا تشترط نية الخلطة، ولا اتحاد المشرب، والراعى، ولا اتحاد الفحل إن اختلف النوع: كالبقر، والجاموس، والضأن، والمعز] لما روى أنس في كتاب الصدقات "ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية" رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي.
[وقد تفيد الخلطة تغليظاً كاثنين اختلطا بأربعين شاة لكل واحد عشرون، فيلزمهما شاة] إنصافاً.
[وتخفيفاً كثلاثة اختلطوا بمائة وعشرين شاة، لكل واحد أربعون، فيلزمهم شاة] أثلاثاً، ومع عدم الخلطة يلزمهم ثلاث، كل واحدة شاة.
[ولا أثر لتفرقة المال] ولا خلطته. نص عليه، لأن الخبر لا يمكن حمله على غير الماشية. ولا يختلف المذهب في سائر الأموال أن يضم مال الواحد بعضه إلى بعض، تقاربت البلدان أو تباعدت، لعدم تأثير الخلطة فيها. قاله في الكافي.
[ما لم يكن المال سائمة، فإن كانت سائمة بمحلين بينهما مسافة قصر، فلكل حكم نفسه، فإن كان له شياه بمحال متباعدة في كل محل أربعون، فعليه شياه بعدد المحال، ولا شئ عليه إن لم يجتمع له في كل محل أربعون ما لم يكن خلطة] لعموم قوله ﷺ : "لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة".
стр. 212
باب زكاة الخارج من الأرض
مدخل
...
باب زكاة الخارج من الأرض
أجمعوا على وجوبها في الحنطة، والشعير، والتمر والزبيب. حكاه ابن المنذر، وابن عبد البر.
[تجب في كل مكيل مدخر من الحب، كالقمح، والشعير، والذرة، والحمص، والعدس، والباقلاء، والكرسنة، والسمسم، والدخن، والكراويا، والكزبرة، وبزر القطن، والكتان، والبطيخ، ونحوه] ١ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ ٢ وقوله ﷺ : "فيما سقت السماء، والعيون، أو كان عشرياً العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر" رواه البخاري. ويدل على اعتبار الكيل حديث "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" متفق عليه.
[ومن الثمر: كالتمر، والزبيب، واللوز، والفستق، والبندق، والسماق] لما تقدم. وحديث: "لا زكاة في حب، ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق" رواه مسلم. دل على وجوب الزكاة في الحب، والثمر، وانتفائها عن غيرهما، قاله في الكافي.
[ولا زكاة في عنب، وزيتون، وجوز، وتين، ومشمش، وتوت، ونبق، وزعرور، ورمان] لعدم هذه الأوصاف فيها. وقد روى موسى
стр. 213
ابن طلحة أن معاذاً لم يأخذ من الخضروات صدقة وله عن عائشة معناه. وروى الأ ثرم بإسناده عن سفيان بن عبد الله الثقفي أنه كتب إلى عمر- وكان عاملاً له على الطائف - أن قبله حيطاناً فيها من الفرسك، والرمان ما هو أكثر غلة من الكروم أضعافاً، فكتب يستأمر في العشر، فكتب إليه عمر أن ليس عليه عشر، هي من العضاه كلها، فليس عليها عشر والفرسك: الخوخ.
[وإنما تجب فيما تجب بشرطين. الأول: أن يبلغ نصاباً، وقدره بعد تصفية الحب، وجفاف الثمر خمسة أوسق، وهي ثلاثمائة صاع] لأن الوسق ستون صاعاً. إجماعاً، لنص الخبر، رواه أحمد، وابن ماجه.
[وبالأرادب: سته وربع، وبالرطل العراقي: ألف وستمائة، وبالقدسي مائتان وسبعة وخمسون، وسبع رطل] لحديث أبي سعيد مرفوعاً: "ليس فيما دون خمسة أوسق صد قة" رواه الجماعة.
[الثانى: أن يكون مالكاً للنصاب وقت وجوبها، فوقت الوجوب في الحب إذا اشتد، وفى الثمر إذا بدا صلاحها] لأنه حينئذ يقصد للأكل والاقتيات به، فأشبه اليابس. قاله في الكافي. وعن عائشة أن النبي ﷺ ، كان يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود، فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه رواه أبو داود. فلا زكاة فيما يلقطه اللقاط من السنبل، وما يأخذه أجرة بحصاده، أو يوهب له. نص عليه. قال أحمد: هو بمنزلة المباحات ليس فيه صدقة.
стр. 214
فصل: فيما يسقي بكلفة او بدونها
[ويجب فيما يسقى بلا كلفة العشر، وفيما يسقى بكلفة نصف العشر] لحديث ابن عمر مرفوعاً: "فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنًضح نصف العشر" رواه أحمد، والبخاري. وللنسائي، وأبي داود، وابن ماجه: "فيما سقت السماء، والأنهار، والعيون، أو كان بعلاً العشر، وفيما سقي بالسوًاني، والنضح نصف العشر".
[ويجب إخراج زكاة الحب مصفى، والثمر يابساً] لما روى الدارقطني عن عتاب بن أسيد أن النبي ﷺ ، أمره أن يخرص العنب زبيباً كما يخرص التمر ولا يسمى زبيباً، وتمراً حقيقة إلا اليابس، وقيس الباقي عليهما.
[فلوا خالف، وأخرج رطبها لم يجزئه، ووقع نفلاً] لما تقدم.
[وسن للإمام بعث خارص لثمرة النخل والكرم إذا بدا صلاحها، ويكفى واحد وشرط كونه مسلماً أميناً خبيراً] لما تقدم. وممن يرى الخرص عمر، وسهل بن أبي حثمة، والقاسم بن محمد، ومالك، والشافعي، وأكثر أهل العلم. قاله في الشرح.
[وأجرته على رب الثمرة] لعمله في ماله عملاً مأذوناً فيه.
[ويجب عليه بعث السعاة قرب الوجوب لقبض زكاة المال الظاهر]
لفعله ﷺ .
стр. 215
[ويجتمع العشر، والخراج في الأرض الخراجية] العشر في غلتها، والخراج في رقبتها،
[وهي ما فتحت عنوة، ولم تقسم بين الغانمين كمصر، والشام، والعراق] وما جلا عنها أهلها خوفاً منا، وما صولحوا على أنها لنا، ونقرها معهم بالخراج.
[وتضمين أموال العشر والأرض الخراجية باطل] نص عليه، لأنه يقتضي الإقتصار عليه في تملك ما زاد، وغرم ما نقص، وهذا مناف لموضوع العمالة، وحكم الأمانة. وسئل أحمد في رواية حرب عن تفسير حديث ابن عمر: القبالات ربا قال: هو أن يستقبل القرية، وفيها العلوج، والنخل. فسماه ربا: أي في حكمه في البطلان. وعن ابن عباس: إياكم والربا: ألا وهي القبالات، ألا وهي الذل، والصغار.
[وفي العسل العشر، ونصابه مائة وستون رطلاً عراقية] نص عليه، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ ، كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل من كل عشر قرب قربة من أوسطها رواه أبو عبيد، والأثرم، وابن ماجه. قال أحمد: أخذ عمر منهم الزكاة، قال الأثرم: قلت ذلك على أنهم يطوعون؟ قال: لا بل أخذ منهم. وروى الجوزجاني عن عمر أن ناساً سألوه فقالوا إن رسول الله ﷺ أقطع لنا وادياً باليمن فيه خلايا من نحل، وإنا نجد ناساً يسرقونها. فقال عمر: إذا أديتم صدقتها من كل عشرة أفراق فرقاً حميناها لكم والفرق: ستة عشر رطلاً عراقية.
[وفي الركاز: وهو الكنز، ولو قليلاً الخمس، ولا يمنع وجوبه الدين]
стр. 216
لحديث أبي هريرة مرفوعاً: "وفي الركاز الخمس" رواه الجماعة. يصرف مصرف الفئ. نص عليه، لما روى أبو عبيد بإسناده عن الشعبي أن رجلاً وجد ألف دينار مدفونة خارج المدينة، فأتى بها عمر بن الخطاب، فأخذ منها مائتي دينار، ودفع إلى الرجل بقيتها، وجعل عمر يقسم المائتين بين من حضره من المسلمين إلى أن فضل منها فضلة، فقال: أين صاحب الدنانير؟ فقام إليه، فقال عمر: خذ هذه الدنانير فهي لك فلو كان الخمس زكاة لخص به أهل الزكاة١.
стр. 217
باب زكاة الأثمان
مدخل
...
باب زكاة الأثمان
[وهى الذهب، والفضة، وفيها ربع العشر] لحديث عائشة، وابن عمر مرفوعاً: "أنه كان يأخذ من كل عشرين مثقالاً نصف مثقال" رواه ابن ماجه. وفي حديث أنس مرفوعاً: "وفي الرقة١ ربع العشر" متفق عليه.
[إذا بلغت نصاباً فنصاب الذهب بالمثاقيل: عشرون مثقالاً] لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: "ليس في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب، ولا في أقل من مائتي درهم صدقة" رواه أبو عبيد.
[وبالدنانير خمسة وعشرون، وسبعا دينار. وتسع دينار] بالدينار الذي زنته درهم، وثمن درهم.
[ونصاب الفضة مائتا درهم] لما تقدم. ولقوله ﷺ : "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" رواه أحمد، ومسلم عن جابر، والأوقية أربعون درهماً.
[والدرهم اثنتا عشرة حبة خروب، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم] عشرة الدراهم سبعة مثاقيل.
[ويضم الذهب إلى الفضة فى تكميل النصاب ويخرج من أيهما شاء] لأن زكاتهما ومقاصدهما متفقة.
стр. 218
[ولا زكاة في حلي مباح معد لاستعمال أو إعارة] لحديث جابر مرفوعاً: "ليس في الحلي زكاة" رواه الطبراني. قال الإمام أحمد: خمسة من أصحاب النبي ﷺ ، يقولون: ليس في الحلي زكاة. زكاته إعارته، وهم أنس وجابر، وابن عمر، وعائشة، وأسماء أختها. وقال الترمذي: ليس يصح في هذا الباب شئ يعني: إيجاب الزكاة في الحلي.
[وتجب في الحلى المحرم] كآنية الذهب، والفضة، لأن الصناعة المحرمة كالعدم.
[وكذا فى المباح المعد للكرى أوالنفقة إذا بلغ نصاباً وزناً] لأن سقوط الزكاة فيما اتخذ لاستعمال، أو إعارة لصرفه عن جهة النماء، فبقي ما عداه على الأصل.
[ويخرج عن قيمته إن زادت] عن وزنه، لأنه أحظ للفقراء.
стр. 219
فصل في التحلي بالذهب والفضة
[وتحرم تحلية المسجد بذهب، أو فضة] لأنه سرف، وتجب إزالته كسائر المنكرات، وتجب زكاته إن بلغ نصاباً، إلا إذا استهلك، فلم يجتمع منه شئ، فلا تجب إزالته لعدم الفائدة فيها، ولا زكاته، لأن ماليته ذهبت. ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة أراد جمع ما في مسجد دمشق مما موه به من الذهب فقيل له: إنه لا يجتمع منه شئ، فتركه.
[ويباح للذكر من الفضة الخاتم، ولو زاد على مثقال] لأنه ﷺ : اتخذ خاتماً من ورق متفق عليه.
стр. 220
[وجعله بخنصر يسار أفضل] قال الدارقطني وغيره: المحفوظ أن النبي ﷺ ، كان يتختم في يساره. وضعف أحمد في رواية الأثرم، وغيره حديث التختم باليمنى. وفي البخاري من حديث أنس كان فصه منه ولمسلم كان فصه حبشياً.
[وتباح قبيعة السيف فقط، ولو من ذهب] قال أنس كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ ، فضة رواه الأثرم. ولأن عمر كان له سيف فيه سبائك من ذهب وعثمان بن حنيف كان في سيفه مسمار من ذهب ذكرهما أحمد.
[وحلية المنطقة] وهي ما يشد به الوسط، لأن الصحابة اتخذوا المناطق محلاة بالفضة.
[والجوشن، والخوذة] قياساً على المنطقة، لمساواتها معنى، فوجب أن تساويها حكماً - والجوشن: الدرع. والخوذة: البيضة - وما دعت إليه ضرورة كأنف لأمره ﷺ ، عرفجة بن أسعد، لما قطع أنفه يوم الكلاب، أن يتخذ أنفاً من ذهب رواه أبو داود، والحاكم. وكذا ربط الأسنان. روى الأثرم عن موسى بن طلحة، وأبي جمرة الضبعي، وثابت البناني، وإسماعيل بن زيد بن ثابت، والمغيرة بن عبد الله أنهم شدوا أسنانهم بالذهب.
[لا الركاب، واللجام، والدواة] ونحوها فتحرم كالآنية.
[ويباح للنساء ما جرت عادتهن بلبسه، ولو زاد على ألف مثقال] لعموم حديث "أحل الحرير، والذهب لإناث أمتي" ولعدم ورود الشرع بتحديده.
стр. 221
[وللرجل والمرأة التحلي بالجوهر، والياقوت والزبرجد] لعدم النهي عنه١.
[وكره تختمهما بالحديد، والنحاس، والرصاص] نص عليه. ونقل مهنا عن أحمد: أكره خاتم الحديد، لأنه حلية أهل النار.
[ويستحب بالعقيق] لحديث "تختموا بالعقيق فإنه مبارك" قال العقيلي: لا يثبت في هذا شئ. وذكره ابن الجوزي في الموضوعات.
стр. 222
باب زكاة العروض
مدخل
...
باب زكاة العروض
[وهي ما يعد للبيع، والشراء لأجل الربح] فتجب الزكاة فيها إذا بلغت قيمتها نصاباً. حكاه ابن المنذر إجماعاً. وعن سمرة بن جندب أمرنا النبي ﷺ ، أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع رواه أبو داود.
[فتقوم إذا حال الحول عليها. وأوله من حين بلوغ القيمة نصاباً بالأحظ للمساكين من ذهب، أو فضة، فإن بلغت القيمة نصاباً وجب ربع العشر، وإلا فلا] احتج أحمد بقول عمر لحماس: أد زكاة مالك، فقال: ما لي إلا جعاب١، وأدم، فقال: قومها، وأد زكاتها رواه أحمد، وسعيد وأبو عبيد، وغيرهم، وهو مشهور.
[وكذا أموال الصيارف] لأنها معدة للبيع، والشراء لأجل الربح.
[ولا عبرة بقيمة آنية الذهب، والفضة بل بوزنها. ولا بما فيه صناعة محرمة، فيقوم عارياً عنها] لأن وجودها كالعدم.
[ومن عنده عرض للتجارة، أو ورثه فنواه للقنية، ثم نواه للتجارة لم يصر عرضاً بمجرد النية] حتى يحول عليه الحول على نية التجارة، لأن القنية هي الأصل، فلا ينتقل عنها إلا بالنية، ويعتبر وجودها في جميع الحول كالنصاب. لقوله في حديث سمرة: "مما نعده للبيع" رواه أبو داود.
стр. 223
[غير حلي اللبس] لأن الأصل وجوب زكاته، فإذا نواه للتجارة، فقد رده إلى الأصل، فيكفي فيه مجرد النية.
[وما استخرج من المعادن، ففيه بمجرد إخراجه، ربع العشر إذا بلغت القيمة نصاباً بعد السبك، والتصفية] لقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ ١ وروى الجوزجاني بإسناده عن بلال بن الحارث المزني أن رسول الله ﷺ ، أخذ من معادن القبلية الصدقة وقدرها ربع العشر لأنها زكاة في الأثمان، فأشبهت زكاة سائر الأثمان. قاله في الكافي. ويشترط بلوغ النصاب لعموم ما تقدم.
стр. 224
باب زكاة الفطر
مدخل
...
باب زكاة الفطر
[تجب بأول ليلة العيد، فمن مات، أو أعسر في الغروب فلا زكاة عليه] نص عليه.
[وبعده تستقر في ذمته] لقول ابن عمر: فرض رسول الله ﷺ ، زكاة الفطر من رمضان وذلك يكون بغروب الشمس ليلة العيد، لأنه أول زمن يقع فيه الفطر من جميع رمضان.
[وهي واجبة على كل مسلم] قال ابن المنذر: أجمعوا على أنها فرض، لحديث ابن عمر فرض رسول الله ﷺ ، زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين رواه الجماعة.
[يجد ما يفضل عن قوته، وقوت عياله يوم العيد وليلته] لأن النققة أهم، فيجب البداءة بها، لقوله ﷺ : "ابدأ بنفسك" رواه مسلم. وفي لفظ: "وابدأ بمن تعول" رواه الترمذي.
[بعدما يحتاج من مسكن، وخادم، ودابة، وثياب بذلة وكتب علم] لأن هذه حوائج أصلية يحتاج إليها كالنفقة.
[وتلزمه عن نفسه، وعن من يمونه من المسلمين] كزوجة وعبد وولد، لعموم حديث ابن عمر: أمر رسول الله ﷺ ، بصدقة الفطر عن الصغير، والكبير، والحر، والعبد ممن تمونون. رواه الدارقطني.
стр. 225
[فإن لم يجد لجميعهم بدأ بنفسه] لحديث: "ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول".
[فزوجته] لوجوب نفقتها مع الإيسار، والإعسار، لأنها على سبيل المعاوضة.
[فرقيقه] لوجوب نفقته مع الإعسار، بخلاف نفقة الأقارب، لأنها صلة.
[فأمه] لقوله ﷺ ، للأعرابي حين قال: من أبر؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال: "أباك".
[فأبيه] لما سبق وحديث "أنت ومالك لأبيك".
[فولده] لقربه، ووجوب نففته في الجملة.
[فأقرب في الميراث] لأنه أولى من غيره كالميراث.
[وتجب على من تبرع بمؤنة شخص شهر رمضان] نص عليه، لعموم حديث: "أدوا صدقة الفطر عمن تمونون" وروى أبو بكر عن علي، ﵁ زكاة الفطر عمن جرت عليه نفقتك وعنه: لا تلزمه في قول الأكثر، واختاره أبو الخطاب، وصححه في المغني، والشرح، وحمل نص أحمد على الاستحباب.
[لا على من استأجر أجيراً بطعامه] لعدم دخوله في المنصوص عليهم.
[وتسن عن الجنين] لفعل عثمان ﵁ ولا تجب. قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه لا يوجبها عن الجنين، وتجب على اليتيم.
стр. 226
ويخرج عنه وليه من ماله. لا نعلم أحداً خالف فيه إلا محمد بن الحسن. وعموم حديث ابن عمر يقتضي وجوبها عليه. قاله في الشرح.
стр. 227
فصل في اخراجها
[والأفضل إخراجها يوم العيد قبل الصلاة] لما في المتفق عليه من حديث ابن عمر مرفوعاً وفي آخره: وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة وفي حديث ابن عباس: "من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" وقال سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ١ هو زكاة الفطر.
[وتكره بعدها] خروجاً من الخلاف، ولقوله ﷺ : "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" رواه سعيد بن منصور. فإذا أخرها بعد الصلاة لم يحصل الإغناء لهم في اليوم كله.
[ويحرم تأخيرها عن يوم العيد مع القدرة] لأنه تأخير للحق الواجب عن وقته وكان ﵊، يقسمها بين مستحقيها بعد الصلاة فدل على أن الأمر بتقديمها على الصلاة للإستحباب.
[ويقضيها] من أخرها لأنه حق مالي وجب، فلا يسقط بفوات وقته كالدين. قاله في الكافي.
[وتجزئ قبل العيد بيومين] لقول ابن عمر: كانوا يعطون قبل الفطر بيوم، أو يومين رواه البخاري. وهذا إشارة إلى جميعهم
стр. 228
فيكون إجماعاً، ولأن ذلك لا يخل بالمقصود، إذ الظاهر بقاؤها، أو بعضها إلى يوم العيد.
[والواجب عن كل شخص صاع تمر، أو زبيب، أو بر، أو شعير، أو أقط] لحديث أبي سعيد: كنا نخرج زكاة الفطر إذا كان فينا رسول الله ﷺ ، صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط متفق عليه.
[ويجزئ دقيق البر، والشعير إذا كان وزن الحب] نص عليه، واحتج على إجزائه بزيادة تفرد بها ابن عيينة من حديث أبي سعيد أو صاعاً من دقيق قيل لابن عيينة: إن أحداً لا يذكره فيه، قال: بل هو فيه رواه الدارقطني. قال المجد: بل هو أولى بالإجزاء، لأنه كفى مؤنته كتمر منزوع نواه.
[ويخرج مع عدم ذلك ما يقوم مقامه من حب يقتات، كذرة، ودخن، وباقلاء] لأنه أشبه بالمخصوص عليه، فكان أولى.
[ويجوز أن يعطي الجماعة فطرتهم لواحد] نص عليه، وبه قال مالك، وأصحاب الرأي، وابن المنذر.
[وأن يعطي الواحد فطرته لجماعة] قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً.
[ولا يجزئ إخراج القيمة في الزكاة مطلقاً] سواء كانت في المواشي، أوالمعشرات، لمخالفته النصوص.
[ويحرم على الشخص شراء زكاته وصدقته، ولو اشتراها من غير من أخذها] لحديث عمر" لا تشتره، ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكة بدرهم، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه" متفق عليه.
стр. 229
باب إخراج الزكاة
مدخل
...
باب إخراج الزكاة
[يجب إخراجها فوراً، كالنذر والكفارة] لأن الأمر المطلق يقتضي الفورية ومنه ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ ١.
[وله تأخيرها لزمن الحاجة] نص عليه وقيده جماعة بزمن يسير.
[ولقريب وجار] لأنها على القريب صدقة وصلة، والجار في معناه.
[ولتعذرإخراجها من النصاب، ولو قدر أن يخرجها من غيره] لأنها مواساة، فلا يكلفها من غيره، فإن أخرجها من غيره جاز.
[ومن جحد وجوبها عالماً، كفر ولو أخرجها] لتكذيبه لله، ولرسوله، وإجماع الأمة، يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل.
[ومن منعها بخلاً، وتهاوناً أخذ منه وعزر] لارتكابه محرماً.
[ومن ادعى إخراجها، أو بقاء الحول، أو نقص النصاب، أو زوال الملك، صدق بلا يمين] لأنها عبادة، وحق لله تعالى، فلا يحلف عليها كالصلاة.
[ويلزم أن يخرج عن الصغير، والمجنون وليهما] نص عليه، لأنه حق تدخله النيابة، فقام الولي فيه مقام المولى عليه، كنفقة وغرامة.
[ويسن إظهارها] لتنتفي عنه التهمة.
[وأن يفرقها ربها بنفسه] ليتيقن وصولها إلى مستحقها. وقال
стр. 230
عثمان ﵁: هذا شهر زكاتكم. فمن كان عليه دين فليقضه، ثم يزكي بقية ماله وأمرعلي ﵁، واجد الركاز أن يتصدق بخمسه.
[ويقول عند دفعها: اللهمً اجعلها مغنماً، ولا تجعلها مغرماً] لحديث أبي هريرة مرفوعاً: "إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا اللهم اجعلها مغنماً، ولا تجعلها مغرماً" رواه ابن ماجه.
[ويقول الآخذ: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهوراً] لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ ١ أي: ادع لهم. قال عبد الله بن أبي أوفى كان النبي ﷺ ، إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال اللهم صل على آل فلان، فأتاه أبي بصدقته، فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى متفق عليه.
стр. 231
فصل ويشترط لإخراجها نية من مكلف
[ويشترط لإخراجها نية من مكلف، وله تقديمها بيسير، والأفضل قرنها بالدفع، فينوي الزكاة، أو الصدقة الواجبة] لحديث "إنما الأعمال بالنيات".
[ولا يجزئ إن نوى صدقة مطلقة، ولو تصدق بجميع ماله] لأن الصدقة تكون نفلاً، فلا تنصرف إلى الفرض إلا بالتعيين، وكما لو صلى صلاة مطلقة.
стр. 232
[ولا تجب نية الفرضية] اكتفاء بنية الزكاة، لأنها لا تكون إلا فرضاً.
[ولا تعيين المال المزكى عنه] فإن كان له نصابان، فأخرج الفرض عن أحدهما بعينه أجزأه، لأن التعيين لا يضر. قاله في الكافي.
[وإن وكل في إخراجها مسلماً أجزأته نية الموكل مع قرب الإخراج] لأن الفرض متعلق بالموكل، وتأخر الأداء عن النية بزمن يسير جائز.
[وإلا نوى الوكيل أيضاً] لئلا يخلو الدفع إلى المستحق عن نية مقارنة، أو مقاربة. [والأفضل جعل زكاة كل مال في فقراء بلده، ويحرم نقلها إلى مسافة قصر، وتجزئ] لما في حديث معاذ "فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" ولأن عمر أنكر على معاذ لما بعث إليه بثلث الصدقة، ثم بشطرها، ثم بها، وأجابه معاذ بأنه لم يبعث إليه شيئاً، وهو يجد أحداً يأخذه منه رواه أبو عبيد.
[ويصح تعجيل الزكاة لحولين فقط] لما روى أبو عبيد في الأموال عن على أن النبي ﷺ ، تعجل من العباس صدقة سنتين ويعضده رواية مسلم فهي علي ومثلها.
[وإذا كمل النصاب لأمنه للحولين] لنقص النصاب الذي هو سببها فلا يجوز تقديمها عليه. كالكفارة على الحلف. قال في المغني: بغير خلاف نعلمه.
[فإن تلف النصاب، أونقص وقع نفلاً] لانقطاع الوجوب، ولا رجوع له إلا فيما بيد الساعي عند تلف النصاب.
стр. 233
باب أهل الزكاة
مدخل
...
باب أهل الزكاة
[وهم ثمانية] للآية١ وحديث "إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غضيره في الصدقات حتى حكم هو فيها، فجزأها ثمانية أجزاء: فإن كنت من تلك الأجزاء، أعطيتك" رواه أبو داود. فلا يجوز صرفها لغيرهم، كبناء مساجد، وتكفين موتى، ووقف مصاحف. قال في الشرح: لانعلم فيه خلافاً إلا ما روي عن أنس، والحسن.
[١ - الفقير: وهو من لم يجد نصف كفايته] فهو أشد حاجة من المسكين، لأن الله بدأ به، وإنما يبدأ بالأهم، فالأهم.
[٢ - المسكين: وهو من يجد نصفها، أو أكثرها] لقول تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ ٢ فأخبر أن لهم سفينة يعملون بها، ولأن النبي ﷺ استعاذ من الفقر وقال: "اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين" رواه الترمذي. فدل على أن الفقراء أشد، فيعطى كل واحد منهما ما يتم به كفايته.
[٣ - العامل عليها: كجابي، وحافظ، وكاتب، وقاسم] لدخولهم
стр. 234
في قوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وكان النبي ﷺ ، يبعث على الصدقة سعاة ويعطيهم عمالتهم.
[٤ - المؤلف: وهو السيد المطاع في عشيرته ممن يرجى إسلامه أو يخشى شره] لأن النبي ﷺ ، أعطى صفوان بن أمية يوم حنين قبل إسلامه ترغيباً له في الإسلام وعن أبي سعيد قال: بعث علي وهو باليمن بذهيبة، فقسمها رسول الله ﷺ ، بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي، ثم أحد بني نبهان، فغضبت قريش، وقالوا: تعطي صناديد نجد وتدعنا؟! فقال: "إني إنما فعلت ذلك أتألفهم". متفق عليه.
قال أبو عبيد: وإنما الذي يؤخذ من أموال أهل اليمن الصدقة.
[أو يرجى بعطيته قوة إيمانه] لقول ابن عباس في المؤلفة قلوبهم: هم قوم كانوا يأتون رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ ، يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقة قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك عابوه. رواه أبو بكر في التفسير. [أو إسلام نظيره.]
[أو جبايتها ممن لا يعطيها] لأن أبا بكر، ﵁ أعطى عدي بن حاتم، والزبرقان بن بدر، مع حسن نياتهما وإسلامهما، رجاء إسلام نظرائهما وعدم إعطاء عمر وعثمان وعلي ﵃، للمؤلفة لعدم الحاجة إليه، لا لسقوط سهمهم، لأنه ثابت بالكتاب والسنة، ولا يثبت النسخ بالاحتمال.
стр. 235
[٥- المكاتب] ويجوز العتق منها، لعموم قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ ١ ويجوز أن يفدي بها أسيراً مسلماً. نص عليه، لأنه فك رقبة.
[٦- الغارم: وهو من تدين للإصلاح بين الناس، أو تدين لنفسه وأعسر] لدخوله في قوله تعالى: ﴿ ... وَالْغَارِمِينَ﴾ وعن أنس مرفوعاً: "إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع" رواه أحمد، وأبو داود. وفى حديث قبيصة بن مخارق الًهلالي قال: تحملت حمالة، فأتيت النبي ﷺ أسأله فيها فقال: "أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها"، ثم قال " يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رًجل تحمل حمالةً فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك" الحديث رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
[٧- الغازي في سبيل الله] وإنما يستحقه الذين لا ديوان لهم، فيعطى ولو غنياً، لأنه لحاجة المسلمين. قال في الفروع: ويتوجه أن الرباط كالغزو. ويعطى الفقير ما يحج به الفرض ويعتمر، لحديث "الحج، والعمرة في سبيل الله" رواه أحمد.
[٨- إبن السبيل: وهو الغريب٢ المنقطع بغير بلده] لحديث أبي سعيد مرفوعاً "لا تحل الصدقة لغني، إلا في سبيل الله أو ابن السبيل
стр. 236
أو جار فقير يتصدق عليه، فيهدي لك أو يدعوك" رواه أبو داود. وفي لفظ: "لا تحل الصدقة لغني، إلا لخمسة: للعامل عليها، أو رجل إشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أومسكين تصدق عليه، فأهدى منها لغني" رواه أبو داود وابن ماجه.
[فيعطى الجميع من الزكاة بقدر الحاجة] فيعطى الفقير والمسكين ما يكفي حولاً، والغارم والمكاتب ما يقضيان به دينهما، والغازي ما يحتاح إليه لغزوه، وابن السبيل ما يوصله إلى بلده، والمؤلف ما يحصل به التأليف.
[إلا العامل فيعطى بقدر أجرته، ولو غنياً أو قناً] لأن النبي ﷺ بعث عمر ساعياً ولم يجعل له أجرة، فلما جاء أعطاه. متفق عليه.
[ويجزئ دفعها إلى الخوارج والبغاة] لأن ابن عمر كان يدفع زكاته إلى من جاءه من سعاة ابن الزبير، أو نجدة الحروري قال في الشرح: بغير خلاف علمناه في عصرهم.
[وكذلك من أخذها من السلاطين قهراً أواختياراً عدل فيها، أو جار] قال أحمد: قيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب، ويشربون بها الخمور، قال: ادفعها إليهم وقال سهيل بن أبي صالح: أتيت سعد بن أبي وقاص، فقلت: عندي مال، وأريد إخراج زكاته، وهؤلاء القوم على ما ترى، قال: ادفعها إليه١ فأتيت ابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد، ﵃، فقالوا مثل ذلك وبه قال الشعبي والأوزاعي.
стр. 237
فصل فيمن لاتدفع لهم
[ولا يجزئ دفع الزكاة للكافر] غير المؤلف، لحديث معاذ "تؤخذ من أغنيائهم، فترد إلى فقرائهم" وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن الذمي لا يعطى من الزكاة.
[ولا للرقيق] لأًن نفقته على سيده. قال في الشرح: ولا يعطى الكافر، ولا المملوك. لا نعلم فيه خلافاً.
[ولا للغني بمال أو كسب] ١ سوى ما تقدم، لقوله ﷺ : "لا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب" وقوله: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي" رواهما أحمد وأبو داود.
[ولا لمن تلزمه نفقته] كزوجته، ووالديه، وإن علوا، وأولاده، وإن سفلوا. الوارث منهم وغيره، نص عليه. وقال ابن المنذر: أجمعوا على أنها لا تدفع إلى الوالدين في الحال التي يجبر على النفقة عليهم، ولأن الدفع إلى من تلزمه نفقته يغنيهم عن النفقة، ويسقطها عنه فيعود النفع إليه، فكأنه دفعها إلى نفسه.
[ولا للزوج] لأنها تنتفع بالدفع إليه، وعنه: يجوز، لقوله ﷺ لزينب امرأة ابن مسعود: "زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم" أخرجه البخاري. ولأنه لا تلزمها نفقته، فلم تحرم
стр. 238
عليه زكاتها، كالأجنبي. وأما الزوجة فلا يجوز دفعها إليها. حكاه ابن المنذر إجماعاً، لوجوب نفقتها عليه.
[ولا لبني هاشم] قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً. وسواء أعطوا من الخمس أم لا لعموم قوله ﷺ : "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس" رواه مسلم. ما لم يكونوا غزاة، أو مؤلفة، أو غارمين لإصلاح ذات البين، فيعطون لذلك. وكذا مواليهم، لحديث أبي رافع مرفوعاً: "إنا لاتحل لنا الصدقة، وإن موالي القوم منهم" رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي وصححه ١.
[فإن دفعها لغير مستحقها، وهو يجهل، ثم علم لم يجزئه ويستردها منه بنمائها] لأنه لا يخفى حاله غالباً كدين الآدمي.
[وإن دفعها لمن يظنه فقيراً فبان غنياً أجزأه] لقوله ﷺ للرجلين: "إن شئتما أعطيتكما منها، ولا حظً فيها لغني" وقال للذي سأله من الصدقة: "إن كنت من تلك الأجزاء أًعطيتك" فاكتفى بالظاهر، ولأن الغني يخفى، فاعتبار حقيقته يشق.
[وسن أن يفرق الزكاة على أقاربه الذين لا تلزمه نفقتهم، على قدر حاجتهم] لقوله ﷺ : "صدقتك على ذي الرحم صدقة وصلة".
[وعلى ذوي الأرحام كعمته، وبنت أخيه] ويخص ذوي الحاجة لأنهم أحق.
[وتجزئ إن دفعها لمن تبرع بنفقته بضمه إلى عياله] اختاره الشيخ
стр. 239
تقي الدين، لدخوله في العمومات، ولا نص ولا إجماع يخرجهم، ولحديث زينب، وفيه أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما، وعلى أيتام في حجورهما؟ قال: "لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة" رواه البخاري.
стр. 240
صلى الله عليه وسلم، أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل. الحديث متفق عليه. وعن أنس سئل رسول الله ﷺ ، أي الصدقة أفضل؟ قال: "صدقة في رمضان" رواه الترمذي. وعن ابن عباس مرفوعاً: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام" - يعني أيام العشر- قالوا: يارسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سًبيل الله، إلا رجل خرج بماله ونفسه، ثم لم يرجع من ذلك بشئ" رواه البخاري.
[وعلى جاره] لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ ... ١﴾ ِالْجَنْبِ٢ ... وحديث "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" متفق عليه.
[وذوي رحمه فهي صدقة وصلة] لقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ ٢ وحديث "أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح" رواه أحمد وغيره.
[ومن تصدق بما ينقص مؤنة تلزمه، أوأضر بنفسه، أوغريمه أثم بذلك] لقوله ﷺ "وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى" متفق عليه. وحديث "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت" رواه مسلم، وعن أبي هريرة: قال أمر رسول الله ﷺ ، بصدقة، فقام رجل فقال: يارسول الله، عندي دينار. قال: "تصدق به على نفسك". قال: عندى آخر. قال "تصدق به على ولدك"
стр. 241
قال: عندي آخر. قال: "تصدق به عًلى زوجتك". قال: عندي آخر قال: "تًصدق به عًلى خادمك"، قال: عندي آخر، قال: "أنت أبصر" رواه أبو داود. وقال ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" فإن وافقه عياله على الإيثار فهو أفضل لقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ١وقال ﷺ : "أفضل الصدقة جهد من مقل إلى فقير في السر" رواه أبو داود.
[وكره لمن لا صبر له، أو لا عادة له على الضيق أن ينقص نفسه عن الفكاية التامة] نص عليه، لأنه نوع إضرار به. وروى أبو داود عن النبي ﷺ ، قال: "لا يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنىً" وقال ﷺ ، لسعد: "إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" متفق عليه.
[والمن بالصدقة كبيرة، ويبطل به الثواب] على نص الإمام أحمد: أن الكبيرة ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة. لقوله: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ الأية٢ وحديث: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب".
стр. 242
كتاب الصيام
مدخل
...
كتاب الصيام
صوم رمضان أحد أركان الإسلام ومبانيه لحديث ابن عمر: "بني الإسلام على خمس" وقد سبق. افترض في السنة الثانية من الهجرة، فصام رسول الله ﷺ ، تسع رمضانات إجماعاً.
[يجب صوم رمضان بروية هلاله على جميع الناس] لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ١ قوله ﷺ : "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته" متفق عليه وبإكمال شعبان. قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً.
[وعلى من حال دونهم، ودون مطلعه غيم، أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان، احتياطاً بنية رمضان] لقوله في حديث ابن عمر "فإن غم عليكم فاقدروا له" متفق عليه. يعني ضيقوا له العدة. من قوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ ٢ أي ضيق عليه. وتضيق العدة له: أن يحسب شعبان تسعة وعشرين يوماً. وكان ابن عمر، إذا حال دون مطلعه غيم أو قتر، أصبح صائماً وهو راوي الحديث، وعمله به تفسير له. وهو قول عمر وابنه، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأنس ومعاوية، وعائشة وأسماء، ابنتي أبي بكر الصديق، رضي الله
стр. 243
عنهم. وعنه رواية ثانية لا يجب. قال الشيخ تقي الدين: هذا مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه، ولا أصل للوجوب في كلامه، ولا كلام أحد من أصحابه، فعليها يباح صومه، اختاره الشيخ تقي الدين، وابن القيم في الهدي. وما نقل عن الصحابة إنما يدل على الاستحباب، لا على الوجوب، لعدم أمرهم به. وإنما نقل عنهم الفعل. وقول بعضهم: لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوماً من رمضان. وعنه رواية ثالثة: الناس تبع الإمام، لقوله ﷺ "صومكم يوم تصومون، وأضحاكم يوم تضحون" رواه أبو داود.
[ويجزئ إن ظهر منه] أي من رمضان: بأن تثبت رؤيته بموضع آخر، لأن صومه قد وقع بنية رمضان لمستند شرعي أشبه الصوم للرؤية. قال الأ ثرم: قلت لأحمد، فيعتد به؟ قال: كان ابن عمر يعتد به فإذا أصبح عازماً على الصوم اعتد به ويجزئه.
[وتصلى التراويح] احتياطاً للقيام، لقوله ﷺ : "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر لة ما تقدم من ذنبه" ولا يتحقق قيامه كله إلا بذلك.
[ولا تثبت بقية الأحكام: كوقوع الطلاق، والعتق، وحلول الأجل] المعلق بدخوله، عملاً بالأصل. خولف في الصوم احتياطاً للعبادة.
[وتثبت رؤية هلاله بخبر مسلم مكلف عدل ولو عبداً أو أنثى] نص عليه وفاقاً للشافعي، وحكاه الترمذي عن أكثر العلماء، قاله في الفروع، لحديث ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: رأيت الهلال. قال: "أتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً
стр. 244
عبده ورسوله"؟ قال: نعم. قال يا بلال: "أذن في الناس فليصوموا غداً" رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وعن ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي ﷺ ، أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه رواه أبو داود. وتثبت بقية الأحكام تبعاً للصيام.
[ولا يقبل في بقية الشهور إلا رجلان عدلان] لحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، فيه: "فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا، وأفطروا" رواه أحمد والنسائي، ولم يقل مسلمان، وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً، فلم يروا الهلال، لم يفطروا، لقوله ﵇: "صوموا لرؤيته ... " الحديث.
стр. 245
فصل في شروط وجوب الصوم
[وشرط وجوب الصوم أربعة أشياء: الإسلام، والبلوغ، والعقل] فلا يجب على كافر ولا صغير ولا مجنون، لحديث: "رفع القلم عن ثلاثة".
[والقدرة عليه. فمن عجز عنه لكبر، أو مرض لايرجى زواله أفطر، وأطعم عن كل يوم مسكيناً مدبر، أو نصف صاع من غيره] لقول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ ١ ليست بمنسوخة هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم رواه البخاري، "والحامل، والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا، وأطعمتا" رواه أبو داود.
[وشروط صحته ستة: الإسلام] فلا يصح من كافر.
[وانقطاع دم الحيض، والنفاس] لما تقدم في بابه.
стр. 246
[الرابع: التمييز، فيجب على ولي المميز المطيق للصوم أمره به، وضربه، عليه ليعتاده] قياساً على الصلاة.
[الخامس: العقل] لأن الصوم، الإمساك مع النية لحديث: "يدع طعامه وشرابه من أجلي" فأضاف الترك إليه، وهو لا يضاف إلى المجنون، والمغمى عليه.
[لكن لو نوى ليلاً ثم جن، أو أغمي عليه جميع النهار، فأفاق منه قليلاً] صح صومه لوجود الإمساك فيه. قال في الشرح: ولا نعلم خلافاً في وجوب القضاء على المغمى عليه - أي جميع النهار - لأنه مكلف، بخلاف المجنون. ومن نام جميع النهار صح صومه، لأن النوم عادة، ولا يزول به الإحساس بالكلية.
[السادس: النية من الليل لكل يوم واجب] لحديث حفصة أن النبي ﷺ ، قال: "من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له" رواه أبو داود.
[فمن خطر بقلبه ليلاً أنه صائم فقد نوى] لأن النية محلها القلب.
[وكذا الأكل، والشرب بنية الصوم] قال الشيخ تقي الدين: هو حين يتعشى عشاء من يريد الصوم، ولهذا يفرق بين عشاء ليلة العيد، وعشاء ليالي رمضان.
[ولا يضر إن أتى بعد النية بمناف للصوم] لأن الله تعالى أباح الأكل إلى آخر الليل، فلو بطلت به فات محلها.
[أو قال إن شاء الله غير متردد] كما لا يفسد الإيمان بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله.
стр. 247
[وكذا لو قال ليلة الثلاثين من رمضان: إن كان غداً من رمضان ففرض وإلا فمفطر] فبان من رمضان أجزاءه، لأنه بنى على أصل لم يثبت زواله: وهو بقاء الشهر.
[ويضر إن قاله في أوله] لعدم جزمه بالنية.
[وفرضه الامساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس] لقوله تعالى: ﴿ ... وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ... ﴾ ١
وقال ﷺ : "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الافق" حديث حسن. وعن عمر مرفوعاً: "إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النًهار من ها هنا، وغربت الشمس، أفطر الصائم" متفق عليه.
[وسننه ستة: تعجيل الفطر، وتأخير السحور] لحديث أبي ذر عن النبي ﷺ ، قال: "لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور، وعجلوا الفطر" رواه أحمد.
[والزيادة في أعمال الخير] من القراءة والذكر والصدقة وغيرها.
[وقوله جهراً إذا شتم: إني صائم] لحديث أبي هريرة مرفوعاً "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب، فإن شاتمه أحد، أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم" متفق عليه. وقال المجد: إن كان في غير رمضان أسره مخافة الرياء. واختار الشيخ تقي الدين الجهر مطلقاً، لأن القول المطلق باللسان.
стр. 248
[وقوله عند فطره: اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، سبحانك وبحمدك. اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم] لحديث ابن العباس، وأنس كان النبي ﷺ ، إذا أفطر قال: "اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، اللهم تقبل منا، إنك أنت السميع العليم" وعن ابن عمر مرفوعاً: كان إذا أفطر قال: "ذهب الظمأ وابتلت العروق، ووجب الأجر إن شاء الله" رواهن الدارقطني وفي الخبر: "إن للصائم عند فطره دعوةً لا ترد".
[وفطره على رطب، فإن عدم فتمر، فإن عدم فماء] لحديث أنس كان رسول الله ﷺ ، يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن غريب.
стр. 249
فصل يحرم على من لا عذر له الفطر
[ويحرم على من لا عذر له الفطر برمضان] لأنه ترك فريضة من غير عذر، وعليه إمساك بقية يومه الذي أفطر فيه، لأنه أمر به جميع النهار، فمخالفته في بعضه لا يبيح المخالفة في الباقي، وعليه القضاء، لقوله ﷺ : "ومن استقاء فليقض".
[ويجب الفطر على الحائض والنفساء] للحديث الصحيح: "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ ".
[وعلى من يحتاجه لإنقاذ معصوم من مهلكة] كغرق ونحوه، لأنه يمكنه تدارك الصوم بالقضاء، بخلاف الغريق ونحوه.
[ويسن لمسافر يباح له القصر] لحديث "ليس من البر الصيام في
стр. 250
السفر" متفق عليه. ورواه النسائي، وزاد: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها". وإن صام أجزأه نص عليه، لحديث: هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه رواه مسلم والنسائي، وعن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال للنبي ﷺ : أصوم في السفر؟ قال: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" متفق عليه.
[ولمريض يخاف الضرر] لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ الآية١.
[ويباح لحاضر سافر في أثناء النهار] لحديث أبي بصرة الغفاري أنه ركب سفينة من الفسطاط في شهر رمضان فدفع، ثم قرب غداءه، فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة، ثم قال: اقترب، قيل: ألست ترى البيوت؟ قال: أترغب عن سنة محمد ﷺ ؟ فأكل رواه أبو داود. وحديث أنس حسنه الترمذي. إذا فارق بيوت قريته العامرة لما تقدم، ولأنه قبله لا يسمى مسافراً. والأفضل عدم الفطر تغليباً لحكم الحضر، وخروجاً من الخلاف.
[ولحامل، ومرضع خافتا على أنفسهما] فيفطران ويقضيان لا غير. قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً.
[أو على الولد. لكن لو أفطرتا خوفاً على الولد فقط، لزم وليه إطعام مسكين لكل يوم] لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ١. قال ابن عباس كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة