[الرابع: التمييز، فيجب على ولي المميز المطيق للصوم أمره به، وضربه، عليه ليعتاده] قياساً على الصلاة.
[الخامس: العقل] لأن الصوم، الإمساك مع النية لحديث: "يدع طعامه وشرابه من أجلي" فأضاف الترك إليه، وهو لا يضاف إلى المجنون، والمغمى عليه.
[لكن لو نوى ليلاً ثم جن، أو أغمي عليه جميع النهار، فأفاق منه قليلاً] صح صومه لوجود الإمساك فيه. قال في الشرح: ولا نعلم خلافاً في وجوب القضاء على المغمى عليه - أي جميع النهار - لأنه مكلف، بخلاف المجنون. ومن نام جميع النهار صح صومه، لأن النوم عادة، ولا يزول به الإحساس بالكلية.
[السادس: النية من الليل لكل يوم واجب] لحديث حفصة أن النبي ﷺ ، قال: "من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له" رواه أبو داود.
[فمن خطر بقلبه ليلاً أنه صائم فقد نوى] لأن النية محلها القلب.
[وكذا الأكل، والشرب بنية الصوم] قال الشيخ تقي الدين: هو حين يتعشى عشاء من يريد الصوم، ولهذا يفرق بين عشاء ليلة العيد، وعشاء ليالي رمضان.
[ولا يضر إن أتى بعد النية بمناف للصوم] لأن الله تعالى أباح الأكل إلى آخر الليل، فلو بطلت به فات محلها.
[أو قال إن شاء الله غير متردد] كما لا يفسد الإيمان بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله.
стр. 247
[وكذا لو قال ليلة الثلاثين من رمضان: إن كان غداً من رمضان ففرض وإلا فمفطر] فبان من رمضان أجزاءه، لأنه بنى على أصل لم يثبت زواله: وهو بقاء الشهر.
[ويضر إن قاله في أوله] لعدم جزمه بالنية.
[وفرضه الامساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس] لقوله تعالى: ﴿ ... وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ... ﴾ ١
وقال ﷺ : "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الافق" حديث حسن. وعن عمر مرفوعاً: "إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النًهار من ها هنا، وغربت الشمس، أفطر الصائم" متفق عليه.
[وسننه ستة: تعجيل الفطر، وتأخير السحور] لحديث أبي ذر عن النبي ﷺ ، قال: "لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور، وعجلوا الفطر" رواه أحمد.
[والزيادة في أعمال الخير] من القراءة والذكر والصدقة وغيرها.
[وقوله جهراً إذا شتم: إني صائم] لحديث أبي هريرة مرفوعاً "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ ولا يصخب، فإن شاتمه أحد، أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم" متفق عليه. وقال المجد: إن كان في غير رمضان أسره مخافة الرياء. واختار الشيخ تقي الدين الجهر مطلقاً، لأن القول المطلق باللسان.
стр. 248
[وقوله عند فطره: اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، سبحانك وبحمدك. اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم] لحديث ابن العباس، وأنس كان النبي ﷺ ، إذا أفطر قال: "اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، اللهم تقبل منا، إنك أنت السميع العليم" وعن ابن عمر مرفوعاً: كان إذا أفطر قال: "ذهب الظمأ وابتلت العروق، ووجب الأجر إن شاء الله" رواهن الدارقطني وفي الخبر: "إن للصائم عند فطره دعوةً لا ترد".
[وفطره على رطب، فإن عدم فتمر، فإن عدم فماء] لحديث أنس كان رسول الله ﷺ ، يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن غريب.
стр. 249
فصل يحرم على من لا عذر له الفطر
[ويحرم على من لا عذر له الفطر برمضان] لأنه ترك فريضة من غير عذر، وعليه إمساك بقية يومه الذي أفطر فيه، لأنه أمر به جميع النهار، فمخالفته في بعضه لا يبيح المخالفة في الباقي، وعليه القضاء، لقوله ﷺ : "ومن استقاء فليقض".
[ويجب الفطر على الحائض والنفساء] للحديث الصحيح: "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ ".
[وعلى من يحتاجه لإنقاذ معصوم من مهلكة] كغرق ونحوه، لأنه يمكنه تدارك الصوم بالقضاء، بخلاف الغريق ونحوه.
[ويسن لمسافر يباح له القصر] لحديث "ليس من البر الصيام في
стр. 250
السفر" متفق عليه. ورواه النسائي، وزاد: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوها". وإن صام أجزأه نص عليه، لحديث: هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه رواه مسلم والنسائي، وعن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال للنبي ﷺ : أصوم في السفر؟ قال: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" متفق عليه.
[ولمريض يخاف الضرر] لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ الآية١.
[ويباح لحاضر سافر في أثناء النهار] لحديث أبي بصرة الغفاري أنه ركب سفينة من الفسطاط في شهر رمضان فدفع، ثم قرب غداءه، فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة، ثم قال: اقترب، قيل: ألست ترى البيوت؟ قال: أترغب عن سنة محمد ﷺ ؟ فأكل رواه أبو داود. وحديث أنس حسنه الترمذي. إذا فارق بيوت قريته العامرة لما تقدم، ولأنه قبله لا يسمى مسافراً. والأفضل عدم الفطر تغليباً لحكم الحضر، وخروجاً من الخلاف.
[ولحامل، ومرضع خافتا على أنفسهما] فيفطران ويقضيان لا غير. قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً.
[أو على الولد. لكن لو أفطرتا خوفاً على الولد فقط، لزم وليه إطعام مسكين لكل يوم] لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ١. قال ابن عباس كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة
стр. 251
الكبيرة، وهما يطيقان الصيام أن يفطرا، ويطعما مكان كل يوم مسكيناً والحبلى والمرضع، إذا خافتا على أولادهما أفطرتا، وأطعمتا رواه أبو داود. ويجب عليهما القضاء، لأنهما يطيقانه. قال الإمام أحمد: أذهب إلى حديث أبي هريرة، ولا أقول بقول ابن عمر، وابن عباس في منع القضاء ذكره في الشرح.
[وإن أسلم الكافر، أو طهرت الحائض، أو برئ المريض، أو قدم المسافر، أو بلغ الصغير، أو عقل المجنون في أثناء النهار، وهم مفطرون، لزمهم الإمساك والقضاء] لذلك اليوم، لأنهم لم يصوموه، ولكن أمسكوا عن مفسدات الصوم لحرمة الوقت، ولزوال المبيح للفطر.
[وليس لمن جاز له الفطر برمضان أن يصوم غيره فيه] أي في رمضان لأنه لا يسع غير ما فرض فيه، ولا يصلح لسواه.
стр. 252
فصل في المفطرات
[وهي اثنا عشر: ١ - خروج دم الحيض، والنفاس] لما سبق.
[٢- الموت] لحديث "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث"
[٣- الردة] لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ... ﴾ الآية ١.
[٤- العزم على الفطر] نص عليه. قال في الفروع: وفاقاً للشافعي، ومالك، لقطعه النية المشترطة في جميعه في الفرض. قال في الكافي: فإذا قطعها في أثنائه خلا ذلك الجزء عن النية، فيفسد الكل لفساد الشرط.
[٥- التردد فيه] لأنه لم يجزم بالنية. ونقل الأ ثرم: لا يجزئه
стр. 253
من الواجب حتى يكون عازماً على الصوم يومه كله. قاله في الفروع.
[٦- القيء عمداً] قال ابن المنذر: أجمعوا على إبطال صوم من استقاء عامداً، ولحديث أبي هريرة مرفوعاً: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمداً فليقض" رواه أبو داود، والترمذي.
[٧- الإحتقان من الدبر] نص عليه.
[٨- بلع النخامة إذا وصلت إلى الفم] لعدم المشقة بالتحرز منها، بخلاف البصاق، ولأنها من غير الفم أشبه بالقيء. وعنه: لا تفطر لأنها معتادة في الفم أشبه بالريق. قاله في الكافي.
[٩ - الحجامة خاصة، حاجماً كان أو محجوماً] نص عليه. وهو قول علي وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، ﵃، وبه قال إسحاق، وابن المنذر، وابن خزيمة، قاله في الشرح لحديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" رواه عن النبي ﷺ ، أحد عشر نفساً قال أحمد: حديث ثوبان وشداد صحيحان. وقال نحوه علي بن المديني. وحديث ابن عباس - أن النبي ﷺ ، احتجم وهو صائم رواه البخاري - منسوخ، لأن ابن عباس راويه كان يعد الحجام والمحاجم قبل مغيب الشمس، فاذا غابت احتجم كذلك رواه الجوزجاني.
[١٠- إنزال المني بتكرار النظر] لأنه إنزال عن فعل في الصوم يتلذذ به، أمكن التحرز عنه، أشبه الإنزال باللمس. قاله في الكافي.
[لا بنظرة ولا بالتفكر] لأنه لا يمكن التحرز منه. قاله في الكافي.
[الاحتلام] لأنه ليس بسبب من جهته ولا باختياره، فلا يفسد الصوم بلا نزاع.
стр. 254
[ولا بالمذي] أي لايفسد الصوم بالمذي من تكرار النظر لأنه ليس بمباشرة.
[١١- خروج المني أوالمذي بتقبيل أو لمس أواستمناء أو مباشرة دون الفرج] لأنه إنزال عن مباشرة، أشبه الجماع وأما المذي، فلتخلل الشهوة له وخروجه بالمباشرة، أشبه المني، وحجة ذلك إيماء حديث عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ ، يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه كان أملككم لإربه.١ رواه الجماعة إلا النسائي.
[١٢ - كل ما وصل إلى الجوف أو الحلق أو الدماغ، من مائع وغيره فيفطر إن قطر في أذنه ما وصل إلى دماغه، أو داوى الجائفة، فوصل إلى جوفه، أو اكتحل بما علم وصوله إلى حلقه] ٢ لقوله ﷺ للقيط بن صبرة "وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً" وهذا يدل على أنه يفسد الصوم إذا بالغ فيه بحيث يدخل إلى خياشيمه أو دماغه، وقيس عليه ما وصل إلى جوفه أو دماغه. وروى أبو داود، والبخاري في تاريخه، عن النبي ﷺ ، أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم، وقال: ليتقه الصائم وإن شك في وصوله إلى حلقه لكونه يسيراً، ولم يجد طعمه لم يفطر. نص عليه.
[أو مضغ علكاً، أو ذاق طعاماً ووجد الطعم بحلقه] فإن لم يجده بحلقه لم يضره، لقول ابن عباس: لا بأس أن يذوق الخل الشئ يريد
стр. 255
شراءه. حكاه عنه أحمد، والبخاري، وكان الحسن يمضغ الجوز لابن ابنه، وهو صائم. ونقل عن أحمد كراهة مضغ العلك. ورخصت فيه عائًشة، ﵂. قاله في الشرح.
[أو بلع ريقه بعد أن وصل إلى ما بين شفتيه] أو بلع ريق غيره أفطر، لأنه بلعه من غير فمه، أشبه ما لو بلع ماء. قاله في الكافي.
[ولا يفطر إن فعل شيئاً من المفطرات ناسياً أو مكرهاً] نص عليه. وبه قال علي، وابن عمر، لحديث أبي هريرة مرفوعاً: "من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه" رواه الجماعة إلا النسائي. فنص على الأكل والشرب. وقسنا الباقي، وقيس المكروه على من ذرعه القيء. قال معناه في الكافي.
[ولا إن دخل الغبار حلقه، أو الذباب بغير قصده ولا إن جمع ريقه فابتلعه] لأنه لم يمكن التحرز منه. ولا يدخل تحت الوسع، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، قال في الشرح: لا يفسد صومه، لا نعلم فيه خلافاً.
стр. 256
فصل: في من جامع نهار رمضان
...
فصل في من جامع في نهار رمضان
[ومن جامع نهار رمضان في قبل أو دبر، ولو لميت أو بهيمة، في حالة يلزمه فيها الإمساك، مكرهاً كان أو ناسياً لزمه القضاء والكفارة] لحديث أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله، وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : "هل تجد رقبةً تعتقها؟ " قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا، قال: "فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ " قال: لا، فسكت، فبينا نحن على ذلك، أتي النبي ﷺ ، بعرق تمر، فقال: "أين السائل؟ خذ
стр. 257
هذا تصدق به"، فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟! فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: "أطعمه أهلك". متفق عليه. وقال ﷺ ، للمجامع "صم يوماً مكانه" رواه أبو داود. ويلزمان المكره والناسي، لأنه ﷺ ، لم يستفصل المواقع عن حاله.
[وكذا من جومع، إن طاوع] في وجوب القضاء والكفارة، لهتك صوم رمضان بالجماع طوعاً، فأشبهت الرجل، ولأن تمكينها منه كفعل الرجل في حد الزنى، وهو يدرأ بالشبهة، ففي الكفارة أولى، وعنه لا تلزمها لأنه ﷺ ، لم يأمر امرأة المواقع بكفارة.
[غير جاهل وناس] فلا كفارة عليها، رواية واحدة. قاله في الكافي لحديث "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" رواه النسائي.
[والكفارة عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فإن لم يجد سقطت عنه، بخلاف غيرها من الكفارات] للحديث السابق.
[ولا كفارة في رمضان بغير الجماع والإنزال بالمساحقة] من مجبوب أو امرأة قياساً على الجماع، لفساد الصوم، وهتك حرمة رمضان.
стр. 258
فصل في القضاء
[ومن فاته رمضان قضى عدد أيامه] لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ١
стр. 259
[ويسن القضاء على الفور] متتابعاً نص عليه. قال في الشرح: ولا نعلم في استحباب التتابع خلافاً، وحكي وجوبه عن الشعبي والنخعي انتهى. ولا بأس أن يفرق، قاله البخاري عن ابن عباس. وعن ابن عمر مرفوعاً: "قضاء رمضان، إن شاء فرق وإن شاء تابع" رواه الدارقطني.
[إلا إذا بقي من شعبان بقدر ماعليه، فيجب] التتابع لضيق الوقت لقول عائشة: "لقد كان يكون علي الصيام من رمضان، فما أقضيه حتى يجئ شعبان" متفق عليه. فإن أخره لغير عذر حتى أدركه رمضان آخر فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم. يروى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة، ولم يرو عن غيرهم خلافهم. قاله في الشرح.
[ولا يصح ابتداء تطوع من عليه قضاء رمضان] نص عليه.
[فإن نوى صوماً واجباً، أو قضاء ثم قلبه نفلاً صح] كالصلاة.
[ويسن صوم التطوع، وأفضله يوم ويوم] لحديث عبد الله بن عمرو. قال: قال رسول الله ﷺ : "أحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود. كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً" متفق عليه.
[ويسن صوم أيام البيض: وهي ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر] لقول أبي هريرة أوصاني خليلي ﷺ ، بثلاث: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام" متفق عليه. وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر، إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة" حسنه الترمذي.
стр. 260
[وصوم الخميس والإثنين] لأنه ﷺ ، كان يصومهما فسئل عن ذلك، فقال: "إن الأعمال تعرض يوم الإثنين والخميس" رواه أبو داود، وفي لفظ: "وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم".
[وستة من شوال] لحديث أبي أيوب مرفوعاً: " من صام رمضان، وأتبعه ستاً من شوال، فكأنما صام الدهر" رواه مسلم وأبو داود. قال أحمد: هو من ثلاثة أوجه عن النبي ﷺ .
[وسن صوم المحرم] لحديث أبي هريرة مرفوعاً: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم" رواه مسلم.
[وآكده عاشوراء وهو كفارة سنة] لحديث أبي قتادة عن النبي ﷺ ، أنه قال في صيام يوم عاشوراء: "إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده" رواه مسلم.
[وصوم عشر ذي الحجة] لحديث ابن عباس مرفوعاً: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله، من هذه الأيام العشر" رواه البخاري. وعن حفصة قالت: أربع لم يكن يدعهن رسول الله ﷺ : صيام عاشوراء، والعشر، وثلاث أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة رواه أحمد والنسائي.
[وآكدها يوم عرفة، وهو كفارة سنتين] لحديث أبي قتادة مرفوعاً: "صوم يوم عرفة يكفر سنتين، ماضية ومستقبلةً، وصوم عاشوراء يكفر سنةً ماضيةً" رواه الجماعة، إلا البخاري والترمذي. ويليه في الآكدية يوم التروية: وهو ثامن ذي الحجة، لحديث: "صوم يوم التروية كفارة سنة" الحديث، رواه أبو الشيخ في الثواب وابن النجار عن ابن عباس مرفوعاً.
стр. 261
[وكره إفراد رجب] بالصوم، لما روى أحمد عن خرشة بن الحر، قال: رأيت عمر يضرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام، ويقول: كلوا، فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية وبإسناده عن ابن عمر أنه كان إذا رأى الناس، وما يعدونه لرجب، كرهه وقال: صوموا منه وأفطروا.
[والجمعة والسبت بالصوم] لحديث أبي هريرة مرفوعاً: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده" متفق عليه. وحديث: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم" حسنه الترمذي. واختار الشيخ تقي الدين: أنه لايكره صوم يوم السبت مفرداً، وأن الحديث شاذ أو منسوخ.
[وكره صوم يوم الشك] تطوعاً لقول عمار من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ رواه أبو داود والترمذي.
[وهو الثلاثون من شعبان إذا لم يكن غيم أو قتر] عند أصحابنا.
[ويحرم صوم العيدين] إجماعاً لحديث أبي هريرة مرفوعاً: نهي عن صوم يومين: يوم الفطر، ويوم الأضحى متفق عليه.
[وأيام التشريق] لحديث: "وأيام منىً أيام أكل وشرب" رواه مسلم مختصراً، إلا للمتمتع إذا لم يجد الهدي، لحديث ابن عمر وعائشة لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن، إلا لمن لم يجد الهدي رواه البخاري.
[ومن دخل في تطوع لم يجب إتمامه] لحديث عائشة قلت: يا رسول الله، أهديت لنا هدية، أوجاءنا رزق، وقد خبأت لك شيئاً، قال: "ما هو؟ " قلت: حيس، قال: "هاتيه"، فجئت به فأكل، ثم قال: "قد
стр. 262
كنت أصبحت صائماً" ١ رواه مسلم. وكره خروجه منه بلا عذر خروجاً من الخلاف، ولقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ ٢
[وفي فرض يجب] إتمامه. ولا يجوز له الخروج بلا خلاف. قاله في الشرح، لأنه يتعين بدخوله فيه، فصار كالمتعين، والخروج من عهدة الواجد متعين، وإنما دخلت التوسعة في وقته رفقاً، فإن بطل فعليه إعادته.
[مالم يقلبه نفلاً] فيثبت له حكم النفل.
стр. 263
كتاب الإعتكاف
مدخل
...
كتاب الاعتكاف
وهو: لزوم المسجد لطاعة الله تعالى. وهو سنة. قال في الشرح: لا نعلم خلافاً في استحبابه، لحديث عائشة كان رسول الله ﷺ ، يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده متفق عليه.
[ويجب بالنذر] قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإعتكاف لا يجب على الناس فرضاً، إلا أن يوجب المرء على نفسه الإعتكاف نذراً، لقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه" رواه البخاري.
[وشرط صحته ستة أشياء: النية، والإسلام، والعقل والتمييز] كسائر العبادات.
[وعدم ما يوجب الغسل] لقوله ﷺ : "لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" وقد سبق.
[وكونه بمسجد] لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾
[ويزاد في حق من تلزمه الجماعة أن يكون المسجد مما تقام فيه الجماعة] قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً، لأنها واجبة عليه، فلا يجوز تركها، ولا كثرة الخروج الذي يمكن التحرز منه، لأنه مناف للاعتكاف.
[ومن المسجد ما زيد فيه] حتى في الثواب في المسجد الحرام،
стр. 264
لعموم الخبر. وعند الشيخ تقي الدين وابن رجب، وطائفة من السلف: ومسجد المدينة أيضاً. فزيادته كهو في المضاعفة. وخالف فيه ابن عقيل وابن الجوزي، وقال ابن مفلح في الآداب الكبرى: هذه المضاعفة تختص بالمسجد غير الزيادة على ظاهر الخبر، يعني قوله ﷺ : "صلاة في مسجدى هذا ... ".
[ومنه سطحه] لعموم قوله في المساجد.
[ورحبته المحوطة] قال القاضي: إن كان عليها حائط وباب، كرحبة جامع المهدي بالرصافة، فهي كالمسجد لأنها معه وتابعة له، وإن لم تكن محوطة، كرحبة جامع المنصور، لم يثبت لها حكم المسجد١.
[ومنارتها التي هي أو بابها فيه] لأنها في حكمه وتابعة له.
[ومن عين الاعتكاف بمسجد غير الثلاثة لم يتعين] ولو بلا شد رحل، لأن الله لم يعين لعبادته مكاناً كمن نذر صلاة بغير المساجد الثلاثة. لحديث أبي هريرة مرفوعاً: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" متفق عليه. ولو تعين غيرها بالتعيين لزم المضي إليه، واحتاج إلى شد رحل لقضاء نذره، ولأن الله تعالى لم يعين لعبادته مكاناً في غير الحج. وأفضل المساجد المسجد الحرام، فمسجد المدينة، فالمسجد الأقصى، لحديث أبي هريرة مرفوعاً: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا
стр. 265
المسجد الحرام" رواه الجماعة إلا أبا داود. وفي رواية فإنه أفضل فمن نذر اعتكافاً أو صلاة في أحدها لم يجزئه في غيره إلا أن يكون أفضل منه، فمن نذر في المسجد الحرام لم يجزئه غيره، ومن نذر في مسجد المدينة أجزأه فيه وفي المسجد الحرام، ومن نذر في الأقصى أجزأه في الثلاثة، لحديث جابر أن رجلاً قال يوم الفتح: يارسول الله، إني نذرت: إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: "صل ها هنا"، فسأله، فقال: "صل ها هنا"، فسأله، فقال: "شأنك إذاً" رواه أحمد وأبو داود.
[ويبطل الإعتكاف بالخروج من المسجد لغير عذر] لقول عائشة: السنة للمعتكف ألا يخرج إلا لما لا بد له منه رواه أبو داود. وحديث. "وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان" متفق عليه.
[وبنية الخروج، ولو لم يخرج] لحديث "إنما الأعمال بالنيات"
[وبالوطء في الفرج] لقوله تعالى: ﴿ ... وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ... ﴾ فإذا حرم الوطء في العبادة أفسدها، كالصوم والحج، بطل اعتكافه واستأنف الاعتكاف.
[وبالإنزال بالمباشرة دون الفرج] لعموم الآية.
[وبالردة] لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾
[وبالسكر] لخروج السكران عن كونه من أهل المسجد.
стр. 266
[وحيث بطل الإعتكاف وجب استئناف النذر المتتابع غير المقيد بزمن ولا كفارة] لأنه أمكنه الإتيان بالمنذور على صفته فلزمه، كحالة الابتداء.
[وإن كان مقيداً بزمن معين استأنفه، وعليه كفارة يمين لفوات المحل. ولا يبطل الإعتكاف إن خرج من المسجد لبول أو غائط أو طهارة واجبة] لما تقدم.
[أو لإزالة نجاسة، أو لجمعة تلزمه] ولا قضاء لزمنه، ولا كفارة لأن ذلك كالمستثنى لكونه معتاداً.
[ولا إن خرج للإتيان بمأكل أو مشرب، لعدم خادم] لأنه لا بد له منه. فيدخل في عموم حديث عائشة: وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان متفق عليه. [وله المشي على عادته] من غير عجلة، لأن ذلك يشق عليه. ويجوز أن يسأل عن المريض وغيره في طريقه، ولا يعرج إليه ولا يقف، لقول عائشة: إن كنت لأدخل البيت للحاجة، والمريض فيه، فلا أسأل عنه إلا وأنا مارة متفق عليه.
[وينبغي لمن قصد المسجد أن ينوي الإعتكاف مدة لبثه فيه لا سيما إن كان صائماً] ذكره ابن الجوزي في المنهاج، ولم يره الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى.
стр. 267
كتاب الحج
مدخل
مدخل
...
كتاب الحج
وهو من أركان الإسلام وفروضه لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ ١ ولحديث ابن عمر "بني الإسلام على خمس ... " الحديث، وقد سبق.
[وهو واجب مع العمرة في العمر مرة] ٢ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ٣ وعن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: "يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا"، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً. فقال رسول الله ﷺ : "لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم". ثم قال: "ذروني ما تركتكم" رواه أحمد ومسلم والنسائي. وعن عائشة أنها قالت يا رسول الله، هل على النساء من جهاد؟ قال: "نعم عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة". رواه أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح. ولمسلم عن ابن عباس: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة". وعن
стр. 268
الصبي بن معبد قال أتيت عمر، ﵁، فقلت: يا أمير المؤمنين إني أسلمت، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما، فقال: هديت لسنة نبيك رواه النسائي.
[وشرط الوجوب خمسة أشياء ١ - الإسلام ٢ - العقل ٣ -البلوغ] لحديث: "رفع القلم عن ثلاثةً".
[٤ - كمال الحرية] لأن العبد غير مستطيع.
[لكن يصحان من الصغير والرقيق، ولا يجزئان عن حجة الإسلام وعمرته] حكاه الترمذي إجماعاً لحديث ابن عباس أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ ، صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال "نعم ولك أجر" رواه مسلم. وعنه أيضاً مرفوعاً: "أيما صبي حج، ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج، ثم عتق فعليه حجة أخرى" رواه الشافعي، والطيالسي في مسنديهما.
[فإن بلغ الصغير أو عتق الرقيق قبل الوقوف أو بعده: إن عاد فوقف في وقته أجزأه عن حجة الإسلام] لأنهما أتيا بالنسك حال الكمال. قال الإمام أحمد: قال ابن عباس: إذا أعتق العبد بعرفة أجزأه حجه فإن عتق بجمع لم يجز عنه.
[ما لم يكن أحرم مفرداً أو قارناً وسعى بعد طواف القدوم] لأن السعي لا تشرع مجاوزة عدده ولا تكراره، بخلاف الوقوف، فاستدامته مشروعة، ولا قدر له محدود.
[وكذا تجزئ العمرة إن بلغ أو عتق قبل طوافها] ثم طاف وسعى لها فتجزئه عن عمرة الإسلام.
стр. 269
[٥- الإستطاعة: وهي ملك زاد وراحلة تصلح لمثله] قال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم وعن أنس، ﵁، في قوله : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ ١ قال: قيل يا رسول الله، ما السبيل قال: "الزاد والراحلة" رواه الدارقطني. وعن ابن عباس نحوه. رواه ابن ماجه. وقال عكرمة: الإستطاعة: الصحة. وقال الضحاك: إن كان شاباً فليؤاجر نفسه بأكله وعقبته.
[أو ملك ما يقدر به على تحصيل ذلك] من النقدين أو العروض.
[بشرط كونه فاضلاً عما يحتاجه من كتب ومسكن وخادم] لأن هذه حوائج أصلية.
[وأن يكون فاضلاً عن مؤنته، ومؤنة عياله على الدوام] لأنها نفقات شرعية تجب عليه، يتعلق بها حق آدمي فقدمت، لحديث "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت" وقال في الروضة والكافي. إلى أن يعود فقط، وقدمه في الرعاية. قاله في الفروع.
[فمن كملت له هذه الشروط لزمه السعي فوراً] نص عليه. فيأثم إن أخره بلا عذر، بناء على أن الأمر للفور، ولحديث ابن عباس مرفوعاً: "تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له" رواه أحمد. وأما تأخيره، ﵊، وأصحابه فيحتمل أنه لعذر، كخوفه على المدينة من المنافقين واليهود وغيرهم، أو نحوه.
[إن كان في الطريق أمن] لأن إيجاب الحج مع عدم ذلك ضرر،
стр. 270
وهو منفي شرعاً ولو بحراً، لحديث: "لا تركب البحر إلا حاجاً، أو معتمراً، أو غازياً في سًبيل الله" رواه أبو داود وسعيد.
[فإن عجز عن السعي لعذر ككبر، أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم نائباً حراً ولو امرأة يحج ويعتمر عنه] لحديث ابن عباس أن امرأة من خثعم قالت: يارسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، فأحج عنه؟ قال: "حجي عنه" متفق عليه. فعلم منه جواز نيابة المرأة عن الرجل. قال في الشرح: لا نعلم فيه مخالفاً، فعكسه أولى.
[من بلده] أي العاجز لأنه وجب عليه كذلك.
[ويجزئه ذلك، ما لم يزل العذر قبل إحرام نائبه] لقدرته على البدل قبل الشروع في المبدل.
[فلو مات] من لزمه حج أو عمرة بأصل الشرع، أو بإيجابه على نفسه.
[قبل أن يستنيب، وجب أن يدفع من تركته لمن يحج ويعتمر عنه] من حيث وجب. نص عليه، لأن القضاء يكون بصفة الأداء ولو لم يوص بذلك، لحديث ابن عباس أن امرأة قالت: يارسول الله، إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: "نعم، حجي عنها. أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء" رواه البخاري.
[ولا يصح ممن لم يحج عن نفسه حج عن غيره] فإن فعل انصرف إلى حجة الإسلام، لحديث ابن عباس أن النبي ﷺ ،
стр. 271
سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة. قال: "حججت عن نفسك"؟ قال: لا. قال: "حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة" رواه أحمد واحتج به، وأبو داود وابن حبان والطبراني، قال البيهقي: إسناده صحيح، وفي لفظ للدارقطني "هذه عنك، وحج عن شبرمة".
[وتزيد المرأة شرطاً سادساً، وهو أن تجد لها زوجاً أو محرماً] قال أحمد: المحرم من السبيل، لحديث ابن عباس: "لا تسافر امرأة إلا مع محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم" رواه أحمد بإسناد صحيح.
[مكلفاً] فلا محرمية لصغير ومجنون، لعدم حصول المقصود.
[وتقدر على أجرته وعلى الزاد والراحلة لها وله] لأنه من سبيلها.
[فإن حجت بلا محرم، حرم] سفرها بدونه لما تقدم.
[وأجزأها] حجها كمن حج وترك حقاً يلزمه من نحو دين، وإن مات المحرم في الطريق مضت في حجها.
стр. 272
باب الإحرام
مدخل
...
باب الإحرام
[وهو واجب من الميقات] لأنه ﷺ وقت المواقيت، ولم ينقل عنه، ولا عن أحد من أصحابه أنه تجاوز ميقاتاً بلا إحرام. فميقات أهل المدينة: ذو الحليفة بينها وبين المدينة سبعة أميال أو ستة، وهي أبعد المواقيت من مكة، بينها وبين مكة عشرة أيام، وميقات أهل الشام ومصر: الجحفة، قرية خربة قرب رابغ بينها وبين مكة خمس مراحل أو ست. ومن أحرم من رابغ فقد أحرم قبل الميقات بيسير، وميقات أهل اليمن: يلملم - بينه وبين مكة ليلتان - وميقات أهل نجد قرن على يوم وليلة من مكة وهذه المواقيت لأهلها ولمن مر عليها.
[ومن منزله دون الميقات فميقاته منزله] لحديث ابن عباس قال وقت رسول الله ﷺ ، لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك، فمهله من أهله، وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها. متفق عليه. ومن لم يمر بميقات، أحرم إذا حاذى أقربها منه، لقول عمر انظروا حذوها من قديد - وفي لفظ - من طريقكم ١
стр. 273
رواه البخاري. ومن لم يحاذ ميقاتاً أحرم عن مكة بقدر مرحلتين، لأنه أقل المواقيت. قال في الشرح: أجمعوا على هذه الأربعة، واتفق أهل النقل على صحة الحديث فيها. وذات عرق: ميقات أهل المشرق، في قول الأكثر. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن إحرام العراقي من ذات عرق إحرام من الميقات. وفي صحيح مسلم. عن جابر أن النبي ﷺ ، وقت لأهل العراق ذات عرق وعن عائشة مرفوعاً نحوه. رواه أبو داود والنسائي. ووقت عمر أيضاً لأهل العراق ذات عرق رواه البخاري. وذات عرق: قرية خربة قديمة، من علاماتها المقابر القديمة وعرق: هو المشرف على الجبل من العقيق إقناع. وعن أنس أنه كان يحرم من العقيق وكان الحسن بن صالح يحرم من الربذة. وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ، وقت لأهل المشرق العقيق١ حسنه الترمذي. وقال ابن عبد البر: هو أحوط من ذات عرق٢.
[ولا ينعقد الإحرام مع وجود الجنون والإغماء والسكر] لعدم وجود النية منهم.
[وإذا انعقد لم يبطل إلا بالردة] لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ... ﴾ الآية٣.
[لكن يفسد بالوطء في الفرج في التحلل الأول] قال ابن المنذر:
стр. 274
أجمعوا على أن الحج لا يفسد بإتيان شئ في حال الإحرام إلا الجماع، والأصل فيه ماروي عن ابن عمر وابن عباس، ولم يعرف لهما مخالف.
[ولا يبطل، بل يلزمه إتمامه والقضاء] روي عن ابن عمر وعلي وأبي هريرة وابن عباس، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ١ ويقضي من قابل. قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً.
[ويخير من أراد الإحرام بين أن ينوي التمتع وهو أفضل] روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما. قال الإمام أحمد: وهو آخر الأمرين منه ﷺ .
[أو ينوي الإفراد أو القران] قال في الشرح: ولا خلاف في جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء، وقد دل عليه قول عائشة: فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج، ومنا من أهل بهما.
[والتمتع: هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم بعد فراغه منها يحرم بالحج] قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أهل بعمرة من أهل الآفاق في أشهر الحج من الميقات، وقدم مكة، ففرغ وأقام بها، وحج من عامه أنه متمتع، وعليه الهدي إن وجد وإلا فالصيام.
[والإفراد: هو أن يحرم بالحج، ثم بعد فراغه منه يحرم بالعمرة. والقران: هو أن يحرم بالعمرة، ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها] لحديث جابر أنه حج مع النبي ﷺ ، وقد أهلوا بالحج مفرداً، فقال لهم: "حلوا من إحرامكم بطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصروا وأقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية، فأهلوا بالحج، واجعلوا الذي قدمتم بها متعة". فقالوا: كيف تجعلها
стр. 275
متعة وقد سمينا الحج؟ فقال "افعلوا ما أمرتكم به، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل ما أمرتكم به، ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغً الهدي محله" متفق عليه.
[فإن أحرم به، ثم بها لم يصح] ولم يصر قارناً، وهو قول علي، ﵁. رواه الأثرم، لأنه لم يرد به أثر، ولم يستفد به فائدة، بخلاف ما سبق، ويبقى على إحرامه بالحج.
[ومن أحرم وأطلق صح، وصرفه لما شاء، وما عمل قبل فلغو] لقول طاووس خرج رسول الله ﷺ ، من المدينة لا يسمي حجاً ينتظر القضاء، فنزل عليه بين الصفا والمروة ... الخ.
وكذا من أحرم بمثل ما أحرم به فلان، لحديث أنس قال قدم علي على رسول الله ﷺ ، من اليمن، فقال: "بم أهللت يا على"؟ قال: أهللت بإهلال كاهلال النبي ﷺ ، قال: لولا أن معي الهدي لأحللت متفق عليه.
[لكن السنة لمن أراد نسكاً أن يعينه] لقول عائشة: فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج متفق عليه.
[وأن يشترط فيقول: اللهم إنى أريد النسك الفلاني فيسره لي، وتقبله مني، وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني] لما روى النسائي من حديث جابر أن النبي ﷺ ، قال لعلي: "بم أهللت؟ " قال: قلت اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله ﷺ وعن عائشة أن رسول الله ﷺ ، دخل على ضباعة بنت الزبير فقال لها: "لعلك أردت الحج؟ " قالت: والله ما أجدني إلا وجعة، فقال لها: "حجي، واشترطي وقولي: اللهم إن محلي حيث حبستني" متفق
стр. 276
عليه. وللنسائي في حديث ابن عباس: "فإن لك على ربك ما استثنيت" وفي حديث عكرمة: "فإن حبست أو مرضت فقد حللت من ذلك بشرطك على ربك" رواه أحمد.
стр. 277
باب محظورات الإحرام
مدخل
...
باب محظورات الإحرام
[وهي سبعة أشياء أحدهما: تعمد لبس المخيط على الرجل حتى الخفين] لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ ، سئل ما يلبس المحرم؟ فقال: "لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا البرنس، ولا السراويل ولا ثوباً مسه ورس ولا زعفران، ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين" متفق عليه. ونص على هذه الأشياء، وألحق بها أهل العلم ما في معناها مثل: الجبة والدراعة والتبان وأشباه ذلك. قاله في الشرح. وعنه: لا يقطع الخفين، لحديث ابن عباس سمعت النبي ﷺ ، يخطب بعرفات: "من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين" متفق عليه. قيل: هذا ناسخ لحديث ابن عمر السابق، لأن هذا بعرفات. قاله الدارقطني. وحديث ابن عمر بالمدينة، لرواية أحمد عنه: سمعت رسول الله ﷺ ، على المنبر وذكره وأجيب عن قولهم: حديث ابن عمر فيه زيادة لفظ، بأن حديث ابن عباس وجابر فيهما زيادة حكم: وهو جواز اللبس بلا قطع.
[الثاني: تعمد تغطية الرأس من الرجل ولو بطين، أو استظلال بمحمل] لنهيه ﷺ ، المحرم عن لبس العمائم والبرانس وقوله في المحرم الذي وقصته ناقته١ "ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة
стр. 278
ملبياً" متفق عليهما. وكره أحمد الاستظلال بالمحمل، وما في معناه، لقول ابن عمر: اضح لمن أحرمت له أي ابرز للشمس. وعنه: له ذلك، أشبه الخيمة، وفي حديث جابر: أمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة فنزل بها رواه مسلم. وإن طرح على شجرة ثوباً يستظل به فلا بأس إجماعاً. قاله في الشرح. وله أن يتظلل بثوب على عود لقول أم الحصين: حججت مع رسول الله ﷺ ، حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً، وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة رواه مسلم. ويباح له تغطية وجهه. روي عن عثمان وزيد بن ثابت وابن الزبير، ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم. وبه قال الشافعي. وعنه: لا، لأن في بعض ألفاظ حديث صاحب الراحلة: "ولا تخمروا وجهه ولا رأسه" ويغسل رأسه بالماء بلا تسريح. روي عن عمر وابنه وعلي وجابر وغيرهم. لأنه ﷺ ، غسل رأسه وهو محرم، وحرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر متفق عليه. واغتسل عمر وقال: لا يزيد الماء الشعر إلا شعثاً رواه مالك والشافعي. وعن ابن عباس قال لي عمر، ونحن محرمون بالجحفة: تعال أباقيك أينا أطول نفساً في الماء رواه سعيد. وإن حمل على رأسه طبقاً، أو وضع يده عليه فلا بأس، لأنه لا يقصد به الستر. قاله في الكافي.
[وتغطية الوجه من الأنثى، لكن تسدل على وجهها لحاجة] لقوله ﷺ : " لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين" رواه أحمد والبخاري. قال في الشرح: فيحرم تغطيته. لا نعلم فيه خلافاً. إلا ما روي عن أسماء أنها تغطيه فيحمل على السدل،
стр. 279
فلا يكون فيه اختلاف، فإن احتاجت لتغطيته لمرور الرجال قريباً منها سدلت الثوب من فوق رأسها. لا نعلم فيه خلافاً. انتهى. لحديث عائشة: كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله ﷺ ، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه رواه أبو داود والأثرم. ولا يضر لمس المسدول وجهها، خلافاً للقاضي.
[الثالث: قصد شم الطيب] لقوله في الذي وقصته راحلته "ولا تمسوه بطيب" قال في الشرح: أجمعوا على أنه ممنوع من الطيب، ولا يجوز له لبس ثوب مطيب. لا نعلم فيه خلافاً، لقوله: "ولايلبس ثوباً مسه ورس ولا زعفران" متفق عليه.
[ومس ما يعلق] لأنه تطييب ليده.
[واستعماله في أكل وشرب بحيث يظهر طعمه أو ريحه] وكان مالك لا يرى بما مست النار من الطعام بأساً وإن بقيت رائحته وطعمه. ولو شم الفواكه كلها، وكذا نبات الصحراء، كشيح وقيصوم وخزامى، وكذا ما ينبته الآدمي لغير قصد الطيب، كحناء وعصفر وقرنفل ودار صيني. قاله في الإقناع.
[فمن لبس أو تطيب أو غطى رأسه ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه] لقوله ﷺ "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه".
[ومتى زال عذره أزاله في الحال وإلا فدى] لاستدامته المحظور من غير عذر.
стр. 280
[الرابع: إزالة الشعر من البدن ولو من الأنف] لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ... ﴾ ١ الآية نص على حلق الرأس، وقسنا عليه سائر شعر البدن.
[وتقليم الأظافر] قال في الشرح: أجمعوا على أنه ممنوع من تقليم أظفاره إلا من عذر، وأجمعوا على أنه يزيل ظفره إذا انكسر.
[الخامس: قتل صيد البر الوحشي المأكول] إجماعا لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ ... ﴾ الآية٢وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الآية٣.
[والدلالة عليه، والإعانة على قتله] لأنه إعانة على المحرم، لحديث أبي قتادة أنه كان مع أصحاب له محرمين، وهو لم يحرم فأبصروا حماراً وحشياً وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يوذنوني به، وأحبوا لو أني أبصرته، فركبت ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح. فقالوا: والله لا نعينك عليه وهذا يدل على اعتقادهم تحريم الإعانة عليه ولما سألوا النبي ﷺ ، قال: "هل أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها"؟ قالوا: لا قال: "فكلوا ما بقي من لحمها". متفق عليه.
[وإفساد بيضه] لقول ابن عباس: في بيض النعام قيمته وعن أبي هريرة مرفوعاً: "في بيض النعام ثمنه" رواه ابن ماجه.
стр. 281
[وقتل الجراد] لأنه بري يشاهد طيرانه في البر، ويهلكه الماء إذا وقع فيه. وحديث أبي هريرة مرفوعاً: "إنه من صيد البحر" وهم قاله أبو داود. وعنه هو من صيد البحر لا جزاء فيه قال ابن المنذر: قال ابن عباس: هو من صيد البحر وقال عروة: هو من نثرة الحوت.
[والقمل] لأنه يترفه بإزالته ولو أبيح لم يتركه كعب بن عجرة. وعنه: يباح قتله، لأنه من أكثر الهوام أذى. حكي عن ابن عمر قال: هي أهون مقتول وعن ابن عباس فيمن ألقاها ثم طلبها تلك ضالة لا تبتغى.
[لا البراغيث، بل يسن قتل كل مؤذ مطلقاً] في الحرم والإحرام، ولا جزاء فيه، لحديث "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحدأة والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور" - وفي لفظ – "الحية"، مكان العقرب متفق عليه. قال مالك الكلب العقور: ما عقر الناس، وعدا عليهم. مثل الأسد والذئب، والنمر، فعلى هذا يباح قتل كل ما فيه أذى من سباع البهائم وجوارح الطير والحشرات المؤذية والزنبور والبق والبعوض والبراغيث والذباب. وبه قال الشافعي. قاله في الشرح.
[السادس: عقد النكاح ولا يصح] لحديث عثمان أن النبي ﷺ ، قال: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب" رواه الجماعة إلا البخاري، وليس للترمذي فيه ولا يخطب وعن أبي غطفان عن أبيه أن عمر فرق بينهما يعني رجلاً تزوج وهو محرم. رواه مالك والدارقطني. قال في الشرح: ويياح شراء الإماء للتسري وغيره. لا نعلم فيه خلافاً.
стр. 282
[السابع: الوطء في الفرج] لقوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ ١ قال ابن عباس: الرفث: الجماع قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الحج لا يفسد بإتيان شئ في حال الإحرام إلا الجماع. والأصل فيه ما روي عن ابن عمر وابن عباس، ولم يعرف لهما مخالف.
[ودواعيه والمباشرة دون الفرج والاستمناء] فإن لم ينزل لم يفسد، لا نعلم فيه خلافاً، وإن أنزل فعليه بدنة، وفي فساد الحج روايتان. إحداهما: لا يفسد. وهو قول الشافعي، لأنه لا نص فيه ولا إجماع، ولا يصح قياسها على الوطء في الفرج، لأنه يجب به الحد دونهما. والثانية: يفسد. وهو قول مالك.
[وفي جميع المحظورات الفديه، إلا قتل القمل] لما تقدم. وعن أحمد: يطعم شيئاً، وقال إسحاق: تمرة فما فوقها.
[وعقد النكاح] لا فدية فيه كشراء الصيد.
[وفي البيض والجراد قيمته مكانه] لما تقدم في البيض. وروي عن عمر: في الجراد الجزاء.
[وفي الشعرة أو الظفر إطعام مسكين، وفي اثنين إطعام اثنين] لأن المد أقل ما يجب. وعنه: قبضة من طعام، لأنه لا تقدير له في الشرع فيجب المصير إلى الأقل لأنه اليقين.
[والضرورات تبيح للمحرمات ويفدي] لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ٢ ولحديث كعب بن عجرة، ﵁.
стр. 283
باب الفدية
مدخل
...
باب الفدية
[وهي ما يجب بسبب الإحرام أو الحرم. وهي قسمان: قسم على التخيير، وقسم على الترتيب. فقسم التخيير: كفدية اللبس، والطيب، وتغطية الرأس، وإزالة أكثر من شعرتين، أو ظفرين، والإمناء بنظرة، والمباشرة بغير إنزال مني. يخير بين ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره] لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ١ وقوله ﷺ لكعب بن عجرة: "لعلك آذاك هوام رأسك؟ " قال: نعم يا رسول الله. قال: "احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أوانسك بشاة" متفق عليه. ولفظة [أو] للتخيير، وألحق الباقي بالحلق، لأنه حرم للترفه فقيس عليه. وقال ابن عباس فيمن وقع على امرأته في العمرة قبل التقصير: عليه فدية من صيام أوصدقة أو نسك رواه الأ ثرم. وروى الأ ثرم أيضاً أن عمر بن عبيد الله، قبل عائشة بنت طلحة وهو محرم، فسأل فأجمع له على أن يهرق دماً. وقيس عليها المباشرة والإمناء بنظرة، ونحوهما، لأنها أفعال محرمة بالإحرام لا تفسد الحج فوجبت به شاة كالحلق.
[من التخيير جزاء الصيد يخير فيه بين المثل من النعم، أو تقويم المثل بمحل التلف، ويشتري بقيمته طعاماً ما يجزئ في الفطرة، فيطعم
стр. 284
كل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً] لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ ١
[وقسم الترتيب كدم المتعة والقران، وترك الواجب والإحصار والوطء ونحوه، فيجب على متمتع وقارن وتارك واجب دم، فإن عدمه أو ثمنه صام ثلاثة أيام في الحج، والأفضل كون آخرها يوم عرفة] نص عليه، فيقدم الإحرام ليصومها في إحرام الحج. روي ذلك عن ابن عمر وعطاء وعلقمة وغيرهم. ووقت جواز صيامها من إحرامه بالعمرة، لانعقاد سبب الوجوب.
[وتصح أيام التشريق] قال ابن عمر وعائشة: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن يجد الهدي رواه البخاري. وبه قال مالك والشافعي في القديم.
[وسبعة إذا رجع إلى أهله] لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ ٢ ويجوز صيامها بعد فراغه من أفعال الحج. قيل لأحمد: يصوم بالطريق أو بمكة؟ قال: حيث شاء. وبه قال مالك، وعن عطاء ومجاهد: في الطريق. وهو قول إسحاق.
[ويجب على محصر دم] لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ٢
стр. 285
[فان لم يجد صام عشرة أيام] بنية التحلل.
[ثم حل] قياساً على دم المتعة.
[ويجب على من وطء في الحج قبل التحليل الأول، أو أنزل منياً بمباشرة، أو استمناء، أو تقبيل، أو لمس لشهوة، أو تكرار نظر: بدنة، فإن لم يجدها صام عشرة أيام: ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع] كدم المتعة لأن ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو قالوا للواطئين: اهديا هدياً، وإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم وقيس الباقي عليه. والوطء بعد التحلل الأول لا يفسد النسك، لكن يمضي إلى الحل فيحرم منه ليطوف للزيارة محرماً لأن الطواف ركن لا يتم الحج إلا به، ولقول ابن عباس في رجل أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر: ينحران جزوراً بينهما، وليس عليه الحج من قابل رواه مالك. ولا يعرف له مخالف من الصحابة. وعليه شاة، لأن الإحرام خف بالتحلل الأول، فينبغي أن يكون موجبه دون موجب الإحرام التام لخفة الجناية، وعدم إفساده الحج. وفاقاً لأبي حنيفة. وعنه: يلزمه بدنة، لأنه قول ابن عباس، وبه قال الشافعي.
[وفي العمرة إذا أفسدها قبل تمام السعي شاة] لقول ابن عباس فيمن وقع على امرأته قبل التقصير: عليه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك رواه الأ ثرم.
[والتحلل الأول يحصل باثنين من رمي وحلق وطواف ويحل له كل شئ إلا النساء] لحديث عائشة مرفوعاً:"إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شئ إلا النساء" رواه سعيد. وقالت عائشة: