"ثم لباقي العصبة: الأقرب فالأقرب" فتقدم الإخوة، ثم بنوهم، ثم الأعمام، ثم بنوهم، ثم أعمام الأب، ثم بنوهم، وهكذا. قال في الشرح: وللرجال من العصبات مدخل في الحضانة لأنه، ﷺ ، لم ينكر على علي وجعفر مخاصمتهما زيدا في حضانة ابنة حمزة انتهى بمعناه.
"ولا حضانة لمن فيه رق" ولو قل، لأنها ولاية، وليس هو من أهلها.
"ولا لفاسق" ظاهرا، لأنه لا يوثق به في أداء واجب الحضانة، ولا حظ للولد في حضانته، لأنه ربما نشأ على طريقته.
"ولا لكافر على مسلم" لأنه أولى بذلك من الفاسق.
"ولا لمتزوجة بأجنبي" من المحضون، للحديث السابق.
"ومتى زال المانع، أو أسقط الأحق حقه ثم عاد، عاد الحق له" في الحضانة لقيام سببها مع زوال المانع.
"وإن أراد أحد الأبوين السفر ويرجع، فالمقيم أحق بالحصانة" إزالة لضرر السفر.
"وإن كان لسكنى - وهو: مسافة قصر - فالأب أحق" إن كان الطريق آمنا، لأنه الذي يقوم بتأديبه وتخريجه وحفظ نسبه. فإذا لم يكن الولد في بلد الأب ضاع.
"ودونها" أي: دون مسافة القصر.
"فالأم أحق" لأنها أتم شفقة، ولأن مراعاة الأب له ممكنة، ولما
стр. 912
سبق عن أبي بكر، ﵁. وهذا كله إن لم يقصد المسافر به مضارة الآخر، وإلا فالأم أحق، كما ذكره الشيخ تقي الدين وابن القيم.
стр. 913
فصل وإذا بلغ الصبي سبع سنين عاقلا خير بين أبويه:
لحديث أبي هريرة أن النبي، ﷺ ، خير غلاما بين أبيه وأمه رواه سعيد والشافعي. وعنه أيضا جاءت امرأة إلى النبي، ﷺ ، فقالت: يا رسول الله: إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة، وقد نفعني. فقال رسول الله، ﷺ : "هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت". فأخذ بيد أمه، فانطلقت به رواه أبو داود والنسائي. وعن عمر أنه: خير غلاما بين أبيه وأمه رواه سعيد. وعن عمارة الحربي خيرني علي بين أمي وعمي، وكنت ابن سبع أو ثمان ولأن التقديم في الحضانة لحق الولد، فيقدم من هو أشفق. واختياره دليل ذلك. قال في الشرح: ولأنه إجماع الصحابة.
"فإن اختار أباه كان عنده ليلا ونهارا" ليحفظه ويعلمه ويؤدبه.
"ولا يمنع من زيارة أمه، ولا هي من زيارته" لما فيه من الإغراء بالعقوق وقطيعة الرحم.
"وإن اختار أمه كان عندها ليلا" لأنه وقت الانحياز إلى المساكن،
"وعند أبيه نهارا ليعلمه ويؤدبه" لئلا يضيع، ولأن النهار وقت التصرف في الحوائج، وعمل الصنائع.
стр. 914
"وإذا بلغت الأنثى سبعا كانت عند أبيها وجوبا إلى أن تتزوج" لأنه أحفظ لها وأحق بولايتها، ولمقاربتها الصلاحية للتزويج. وإنما تخطب من أبيها، لأنه وليها، وأعلم بالكفء. ولم يرد الشرع بتخييرها. ولا يصح قياسها على الغلام، لأنه لا يحتاج إلى ما تحتاج إليه الأنثى.
"ويمنعها" الأب
"ومن يقوم مقامه من الإنفراد" بنفسها خشية عليها، لأنه لا يؤمن عليها دخول المفسدين. قاله في الكافي.
"ولا تمنع الأم من زيارتها، ولا هي من زيارة أمها إن لم يخف الفساد" وتمنع من الخلوة بها إن خيف أن تفسد قلبها. قاله في الواضح وغيره.
"والمجنون، ولو أنثى عند أمه مطلقا" صغيرا كان أو كبيرا، لحاجته إلى من يخدمه ويقوم بأمره، والنساء أعرف بذلك، وأمه أشفق عليه من غيرها.
"ولا يترك المحضون بيد من لا يصونه ويصلحه" لأن وجوده كعدمه فتنتقل الحضانة عنه إلى من يليه. قال الشيخ تقي الدين: ولو كان الأب عاجزا عن حفظها، أو يهمله لاشتغاله عنه، أو قلة دينه، والأم قائمة بحفظها: قدمت. وكذا إ ذا تركها عند ضرة أمها لا تعمل مصلحتها، بل تؤذيها، وأمها تعمل مصلحتها ولا تؤذيها: فالحضانة هنا للأم قطعا انتهى.
стр. 915
كتاب الجنايات
مدخل
...
كتاب الجنايات:
"وهي: التعدي على البدن بما يوجب قصاصا أو مالا" وأجمعوا على تحريم القتل بغير حق، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ... ﴾ الآية١ وحديث ابن مسعود مرفوعا: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة" متفق عليه. فمن قتل مسلما متعمدا فسق، وأمره إلى الله تعالى، وتوبته مقبولة عند أكثر العلم، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢.
"والقتل ثلاثة أقسام:" عمد، وشبه عمد، وخطأ، هذا تقسيم أكثر أهل العلم، وهو مروي عن عمر وعلي. وأنكر مالك شبه العمد، وجعله من قسم العمد، قال في الشرح: ولنا قوله، ﷺ ، "ألا إن دية الخطإ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا: مائة من الإبل: منها أربعون في بطونها أولادها" رواه أبو داود.
"أحدهما: العمد العدوان، ويختص القصاص به" فلا يثبت في غيره
стр. 916
"أو الدية فالولي مخير" لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية ١ وقال النبي، ﷺ : "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يقتل، وإما أن يفدي" متفق عليه فإن اختار القود فله أخذ الدية والصلح على أكثر منها. قال الموفق: لا أعلم فيه خلافا. وليست هذه الدية هي الواجبة بالقتل بل بدل عن القصاص، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا أخذوا الدية، وهي: ثلاثون حقة وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم، وذلك لتشديد العقل" ٢ رواه الترمذي، وقال: حسن غريب، وروي أن هدبة بن خشرم قتل قتيلا فبذل سعيد بن العاص والحسن والحسين لابن المقتول سبع ديات ليعفو عنه، فأبى ذلك وقتله.
وإن عفا مطلقا فلم يقيد بقصاص، ولا دية فله الدية، لانصراف العفو إلى القصاص دون الدية، لأنه المطلوب الأعظم في باب القود، فتبقى الدية على أصلها.
стр. 917
"وعفوه مجانا أفضل" لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ١ وفي الحديث الصحيح "وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا"
"وهو: أن يقصد الجاني من يعلمه آدميا معصوما فيقتله بما يغلب علي الظن موته به" محددا كان أو غيره، فلا قصاص إن لم يقصد القتل، أو قصده بما لا يقتل غالبا.
"فلو تعمد جماعة قتل واحد قتلوا جميعا إن صلح فعل كل واحد منهم للقتل، وإن جرح واحد منهم جرحا والآخر مائة" لإجماع الصحابة. وروى سعيد بن المسيب عن عمر أنه قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلا، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا وعن علي أنه قتل ثلاثة قتلوا رجلا وعن ابن عباس أنه قتل جماعة قتلوا واحدا ولم يعرف لهم مخالف، فكان إجماعا. ولأن فعل كل واحد لو انفرد لوجب به القصاص، ولأن القتل عقوبة تجب للواحد على الواحد فوجبت له على الجماعة، كحد القذف. ويفارق الدية فإنها تتبعض، والقصاص لا يتبعض. وإن ترتبت الجناية كأن قطع أحدهما يده، ثم ذبحه الآخر فعلى الأول ما على قاطع اليد منفردة، والثاني هو القاتل، لأنه قطع سراية القطع، كما لو اندمل القطع، ثم قتله. وإن كان قطع اليد آخر فالأول هو القاتل، ولا ضمان على قاطع اليد، لأنه صار في حكم الميت، ولا حكم لكلامه في وصيته ولا غيرها. وإن أجافه جائفة يتحقق الموت منها، إلا أن الحياة فيه مستقرة، ثم ذبحه آخر فالقاتل الثاني، لأن حكم الحياة باق، كما لو قتل مريضا مأيوسا منه. ولهذا
стр. 918
أوصى عمر بعد ما أيس منه فقبلت الصحابة عهده، وأجمعوا على قبول وصاياه. وإن ألقى رجلا من شاهق، فتلقاه آخر بسيف فقده قبل وقوعه: فالقصاص عليه، لأنه مباشر للإتلاف، فانقطع حكم المتسبب، كالحافر مع الدافع. قاله في الكافي.
"ومن قطع أو بط سلعة خطوة من مكلف بلا إذنه، أو من غير مكلف بلا إذن وليه فمات فعليه القود" لتعديه بذلك بغير إذنه.
"الثاني: شبه العمد" ويسمى خطأ العمد، وعمد الخطإ لاجتماع الخطأ. والعمد فيه، لأنه عمد الفعل، وأخطأ في القتل. قاله في المغني.
"وهو: أن يقصده بجناية لا تقتل غالبا ولم يجرحه بها" كمن ضرب شخصا في غير مقتل بسوط، أو عصا، أو حجر صغير، أو لكزه بيده، أو صاح بعاقل اغتفله، ونحو ذلك فمات، فلا قود عليه، والدية على العاقلة في قول أكثر أهل العلم. قاله في الشرح، لقوله، ﷺ "ألا إن في قتيل خطإ العمد قتيل السوط والعصا: مائة من الإبل" رواه أبو داود وحديث أبي هريرة اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، وما في بطنها، فقضى النبي، ﷺ ، أن دية جنينها عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها متفق عليه. ويحمل الحجر على الصغير، والعصا على ما دون عمود الفسطاط جمعا بين الأخبار، لأنه ﷺ لما سئل عن المرأة التي ضربت ضرتها بعمود فسطاط فقتلتها وجنينها: قضى في الجنين بغرة، وقضى بالدية على عاقلتها١ رواه أحمد ومسلم. قال
стр. 919
في الشرح: والعاقلة لا تحمل العمد فدل على أنها التي تتخذها العرب لبيوتها وفيها دقه.
"فإن جرحه، ولو جرحا صغيرا قتل به" لأن له مورا وسراية في البدن. وفي البدن مقاتل خفية، أشبه ما لو غرزه في مقتل. قاله في الكافي. ولأن الظاهر موته به.
"الثالث: الخطأ. وهو: أن يفعل ما يجوز له فعله من دق، أو رمي صيد، أو نحوه" كهدف وغرض فيقتل إنسانا.
"أو" رمى من يظنه
"مباح الدم" كحربي ومرتد وزان محصن:
"فيبين آدميا معصوما" لم يقصده بالقتل فيقتله. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن قتل الخطأ أن يرمي شيئا فيصيب غيره. انتهى. وعمد الصغير والمجنون كخطأ المكلف، لأنه لا قصد لهما. قال في الشرح: ولا خلاف أنه لا قصاص على صبي، ومجنون، ومن زال عقله بسبب يعذر فيه.
"ففي القسمين الأخيرين" وهما: شبه العمد والخطأ
"الكفارة على القاتل والدية على عاقلته" لقوله تعالى: ﴿ ... وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ... ﴾ ١ وللأحاديث السابقة. قال في الشرح: ولا قصاص في شيء من هذا، لأن الله لم يذكره.
"ومن قال لإنسان: اقتلني أو اجرحني، فقتله أو جرحه: لم يلزمه شيء"
стр. 920
نص عليه، لإذنه في الجناية عليه، فسقط حقه منها، كما لو أمره بإلقاء متاعه في البحر ففعل.
"وكذا لو دفع لغير مكلف آلة قتل، ولم يأمره به" أي: القتل فقتل بالآلة لم يلزم دافع الآلة شيء، لأنه لم يأمر بالقتل، ولم يباشره.
стр. 921
باب شروط القصاص في النفس:
"وهي أربعة:"
"١- تكليف القاتل" لأن القصاص عقوبة مغلظة، فلا تجب على غير المكلف:
"فلا قصاص على صغير، ومجنون" ونائم، لحديث "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ".
"بل الكفارة في مالهما، والدية على عاقلتهما" كالقاتل خطأ.
"٢- عصمة المقتول" بأن لا يكون مهدر الدم:
"فلا كفارة، ولا دية على قاتل حربي، أو مرتد، أو زان محصن ولو أنه مثله" في عدم العصمة: بأن قتل حربي حربيا أو مرتدا، وزانيا محصنا. وعكسه لوجود الصفة المبيحة لدمه، ويعذر قاتل لافتئاته على ولي الأمر.
"٣- المكافأة: بأن لا يفضل القاتل المقتول حال الجناية بالإسلام، أو الحرية أو الملك، فلا يقتل المسلم ولو عبدا بالكافر ولو حرا" في قول الأكثر. وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ومعاوية،
стр. 922
لحديث: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ولا يقتل مؤمن بكافر" رواه أحمد وأبو داود. وفي لفظ "لا يقتل مسلم بكافر" رواه البخاري وأبو داود. وعن علي من السنة: أن لا يقتل مؤمن بكافر رواه أحمد.
"ولا الحر ولو ذميا بالعبد ولو مسلما" لقوله تعالى: ﴿ ... الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ... ﴾ ١ ولقول علي: من السنة أن لا يقتل حر بعبد رواه أحمد. وعن ابن عباس مرفوعا مثله. رواه الدارقطني. قال في الكافي: وإن قتل ذمي حر عبدا مسلما فعليه قيمته، ويقتل بنقضه العهد.
"ولا المكاتب بعبده" لأنه مالك رقبة، أشبه الحر
"ولو كان ذا رحم محرم له" لأنه ملكه، فلا يقتل به كغيره من عبيده
"ويقتل الحر المسلم، ولو ذكرا بالحر المسلم، ولو أنثى" لقوله تعالى: ﴿ ... وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... ﴾ ١ وقوله: ﴿ ... الْحُرُّ بِالْحُرِّ ... ﴾ ٢ وعن عمرو بن حزم أن النبي، ﷺ كتب إلى أهل اليمن أن الرجل يقتل بالمرأة رواه النسائي. وعن أنس أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: من فعل هذا بك: فلان أو فلان؟ حتى سمي اليهودي، فأومت برأسها، فجيء به فاعترف، فأمر به النبي، ﷺ ، فرض رأسه بحجرين رواه الجماعة.
стр. 923
"والرقيق كذلك" يعني: يقتل الرقيق المسلم ولو ذكرا بالرقيق المسلم ولو أنثى، وإن اختلفت قيمتهما. كما يؤخذ الجميل بالدميم، والشريف بضده، لقوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ١
"وبمن هو أعلى منه" فيقتل الكافر الحر بالمسلم الحر، ويتتل العبد بالحر، والأنثى بالذكر
"والذمي كذلك" فيقتل الذمي الرقيق بالذمي الحر، لأ نه إذا قتل بمثله فبمن هو أعلى منه أولى.
"الرابع: أن يكون المقتول ليس بولد للقاتل" وإن نزل، وسواء في ذلك ولد البنين أو البنات.
"فلا يقتل الأب وإن علا، ولا الأم وإن علت بالولد، ولا ولد الولد وإن سفل" لحديث عمر وابن عباس مرفوعا: "لا يقتل والد بولده" رواهما ابن ماجه. وروى النسائي حديث عمر. قال ابن عبد البر: هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق مستفيض عندهم يستغنى بشهرته وقبوله، والعمل به عن الإسناد حتى يكون الإسناد في مثله تكلفا. وعليه الدية في ماله. نص عليه. وعن عمر، ﵁ أنه أخذ من قتادة المدلجي دية ابنه رواه مالك. ويقتل الولد بكل من الأبوين، لعموم قوله تعالى: ﴿ ... كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ... ﴾ ١ خص منه ما تقدم، وبقي ما عداه.
"ويورث القصاص على قدر الميراث" حتى الزوجين وذي الرحم، لأن القود حق ثبت للوارث على سبيل الإرث، لأنه بدل نفس المقتول، كالدية.
стр. 924
"فمتى ورث القاتل، أو ولده شيئا من القصاص فلا قصاص" لأنه لا يتبعض، ولا يتصور وجوبه للإنسان على نفسه، ولا لولده عليه. فلو قتل زوجته فورثها ولدها منه: سقط القصاص. أو قتل أخاها فورثته، ثم ماتت، فورثها القاتل بالزوجية، أو ورثها ولده: سقط القصاص لذلك. ومن قتل شخصا في داره، وادعى أنه دخل لقتله أو أخذ ماله، أو وجده يفجر بأهله، فأنكر الولي: فعليه القود، لأن الأصل عدم ذلك. قال في المغنى: ولا أعلم فيه مخالفا. وروي عن علي، ﵁ أنه سئل عمن وجد مع امرأته رجلا فقتله. فقال: إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته١، فإن اعترف الولي بذلك فلا قصاص ولا دية، لاعتراف الولي بما يهدر الدم. ولما روي عن عمر أنه كان يوما يتغدى، إذ جاء رجل يعدو وفي يده سيف ملطخ بالدم، ووراءه قوم يعدون خلفه، فجاء حتى جلس مع عمر، فجاء الآخرون، فقالوا: يا أمير المؤمنين إن هذا قتل صاحبنا، فقال له عمر: ما تقول؟ فقال: يا أمير المؤمنين إني ضربت فخذي امرأتي فإن كان بينهما أحد فقد قتلته فقال عمر: ما تقولون؟ قالوا يا أمير المؤمنين إنه ضرب بالسيف فوقع في وسط الرجل وفخذي المرأة فأخذ عمر سيفة فهزه، ثم دفعه إليه، وقال: إن عاد فعد رواه سعيد.
стр. 925
باب شروط استيفاء القصاص
مدخل
...
باب شروط استيفاء القصاص:
"وهي ثلاثة:"
"الأول: تكليف المستحق" أي كونه بالغا عاقلا لأن غيره ليس أهلا للاستيفاء، ولا تدخله النيابة.
"فإن كان صغيرا أو مجنونا حبس الجاني إلى تكليفه" لأن معاوية حبس هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل وكان في عصر الصحابة، ولم ينكر. وبذل الحسن والحسين، وسعيد بن العاص، لابن القتيل سبع ديات فلم يقبلها.
"فإن احتاج إلى نفقة فلولي المجنون فقط العفو إلى الدية" لأن الجنون لا حد له ينتهي إليه عادة، بخلاف الصغير.
"الثاني: اتفاق المستحقين على استيفائه، فلا ينفرد به بعضهم" لأنه يكون مستوفيا لحق غيره بغير إذنه، ولا ولاية له عليه.
"وينتظر قدوم، وتكليف غير المكلف" لأنهم شركاء في القصاص.
"ومن مات من المستحقين فوارثه كهو" لقيامه مقامه، لأنه حق للميت، فانتقل إلى وارثه كسائر حقوقه. وعنه: للكبار استيفاوه، لأن الحسن، ﵁ قتل ابن ملجم، وفي الورثة صغار، فلم ينكر وقيل قتله لكفره وقيل لسعيه في الأرض بالفساد ومتى انفرد به من منع من الإنفراد به عذر فقط، ولا قصاص عليه،
стр. 926
لأنه شريك في الاستحقاق، وعليه لشركائه حقهم من الدية، لإتلافه ما كان مستحقا لشريكه. والوجه الثاني: يجب في تركة القاتل الأول، لأنه قود سقط إلى مال فوجب في تركة القاتل، كما لو قتله أجنبي. ويرجع ورثة القاتل الأول على قاتل موروثهم بدية ما عدا نصيبه. ذكر معناه في الكافي.
"وإن عفا بعضهم، ولو زوجا أو زوجة" سقط القصاص، لأنه لا يتبعض. وأحد الزوجين من جملة الورثة، فيدخل في قوله، ﷺ "فأهله بين خيرتين" وهذا عام في جميع أهله، والزوجة من أهله، بدليل قوله، ﷺ "من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، وما علمت على أهلي إلا خيرا. ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي" - يريد عائشة - وقال له أسامة: أهلك، ولا نعلم إلا خيرا وعن زيد بن وهب أن عمر، ﵁ أتي برجل قتل قتيلا فجاء ورثة المقتول ليقتلوه، فقالت امرأة المقتول - وهي: أخت القاتل -: قد عفوت عن حقي. فقال عمر: الله أكبر، عتق القتيل رواه أبو داود. وروى قتادة أن عمر رفع إليه رجل قتل رجلا، فقال أولاد المقتول، وقد عفا بعضهم، فقال عمر لابن مسعود: ما تقول؟ قال: إنه قد أحرز من القتل، فضرب على كتفه، وقال: كنيف ملئ علما١.
"أو أقر بعفو شريكه سقط القصاص" وكذا لو شهد بعفو شريكه،
стр. 927
لإقراره بسقوط نصيبه. ولمن لم يعف من الورثة حقه من الدية على جان. قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافا. وسواء عفا شريكه مجانا أو إلى الدية، لأنها بدل عما فاته من القصاص. وعن زيد بن وهب أن رجلا دخل على امرأته فوجد عندها رجلا فقتلها، فاستعدى عليه إخوتها عمر، ﵁، فقال بعض إخوتها: قد تصدقت. فقضى لسائرهم بالدية.
"الثالث: أن يؤمن في استيفائه تعديه إلى الغير" أي: غير الجاني لقوله تعالى: ﴿ ... فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ... ﴾ ١
"فلو لزم القصاص حاملا" أو حملت بعد وجوبه:
"لم تقتل حتى تضع" حملها، وتسقيه اللبأ٢. لا نعلم فيه خلافا. قاله في الشرح، لأن تركه يضر الولد، وفي الغالب لا يعيش إلا به. ولابن ماجه عن معاذ بن جبل، وأبي عبيدة، وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس مرفوعا: "إذا قتلت المرأة عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها، وحتى تكفل ولدها" ولقوله، ﷺ ، للغامدية "ارجعي حتى تضعي ما في بطنك"، ثم قال لها: "ارجعي حتى ترضعيه" الحديث، رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
"ثم ان وجد من يرضعه قتلت" لقيامه مقامها في إرضاعه، وتربيته فلا عذر،
"وإلا فلا حتى ترضعه حولين" لما تقدم، ولأنه إذا وجب حفظه، وهو حمل فحفظه، وهو مولود أولى. قاله في لكافي.
стр. 928
فصل ويحرم استيفاء القصاص بلا حضرة سلطان أو نائبه:
لافتقاره إلى اجتهاده، ولا يؤمن فيه الحيف مع قصد التشفي، ويعذر مخالف لافتئاته بفعل ما منع منه.
"ويقع الموقع" لأنه استوفى حقه. وعن أبي هريرة مرفوعا: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه" رواه أحمد ومسلم، وترجم عليه النسائي: جواز الاقتصاص بغير إذن الحاكم. ويعضده حديث عمر السابق. وعن عثمان نحوه. وعن عبادة مرفوعا: "منزل الرجل حريمه فمن دخل على حريمك فاقتله" قاله أحمد.
"ويحرم قتل الجاني بغير السيف، وقطع طرفه بغير السكين، لئلا يحيف" في الاستيفاء، لحديث "لاقود إلا بالسيف" رواه ابن ماجه. ونهى، ﷺ عن المثلة رواه النسائي. ولحديث "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" وعنه: يفعل به كما فعل. اختاره الشيخ تقي الدين، وقال: هذا أشبه بالكتاب والسنة والعدل. انتهى، لقوله تعالى: ﴿ ... وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ... ﴾ ١ وصح أن النبي ﷺ ، أمر باليهودي الذي رض رأس الجارية بحجرين فرض رأسه بحجرين وروي أنه، ﷺ ، قال
стр. 929
"من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه" ولأن القصاص مشعر بالمماثلة فيجب أن يعمل بمقتضاه. قاله في الكافي.
"وإن بطش ولي المقتول بالجاني، فظن أنه قتله، فلم يكن، وداواه أهله حتى برئ: فإن شاء الولي دفع دية فعله وقتله، وإلا تركه" قال في الفروع: هذا رأي عمر وعلي ويعلى بن أمية. ذكره أحمد.
стр. 930
باب شروط القصاص فيما دون النفس:
"من أخذ بغيره في النفس أخد به فيما دونها" لقوله تعالى: ﴿ ... وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... ﴾ الآية١ ولحديث أنس بن النضر وفيه "كتاب الله القصاص" رواه البخاري وغيره.
"ومن لا" يؤخذ بغيره في النفس
"فلا" يؤخذ به فيما دونها بغير خلاف. قاله في الكافي. كالأبوين مع ولدهما، الحر مع العبد، والمسلم مع الكافر، لعدم المكافأة.
"وشروطه أربعة:"
"أحدها: العمد العدوان فلا قصاص في غيره" فلا قصاص في الخطأ إجماعا، لأنه لا يوجب القصاص في النفس وهي الأصل، ففيما دونها أولى، ولا في شبه العمد. والآية مخصوصة بالخطأ، فكذا شبه العمد. وقياسا على النفس.
"الثاني: إمكان الاستيفاء بلا حيف: بأن يكون القطع من مفصل، أو ينتهي إلى حد كمارن الأنف، وهو: ما لان منه" دون قصبته.
стр. 931
"فلا قصاص في جائفة، ولا في قطع القصبة" أي: قصبة الأنف.
"أو قطع بعض ساعده، أو" بعض.
"ساق، أو" بعض.
"عضد، أو" بعض.
"ورك" بغير خلاف، لأنه لا يمكن الاستيفاء منها بلا حيف، بل ربما أخذ أكثر من حقه، أو سرى إلى عضو آخر، أو إلى النفس، فيمنع منه، لما روى ثمران بن حارثة عن أبيه أن رجلا ضرب رجلا على ساعده بالسيف فقطعها من غير مفصل، فاستعدى عليه النبي، ﷺ ، فأمر له النبي، ﷺ ، بالدية، فقال: إني أريد القصاص، قال: "خذ الدية بارك الله لك فيها". ولم يقض له بالقصاص رواه ابن ماجه.
"فإن خالف فاقتص بقدر حقه، ولم يسر: وقع الموقع، ولم يلزمه شيء" لأنه حقه. وإنما منع منه لتوهم الزيادة. قاله في الكافي.
"الثالث: المساواة في الاسم" كالعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، للآية.
"فلا تقطع اليد بالرجل وعكسه" لأن القصاص يقتضي المساواة والاختلاف في الاسم دليل على الاختلاف في المعنى.
"و" المساواة
"في الموضع: فلا تقطع اليمين" من يد، ورجل، وعين، وأذن ونحوها
стр. 932
"بالشمال، وعكسه" لعدم المماثلة، ولأنها جوارح مختلفة المنافع والأماكن، فلم يؤخذ بعضها ببعض. قاله في الكافي.
"الرابع: مراعاة الصحة والكمال، فلا يؤخذ كاملة الأصابع والأظافر بناقصتها" رضي الجاني بذلك أو لا، لأنه أكثر.
"ولا عين صحيحة بقائمة" وهي: التي بياضها وسوادها صافيان غير أن صاحبها لا يبصر بها. قاله الأزهري، لنقص منفعتها فلا تؤخذ بها كاملة المنفعة.
"ولا لسان ناطق بأخرس" لأنه أكثر من حقه.
"ولا صحيح بأشل من يد ورجل وأصبع وذكر" والشلل: فساد العضو، وذهاب حركته، فإذا شل ذهبت منفعته فلا يؤخذ به الصحيح، لزيادته عليه، كعين البصير بعين الأعمى.
"ولا ذكر فحل بذكر خصي" أو عنين، لعدم المماثلة.
"ويؤخذ مارن صحيح بمارن أشل" وهو: الذي لا يجد رائحة شيء لأنه لعلة في الدماغ، والأنف صحيح.
"وأذن صحيحة بأذن شلاء" أي: أذن السميع بأذن الأصم وعكسه لأن الصمم لعلة في الدماغ.
стр. 933
"ويشترط لجواز القصاص في الجروح" زيادة على ما سبق
"انتهاؤها إلى عظم: كجرح العضد والساعد، والفخذ والساق، والقدم، وكالموضحة" في رأس أو وجه، لقوله تعالى: ﴿ ... وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ... ﴾ ١ ولإمكان الاستيفاء بلا حيف، ولا زيادة، لانتهائه إلى عظم، فأشبه الموضحة٢ المتفق على جواز القصاص فيها.
"والهاشمة، والمنقلة، والمأمومة" ٣ لا يجب فيها قصاص، لأن المماثلة غير ممكنة وله أن يقتص عنها موضحة، لأنها بعض حقه في محل جنايته، ويأخذ ما بين ديتها ودية تلك الشجة التي هي أعظم، لتعذر القصاص فيها فينتقل إلى البدل، كما لو تعذر في جميعها. وهو قول ابن حامد. قاله في الكافي. فيأخذ في هاشمة: خمسا من الإبل، وفي منقلة: عشرا، وفي مأمومة: ثمانية وعشرين بعيرا وثلث بعير. واختار أبو بكر: لا يجب الأرش للباقي، لأنه جرح واحد فلم يجمع فيه بين قصاص وأرش، كالشلاء بالصحيحة.
"وسراية القصاص هدر" أي: غير مضمونة، لقول عمر وعلي: من مات من حد أو قصاص لا دية له: الحق قتله رواه سعيد بمعناه.
стр. 934
"وسراية الجناية مضمونة" بقود ودية في النفس، وما دونها بغير خلاف، لحصول التلف بفعل الجاني، أشبه ما لو باشره. وإن اقتص بعد الاندمال، ثم انتقض جرح الجناية فسرى إلى النفس وجب القصاص به، لأنه اقتص بعد جواز الاقتصاص. قاله في الكافي.
"ما لم يقتص ربها قبل برئه: فهدر أيضا" لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رجلا طعن بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي ﷺ ، فقال: أقدني، قال: "حتى تبرأ"، ثم جاء إليه، فقال: أقدني، فأقاده، ثم جاء إليه، فقال: يا رسول الله: عرجت، فقال: "قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله، وبطل عرجك". ثم نهى رسول الله، ﷺ ، أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه". رواه أحمد والدارقطني. ولأنه باقتصاصه قبل الاندمال استعجل ما ليس له استعجاله فبطل حقه، كقاتل مورثه.
стр. 935
كتاب الديات
مدخل
مدخل
...
كتاب الديات:
أجمعوا على وجوب الدية في الجملة، لقوله تعالى: ﴿ ... وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ... ﴾ ١ وحديث النسائي ومالك في الموطأ أنه، ﷺ ، كتب لعمرو بن حزم كتابا إلى أهل اليمن فيه: الفرائض، والسنن، والديات، وقال فيه: "وفي النفس مائة من الإبل" قال ابن عبد البر: وهو كتاب مشهور عند أهل السير، وهو معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بها عن الإسناد، لأنه أشبه المتواتر في مجيئه في أحاديث كثيرة.
"من أتلف إنسانا أو جزءا منه بمباشرة أو سبب: إن كان عمدا فالدية في ماله، وإن كان غير عمد فعلى عاقلته" قال في الشرح: أجمعوا على أن دية العمد في مال القاتل، وإن كان شبه عمد أو خطأ أو ما جرى مجراه فعلى العاقلة. انتهى. وقال ابن المنذر: أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم أن دية الخطأ على العاقلة. وعن أبي هريرة اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، وما في بطنها، فقضى رسول الله ﷺ ، بدية المرأة على عاقلتها متفق عليه.
"ومن حفر تعديا بئرا قصيرة، فعمقها آخر: فضمان تالف" بسقوطه فيها
стр. 936
"بينهما" لحصول السبب منهما.
"وإن وضع ثالث سكينا" فوقع فيها شخص على السكين فمات.
"فـ" على عواقل الثلاثة الدية
"أثلاثا" نص عليه، لأنهم تسببوا في قتله.
"وإن وضع واحد حجرا تعديا، فعثر فيه إنسان، فوقع في البئر: فالضمان على واضع الحجر، كالدافع" لأنه مباشرة، ولأن الحافر لم يقصد بذلك القتل المعين عادة.
"وإن تجاذب حران مكلفان حبلا، فانقطع، فسقطا ميتين: فعلى عاقلة كل دية الآخر" لتسبب كل منهما في قتل الآخر.
"وإن اصطدما فكذلك" روي ذلك عن علي، ﵁، لموت كل منهما من صدمة صاحبه، وهي خطأ. وإن اصطدمت امرأتان حاملان فحكمهما في أنفسهما ما ذكرنا، وعلى كل واحدة منهما نصف ضمان جنينها، ونصف ضمان جنين الأخرى، لاشتراكهما في قتله وعلى كل منهما عتق ثلاث رقاب: واحدة لقتل صاحبتها، واثنتان لمشاركتها في الجنين.
"ومن أركب صغيرين لا ولاية له على واحد منهما، فاصطدما، فماتا: فديتهما من ماله" لتلفهما بسبب جنايته، لأنه متعد بذلك. وإن ركبا بأنفسهما، أو أركبهما ولي المصلحة فاصطدما: فهما كالبالغين المخطئين، على عاقلة كل منهما دية الآخر، وعلى كل منهما ما تلف من مال الآخر.
"ومن أرسل صغيرا" لا ولاية له عليه
"لحاجة، فأتلف نفسا أو مالا: فالضمان على مرسله" لأنه خطأ منه.
стр. 937
"ومن ألقى حجرا أو عدلا مملوءا بسفينة فغرقت ضمن جميع ما فيها" لحصول التلف بسبب فعله، كما لو حرقها. وإن رمى ثلاثة بمنجنيق، فقتل الحجر رابعا من غير قصد: فعلى عواقلهم ديته أثلاثا، لأنه خطأ. وإن قتل أحدهم سقط فعل نفسه، وما يترتب عليه، لمشاركته في إتلاف نفسه. روي نحوه عن علي، ﵁، في مسألة القارصة والقامصة والواقصة١. قال الشعبي وذلك أن ثلاث جوار اجتمعن، فركبت إحداهن على عنق الأخرى، وقرصت الثالثة المركوبة، فقمصت فسقطت الراكبة، فوقصت عنقها، فماتت، فرفعت إلى علي فقضى بالدية أثلاثا على عواقلهن، وألقى الثلث الذي قابل فعل الواقصة، لأنها أعانت على نفسها وقيل: يلزم شركاءه جميع ديته، ويلغى فعل نفسه قياسا على المصطدمين. قاله في الكافي وإن زادوا على ثلاثة، وقتل الحجر آخر غيرهم: فالدية في أموالهم حالة، لأن العاقلة لا تحمل ما دون ثلث الدية.
"ومن اضطر إلى طعام غير مضطر أو شرابه" وطلبه،
"فمنعه حتى مات" المضطر: ضمنه. نص عليه، لأن عمر، ﵁ قضى بذلك لأنه قتله بمنعه طعاما يجب دفعه إليه تبقى حياته به فنسب هلاكه إليه.
"أو أخذ طعام غيره او شرابه وهو عاجز" عن دفعه، فتلف: ضمنه.
стр. 938
"أو أخذ دابته أو ما يدفع به عن نفسه من سبع ونحوه" كنمر وحية،
"فأهلكه" ذلك الصائل عليه:
"ضمنه" الآخذ، لتسببه في هلاكه. قال في المغني: وظاهر كلام أحمد: أن الدية في ماله، لأنه تعمد هذا الفعل الذي يقتل مثله غالبا. وقال القاضي: تكون على عاقلته، لأنه لا يوجب القصاص، فهو شبه عمد
"وإن ماتت حامل، أو حملها من ريح طعام: ضمن ربه إن علم ذلك من عادتها" أي: أن الحامل تموت من ذلك، وأنها هناك، لتسببه فيه. قال في الكافي: وإذا تجارح رجلان، وزعم كل واحد منهما أنه جرح الآخر دفعا عن نفسه، ولا بينة وجب على كل واحد منهما ضمان صاحبه، لأن الجرح قد وجد، وما يدعيه من القصد لم يثبت، فوجب الضمان، والقول قول كل واحد منهما مع يمينه في نفي القصاص، لأن ما يدعيه يحتمل، فيدرأ عنه القصاص، لأنه يندرئ بالشبهات. انتهى.
стр. 939
فصل وإن تلف واقع على نائم غير متعد بنومه فهدر:
لأن النائم لم يجن، ولم يتعد.
"وإن تلف النائم فغير هدر" فمع قصد شبه عمد، وبدونه خطأ، وفي كل منهما الكفارة في مال جان، والدية على عاقلته، لحصول التلف منه.
"وإن سلم بالغ عاقل نفسه، أو ولده إلى سابح حاذق ليعلمه فغرق" لم يضمنه المعلم حيث لم يفرط، لفعله ما أذن فيه.
"أو أمر مكلفا ينزل بئرا، أو يصعد شجرة فهلك" به: لم يضمنه
стр. 940
الآمر، لأنه لم يجن عليه، ولم يتعد، أشبه ما لو أذن له ولم يأمره. وإن أمر غير مكلف ضمنه، لأنه تسبب في إتلافه.
"أو تلف أجير لحفر بئر أو بناء حائط بهدم ونحوه" لم يضمنه، أقبضه أجره أو لا، لما تقدم.
"أو أمكنه إنجاء نفس من هلكة فلم يفعل" لم يضمنه، لأنه لم يهلكه، ولم يتسبب في هلاكه، كما لو لم يعلم به.
"أو أدب ولده وزوجته في نشوز" أو أدب معلم صبيه
"أو أدب سلطان رعيته ولم يسرف" أي: يزد على الضرب المعتاد فيه لا في العدد، ولا في الشدة.
"فهدر في الجميع" نص عليه، لفعله ما له فعله شرعا بلا تعد، أشبه سراية القود والحد.
"وإن أسرف أو زاد على ما يحصل به المقصود" فتلف بسببه ضمنه، لتعديه بالإسراف.
"أو ضرب من لا عقل له من صبي أو غيره" كمجنون ومعتوه فتلف:
"ضمن" لأن الشرع لم يأذن في تأديب من لا عقل له، لأنه لا فائدة في ذلك.
ومن أسقطت جنينها بسبب طلب سلطان أو تهديده، أو ماتت أو ذهب عقلها: وجب الضمان، لما روي أن عمر بعث إلى امرأة مغيبة كان رجل يدخل عليها، فقالت: يا ويلها ما لها ولعمر: فبينما هي في الطريق إذ فزعت، فضربها الطلق، فألقت ولدا، فصاح الصبي صيحتين، ثم مات، فاستشار عمر أصحاب النبي، ﷺ ، فأشار
стр. 941
بعضهم أن ليس عليك شيء، إنما أنت وال ومؤدب، وصمت علي فأقبل عليه عمر، فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، إن ديته عليك، لأنك أفزعتها فألقته، فقال عمر: أقسمت عليك لا تبرح حتى تقسمها على قومك ومثله لو استعدى رجل بالشرطة حاكما عليها فأسقطت أو ماتت أو ذهب عقلها، فإنه يضمن ما كان بسبب استعدائه. نص عليه.
"ومن نام على سقف، فهوى به لم يضمن ما تلف بسقوطه" لأنه ليس من فعله.
ومن أتلف نفسه، أو طرفه فهدر لما روي أن عامر بن الأكوع يوم خيبر رجع سيفه عليه فقتله، ولم ينقل أنه، ﷺ ، قضى فيه بدية ولا غيرها ولو وجبت لبينها النبي، ﷺ ، ولنقل نقلا ظاهرا، ولا يقتضي النظر أن تكون جنايته على نفسه مضمونة على غيره. وعنه: ديته على عاقلته لورثته، ودية طرفه على عاقلته لنفسه، لما روي أن رجلا ساق حمارا بعصا كانت معه، فطارت منها شظية، فأصابت عينه ففقأتها، فجعل عمر ديته على عاقلته، وقال: هي يد من أيدي المسلمين لم يصبها اعتداء. ولأنها جناية خطأ، فأشبهت جنايته على غيره. قاله في الكافي.
стр. 942
فصل في مقادير ديات النفس:
"دية الحر المسلم طفلا كان أو كبيرا مائة بعير" لا خلاف في ذلك، لما روى مالك والنسائي أن في كتاب عمرو بن حزم وفي النفس مائة من الإبل.
"أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف مثقال ذهبا، أو اثنا عشر ألف درهم" فضة قال القاضي: لا يختلف المذهب أن أصول الدية: الإبل، والذهب، والورق، والبقر، والغنم، لما روى عطاء عن جابر قال: فرض رسول الله، ﷺ ، في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة رواه أبو داود. وعن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا من بني عدي قتل، فجعل النبي، ﷺ ديته اثني عشر ألف درهم رواه أبو داود. وفي كتاب عمرو بن حزم وعلى أهل الذهب ألف دينار وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عمر قام خطيبا، فقال: إن الإبل قد غلت. قال: فقوم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة رواه أبو داود. وهذا كان بمحضر الصحابة، فكان إجماعا، قاله في الكافي. فإذا أحضر من وجبت عليه دية أحدها لزم الولي قبوله، وتعتبر السلامة من العيوب في هذه الأنواع، لأن الإطلاق يقتضي السلامة. ولا يعتبر أن تبلغ
стр. 943
قيمتها دية نقد في ظاهر كلام الخرقي، لعموم حديث "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" وقول عمر، ﵁ إن الإبل قد غلت. إلخ دليل على أنها في حال رخصها أقل قيمة من ذلك. وعنه: يعتبر أن تكون قيمة كل بعير مائة وعشرين درهما، لأن عمر قومها باثني عشر ألف درهم، قاله في الكافي.
"ودية الحرة المسلمة على النصف من ذلك" روي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وزيد وابن عمر وابن عباس، ولا مخالف لهم، وحكاه ابن المنذر، وابن عبد البر إجماعا. وفي كتاب عمرو بن حزم: دية المرأة على النصف من دية الرجل وهو مخصص، للخبر السابق.
"ودية الكتابي الحر كدية الحرة المسلمة، ودية الكتابية على النصف من ذلك" لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "دية المعاهد نصف دية المسلم" وفي لفظ أن النبي، ﷺ ، قضى بأن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين رواه أحمد. قال الخطابي: ليس في دية أهل الكتاب شيء أبين من هذا، ولا بأس بإسناده. وفي كتاب عمرو بن حزم: "دية المرأة على النصف من دية الرجل، وكذا جراح الكتابي على نصف جراح المسلم".
"ودية المجوسي الحر ثمانمائة درهم" كسائر المشركين. روي عن عمر وعثمان وابن مسعود في المجوسي، ولا مخالف لهم في عصرهم. وألحق به سائر المشركين، لأنهم دونه. وأما قوله، ﷺ "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" فالمراد في حقن دمائهم، وأخذ الجزية منهم، ولذلك لا تحل مناكحتهم، ولا ذبائحهم. وجراح من ذكر
стр. 944
وأطرافه بالنسبة إلى ديته. نص عليه كما أن جراح المسلم وأطرافه بالحساب من ديته.
"والمجوسية على النصف" لما تقدم. قال في الشرح: ودية أنثاهم - يعني: الكفار - كنصف دية ذكرهم. لا نعلم فيه خلافا. وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل.
"ويستوي الذكر والأنثى فيما يوجب دون ثلث الدية" لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها" رواه النسائي والدارقطني. فإذا زادت صارت على النصف. روي هذا عن عمر وابنه وزيد بن ثابت، ﵃.
"فلو قطع ثلاث أصابع حرة مسلمة لزمه ثلاثون بعيرا، فلو قطع رابعة قبل برء ردت إلى عشرين" قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: قلت لسعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل قلت: فكم في إصبعين؟ قال عشرون. قلت: ففي ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون. قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون. قال: فقلت: لما عظم جرحها، واشتدت مصيبتها نقص عقلها! ؟ قال سعيد: أعراقي أنت قلت: بل عالم متثبت، أو جاهل متعلم. قال: هي السنة يا بن أخي رواه مالك في الموطأ عنه، وسعيد بن منصور في سننه. وهذا يقتضي سنة رسول الله، ﷺ . وأما ما يوجب الثلث فما فوق: فهي فيه على النصف من الذكر، لما سبق، ولقوله في الحديث: "حتى يبلغ الثلث" وحتى للغاية، فيجب أن يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها، ولأن الثلث في حد الكثرة، لحديث "والثلث كثير" ولذلك حملته العاقلة.
стр. 945
"وتغلظ دية قتل خطأ في كل من حرم مكة، وإحرام، وشهر حرام بالثلث" نص عليه في رواية الجماعة، وهو من المفردات. ولا تغلظ لرحم محرم، خلافا لأبي بكر.
"ففي اجتماع الثلاثة يجب ديتان" واحدة للقتل، وواحدة لتكرر التغليظ ثلاث مرات، لما روى ابن أبي نجيح أن امرأة وطئت في الطواف، فقضى عثمان فيها بستة آلاف وألفين تغليظا للحرم وعن ابن عمر أنه قال: من قتل في الحرم، أو ذا رحم، أو في الشهر الحرام فعليه دية وثلث وعن ابن عباس أن رجلا قتل رجلا في الشهر الحرام، وفي البلد الحرام، فقال: ديته اثنا عشر ألفا، وللشهر الحرام أربعة آلاف، وللبلد الحرام أربعة آلاف ولم يظهر خلاف هذا، فكان إجماعا. قاله في الكافي.
وقال في الشرح: وظاهر كلام الخرقي: أن الدية لا تغلظ ب شيء من ذلك، وهو ظاهر الآية والأخبار. انتهى. أي: أنها عامة في كل قتيل، مطلقة في الأمكنة والأزمنة والقرابة. وقد قتلت خزاعة قتيلا من هذيل بمكة، فقال النبي، ﷺ . ".. وأنتم يا خزاعة: قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله" الحديث. ولم يذكر زيادة على الدية.
"وإن قتل مسلم كافرا" ذميا أو معاهدا
"عمدا: أضعف ديته" لإزالة القود قضى به عثمان، رضى الله عنه رواه أحمد. عن ابن عمر أن رجلا قتل رجلا من أهل الذمة فرفع إلى عثمان فلم يقتله، وغلظ عليه الدية ألف دينار فذهب إليه أحمد. وظاهره: لا إضعاف في جراحه.
стр. 946
"ودية الرقيق: قيمته، قلت أو كثرت" لأنه مال متقوم فضمن بكمال قيمته، كالفرس. وفي جراحه إن قدر من حر بقسطه من قيمته، لأن ذلك يروى عن علي، ﵁. وعنه: تضمن جناية عليه بما نقص من قيمته سواء كانت مقدرة من الحر أو لم تكن، لأن ضمانه ضمان الأموال، فيجب فيه ما نقص كالبهائم. ذكره في الكافي.
стр. 947
فصل ومن جنى على حامل فألقت جنينا
"حرا مسلما، ذكرا كان أو أنثى" ميتا
"فديته: غرة. قيمتها: عشر دية أمه، وهي: خمس من الإبل. والغرة: هي عبد أو أمة" لحديث أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله، ﷺ ، فقضى أن دية جنينها عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معه متفق عليه. وعن عمر أنه استشار الناس في إملاص المرأة١، فقال المغيرة بن شعبة: شهدت رسول الله، ﷺ ، قضى فيه بغرة: عبد أو أمة، قال: لتأتين بمن يشهد معك، فشهد له محمد بن مسلمة متفق عليه. وروي عن عمر وزيد أنهما قالا في الغرة: قيمتها خمس من الإبل ولأنه أقل مقدر في الشرع في الجنايات، وهو: دية السن، والموضحة. قاله في الكافي. وإن شربت الحامل دواء، فألقت جنينا: فعليها غرة، لا ترث منها بغير خلاف. قاله في الشرح.
стр. 948
"وتتعدد الغرة بتعدد الجنين" فإن ألقت جنينين فعليها غرتان، أشبه ما لو كانا من امرأتين.
"ودية الجنين الرقيق: عشر قيمة أمه" كما لو جنى عليها موضحة.
"وقيمة الجنين المحكوم بكفره: غرة. قيمتها: عشر دية أمه" قياسا على جنين الحرة، فإن كان من كتابيين فقيمتها: ثلاثمائة درهم، وإن كان من مشركين فقيمتها: أربعون درهما.
"وإن ألقت الجنين حيا لوقت يعيش لمثله، وهو: نصف سنة فصاعدا" ثم مات:
"ففيه ما في الحي، فإن كان حرا ففيه دية كاملة" قال ابن المنذر: أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم على أن في الجنين يسقط حيا من الضرب الدية كاملة. ولأنا تيقنا موته بالجناية، فأشبه غير الجنين، ولما تقدم عن عمر في التي أجهضت١ جنينها فزعا منه.
"وإن كان رقيقا فقيمته" لأن قيمة العبد بمنزلة دية الحر.
"وإن اختلفا في خروجه حيا أو ميتا" ولا بينة لواحد منهما:
"فقول الجاني" بيمينه، لأنه منكر لما زاد عن الغرة، والأصل براءته منه. وإن أقاما بينتين بذلك قدمت بينة الأم.
"ويجب في الجنين الدابة ما نقص من قيمة أمه" نص عليه. كقطع بعض أجزائها، قال في القواعد: وقياسه جنين الصيد في الحرم والإحرام.
стр. 949
فصل في دية الأعضاء:
"من أتلف ما في الإنسان منه واحد: كالأنف واللسان والذكر، ففيه دية" تلك النفس التي قطع منها
"كاملة" نص عليه، لحديث عمرو بن حزم مرفوعا: "وفي الذكر الدية، وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية، وفي اللسان الدية" رواه أحمد والنسائي واللفظ له.
"ومن أتلف ما في الإنسان منه شيئان، كاليدين، والرجلين، والعينين، والأذنين، والحاجبين، والثديين، والخصيتين ففيه" أي: في إتلافهما:
"الدية، وفي أحدهما: نصفها" نص عليه، وكذا الشفتان. وروي عن زيد في الشفة السفلى: ثلثا الدية، وفي العليا: ثلثها، لعظم نفع السفلى، لأنها التي تدور وتتحرك، وتحفظ الريق. وهو معارض لقول أبي بكر وعلي ولحديث عمرو بن حزم مرفوعا، وفيه. ".. وفي الشفتين: الدية، وفي البيضتين: الدية، وفي الذكر: الدية، وفي الصلب: الدية، وفي العينين: الدية، وفي الرجل الواحدة: نصف الدية" الحديث. وروى مالك في الموطأ أن رسول الله، ﷺ ، قال: "وفي العين خمسون من الإبل" وفي عين الأعور دية كاملة، لأنه يروى عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر أنهم قضوا بذلك ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعا، ولأنه يحصل بها ما يحصل من العينين، فكانت مثلهما في الدية.
стр. 950
"وفي الأجفان الأربعة: الدية" لأن فيها جمالا كاملا ونفعا كثيرا، لأنها تقي العينين ما يؤذيهما من الحر والبرد. وسواء في هذا البصير والأعمى، لأن العمى عيب في غيرها.
"وفي أحدها: ربعها" لأنه ربع ما فيه الدية.
"وفي أصابع اليدين: الدية، وفي أحدها عشرها، وفي الأنملة إن كانت من إبهام" يد أو رجل:
"نصف عشر الدية" لأن في الإبهام مفصلين، ففي كل مفصل: نصف عقل الإبهام.
"وإن كانت من غيره فثلث عشرها" لأن فيه ثلاث مفاصل فتوزع دية الأصبع عليها.
"وكذا أصابع الرجلين " لحديث ابن عباس مرفوعا: "دية أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل لكل أصبع" صححه الترمذي. وعن أبي موسى مرفوعا نحوه. رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وفي حديث عمرو بن حزم مرفوعا: "وفي أصبع من أصابع اليد والرجل: عشر من الإبل" وفي ظفر لم يعد، أو عاد أسود: خمس دية الأصبع. نص عليه وروي عن ابن عباس، ولم يعرف له مخالف من الصحابة. ذكره ابن المنذر.
"وفي السن: خمس من الإبل" روي عن عمر وابن عباس. وكذا الناب والضرس وفي حديث عمرو بن حزم مرفوعا: "وفي السن: خمس من الإبل" رواه النسائي. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا "في الأسنان خمس خمس" رواه أبو داود. وهو عام