لقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾، وهذا عام في كل الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١]، وهل يكون العلماء الذين هم ورثة الأنبياء شهداء؟
الجواب: نعم، فإن العلماء يشهدون على الأمم ببلوغ الرسالة إليهم، ويشهدون للرسل بأنهم بلغوا، ولهذا كان العلماء ورثة الأنبياء.
٦ - أن الناس يوم القيامة يتكلمون، ويستشهدون، ويناجون؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦].
* * *
* قال الله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].
﴿فَبِظُلْمٍ﴾ الفاء عاطفة على ما سبق، والباء هنا للسببية، والظلمُ في الأصل النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣)﴾ [الكهف: ٣٣] وأما في الشرع فهو التعدي، سواء كان بترك واجب أو بفعل محرم.
وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني بهم: قوم موسى، حين قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي: رجعنا، ومع رجوعهم والتزامهم بالرجوع إلى الله ظلموا أنفسهم.
стр. 1017
قوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ هذا الفعل هو العامل في قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ يعني: الجار والمجرور في قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ متعلق بقوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾، والتحريم في اللغة المنع، ومنه حريم البئر، وهو: ما حولها، فيمنع من إحيائه، ومنه سمي النساء حريمًا، لاحتجابهن والمنع من التعدي عليهن.
وقوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، ﴿طَيِّبَاتٍ﴾ أي: أطعمة طيبات، فهي صفة لموصوف محذوف، والطيب ضد الخبيث، والخبيث له إطلاقات متعددة، تارةً يراد به الشيء النجس، وتارةً يراد به الرديء، وتارة يراد به المحرم مطلقًا.
قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ أي: كانت في الأول حلالًا، وهي باقية على طيبها، لكن حرمت عليهم بسبب ظلمهم.
وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ المُحِل هو الله ؛ لأنه هو الذي بيده الأمر.
قوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وَبِصَدِّهِمْ﴾ الواو حرف عطف، وصدّ: مصدر يحتمل أن يكون من الفعل المتعدي، ويحتمل أن يكون من الفعل اللازم، وذلك لأن صدَّ تكون فعلًا لازمًا، وتكون متعدية، فيقال: "صد الرجل عن كذا" بمعنى أعرض، "وصد غيره عن كذا" بمعنى صرفه عنه، وهنا يجوز فيها الأمران، فهم قد صدوا أنفسهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ وصدوا غيرهم أيضًا بما عندهم من الكتاب الذي يشبهون به، ويموهون به على الناس، ويقولون: إن محمدًا ﷺ ليس هو المبعوث المنتظر أو ما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المراد بسبيل الله شرعه الذي
стр. 1018
شرعه الله لعباده، وسمي سبيل الله؛ لأنه طريق موصل إلى الله ؛ ولأن الله تعالى هو الذي وضعه للعباد، ولم يشرعه أحد سواه، فأضيف إلى الله تعالى باعتبارين: الإعتبار الأول: أنه موصل إليه، كما تقول: هذا طريق المدينة، وهذا طريق مكة، والثاني: أن الله هو الذي وضعه للعباد وشرعه لهم، مع أنه يضاف أحيانًا للسالكين؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] فهنا أضاف السبيل إلى المؤمنين باعتبار أنهم سالكوه، وعلى هذا فإذا أضيف السبيل إلى الله كان باعتبارين، وإذا أضيف إلى العباد صار باعتبار واحد.
وقوله: ﴿كَثِيرًا﴾ يختلف إعرابها باختلاف كلمة صدّ، فإن كانت لازمة فهي صفة لمصدر محذوف؛ أي: "صدودًا كثيرًا" وإن كانت متعدية فهي مفعول لصدّ، وإن شئت قلت: صفة لمفعول صدّ المحذوف؛ أي: "خلقًا كثيرًا"، وهم في الواقع جديرون بالوصفين فأنهم صدوا بأنفسهم، وصدوا غيرهم.
قوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ هذا الوصف الثالث ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾ ولم يقل أكلهم؛ لأن الأخذ أعم، فقد يأخذ إنسان الربا ولا يأكله، فيستعمله في لباس أو في بناء أو ما أشبه ذلك، وقد يأخذه للأكل، فتارةً يعبر بالأكل؛ كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وتارةً يعبر بالأخذ وهو أعم، لكن التعبير بالأكل أشد؛ لأن ممارسة الآكل للربا أشد من ممارسة غير الآكل، إذ أن الآخذ يستعمل الربا، وقد يفيده في أمور أخرى غير الأكل.
стр. 1019
وقوله: ﴿الرِّبَا﴾ لغة: الزيادة، وفي الشرع: الزيادة في أشياء معينة، بيَّنها النبي ﷺ في ستة أشياء: الذهب، والفضة، والشعير، والتمر، والبر، والملح، ودليلها قوله ﷺ : "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر وبالبر، والملح بالملح، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر مثلًا بمثل سواء بسواء" (١) أما إلحاق غير الستة بها فقد اختلف العلماء في ذلك:
أما أهل الظاهر فقالوا: لا يلحق بها غيرها؛ لأنهم يمنعون القياس، وأما القياسيون فاختلفوا، فمنهم من قال: لا يلحق بها غيرها، بل يقتصر على ما جاء به النص، كابن عقيل الحنبلي ﵀، حيث قال: يقتصر على ما جاء به النص، مع أنه من أهل القياس والمعاني، لكنه قال: إن العلماء اختلفوا في العلة واضطربوا، وليس هناك نص بيِّن يجب المصير إليه، فإذا اختلفوا فهو كاختلاف المأمومين على الإمام في الزيادة أو النقص في الصلاة، والمعروف أنه إذا اختلف المأمومون على الإمام في الزيادة أو النقص سقطت أقوالهم، ولم يؤخذ بقول الزيادة ولا بقول النقص، فيقول: لما اختلف العلماء ﵏ في علة الربا في هذه الأشياء الستة بطلت العلة، ورجعنا إلى القول بأنه يقتصر على ما جاء به النص.
والقول الثاني عند أصحاب القياس: أن العلة معقولة، ويمكن أن يلحق بهذه الأشياء الستة ما كان مثلها، ثم اختلفوا في المماثلة، هل هي الطعم، أو الكيل، أو الكيل والإدخار؟ ولهذا
стр. 1020
كانت أقوال العلماء في هذه المسألة مضطربة لا تكاد تأتي على شيء تطمئن إليه كثيرًا.
وعلى كل حال نحن نقول: الربا حرمه الله ورسوله، سواء كان ذلك عن طريق الأثر أو عن طريق النظر والقياس.
قوله: ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾، ﴿وَقَدْ﴾ الواو هنا للحال، يعني: والحال أنهم ﴿قَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ وبلغوا، وقامت عليهم الحجة، لكنهم أخذوه، والناهي عنه هو الله ورسله.
الوصف الرابع: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يعني أنهم استولوا على أموال الناس، فالمراد بالأكل هنا الإستيلاء سواء استولوا فأكلوه، أو لبسوه أو عمَّروا، أو فعلوا أي شيء.
وقوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾، "الْبَاطِلِ" كل ما خالف الشرع فهو باطل، سواء أخذوه عن طريق الغش، أو عن طريق الكذب، أو عن طريق الجهل بالمبيعات، أو عن طريق كتم الحق، أو ادعاء ما ليس لهم، المهم أن المراد ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ كل ما أخذ بغير حق.
وقوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يحتمل أن تكون معطوفة على ما سبق، ويكون العامل هو ﴿حَرَّمْنَا﴾ يعني: وحرمنا عليهم طيبات أحلت لهم بصدهم عن سبيل الله كثيرًا وأخذهم الربا ... إلخ، ويحتمل أن العامل محذوف، والتقدير: وعذبناهم بصدهم عن سبيل الله كثيرًا، وأخذهم الربا وقد نهوا عنه، ويدل عليه قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
يخبر الله في هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء اليهود الذين ظلموا أنفسهم، حرم الله عليهم بعض الطيبات لا كل الطيبات،
стр. 1021
بدليل قوله: ﴿طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ وهي نكرة لا تفيد العموم، بدليل الإطلاق، فما الذي حرم عليهم؟
الجواب: قال الله تعالى مبينًا ذلك في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] فحرم الله عليهم من أجناس الحيوان ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ والمراد بكل ذي ظفر: كل ما رجلاه، أو قدماه غير مشقوقة، يعني: الذي لم تشق رجله يسمى: ذا الظفر، مثل الإبل، والنعام، وما أشبه ذلك، يعني: الذي ليس له أصابع ولا شقت قدمه يسمى: ذا الظفر، وعلى هذا فالإبل محرمة على بني إسرائيل.
قوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ يعني: أنهم كانوا صادين عن سبيل الله وصادين لغيرهم أيضًا، فهم مستكبرون ومجرمون؛ مستكبرون عن طاعة الله بصدهم لأنفسهم، ومجرمون حيثُ اعتدوا على غيرهم، وصدوهم عن سبيل الله.
قوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾ يعني: أخذهم إياه أكلًا واستعمالًا وانتفاعًا.
قوله: ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ وهذا أشد في الإثم والتحريم؛ لأنهم قد قامت عليهم الحجة.
وكذلك أيضًا وصفهم بأنهم يأكلون أموال الناس بالباطل، ومن ذلك الرشوة، فقد كانوا آكالين للسحت والرشوة في الحكم، يعني: أنهم يرشون الحكام ليحكموا لهم بما لم ينزل به الله شرعًا، ثم بين الله أنه أعد للكافرين منهم عذابا أليما،
стр. 1022
وهنا نجد الإظهار في موضع الإضمار، حيث لم يقل "وأعتدنا لهم" بل قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وقد سبق أن للإظهار في موضع الإضمار فوائد، وهي: الإشارة إلى علة الحكم، والإشارة إلى عموم الحكم لكل من اتصف بهذا الوصف، والتسجيل عليهم بما يقتضيه هذا الوصف؛ أي: أنهم بذلك صاروا كفارًا، لكن هنا لا يستقيم هذا المعنى؛ لأنه قال: ﴿لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ﴾ فجعلهم قسمين: قسم كافر، وقسم غير كافر، أيضًا تنبيه للمخاطب؛ لأن الكلام إذا خرج عن الأسلوب فإنه لا بد أن ينتبه الإنسان، ومن ذلك الإلتفات من الخطاب إلى الغيبة أو العكس، فهذا يقتضي انتباه المخاطب، وهو أسلوب من أساليب العربية.
وبيَّن الله أن هذا العذاب الذي أعدهُ لهم أليم؛ أي: مؤلم، وفعيل تأتي بمعنى مُفعل، ومنه قول الشاعر:
أمن ريحانة الداعي السميعُ ... يؤرقني وأصحابي هجوع
معنى السميع هنا: المسمع.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
١ - إثبات الأسباب، وأن الله تعالى قد يشرع الشيء لسبب، لقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، ومن ذلك أن الله شدد على بني إسرائيل الذين أمروا بذبح البقرة حين قال لهم نبيهم موسى ﵊: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] فلو أنهم ذبحوا أي بقرة كانت لأجزأهم، وحصل بذلك المقصود، لكنهم شددوا فشدد الله عليهم.
стр. 1023
وإثبات الأسباب انقسم الناس فيه إلى طرفين ووسط: منهم من أنكر الأسباب مطلقًا، وقال: إثبات الأسباب يقتضي إثبات خالق مع الله، ومنهم من أثبت الأسباب على أنها فاعلة بطبيعتها، ومنهم من أثبت الأسباب على أنها فاعلة بما أودع الله فيها من القوى الموجبة للمسببات، وهذا القول هو القول الوسط الذي دل عليه المنقول والمعقول، فأي دعوى لخالق مع الله، إذا قال: إن الله خلق هذا الشيء ليكون سببًا للشيء الفلاني؟ وأي دعوى تصح لإنكار تأثير الأسباب في مسبباتها، وكل يعرف أن الأسباب مؤثرة في مسبباتها، ولهذا هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فأثبتوا أن الذي خلق الأسباب وأوجدها هو الله .
ولذلك قد تتخلف المسببات بإذن الله، كما تخلف إحراق النار لإبراهيم ﵊، مع أنها نار عظيمة محرقة، حتى قيل: إنهم لم يستطيعوا أن يقربوا منها، بل رموه إليها بالمنجنيق من بعد، ومع ذلك صارت عليه بردًا وسلامًا، وهذا يدل على أن السبب ليس يؤثر بنفسه، بل بإرادة الله ، وأيضًا من حكمة الله أن جعل لكل شيء سببًا.
٢ - أن الظلم سبب لحرمان الخير، وهذا لقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، والظلم سبب لحرمان الخير الشرعي والقدري، فقد ثبت أن الرسول ﵊ خرج ذات يوم ليخبر أصحابه بأن الليلة ليلة القدر، فتلاحى رجلان من الأنصار أو من غيرهم فرفعت (١)، ونسيها عليه
стр. 1024
الصلاة والسلام، وهذا حرمان لأمر شرعي، وهو "أن من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه" (١) لكن حرم الناس هذا الخير بسبب الظلم، وهو التلاحي، والتخاصم، والتنازع، ولهذا يغفر في ليلة القدر لغير المتشاحنين؛ أي: الذين بينهم شحناء، كما تعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس فيغفر لكل أحد إلا من بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا (٢).
٣ - أن الله تعالى قد يحرم بالظلم تحريمًا قدريًا، لأن الذي حصل لبني إسرائيل تحريم شرعي، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ وقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] فهذا تحريم شرعي، لكن قد يحرم الإنسان تحريمًا قدريًا مع حل الشيء شرعًا، فيصاب مثلًا بمرض، فيقول له الأطباء: اترك الأكلة الفلانية، بسبب ظلمه، وقد يتهور إنسان مثلًا ويسرف في الإنفاق - والإسراف في الإنفاق أكلًا وشربًا ولبسًا حرام -، والدليل: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فقد يسرف الإنسان، فيحرم من هذا الخير الذي أسرف فيه قدرًا لا شرعًا، بأن يصاب بمرض لا يتلاءم معه أن يأكل كل شيء، أو أن يلبس كل شيء، وهذا نسميه: تحريمًا قدريًا.
٤ - أن الأمر إلى الله تعالى تحليلًا وتحريمًا، لقوله:
стр. 1025
﴿حَرَّمْنَا﴾، وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ وهو كذلك، فالتحليل والتحريم ليس إلينا ولا لأحد من الناس، بل هو إلى الله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦].
٥ - أن الطيبات نفسها قد تكون ممنوعة شرعًا حتى بعد كمال الدين، يقول شيخ الإسلام: إن الطعام حرام على الإنسان إذا كان يتأذى به لو أكل، أو خاف التخمة، فإنه يكون حرامًا عليه، مثلًا: لو أن إنسانًا أكل طعامًا، وكان الطعام شهيًا ولذيذًا، فجعل يأكل ويأكل ويأكل حتى وصل إلى الحلقوم، فهذا لا شك أنه سيتأذى، وربما يحصل عليه ضرر إما في الحاضر أو المستقبل، فيقول شيخ الإسلام: إنه يحرم عليه أن يأكل، وكذلك إذا خاف التخمة، وذلك بتغير المعدة ونتنها، وإن لم يكن من أجل الأذية، فأحيانًا بعض الأطعمة لا يتلاءم مع أطعمة أخرى، فتجد الإنسان يأكل هذا على هذا، فتتغير معدته، ويحصل لها نتن ورائحة كريهة، هذا أيضًا نقول: إنه حرام عليه أن يأكل؛ لأن الله أنما أباح الأكل والشرب من أجل تقويم البدن، فإذا عاد ذلك إلى ضرر صار حرامًا.
٦ - التحذير من الصد عن سبيل الله، سواء كان صدًا بنفسه أو صدًا لغيره، لقوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.
٧ - أن الصد لا يتقيد بصيغةٍ معينة، بل كل ما فيه صد عن سبيل الله سواء بالتخذيل، أو بالإرجاف، أو بالإيعاد، أو بالوعد، أو بغير ذلك فإنه داخل في التحذير من ذلك، ومن أمثلة الصد عن سبيل الله بالتخذيل: أن يأتي المرء إلى إنسان ويقول له: يا فلان! لا تكلف نفسك بالدعوة والموعظة ونصح الناس، إنك تدعو موتى، ولقد أسمعت لو ناديت حيًا، مع أن الأول المنصوح
стр. 1026
عنده همة ونشاط وعزيمة، فيأتي هذا ويخذله، فيكون هذا قد صد عن سبيل الله، لكن إذا علم أن هذا الشخص ربما يتكلم بما لا يعلم، فتخذيله عن الكلام ليس من الصد عن سبيل الله، بل من حماية سبيل الله؛ لأنه ربما يأتي إنسان عنده إقدام، وعنده شجاعة، ويحب أن يدعو، لكن لا علم عنده، فهذا لا حرج عليك إذا قلت له: إنه لا ينبغي له أن يكلف نفسه أو يتعبها، سواء أضفت هذا إلى أن الناس لن يقبلوا منه، أو أضفت هذا إلى أنه ليس عنده علم فيقع في حرج، فهذا لا بأس به، بل هذا من حماية سبيل الله، وليس من الصد عن سبيل الله.
٨ - ذكر الوصف الذي يكون أشد في الذم وإن كان لا مفهوم له، لقوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾، فهذا غاية الذم، لكن لو أنهم صدوا قليلًا لكان لهم نصيب من الإثم، إنما الغاية هي الكثرة.
٩ - أن المتعاطين للربا من هذه الأمة مشبهون لليهود، لقوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾.
١٠ - أن أخذ الربا محرم، سواء كان للأكل، أو للشرب، أو للبس، أو للإقتناء، أو لأي غرض كان، لعموم قوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾.
١١ - أن الحجة لا تقوم إلا بعد بلوغها، وأن من فعل شيئًا لا يدري عن حكمه فهو غير مؤاخذ به، لقوله: ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾، وعلى هذا فلو تعامل الإنسان بمعامله ربوية وهو لا يدري أنها من الربا، يعني أنه يعرف الربا؛ لكن لا يدري أن هذه المعاملة المعينة من الربا، ثم علم بعد ذلك، فلا نقول: إن ما أخذه من
стр. 1027
الربا حرام، بل نقول: ليس حرامًا، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وهو لم يعلم أنه منهي عنه، لكن إذا كان يعلم أنه منهي عنه وأخذه ثم تاب، فهل نقول رده على من أخذته منه؟
الجواب: لا؛ لأننا إذا قلنا رده على من أخذته منه، لكان له - أي: للمردود عليه - الغُنم مرتين، لكن نقول: تصدق به، ولا تدخله في ملكك، وأيضًا لا ترده إلى المرابي الذي كان عالمًا بأن الربا حرام، وسولت له نفسه فأعطاك الربا.
وإذا كان المرابي قد أُخذ منه الربا، وتاب، فلا يلزمه أن يتصدق بمقدار ما أعطى من الربا؛ لأنه مظلوم في الواقع، فإذا تاب إلى الله فإننا لا نقول: يلزمك أن تتصدق بمقدار ما دفعت من الربا، فالكلام فيمن أخذ الربا.
١٢ - تحريم أكل أموال الناس بالباطل؛ لقوله: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾، وقد ذكرنا أن الباطل هو ما ليس بحق، وبناء على ذلك: لو أن الإنسان أكل مال الحربي فلا يكون ممن أكل أموال الناس بالباطل؛ لأن الحربي مباح الدم والمال، ولو تلصص جماعة ليس لهم شوكة على بلاد الكفار الحربية وأخذوا أموالًا فهي لهم، ولا شيء عليهم في ذلك؛ لأن أموال الكافر الحربي مباحة للمسلمين.
وإن أخذ مال ذمي أو معاهد أو مستأمن بغير حق فقد أكل أموال الناس بالباطل؛ لأن هؤلاء الثلاثة معصومون؛ فأموالهم محترمة، وأنفسهم محترمة.
١٣ - الوعيد الشديد لمن اتصف بهذه الصفات: الظلم،
стр. 1028
وأخذ الربا، وأكل أموال الناس بالباطل، والصد عن سبيل الله، لقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
١٤ - إثبات عدل الله ، حيثُ ذكر هذه الصفات، وذكر أن الذي أُعد له العذاب الأليم هو الكافر من هؤلاء.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾ [النساء: ١٦٢].
قال الله استدراكًا على ما مضى من وصف هؤلاء الذين هادوا: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ فقوله: ﴿لَكِنِ﴾ هنا حرف استدراك على ما مضى من أوصافهم، وقوله: ﴿الرَّاسِخُونَ﴾ اسم فاعل من رسخ إذا ثبت، ومنه رسوخ الشجرة، ورسوخ أساس البنيان، وما أشبه ذلك؛ لأنه يثبت ولا يتزعزع، وقوله: ﴿فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾، ﴿الْعِلْمِ﴾ المراد به هنا العلم الشرعي، فـ "ألـ" للعهد الذهني؛ لأن الرسوخ في غير العلم الشرعي لا يمدح صاحبه فيه ولا يذم، بل هو على حسب ما يؤدي إليه ذلك الرسوخ.
وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ أي الذين هادوا، ونمثل لهذا بعبد الله بن سلام ﵁، فإنه كان حبرًا من أحبار اليهود، وآمن بمحمد ﷺ .
قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على قوله: ﴿الرَّاسِخُونَ﴾، لكن هل
стр. 1029
المراد بذلك ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ الذين أثمر علمهم الإيمان، فتكون من باب عطف الصفة على الصفة، وعطف الصفة على الصفة جائز في اللغة العربية، كما في قوله ﵎: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى: ١ - ٤] أو أن المؤمنين هنا غير الراسخين في العلم، والمراد بهم المؤمنون من المهاجرين والأنصار؛ أي: من هذه الأمة، فيكون العطف من باب عطف المتباينين المتغايرين؟ ذكروا في هذا قولين: ولا يبعد أن يكون القولان كلاهما صحيحًا.
وقوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ هو القرآن، والمنزل له هو الله ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢]، والمنزل إليه هو محمد ﷺ ، والنازل هو القرآن، إذًا "مَا" اسم موصول يعود على القرآن.
وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: من الكتب السابقة، فيؤمنون بأن الله أنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، والصحف على إبراهيم، وكذلك على موسى عليهم الصلاة والسلام.
قوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ أي: الذين يأتون بها على وجه الإستقامة والتمام، بأن يأتوا بها تامة الشروط والأركان والواجبات، ويكملونها بالمستحبات، والمراد بالصلاة هنا عموم الصلوات فيشمل الفرائض والنوافل.
стр. 1030
وفي الآية إشكال من حيث الإعراب، حيث جاء قوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ﴾ بالياء بين مرفوعات؛ مرفوع سابق، ومرفوع لاحق، فأشكل على بعض الناس كيف جاءت هذه الكلمة بين المرفوعات على أنها بالياء؟ فقيل: إن قوله: ﴿الْمُقِيمِينَ﴾ معطوف على قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾؛ أي: والمؤمنون بـ ﴿الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ والمراد بهم الملائكة؛ لأن النبي ﷺ ، أخبر أنه ما في السماء موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك قائم لله أو راكع أو ساجد، فكأنه قال: والمؤمنون بالملائكة، وقيل: إن المقيمين هنا وصف عام، يشمل كل من أقام الصلاة من الملائكة وغيرهم، وأنه نص على ﴿الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ لأهميتها؛ ولأنها آكد أفعال البدن من العبادات، فعلى هذا تكون منصوبة لا مجرورة، ونصبت على المدح؛ أي: أمدح ﴿الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ فعاملها محذوف والتقدير وأمدح المقيمين الصلاة، وإنما جاء القطع حيث نصبت بفعل محذوف، لفائدتين:
الفائدة الأولى: معنوية، وهي بيان العناية بإقامة الصلاة.
الفائدة الثانية: الإنتباه، وذلك لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فإن الإنسان ينسجم معه، ولا يكون هناك شيء يوجب وقوفه، لكن إذا اختلف توقف، وتساءل: لماذا جاءت هذه الكلمة على هذا الوجه، مخالفة لغيرها من الكلمات؟
وهذا بلا شك خير ممن قال: إن هذا غلط من الكتاب، كما قال بعضهم - والعياذ بالله - حيث قال إن الذين كتبوا المصحف أخطأوا فقالوا: والمقيمين، وأنها على قراءة ابن مسعود "والمقيمون" وهي الصواب، لكن هذا لا يستقيم إطلاقًا، إذ كيف
стр. 1031
يمكن للأمة الإسلامية أن يبقى الغلط في القرآن الكريم ولا يغير، وكيف يلتئم هذا مع قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
والحقيقة أن الغالط هو القائل بهذا، وأنه أبعد النجعة وأخطأ خطأ عظيمًا، بل الفائدة كما ذكرنا سابقًا.
إذًا: يبقى النظر هل نقول إن "المقيمين" بالجر، والمعنى ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾، وهم الملائكة، أو أنها منصوبة على تقدير فعل محذوف؟
الجواب: الثاني أولى، وإن كان الأول فيه احتمال، لكن الثاني هو الراجح، والحكمة من ذلك أي: من القطع لفظية ومعنوية كما ذكرنا.
قوله: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قيل: إنها مستأنفة، وأن الخبر قوله: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وقيل: إنها معطوفة على ما سبق من قوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ يعني: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، لكن الأقرب أنها مستأنفة لوجود الفاصل بينها وبين المعطوف عليه، وهو قوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾.
وقوله: ﴿وَالْمُؤْتُونَ﴾ أي: المعطون و ﴿الزَّكَاةَ﴾ أي: النصيب المقدر في الأموال الزكوية، وعلى هذا فالمراد بذلك زكاة المال، وقيل: المراد بذلك زكاة البدن، لقول الله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧] والمراد بذلك زكاة البدن، لكن الأول أقرب إلى الصواب؛ لأن الله تعالى يقرن دائمًا بين إقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
وقوله: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ يعني: المعطونها لمستحقيها،
стр. 1032
والزكاة: مال فرضه الله تعالى في أموال معينة، تؤخذ من الأغنياء، وترد على الفقراء.
وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الإيمان بالله ليس هو التصديق فقط؛ لأن مجرد التصديق لا يسمى إيمانًا، ولهذا لم يكن أبو طالب مؤمنًا مع كونه مصدقًا للرسول ﵊، بل الإيمان هو: الإقرار التام المستلزم للقبول والإذعان، فلا بد من إقرار القلب الإقرار التام، ولا بد من قبول ما جاءت به الشريعة، ولا بد من الإذعان حتى يتم الإيمان، والإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده، وبربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وتفرده في ذلك، وهذا قد مضى كثيرًا مشروحًا مبينًا، وقوله: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هو يوم القيامة، ووصف بالآخر لأنه لا يوم بعده فإنه آخر مراحل الإنسان؛ لأن الإنسان له أربع مراحل بعد أن يكون إنسانًا:
المرحلة الأولى: في بطن أمه، والثانية: في الدنيا، والثالثة: في البرزخ، والرابعة: في يوم القيامة.
ولهذا يسمى اليوم الآخر، وليس الآخر هو البرزخ الذي بين الحياة والموت، كما يفهم من تعبير بعض الناس، حين يصف الميت بأنه انتقل إلى مثواه الأخير، فإن هذا ليس بصحيح، بل مثواه الأخير هو يوم القيامة إما الجنة وإما النار.
والإيمان باليوم الآخر لا يتضمن أن تؤمن أن الناس سوف يبعثون فقط، بل له متعلقات كثيرة، حددها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بقوله: يدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت؛ كفتنه القبر، وعذاب القبر،
стр. 1033
ونعيم القبر، وما أشبه ذلك، فإنه يدخل في الإيمان باليوم الآخر؛ لأن الموت آخر ما للإنسان في الدنيا، فإن من مات قامت قيامته، والإيمان باليوم الآخر يتضمن استقامة الإنسان على دين الله؛ لأنه يخاف اليوم الآخر، ويرجو اليوم الآخر، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الممتحنة: ٦] فهو يخاف اليوم الآخر فيتجنب المعصية، ويرجو اليوم الآخر فيقوم بالطاعة، ولهذا يقرن الله ﵎ دائمًا بين الإيمان به والإيمان باليوم الآخر؛ لأن الإيمان باليوم الآخر هو الذي يحمل على الإستقامة أو على تمام الإستقامة.
قوله: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فيها قراءتان "سيؤتيهم" و ﴿سَنُؤْتِيهِمْ﴾، وقراءة "سيؤتيهم" جارية على نسق الكلام؛ لأن نسق الكلام كله للغائب في قوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: "سيؤتيهم" الله ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فالقراءة بالياء - وهي سبعية صحيحة - هي على نسق السياق، وأما القراءة بالنون ففيها انتقال من الغيبة إلى المتكلم، والإنتقال - ويسمى الإلتفات - له فائدة، وهي تنبيه المخاطب بما سيأتي بعد؛ لأنه إذا تغير نسق الكلام فلا بد أن يتوقف الإنسان متسائلًا: ما هو السبب الذي تغير به الكلام؟ وحينئذ ينتبه إلى المعنى أكثر.
أما الفوائد الأخرى التي تتفرع على الإلتفات، فكل مقام يذكر له ما يناسبه، فقوله هنا: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ﴾ يكون تكفلًا صريحًا من الله بأنه سيؤتيهم أجرًا عظيمًا، وإضافة الشيء إلى النفس أبلغ من إضافته إلى الغائب.
стр. 1034
وقوله: ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا عظيمًا؛ أي: ذا عظمة، واعلم أن العظيم إذا عظم الشيء فإنه يكون فوق ما يتصور، ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (١).
من فوائد الآية الكريمة:
١ - تمام عدل الله ، وأنه إذا حكم بحكم عام يختص أفراده بخلاف ذلك الحكم فلا بد أن يذكره، ونأخذ هذا من كلمة: ﴿لَكِنِ﴾ الإستدراكية، بعد أن حكم عليهم بما حكم؛ من أخذهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل، قال: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ﴾ فتمام العدل أن يذكر الخير والشر، سواء كان ذلك الخير والشر بالنسبة للطائفة، أو كان ذلك الخير والشر بالنسبة للواحد، فمن أراد تقويم شخص فالواجب عليه أن يذكر محاسنه ومساوئه، أما من أراد أن يبطل ما يكون من باطل فهنا لا يلزم أن يذكر المحاسن؛ لأن ذكر المحاسن في مقام الرد عليه يرفع الرد عليه، والتنفير منه، ويوجب العطف عليه، فهنا يفرق بين شخص يريد أن يقوِّم شخصًا فلا بد أن يذكر المعايب والمحاسن، وبين إنسان يريد أن يرد على شخص باطله فيذكر الباطل ولا يذكر المحاسن؛ لأنه لو ذكر المحاسن لضعف جانب الرد عليه.
٢ - فضيلة الرسوخ في العلم، وانتبه لكلمة "الرسوخ"،
стр. 1035
ومعناها الثبوت والإستقرار، وذلك لأن العلم علمان: علم راكد، بمعنى أنه على السطح، وأي ريح تزعزعه، وهذا ما يكون عند كثير من الطلبة، فتجد كثيرًا من الطلبة يجمع العلوم دفعه واحدة، فيكون كالطبيب العام، ليس له اختصاص في شيء، وبعض الطلبة يركز ويحرص، فهذا هو الذي يدرك العلم، ويكون عنده قدرة وملكة، حتى إن بعض العلماء زعم أن من نبغ في فن من الفنون كان مدركًا لجميع الفنون.
ولا يخفى ما ذكر عن محاجة أبي يوسف مع الكسائي، حين تناظرا عند الرشيد، وكان الكسائي يزعم أن كل من أتقن علمًا إتقانًا تامًا أمكنه أن يدرك جميع العلوم، فقال له أبو يوسف: ما تقول فيمن سها في سجود السهو؟ قال أقول: لا سجود عليه، قال: من أين أخذت هذا من علمك - والكسائي معروف بعلم النحو - قال: أخذته من علمي أن القاعدة عندي أن المصغر لا يصغر، فسجود السهو على زعمه مصغر فلا يصغر.
على كل حال هذه قصة الله أعلم هل هي مصنوعة أو حقيقة، وهي بلا شك غير صحيحة، لكن قصدي من إيرادها أن أقول: إن الرسوخ في العلم هو العلم، ومن ثم كنت أقول دائمًا لطلاب العلم احرصوا على قواعد العلم وضوابط العلم، وذلك لأن الجزئيات لا حصر لها، فكل يوم يخرج للناس معاملة جديدة، أو حدث جديد في العبادات، ولا يمكن للإنسان أن يحكم عليه الحكم الصحيح إلا إذا كان عنده قواعد وأصول يلحق بها هذه الجزئيات، أما من يأخذ العلم مسألة مسألة فهو كالذي يلقط الجراد من الصحراء؛ لأنه سيتعب دون أن يملأ الكيس،
стр. 1036
لكن الذي يحرص على القواعد هو الذي يدرك العلم بإذن الله.
٣ - أن العلم سبب للإيمان، لقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ولا شك أنه كلما ازداد الإنسان علمًا ازداد إيمانًا وبصيرة بتوفيق الله ، فعليك بالعلم واحذر الشبهات والجدال. قال ابن مسعود ﵁: "ما أوتي قوم الجدل إلا ضلوا" (١) ولهذا نجد أن أهدى الناس طريقًا، وأقلهم تكلفًا هم الصحابة ﵃؛ لأن الجدال عندهم قليل، ولا يلجأون إليه إلا عند الضرورة، أما كون الإنسان كلما فهم مسألة ذهب يورد فيها على قلبه أو على غيره ما لا يكون واردًا، فهذا من التكلف والتنطع، وهو سبب للحرمان.
٤ - أن من أهل الكتاب من هو راسخ في العلم، مؤمن بالله، لقوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ أي: من أهل الكتاب.
٥ - أنه لا يمكن أن يتم الإيمان إلا بالإيمان بما جاء به الرسول ﵊، لقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ فكل إنسان يدعي أنه مؤمن دون أن يؤمن بما أنزل على محمد ﷺ فإنه كافر وكاذب في دعواه؛ لأن دين الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ ناسخ لجميع الأديان.
٦ - إثبات رسالة الرسول ﷺ ، وتؤخذ من الكاف في قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾.
٧ - أن القرآن كلام الله، والكلام صفة للمتكلم، فيقتضي ذلك أن الله هو الذي تكلم به وهو كذلك.
٨ - أنه لا بد من الإيمان بما أنزل على محمد ﷺ وما أنزل
стр. 1037
من قبله، لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ولهذا جاء في الآية من سورة البقرة: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [٢٨٥].
٩ - الإشارة إلى أنه لا نبي بعد محمد ﷺ ، لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ ولم يقل من بعدك، وهذا هو الواقع، لكن الآية فيها الإشارة وليس فيها التصريح.
١٠ - فضيلة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ لأن الله تعالى نص عليهما من بين سائر الأعمال، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة قرينتان في كتاب الله، ولولا حديث أبي هريرة ﵁ في مانع الزكاة وأنه يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، لقلنا: إن تارك الزكاة كافر، كما قلنا ذلك في تارك الصلاة، لكن ليس لنا أن نكفر من دلت النصوص على عدم كفره، كما أنه ليس لنا أن نتهيب في تكفير من دلت النصوص على كفره؛ لأننا متعبدون بقول الله ورسوله.
١١ - فضيلة الإيمان بالله واليوم الآخر، لقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ونص على الإيمان بهذا مع أنه داخل في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ لأهميته؛ لأن مدار الإيمان كله على الإيمان بالله؛ لأنا نؤمن بأن الرسل رسل الله، وأن الكتب كتب الله، وأن الملائكة عباد الله، وهلم جرًا، فالركيزة الأولى هي الإيمان بالله ، وما بعده يعتبر فروعًا أو جهات متعددة من الإيمان بالله.
١٢ - إثبات اليوم الآخر وقد سبق الكلام عليه.
١٣ - وعد الله من اتصف بهذه الصفات، أنه
стр. 1038
سيؤتيه أجرًا عظيمًا لا يتصور عظمته، لقوله: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
١٤ - علو مرتبة هؤلاء المتصفين بهذه الصفات، يؤخذ ذلك من الإشارة إليهم بإشارة البعيد ﴿أُولَئِكَ﴾ ولم يقل: هؤلاء، ولم يقل: فإننا سنؤتيهم، بل قال: ﴿أُولَئِكَ﴾ والإشارة إلى المشار إليه بالبعد تدل على علو مرتبته، كما في قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١، ٢] مع أنه بين أيدينا، لكن لعلو مرتبته أشير إليه بإشارة البعيد.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الراسخين في العلم، المؤمنين بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبلنا.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾ [النساء: ١٦٣].
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ﴿إِنَّا﴾ الضمير يعود إلى الله ، وجاء بصيغة الجمع للتعظيم.
وقوله: ﴿أَوْحَيْنَا﴾ الوحي هو: الإعلام بسرعة وخفاء، والمراد به هنا: إعلام الله تعالى أنبياءه ورسله بشرعه الذي يتعبد به عباده، فهذا هو الوحي، وقد ذكر الله في سورة "الشورى" أنه ثلاثة أقسام، فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا
стр. 1039
وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].
وقوله: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ "ما" هنا يحتمل أن يكون موصولة، وإذا كان كذلك فلا بد من عائد محذوف، والتقدير: كالذي أوحيناه إلى نوح، ويحتمل - وهو الأقرب - أن تكون مصدرية؛ أي: كإيحائنا، وهذا أولى؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير.
ونوح هو أول الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما جاء ذلك مصرحًا به في حديث الشفاعة.
ولهذا قالوا: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ والمراد بـ "النَّبِيِّينَ" هنا النبيون الذين أرسلوا إلى أقوامهم، وقد جعل الله النبوة والكتاب في ذرية إبراهيم ونوح، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦] وبهذا نعرف أنه لا رسول قبل نوح ﵊، وأن ما ذكر المؤرخون من أن إدريس قبل نوح ﵉ فهو قول خطأ، والصواب: أن إدريس ﵇ من أنبياء بني إسرائيل فيما يظهر.
قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ قوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ هنا فيها قراءتان: "إبراهام" و"إبراهيم"، وكلاهما قراءتان صحيحتان سبعيتان، يجوز أن يقرأ بهما الإنسان، ولكن لا يجوز أن يقرأ الإنسان بين العامة بقراءة خارجة عما في أيديهم من المصاحف؛ لأن ذلك يكون سببًا للفتنة.
وقوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ "إِسْمَاعِيلَ" هو ابن إبراهيم الأكبر، ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ وهو ابنه الثاني، ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ هو ابن إسحاق، وإنما
стр. 1040
نص عليه مع أنه ابن الإبن؛ لأن أنبياء بني إسرائيل كانوا من ذرية يعقوب.
إذًا ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ أخوان، ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ عم يعقوب ﵈.
وقوله: ﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾ قيل: إن ﴿الْأَسْبَاطِ﴾ المراد بهم قبائل بني إسرائيل، كما قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] وقيل: إن المراد بالأَسْبَاطِ هم أولاد يعقوب، فعلى الأول يكون من باب ذكر العام وإرادة الخاص؛ لأن الأسباط كلهم ليسوا أنبياء، وإنما الأنبياء فيه، وعلى الثاني لا إشكال.
﴿وَعِيسَى﴾ وهو آخر أنبياء بني إسرائيل، وليس بينه وبين محمد ﷺ رسول ولا نبي أيضًا.
وقوله: ﴿وَأَيُّوبَ﴾ وهو من بني إسرائيل.
قوله: ﴿وَيُونُسَ﴾ كذلك.
قوله: ﴿وَهَارُونَ﴾ كذلك أيضًا من بني إسرائيل.
قوله: ﴿وَسُلَيْمَانَ﴾ من بني إسرائيل.
قوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ ﴿دَاوُودَ﴾ هو أبو سليمان، والزبور هو: الكتاب الذي أعطاه الله تعالى داود؛ ونص عليه لأن فيه مواعظ مرققة للقلوب؛ ولأن داود ﵊ كان يترنم به، فتسمعه الطير وتسبح معه وكذلك الجبال.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤].
стр. 1041
الرسل الذين لم يذكرهم في هذه الآية مثل: يونس، وشعيب، ولوط، وصالح، ويوسف عليهم الصلاة والسلام.
قوله: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبل ذكر هذه الآية.
وقوله: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾ لأن الله تعالى لم يقص على الرسول ﵊ إلا من كانوا حول جزيرة العرب، أما من كانوا بعيدين؛ كالذين في أمريكا، وأقصى آسيا، وما أشبه ذلك فلم يذكروا؛ لأن المقصود من ذكر الأنبياء هو الإعتبار، وإذا لم يكن هناك قرب في الأحاديث وفي المكان فإن الإعتبار يكون في ذلك قليل.
قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ قوله: ﴿اللَّهُ﴾ فاعل و"مُوسَى" مفعول به، وقوله: ﴿تَكْلِيمًا﴾ مصدر مؤكد لمعنى الفعل الذي قبله، كلم تكليمًا، وإنما أخّر ذكر موسى لما ذكر من خصائصه، وهو الكلام، فإنه كلمه تكليمًا، كما أخر ذكر داود بعد سليمان مع أنه أبوه من أجل النص على الزبور الذي آتاه الله تعالى داود، والترتيب بين الأنبياء في الذكر يكون لأسباب بلاغية لفظية أو معنوية، حسب ما يتبين من السياق.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
١ - أن أول الرسل نوح، لقوله: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، وهذا هو الحق وليس قبله رسول، أما النبوة فكانت قبل نوح، فإن آدم ﵊ كان نبيًا؛ لأنه كان يتعبد الله ، ولا يمكن أن يتعبد الله إلا بوحي من الله، وبثبوت الوحي له يكون نبيًا، ولكنه لم يُرسل إلى أولاده؛ لأنه في ذلك الوقت لا حاجة
стр. 1042
للرسل؛ إذ أن الناس كانوا على ملة واحدة، كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٢١٣] أي: كان الناس أمة واحدة على الحق، وعلى الدين القويم، فاختلفوا: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] لكن في عهد آدم لا اختلاف، ولهذا كان نبيًا ولم يكن رسولًا.
٢ - أن الوحي إلى جميع الأنبياء، والرسل كان من جنس واحد، لقوله: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا﴾ ولكن الموحى به: يتفق في أشياء، ويختلف في أشياء، فالتوحيد اتفق عليه الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] وهذا متفق عليه، أما الشرائع والمنهاج فإن الأمم تختلف؛ لأن الله تعالى يشرع لكل أمة ما يناسب حالها، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة: ٤٨] فالشرائع والمنهاج يختلف، أما الأصل فهو متفق عليه، فكل الرسل اتفقوا على التوحيد.
إذًا: ﴿كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ هذا في أصل الوحي وما اتفقت فيه الشرائع، وهو التوحيد، أما المنهاج والشرائع فهي لكل أمة بحسبها.
٣ - بطلان قول بعض المؤرخين: إن إدريس كان قبل نوح، فهذا القول باطل يبطله القرآن الكريم.
٤ - الإيحاء لهؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام: إبراهيم وإسماعيل، وإسحاق ... إلى آخره.
стр. 1043
٥ - أن الله تعالى قص أنباء بعض الرسل ولم يقص أنباء آخرين، والحكمة من ذلك هي - كما أشرنا إليه في التفسير -: أن الأنبياء البعيدين عن منطقة رسالة محمد ﷺ لم يقص الله علينا من نبأهم.
ولكن لو قال قائل: هل لكل أمة رسول؟
الجواب: نعم، ولا شك في هذا، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] ولقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
٧ - أن الله تعالى كلم موسى كلامًا حقيقيًا، لقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ والذين أنكروا أن يكون الله كلمه سلكوا مسلكين: منهم من حرف الآية لفظًا ليتغير المعنى، ومنهم من حرفها معنى وأبقى اللفظ على ما هو عليه، فمنهم من قال: إن صواب القراءة: ﴿وَكَلَّمَ﴾ اللهَ ﴿مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ فجعل المكلِّم موسى، وهذا تحريف لفظي يتغير به المعنى، وهذا لا شك أنه جناية على الله وعلى كلامه، وهو أيضًا باطل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] إذ لا يمكن لأحد أن يقول هنا: إن المكلم موسى؛ ؛ لأن الهاء في قوله: ﴿كَلَّمَهُ﴾ ضمير مفعول، ولا يمكن أن تكون ضمير الفاعل.
ومنهم من قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ من "الكلْم" وهو الجرح، كما في قول النبي ﷺ : "ما من مكلوم يكلم في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله" (١) فقوله: "يكلم"
стр. 1044
بمعنى: يُجرح، فقالوا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ أي: جرحه بمخالب الحكمة، وهذا تحريف، والعياذ بالله، يعني: أنهم جعلوا هذا من باب الإستعارة، وهذا أيضًا باطل، بل الصواب: أن الله تعالى كلم موسى تكليمًا واضحًا بحرف وصوت سمعه موسى، وأن كلامه إياه كان على وجهين:
الوجه الأول: المناجاة.
الوجه الثاني: المناداة، قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ [مريم: ٥٢] والنداء يكون للبعيد، والمناجاة تكون للقريب، ومن المعلوم أن البعيد يحتاج إلى صوت أعلى، والقريب يكفيه الصوت الخفي.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥].
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، ﴿رُسُلًا﴾ جمع رسول، بمعنى: المرسَل، والظاهر: أنها حال من قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] أي: حال كونهم رسلًا، وكانت حالًا لأنها بمعنى المشتق؛ إذ أن ﴿رُسُلًا﴾ بمعنى: مرسلين.
وقوله: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ البشارة: الإخبار بما يسر، والإنذار: التخويف بما يخاف منه؛ وذلك أن الشرائع التي جاءت بها الرسل أوامر ونواهي، فالذي يناسب الأوامر البشارة، بأن
стр. 1045
يبشر عامل هذا العمل بالثواب، والذي يناسب النواهي هو الإنذار؛ فينذر الإنسان من الوقوع فيها، ولهذا كانت أنواع التكليف اثنين: أمر ونهي، فالذي يليق بالأمر البشارة، والذي يليق بالنهي الإنذار، وهذا ما جاءت به الرسل، البشارة والإنذار، حتى محمد ﵊ جاء بذلك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥].
وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ اللام هنا في قوله: ﴿لِئَلَّا﴾ للتعليل؛ أي: لأجل ألا يكون ﴿لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ والحجة: ما يحتج به الغير على آخر، لدفع الملامة، ورفع العقوبة عنه، هذه هي الحجة، يعني: الدليل أو البينة أو ما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أي: بعد إرسال الرسل؛ لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام يبينون للناس بيانًا تامًا لا يحتاج معه إلى إيضاح، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٤]، فلا بد من البيان على كل رسول، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ فلعزته أرسل الرسل، وجعل النصر لهم في الدنيا والآخرة، ولحكمته شرع الشرائع وأحكمها وأتقنها.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - بيان حال الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنه لا تخلو رسالتهم من بشارة ونذارة، حسب الأوامر والنواهي.
стр. 1046
٢ - أنه ينبغي للإنسان الداعي إلى الله أن يعامل الناس بما تعامل به الرسل أقوامها، فتارة يبشر، وتارة ينذر؛ لأنه إن سلك سبيل البشارة دائمًا أدخل الناس في الإرجاء، وإن سلك سبيل الإنذار دائمًا أدخل الناس في القنوط واليأس، فلذلك يجب أن يكون الإنسان حكيمًا يراعي أحوال الناس، فمثلًا: إذا رأى الناس قد انهمكوا في أمر محرم فالأولى هنا أن لا يسلك سبيل البشارة فيوقع الناس في الأمن من مكر الله، بل يسلك سبيل الإنذار ويشدد، فإن لم ينفع فيهم الوعيد الديني فالرادع السلطاني، ولهذا كان من سياسة عمر ﵁ أنه كان يستعمل الردع السلطاني إذا لم يصلح الناس بدونه، ولهذا ورد أنه أمر بقتل شارب الخمر في الرابعة إذا لم يرتدع، قال شيخ الإسلام: إن هذا حكم ثابت إذا لم ينته الناس بدونه.
٣ - إثبات التعليل لأحكام الله القدرية، كما هو ثابت في الأحكام الشرعية، ويؤخذ من لام التعليل، وهذا ثابت بأدلة كثيرة، أوصلها بعضهم إلى ألف دليل على أن أفعال الله وأحكامه معللة، ولو لم يكن من ذلك إلا اسم الله الحكيم لكان هذا كافيًا، فكل ما فعله فلحكمة، وكل ما شرعه فلحكمة.
٤ - أن الله تعالى يحب الإعذار من الناس؛ لأنه أرسل الرسل ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾.
٥ - الفائدة العظيمة الكبرى وهي: العذر بالجهل حتى في أصول الدين؛ لأن الرسل يأتون بالأصول والفروع، فإذا كان الإنسان جاهلًا لم يأته رسول فله حجة على الله، ولا يمكن أن تثبت الحجة على الله إلا إذا كان معذورًا؛ لأنه لو لم يكن معذورًا
стр. 1047
فلا حجة له، وهذا الأصل هو الذي دل عليه الكتاب والسنة، ولكن قد يكون الإنسان مفرطًا فلا يعذر بجهله، كما لو ألقي إليه أن هناك دينًا إسلاميًا إلهيًا، ولكنه لم يبحث عن هذا الدين، وأعرض واستكبر، فهنا نقول: إنه لا يعذر؛ لتفريطه، وعدم بحثه، والإنسان إذا أراد أن يذهب إلى قرية من القرى وسلك سبيلًا ثم قيل له: هذا لا يوصلك إلى القرية، فسوف يتركه ويسأل: أين الطريق إلى هذه القرية؟ فلهذا نقول: العذر بالجهل ليس على إطلاقه من كل وجه، لكن بشرط ألا يكون مفرطًا في التعلم، فإن كان مفرطًا فلا عذر له، والتفريط: أن يُذكر له أن الدين خلاف ما هو عليه، ولكنه يقول: إنا وجدنا آباءنا على أمة، ولن أبحث، وكما يقول بعض العوام: لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم، اعمل ما تريد ولا تسأل، فإن سألت، قالوا: حرام، وهذا مشكل، وإن سألت، قالوا: هذا واجب، وهذا أيضًا مشكل!! وهذا غلط كبير.
٦ - بيان رحمة الله تعالى بعباده؛ حيث أرسل إليهم الرسل يعلمونهم ويرشدونهم ويهدونهم إلى دين الله، ولولا الرحمة ما أرسل إليهم، ولوكلهم إلى العهد السابق الذي أخذه عليهم وهم في أصلاب آبائهم، وعذبهم بناءً عليه.
٧ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز، والحكيم.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ [النساء: ١٦٦].
стр. 1048
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ كلمة ﴿لَكِنِ﴾ حرف استدراك، وجاء حرف الإستدراك في هذا الموضع لأن النبي ﷺ له من يكذبه، ويقول: إنك لم ترسل كما أرسل الرسل، فقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ خلافًا لمن كذبه، وقال إنه لم يُنزل إليه.
وقوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ قوله: ﴿يَشْهَدُ﴾ شهادته تعالى لنبيه نوعان: شهادة قولية، كما في هذه الآية، وشهادة فعلية وهي: تمكينه في الأرض، ونصره على عدوه، وإظهار الآيات التي تعجز البشر على يده ﷺ ، فإن هذه شهادة فعلية. قوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ وهو القرآن.
وقوله: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ يعني: أنه نزل بعلم من الله ، أو أنزله بمعلومه؛ أي: بما علم أنه مصلح للخلق وللعباد، وكلا المعنيين صحيح ولا يتنافيان، فيجب حمل الآية على المعنيين، بناءً على القاعدة، أنه إذا احتمل الدليل لمعنيين على السواء، ولا منافاة بينهما وجب حمله عليهما جميعًا.
وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ الملائكة تشهد أيضًا أن الله أنزل على محمد ﷺ قرآنًا كان به رسولًا، وهل المراد بالملائكة هنا ملك واحد وهو جبريل لأنه نزل بالقرآن، أو العموم؟
الجواب: العموم، ويجب أن نعلم أنه إذا جاء اللفظ عامًا فالواجب حمله على عمومه إلا بدلالة قوية تدل على أنه أريد به الخصوص، سواءً كانت دلالة شرعية أو عقلية.
ومن المعلوم: أن النبي ﷺ لما عرج به كان جبريل ﵇ يستفتح، فيقال: "من معك؟ فيقول: محمد،
стр. 1049
فيقال: أرسل إليه؟ فيقول: نعم" (١)، فتعلم الملائكة بهذا أنه أوحي إليه ﵊.
و﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، وجعل لهم عبادات كما اقتضتها حكمته، وجعل بعضهم أفضل من بعض.
وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ﴿شَهِيدًا﴾ حال؛ أي: كفى الله شاهدًا، والباء هنا قالوا: إنها زائدة لتحسين اللفظ، والأصل "كفى اللهُ شاهدًا" ونعم، والله! كفى اللهُ شاهدًا، لكن إذا جاء شاهد آخر وثالث ازداد الأمر قوة، كما قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] فالشهادة على الوحدانية صارت من ثلاثة أطراف: الرب ، والثاني: الملائكة، والثالث: أولو العلم، أما الشاهد بالرسالة فلم يذكر إلا طرفين: الله، والملائكة؛ لأن أولي العلم لا يكونون أولي علم إلا بعد ثبوت الرسالة، فهم تابعون.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - إثبات الشهادة لله، من قوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ وهو شاهدٌ على كل أعمال الخلق، وعلى كل ما يحدث في السماء والأرض، بل على ما لا يحدث لو حدث كيف كان، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] مع أنه لم يتكلم به، ولكن الله يعلم بذلك.
стр. 1050
٢ - إثبات رسالة النبي ﷺ ، لقوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾.
٣ - أن القرآن كلام الله، وتؤخذ من قوله: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ وبهذا استدل أهل السنة والجماعة على أن القرآن كلام الله.
فإن قال قائل: إن الله تعالى ذكر الإنزال في أشياء ليست كلام الله: مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، وكذلك قوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦].
فالجواب: أن ما ذكر هنا أعيان قائمة بنفسه، وأما الكلام فهو معنى لا يقوم إلا بذات، وعلى هذا يتبين أن القرآن كلام الله .
واستدل العلماء أيضًا بهذه الآية وأمثالها على أن الله تعالى في العلو، لقوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ وهو كذلك، فإن الله تعالى فوق كل شيء، والأدلة على هذا متوافرة، - ولله الحمد - وقد سبق بيانها كثيرًا، ولكن الغريب أننا في مخالطتنا للناس في الموسم تبين لنا أن كثيرًا من المسلمين - مع الأسف - لا يؤمنون بعلو الله، ويقولون: إن الله بذاته في كل مكان؛ وذلك لأن علماءهم يقررون لهم هذا، وتكلمنا على هذا كثيرًا في لقاءاتنا في المسجد الحرام، حتى أنهم - والحمد لله - اقتنعوا، وقالوا: سبحان الله! كيف علماؤنا يقولون كذا وكذا؟ ! حتى إننا صادفنا طالبًا شابًا من الصين يتكلم بلغة عربية جيدة، فلما انتهينا من الكلام عن هذا، وانتهى الدرس جاء إلي وقال: سبحان الله! هذا الذي قلت هو الحق، لكن أنا إلى الآن رأسي غير مستقر - لأنه
стр. 1051
ترسخ عنده القول الباطل - وإن علماءنا يقولون هذا، وأن من قال: إن الله عالٍ بذاته فهو كافر، وأن ابن تيمية، وابن القيم، وابن عبد الوهاب، كلهم مبتدعة؛ لأنهم خرجوا عن المذاهب الأربعة، فقلت: من قال لك هذا؟ ! قل لقومك الذين درسوك: ابن تيمية ﵀ حنبلي، وكل تفقهه على مذهب الحنابلة، وكذلك ابن القيم، وكذلك ابن عبد الوهاب، وليرجعوا إلى هذا، لكن - الحمد لله - ظهر على وجهه علامة البشر والقبول، وانتفع، والحمد لله.
فأنا أقول: سبحان الله! إن دلالة علو الله واضحة، سمعية وعقلية وفطرية، ومع ذلك يقولون هذا القول المنكر، نسأل الله العافية.
٤ - أن إنزال الله للقرآن كان بعلمه، فلا يتطرق إليه أي خلل؛ لأنه يعلم متى نزل، وبماذا نزل، وكيف نزل، وعلى من نزل، ولا يمكن أن يتطرق اختلاف أو ادعاء نقص أو ادعاء زيادة؛ لأن الله أنزله بعلمه؛ أي: أن إنزاله مقرون بعلم الله، فمن ادعى أن فيه زيادة أو نقصًا فقد رمى الله بالجهل؛ لأن الله أنزله بعلمه، وكذلك نزل القرآن بما يعلم الله تعالى أنه مصلح للخلق.
٥ - إثبات الملائكة، وأن الملائكة ذات عقول، خلافًا لمن قال: إنهم لا عقول لهم، كما قال بعض الناس ممن نسأل الله لهم العافية والعفو، فالملائكة لها عقول؛ فهي تعلم، وتسمع، وتقول.
٦ - عناية الله برسوله وبما أوحاه إليه؛ حيث
стр. 1052
ذكر أن الله يشهد به، وكذلك الملائكة، وكثرة سياق الأدلة على الشيء تدل على العناية به، وهو كذلك.
٧ - أن شهادة الله كافية عن كل شهادة، لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧)﴾ [النساء: ١٦٧].
هذه الجملة مؤكدة بمؤكدين: الأول: ﴿إِنَّ﴾ والثاني: ﴿قَدْ﴾.
وقوله: ﴿كَفَرُوا﴾ أي: بالله، والكفر في الأصل: الستر، ومنه الكُفُرَّى وهو: وعاء طلع النخل؛ هذا لأنه يستر ما في جوفه.
وقوله: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (صَدَّ) لها وجهان:
الوجه الأول: أعرضوا عن سبيل الله، وعلى هذا يكون (صَدَّ) فعلًا لازمًا.
والوجه الثاني: صدوا غيرهم؛ أي: حملوهم على الإعراض، وعلى هذا فيكون (صَدَّ) متعديًا، والمفعول به محذوف؛ أي: وصدوا غيرهم عن سبيل الله، فالآية إذًا محتملةً للوجهين، وكلاهما لا يناقض الآخر، فتكون محمولة عليهما جميعًا.
والكفار لا شك أنهم صادون بأنفسهم، صادون لغيرهم، فإن كانوا من دعاة الكفر فصدهم ظاهر، وإن لم يكونوا من دعاة الكفر فإن من الناس من يقتدون بهم؛ فهم بهذا يصدون عن
стр. 1053
سبيل الله، كما صد هؤلاء، لقول النبي ﵊: "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها" (١).
إذًا: صد الكفار لغيرهم يكون بالقول، ويكون بالفعل، يكون بالقول إذا كانوا دعاة إلى الكفر، وكلما رأوا شخصًا يريد الهداية ذهبوا إليه يصدونه، ويكون بالفعل إذا كانوا يفعلون، ولكن لا يدعون، إلا أن الناس إذا رأوهم اقتدوا بهم ولا سيما إذا كانوا من أشراف الناس ووجهائهم، وعادة الناس يتبعون وجهاء القوم.
وقوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ السبيل بمعنى: الطريق، وأضافه الله إليه لأنه ﵎ هو الذي شرعه لعباده فأضيف إليه، واعلم أن السبيل والطريق والصراط تارة يضاف إلى الله، وتارة إلى غير الله، فيضاف إلى الله باعتبار أن الله هو الذي شرعه للعباد، ويضاف إلى غيره باعتبار السالكين، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥] فأضاف السبيل إلى المؤمنين وهنا أضافه إلى الله، فيضاف إلى الله لأنه هو الذي شرعه؛ ولأنه يوصل إليه سبحانه، فمن سلكه وصل إلى الله ، كما تقول: سبيل مكة من هنا؛ لأنك إذا سلكته أوصلك إليها.
قوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ الضلال بمعنى: التيه؛ أي: تاهوا عنه وقوله: ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ وذلك لكفرهم وصدهم عن سبيل الله، ووُصف بأنه بعيد لأن هذا الضلال - والعياذ بالله - ضلال عن شيء بيَّن، فإن الحق منار وعلم يهتدي به كل ضال، فإذا ضل عنه أناس كان ضلالهم بعيدًا؛ لقوة الدليل.
стр. 1054
فيخبر الله وخبره هو الصادق - خبرًا مؤكدًا بأن الذين جمعوا بين هذين الوصفين: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾؛ لأنهم جمعوا بين الكفر والصد عن سبيل الله.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - تأكيد الخبر ولو كانت ابتدائيًا إذا دعت الحاجة إليه، وقد قال علماء البلاغة: إن الأصل في الخبر أن يلقى غير مؤكد، فمثلًا إذا كنا نخاطب رجلًا ساذجًا لا يعرف شيئًا قلنا: محمد قائم، فهذا لا يحتاج إلى توكيد؛ وذلك لأن المخاطب سوف يقبل الخبر، وإذا كنا نخاطب شخصًا مترددًا فهنا يحسن أن نؤكد الخطاب، حتى يرتفع عنه التردد، وإذا كنا نخاطب منكِرًا أو في حكم المنكِر فإننا نؤكده وجوبًا، وتتعدد أدوات التوكيد بحسب قوة الإنكار، وهنا أكد الله الخبر مع أن الخبر يلقى إلى خالي الذهن لأهمية الموضوع؛ لأن الموضوع إذا كان ذا أهمية فمن المستحسن أن يؤكد.
٢ - أن من آمن واستقام على سبيل الله، ودعا الناس إليه فهو على الهدى، ونعرف ذلك من المقابل والضد، فإنه إذا ثبت الحكم لشيء ثبت نقيضه لضده.
٣ - أن الضلال ينقسم إلى: ضلال قريب، وضلال بعيد، وهكذا أيضًا المعاصي تنقسم: إلى كبائر، وصغائر كما هو معروف.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩].
стр. 1055
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨)﴾، هذه الآية كالآية الأولى فيها التوكيد لهذا الحكم، لكن فيها التصريح بالظلم، فبأي شيء ظلموا؟
الجواب: ظلموا بالإستمرار على الكفر لأن الإنسان إذا استمر على الكفر فقد ظلم نفسه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١]، والظلم في الأصل: بمعنى النقص؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣)﴾ [الكهف: ٣٣] أي: لم تنقص، وسمي المعتدي ظالمًا لأنه نقّص من حق المعتدَى عليه، وهنا هل ظلموا غيرهم وإلا ظلموا أنفسهم؟
الجواب: كلاهما، فحصل منهم الظلم لأنفسهم ولغيرهم؛ حيث دلوا غيرهم على طرق الكفر.
قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ اللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ﴾ تُسمى عند علماء النحو "لام الجحود" أو "لام النفي"، وعلامتها: أن تقع بعد "ما كان" أو ﴿لَمْ يَكُنِ﴾، فكلما وجدت اللام بعد ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ أو "ما كان" فهي لام الجحود أو لام النفي، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] اللام لام جحود؛ لأنها وقعت بعد ما كان، والمعنى: أنه لا يوفقهم للتوبة حتى يغفر لهم، وليس المعنى: لم يكن الله ليغفر لهم إذا تابوا؛ فإن الله يتوب على من تاب مهما كان عمله، لكن المراد أنه لا يوفقهم للتوبة حتى يغفر لهم، والمغفرة: ستر الذنب مع التجاوز عنه، وفسرناها بهذين المعنيين؛ لأنها مأخوذة من المغفر وهو: الذي يوضع على الرأس عند القتال وقاية للرأس من