وإنما دخلوا على أستاههم، والإست: هي الدبر، والمعنى أنهم دخلوا يزحفون - والعياذ بالله - استكبارًا، وقيل: إنهم دخلوا على القفا، وقيل لهم: قولوا حطة، ولكنهم لم يفعلوا، لم يقولوا: حطة بل قالوا: حنطة، يعني: كأن هؤلاء القوم لا يريدون إلا أن يأكلوا ويشربوا فقط كالبهائم.
قوله: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ وفي قراءة: "لَا تَعدُّوا في السَّبْتِ" والتعدي والعدو بمعنى واحد، والمعنى: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ بصيد الحيتان وقد حرمت عليكم، وكان اليهود قد حرم الله عليهم أن يصيدوا الحوت في يوم السبت ابتلاء وامتحانًا، فصارت الحيتان تأتي يوم السبت شرعًا، أي: طافية على سطح الماء وبكثرة، وكان اليهود - كما هو معروف من سيرتهم - أهل طمع وجشع، فغاظهم ذلك، وقالوا: ما الطريق إلى أخذ هذه الحيتان التي تأتي يوم السبت شرعًا، وفي غير يوم السبت لا يأتي منها شيء، فاحتالوا على ذلك بأن وضعوا شباكًا يوم الجمعة، فتأتي الحيتان وتتساقط فيها، ثم يأتون يوم الأحد فيأخذونها، فالفعل هنا ظاهره الإباحة؛ لأنهم ما تعدوا في السبت، لكن المقصود منه انتهاك حرمة الصيد في يوم السبت.
ولهذا قيل لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] فقلبوا قردة؛ لأن القرد أشبه ما يكون بالإنسان، وهم بفعلهم هذا يشبه أن يكون حلالًا؛ لأنهم لم يصيدوا مباشرة يوم السبت، لما قيل لهم: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ لم يمتثلوا بل اعتدوا يوم السبت على وجه الحيلة والمكر والخداع، ومن استحل المحرم بالحيلة فهو أعظم إثمًا ممن استحله بصرحه؛ لأنه إذا استحله بالحيلة جمع بين مفسدتين:
стр. 982
المفسدة الأولى: استحلال المحرم.
المفسدة الثانية: الخداع والتحيل على رب العالمين، الذي ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩].
ولهذا كان الذين يتحيلون على الربا أعظم إثمًا من الذين يأتون الربا على وجه صريح؛ لأن المتحيلين يخادعون الله، فيجمعون بين مفسدة الربا ومفسدة الخداع؛ ولأن المتحيلين يرون أنهم على صواب، فلا يكادون ينزعون عنه، والذي يأتي الشيء صريحًا ويعرف أنه أخطأ فربما تلومه نفسه في يوم من الأيام حتى ينزجر.
قوله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ أي: عهدًا قويًا على أن يقوموا بما أمروا به، ولكنهم لم يقوموا بذلك، فنقضوا العهد ولم يبالوا، وكفروا بنعمة الله.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء: ١٥٥].
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾، ﴿فَبِمَا﴾ الفاء عاطفة، والباء حرف جر، و "مَا" زائدة إعرابًا، ولكنها زائدة معنى؛ لأن كل حرف زائد إعرابًا فإنه يفيد التوكيد، والتوكيد لا شك أنه زيادة معنى، وعلى هذا فنعرب "مَا" زائدة، و "نقض" اسم مجرور بالباء؛ لأنه لو حذفت "ما" صار التركيب "فبنقضهم ميثاقهم".
وأين متعلق الجار والمجرور في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾؟
стр. 983
الجواب: كلام الله يفسر بعضه بعضًا, وفي سورة المائدة قال الله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ وعلى هذا فيكون الجار والمجرور متعلقًا بمحذوف يفسره ما جاء في القرآن الكريم نفسه.
وقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ أي: فبنقضهم ميثاقهم، ونقض الميثاق هو المخالفة فيه، بأن يكون بينك وبين آخر عهد ثم تخالفه، فهذا هو نقض الميثاق، وهؤلاء خالفوا ما أمروا به ولم يقوموا به فنقضوا الميثاق.
قوله: ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الكونية والشرعية فالظاهر العموم، يعني: ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ حين كفروا بموسى، واقترحوا عليه وقَالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] إلى غير ذلك مما يعرف من سيرة القوم "الأمة الغضبية"، ومن أراد أن يعرف شيئًا من سيرتهم فليعد إلى كتاب إغاثة اللهفان لابن القيم ﵀، فإنه بين معايبهم ومخازيهم والعياذ بالله!
قوله: ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ﴿وَقَتْلِهِمُ﴾ فيها ثلاث قراءات: "وَقَتْلِهُمُ الأَنْبِيَاء" أي: بضم الهاء والميم، والقراءة الثانية: كسر الهاء وضم الميم "وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ"، القراءة الثالثة: كسر الهاء والميم، "وَقَتْلِهِم الأَنْبِيَاءَ" وكلها قراءات سبعية يجوز للقارئ أن يقرأ بها, ولكن إنما يحسن ذلك لطالب العلم، أما العامي فلا تسمعه قراءة غير التي في المصحف؛ لأنك إذا أسمعته قراءة أخرى لهان القرآن بقلبه، أو لغلطك، وقال: إن هذا يتخبط بكتاب الله ، كما أنكر عمر ﵁ على هشام بن الحكم حين قرأ الآية من سورة الفرقان على خلاف ما كان
стр. 984
يقرؤها عمر ﵄، حتى تنازعا إلى النبي ﷺ .
فالعامة إذا قرأت بخلاف ما في أيديهم لا شك أنهم سوف ينكرون عليك إنكارًا عظيمًا - وإن كنت على حق - ثم لو قدرنا أنهم لو وثقوا بك فسوف يهون القرآن في نفوسهم، والإنسان يجب عليه أن يجعل تعظيم القرآن في قلوب الناس أعلى من كل شيء يعظم سوى الله .
وقوله: ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، ﴿الْأَنْبِيَاءَ﴾ جمع نبي، فإن كان نبيء بالهمزة فيقال: الأنبئاء، وإن كان بالياء قيل: الأنبياء، وكلتاهما قراءتان: "الأنبئاء" "والأنبياء".
وقوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هذا بيان للواقع، وليس قيد احتراز؛ لأنه لا يمكن أن يكون قتل النبي بحق، لكنه بيان للواقع، وأن قتل النبي ليس بحق، والقيد الذي لبيان الواقع يفيد العلية، يعني: كأنه قال: ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ لأن قتل الأنبياء ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، وسيأتي إن شاء الله بيان الحق في الفوائد.
قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ نسأل الله العافية، إذا دعوا إلى الحق قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ والغلف: جمع أغلف، والأغلف: هو المغلف الذي عليه غلاف لا يصل إليه شيء، فهم يقولون هكذا ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، وهذا كقول قريش: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] فقريش أعظم؛ لأنهم قالوا: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ وبنو إسرائيل قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ لا نسمع، ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ لا نرى، فسدُّوا جميع الطرق - أعني: قريشًا - قالوا: القلوب لا تفقه، والآذان لا تسمع، والأعين لا
стр. 985
تبصر، والعياذ بالله! مع أن الحق أبلج، وأوضح ما يكون - نسأل الله الهداية -.
قال الله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، قوله: ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب الإبطالي، يعني: بل ليس في قلوبهم غلاف، وليست قلوبهم غلفًا، ولكن ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ لأن الأصل الفطرة، والفطرة دين الإِسلام، وما يرد عليها مما لا يوصل الحق إلى القلب فهو وارد، وليس أصليًا فيها، فكأن الله كذبهم، وقال: إن القلوب ليست غلفًا، ولكن طبع عليها - بعد أن كانت على الفطرة - بكفرهم.
وقوله: ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: جعل عليها طابعًا، والشيء المختوم يجعل عليه طابع يطبع عليه، يعني: بمعنى الختم.
وقوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ الباء للسببية؛ أي: بسبب كفرهم طبع على قلوبهم فلا يصل إليها الخير.
ولهذا قال: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، اختلف العلماء في قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ فقيل: إن المعنى لا يؤمنون أبدًا، وأن مثل هذا التعبير جارٍ في لسان العرب، فهو نفي للكل، وقيل: المعنى: إلا قليلًا منهم، فيكون الإستثناء من الواو، في قوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ منهم، وعلى هذا فينقسمون إلى قسمين: مؤمن وهو الأقل، وكافر وهو الأكثر، وقيل: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعود على الإيمان أي: لا يؤمنون إلا إيمانًا قليلًا، ثم هل المعنى ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: إلا ضعيفًا، أو ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ في الزمن، بمعنى: أن أكثر وقتهم الكفر، وقد ينقدح الإيمان في قلوبهم ولكن سرعان ما
стр. 986
ينطفي؛ لأنه ليس على أساسه؟ كل هذا محتمل، والسياق لا ينافيه.
فيقال: إن منهم المؤمنين، ومنهم الكافرون، والكافرون أكثر، ثم المؤمنون أيضًا، ليسوا مستقرين على الإيمان مستمرين عليه، ثم إيمانهم ليس إيمانًا قويًا راسخًا، وعلى هذا فالآية صالحة لجميع هذه الإحتمالات.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
١ - بيان قدرة الرب ، وأن ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] , وإلا فمن ذا الذي يستطيع أن يرفع هذا الجبل العظيم؟ ثم من الذي يستطيع أن يجعله فوق رءوسهم؛ ليس واقعًا عليهم حتى يموتوا, ولا رفيعًا بعيدًا حتى يأمنوا, ولكنه فوق الرءوس قريب؟ إذًا: ففيه دليل على قوة الله وقدرته.
٢ - أن إيمان بني إسرائيل إيمان إكراه؛ لأن أي قادر يقول: أنا سأسقط عليك حجارة من السماء إن لم تؤمن، فيؤمن المهدد على إكراه، وعليه: فالمؤمن على إكراه لا بد أن يكون إيمانه ضعيفًا مهزهزًا، إذا زال الإكراه ربما يرجع إلى الكفر.
٣ - أنهُ يشرع عند فتح البلاد صلاة الفتح، لقوله: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾، ويمكن أن يؤخذ هذا على أساس أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد شرعنا بخلافه، وقد قيل: إن شرعنا ورد بوفاقه، فإن النبي ﷺ لما فتح مكة صلى ثماني ركعات ضحى في بيت أم هانئ، فقال بعض العلماء: إن هذه صلاة الضحى، وقال آخرون: إنها صلاة الفتح؛ لأنه ليس من عادة الرسول عليه الصلاة
стр. 987
والسلام أن يصلي صلاة الضحى ثمان ركعات، فتكون هذه صلاة الفتح، وأخذ بها بعض الخلفاء فكانوا إذا فتحوا المدينة صلوا صلاة الفتح.
وما أقرب هذا القول من الصواب، أن صلاة النبي ﷺ الضحى حين فتح مكة صلاة فتح، شكرًا لله على ما أنعم به من الفتح، ولا سيما إذا كان الفتح فتح عاصمة، فإن بني إسرائيل فتحوا بيت المقدس، ومحمد ﷺ فتح أم القرى عاصمة القرى كلها.
٤ - أن لله تعالى أن يحرم الحلال في زمن، ويبيحه في زمن آخر؛ لأنه حرم عليهم الصيد يوم السبت.
٥ - أن اليهود أهل مكر وخديعة، حيث اعتدوا في السبت.
٦ - أن المتحيل على المحرم ولو بما صورته الإباحة يعتبر واقعًا فيه، لقوله: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ فاعتدوا فيه بهذه الحيلة، إذًا: فمن تحيل على محرم بما صورته المباح فهو واقع في المحرم، بل هو زيادة.
٧ - أنه يظهر الفرق التام بين هذه الأمة وبين بني إسرائيل - ولله الحمد - فهذه الأمة حرم الله عليهم الصيد في حال الإحرام في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] ثم ابتلاهم بإرسال الصيد عليهم، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] فالطائر يناله الرمح، والزاحف تناله اليد، فالزاحف كالأرانب والغزلان وما أشبهها، يناله الإنسان بيده، ويمسكه فلا يهرب منه، والطائر يناله الرمح دون السهم، وهذا ابتلاء، قال الله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ
стр. 988
يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤] فماذا كان موقف الصحابة من هذه الآية؟
الجواب: تجنبوا وامتثلوا الأمر، تجنبوا ذلك مع أنه سهل عليهم، فهذه الأمة أمة: سمعنا وأطعنا والحمد لله، جعلنا الله منهم.
٨ - أن من تحيل على محارم الله من هذه الأمة ففيه شبه من اليهود، وأي إنسان يتحيل على محارم الله فإن فيه شبهًا من اليهود، سواء كان في البيع أو في الشراء، أو فيما أحل الله من الطعام وحرم، أو في النكاح، ولهذا سمى النبي ﷺ المحلل التيس المستعار (١).
٩ - أن الله جل وعلا لم يعذب عباده إلا بعد أن قامت عليهم الحجة، لقوله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ عهدًا قويًا بينه وبين الخلق، ثم ينقضون عهده، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
١٠ - إثبات الأسباب الشرعية، وكذلك إثبات الأسباب القدرية من باب أولى، لقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ والباء للسببية، وإثبات الأسباب المؤثرة في مسبباتها من مقتضى حكمة الله ؛ لأن الشيء لو وقع صدفة هكذا لكان سفهًا، لكن إذا وقع الشيءُ مربوطًا بسببه دل ذلك على الحكمة والإتقان، والإنسان الذي يفعل الشيء اعتباطًا بدون سبب موجب له لا يعد حكيمًا، لكن الذي يفعل الشيء بأسبابه والمؤثرات فيه هذا هو الحكيم، والله قد ربط المسببات بالأسباب، ولكن يجب أن نعلم أنه لقصورنا ونقصنا قد نعلم السبب وقد لا نعلمه، إذًا: فيه إثبات الأسباب.
стр. 989
والناس في الأسباب ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
قسم: فرط، وقسم: أفرط، وقسم: توسط، وخير الأمور الوسط.
القسم الأول: فرط وقال: إنه لا أثر للأسباب إطلاقًا، حتى النار التي تحرق الورق ليس لها أثر، واحتراق الورق لم يكن بالنار ولكن عند النار، واحتجوا لذلك بأنك لو أثبت أن للسبب تأثيرًا في المسبب لأشركت بالله، حتى قالوا: أي إنسان يثبت سببًا فهو مشرك، في الربوبية.
القسم الثاني: أفرط وجاوز الحد وقال: إن الأسباب مؤثرة بطبيعتها, ولا يمكن أن تتخلف الأسباب، وهؤلاء أخطأوا أيضًا وأفرطوا.
القسم الثالث: قالوا: إن الأسباب مؤثرة لا بنفسها, ولكن بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة، وهؤلاء هم أهل الحق، سواء كان السبب قدريًا أو كان السبب شرعيًا، ولذلك نجد بعض الأشياء مشروعة لها أسباب ولها موانع، مثل الإرث له سبب وله مانع، فربما يكون أبوك الذي يرث مالك كله إذا انفرد به لا يرث شيئًا مع وجود السبب، لوجود المانع، إذًا: السبب هو المؤثر الآن، فالذي جعل الأبوة سببًا للإرث جعل القتل مانعًا من الإرث مثلًا.
كذلك أيضًا الأسباب القدرية، فهذه النار محرقة جعل الله فيها قوة الإحراق، ولما ألقي فيها إبراهيم قال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيم﴾ [الأنبياء: ٦٩] فانتفى الإحراق، مع أنها سبب مؤثر بأمر الله، ولكن لم تؤثر لما قال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيم﴾، فكانت بردًا وسلامًا عليه.
стр. 990
قال أهل العلم: إن الله تعالى لو قال لها: كوني بردًا فقط لهلك من البرد، الله أكبر! لكن قال: ﴿بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ لئلا تهلكه من البرد، فكانت ﴿بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ عليه.
إذًا نحن نقول: إن الأسباب مؤثرة بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة لا بنفسها، وحينئذ لم نشرك، وإنما قلنا بما تقتضيه ربوبية الله وحكمة الله، ربوبية الله بالتأثير، وحكمة الله بقرن المسبب بسببه، وهذا هو الحق، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة.
١١ - أن نقض الميثاق سبب للعنة الله ؛ لأن الآية على تقدير محذوف وهو: "لعنَّاهم".
١٢ - أن هؤلاء احتجوا بقدر الله على شرعه، حيث قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ فأبطل الله ذلك، فيترتب على هذا: أن كل من احتج بالقدر على الشرع فحجته داحضة، وقد أبطل الله هذا في قوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، ولو كانت حجتهم صحيحة مقبولة ما أذاقهم الله بأسه.
فإن قال قائل: أليس الله تعالى قد قال في آيةً أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] فكيف ينفي احتجاجهم بأن شركهم بمشيئة الله، ثم يثبت أن شركهم بمشيئة الله؟
الجواب عن هذا: أن يقال: إن الله سبحانه قال ذلك لنبيه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ تسليةً له، وليس إقرارًا لهم على شركهم، ولكن ليسلي النبي ﷺ ، حتى إذا تبين له أن شركهم كان بمشيئة الله
стр. 991
رضي بقدر الله، والرضا بقدر الله هنا ليس من جهة الفاعل لكن من جهة أجنبي منه، وأما قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ فقصدهم في هذا الإحتجاج بالقدر على الشرع ليستمروا على ما هم عليه من الباطل، وفرق بين هذا وهذا.
١٣ - أن الكفر بآيات الله سبب للعن كنقض العهد والميثاق، ولكن يقال: إن نقض العهد والميثاق منه ما يصل إلى حد الكفر، ومنه ما هو دون ذلك، أما الكفر في مثل هذا السياق فالمراد به الكفر الأكبر المخرج من الملة.
١٤ - إثبات الآيات لله، وآيات الله تعالى نوعان: كونية وشرعية، فالكونية جميع المخلوقات، فكل المخلوقات دالة على خالقها ، وعلى قدرته وعلمه، وحكمته ورحمته، وغير ذلك مما يتعلق بهذه المخلوقات.
والآيات الشرعية: هي ما أنزله الله على رسله من الوحي، فهي آيات شرعية؛ لأنك لو تدبرتها لوجدت أنه لا يمكن لأي بشر أن يأتي بمثلها, وليس المراد الإعجاز اللفظي بل الإعجاز المعنوي، أما الإعجاز اللفظي فيقال: إنه لم يثبت إلا للقرآن فقط، فالله أعلم، لكن على كل حال الآيات الشرعية هي التي جاءت بها الرسل، وهي آية من آيات الله لا أحد يستطيع أن يأتي بمثلها.
وقد تحدى الله سبحانه المكذبين بالرسل بالآيات الكونية والآيات الشرعية، فقال تعالى في الآيات الكونية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] فهذا تحدٍ بالآيات الكونية،
стр. 992
لا أحد يقدر أن يخلق ولا الذباب، وقال في الآيات الشرعية: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨] , ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ لا يمكن، ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ أي: مساعدًا ومعينًا.
المهم أن آيات الله سبحانه لا يكفر بها إلا المكابر، وإلا فإنه لا يمكن لأي إنسان إلا أن يقر، حتى أعتى من نعلم من أهل الأرض مستيقن بالحق، وهو فرعون وقومه، مستيقنون لكن جحدوا به ظلمًا وعلوًا، وموسى ﷺ يخاطب فرعون يقول: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] يخاطبه محاورة، فهل قال فرعون: ما علمت؟ أبدًا، أُخرس ولم يتكلم؛ لأن هذه آيات بينة واضحة.
١٥ - عتو بني إسرائيل؛ حيث اعتدوا على من أتوا بشرع يهدون الناس به، حيث قتلوا: ﴿الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، بل قتلوا ﴿الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] ولو كانوا غير أنبياء، وكل من يأمر بالقسط من الناس فإن بني إسرائيل يريدون قتله، والذي يقدرون على قتله يقتلونه؛ لأنهم إنما يريدون الفساد في الأرض.
١٦ - أن قتل الأنبياء لا يمكن أن يكون بحق، وقوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ بيان للواقع وليس قيدًا احترازيًا، وهو كثير في القرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُم﴾ [الأنفال: ٢٤] والرسول لا يدعو لما يميت أبدًا، لا يدعو إلا لما فيه الحياة.
стр. 993
١٧ - أن الله تعالى يطبع على القلب بالكفر، بمعنى أن الإنسان إذا كفر ولم يعلم الله فيه خيرًا طبع الله على قلبه، فلا يهتدي أبدًا، لقوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، وهذا إبطال لاحتجاجهم بالقدر، وهناك أيضًا آية تبين هذا أعظم بيان، أن من زاغ عن الحق فهو السبب، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥] فلا يمكن لأحد أن يزيغ إلا وهو السبب في زيغ نفسه.
١٨ - أن من طبع الله على قلبه فإنه لا يؤمن إلا قليلًا، يعني: إلا إيمانًا قليلًا لا يقوى به على الإستقامة، وقد سبق لنا أن ﴿قَلِيلًا﴾ هذه لها ثلاثة احتمالات، وأن الآية تعم الجميع؛ لأن لدينا قاعدة في التفسير، وينبغي أن لا تغيب عن أفهامنا: أنه متى احتملت الآية أكثر من معنى بدون أن يكون هناك تناقض فإنها تحمل على كل المعاني.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ [النساء: ١٥٦].
﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ هذا هو الراجح، وإن كان فيها خلاف عند المعربين، لكن هذا أرجح ما يكون؛ أي: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ "لعناهم".
وقوله: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ هذا توكيد على أنهم كفروا كفرًا أكبر، أكد بهذا التكرار.
قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ﴾ وهي بنت عمران وأخت هارون، وهنا إشكال: كيف تكون أختًا
стр. 994
لهارون وبين هارون وبينها سنين طويلة؟ أورد هذا على الرسول ﵊، فقال: "إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم، وإن هارون أخا مريم ليس هو هارون أخا موسى، لكن كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم، حتى وصل إلى هارون أخي مريم" (١).
وقد وصفها الله تعالى بأنها: ﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء: ٩١]، وأنها أبعد ما يكون عن البغي، مع أن بني إسرائيل قالوا: لها ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] هذا نفي، ولا يمدحون بذلك أباها وأمها، أبوها ليس ﴿امْرَأَ سَوْءٍ﴾ وأمها ليست ﴿بَغِيًّا﴾، وإنما المراد رميها بالزنا؛ كأنهم يقولون من أين جاءكِ هذا؟ ! الأم طاهرة، والأب بعيد عن السوء، ولهذا ذهب بعض العلماء الفقهاء إلى أنَّ القذف بالتعريض يجب به الحد، فلو تنازع شخصان وقال: أحدهما للآخر الحمد لله، أنا محصن الفرج، عفيف، ما زنيت، هو يقول عن نفسه، والمعنى أنك أنت بالعكس، ولهذا قال بعض العلماء: أنه يجب أن يحد؛ لأن هذا التعريض أشد.
وقوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ حيث قالوا: إنها كانت بغيًا، ويلزم من ذلك أن يكون عيسى أحد الأنبياء أولي العزم ولد زنا - والعياذ بالله! - وهذا بهتان عظيم، ونظير ذلك ما وقع من المنافقين في عائشة ﵂ في قصة الإفك، قال تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾ [النور: ١٢] بيِّن، ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ
стр. 995
عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾ [النور: ١٣، ١٤] ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [النور: ١٥].
من فوائد الآية الكريمة:
١ - إثبات السبب، لقوله: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾.
٢ - أن الكفر سبب للشر والفساد واللعن والإبعاد عن رحمة الله ؛ لأنه متعلق بمحذوف، كما قلنا في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥].
٣ - أن اليهود رموا مريم ببهتان عظيم، حيث قالوا: إنها زانية، وإن عيسى ابن زنا، نسأل الله العافية، وهذا بهتان عظيم، ولكن هل نقول: إنهم كفروا برميهم إياها؟ نقول: أما من قذفها بذلك بعد أن برأها الله منه فهو كافر، لا لقذفه ولكن لتكذيبه تبرئة الله سبحانه إياها، فعلى هذا يكون كفره من باب كفر الجحود؛ لأنه أنكر ما أثبته الله ، والله سبحانه قال: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢] فشهد الله لها بإحصان الفرج، وعليه فمن رماها بما رماها به اليهود فإنه كافر مكذب لله .
مسألة أخرى لها علاقة تامة بهذا: لو قذف أحد من الناس زوجة النبي ﵊ عائشة ﵂ بما برأها الله منه يكون كافرًا من وجهين:
الوجه الأول: تكذيب خبر الله ، وأول ما ذكر الله القصة ذكر الإفك ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] مما يدل على أن هذا القضية من أصلها وفصلها كذب، فمن رمى أم المؤمنين عائشة بما برأها الله منه فإنه كافر مكذب لله .
الوجه الثاني: أنه دنس فراش النبي ﵊،
стр. 996
وأم المؤمنين عائشة - وحاشاها أن تكون فعلت ما رميت به - إذا كانت زانية والعياذ بالله فهي خبيثة، والله يقول: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦] ولهذا يلزم من ذلك أن يكون القائل طعن بالرسول ﵊.
زد على ذلك أنه طعن في حكمة الله ، أن يجعل هذه المرأة الزانية فراشًا لأفضل البشر عنده - نعوذ بالله - لأنه ليس من الحكمة أن يجعل وليه وصفيه وخليله محمدًا ﷺ يفترش امرأةً زانية، فهؤلاء الذين يرمونها بما برأها الله منه هم كفرة لا شك، نشهد بالله أنهم كفرة، وليسوا من الإسلام في شيء؛ لأنهم كذبوا الله ورسوله؛ ولأنهم دنسوا فراش النبي ﵊؛ ولأنهم طعنوا في حكمة الله، ولا إشكال في هذا.
لكن لو قذف غير أم المؤمنين عائشة من زوجات الرسول ﵊، اللاتي متن وهن تحته أو مات عنهن فما حكمه؟ الجواب: الصحيح أنه يكفر، ولا نقول: لأنه تكذيب لله، فالله ما برأ واحدةً منهن، لكن لأنه دنس فراش النبي ﷺ ، وطعن في حكمة الله، ولهذا كان القول الراجح أن من قذف واحدةً من أمهات المؤمنين فإنه كافر، يباح دمه وماله إلا أن يتوب، فإذا تاب فينظر الإمام هل يرفع عنه القتل لأنه تاب أو لا يرفع لأنه حد، فهذا يرجع إلى رأي الإمام.
٤ - أن رمي المحصنات بهتان عظيم، ولهذا أوجب الله فيه حدًا قدره ثمانون جلدة، حتى لو شهد أحد بأن فلانة أو فلانًا زنى، وأنه شاهد ذكر هذا الرجل في فرجها، فنقول: عليك ثمانون جلدة، ولو كان من أصدق الناس، ولو كان من أزكى الناس، ولو قال: معي شاهد آخر، فنقول: الشاهد الثاني نجلده
стр. 997
أيضًا ثمانين جلدة مع الأول، ولو قالوا: عندنا شاهد ثالث، قلنا نجلده أيضًا ثمانين جلدة، وكل هذا حمايةً للأعراض والأنساب، يعني أن جلد القاذف ليس حماية لعرض المقذوف فقط، بل وللأنساب أيضًا؛ لأنه إذا ثبت زناه اختلط نسب الزاني بنسب الزوج، فما يدرى هذا الولد لهذا أو لهذا فتضيع الأنساب، ولهذا كان من الواجب أن يقام على القاذف حد، وأيضًا لا يكفي أن يقام عليه الحد، فبالإضافة إلى ذلك لا تقبل له شهادة أبدًا، حتى ولو شهد بما يساوي فلسًا؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] فأكد النفي بالتأبيد، فإذا شهد وهو من أعدل الناس قلنا: لا نقبل؛ لأن هذا أمر الله، العقوبة الثالثة: الخروج عن العدالة ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] وبناءً على ذلك فكل عمل ديني أو دنيوي يشترط فيه العدالة فإنه لا يتولاه أبدًا، لكن الله استثنى فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥] وهذا الإستثناء يعود إلى الجملة الأخيرة بالإتفاق، وهو ارتفاع الفسق إذا تاب، ولا يعود إلى الأولى بالإتفاق، وهي قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] واختلف العلماء هل يعود للثانية؟ وهي ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ أو لا؟ على قولين: وينبغي أن يرجع في ذلك إلى اجتهاد الحاكم القاضي.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)﴾ [النساء: ١٥٧].
стр. 998
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ هذا أيضًا مما ادعاه اليهود بنو إسرائيل، يقولون: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾، وذكروه باللقب والإسم والكنية، ﴿الْمَسِيحَ﴾ لقب، والإسم ﴿عِيسَى﴾، ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ الكنية، وهذا لا شك أنه واقع من اليهود، قالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ذكروه بالإسم وباللقب، والكنية لئلا يكون اشتباه، وهذا من باب التوكيد، توكيد العين والشخص بأنه هو المراد.
أما قوله: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ فقد اختلف المفسرون فيها، هل هذا من قولهم أو من قول الله؟ فقال بعض أهل العلم: إنه من قول الله، يعني: لما قال هؤلاء: ﴿الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ فهم لا يقرون بأنه رسول، لكن الله تعالى قال: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ كأنه يقول: إنه لا يستحق أن يقتل لأنه رسول.
وقال بعض المفسرين: إن هذا من كلامهم، وأنهم قالوا: ذلك على سبيل التهكم، يعني: الذي يزعم أنه ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾، وأن هذا كقول قريش للرسول: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ [الحجر: ٦] كيف ينزل عليه الذكر وتقولون: إنه مجنون؟ ! لكن هذا من باب التهكم.
على كل حال: القرآن عظيم، جاء بهذه الصيغة، من أجل أن يدير الإنسان فكره في كل ناحية ليتأمل أيهما أحق، ويمكن أن يقال: قاله الله تعالى تكريمًا وتعظيمًا لعيسى ﵊، وقاله هؤلاء استهزاء وتهكمًا.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ القتل موجود، فهم قالوا: ﴿قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾ لكن أين الصلب؟ يقولون: هذا من باب
стр. 999
حذف المعلوم بالسياق، وهنا هم قالوا: قتلنا وصلبنا، لكن طوي ذكره اكتفاءً بما سيذكر.
فقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ وهم قالوا: إنَّا قتلناه وصلبناه، والصلب: أن توضع خشبة على طول جسد المصلوب، ويعرض فوقها على حذاء عضديه عارضة، ثم يوقف ويشد على هذه الخشبة، وتربط يداه على العارضتين.
ولذلك اتخذ النصارى لسفههم وضلالهم وقلة عقولهم الصليب الذي صلب عليه نبيهم إلهًا، وعلى الأقل مقدسًا، مع أنهم لو كانوا عقلاء لكانوا إذا رأوا الصليب كسروه وأوقدوا به النار، لكنهم سفهاء ضلال، لا يميزون بين الحق والباطل.
قوله: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾، ﴿شُبِّهَ﴾ أي: ألقي شبهه على شخص آخر، فقتلوا هذا الشخص، وانظروا الضلال والفتنة، ألقي شبهه على رجل، فقتلوا هذا الرجل وصلبوه، وقالوا: ﴿قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾ وقد اتفق جميع الذين كانوا حاضرين معه على أنه رفع، كما قال الله ، ونحن لسنا بحاجة إلى شهادة أحد بعد شهادة الله .
ومن الذي شُبِّه؟ قيل: إن الذي شبه هو نفس الذي دل اليهود على عيسى؛ لأن اليهود كانوا يبحثون عن عيسى ﵇، وعيسى كما تعلمون كان يسيح في الأرض هو وأمه خوفًا على نفسه من اليهود، فقيل لهم: إنه كان في البيت الفلاني، فأرسلوا لقتله، وكان دليلهم واحدًا منهم، فلما وصلوا إلى البيت الذي هو فيه وأصحابه - وكانوا نحو ثلاثة عشر نفرًا أو اثني عشر - دخل الذي يدل عليه ليتأكد، فلما دخل ألقى الله عليه
стр. 1000
شبه عيسى، سبحان الله! فدخل اليهود فأمسكوه يظنونه عيسى، فقال: أنا صاحبكم، فقالوا: أنت عيسى، فقتلوه وصلبوه، أما عيسى ﵊، فيقال: إن الله فتح له كوة في الجدار وخرج من غير الباب، ورفعه الله إليه سبحانه.
وقيل: إن الذي شبه رجل من قوم عيسى، حيث قال عيسى لقومه الثلاثة عشر نفرًا: من يصبر على القتل فيلقي الله عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة؟ فقام شاب منهم وقال: أنا، فكأنهم استصغروه فأعادها مرة ثانيةً وثالثة، فقال: أنا، قال: أنت ذاك، فألقى الله شبهه عليه، ونجا عيسى، وهذا الشاب هو الذي دخل اليهود عليه فقتلوه وصلبوه.
فقوله: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ وأما عيسى ﵊ فيذكر الله أنه رفعه.
قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾، ﴿الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ فقال بعضهم: إنه عيسى، وقال بعضهم: ليس عيسى، كأن الشبه ليس تامًا؛ ففيه ملامح عيسى، وفيه ملامح غيره، ولهذا اختلفوا.
فمنهم من قال: قتلنا عيسى، ومنهم من قال: لم نقتله؛ لأن الشبه لا يقتضي المماثلة، ولعلهم لقوة انفعالهم لم يتأنوا كثيرًا، فألقي الشبه على واحد منهم، أو على من في البيت فقتلوه، ثم بعد قتله تنازعوا هل حقيقة أنهم قتلوا عيسى أو لا؟ فاختلفوا فيه، وهؤلاء الذين اختلفوا لم يختلفوا عن علم، ولكن عن شك، منهم من قال: قتلناه، ومنهم من قال: لم نقتله، واختلفوا وصار هذا في النهاية اختلافًا دينيًا، فمن اليهود من أقر بأنهم قتلوه، ومنهم
стр. 1001
من أنكر، وقال: إن الذي قتلنا الشبه شبه عيسى، والجسد ليس جسده، والنصارى أيضًا اتبعوهم في اختلافهم ذاك.
قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ نفى الله عنهم أن يكونوا عالمين، ووجه ذلك: أن العلم إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع إدراكًا جازمًا، وهؤلاء لم يصلوا إلى هذا الحد، بل نعلم أنهم لم يعلموا هذا؛ لأنهم ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾.
وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ "مَا" هنا نافية، وهل هي حجازية، أو تميمية، أو حجازية لم تكمل شروطها؟ الجواب: حجازية لم تكمل شروطها، والذي اختل من الشروط عدم الترتيب بين اسمها وخبرها، وابن مالك ﵀ يقول في الألفية:
إعمال ليس أعملت ما دون إن ... مَعَ بقا النفي وترتيب زكن
أي: عُلم، وهنا الترتيب مختلف، ولو قلت: "ما زيد قائمًا" كنت حجازيًا، ولو قلت: "ما زيد قائم" كنت تميميًا، وقال الشاعر يصف معشوقته:
ومهفهف الأعطاف قلتُ له انتسب ... فأجاب ما قتلُ المحب حرامُ
إذًا هي تميمية، ولو كانت حجازية لقال: "ما قتل المحب حرامًا".
لكن ﴿مَا﴾ لا تعمل عمل ليس عند الحجازيين إلا مع الترتيب وبقاء النفي، وهنا لا ترتيب، ولذلك نعرب ﴿مَا﴾ نافية، وقوله: ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، وقوله: ﴿عِلْمٍ﴾ مبتدأ مؤخر، لكن دخل عليه حرف الجر الزائد إعرابًا الزائد معنى؛ لأن الحروف الزائدة إعرابًا تفيد تقوية الكلام.
قوله: ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾، ﴿إِلَّا﴾ هنا أداة استثناء، لكن
стр. 1002
الإستثناء منقطع، وعلامة الإستثناء المنقطع أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، ونحن نعلم جميعًا أن ﴿اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ ليس علمًا، وعلى هذا فلا يكون الإستثناء هنا متصلًا بل هو منقطع؛ لأن ﴿اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ ليس علمًا، فيكون المستثنى الآن من غير جنس المستثنى منه، ويكون منقطعًا، وتقدر ﴿إِلَّا﴾ في الإستثناء المنقطع بـ "لكن"، يعني "ما لهم به من علم لكن اتباع الظن".
و"الظَّنُّ" هو الراجح من أحد احتمالين أو احتمالات، فإذا كان الأمر يحتمل شيئين فأكثر وترجح أحدها فالراجح يسمى ظنًا، والمرجوح يسمى وهمًا، وإن تساوى الأمران فهو شك، هذا عند الأصوليين، أما عند الفقهاء فالشك ما يقابل اليقين، فيشمل الوهم والظن والشك، ولهذا قالوا: إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث فهو على طهارته، ومعنى الشك بالحدث: يشمل الظن والوهم والشك، لكن الأصوليين ﵏ قسموا ما لا يكون علمًا إلى هذه الأقسام: ظن، وشك، ووهم.
وقوله: ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ وحينئذ لا علم عندهم، والأمثلة التي يكون فيها الإستثناء منقطعًا من القرآن كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾ [الغاشية: ٢٢ - ٢٤] فهنا ﴿إِلَّا﴾ استثناء منقطع؛ لأن انتفاء السيطرة على هؤلاء يشمل من كفر ومن كان غير كافر، ولهذأ أتت الفاء في الجواب، والتقدير ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ لكن ﴿مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾.
يقول جل وعلا: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ﴿مَا﴾ نافية، وقوله:
стр. 1003
﴿قَتَلُوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، قوله: ﴿يَقِينًا﴾ قيل إنها مصدر في موضع الحال من الواو في قوله: ﴿قَتَلُوهُ﴾ أي: وما قتلوه متيقنين، ولكنهم في شك منه، فهنا يتناسب هذا مع قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ وعلى هذا فتكون ﴿يَقِينًا﴾ مصدرًا في موضع الحال، وعاملها قوله: ﴿قَتَلُوهُ﴾ وصاحبها الواو، يعني: وَمَا قَتَلُوهُ متيقنين، وقيل: إن ﴿يَقِينًا﴾ مؤكدة للنفي؛ أي: "مَا قَتَلُوهُ - أقول ذلك أو أنفي - يَقِيناً" ولا يصح أن تكون مؤكدة للمنفي، يعني: ومَا قَتَلُوهُ قتلًا يَقِينًا بل قتلًا ظنيًا، فهذا لا يصح.
إذًا: إما هي مصدر في موضع حال من فاعل قتلوا، وإما هي تأكيد للنفي، وعلى القاعدة التي مرت علينا في التفسير أنه إذا احتمل الكلام معنيين فأكثر لا منافاة بينهما ولا مرجح لأحدهما حمل على المعنيين جميعًا، وشروط حملها على المعنيين: ألا يكون بينهما تعارض، وألا يكون الحمل على وجه مستبعد، بمعنى ألا يترجح أحدهما على الآخر، فإن ترجح أحدهما على الآخر أخذ بالراجح، وعلى هذا فنقول: كلمة ﴿يَقِينًا﴾ لها معنيان:
المعنى الأول: مَا قَتَلُوهُ، متيقنين.
والمعنى الثاني: مَا قَتَلُوهُ، أنفي ذلك يَقِينًا.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن اليهود باءوا بإثم قتل المسيح أخذًا بإقرارهم؛ لأن الله جعل الإقرار شهادة فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] ولهذا نقول:
стр. 1004
اليهود قتلوا المسيح حكمًا ولم يقتلوه واقعًا؛ لأنهم أقروا بأنهم قتلوه، ولكنهم لم يقتلوه واقعًا في الحقيقة، فحكم قتل المسيح ثابت على اليهود بإقرارهم.
٢ - أنهم - يعني: اليهود - إما أن يكونوا قد أقروا بأنه رسول، وقالوا: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ ليعلنوا على أنفسهم أنهم فعلوا ذلك عنادًا، أو أن قوله: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ هذه من كلام الله، كما سبق ذكر القولين اللذين قال بهما المفسرون في ذلك.
٣ - نسبة الإنسان إذا لم يكن له أب إلى أمه، وتؤخذ من قوله: ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾.
٤ - فائدة نحوية: أن الإنسان إذا اشتهر بلقبه فلا بأس أن يقدم على اسم العلم؛ لأنه قدم المسيح، وإلا فالأصل أن يقدم الإسم أولًا ثم اللقب ثم الكنية، لكن إذا اشتهر باللقب فإنه يقدم، مثل أن تقول: الإمام أحمد بن حنبل، أو أحمد بن حنبل الإمام، فالأول مقدم؛ لأنه مشتهر به.
٥ - أن عيسى ﵊ رسول الله، لقوله: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ وهو آخر نبي بعث بعده محمد ﷺ ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة: ١٩] وثبت عن النبي ﷺ أنه ليس بينه وبين عيسى أحد من الرسل (١)، وبه نعرف كذب الأخبار التي قالت: إن خالد بن سنان وهو من العرب كان رسولًا، فيقال: ليس بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام أحد من الرسل.
стр. 1005
٦ - شرف عيسى ﵊، لأنه ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ وكفى بالإنسان شرفًا أن يكون رسولًا لله، كما كفى به شرفًا أن يكون عبدًا لله، لكن الرسالة أخص من العبودية.
٧ - إن عيسى ﵊ لم يقتل ولم يصلب خلافًا لقول اليهود، والذي قال: إنه لم يقتل ولم يصلب هو الله في قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾.
٨ - سفاهة النصارى وقلة تمييزهم حيثُ كانوا يعبدون الصليب ويعظمونه، ولو كانوا عقلاء لكسروه، صليب يصلب عليه نبيهم، ثم يذهبون إلى تقديسه! لو أخذنا بظاهر الحال لقلنا: هذا دليل على بغضهم لعيسى، حيث قدسوا ما عذب به، وهو الصليب، لكن هم يدعون أن هذا تعظيم لعيسى ﵊.
٩ - تمام قدرة الله ، حيث انقلب الرجل إلى مشابه عيسى، سواء قلنا: إنه أحد القاعدين في البيت، أو إنه اليهودي الذي دل اليهود على مكان عيسى، فهو في كلا الحالين دليل على تمام قدرة الله .
١٠ - إذا قلنا: إن المقتول هو الرجل الذي دل اليهود، فإن فيها تأييدًا للمثل القائل: "من حفر لأخيه حفرة وقع فيها"، فإن هذا الرجل جاء يدل اليهود ليقتلوا عيسى، فقتلوه هو.
١١ - أن اليهود اختلفوا بعد أن قتلوا عيسى - بزعمهم - هل قتلوه أم لا؟
١٢ - أنهم تكلموا بهذا بلا علم، فهذا الإختلاف كله لا علم فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ وكل المختلفين ليس لهم به علم، وإنما هو الظن.
١٣ - أنه كما ينتفي العلم عن النصارى؛ لأنهم ضلال، فقد
стр. 1006
انتفى العلم عن اليهود في هذه المسألة، ولم يدركوها حقًا.
١٤ - الإشارة إلى ذم من اتبع الظن، ووجهه: أن الله نفى عنهم العلم أولًا، ونفي العلم يقتضي ثبوت الجهل، والجهل مذموم، فـ ﴿اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ أيضًا مذموم، ولكن الله تعالى بين في سورة الحجرات أن الظن بعضه غير مذموم، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] يعني: ولا تجتنبوا بعض الظن، ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ يعني: وبعضه ليس بإثم، فالظن المبني على قرائن قوية، وليست أوهامًا ولا تخيلات هذا ليس بإثم، والظن الذي لا أصل له هذا إثم، ولكن إذا ظن الإنسان بأخيه سوءًا فهل الأولى أن يحقق أو أن يتجاهل الأمر؟ الجواب: يقال: حسب الحال، فقد يكون من المصلحة النفي حتى نصل إلى اليقين، إما نفيًا أو إثباتًا، وقد يكون من المصلحة أن نتجاهل ونتغاضى، فإذا كان الأمر بينك وبين هذا الرجل فالتجاهل أحسن، يعني: لو نقل إليك إنسان كلامًا فيك من شخص فالأولى أن تتجاهل هذا؛ لئلا يقع في قلبك شيء عليه، فضلًا عن أنه ربما تذهب إليه وتتنازع معه، ولهذا جاء في حديث رواه ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: "لا يخبرني أحد منكم عن أحد شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر" (١) والحديث فيه ما فيه من حيث السند، لكن معناه جيد، إلا إذا دعت الحاجة إلى إخبار الإنسان فهذا شيء آخر، مثل أن نعرف أن هذا الرجل بينه وبين هذا صداقة، ويفضي إليه بسره،
стр. 1007
والثاني ينقل الكلام، فهو كالمنخل تمامًا لا يمسك الماء، فهذا يجب أن تنصحه، وإذا أخبرت عن حاله فليس هذا نميمة بل هو نصيحة.
المهم: أن الظن ينقسم إلى قسمين: بعضه له قرائن قوية فهنا ينتفي عنه الإثم، وقسم آخر ليس له قرائن قوية فظنه إثم.
١٥ - انتفاء قتل عيسى ﵊، وأنه لم يقتل يقينًا، لقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ واليقين هنا عائد إلى نفي القتل.
فإن قال قائل: ما الذي أحوج القضية إلى أن يكون فيها هذا التأكيد، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ألسنا نحن نؤمن بكلمة واحدة من ربنا ؟
الجواب: بلى، لكن الذي أوجب هذا أن اليهود لهم دعاية قوية فيما يذهبون إليه، فمن أجل هذه الدعاية القوية قوبلوا بهذه التأكيدات التي تدل على أنهم لم يقتلوا عيسى، وهذا من رحمة الله وحكمته، أما كونه من رحمته؛ فلئلا يعلق في قلوب المسلمين من هذه الدعاية، وأما كونه من حكمته الله، فلأجل أن يتبين الأمر كما هو، حتى لا يكون ملتبسًا.
١٦ - أن هؤلاء الذين يدعون قتله لم يتيقنوا من قتله، بل هم في شك منه، بناءً على أن ﴿يَقِينًا﴾ مصدر في موضع الحال من فاعل "قتلوا"، يعني: وما قتلوه متيقنين بل هم في شك من ذلك، والله أعلم.
* * *
стр. 1008
* قال الله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ [النساء: ١٥٨].
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب، وهو إضراب إبطالي، وعلامة الإضراب الإبطالي أن يكون مبطلًا لما سبقه، وعلامة الإنتقالي ألا يكون مبطلًا لما سبقه، لكنه ينتقل من حال إلى حال، مثل قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ [النمل: ٦٦] ﴿بَلْ﴾ هنا انتقالية، لكن الإضراب في قوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ﴾ إضراب إبطالي؛ أي: بل لم يصدقوا في دعواهم.
وقوله: ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، رفعه الله تعالى إليه حيًا، إما من كوة في البيت، أو من الباب، الله أعلم، وكل ذلك ممكن، وكل ذلك بقدرة الله .
وقوله: ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ وأين كان؟
الجواب: كان في السماء الثانية، دليل ذلك: أن النبي ﷺ حين عرج به، وجد في الأولى: آدم، ووجد في الثانية: عيسى، ويحيى، ووجد في الثالثة: يوسف، ووجد في الرابعة: إدريس، ووجد في الخامسة: هارون، ووجد في السادسة: موسى، ووجد في السابعة: إبراهيم ﵊، لأنه أعلى هؤلاء منزلة عند الله ، ولهذا كان في السماء السابعة، وآدم في السماء الدنيا ليقرب من بنيه، فإن بنيه كانوا في الأرض، وأقرب ما يكون إلى الأرض من السماوات: السماء الدنيا، وفضل الله واسع ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١] إذًا قوله: ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ إلى السماء الثانية، مع ابن خالته يحيى، لكن
стр. 1009
يحيى ليس مرفوعًا في حال حياته، إنما هو مرفوع بعد أن مات.
قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ أي: ذا عزة، والعزة ثلاثة أقسام - كما قال العلماء -: عزة القهر، وعزة القدر، وعزة الإمتناع:
فعزة القهر: أن الله غالب غير مغلوب، وفي ذلك يقول الشاعر الجاهلي:
أين المفر والإله الطالبُ ... والأشرم المغلوب ليس الغالبُ
ومن أمثلة ظهور الغلبة في العزة، قول الله ﵎ ردًا على قول المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فالعزة هنا أظهر معانيها الغلبة؛ لأنه في مقابلة قول هؤلاء المنافقين، وعزة الغلبة واضحة، أن يكون غالبًا لكل شيء، فهو غالب وليس بمغلوب جل وعلا.
وعزة القدر: أي أنه ذو قدر عظيم لا نظير له.
وعزة الإمتناع: أنه يمتنع عليه النقص، وأخذوا هذا من قول العرب: أرض عزاز؛ أي: صلبه قوية.
قوله: ﴿حَكِيمًا﴾ أي: ذا حكمة، والحكمة هي: إحكام الشيء وإتقانه، ووضعه موضعه بحيث لا يقول عاقل ليته لم يكن هنا، هذه الحكمة، وقد نتوسع في المعنى ونقول: إن الحكيم مشتقة من الحكمة والحكم، قال الله ﵎: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] فهو الحكيم؛ أي: الحاكم في عباده، وبين عباده، فهو الحاكم في عباده، يشرع ما شاء فيهم بأمره ونهيه، وهو الحاكم بينهم بشرعه في الدنيا وبجزائه في
стр. 1010
الآخرة، ويكون أيضًا من الحكمة، وهي إتقان الشيء ووضعه في موضعه، ولا شك أن الله له الحكمة البالغة في شرعه، وفي قدره، ولهذا نقول: الحكمة شرعية وقدرية.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ مناسبة ختم الآية بهذين الإسمين الكريمين؛ لأن هؤلاء اليهود جاءوا مغالبين يريدون أن يقتلوا رسولًا من رسل الله ، فناسب أن يختم الآية بالعزة والحكمة، وهي هنا في الحكم أظهر منها في الحكمة، يعني هو الحاكم ؛ ولذلك منع هؤلاء من إفسادهم وقتلهم النبي.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - إبطال ما ادعاه هؤلاء من قتل عيسى ابن مريم ﵊، حيث نفى قتله ثم بين أنه مرفوع إلى الله.
٢ - إثبات علو الله ، لقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ وإلى للغاية، فدل ذلك على أن المرفوع إليه عالٍ، والأدلة على علو الله تعالى بذاته كثيرة لا تحصر من القرآن، والسنة، وإجماع السلف، والعقل، والفطرة، وقد تكرر هذا كثيرًا وبيناه - والحمد لله -.
٣ - أن عيسى ابن مريم ﵊ حي، لقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ وهذا يقتضي رفعه بجسده، كما عرج بالنبي ﷺ بجسده إلى السماوات.
ولو جاء سائل يقول: إذا قلنا: إن عيسى حيٌّ، فما الجواب على قول الله ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]؟
والجواب على هذا: أن قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ فيه أقوال:
الأول: أن المراد بالوفاة النوم، والدليل قول الله تعالى:
стр. 1011
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] والمعنى: أن الله تعالى عندما أراد أن يرفعه ألقى عليه النوم، حتى لا ينزعج بهذا الرفع.
والقول الثاني أن قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: قابضك، كما يقال: توفى فلان حقه؛ أي: استوفاه وقبضه.
والقول الثالث: أن الآية ليست على الترتيب الذكري، وأن المعنى: إني رافعك إلي ومتوفيك، فيكون الترتيب هنا من باب الترتيب الذكري لا المعنوي، وهذه كلها أجوبة صحيحة، وأظهرها الأول، وهو أن المراد وفاة النوم، وأن الله تعالى ألقى عليه النوم حتى يكون ﴿عند رفعه غير منزعج ولا متأثر.
٤ - إثبات هذين الإسمين لله ، وهما: العزيز والحكيم، والعزيز: المتصف بالعزة، والحكيم: المتصف بالحكم والحكمة؛ لأنها من حكم وأحكم، وسبق أن قلنا: إن عزة الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الإمتناع، فهي ثلاثة معان.
٥ - إثبات الحكمة لله ، وهو أنه لا يحكم بشيء إلا لحكمة ولا يفعل شيئًا إلا لحكمة، وهذه الحكمة قد تكون معلومة للناس، وقد تكون غير معلومة.
٦ - وجوب اقتناع الإنسان بحكم الله ورضاه بقدره، فوجوب اقتناعه بحكم الله؛ لأنه إذا آمن أنه لحكمة وجب أن يقتنع به، ولهذا كان السلف الصالح لا يقنعون النفوس عند الإشكال إلا بالنصوص، كما قالت عائشة ﵂ حين سئلت "ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت:
стр. 1012
كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (١) وأما الرضا بقضائه، فالمراد: أن يرضى الإنسان بقضاء الله لا بالمقضي؛ لأن المقضي فيه تفصيل، لكن القضاء من حيث هو قضاء الله يجب عليه أن يرضى به، وهذا من تمام توحيد الربوبية.
٧ - إثبات الحكم لله ، فالحكم لله كونًا وشرعًا، أما الحكم الكوني فنافذ على كل أحد؛ مسلم وكافر، مؤمن وفاجر، فكل أحد خاضع للحكم الكوني، وأما الحكم الشرعي فمن الناس من خضع له، ومن الناس من لم يخضع له، فالمؤمنون خاضعون له، والكافرون لم يخضعوا له.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء: ١٥٩].
﴿إِنْ﴾ هنا نافية؛ أي: "ما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به" و ﴿إِنْ﴾ تأتي في اللغة العربية على وجوه متنوعة، فتأتي نافية كما في هذه الآية، وأمثلتها كثيرة، وغالبًا ما تأتي نافية إذا أتت بعدها إلا، مثل قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبأ: ٤٣]، وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧]، وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] فـ ﴿إِنْ﴾ تكون هنا نافية، وتأتي مخففة من الثقيلة، مثل: "إن زيدًا لقائم" فهي مخففة من الثقيلة، وتأتي شرطية مثل: "إن قام زيد قام عمرو".
стр. 1013
وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ المراد بهم اليهود والنصارى.
وقوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ مستثنى من محذوف، والتقدير "وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به" وعلى هذا فقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ خبر لمبتدأ محذوف دل عليه السياق، وتقدير الخبر المحذوف أحد.
وقوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ نجد الفعل هنا مفتوحًا ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ فهو مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد.
وقوله: ﴿بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ ﴿بِهِ﴾ أي: بعيسى ﵊، ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الضمير يعود على عيسى، وقيل يعود على الرجل من أهل الكتاب، يعني: أنه ما من أحد من أهل الكتاب إلا إذا حضره الموت آمن بعيسى، أو المعنى: ما من أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى إلا آمن بعيسى، وكلا المعنيين صحيح، والثاني: أظهر، وهو أن الضمير يعود على عيسى ﵊؛ لأن عيسى سوف ينزل في آخر الزمان، وسوف يكسر الصليب ويقتل الخنزير، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام، حتى الجزية لا يقبلها.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ ظرف، عامله: ﴿يَكُونُ﴾، والمعنى: أن عيسى ابن مريم ﵊ يكون شهيدًا عليهم يوم القيامة.
ومعنى الآية الكريمة: أنه لا يوجد أحد من أهل الكتاب إلا آمن بعيسى قبل أن يموت عيسى، وعلى هذا التقدير يكون المعنى: ما من أحد من أهل الكتاب أدرك عيسى إلا آمن به قبل أن يموت، وعلى القول الثاني: أن الضمير يعود على الواحد من
стр. 1014
أهل الكتاب، يكون المعنى: أنه ما من إنسان من أهل الكتاب يحضره الموت إلا آمن بعيسى، حتى اليهود الذين كانوا ينكرون رسالته يؤمنون به.
وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ هم اليهود والنصارى، وسموا بذلك؛ لأن لهم كتبًا حية وإن كانت محرفة، وهي التوراة عند اليهود، والإنجيل عند النصارى؛ ولهذا سموا أهل الكتاب، ولا يعلم كتاب بقي إلى بعثة الرسول ﵊ مما جاءت به الرسل إلا التوراة والإنجيل، وقيل: إن المجوس لهم كتاب أنزل، أو لهم شبهة؛ ولكن الصحيح خلاف ذلك، وأنه لا يوجد كتاب بقي إلى بعثة الرسول ﷺ إلا التوراة والإنجيل.
وقوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ أي: إيمان قبول وإذعان، وليس مجرد التصديق؛ لأن مجرد التصديق لا يسمى إيمانًا، ولهذا لا يحكم بإيمان أبي طالب مع أنه مصدق، بل لا بد من قبول ما آمن به الإنسان والإذعان له.
وقوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: قبل موت عيسى، أو موت الإنسان، وذلك حين يرى الحق، فإذا رأى الكتابي الحق سواء كان ذلك بنزول الموت، أو كان ذلك بنزول عيسى ﵊ فإنه يقبل، ولكن هذا الإيمان يكون كالإيمان الإضطراري؛ لأنهم لما كان باختيارهم لم يؤمنوا بعيسى بل كفروا به.
قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ وذلك مذكور في قوله ﵎: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا
стр. 1015
لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧] فيوم القيامة سيشهد عيسى ابن مريم ﵍ على قومه أنه لم يقل لهم إلا ما أمره الله به ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن الكتابي قد يؤمن إيمان اضطرار إما عند موته، أو إذا نزل عيسى، ولكن النصوص تدل على أن الإيمان الإضطراري لا ينفع، وأن الإيمان لا ينفع إذا حضر الأجل، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨] ولكن الإيمان الإضطراري في غير هذا الحال قد يرسخ في قلب المرء، فقد يؤمن أولًا خوفًا من السيف، ثم يرسخ الإيمان في قلبه ويثبت، ويكون إيمانًا حقيقيًا يثاب عليه وينجو به من النار.
٢ - إثبات الموت للبشر كلهم حتى الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء: ٣٤].
٣ - أن الموت ثابت للرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن دونهم من باب أولى، وقد ذكرنا أدلة على ذلك.
٤ - إثبات القيامة، لقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ وقد بينا فيما سبق لماذا سمي هذا اليوم بيوم القيامة؟
٥ - أن الرسل عليهم الصلاة والسلام يشهدون على أممهم؛
стр. 1016
لقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾، وهذا عام في كل الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١]، وهل يكون العلماء الذين هم ورثة الأنبياء شهداء؟
الجواب: نعم، فإن العلماء يشهدون على الأمم ببلوغ الرسالة إليهم، ويشهدون للرسل بأنهم بلغوا، ولهذا كان العلماء ورثة الأنبياء.
٦ - أن الناس يوم القيامة يتكلمون، ويستشهدون، ويناجون؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦].
* * *
* قال الله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].
﴿فَبِظُلْمٍ﴾ الفاء عاطفة على ما سبق، والباء هنا للسببية، والظلمُ في الأصل النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣)﴾ [الكهف: ٣٣] وأما في الشرع فهو التعدي، سواء كان بترك واجب أو بفعل محرم.
وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني بهم: قوم موسى، حين قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي: رجعنا، ومع رجوعهم والتزامهم بالرجوع إلى الله ظلموا أنفسهم.
стр. 1017
قوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ هذا الفعل هو العامل في قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ يعني: الجار والمجرور في قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ متعلق بقوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾، والتحريم في اللغة المنع، ومنه حريم البئر، وهو: ما حولها، فيمنع من إحيائه، ومنه سمي النساء حريمًا، لاحتجابهن والمنع من التعدي عليهن.
وقوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، ﴿طَيِّبَاتٍ﴾ أي: أطعمة طيبات، فهي صفة لموصوف محذوف، والطيب ضد الخبيث، والخبيث له إطلاقات متعددة، تارةً يراد به الشيء النجس، وتارةً يراد به الرديء، وتارة يراد به المحرم مطلقًا.
قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ أي: كانت في الأول حلالًا، وهي باقية على طيبها، لكن حرمت عليهم بسبب ظلمهم.
وقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ المُحِل هو الله ؛ لأنه هو الذي بيده الأمر.
قوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وَبِصَدِّهِمْ﴾ الواو حرف عطف، وصدّ: مصدر يحتمل أن يكون من الفعل المتعدي، ويحتمل أن يكون من الفعل اللازم، وذلك لأن صدَّ تكون فعلًا لازمًا، وتكون متعدية، فيقال: "صد الرجل عن كذا" بمعنى أعرض، "وصد غيره عن كذا" بمعنى صرفه عنه، وهنا يجوز فيها الأمران، فهم قد صدوا أنفسهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ وصدوا غيرهم أيضًا بما عندهم من الكتاب الذي يشبهون به، ويموهون به على الناس، ويقولون: إن محمدًا ﷺ ليس هو المبعوث المنتظر أو ما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المراد بسبيل الله شرعه الذي
стр. 1018
شرعه الله لعباده، وسمي سبيل الله؛ لأنه طريق موصل إلى الله ؛ ولأن الله تعالى هو الذي وضعه للعباد، ولم يشرعه أحد سواه، فأضيف إلى الله تعالى باعتبارين: الإعتبار الأول: أنه موصل إليه، كما تقول: هذا طريق المدينة، وهذا طريق مكة، والثاني: أن الله هو الذي وضعه للعباد وشرعه لهم، مع أنه يضاف أحيانًا للسالكين؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] فهنا أضاف السبيل إلى المؤمنين باعتبار أنهم سالكوه، وعلى هذا فإذا أضيف السبيل إلى الله كان باعتبارين، وإذا أضيف إلى العباد صار باعتبار واحد.
وقوله: ﴿كَثِيرًا﴾ يختلف إعرابها باختلاف كلمة صدّ، فإن كانت لازمة فهي صفة لمصدر محذوف؛ أي: "صدودًا كثيرًا" وإن كانت متعدية فهي مفعول لصدّ، وإن شئت قلت: صفة لمفعول صدّ المحذوف؛ أي: "خلقًا كثيرًا"، وهم في الواقع جديرون بالوصفين فأنهم صدوا بأنفسهم، وصدوا غيرهم.
قوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ هذا الوصف الثالث ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾ ولم يقل أكلهم؛ لأن الأخذ أعم، فقد يأخذ إنسان الربا ولا يأكله، فيستعمله في لباس أو في بناء أو ما أشبه ذلك، وقد يأخذه للأكل، فتارةً يعبر بالأكل؛ كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وتارةً يعبر بالأخذ وهو أعم، لكن التعبير بالأكل أشد؛ لأن ممارسة الآكل للربا أشد من ممارسة غير الآكل، إذ أن الآخذ يستعمل الربا، وقد يفيده في أمور أخرى غير الأكل.
стр. 1019
وقوله: ﴿الرِّبَا﴾ لغة: الزيادة، وفي الشرع: الزيادة في أشياء معينة، بيَّنها النبي ﷺ في ستة أشياء: الذهب، والفضة، والشعير، والتمر، والبر، والملح، ودليلها قوله ﷺ : "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر وبالبر، والملح بالملح، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر مثلًا بمثل سواء بسواء" (١) أما إلحاق غير الستة بها فقد اختلف العلماء في ذلك:
أما أهل الظاهر فقالوا: لا يلحق بها غيرها؛ لأنهم يمنعون القياس، وأما القياسيون فاختلفوا، فمنهم من قال: لا يلحق بها غيرها، بل يقتصر على ما جاء به النص، كابن عقيل الحنبلي ﵀، حيث قال: يقتصر على ما جاء به النص، مع أنه من أهل القياس والمعاني، لكنه قال: إن العلماء اختلفوا في العلة واضطربوا، وليس هناك نص بيِّن يجب المصير إليه، فإذا اختلفوا فهو كاختلاف المأمومين على الإمام في الزيادة أو النقص في الصلاة، والمعروف أنه إذا اختلف المأمومون على الإمام في الزيادة أو النقص سقطت أقوالهم، ولم يؤخذ بقول الزيادة ولا بقول النقص، فيقول: لما اختلف العلماء ﵏ في علة الربا في هذه الأشياء الستة بطلت العلة، ورجعنا إلى القول بأنه يقتصر على ما جاء به النص.
والقول الثاني عند أصحاب القياس: أن العلة معقولة، ويمكن أن يلحق بهذه الأشياء الستة ما كان مثلها، ثم اختلفوا في المماثلة، هل هي الطعم، أو الكيل، أو الكيل والإدخار؟ ولهذا
стр. 1020
كانت أقوال العلماء في هذه المسألة مضطربة لا تكاد تأتي على شيء تطمئن إليه كثيرًا.
وعلى كل حال نحن نقول: الربا حرمه الله ورسوله، سواء كان ذلك عن طريق الأثر أو عن طريق النظر والقياس.
قوله: ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾، ﴿وَقَدْ﴾ الواو هنا للحال، يعني: والحال أنهم ﴿قَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ وبلغوا، وقامت عليهم الحجة، لكنهم أخذوه، والناهي عنه هو الله ورسله.
الوصف الرابع: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يعني أنهم استولوا على أموال الناس، فالمراد بالأكل هنا الإستيلاء سواء استولوا فأكلوه، أو لبسوه أو عمَّروا، أو فعلوا أي شيء.
وقوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾، "الْبَاطِلِ" كل ما خالف الشرع فهو باطل، سواء أخذوه عن طريق الغش، أو عن طريق الكذب، أو عن طريق الجهل بالمبيعات، أو عن طريق كتم الحق، أو ادعاء ما ليس لهم، المهم أن المراد ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ كل ما أخذ بغير حق.
وقوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يحتمل أن تكون معطوفة على ما سبق، ويكون العامل هو ﴿حَرَّمْنَا﴾ يعني: وحرمنا عليهم طيبات أحلت لهم بصدهم عن سبيل الله كثيرًا وأخذهم الربا ... إلخ، ويحتمل أن العامل محذوف، والتقدير: وعذبناهم بصدهم عن سبيل الله كثيرًا، وأخذهم الربا وقد نهوا عنه، ويدل عليه قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
يخبر الله في هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء اليهود الذين ظلموا أنفسهم، حرم الله عليهم بعض الطيبات لا كل الطيبات،