وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ عطف اسم الرسول ﵊ أو وصفه على اسمه تعالى؛ لأن طاعة الرسول من طاعة الله، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
وقوله: ﴿وَرَسُولَهُ﴾ المراد به حين نزول القرآن رسول معين، وهو محمد ﷺ ، وأما حين قيام الشرائع السابقة فالمراد بالرسول من كانت شريعته قائمة، ففي عهد المسيح يكون المراد بالرسول عيسى، وفي عهد موسى يكون المراد بالرسول موسى ... وهكذا، لكن بعد بعثة الرسول ﷺ يكون المراد بالرسول محمدًا ﷺ .
وقوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿يُدْخِلْهُ﴾ جواب الشرط، وهو مجزوم بالسكون، والقاعدة ومقتضى الدلالة العقلية: أن الشرط يترتب على المشروط، فالشرط الطاعة، والمشروط الجزاء والثواب، فالمشروط يترتب على الشرط ترتبًا عقليًا، فهنا يكون قوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ هو المشروط الذي اشترطه الله لمن أطاعه، فتكون نتيجة حتمية ضرورة لصدق المخبر به؛ لأن المخبر به هو الله، وهو أصدق القائلين، والمخبر به قادر على فعله، ولهذا فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد: ٣١]؛ لأنه كامل الصدق، كامل القدرة، وإخلاف الوعد يأتي من أحد أمرين: إما الكذب؛ أي: كذب الواعد، وإما العجز وعدم القدرة، والله لا يخلف الميعاد.
وقوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ جنات: جمع جنة، وهي في الأصل: البستان الكثير الأشجار،
стр. 107
وسمي بذلك لأنه يستر من كان فيه لكثرة أشجاره، وهذه المادة "الجيم والنون" تدل على الستر، ومنها: "الجَنَان" وهو القلب؛ لأنه مستتر، و"الأجنة" وهي الأحمال في بطون الأمهات؛ لأنها مستترة، و"الجن"؛ لأنهم مستترون، و"الجُنة" ما يستتر به المقاتل؛ لأنها تستره، فهذه المادة كلها تدور على هذا المعنى، فالجنات: هي البساتين الكثيرة الأشجار، ولكنه لا يحسن أن نفسرها في هذا الموضع بهذا المعنى؛ لأنها إذا فسرت بهذا المعنى فكأنما حصر مدلولها بما يعرفه الناس، وسوف يقلل من أهمية الجنة الموعود بها.
ولهذا ينبغي أن تفسر بأنها الدار التي أعدها الله لأوليائه، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فإذا فسرت بهذا التفسير بقيت هيبتها في النفوس، لكن لو فسرت بالمعنى الأول؛ لتوهم الإنسان وقال: هذا كبستان فلان ابن فلان، كثير الأشجار، وكثير النخيل، وما أشبه ذلك.
والجنة أعظم مما في الدنيا بأضعاف مضاعفة، لا يعلمها إلا الله، قال ابن عباس ﵄: "ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء" (١)، وإلا فالحقائق تختلف، كما قال الله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]، وفي الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا
стр. 108
أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (١).
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الجريان معروف، وهو سير الماء على الأرض، وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت هذه الجنات، فهي أشجار وارفة الظل، والأنهار تجري من تحتها، ولو تخيل الإنسان هذا النعيم، لوجده أكبر نعيم، وهذه الأنهار قد فسرها الله في سورة القتال بقوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، فليس هو عسل نحل، إنما عسل مصفى، خلقه الله هكذا، ولبن ليس كلبن البقر أو الغنم، بل خلقه الله أنهار، وكذلك الماء لا يأسن أبدًا مهما طالت مدته، بخلاف ماء الأرض فإنه يأسن وتتغير رائحته بطول المكث، والخمر لذة، ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ [الصافات: ٤٧].
وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قال العلماء: إنها تجري من تحتها، ولا تحتاج إلى بناء يمنع تسرب الماء، ولا إلى حفر أخدود، بل تسير هكذا حيثما أردت، قال ابن القيم في النونية:
أنهارها في غير أخدود جرت ... سبحان ممسكها عن الفيضان
فهي أنهار لا تحتاج إلى حفر سواقي، ولا إلى إقامة أخدود، بل تجري هكذا على الأرض، وقال أهل العلم أيضًا: إنها تجري حيثما أراد الإنسان، من دون أن يحتاج إلى مواد البناء ونحوها، بل يريدها بقلبه أو يأمرها بلسانه .. اللهم اجعلنا من أهلها.
стр. 109
وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ خالدين: حال من الضمير في قوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾، لكن يشكل عليه أن الحال كالنعت، والنعت يتبع المنعوت في إفراده وتثنيته وجمعه، وهنا صاحب الحال مفرد والحال جمع، فما هو الجواب عن ذلك؟
الجواب عن ذلك: أن نقول: إن صاحب الحال عائد على "من" الشرطية، و"من" الشرطية يجوز فيها مراعاة لفظها ومراعاة معناها، فإن راعيت اللفظ أعدت الضمير إليها مفردًا، وإن راعيت المعنى أعدت الضمير إليها جمعًا، وكذلك ما يشبه الضمير من الحال والصفة وما أشبهه، فيجوز مراعاة المعنى ومراعاة اللفظ، فهنا يقول الله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ فراعى اللفظ في قوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ والمعنى في قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾، ويجوز أن تراعي اللفظ والمعنى وتعود مرة ثانية لمراعاة اللفظ، قال الله : ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]، فراعى في الأول اللفظ، ثم راعى المعنى، ثم راعى اللفظ، وهذا جائز في اللغة العربية.
وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ قال العلماء: الخلود هو المكث الدائم، إلا أن يدل دليل على أنه مؤقت، فيراد به المكث الطويل، وإلا فالأصل أن الخلود هو الدوام، لكن إن وجد دليل يدل على أن المراد به طول المكث؛ عمل به.
وقوله: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ المشار إليه ما ذكر من هذا الثواب الذي أعده الله لمن أطاعه.
стр. 110
﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الفوز معناه: الربح، يقال: فاز فلان، بمعني: ربح، والعظيم: معناه: ذو العظمة، والعظمة: هي ضخامة الشيء، وجلالة الشيء، وكثرة الشيء أيضًا، ومعلوم أن نعيم الجنة يتصف بالضخامة والجلالة والدوام، فهو أعظم فوز، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وإعراب هذه الجملة: "ذا" اسم إشارة مبتدأ.
﴿الْفَوْزُ﴾ خبر المبتدأ.
﴿الْعَظِيمُ﴾ صفة للفوز.
ولو قال قائل: إن ﴿الْفَوْزُ﴾ بدل، أو عطف بيان، أو نعت لـ "ذلك"، ويكون المعنى: وذلك الفوز هو العظيم؛ لكان صالحًا، لكن الإعراب الأول أحسن.
ويذكر أن الزمخشري - وهو من المعتزلة - قال تعليقًا على قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ قال: أيُّ فوز أعظم من أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة؟ ! والإستفهام هنا بمعنى النفي؛ أي: لا فوز أعظم من ذلك، وقال بعض المحشين عليه والمتعقبين له: إنه أراد بذلك نفي رؤية الله ؛ لأن رؤية الله أعظم من الجنة وما فيها، وأعظم فوزًا، والله أعلم بمراده.
فمن نظر إلى اللفظ قال: إنه لا دلالة فيه في الواقع؛ لأن من لازم دخول الجنة النظر إلى وجه الله، ومن عرف حال الرجل وأنه معتزلي - ولكنه ذكي - قال: لعله أراد ذلك، ولو وقعت مثل هذه العبارة من شخص معروف بأنه يؤمن برؤية الله ، لما
стр. 111
فسرناها بهذا التفسير، ونقول: إنه أراد نفي الرؤية، لكن من عرف حاله لم يستبعد أن يكون هذا مراده.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن المواريث من حدود الله.
٢ - أن من نفَّذ هذه المواريث على ما فرض الله فله هذا الثواب.
٣ - أن قسمة المواريث من العبادات، وتؤخذ من ترتيب الثواب عليها، ووصف ذلك بأنه طاعة.
٤ - عناية الشرع بإيصال الحقوق إلى أهلها؛ لأن حقيقة المواريث أن توصل الحقوق إلى أهلها، والله حكم عدل، يريد من عباده أن يوصلوا الحقوق إلى أهلها.
٥ - أنَّ طاعة رسول الله ﷺ طاعة لله، ولهذا عطفها بالواو الدالة على الجمع والإشتراك.
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وبين قول الرسول ﵊ لرجل قال له: ما شاء الله وشئت: "أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده" (١).
فالجواب: أن الأمور الشرعية لا حرج أن تقرن الرسول ﵊ مع الرب بالواو، وأما الأمور الكونية فلا يجوز؛ لأنها من خصائص الربوبية، وفعل العبد بعد فعل الله، أما الحكم فإن حكم الرسول حكم لله، ولهذا
стр. 112
قال الله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩] ولم يقل: ثم رسوله؛ لأن هذا الإيتاء إيتاء شرعي، إيتاء للزكاة والأموال الشرعية، أما الأمور الكونية فلأنها من خصائص الربوبية، فلا بد أن يكون فعل العبد بعد فعل الله، فقول: "ما شاء الله وشئت" لا يجوز؛ لأنه جعلت مشيئة الرسول ﷺ كمشيئة الله، وليس كذلك، لكن طاعة الرسول ﷺ كطاعة الله، قال الله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] فجعل الله طاعة الرسول طاعة له.
وأما حديث علي بن حاتم في صحيح الإمام مسلم قال: أن رجلًا خطب عند النبي ﷺ ، فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ : "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى" (١)، فأحسن ما قيل في الجواب عن ذلك: أن الرسول ﷺ أثنى عليه شرًا، لكون المقام لا يقتضي هذا، فالمقام يقتضي أن يفصل ويبسط؛ لأنه ربما تخاطب قومًا بمثل هذا الخطاب فيظن أنه لا يكون غي إلا إذا كان الأمر من الله ورسوله، فلكل مقام مقال، فالرسول ﵊ إنما أثنى عليه شرًا؛ لكونه لم يستعمل في الخطبة السياق المناسب، لا لأن هذا ممنوع؛ لأن الرسول ﵊ نفسه قال مثل هذا.
وما ذكره بعض العلماء حيث قال: إنما أنكر عليه لأنه قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما" وسكت، ثم قال:
стр. 113
"فقد غوى"، فكأن قوله: "يعصهما" معطوفة على "يطع"، فهذا بعيد، ويحتاج لإثبات أنه سكت، ثم لو سكت المتكلم فقال: "ومن يعصهما"، ثم قال: "فقد غوى" فإنه يعرف أن هذه الجملة مفرعة على ما قبلها.
٦ - إثبات الجزاء يوم القيامة، لقوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ ووجه ذلك: أن إدخال الجنات ليس في الدنيا، وإنما هو في الآخرة.
مسألة: قال العلماء: إن الجمع بين قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، وبين قوله ﷺ : "لا يدخل الجنة أحد بعمله" (١) بأن نجعل الباء في قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ للسببية، وأن نجعل الباء في قوله: "لا يدخل الجنة أحد بعمله" للمعاوضة والبدل، فإنه لو قورن العمل بالثواب لأحاط الثواب بالعمل، ولم يكن مقابلًا له، ثم إن توفيق الإنسان للعمل الصالح نعمة تحتاج إلى شكر.
٧ - بيان نعيم هذه الجنات، وأن الأنهار تجري من تحتها، وأنواع هذه الأنهار معروفة في آيات أخرى.
٨ - دوام نعيم هذه الجنات، لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، والخلود هنا مؤبد، وقد ذكر الله ذلك في عدة آيات من القرآن، وأجمع المسلمون على أن نعيم الجنة مؤبد، ولم يذكر في ذلك خلاف.
٩ - أن هذا النعيم هو الربح العظيم الذي لا يماثله شيء، لقوله: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
* * *
стр. 114
* قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، المعصية: مخالفة الأمر، أو الوقوع في النهي، فمن ترك الواجب فقد عصى، ومن فعل المحرم فقد عصى، يقول شيخ الإسلام: فعل المنهي يعتبر ترك واجب، والقاعدة صحيحة، فترك الواجب وقوع في النهي، وفعل النهي ترك للواجب؛ لأنه يجب الكف عن المنهي، ويستشهد لذلك بقول ابن عباس ﵄: "من نسي من نسكه شيئًا أو تركه فليهرق دمًا" (١)، والدم على من فعل المنهي في الحج، وفعل المنهي ترك للواجب.
ونقول في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣] , ما قلنا في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣]، إلا أن الإعراب هنا يختلف، فإن ﴿يَعْصِ﴾: فعل الشرط مجزوم بحذف حرف العلة وهو الياء.
وقوله: ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ ﴿وَيَتَعَدَّ﴾ معطوف على ﴿يَعْصِ﴾ المجزوم، وهو مجزوم بحذف الألف، وأصله "يتعدى".
وقوله: ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ أي: يتجاوزها، والمراد بالحدود هنا: الأوامر؛ أي: يتجاوز ما حدَّه الله بأوامره.
وقوله: ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ هذا هو جواب الشرط، والنار معروفة.
وهنا لطيفة: في قول الله تعالى عن أهل النار: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾، وقال عن أهل الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [النساء: ١٣].
стр. 115
والحكمة في ذلك: أن أهل الجنة يتنعمون باجتماع بعضهم إلى بعض، ولهذا قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [النساء: ١٣] أما أهل النار - والعياذ بالله - فقد ورد أن كل واحد منهم في تابوت لا يرى أحدًا ولا يراه أحد، اللهم إلا على سبيل التقريع، فهذا هو السر، والعلم عند الله.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾؛ أي إدخاله النار, وخلوده فيها، لا يبقى مستقرًا أبدًا، بل هو معذب عذاب إهانة، فيكون عذابًا جسميًا وعذابًا قلبيًا نفسيًا؛ لأن العذاب الجسمي أهون من العذاب والألم القلبي، ولهذا قال العلماء: ينبغي أن يُختن الإنسان وهو صغير؛ لأن ختان الصغير ليس فيه إلا الألم الجسمي، أما إذا ختن وهو كبير صار هناك ألم جسمي وألم نفسي قلبي، فإنه يفكر ويقول: ربما يزداد الجرح، وربما يموت، وما أشبه ذلك، لكن الصغير إذا برد عليه سكت، وإذا صال عليه الوجع صاح، وإذا حملناه إن كان لا يستطيع المشي سكت.
فعذاب أهل النار - والعياذ بالله - عذاب مهين؛ أي: ذو إهانة؛ لأنهم يقرعون ويوبخون.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن معصية الله سبب لدخول النار؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾، وإنما قلنا: سبب؛ لأنه قد يتخلف لوجود مانع، وهو: عفو الله في غير الشرك، أما الشرك فلا بد أن يدخل صاحبه النار ويخلد؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢]، وعلى هذا فنقول: المعصية إن كانت دون الشرك فهي سبب لدخول النار، وليس
стр. 116
دخول النار واجبًا بها، إذ قد يعفى عنه، وإن كانت شركًا فهي سبب حتمي، فلا بد أن يدخل صاحبها النار ويخلد فيها.
أما الشرك الأصغر فليس سببًا للخلود، لكن هل هو سبب للدخول؟ هذا ينبني على معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] هل هذا الشرك عام أو مطلق؟ فإن قلنا: إنه عام، صار الشرك ولو كان أصغر لا يغفر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، يقول: إن قوله: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ فعل دخل عليه حرف مصدري، فيؤول إلى مصدر أي: إشراكًا به، و"إشراك" نكرة في سياق النفي، فتكون للعموم.
لكن في نفسي من هذا شيء، والشرك الأصغر أكبر من الكبائر، قال ابن مسعود ﵁: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقًا" (١).
والشرك الأصغر: كل ما أطلق عليه الشارع اسم شرك، وهو لا يخرج من الملة.
٢ - تحريم الوصية للوارث؛ لأنك إذا أوصيت للوارث فقد تعديت الحدود، فإذا أوصت المرأة لزوجها بالثلث، كان له على مقتضى الوصية ثلث ونصف، وهذا تعد للحدود، ولهذا قال النبي ﷺ : "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" (٢).
стр. 117
٣ - تقسيم المخالف إلى عاص ومتعدٍ للحدود، فالمعصية هنا: فعل المحرم، وتعدي الحدود: ترك الواجب، أو الغلو فيه.
٤ - أن معصية رسول الله ﷺ معصية لله، أو كمعصية الله؛ لأنه قرنها بمعصية الله بحرف يقتضي التسوية.
٥ - أن من جمع بين الأمرين: المعصية، وتعدي الحدود، فإنه يُدخَل النار. ولكن هل هو دخول أبدي أو دخول مؤقت؟ الجواب أن يقال: حسب المعصية؛ لأن الله ذكر في الآية التي قبلها أن من أطاع الله ورسوله دخل الجنات، وهنا قال: من عصى الله ورسوله دخل النار، فيقال: الطاعة الغالبة يدخل فيها صاحبها الجنة بدون أن يدخل النار، والمعصية الغالبة - التي ليس فيها طاعة - يدخل فيها النار، والجامع بين الطاعة والمعصية يدخل النار والجنة؛ لأنه وجد فيه سبب دخول الجنة والنار، فيعطى الحكم جزاء وفاقًا.
وعلى هذا: فالعاصي معصية مطلقة، والمتعدي للحدود تعديًا مطلقًا، يدخل النار ولا يدخل الجنة، والذي جمع بين المعصية والطاعة: إن غلبت الطاعة لم يدخل النار، وإن غلبت المعصية دخل النار بقدر ذنبه وخرج منها.
٦ - إثبات الخلود في النار، لقوله: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾، وقد ذكر الله سبحانه أن الخلود في النار مؤبد في آيات ثلاث من القرآن: في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن؛ ففي سورة النساء قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب قال الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]، وفي
стр. 118
سورة الجن قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]، وإذا كان الله تعالى قد ذكر التأبيد في آيات ثلاث، فإن أي قول يخالف ذلك فهو ساقط؛ لأن من لزوم الخلود لزوم المكان، فإذا قيل: إنه خالد في النار أبدًا، لزم أن يكون المكان الذي يخلد فيه مؤبدًا، وإلا فلا معنى للتأبيد، فقول بعض العلماء: إنهم خالدون فيها أبدًا ما دامت باقية، قول ساقط لا وجه له من النظر؛ لأن الله صرح بتأبيد الخلود، ويلزم من تأبيد الخلود في المكان أبدية المكان، وإلا لم يكن للتأبيد فائدة.
٧ - أن الذين في النار - والعياذ بالله - يعذبون عذابًا مهينًا؛ أي: ذا إهانة، وليسوا مكرمين.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٨، ٤٩]؟
فالجواب من أحد وجهين:
الوجه الأول: إما أن يكون ذلك على سبيل التهكم به.
الوجه الثاني: وإما أن يكون هذا ليذكر حاله في الدنيا، والمعنى: أنت العزيز الكريم في الدنيا؛ حتى يزداد حسرة، وهو أنه في الدنيا كان عزيزًا كريمًا، والآن صار ذليلًا مهينًا. وكلا الأمرين يحصلان لهذا الذي يوجه له هذا الخطاب، فإنه يصب من فوق رأسه الحميم، ثم يقال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾، ولا شك أنه سوف يرى أنه يقال له ذلك على سبيل التهكم، ثم يذكر هو أيضًا حاله في الدنيا، وأنه كان في الدنيا عزيزًا مكرمًا، والآن وصل إلى هذا الحد من الإهانة والعياذ بالله.
* * *
стр. 119
* قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء: ١٥].
﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ اللاتي: مبتدأ، وخبره جملة ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾.
وقد اقترنت الفاء بخبر المبتدأ؛ لأنه لما كان المبتدأ اسمًا موصولًا كان مشبهًا لاسم الشرط في العموم، فأعطي حكمه، واقترنت الفاء بخبره، ومنه قول النحويين في المثال المشهور: "الذي يأتيني فله درهم"، فإنه نائب مناب قولك: "من يأتني فله درهم"، فالإسم الموصول لما أشبه الشرط في العموم، صار دخول الفاء في خبره كدخول الفاء في جواب الشرط.
وقوله: ﴿وَاللَّاتِي﴾ جمع التي، لكنه على غير القياس؛ لأن هذه الأسماء غير مشتقة.
وقوله: ﴿يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ الفاحشة: ما يستفحش شرعًا وعرفًا، والذي يستفحش شرعًا يستفحش عرفًا؛ أي: في أعراف المسلمين لا في أعراف غير المسلمين، وإنما قيدنا بذلك؛ لأن الزنا فاحش شرعًا، وفاحش عرفًا في عرف المسلمين، لكنه في عرف الكفار ليس بفاحش، ومن هنا نعرف أن قول الرسول ﵊: "الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس" (١)، أن هذا خاص بالمسلم الذي يكره الإثم ويخشى أن يطلع عليه الناس في حال إثمه، وإلا فإن الكافر لا يحوك في نفسه الإثم.
стр. 120
والمراد بالفاحشة هنا الزنا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢]، وعلى هذا فتكون "أل" للعهد الذهني؛ لأنه لم يذكر، لكنه معروف شرعًا، وإنما قررنا ذلك لرد قول من يقول - كأبي مسلم الخراساني -: إن المراد بها السحاق بين النساء. وهذا بعيد عن الصواب، ولم يذهب إليه أحد من الصحابة والتابعين فيما نعلم، والصواب أن المراد بها الزنا.
وقوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ المراد به الجنس؛ أي: من جنس النساء، سواء كانت من الزوجات أو من غير الزوجات. ﴿ومِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ بيان للموصول في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ أي: اطلبوا شهادة أربعة، وقوله: ﴿أَرْبَعَةً﴾ عدد يدل على أن المعدود مذكر؛ لأن العدد المؤنث يكون معدوده مذكرًا فيما دون العشرة، فتقول: تسعة رجال، وتسع نساء.
وقوله: ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ الخطاب للمسلمين؛ لأن من شرط الشهادة - ولا سيما في هذا الأمر العظيم - أن يكون الشاهد مسلمًا.
قوله: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ أي: على فعل الفاحشة ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ والخطاب هنا في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ عام، والذي يقصد به ولي الأمر؛ إما الخاص، وإما العام.
وقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ جمع بيت؛ أي: أمسكوها
стр. 121
في بيتها واحبسوها حتى لا تخرج؛ لأن ذلك وسيلة إلى تقليل الزنا، حيث تبقى محبوسة في بيتها ولا تخرج فتفتن الناس وتفتتن.
وقوله: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ يتوفاهن: أي: يقبضهن، يقال: توفيت حقي من فلان؛ أي: قبضته.
وقوله: ﴿الْمَوْتُ﴾ أي: ملك الموت، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١]، ولكن قد يعبر عن ذلك بالموت توسعًا.
والموت: هو فقد الحياة، وذلك بخروج الروح من البدن؛ لأن الروح في البدن عارية، متى دعيت خرجت.
وقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ﴿أَوْ﴾ حرف عطف، و ﴿يَجْعَلَ﴾ معطوفة على "يتوفى" فهي منصوبة، والمعنى: أو يُصيِّر لهن سبيلًا؛ أي: طريقًا للخلاص من هذا الإمساك، وقد جعل الله لهن سبيلًا بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] قال النبي ﷺ : "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" (١)، فتبين بهذا أن المراد بالسبيل هو ما شرعه الله تعالى من حد الزاني جلدًا وتغريبًا، أو جلدًا ورجمًا.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - عظم الزنا، وأنه من الفواحش؛ لأنه بالإتفاق أن المراد
стр. 122
بذلك الزنا، والقول بأنه السحاق قول ضعيف لا يعول عليه.
٢ - أنه لا بد في الزنا من شهادة أربعة رجال عدول، لقوله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين، والصحابة كلهم عدول، أو نقول: إنه خطاب للصحابة كلهم، ويحمل هذا الإطلاق على العدالة، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
٣ - الإشارة إلى أن الرجل أقوى في الشهادة من المرأة وأثبت؛ وذلك لأن الله تعالى لم يعتبر في الزنا إلا شهادة الرجال.
٤ - أن الحد يدرأ بالشبهة، وذلك لأن اشتراط أربعة رجال من أجل إثبات الشهادة، وشهادة النساء الأربع فيها شبهة؛ لأنهن لم يضبطن، كما قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولا شك أن الحدود تُدرأ بالشبهات، ولكن يبقى عندنا مناط الحكم، بمعنى: ما هي الشبهة التي يُدرأ بها الحد؟ فمن العلماء من توسع فيها حتى قال: إنه لو استأجر امرأة للزنا فزنى بها فلا حد عليه؛ لأن استئجاره إياها شبهة، كمن استأجر بيتًا يسكن فيه، ومن العلماء من توسط، ومنهم من شدد، والغالب أنَّ الأقوال إذا اختلفت على ثلاثة فإن الوسط هو الصحيح.
٥ - أنه لا بد من تصريح الشهداء بالشهادة في باب الزنا، لقوله: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾، ولهذا يجب أن يقول الشهود: رأينا ذكره في فرجها قد أدخله فيه كما يدخل الميل في المكحلة، فلا يكفي أن يقول الشهود: رأينا رجلًا على امرأة وهما عراة، ورأينا ذكره بين فخذيها، بل لا بد من التصريح بالجماع، كما قال الرسول عليه
стр. 123
الصلاة والسلام لماعز: "أنكتها؟ لا تكني"، أو قال: "لا يكني" (١).
ولهذا قال شيخ الإسلام في زمنه: "إنه لم يثبت حد الزنا بالشهادة إلى يومنا هذا"؛ لأنها صعبة.
فإن قال قائل: هل يمكن أن نثبته بالتقاط الصورة؟
فنقول: كنا نقول بذلك، لكن لما تبين لنا دبلجة المصورين قلنا: لا نثبته، والدبلجة أنهم يلفقون صورة، ويجعلون رجلًا على امرأة قد جامعها، وليس الأمر كذلك، والدبلجة هذه مشكلة كبيرة نسأل الله أن يكفينا شرها، فقد بدؤوا يدبلجون الكلام، ويأخذون مثلًا من بعض كلامي حرفًا في كلمة من الكلمات، وحرفًا من كلمة أخرى، ويركبون بعضها على بعض، فينشؤون خطبة بصوتي على ما يريدونه، والصوت صوتي، ونبرات الكلام نبرات كلامي، فأي إنسان يريد أن يتقول على شخص فإنه يمكنه ذلك، لكن أسأل الله أن يسخر فيروسًا لهذه الآلات، كما أن هناك فيروسًا للكمبيوتر؛ حتى نسلم ويسلم الناس من شرها.
٦ - أن حبس المرأة في بيتها من أسباب درء الفتنة، لقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾؛ لأن هذا نوع من العقوبة من وجه، وكف لأسباب الفتنة من وجه آخر.
٧ - الإشارة إلى أن البيت خير للمرأة، لقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾، وكما قال النبي ﷺ : "بيوتهن خير لهن" (٢).
٨ - أنه لا يجوز حبس المرأة في بيتها بحيث تمنع من
стр. 124
الخروج، إلا إذا كان هناك فتنة وشر، وإلا فالأصل أنها لا تمنع من الخروج من البيت، ويؤيد هذا أن الله تعالى أوجب بقاء المرأة المتوفى عنها زوجها في بيتها، فدل ذلك على أن غيرها لا يلزمها البقاء في البيت، وهو كذلك، فالبيت ينبغي أن نرغب النساء في البقاء فيه، ولكن لا نلزمهن بذلك.
٩ - مشروعية العقوبة بالحبس المؤبد، والأقرب أن للعقوبة بالحبس المؤبد أصلًا في الشرع؛ أما أن نجعل ذلك مشروعًا وهو قد نسخ، ففي النفس منه شيء.
١٠ - إثبات الجعل لله ، لقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، والجعل نوعان: جعل شرعي، وجعل كوني قدري، ومن أمثلة الجعل الشرعي: قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧]، وقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣].
فقوله: ﴿مَا جَعَلَ﴾ أي: جعلًا شرعيًا، أما قدريًا فإنه قد جعل البحيرة والسائبة والوصيلة والحام موجودة، وأمثلة الجعل الكوني كثيرة في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ [النبأ: ٩ - ١١] والأمثلة كثيرة.
١١ - إثبات الأفعال الإختيارية لله ؛ أي: إثبات صفة الفعل المتجدد لله، والفعل المضاف إلى الله ثلاثة أنواع: جنس، ونوع، وفرد.
فالأول: الجنس، وهو صفة أزلية أبدية؛ أي: أن الله لم يزل ولا يزال فعّالًا، فهو فعّال في الأزل، كما هو فعال في الأبد، ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلماء: القول بتسلسل الحوادث في الماضي كما هي في المستقبل، لكننا لا نعلم ما
стр. 125
تسلسل في الماضي إلا ما أُخبرنا به فقط؛ وإلا فنحن نؤمن بأن الله لم يزل ولا يزال فعّالًا.
والثاني: النوعي، وذلك مثل الإستواء على العرش، وهذا حادث، فإن الله لم يستو على العرش قبل خلق العرش.
والثالث: الآحادي، وذلك كالنزول إلى السماء الدنيا كل ليلة، والمجيء للفصل بين العباد، والنزول إلى السماء الدنيا عشية عرفة، والغضب عند وجود سببه، والرضا عند وجود سببه، والضحك عند وجود سببه، والعجب عند وجود سببه، وغير ذلك.
وقد أثبت أهل السنة والجماعة ذلك، وأنكره الأشاعرة والمعتزلة ومن سلك سبيلهم، وقالوا: لا يمكن أن يوصف الله بصفة حدوثية أبدًا، ولهذا يرون أن القرآن الذي بين أيدينا قديم، وعللوا هذا الحكم الفاسد فقالوا: إن قيام الحوادث بالله يقتضي أن يكون حادثًا؛ لأن الحوادث لا تكون إلا في حادث، ولا شك أن هذه علة عليلة؛ بل ميتة، فإن كون الحوادث تقوم بالله وأنه يفعل ما يريد، هذا دليل على كماله، وكمال حياته، ولو تصور الإنسان ربًّا لا يفعل، وربًّا يفعل، لكان مقتضى الفطرة أن الثاني أكمل بلا شك، فالصواب بلا شك أن أفعال الله كما تكون جنسًا، تكون نوعًا، وتكون فردًا آحادًا.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ [النساء: ١٦].
стр. 126
﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ اللذان: في مقابل اللاتي، وتكون للذكور، ولكن المقابلة ليست بتامة، فهنا قال: "اللذان"، وهناك قال: "اللاتي"، وقد قال بعض العلماء: إن المراد باللذان هنا: الزاني والزانية، ولكن الزانية سبق حكمها، وهو أنها تحبس في البيت، والزاني يؤذي ولا يُحبس في البيت. وقال بعض العلماء: المراد بهما اللوطيان؛ أي: الفاعل والمفعول به، وأضاف الإتيان إلى المفعول به مع أنه مأتي؛ لأن القابل الراضي كالفاعل، ولهذا قال النبي ﷺ : "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (١).
والصحيح أن "اللذان" يراد بهما اللائطان؛ أي: الرجل الذي يلوط بآخر، والعياذ بالله.
ولكن لماذا عبر في حق النساء بـ "اللاتي" وفي حق الذكور بـ "اللذان"؟
لأن فشوَّ الزنا في النساء أكثر من فشو اللواط في الذكور، وقد كانوا في الجاهلية لا يعرفون اللواط، حتى إن بعضهم يقول: لولا أن الله قص علينا ما قص من نبأ قوم لوط، لما كنا نتصور أن هذا يقع؛ لأنه لا يتصور أن رجلًا يرضى أن يُفعل به كما يفعل بالمرأة! ! !
هذا شيء مستحيل فطرة، ومستحيل شرعًا، فلذلك عبر عن
стр. 127
اللواط بأدنى ما يمكن أن يتحقق به وهو اثنان، بخلاف الزنا في النساء فإنه كثير.
وقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ الضمير في ﴿يَأْتِيَانِهَا﴾ يعود على الفاحشة، وفاحشة الرجال هي اللواط، وهي أعظم من فاحشة الزنا؛ والدليل على عظمها: أن لوطًا قال لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠]، وفي الزنا قال الله : ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [النساء: ٢٢] أي: من الفواحش، أما اللواط فقال عنه: الفاحشة؛ لأنها - والعياذ بالله - مستفحشة في عقل كل إنسان.
ثم إن الزنا جنسه مما يباح بالعقد، واللواط لا يباح بأي حال من الأحوال، لا بعقد ولا بغيره، فكان أفحش.
وقوله: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ أي: بالسب، والتعيير، والضرب، والإعراض على سبيل التعزير، والهجر، وما أشبه ذلك مما يتأذيان به.
وقوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ أي: إن تابا مما وقع منهما، وأصلحا عملهما في المستقبل، فأعرضوا عنهما؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فيعرض عنه؛ لأن السبب ما دام موجودًا، فإن المسبب يتبعه، فإذا زال السبب زال المسبب.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ توابًا: صيغة مبالغة، وذلك لكثرة توبته وكثرة من يتوب عليهم؛ فالذين يتوب الله عليهم لا يحصون، وتوبته لا تحصي، فلهذا عبر بصيغة المبالغة، وتوبة الله على العبد نوعان: توبة قبل فعل التوبة، وتوبة بعدها؛ فالتوبة التي قبل فعل التوبة معناها: التوفيق للتوبة، كما
стр. 128
قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، والتوبة التي بعد التوبة هي: قبول التوبة، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، والله سبحانه تواب بهذا المعنى وبهذا المعنى، فهو تواب؛ أي: مهيئ للتوبة لمن شاء من عباده، وتواب؛ أي: قابل للتوبة.
﴿رَحِيمًا﴾ أي: ذو رحمة يوصلها إلى من شاء من عباده؛ كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)﴾ [العنكبوت: ٢١].
وفي هذه الآية شيء من الإشكال، وهو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾، فإن المعروف أن "كان" للمضي، ويفهم منها أن هذا الوصف كان فزال، كما لو قلت: كان فلان طالب علم، المعنى: فيما مضى.
وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال: بأن "كان" قد تسلب منها الدلالة على الزمن، ويكون المراد بها تحقق الإتصاف بخبرها، وكل ما أضيف إلى الله من هذا التركيب فإن هذا هو المراد به؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤]، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧]، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦] وما أشبه ذلك. فالمراد أنه متصف به أزلًا وأبدًا، ولكن أتت "كان" لتحقيق اتصافه بهذا الوصف.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن اللواط له حكمان:
الحكم الأول: ما دلت عليه الآية، وهو أن الذي يأتي
стр. 129
الفاحشة من الرجال يؤذى بالقول وبالفعل، وبالهجر، وبأنواع الأذى، وكثير من الناس قد تكون أذيته أشد من ضربه، وأشد من حبسه.
الحكم الثاني: ما دلت عليه السنة، وهو قتل الفاعل والمفعول به؛ لقول النبي ﷺ : "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط؛ فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (١)، ولا يحمل هنا المطلق علي المقيد، فيقال: اقتلوا الفاعل والمفعول به إذا كانا محصنين، كما هو الشأن في الزنا؛ وذلك لأن من شرط حمل المطلق على المقيد: أن يكون الحكم واحدًا والسبب واحدًا، وهنا اختلف السبب والحكم، فهناك السبب الزنا وهو في فرج يحل في الجملة بعقد النكاح الصحيح، أو ملك اليمين، وهذا استباحة فرج لا يحل أبدًا.
وأيضًا فإن هذه الفاحشة - والعياذ بالله - يصعب التحرز منها - بخلاف الزنا -؛ لأنها تكون بين الذكور، ومن يحبس الذكور بعضهم عن بعض؟ فالتحرز منها صعب، فإذا لم يكن لها عقوبة رادعة قوية انتشرت في المجتمع، وإذا انتشرت في المجتمع فسد الرجال والنساء؛ لأن من عقوبة اللوطي أنه لا يشتهي النساء، فإذا لم يشته النساء؛ بقيت النساء متعطلة، وحصل الشر والفساد، والدليل على أن من عقوبة اللوطي أنه ينزع منه شهوة النساء: قول لوط ﵇ لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦]، فهم لم يذروا النساء إلا لأنها سلبت
стр. 130
شهوة النساء من نفوسهم، وإلا فإن الإنسان بفطرته يميل إلى النساء، وهذه العقوبة إذا انتشرت في المجتمع فسد رجاله ونساؤه، وتعطلت مصالحه، فلهذا كانت الحكمة تقتضي القضاء على هذه الجرثومة الفاسدة بالقتل.
ولا يصح أن يحمل هذا المطلق على المقيد؛ لما عُلم من اختلاف السبب والحكم، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن الصحابة أجمعوا على قتل الفاعل والمفعول به، إلا أنهم اختلفوا في كيفية القتل، فمنهم من قال: يلقيان من شاهق من أعلى مكان في البلد ثم يتبعان بالحجارة، ومنهم من قال: يرجمان، ومنهم من حرَّق اللوطي: الفاعل والمفعول به؛ لأن جريمتهما عظيمة منكرة، وقد سماها لوط: الفاحشة، والزنا في كتاب الله سمي: فاحشة، والأول أشد.
٢ - أن من تاب وأصلح وجب الكف عن عقوبته، وقد صرح الله تعالى في آية المحاربين في سورة المائدة أن ذلك مشروط بما إذا تاب قبل القدرة عليه، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٤]، أما لو تاب بعد القدرة عليه؛ فإنه لا ترفع عنه العقوبة، لكن الذي يظهر من السنة أن ما ثبت بإقرار ثم تاب فإنه يترك ليتوب، ودليل ذلك حديث ماعز بن مالك ﵁ حين جاء إلى النبي ﷺ وأقر عنده بالزنا، فأمر برجمه، فلما أذلقته الحجارة - أي: أصابه مس الحجارة - هرب؛ ولكن الصحابة لكون الرسول ﷺ أمرهم برجمه قالوا: لا بد من تنفيذ أمر الرسول ﷺ ، فنفذوا الرجم، ثم أخبروا النبي ﷺ بذلك، فقال:
стр. 131
"هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه؟ ! " (١)، فدل ذلك على أن المقر بالذنب إذا تاب ولو في أثناء الحد، فإنه يترك فيتوب الله عليه، وقوله: "هلا تركتموه يتوب" ليس لمعنى أنه يأتي إليَّ فيخبرني بما يريد ثم أقيم عليه الحد، بل المعنى هلا تركتموه بلا حد فيصلح حاله في المستقبل، فالتوبة الأولى لإقامة الحد، ولهذا قال: أريد أن تطهرني، والثانية باصلاح حاله.
٣ - أن التوبة من الذنب لا بد أن يقارنها إصلاح، لقوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾.
ولكن كيف تكون التوبة في مثل هذا؟
قيل: إن التوبة في مثل هذا أن يراود فيمتنع، كأن يقال لهذا المفعول به: نريد أن نفعل بك، فإذا امتنع دل ذلك على توبته، ويقال للفاعل: هذا يريد أن تفعل به، فإذا أبى دل ذلك على توبته، وكذلك يقال في الزاني والزانية، لكن هذا القول قول منكر، بعيد عن الصواب؛ لأن المراودة لا تكون إلا في حال السر، فإن كان المراود أهلًا للفعل - أي: يتوقع منه أن يفعل - فإنه قد يستجيب، وحينئذ تقع الفاحشة، وإن كان المراوِد ليس أهلًا لأن يفعل، فسينتبه المراوَد إلى أن هذا يريد أن يختبره، فيمتنع، وبهذا نعرف أن هذا القول لا أساس له من الصحة، ولكن التوبة من هذه الفاحشة تكون كالتوبة من غيرها من الذنوب، فإذا عرفنا أن الرجل قد عزف عن هذا الشيء، وصار لا يذهب إلى المجالس التي تنتشر فيها هذه الفاحشة، وما أشبه
стр. 132
ذلك؛ عرفنا أنه تاب، ولهذا قرن التوبة هنا بالإصلاح، فلا بد من شيء يدل على أنه تاب، وهو إصلاح العمل والبعد عن هذه الفاحشة.
٤ - إثبات أن الحكم يدور مع سببه؛ وجودًا، وعدمًا، ووجهه أنه قال: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ فلما زالت العلة زال الحكم، وهو كذلك؛ فإن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ولكن إن كانت العلة منصوصًا عليها، فإنها إذا تخلفت فلا بد أن يتخلف الحكم، وإن كانت مستنبطة، فلا ينبغي أن يتخلف الحكم بتخلفها؛ لأنه من الجائز أن لا تكون العلة شرعًا هي هذه العلة المستنبطة، فنلغي حكمًا من أحكام الله ثابتًا بمجرد الإحتمال، أما لو نص عليها فالحكم يدور معها، مثل قوله ﷺ : "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث، من أجل أن ذلك يحزنه" (١)، فإن هذا يدل على أنه لو كان لا يحزن بهذا التناجي؛ جاز ذلك.
٥ - إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: التواب والرحيم، وقد سبق معنى التواب، ولماذا جاء بصيغة المبالغة، وكذلك معنى الرحيم.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [النساء: ١٧].
стр. 133
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾، ﴿التَّوْبَةُ﴾: مبتدأ مسبوق بأداة الحصر وهي ﴿إِنَّمَا﴾، وخبر المبتدأ قوله: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾، أو قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ فيحتمل هذا وهذا.
وقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ﴾ ﴿السُّوءَ﴾ يعني: العمل السيئ؛ كالمنكرات، وفعل المحظورات، أو ترك الواجبات، ولكنه قيدها بقوله: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ والمراد بالجهالة هنا: السفاهة، وليس الجهل؛ لأن فاعل السوء بجهل معذور، ولا ذنب عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولكن المراد بالجهالة هنا السفاهة، ومنه قول الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ أي: ثم إذا فعلوا السوء بجهالة تابوا إلى الله من قريب، والقريب هنا ما كان قبل الموت، فإذا تابوا قبل الموت تاب الله عليهم، وسيأتي في الفوائد أنه تجب التوبة فورًا.
وقوله: ﴿يَتُوبُونَ﴾ بمعنى: يرجعون إلى الله، وذلك بترك ما قاموا به من السوء، أو فعل ما تركوه من الواجب.
وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، هذه الجملة باعتبار ما قبلها تأكيد؛ لأن هذا الحكم مفهوم من قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾، ولكنه أكد ما التزم به على نفسه بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾.
وأشار إليهم بـ "أولئك" مع أنهم باعتبار الحديث عنهم في محل القرب، والقريب يشار إليه بـ "هؤلاء"، لكنه هنا قال: أولئك، فأشار إليهم بإشارة البعيد؛ إشارة إلى علو منزلتهم بالتوبة.
стр. 134
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: ذا علم وحكم وحكمة، فالعلم: إدراك الشيء على ما هو عليه، وهذا التعريف يخرج الجهلين جميعًا: الجهل البسيط، والجهل المركب؛ لأن الجهل البسيط ليس فيه إدراك مطلقًا، والجهل المركب فيه إدراك الشيء على غير ما هو عليه، فالعلم: إدراك الشيء على ما هو عليه.
وبالنسبة لعلم الله فإنه علم شامل كامل، وقولنا: كامل؛ أي: أنه لم يسبق بجهل، ولم يلحق بنسيان، قال موسى ﵊ لفرعون حين قال: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه: ٥١] قال: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]، ﴿لَا يَضِلُّ﴾؛ أي: لا يجهل، ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ ما علم، وهو كذلك شامل، قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وقد بين الله تعالى علمه في كتابه أحيانًا بالإجمال والعموم، وأحيانًا بالتفصيل، فقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩] هذا تفصيل، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]، أيضًا فيه شيء من التفصيل، وأما الإجمال فكثير في القرآن.
والعلم أشمل من القدرة وأوسع؛ لأنه يتعلق بكل شيء، حتى بالممتنع، بخلاف القدرة، فإنها شاملة لكل شيء، لكن ما
стр. 135
كان مستحيلًا فليس بشيء بالنسبة للقدرة، أما العلم فيشمل حتى المستحيل، فمثلا قول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، فإن تعدد الآلهة ممتنع مستحيل، ومع ذلك أخبر الله أنه لو كان لكان ما ذكر الله تعالى.
وقوله: ﴿حَكِيمًا﴾ مشتق من الحكم والحكمة، فهو حاكم إذا جعلناه مشتقًا من الحكم، ومُحكِم إذا جعلناه مشتقًا من الحكمة.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - بيان فضل الله على عباده بإيجابه التوبة على نفسه بقوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾.
٢ - أن لله أن يوجب على نفسه ما شاء، وليس للعباد أن يوجبوا عليه شيئًا، لقوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣]، لكن له سبحانه أن يوجب على نفسه ما شاء، وله أن يحرم على نفسه ما شاء، قال الله تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي" (١)، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢]، فهذا إلزام وفرض، ومنه هذه الآية: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾.
٣ - أن كل عامل سوء فإنما يعمله بجهالة وسفه، والسفه ضد الرشد، فمن عمل سيئًا فقد فُقد منه الرشد.
стр. 136
٤ - أن الرشد يختلف باختلاف مواضعه، فالرشد في المال: إحسان التصرف فيه، والرشد في الولاية: معرفة ما يجب للولاية، فإن كانت ولاية سلطان وإمارة فلها رشد معين، وإن كانت ولاية نكاح فالرشد في الولي: أن يعرف كفء المرأة ومصالح النكاح، والرشد في معاملة الناس له معنى يخصه، ويجمع هذا كله إحسان التصرف فيما يتصرف فيه، هذا هو الرشد، وضده إساءة التصرف.
٥ - وجوب المبادرة بالتوبة، لقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، ووجهه: أن المراد بالقرب هنا الموت، والموت ليس معلومًا وقته، وإذا كان كذلك كانت المبادرة بالتوبة واجبة؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له؛ ولأن الإنسان إذا أصر على المعصية فإنه يقسو قلبه، وتكون هذه الصغيرة من صغائر الذنوب كبيرة، ولهذا ذكر بعض العلماء: أن التهاون بالمعاصي والإستمرار في المعصية الصغيرة يجعلها كبيرة، فإذا فعل الإنسان صغيرة تهاونًا بالله، وبأوامر الله؛ صارت كبيرة؛ لما قام بقلبه من التهاون بها، وإذا فعل الكبيرة مع شدة تعظيمه لله ، وخوفه منه، وخجله منه، لكن سولت له نفسه أن يفعلها، فإن ذلك يجعلها صغيرة، والرجل الذي كان يضرب في الخمر، لما لعنه أحد الصحابة قال له النبي ﷺ : "إنه يحب الله ورسوله" (١)، فالإنسان العاصي قد يكون في قلبه من هيبة الله تعالى وإجلاله وتعظيمه؛ ما يجعله عند فعل المعصية خجلًا من الله، مستحييًا منه، فتنقلب الكبيرة صغيرة بما قارنها من خوف الله وتعظيمه
стр. 137
وإجلاله؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات. والعكس بالعكس.
٦ - قبول الله للتوبة إذا تاب الإنسان من قريب، لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾.
٧ - إثبات العلم والحكمة، والحكم لله، أيضًا المفهومة من قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، وقد بينا في التفسير أن علم الله تعالى واسع شامل لكل صغير وكبير، وقريب وبعيد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ [آل عمران: ٥].
٨ - إثبات هذين الإسمين لله، وهما: العليم والحكيم.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٨].
﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ هنا قال: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾، ولم يقل: على الله؛ لأن هذه التوبة منتفية شرعًا، فهي ليست حقيقية، وقوله: ﴿السَّيِّئَاتِ﴾، يحتمل أن يراد بها الجنس، وهو الأظهر، أو الجمع؛ لأنه ظاهر اللفظ.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ فهؤلاء لا توبة لهم؛ لأن توبتهم توبة ضرورة؛ كالمكره على العمل، والمكره على العمل لا حكم لعمله، كما هو معروف بأن من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لم يحكم بكفره، وكذلك هذا الذي تاب بعد أن أيس من الدنيا وأيقن أنه راحل، فإن هذه التوبة لا تنفعه. لأنه عندما شاهد الموت أراد أن يتوب،
стр. 138
وأي توبة صادقة لشخص علم أنه مفارق الدنيا؟ ! وهذا نظير قوله ﷺ من بعض الوجوه عندما سئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: أن "تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل البقاء وتخشى الفقر"، فقوله: "تأمل البقاء"؛ أي: لصحتك، فإن الصحيح يستبعد الموت، و"تخشى الفقر"؛ لأنه شحيح، ثم قال ﵊: "ولا تمهل - يعني: لا تؤخر - حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان كذا" (١)؛ أي: للوارث، وهذا يقع كثيرًا، فإنه إذا أيس الإنسان من حياته ذهب يوصي، فيقول: أوصيت بكذا لأعمال البر، وبالصدقة على الفقراء، وطبع الكتب، وبناء المساجد، مع أنه قبل أيام لم يوص؛ لأنه الآن آيس من حياته، وعلم أنه مفارق لا محالة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الواو في قوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ﴾: حرف عطف، ﴿وَلَا﴾ زائدة للتوكيد، و ﴿الَّذِينَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ﴾، والمعنى: وليست التوبة أيضًا للذين يموتون وهم كفار، فإن الذين يموتون وهم كفار لا توبة لهم.
وظاهر الآية مشكل؛ لأن من مات انقطع عمله، فكيف يقول: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾؟
فنقول: المراد بذلك ندمهم يوم القيامة، حيث يندمون
стр. 139
ويقولون: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] قال الله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام: ٢٨]، فتوبة الكافر بعد الموت يراد بها: ندمه الذي يظهره يوم القيامة، فإن ذلك لا ينفعه؛ لأن وقت العمل قد انتهى، وما بقي إلا وقت الجزاء والحساب.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ المشار إليه بقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ هم الكفار الذين ماتوا على الكفر، أما من مات على ما دون الكفر، فهذا أمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فإعداد النار إنما هو للكافرين، أما العصاة فقد يعفى عنهم ولا يدخلون النار أبدًا.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن التوبة تنقطع باحتضار المرء؛ أي: بحضور الموت، لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾.
٢ - أن المحتضر لا عبرة بقوله؛ لأنه غير كامل الشروط.
٣ - أنه يشترط لصحة التوبة أن تكون في الزمن الذي تقبل فيه التوبة، وذلك قبل حضور الموت، وحينئذ يحسن بنا أن نأتي على شروط التوبة، وقد تتبعناها فوجدناها خمسة شروط:
الشرط الأول: الإخلاص لله ، بأن لا يكون الحامل له على التوبة إلا محبة الله والقرب منه، والخوف من عذابه، لا لينال شيئًا من الدنيا، أو يدفع عنه مذمة في الدنيا، إنما يحمله على التوبة الإخلاص لله .
الشرط الثاني: الندم على ما فعل من الذنب، فإن تاب بلا
стр. 140
ندم؛ فتوبته: إما فاسدة؛ لعدم تمام شروطها، أو ناقصة جدًا.
وقد أورد بعض العلماء على هذا الشرط إشكالًا، وهو أن الندم انفعال، والإنسان يفعل ولا ينفعل فكيف يندم؟
والجواب عن ذلك سهل جدًا: فإن الندم أن يشعر بنفسه أنه أساء فيحزن، ويتمنى أن لم يكن فعل ذلك، هذا هو الندم المراد به، وهذا شيء ممكن، ولهذا أرشد النبي ﵊ إلى أن الإنفعال قد يملكه الإنسان، فقال: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (١)، مع أن الغضب انفعال، إذا وجد سببه ثار الإنسان، لكن مع ذلك يمكن أن يملك نفسه، فكذلك أيضًا بعث الإنفعال ممكن.
الشرط الثالث: الإقلاع عن الذنب، فإن لم يقلع فتوبته كاذبة، وهو إلى الإستهزاء بالله أقرب منه إلى تعظيم الله، إذ كيف يقول: إنه تائب من شرب الخمر، وهو مدمن عليه؟ ! وكيف يقول: إنه تائب من الربا وهو مصر عليه؟ ! فإن هذا استهزاء بالله ، ولو أنك أتيت ملكًا من الملوك فقلت: أنا تائب عن سبّك، ولن أقول فيك شيئًا، لكن إذا وجد غفلة من الملك، ولو بتكليم من إلى جنبه، يقول - ولو بالإشارة - إن هذا ملك لا خير فيه، فهذا ليس توبة أبدًا، فكيف بملك الملوك ، كيف تتوب إلى الله من ذنب وأنت مصر عليه؟ ! إن هذا لا يمكن.
стр. 141
وقول بعضهم: وإذا كان الذنب حقًا لآدمي فلا بد من إيصاله إليه؟ !
فنقول: هذا الشرط لا يخرج عما قلنا، وهو الإقلاع عن الذنب، فإذا كان ذنبك حقًا لآدمي، وأصررت على إضاعة هذا الحق، فأنت لم تقلع عن الذنب، فإن كان حق الآدمي مالًا فأعطه إياه، وإن كان دمًا فأعطه إياه، وإن كان عرضًا فاستحلله منه.
وإن كان مالًا وقد مات الذي ظلمته فيه، فابحث عن ورثته، فإن لم تجد وتعذر عليك؛ فتصدق به، وحينئذ تتصدق به عن الورثة؛ لأنه إذا مات الميت انتقل حقه إلى الورثة، فأنت إذًا تتصدق به عن الورثة، مع الإستغفار من ظلم الميت، ولذلك؛ لو أنك أديت هذا المال إلى الورثة، فإنك لم تتب توبة تامة حتى تستغفر الله للميت؛ لأنك حقيقة حُلْتَ بينه وبين ماله.
وإذا كان الحق دمًا، مثل أن يكون رجل قد دهس شخصًا وهرب خوفًا من السلطة، ثم ندم وتاب، فماذا يصنع؟
الجواب: يذهب إلى أوليائه، ويقول: هذا الذي حصل، وكذلك لو قتله عمدًا وندم، فإنه يذهب إلى أوليائه ويقول: لقد قتلت صاحبكم عمدًا.
وإذا كان قد ظلم شخصًا في عرضه، فقد قال بعض العلماء: لا بد أن يستحله، بأن يذهب إليه ويقول: إني اغتبتك فحللني، وقد اعترض بعض العلماء على ذلك فقال: إنه إذا ذهب وقال له: إني اغتبتك فحللني، ربما تأخذه العزة بالإثم ويقول: لا. فالتفصيل في ذلك هو: أنه إذا كان قد علم بأنك اغتبته؛
стр. 142
وجب عليك أن تستحله، أما إذا لم يعلم، ولا تخشى أن يعلم، فإنه يكفي أن تستغفر له، كما جاء في الحديث: "كفارة من اغتبته أن تستغفر له" (١)، فتستغفر له، وتذكره بخير في المجالس التي اغتبته فيها.
الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود في المستقبل إلى ما تاب منه، فإن كان قد تاب، وندم وأقلع، لكن في قلبه أنه لو تمكن من فعل الشيء مرة ثانية لفعله، فإن هذا لا تصح توبته؛ لأنه لم يعزم على أن لا يعود، إذًا لا بد أن يعزم على أن لا يعود، فإن كان يحدث نفسه بأنه لو حصل له هذا الذنب لعاد إليه، فإنه لم يتب.
وهناك فرق بين قولنا: "العزم على ألا يعود"، وبين قولنا: "من الشروط ألا يعود"، فإن عدم العود ليس بشرط، بل الشرط أن يعزم على ألا يعود، والفرق بينهما ظاهر؛ لأنه إذا قلنا: يشترط العزم على ألا يعود، وعزم على ألا يعود، ثم سولت له نفسه بعد ذلك فعاد، فإن التوبة الأولى صحيحة، لكن قولنا: يشترط ألا يعود، فإن معنى ذلك أنه إذا عاد بعد ذلك فتوبته غير صحيحة، وهذا غير صحيح، ولذلك فإن العلماء يقولون: يشترط أن يعزم على ألا يعود.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت تقبل من التائب، فان كانت في وقت لا تقبل منه - كما لو حضر الأجل، أو طلعت الشمس من مغربها - فإن التوبة لا تقبل، قال النبي ﷺ : "لا تنقطع التوبة حتى تنقطع الهجرة، ولا تنقطع الهجرة حتى تطلع الشمس
стр. 143
من مغربها" (١)، فإذا تاب الإنسان عند طلوع الشمس من مغربها، أو عند حلول الأجل؛ لم تقبل منه، فإن فرعون لما أدركه الغرق آمن، وقال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠]؛ أي: الله ، لكنه لم يصرح باسم الله، وإنما قال: ﴿الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾، مبالغة في التذلل، واتباعه لبني إسرائيل بعد ما كان مستعليًا ومتكبرًا عليهم، فالآن صار تابعًا لهم، قال: ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] أي: من المسلمين لله، فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس: ٩١].
مسألة: اختلف العلماء ﵏ هل يشترط لقبول التوبة أن ينزع عن جميع المعاصي أم لا يشترط؟
فمنهم من قال: يشترط أن ينزع عن جميع المعاصي، وأن من تاب من الزنا وهو يرابي، فإن توبته من الزنا لا تقبل؛ لأن التوبة الحقيقية هي التي تملأ قلب العبد خشية لله وتعظيمًا له، والذي يتوب من ذنب وهو مصر على الآخر، لا يتحقق ذلك في حقه.
ومنهم من فصل وقال: إن كان الذنب الذي أصر عليه من جنس الذنب الذي تاب منه، فإنه لا تقبل توبته، وإن كان من غير جنسه، فإنها تقبل، مثال ذلك: لو تاب من النظر إلى النساء - النظر المحرم -، ولكنه يلمس النساء لمسًا محرمًا، فهنا الجنس واحد، فلا تقبل توبته من النظر المحرم؛ لأنه يمارس جنسه،
стр. 144
فالنفس إذًا متعلقة بهذا الجنس من الذنوب، ولم تقلع عنه، أما إذا كان من غير جنسه فإنها تقبل، فلو تاب من الربا وهو يزني، أو يشرب الخمر، فتوبته من الربا صحيحة مقبولة، ولو تاب من شرب الخمر وهو مصر على الزنا، فتوبته منه مقبولة.
والصحيح أن التوبة من الذنب تقبل مع الإصرار على غيره، لكنه لا يستحق التائب منه وصف التائبين الوصف المطلق، وإنما هو تائب توبة مقيدة بهذا الذنب المعين، فوصفه بالتوبة من هذا الذنب وصف مقيد؛ لأن هذا هو العدل، والله أمر بالعدل والقسط، وهو سبحانه أهل العدل والقسط، وهذا القول هو الصحيح.
وقد قال ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين عندما تكلم عن هذه المسألة، قال: "وبعد: فإن هذه المسألة لها غور بعيد - أي: أنها ليست بالأمر الهين الذي تلقى أحكامها على اللسان-؛ لأن لها تعلقًا بالقلوب، والقلوب حساسة كالكرة على سطح الماء، تهتز ولا يمسكها شيء"، فالمسألة في الحقيقة لها غور عظيم، وأصل التوبة: تعظيم الله ، وإجلاله، والخشية منه، والخوف منه، فإذا تحقق للإنسان هذا؛ هانت عليه التوبة، وأما مع عدم ذلك فإن التوبة عليه صعبة المنال.
وهنا إشكال: وهو أنه إذا كانت التوبة لا تنفع عند حضور الأجل، فما الجواب عن قول الرسول ﷺ لعمه أبي طالب حينما حضره الموت: "قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله" (١)؟
стр. 145
والجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن هذه قضية عين، فكما أن أبا طالب ينتفع بشفاعة الرسول ﵊ دون غيره من الكافرين، فقد ينتفع بإسلامه دون غيره من التائبين في هذه الحال.
الوجه الثاني: أن النبي ﷺ لم يجزم بأنها تنفعه، بل قال: "أحاج لك بها عند الله" (١)، والمحاج قد تقبل حجته وقد لا تقبل، فإذا كان هذا الحديث لا يدل على أنها تقبل جزمًا، فإنه من المتشابه الذي يحمل على المحكم، وهو أن التوبة في هذه الحال لا تقبل.
مسألة: قد يترك بعض الناس الربا، أو شرب الخمر، أو الزنا، ليس توبة إلى الله، وإنما مللًا من هذا العمل، فهل يوصفون بالفسق؟
الجواب: أن نقول: أما باطنًا فهم فساق، وأما ظاهرًا فلا؛ لأننا نحكم بالظاهر، حتى وإن وجدت قرينة؛ والدليل على ذلك: حديث أسامة بن زيد ﵁ حين لحق المشرك، فلما أدركه ليقتله قال المشرك: لا إله إلا الله، فقتله متأولًا، فلما بلغ النبي ﷺ قال له: "أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ " قال: نعم، قال: "قتلته؟ " قال: نعم، قال: "فما تفعل بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة"؟ ! فما زال يكرر عليه حتى قال: تمنيت أني لم أكن أسلمت بعد (٢)، فنحن الآن نوافق أسامة ﵁ على