وقد دل القرآن على أن الوصية لا تكون لوارث، وهذا هو الشرط الثاني في الوصية، فالشرط الأول: أن لا تزيد على الثلث.
والشرط الثاني: أن لا تكون لوارث، ووجه الدلالة قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، فجعل الوصية مستقلة عن الميراث، وقال في الآية التي تلي هذه لما ذكر الإرث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]، ولا شك أن من أوصى لأمه بالخمس وقد أعطاها الله السدس، فقد تعدى حدود الله، فإن فرض الله لها هو السدس، وهو زاد على ذلك الخمس، فصار ميراثها أكثر من الثلث، وهذا تعدٍ لحدود الله.
فالوصية التي تقدم على الميراث هي الوصية الشرعية التي جمعت شرطين، وهما: ألا تزيد على الثلث، وألا تكون لوارث.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ في قوله ﴿يُوصِي بِهَا﴾ دليل على أنه لا بد من ثبوت الوصية، وأن يكون الموصي أوصى بها عن طمأنينة وعن معرفة، فلو أوصى وهو في غمرات المرض، ولم يكن يتصور ما يقول، فإن الوصية لا تقبل، ولا عبرة بها؛ لأنه حقيقة لم يوص بها، وكذلك لو لم تثبت الوصية ببينة، فإنها لا عبرة بها، إلا إذا صدّق الورثة - وهم راشدون - بذلك، فالحق لهم.
وقوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ الدين: كل ما ثبت في الذمة فهو دين،
стр. 72
فالأجرة دين، والقرض دين، وثمن المبيع دين، والصداق على الزوج دين، وعوض الخلع على الزوج دين، وأرش الجراحات دين، فكل ما ثبت في الذمة فهو دين، فيقدم الدين على الميراث، فلو قدر أن الدين يستغرق جميع المال فلا شيء للورثة؛ لأن الله قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وإذا قدر أنه يستغرق نصف المال صار الميراث نصف المال.
وأيهما يقدم: الدين أم الوصية؟
الجواب: يقدم الدين قبل الوصية، كما جاء عن علي بن أبي طالب ﵁: "أن النبي ﷺ قضى بالدين قبل الوصية" (١)، والمعنى يقتضيه؛ لأن الدين قضاؤه من باب الواجب، والوصية من باب التبرع، بمعنى: أن المدين يجب عليه أن يقضي دينه، والوصية مستحبة وليست بواجبة، والنظر الصحيح يقتضي تقديم الواجب.
فإن قال قائل: إذا كان الأمر كذلك، فما الحكمة من تقديم الوصية على الدين في الآية؟
فنقول: الحكمة هي:
أولًا: العناية بالوصية، والإشارة إلى أن الدين ينبغي للعاقل أن لا يحمله نفسه.
стр. 73
ثانيًا: أن الدين له من يطالب به، فلو فرض أن الورثة سكتوا وقسموا التركة، فإن صاحب الدين لن يسكت، بل لا بد أن يطالب، لكن الوصية لو كتموها، ولم يعلم بها الموصى له، فليس هناك من يطالب بها، فلهذا قدمها ليهتم الورثة بها، لا ليقدموها على الدين، فالدين مقدم، ثم الوصية، ثم الميراث.
فإذا هلك هالك عن ورثة، وكان عليه دين يستغرق نصف ماله، وأوصى بالثلث، فالمسألة من ستة، للدين ثلاثة، وللوصية ثلث واحد، فالمأخوذ في الدين كالمفقود، وعلى هذا فتكون التركة الموروثة هي الباقية بعد الدين، وهي ثلاثة من ستة، فيعطى صاحب الوصية ثلث الباقي وهو واحد، ويبقى اثنان هما نصيب الورثة، فقدمنا الدين على الوصية، وجعلنا النقص على الوصية، ولولا الدين لأخذ الموصى له اثنين من ستة، لكنه الآن لم يأخذ إلا واحدًا من ستة؛ لأن الدين مقدم على الوصية.
مسألة: هل يجوز للأب أن يوصي لابنه الكافر؟
الجواب: نقول: الكافر لا يرث من المسلم، فما دام أنه لا يرث فيوصي له، ولكن في بره تفصيل بيّنه الله في سورة الممتحنة، فقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ وهذا إحسان ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨] وهذه المعاملة بالعدل، فما نُهي الإنسان أن يعامل الكافر بالعدل، أو بالفضل، بشرط ألا يكون ممن يقاتلوننا في الدين.
مسألة: إنسان له دين مؤجل، فهل تقسم تركته أو يقضى الدين المؤجل؟
стр. 74
نقول: إن وَثَّق الورثة برهن مُحرز، أو كفيل مليء، فالدين باقٍ على ما هو عليه لا يَحِل، وإن لم يوثقوه حل الدين ووجب البيع.
ثم قال تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ فلما قسم سبحانه القسمة على ما اقتضته حكمته؛ قطع خط الإعتراض على هذه القسمة بقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾.
فلو قال قائل: إن الآباء أحق من الأبناء؛ لأن برهم واجب، وقال الآخر: إن الأبناء أحق من الآباء؛ لأنهم قصر يحتاجون إلى رعاية في الغالب، فنقول: وراء ذلك كله حكمة الله ، فنحن لا ندري: آباؤنا أو أبناؤنا أيهم أقرب لنا نفعًا.
والآية تعم التفصيل بين الجنس والجنس، وبين الأبناء، فهي تعم المعنيين، فلا تدرون هل الآباء أنفع لكم أو الأبناء؟ ولا تدرون هل الأكبر من الأبناء أنفع أم الأصغر؟ وهل الأقرب من الآباء أنفع أم الأعلى؟
وكثيرًا ما يكون الجد أرأف وأرحم من الأب بأحفاده، وكثيرًا ما يكون الإبن الأصغر أرحم من الإبن الأكبر، فنحن في الحقيقة لا ندري هل الآباء أبر وأنفع لنا أو الأبناء، وهل الأبر من الأبناء فيما بينهم الكبير أو الصغير أو المتوسط، وكذلك بالنسبة للآباء لا ندري، فلما كنا لا نعلم؛ وجب أن نكل الأمر إلى عالمه وهو الله .
ثم قال تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ قوله: ﴿فَرِيضَةً﴾
стр. 75
مصدر عاملها محذوف، وقد يقال: إنها مصدر نابت عن عاملها، والتقدير على الأول: فرضنا ذلك فريضة، وعلى الثاني نجعل ﴿فَرِيضَةً﴾ هي نفسها العامل، ولا تحتاج إلى عامل ينصبها، فتكون تأكيدًا لما سبق، ويسمى هذا: المصدر المؤكد للجملة التي قبله، ولا يحتاج إلى عامل، قال ابن مالك: كأنت ابني حقًا.
فكلمة "حقًا" ليس لها عامل، لكنها تؤكد الجملة التي سبقتها.
وهذه أيضًا ليس لها عامل، لكن لما قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ وقسم وقدر، صار هذا المصدر مؤكدًا للجملة التي قبله.
وقوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ الفرض في اللغة: الحز والقطع، يقال مثلًا: فرض اللحم؛ أي: حزه، وفرض العصا: قطعها، وفي الشرع: ما ألزم به الشارع، ولا فرق على القول الصحيح بين ما ثبت بدليل ظني، وبين ما ثبت بدليل قطعي، وقد قال بعض العلماء: ما ثبت بدليل قطعي فهو فرض، وما ثبت بدليل ظني فهو واجب، والصحيح أنه لا فرق، فما دام أنه قد ثبت الإلزام به، فسمه فرضًا أو سمه واجبًا.
وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أي: صادرة منه لا من غيره، فلم يقم بفرضها ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل الله وحده هو الذي تولى فرضها.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: كان عليمًا بمن يستحق، وبمقدار ما يستحق، وحكيمًا في وضع الحق في أهله، كمًا وكيفًا، فهو له العلم التام، وله الحكمة
стр. 76
التامة، وبالعلم والحكمة تتم الأمور؛ لأن تخلف الأمور سببه أحد أمرين: إما الجهل، وإما السفه، فإذا وجد العلم ارتفع الجهل، وإذا وجدت الحكمة ارتفع السفه، فلما اجتمع في حقه سبحانه العلم والحكمة، انتفى أيّ اعتراض يمكن أن يعترض به على الحكم، ولهذا نجد الجاهل يتخبط في الأحكام؛ لأنه جاهل، ولو كان عنده حسن قصد وحسن إرادة، لكنه جاهل، وتجد العالم السفيه الذي ليس عنده حكمة ترشده إلى ما فيه الخير يتخبط ويتعسف، أما من لديه علم وحكمة فإنه كامل الحُكم، وأحكامه تامة؛ والله سبحانه هو العليم الحكيم.
والعليم والحكيم من أسماء الله ، والعلم إدراك المعلوم على ما هو عليه، فخرج بقولنا: "إدراك المعلوم" من لم يدرك، فهذا جاهل جهلًا بسيطًا، وخرج بقولنا: "على ما هو عليه" من أدرك الشيء على غير ما هو عليه، وهذا جاهل لكن جهله مركب.
والجهل البسيط أهون من الجهل المركب، ونضرب لذلك ثلاثة أمثلة: فلو سأل سائل عن غزوة بدر، فقيل له: وقعت في رمضان في السنة الثانية، فهذا المجيب عالم، ولو أجيب بأنها في السنة الثالثة، فهذا جاهل جهلًا مركبًا، ولو أجيب بـ "لا أدري" فهذا جاهل جهلًا بسيطًا، وهو خير من الجهل المركب. ويقال: إن رجلًا يسمى توما يدعي الحكمة، فقال فيه القائل:
قال حمار الحكيم توما ... لو أنصف الدهر كنت أركب
لأنني جاهل بسيط ... وصاحبي جاهل مركب
فالحمار جاهل لكن جهله بسيط، وتوما صاحبه جاهل مركب، وعلى هذا يقول الشاعر الآخر:
стр. 77
ومن رام العلوم بغير شيخ ... يضل عن الصراط المستقيم
وتلتبس العلوم عليه حتى ... يكون أضل من توما الحكيم
تصدق بالبنات على رجال ... يريد بذاك جنات النعيم
أي: أن توما تصدق على الناس بالنساء بدون عقد نكاح؛ ويظن أن ذلك تقرب إلى الله وصدقة، فهذا هو الجهل المركب.
و"الحكيم" مشتق من الحُكم والحِكمة، فهو حاكم، وهو محكم، فعليه تكون "حكيم" بمعنى "فاعل" إذا كانت من الحكم، وبمعنى "محكم" إذا كانت من الحكمة، و"حكيم" يأتي بمعنى محكم، ومنه قول الشاعر:
أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع
فقوله: "السميع" أي: المسمع.
وحكم الله ينقسم إلى قسمين: حكم كوني، وحكم شرعي. فقول أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠] هذا حكم كوني، ولهذا لم يقل: "علي" بل قال: "لي"؛ أي: يُقدر لي ذلك، وقوله تعالى في سورة الممتحنة عندما ذكر أحكام النساء: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] هذا حكم شرعي.
والفرق بينهما يقارب الفرق بين الإرادتين الكونية والشرعية: فما تعلق بما يحبه فأمر به، أو يكرهه فنهى عنه، فهذا شرعي، وما تعلق بتقديره، سواء أحبه أم لم يحبه، فهو كوني، والحكم الكوني لا بد من وقوعه، والحكم الشرعي قد يُمتثل وقد لا يمتثل.
أما على الوجه الثاني في "الحكيم" وهو المحكم، فنقول:
стр. 78
الحكمة وضع الشيء في موضعه، وتتعلق بالحكم الكوني والحكم الشرعي، ثم هي إما حكمة باعتبار الصورة المعينة، وإما حكمة باعتبار الغاية، فإذا ضربت اثنين في اثنين صارت أربعة، فالحكمة تتعلق بالحكم الكوني على صورته المعينة وعلى غايته الحميدة، فمثلًا: الحكم الكوني إذا حكم الله على أناس بالفقر والمرض والزلازل وما أشبه ذلك، فهذا حكم لا شك أنه متضمن لحكمة، كونه وقع على هذا الوجه حكمة، والغاية منه حميدة، وهذه حكمة ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
وقد خلق الإنسان على هذه الصفة لحكمة، خلق قائمًا منتصبًا وغيره على العكس؛ لأن الإنسان له وظائف من قيام وركوع وسجود لا تتم إلا على خلقه على هذا الوجه، فلذلك خلقه الله تعالى قائمًا منتصبًا دون غيره من الحيوانات، فكونه على هذا الوجه حكمة، وكون الغاية من ذلك أداء الوظائف التي كلفه الله بها هذه حكمة أخرى، وهكذا في الشمس والقمر والجبال والأنهار وما أشبه ذلك.
وفي الشرع أيضًا حكمة على الصورة المعينة وحكمة في الغاية، فكون الشرع جاء على هذا الوجه: الصلوات الخمس، وأوقاتها متفرقة، وعددها كذا وكذا، هذا لا شك أنه مطابق للحكمة؛ ولهذا فإن الصلوات كلها مقرونة بتغير الشمس في الأفق، فالفجر عند إقبالها، والمغرب والعشاء عند إدبارها، والظهر والعصر عند توسطها وميلها، فلا بد أن يكون هناك سبب، فهذه حكمة، والغاية من الصلاة حكمة أيضًا.
стр. 79
إذًا: فالحكمة تتعلق بالحكم الكوني والشرعي على الصورة التي هو عليها، وعلى الغاية المقصودة منه، فتكون أربعًا: حكمة في الحكم الكوني باعتبار الصورة التي هو عليها، وحكمة في الحكم الكوني باعتبار غايته، وحكمة في الحكم الشرعي باعتبار الصورة التي هو عليها، وحكمة في الحكم الشرعي باعتبار الغاية المقصودة منه، وكل هذه المعاني الجليلة العظيمة يتضمنها قوله: "حكيمًا"، فأسماء الله في الحقيقة مملوءة من المعاني، وهي حسنى كما وصفها الله .
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن الله أرحم بالإنسان من والديه، لقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، فالذي يوصيك بالشيء هو أرحم به منك، وأشد عناية به منك، ولهذا إذا وصى الإنسان أحدًا على أولاده فهو أرحم بأولاده من هذا الوصي.
٢ - الحكمة في توزيع الميراث، فإنه يشمل جميع الأولاد، ولا يقتصر على الصغار فقط، أو على ذوي الحاجة، أو على من كان لا يكتب، وما أشبه ذلك، وهذا من الحكمة، من أجل أن لا يحصل ما يسمى في العرف الإصطلاحي "بتبديد الثروة" أي: توزيع الثروة، حتى لا تنحسر، فإن هذا المال الذي هو ملايين كان يملكه واحد، والآن يملكه عدد كثير، ثم هذا العدد إذا ماتوا سينتقل إلى عدد آخرين، وهذا لا شك أنه من الحكمة.
٣ - وهناك حكمة أخرى في توزيع الميراث، حيث جعل للذكر مثل حظ الأنثيين؛ وفي ذلك حكم:
منها: اعتبار ما يكون على الذكر من مسؤوليات مالية أكثر
стр. 80
من الأنثى، فإن عليه الإنفاق، وعليه المهر، وعليه الجهاد، وعليه حقوق مالية أكثر، فَرُوعِي ذلك في قسمة المواريث، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين.
ومنها: بيان شرف الرجل على المرأة، وأنه أحق بالتكريم منها، خلافًا للمتفرنجين الآن الذين يقدمون الإناث على الذكور، وخلافًا لأهل الجاهلية الذين لا يورثون الإناث شيئًا، يقولون: لا نورث إلا من يحمي الذمار، ويركب الخيل، ويذود عن الحمى، أما امرأة قابعة في البيت فليس لها ميراث، لكن الإسلام أعطاها الميراث، إلا أنها ليست مثل الذكر.
٤ - أنه ينبغي للإنسان أن يختار من الألفاظ الأحسن والأمثل، وإن كان المؤدى واحدًا، فإن الله قال: ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ولم يقل: يوصيكم الله في أولادكم للأنثى نصف ما للذكر، فحسن التعبير له أثر.
ومعلومة قصة الملك الذي رأى في المنام أن أسنانه قد سقطت، فدعى بعابر يعبر الرؤيا، فقال: أيها العابر عبر لي هذه الرؤيا، فقال: أيها الملك! تموت حاشيتك وأهلك، فارتاع الملك، فأمر به فضرب وجلد؛ لأنه روع الملك، ثم قال: ائتوا بعابر آخر، فأتوا بعابر آخر فسأله، فقال: يكون الملك أطول حاشيته عمرًا، ففرح الملك، وأمر له بجائزة، مع أن المعنى واحد؛ لأنهم إذا ماتوا قبله يكون هو الآخر، لكن هذا فيه أن حسن التعبير له أثر، فينبغي للإنسان إذا أراد أن يعبر أن يختار أجزل العبارات وأسهلها وأحبها إلى النفوس.
стр. 81
٥ - أن ميراث النساء الخلص البنات: للثنتين فأكثر الثلثان، وللواحدة النصف.
٦ - أن الإرث شامل لجميع التركة من عقار، ومنقول، وحيوان، ومنافع، وحقوق، ويؤخذ هذا من قوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾، فكل ما ترك فهو داخل في الإرث، ولهذا يجب التنبه لمن كان له ورثة في غير البيت الذي هو فيه، فإن من الناس من إذا مات ميتهم وورثه آخرون خارج البيت، يتمتع بما في البيت من طعام وغيره، ويسكن أيضًا، وهذا لا يجوز إلا بعد إذن بقية الورثة، وإلا فإنه يُخصم من ميراثه، وكذلك تُضرب أجرة على هؤلاء الذين في البيت من حين موت الرجل.
٧ - أنه لا يزيد فرض الثلثين بزيادة الإناث، ويؤخذ من قوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾.
٨ - الحكمة في تقديم ميراث الأولاد على ميراث الأبوين؛ لأن الأولاد بضع من أبيهم أو أمهم، فلذلك قدم ذكرهم على الأبوين.
٩ - أن الوالدين إذا ورثا ولدهما واختصا بالإرث، كان للأم الثلث والباقي للأب، لقوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، وعلى هذا فيكون الأب في هذه الحال وارثًا بالتعصيب؛ لأن نصيبه لم يقدر.
١٠ - أنه إذا وجد للميت فرع وارث فإن للأبوين السدس، لا يزيد إلا مع الإناث، فإن بقي شيء أخذه الأب تعصيبًا.
١١ - أن للأم السدس مع جمع من الإخوة، لقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾، وظاهر الآية: سواء كانوا وارثين أم
стр. 82
غير وارثين، بل إن ظاهرها أنهم إذا كانوا غير وارثين فليس للأم إلا السدس؛ لأن الفاء مفرَّعة لما بعدها على ما قبلها.
فإن قال قائل: كيف تجعلون للأم السدس مع وجود إخوة محجوبين بالأب؟ ألستم تقولون: لو وجدت أم وإخوة أرقاء؛ فإن الإخوة لا يحجبون الأم إلى السدس، أو وجدت أم وإخوة كفرة؛ فإنهم لا يحجبون الأم إلى السدس، يعني: لو هلك هالك عن أمه وإخوته الذين لا يصلُّون، فإن لأمه الثلث، ولا يحجبها الإخوة الذين لا يصلُّون إلى السدس؛ لأنهم كفار لا يرثون؟
فالجواب: أن هؤلاء محجوبون بوصف، فهم ليسوا من أهل الإرث أصلًا، وأما الإخوة الذين حجبوا بالأب فهم من أهل الإرث، لكن وجد مانع، وفرق بين وجود المانع وبين فوات الشرط، فالإخوة مع اختلاف الدين أو كونهم أرقاء، ليسوا أهلًا للميراث أصلًا؛ لأن من شرط استحقاقهم الإرث أن يكونوا موافقين للإنسان الميت في دينه، وأن يكونوا أحرارًا، لكن هؤلاء الإخوة مع الأب هم مستحقون للإرث، فهم أحرار، موافقون في الدين، لكن وجد مانع وهو الأب، فهذا هو الفرق بين كون المحجوب بالوصف وجوده كعدمه، والمحجوب بالشخص وجوده معتبر.
١٢ - أن الميراث يأتي في المرتبة الثالثة مما تركه الميت، لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، ولكن قد دلت السنة على أن تجهيز الميت مقدم على كل ذلك، وعلى هذا يكون الميراث في المرتبة الرابعة، ودليل السنّة: أن رجلًا وقصته راحلته وهو واقف بعرفة، فسئل النبي ﷺ عنه فقال: "اغسلوه بماء
стр. 83
وسدر، وكفنوه في ثوبيه" (١)، ولم يذكر هل عليه دين، أو وصية، فدل هذا على أن مؤن التجهيز مقدمة على الوصية والدين؛ ولأن التجهيز يتعلق ببدن الميت، فكان مقدمًا على الوصية والدين؛ كالمحجور عليه عند الإفلاس، فالمحجور عليه عند الإفلاس إذا أفلس وحجرنا عليه، ومنعناه من التصرف في ماله، فإننا نبدأ بما تتعلق به حاجته، فإنه يبقى له.
١٣ - وجوب تنفيذ الوصية؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، فقدمها على ما يستحق من المال؛ لأن تنفيذها واجب.
١٤ - أن الرق مانع من الإرث، ويؤخذ من قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ .. إلى قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾، ووجه ذلك أن اللام تفيد الملك، والرقيق لا يملك، وعلى هذا فلا حق للرقيق في الميراث؛ لأنه لا يملك.
١٥ - الإشارة إلى اجتهاد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الإجتهاد الصائب في العمريتين، حيث جعل للأم ثلث الباقي بعد فرض الزوجين، وذلك أن الزوج أو الزوجة إذا أخذ حقه انفرد الأب والأم فيما بقي، وقد جعل الله للأب والأم إذا انفردا؛ للأم الثلث، والباقي للأب، فيكون ما بقي بعد فرض الزوجين للأم ثلثه، وللأب الباقي.
١٦ - أن الواحد من الإخوة لا يحجب الأم إلى السدس، لقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾، بخلاف الأبناء أو البنات، فإن
стр. 84
الواحد يحجبها إلى السدس، لقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾، و ﴿وَلَدٌ﴾ نكرة في سياق الشرط، فيعم الواحد والمتعدد والذكر والأنثى.
١٧ - أن الميراث لا يكون إلا بعد الدين والوصية، لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، ولكن الدّين قد يستغرق جميع التركة، فلا يبقى للورثة شيء، وأما الوصية فلا تستغرق جميع التركة؛ لأن أقصى ما يمكن الثلث، وما زاد على الثلث فهو إلى الورثة، وعلى هذا فيفرق بين الدّين والوصية، وهو: أن الدّين قد يستغرق المال فلا يبقى للورثة شيء، والوصية لا يمكن أن تستغرق المال؛ لأن ما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة.
وعلى هذا فلو مات شخص وخلف مائة ألف، وعليه دين يبلغ مائة ألف، فليس للورثة شيء، ولو مات ميت وقد أوصى بمائة ألف، ولما مات وجدنا ميراثه مائة ألف، فنرد المائة ألف إلى الثلث ما لم تُجِز الورثة.
١٨ - أن المفضول قد يقدم على الفاضل لاعتبارات أخرى، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، فالدّين أوجب من الوصية وأقدم، لكن قدمت الوصية لاعتبارات أخرى؛ كتقديم هارون على موسى في بعض المواضع، فقد قدم هارون في سورة طه، قال تعالى: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠]؛ لاعتبارات، وهي: مراعاة الفواصل، وإلا فلا شك أن موسى أفضل من هارون، ومقدم عليه في جميع مواضع القرآن.
١٩ - قصور علم الإنسان، فأقرب الناس إلى الإنسان آباؤه
стр. 85
وأبناؤه، فإذا كان لا يدري أيهم أقرب نفعًا، فما بالك بالبعيد! وهذا لا شك يعود إلى قصور علم الإنسان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، فالروح التي هي بين جنبيك لا تعرفها؛ لأنك لم تؤت من العلم إلا القليل.
٢٠ - وجوب إعطاء الورثة نصيبهم من الإرث؛ وأنه فرض، ويؤخذ من قوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، وعلى هذا فتعلم الحساب الفرضي - إن كان يتوقف عليه إعطاء كل ذي نصيب نصيبه - تعلمه فرض، وإن كان لا يتوقف عليه فليس بفرض، وتعلم الحساب في الفرائض وسيلة، فإذا كان وسيلة فننظر: إن احتجنا إليه أخذنا به، وإن لم نحتج فلا، ولكن في الغالب أننا نحتاج إليه، فلو جاء إنسان وقال مثلًا: اقسم بين زوج، وأم، وأخ من أم. فنقول: للزوج النصف، وللأم الثلث، وللأخ لأم السدس، ولا يلزم أن نقول مثلًا: المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأم الثلث اثنان، وللأخ من الأم السدس واحد. فإن هذا ليس بلازم، لكن أحيانًا يتوقف القسم وإعطاء كل ذي نصيب نصيبه على معرفة الحساب، فإذا توقف على معرفة الحساب صار معرفة الحساب فريضة كالأصل.
٢١ - أن أمر الفرائض إلى الله، لقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، ونقول: ذلك وإن كان أمرًا معلومًا، لكن من أجل الأدب في الفتيا، فقد كان الإمام أحمد ﵀ مع علمه الغزير لا يطلق على الشيء أنه فريضة، أو أنه حرام، إلا إذا ورد به النص، وإلا فإنه يقول: "لا يفعل"، "أكره هذا"، "لا يعجبني"، وما أشبه
стр. 86
ذلك، وهذا من باب الورع، أما نحن فتجد الواحد منا يقول: هذا يحرمه الشرع، أو هذا حرام في الشرع، سبحان الله! وربما أن هذا الرجل لو بُحث معه في أدنى مسألة لما عرفها، ويقول: هذا حرام في الشرع، وهو من المسائل الإجتهادية، وقد يكون الصواب أنه ليس بحرام، ثم يضاف إلى الشرع كله من شخص ليس أهلًا للإجتهاد.
لكن لو سأل سائل: ما تقول في الميتة؟ فقل: حرام؛ لأن هذا ورد في القرآن.
إذًا: يجب على الإنسان أن يتحرز، وكثيرًا ما يلجئنا بعض الناس إلى ذلك، كأن تكون المسألة عندنا ليست واضحة في التحريم، ثم نقول: لا تفعل، فيقول: أهو حرام؟ ويصر على ذلك، ولكننا نصر على أن نقول: لا تفعل، ويكفينا هذا حجة عند الله ؛ لأن بعض الناس قد يلجئك، ومعنى كلامه: أنه إن كان حرامًا فما أنا بفاعله، وإن كان غير حرام فسأفعله، وإن كان فيه شبهة ... هذا هو معنى كلامه، وهذا إلجاء واضطرار، فلا يلزمني أن أقول: هو حرام، إذا لم يتبين لي الأمر فيه.
بل إن بعض الناس عنده جدل، فأقول له: نهى عنه الرسول ﷺ ، فيقول: لكن هل النهي للتحريم؟ سبحان الله! إذا نهى عنه الرسول فاتركه، وانتهِ عنه، فإن كان للتحريم فقد سلمت من إثمه، وإن كان للكراهة فقد رجعت بفضله؛ لأن ترك المكروه يعتبر من الزهد، إذ أن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يضر في الآخرة، فيكون الزهد أعلى؛ لأن بين ما ينفع
стр. 87
وما يضر مرتبة، وهي ما لا نفع فيه ولا ضرر، فالزاهد يتركه، يترك من أمر الدنيا ما ليس فيه نفع ولا ضرر، والورع أن لا يترك إلا الحرام، إذًا: طبقة التاركين للمكروه أعلى من طبقة التاركين للحرام؛ لأن ترك الحرام من باب الورع، وترك المكروه من باب الزهد.
٢٢ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العليم والحكيم، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
٢٣ - من الفوائد اللغوية: أن: ﴿كَانَ﴾ قد تسلب دلالتها على الزمان؛ لأنها لو دلت على الزمان في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، لكان الرب الآن ليس عليمًا ولا حكيمًا، لكنها أحيانًا تسلب دلالتها على الزمان، ويكون مدلولها مجرد الحدث، أو مجرد الوصف إذا كان صفة، ولهذا قال بعض السلف ولعله ابن عباس ﵄: "إن الله كان غفورًا رحيمًا ولم يزل غفورًا رحيمًا"، خوفًا من هذا الوهم، وهو أن ﴿كَانَ﴾ للماضي فقط، ولهذا لو سئلت عن رجل: هل كان غنيًا؟ فتقول: كان غنيًا، والمعنى: وأما الآن ففقير، وإذا سئلت عن طالب: هل هو مجتهد؟ فتقول: كان مجتهدًا، والآن ليس مجتهدًا.
إذًا: ﴿كَانَ﴾ في الأصل تدل على زمن مضى، لكنها أحيانًا تسلب دلالتها على الزمان، فتكون لمجرد الوصف بخبرها.
٢٤ - أنها تستلزم التسليم التام لقضاء الله الكوني والشرعي، ووجهه: إذا آمنت بأن الله عليم حكيم فسأطمئن، وأعلم أنه ما قضى قضاءً شرعيًا إلا والحكمة تقتضيه، ولا قضى قضاءً كونيًا إلا والحكمة تقتضيه، فيسلم الإنسان لربه تسليمًا تامًا،
стр. 88
وينشرح صدره بقضائه وقدره وشرعه وحكمه، ولا يبقى عنده أي تردد، ولهذا انظر إلى الصحابة ﵃ كيف كان قبولهم للشرع.
فحينما قال النبي ﷺ للنساء: "يا معشر النساء! تصدقن؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار" (١)، بدأت الواحدة تأخذ خرصها أو خاتمها أو سوارها وتقول: يا بلال! أعطنا ثوبك، فجعلن يلقين ذلك في ثوب بلال، حليها الذي تتجمل به لزوجها تخلعه؛ لأن النبي ﷺ أمرهن أن يتصدقن، وهذا امتثال غريب! !
والرجل الذي نزع النبي ﷺ خاتمه من إصبعه - والذهب حرام على الرجال - وطرحه ورمى به، فقيل للرجل: خذه، فقال: لا آخذ خاتمًا طرحه النبي ﷺ (٢) .. إنه امتثال عجيب!
ولما قال النبي ﷺ للصحابة بعد رجوعهم من الأحزاب: "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة" (٣)، فلم يتأخروا أبدًا، بل شدوا رحالهم وذهبوا، ولم يتعللوا بأي شيء، وبعضهم أخذ بظاهر اللفظ فقال: لن أصلي العصر إلا في بني قريظة ولو في نصف الليل، وساروا حتى وصلوا إلى بني قريظة وصلوا، والآخرون قالوا: إنما قصد النبي ﷺ أن نبادر، ولم يقصد أن نؤخر الصلاة، وقالوا: عندنا نصان: أحدهما متشابه، والثاني
стр. 89
محكم، فالمتشابه: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة"، فهذا يحتمل تأخير الصلاة، ويحتمل تعجيل السير والمشي، والمحكم هو وجوب الصلاة في وقتها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، فيجب أن نرد المتشابه إلى المحكم، ونصلي الصلاة في وقتها، وإن لم نصل إلى بني قريظة.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النساء: ١٢].
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ لا يمكن أن يصدق على المرأة أنها زوج إلا إذا تمت شروط النكاح، وعلى هذا فلا بد من عقد الزوجية الصحيح، فإن كان العقد غير صحيح فلا إرث، والعقد غير الصحيح يشمل الفاسد والباطل، فالأنكحة عند العلماء ثلاثة أقسام: صحيح، وباطل، وفاسد، فما أجمع العلماء على صحته فهو صحيح، وما أجمعوا على بطلانه فهو باطل، وما اختلفوا فيه فهو فاسد.
стр. 90
فالصحيح: هو ما اجتمعت شروطه وانتفت موانعه، وإن شئت فقل: ما أجمع العلماء على صحته.
والباطل: هو ما أجمعوا على فساده. والفاسد: هو ما اختلفوا في صحته.
مثال الأول: أن يتزوج الرجل المرأة بعقد صحيح خال من الموانع.
ومثال الثاني: الباطل: أن يعقد على امرأة فيتبين أنها أخته من الرضاع، فهنا العقد باطل؛ لإجماع العلماء على فساده، أو أن يتزوج امرأة في عدتها، فإن العلماء مجمعون على فساد هذا العقد.
ومثال الثالث: أن يتزوج امرأة بلا شهود، أو بشهود من الأصول والفروع، أو بلا ولي، أو يتزوج امرأة رضعت من أمه ثلاث رضعات، فكل هذه الأنواع مختلف فيها.
فمثلًا: من رضعت من أمه ثلاث رضعات، فهي عند كثير من العلماء أو أكثر العلماء تحل له؛ لأن الرضاع المحرم خمس رضعات، وعند بعض العلماء أن المحرم ثلاث؛ لقول النبي ﷺ : "لا تحرم المصة ولا المصتان" (١)، فمفهومه أن ما زاد عليهما محرم، فعلى هذا الرأي يكون هذا النكاح باطلًا؛ أي: فاسدًا.
وإذا تزوج من امرأة رضعت من أمه رضعة واحدة، فالنكاح أيضًا فاسد، لكن فساده أقرب من فساد من يقول بالثلاث؛ لأن القول بأن الرضاع مطلقًا محرم هو قول أهل الظاهر، وهو قول ضعيف.
стр. 91
فالنكاح الفاسد لا توارث فيه بين الزوجين، والنكاح الباطل كذلك لا توارث فيه، والنكاح الصحيح - وهو الذي أجمع العلماء على صحته؛ لتمام شروطه وانتفاء موانعه - هو الذي يحصل به الإرث، وهو مستفاد من قوله: ﴿مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾.
وقوله: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ هذا شرط عدمي، ووجه كونه شرطًا عدميًا: دخول النفي على مضمونه، والنفي عدم، فيشترط لإرث الزوج نصف ما تركت زوجته شرط عدمي، وهو أن لا يكون لها ولد.
وقوله: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ يشمل الواحد والمتعدد، والذكر والأنثى؛ لأن كلمة ﴿وَلَدٌ﴾ بمعنى مولود، وهو صالح للذكر والأنثى، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فدل هذا على أن الأولاد والولد يشمل الذكور والإناث.
وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ هذا تصريح بالمفهوم من قوله: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾، فمفهومه: إن كان لهن ولد فالحكم يختلف، بمعنى: أنه لا يكون لهم النصف وإنما يكون لهم الربع، كما قال تعالى: ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾.
فإن قال قائل: ما الحكمة من أنه مع الأولاد يكون للزوج الربع، ومع عدمهم يكون له النصف؟ فنقول: لأنه إذا كان لها أولاد، فإن أولادها محتاجون إلى الإنفاق عليهم، فلذلك توفر لهم من المال ثلاثة أرباع، بخلاف ما إذا لم يكن لها ولد.
وقوله: ﴿وَلَدٌ﴾ يشمل الذكر والأنثى، والواحد والمتعدد،
стр. 92
ومن كانوا من زوجها، ومن كانوا من غير زوجها، كما لو ماتت ولها أولاد من زوج سابق، فليس لزوجها إلا الربع.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، ويشترط للوصية التي تقدم على الإرث أن تكون وصية مشروعة، وذلك بأن تكون من الثلث فأقل، ولغير وارث، وأن تكون وصية تامة الشروط، فإن اختل شرط منها فبطلت فلا عبرة بها، فلو أوصت المرأة بشيء من مالها يصرف على أهل العزف والغناء، فالوصية باطلة لا عبرة بها، ولذلك فإن هناك قاعدة مهمة: "أن الألفاظ الشرعية تحمل على المعنى المعتبر شرعًا"، فعليه نقول: الوصية هي المعتبرة شرعًا، بحيث تكون من الثلث فأقل، ولغير وارث، وبالشروط المعروفة عند أهل العلم.
وقوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ ﴿أَوْ﴾ هنا مانعة خلو، وليست مانعة انفراد، والفرق بينهما: أن ﴿أَوْ﴾ التي هي مانعة الخلو تعني أنه يشترط ألا يخلو واحد من هذين الأمرين، وإن اجتمعا فهو أولى، والثانية التي تمنع الإشتراك هي التي يكون الحكم فيها لأحد الأمرين، فإذا قلتُ: أكرم زيدًا أو عمرًا، وأنا أريد أن تكرم أحدهما، فهذه مانعة اشتراك، وإذا قلت: أكرم زيدًا أو عمرًا، بمعنى أني جعلت لك الخيار، فهذه يسمونها: مانعة خلو، بمعنى: أنه لا يخلو الحال من إكرام أحد الرجلين، وإكرام أحدهما من باب أولى، فـ ﴿أَوْ﴾ هنا مانعة خلو، بمعنى: أنه قد يجتمع الدين والوصية، وقد ينفرد أحدهما، فالإرث لا يكون إلا بعد الوصية والدين، ولكن الوصية - كما سبق - تكون من الثلث فأقل، والدين قد يستغرق جميع المال، فإن استغرق الدين جميع
стр. 93
المال فلا حق للورثة، فلو كان عليه ألف درهم وخلف ألف درهم، فهنا لا شيء للورثة؛ لأن الدين قد استغرق جميع التركة، ولو أوصت المرأة بألف وتركت ألفًا فقط، فإنها لا تنفذ الوصية؛ لأنها لا تملك الوصية إلا بالثلث فأقل.
وفي هذه الآية قدم الله تعالى الوصية على الدين، وقد سبق في الآية الأولى كذلك، وقد بيَّن العلماء ﵏ الحكمة من هذا بأن الوصية تبرع، والدين واجب، فقدمت الوصية - لجبر نقصها، بكونها تبرعًا - على الواجب، هذا وجه.
والوجه الثاني: أن الدين له من يطالب به، بخلاف الوصية فإنها تبرع، ولو شاء الورثة أن يجحدوها لجحدوها، فقدمت اهتمامًا بها واعتناءً بها.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ يقال في هذه الجملة ما قيل في التي قبلها، والحكمة من أن الله فرق بين الرجال والنساء، فجعل للأنثى نصف ما للرجل - لأن هذه هي القاعدة في الفرائض-: أن الرجل والأنثى إذا كانا من جنس واحد فهما على التفريق، فيكون للرجل ضعف ما للأنثى، إلا من ورث بالرحم المجردة، فإنه يستوي فيه الذكر والأنثى، مثل أولاد الأم، فإن ذكورهم وإناثهم سواء، ومثل ذوي الأرحام على المشهور من المذهب، فإن ذكرهم وأنثاهم سواء، فابن الأخت وبنت الأخت المال بينهما بالسوية، وسيأتي - إن شاء الله - في الفوائد ذكر الخلاف فيه، وأن الصحيح أن ميراث ذوي الأرحام مبني على إرث من يدلون
стр. 94
به، فإن أدلوا بمن تختلف فيه الذكورة، والأنوثة فهم كذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ يحتمل أن تكون ﴿كَانَ﴾ هنا ناقصة، وتكون جملة ﴿يُورَثُ﴾ خبر كان، ويحتمل أن تكون تامة، و ﴿رَجُلٌ﴾ فاعل، ويورث صفة لرجل، وهذا أقرب؛ لأن التقدير: وإن وجد رجل يورث كلالة، وقوله: ﴿كَلَالَةً﴾ مفعول مطلق، ودليل أنها مفعول مطلق: أنه يصح أن يقدر قبلها المصدر، والتقدير: يورث إرث كلالة، فعليه تكون مفعولًا مطلقًا.
وإرث الكلالة: أن يرث مَنْ دون الأصول والفروع؛ أي: أن يكون الوارث من غير الأصول والفروع؛ لأنه كالإكليل الذي يحيط بالشيء، وهم الحواشي، فالكلالة هو من كان ورثته حواشي، وهو من لا يرثه فرع ولا أصل، ولهذا جاء عن السلف أن الكلالة من ليس له ولد ولا والد، فالمورث كلالة هو الذي لا يرثه إلا الحواشي، مثل: رجل مات عن إخوة، أو عن أعمام، أو عن بني إخوة، أو عن بني أعمام فهو كلالة، فكل من يورث بلا أصل ولا فرع فهو كلالة.
وقوله: ﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾ معطوف على رجل، ولكن كلمة ﴿امْرَأَةٌ﴾ معطوفة على رجل بصفة، والمعنى: أو امرأة تورث كلالة، وقد اتفق النحويون وكذلك الأصوليون على أن الوصف إذا تعقب جملًا عاد على الكل؛ كقولنا: أكرم زيدًا وعمروًا وبكرًا وخالدًا إن اجتهدوا في الدراسة، فإن هذا الوصف يعود على الكل، وأما إذا انفرد وتقدم مثل قولنا: أكرم زيدًا وعمروًا وخالدًا إن اجتهدوا وبكرًا، فقد اختلفوا: هل يكون إكرام بكر مطلقًا، أو
стр. 95
يكون موصوفًا بما سبق؟ على قولين في هذه المسألة: والصحيح أنه يرجع في هذا إلى القرائن، والقرائن هنا قد دلت على أن "امرأة" معطوفة على رجل باعتباره موصوفًا بكونه يورث كلالة.
وقوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ الضمير في قوله: ﴿وَلَهُ﴾ يعود على الرجل الذي يورث كلالة وكذلك المرأة، ولم يقل: ولهما أخ أو أخت، اعتبارًا بالوصف الأول الذي هو الرجل.
وقوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ مطلق، فيشمل الشقيق، أو لأب، أو لأم، ولكن العلماء أجمعوا على أن المراد الأخ من الأم أو الأخت من الأم، وقد وردت بها قراءة عن بعض السلف، "وله أخ من أم أو أخت من أم" وهذا ظاهر جدًا، حتى وإن لم ترد هذه القراءة؛ وذلك لأن الإخوة الأشقاء والإخوة لأب قد ذكر الله تعالى حكمهم في آخر السورة في قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٧٦] الآية.
وقوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ أي: إذا كانوا اثنين فأكثر فهم شركاء في الثلث، فإن كانوا ثلاثة أو أربعة أو أكثر فهم شركاء في الثلث وهنا لا يفضل الأخ على الأخت؛ لأن الله قال: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ ومقتضى الشركة عند الإطلاق التسوية.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ نقول فيها ما سبق، من أن هذه الوصية وصية شرعية في حدود ما أذن به الشرع.
وقوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ أي: أو من بعد دين، و ﴿أَوْ﴾ هنا مانعة خلو كما سبق، لكنه قال هنا: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أي: بشرط ألا
стр. 96
يكون المقصود بالوصية المضارة، فإن ثبت أن المقصود بها المضارة؛ فهي لاغية، كما لو علمنا أن هذا الميت الذي ليس له إلا إخوة من أم أنه أوصى بالثلث من أجل أن يضيق على الإخوة، فهذه وصية ضرار، فلا تنفذ؛ لأن الله اشترط في الوصية النافذة أن تكون غير مضار بها، وكذلك لو فرض أن المريض تدين دينًا يضر بالورثة يستغرق جميع ماله، فإنه في هذه الصورة ينظر فيه إذا كان قد ضار بهم، فإن الضرر ممنوع شرعًا.
وقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ (وصيةً) مفعول مطلق، عامله محذوف وجوبًا؛ لأن المقصود بها هنا الإلزام، والوصية بمعنى العهد المؤكد.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يصلح عباده، ﴿حَلِيمٌ﴾ بمن عصاه فلا يعاجله بالعقوبة، والفائدة من ختم هذه الآية الطويلة - التي اشتملت على إرث الزوجين والإخوة لأم - بالعلم والحلم: أنه قد تكون الوصية مضارًا بها، ومع ذلك فلا يعجل الله للإنسان بالعقوبة، ولهذا ختم الله هذه الآية بهذين الإسمين الكريمين: العليم والحليم.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن الإرث ملك قهري، لا اختيار للإنسان فيه، لقوله: ﴿وَلَكُمْ﴾، فقد ملكنا الله إياه وأثبته حكمًا شرعيًا، فلو قال الزوج: أنا لا أريد نصيبي من زوجتي، قلنا له: لا، بل هو داخل في ملكك قهرًا لا خيار لك فيه، فإن قال: أريد أن أتفضل به لها في مشروع خيري، أو إن كان لها أولاد أتفضل به على أولادها، قلنا له: هذه ابتداءُ عطية.
стр. 97
وبناءً على ذلك فلو كان عليه دين يحتاج أن يبذل فيه هذا المال الذي ورثه، فإن تبرعه بهذا المال غير نافذ، وهذه الفائدة من قولنا أنه ملك قهري.
ويتفرع على هذا أيضًا لو كان الموروث شقصًا من أرض مشتركة، فليس للشريك أن يشفع، وصورتها: أن يكون للمرأة نصف أرض، ونصف الأرض الثاني لرجل آخر أجنبي، فماتت، فورث ورثتها نصيبها من هذه الأرض، وهو النصف، فليس للشريك أن يشفع؛ لأنه ملك قهري، لكن لو أنها باعت نصيبها في حياتها، فللشريك أن يشفع.
٢ - أنه يشترط في الميراث أن يكون الوارث حرًا، ويؤخذ هذا من اللام التي للتمليك، والعبد لا يملك، فلو كان زوج الحرة عبدًا، فإنها إذا ماتت لا يرث منها شيئًا، لقول النبي ﷺ : "من باع عبدًا وله مال فماله للذي باعه" (١).
٣ - أن الميراث يشمل الأعيان، والديون، والحقوق، فالأعيان؛ كالدراهم والنقود والعقارات، والديون التي في ذمم الناس، والحقوق؛ كحق الشفعة، وحق الإنتفاع بالكلب المباح نفعه، وحق الإنتفاع بالسرجين النجس، وحق الإنتفاع بالدهن النجس - إذا قلنا بجواز الإنتفاع به - وما أشبه ذلك.
٤ - ثبوت الإرث بالزوجية؛ لقوله: ﴿أَزْوَاجُكُمْ﴾، ولا تثبت الزوجية إلا بعقد صحيح.
стр. 98
٥ - ثبوت الإرث ولو ماتت الزوجة قبل الدخول؛ لأنها تكون زوجة بمجرد العقد، سواء حصل الدخول أم لم يحصل.
٦ - أن الزوجة إذا بانت فلا توارث بين الزوجين، ويؤخذ من قوله: ﴿أَزْوَاجُكُمْ﴾؛ لأنها إذا بانت لم تكن زوجة، فلو طلقها وانتهت عدتها ثم ماتت، فلا ميراث له منها؛ لأنها صارت أجنبية منه لا تحل له إلا بعقد جديد، ولو طلقها طلاقًا بائنًا وماتت في العدة، فلا ميراث له منها؛ لأنها لما بانت منه لم تكن زوجته، بدليل أنها لا تحل له إلا بعد زوج إن كانت البينونة كبرى.
واستثنى العلماء من ذلك مسألة: وهي ما إذا أبانها في مرض موته المخوف متّهمًا بقصد حرمانها، فهنا أربعة شروط:
١ - إذا بانت، ٢ - في مرض موته، ٣ - المخوف، ٤ - متهمًا بقصد حرمانها. فإذا كان الأمر كذلك فإنها ترثه ولو انتهت العدة، ما لم تتزوج، أو تأت بمنافِ للزوجية؛ كالردة، فإن طلقها في الصحة طلاقًا بائنًا، ثم مات قبل انقضاء العدة، فإنها لا ترث؛ لأنه طلقها في الصحة كما سبق، وإن طلقها في مرض مخوف، ثم عوفي منه، ثم حصل له حادث فمات، فلا ترث؛ لأنه لم يمت بذلك المرض، وإن طلقها في مرض لكنه ليس بمخوف، وبعد ذلك ازداد به المرض حتى مات، فإنها لا ترث، وإن طلقها في مرض موته المخوف بطلبها، فإنها لا ترث؛ لأنه ليس متهمًا بقصد حرمانها.
إذًا: ينقطع التوارث بين الزوجين بالبينونة، إلا فيما إذا طلقها في مرض موته المخوف متهمًا.
٧ - أن للزوج النصف، بشرط عدمي وهو عدم الولد، لقوله: ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾.
стр. 99
٨ - أنه لا فرق بين أن يكون الولد واحدًا أو متعددًا، ذكرًا أم أنثى، ووجه الدلالة في هذه الآية: أن كلمة: ﴿وَلَدٌ﴾ نكرة في سياق النفي، فتكون للعموم.
وولد الولد كالولد، فلو كان لها ابن ابن فليس للزوج النصف؛ لأن أولاد الأبناء كأولاد الصلب.
٩ - عناية الله سبحانه بالمواريث، حيث جاءت الآيات على هذا التفصيل، لقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾.
١٠ - أن المواريث مبنية على الحكمة، ووجهه: أنه إذا لم يكن للزوجة ولد فللزوج النصف، ومع الولد الربع؛ ليتوفر المال للولد.
١١ - أنه لا ميراث إلا بعد الدين والوصية، لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وينبني على هذه الفائدة أمثلة: لو مات الميت وخلف ألفًا، وعليه ألف دينًا، فليس للورثة شيء؛ لأن الدين مقدم على الميراث، لكن كيف تكون الوصية مقدمة على الميراث، مع أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث؟ يتضح هذا بالمثال: فلو هلك هالك عن زوج وأخت شقيقة، فإن للزوج النصف؛ لعدم الفرع الوارث، وللشقيقة النصف؛ لتمام شروط إرثها النصف، وإذا قدرنا أن المال ستون ألفًا، كان للزوج ثلاثون ألفًا، وللأخت ثلاثون ألفًا، فإذا كانت المرأة المتوفاة قد أوصت بالثلث اختلف الحال، فللوصية الثلث عشرون ألفًا، وللزوج نصف الباقي عشرون ألفًا، وللأخت الشقيقة كذلك النصف عشرون ألفًا، فالوصية أعطيناها الحق كاملًا، وتجد أن
стр. 100
الميراث بدلًا من أنه كان للزوج النصف لم يكن له الآن إلا الثلث، وكذلك الأخت الشقيقة.
فتبين بذلك أن الوصية مقدمة على الميراث، ولو قدرنا أن الوصية كالميراث لاختلف الحكم، ولقلنا: عندنا ثلث زائدًا على الكُلّ، فتكون المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأخت الشقيقة النصف ثلاثة، وللثلث اثنان، فتعول المسألة إلى ثمانية، فيكون نصيب الثلث الآن ربعًا، مع أنا أعطيناه حسب القسمة الأولى ثلثًا كاملًا، كما أن نصيب الزوج ربع وثمن، ونصيب الأخت ربع وثمن.
فالحاصل: أن الوصية مقدمة على الميراث؛ لأن الموصى له يعطى سهمه كاملًا، ثم يقسم الباقي على الورثة على حسب الميراث.
١٢ - أن الزوجة حرة في التصرف بمالها، لقوله: ﴿يُوصِينَ بِهَا﴾، فأضاف الفعل إليها، ولو كانت لا تتصرف إلا بإذن الزوج، فلربما منعها الزوج من الوصية؛ لأن ذلك يضره.
١٣ - الحكمة في توزيع الميراث، حيث جعل للأنثى التي من جنس الذكر نصف ما للذكر، وذلك في ذكر ميراث الزوجات.
١٤ - بيان العدل في الدين الإسلامي، حيث لم يهضم المرأة حقها من الميراث، خلافًا لما كانوا في الجاهلية يفعلونه، حيث يحرمونها من الميراث، ويظهر العدل أيضًا بكونه عبَّر عن ميراث الزوجة بمثل ما عبر به عن ميراث الزوج.
١٥ - أنه إذا كان الحديث عن النساء والرجال، فإن الحكمة أن يقدم الحديث عن الرجال؛ لأنه سبحانه بدأ بميراث الأزواج
стр. 101
قبل ميراث الزوجات، وهذا هو الموافق للفطرة، خلافًا لمن حرف الله فطرته، وغير سليقته، فصار يقدم النساء على الرجال في الذكر، ففي الإذاعات الغربية ومن قلدوها يقولون: أيها السيدات والسادة، وأخس من ذلك من يكتب على الحمام: حمام للسيدات، وإلى جنبه: حمام للرجال، ولا يقول: للسادة، فبدلًا من أن الأنثى كانت تطالب بحقها أصبحنا نحن نطالب بحقنا! حيث يجعل النساء سيدات، والرجال بوصف الرجولة فقط لا بوصف السيادة! وكل هذا مما يدل على ضعف الشخصية، كما قاله الحكيم المؤرخ ابن خلدون في مقدمته التي كلها فلسفة كما يقولون، حتى إن بعض العلماء أنكر أن تكون له؛ لأنها فوق مستواه، وهي عظيمة جدًا.
يقول: من عادة الأمم أن الأمة الضعيفة تقلّد الأمة القوية ولو بالباطل. ونحن الآن استضعفنا أنفسنا، وصرنا نقلد من قلب الله فطرتهم وسلبهم الدين في مثل هذه الأمور. نسأل الله أن يحمينا جميعًا.
١٦ - أن ميراث الإخوة من الأم الثلث إن كانوا اثنين فأكثر، أو السدس إن كان واحدًا.
١٧ - أنه يشترط لإرث الإخوة من الأم أن يكون الإرث كلالة؛ أي: ليس هناك فروع ولا أصول ذكور؛ لا والد، ولا ولد، أما الأصول الإناث؛ فإن الإخوة من الأم يرثون معهن.
١٨ - التسوية بين الذكور والإناث في إرث الإخوة من الأم، ويؤخذ من قوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، وأصل الشركة يقتضي التسوية، كما أن البينية بالتسوية، فإذا قلت
стр. 102
لرجلين: هذه مائة درهم بينكما، فلكل واحد خمسون، وكذلك لما قال الله في إرث الإخوة من الأم: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، فلما لم يذكر تفضيل الذكر على الأنثى، دل ذلك على أنهم سواء.
وهل يشاركهم غيرهم في التسوية بين الذكر والأنثى؟
لا يشاركهم غيرهم إلا لعارض، مثل: أن يهلك هالك عن بنتين وأبوين أم وأب، فهنا يستوي الأب والأم؛ لأن البنتين تأخذان الثلثين، وللأم السدس، وللأب السدس، لكن هذه التسوية لأمر عارض؛ لأنه لم يبق شيء بعد الفروض حتى يأخذه الأب.
ويرى بعض العلماء أن ذوي الأرحام لا يفرق بين ذكرهم وأنثاهم، فإذا مات ميت عن ابن أخت شقيقة، وبنت أخت شقيقة، فلهما ميراث أمهما بالسوية.
والصحيح في هذه المسألة: أنهم - أي: ذوي الأرحام - إن أدلوا بمن يُفضَّل ذكرهم على أنثاهم؛ فُضّل ذكرهم على أنثاهم، وإن أدلوا بمن لا يفضل ذكرهم على أنثاهم؛ لم يفضل ذكرهم على أنثاهم.
مثال ذلك: ابن أخت شقيقة وبنت أخت شقيقة، والقاعدة أن الإخوة الأشقاء يفضل الذكر على الأنثى، فنقول في هذا المثال: للذكر مثل حظ الأنثيين، وفي ابن أخ من أم، وبنت أخ من أم نقول: الميراث بينهما بالسوية؛ لأنهم أدلوا بمن لا يفضل ذكرهم على أنثاهم.
١٩ - عناية الله بالوصية والدين، حيث إنه كلما ذكر ميراثًا قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، ففي باب
стр. 103
الفروع والأصول في الآية السابقة قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وفي ميراث الزوجين قال بعد إرث كل زوج ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ .. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وفي الإخوة من الأم هنا قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
٢٠ - أن الوصية المضار بها لاغية، لقوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾، ووصية المضارة حرام، وفيها إثم كبير، حتى إنه روي عن النبي ﷺ : "إن الرجل أو المرأة ليعملان في الصالحات أربعين سنة، ثم يجوران في الوصية فيعذبان" (١)، وهذا دليل على أن الجور في الوصية من كبائر الذنوب.
٢١ - وجوب العمل بما فرضه الله تعالى في الميراث، لقوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾، فالله لا يوصي إلا بما هو حق، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١].
٢٢ - أن هذه الوصية مبنية على أمرين: العلم والحلم، لقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
٢٣ - إثبات هذين الإسمين لله ، وهما: العليم والحليم، وهما يدلان على العلم والحلم، والقاعدة: "أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة، وليس كل صفة يشتق منها اسم، ولهذا كانت الصفات أوسع من الأسماء".
* * *
стр. 104
* قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾ [النساء: ١٣].
يقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ وهذه الجملة مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ اسم الإشارة ﴿تِلْكَ﴾، والخبر ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾، والمشار إليه ما سبق من المواريث في الآية، ويحتمل أن يكون المشار إليه كل ما سبق من الأحكام قبل هذه الجملة، وذلك أن القرآن - وإن كانت آياته مفصلات -، لكنه في الحقيقة كلام واحد من حيث المعنى والسياق، ومعنى قولنا: "كلام واحد": أن بعضه ينبني على بعض، ولهذا اعتنى بعض المفسرين ببيان تناسب الآيات، كما اعتنى بعضهم ببيان تناسب السور، وهذا بحث جيد.
ولو قيل: إن الإشارة تعود إلى أقرب مذكور على حسب القاعدة أن الضمير يعود على أقرب مذكور، وكذلك الإشارة تعود إلى أقرب مذكور، كان المراد بالمشار إليه هنا ما ذكر في هذه الآية: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢].
وقوله: ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ حدود جمع حد: والحد هو الشيء الفاصل بين شيئين، ومنه حدود الأرض يفصل بعضها عن بعض.
وحدود الله تنقسم إلى قسمين: حدود واجبات، وحدود محرمات، أما الحدود الواجبات فهي ما أوجبه الله على عباده بشروطها وأركانها وواجباتها، وأما حدود النواهي فهي ما حرمه الله على عباده؛ كالزنى، واللواط، وشرب الخمر، وقتل النفس، وغير هذا، قال أهل العلم: وإذا قال الله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] فهي من حدود الأوامر، وإذا قال:
стр. 105
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] فهي من حدود النواهي، فالزنى مثلًا نقول: هو حد من حدود الله، فلا تقربه، والصلاة حد من حدود الله، فلا تتعده؛ أي: لا تتجاوزه.
والآية هنا من حدود الأوامر.
ثم قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ هذه الجملة شرطية، واسم الشرط فيها ﴿وَمَنْ﴾، وفعل الشرط ﴿يُطِعِ﴾، وهو مجزوم بالسكون كما هو ظاهر، وأصل ﴿يُطِعِ﴾: يطيع، لكنها حذفت الياء لالتقاء الساكنين؛ لأن العين استحقت السكون بالشرط، والياء ساكنة، وقد قال ابن مالك في الكافية:
إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق ... وإن يك لينًا فحذفه استحق
وقوله: "لينًا" أي: حرف من حروف اللين الثلاثة، وتنطبق الآية على الثاني، إلا في قوله: ﴿يُطِعِ اللَّهَ﴾ بكسر العين، فتكون على الأول.
إذًا: الآية جمعت بين الوجهين.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قال العلماء: إن الطاعة هي موافقة الأمر، وتكون بفعل الأوامر، واجتناب النواهي، فتارك شرب الخمر امتثالًا لنهي الله يقال: إنه مطيع، والمصلي يقال: إنه مطيع، وهذا إذا أفردت الطاعة، فإنها تشمل فعل الأوامر وترك النواهي، وأما إذا قرنت بالمعصية فقيل مثلًا: من أطاع الله، ومن عصى الله؛ كانت الطاعة في الأوامر خاصة، والمعصية في النواهي، والآية التي معنا من النوع الثاني، إذًا: المراد بها القيام بالأوامر.
стр. 106
وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ عطف اسم الرسول ﵊ أو وصفه على اسمه تعالى؛ لأن طاعة الرسول من طاعة الله، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
وقوله: ﴿وَرَسُولَهُ﴾ المراد به حين نزول القرآن رسول معين، وهو محمد ﷺ ، وأما حين قيام الشرائع السابقة فالمراد بالرسول من كانت شريعته قائمة، ففي عهد المسيح يكون المراد بالرسول عيسى، وفي عهد موسى يكون المراد بالرسول موسى ... وهكذا، لكن بعد بعثة الرسول ﷺ يكون المراد بالرسول محمدًا ﷺ .
وقوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿يُدْخِلْهُ﴾ جواب الشرط، وهو مجزوم بالسكون، والقاعدة ومقتضى الدلالة العقلية: أن الشرط يترتب على المشروط، فالشرط الطاعة، والمشروط الجزاء والثواب، فالمشروط يترتب على الشرط ترتبًا عقليًا، فهنا يكون قوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ هو المشروط الذي اشترطه الله لمن أطاعه، فتكون نتيجة حتمية ضرورة لصدق المخبر به؛ لأن المخبر به هو الله، وهو أصدق القائلين، والمخبر به قادر على فعله، ولهذا فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد: ٣١]؛ لأنه كامل الصدق، كامل القدرة، وإخلاف الوعد يأتي من أحد أمرين: إما الكذب؛ أي: كذب الواعد، وإما العجز وعدم القدرة، والله لا يخلف الميعاد.
وقوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ جنات: جمع جنة، وهي في الأصل: البستان الكثير الأشجار،
стр. 107
وسمي بذلك لأنه يستر من كان فيه لكثرة أشجاره، وهذه المادة "الجيم والنون" تدل على الستر، ومنها: "الجَنَان" وهو القلب؛ لأنه مستتر، و"الأجنة" وهي الأحمال في بطون الأمهات؛ لأنها مستترة، و"الجن"؛ لأنهم مستترون، و"الجُنة" ما يستتر به المقاتل؛ لأنها تستره، فهذه المادة كلها تدور على هذا المعنى، فالجنات: هي البساتين الكثيرة الأشجار، ولكنه لا يحسن أن نفسرها في هذا الموضع بهذا المعنى؛ لأنها إذا فسرت بهذا المعنى فكأنما حصر مدلولها بما يعرفه الناس، وسوف يقلل من أهمية الجنة الموعود بها.
ولهذا ينبغي أن تفسر بأنها الدار التي أعدها الله لأوليائه، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فإذا فسرت بهذا التفسير بقيت هيبتها في النفوس، لكن لو فسرت بالمعنى الأول؛ لتوهم الإنسان وقال: هذا كبستان فلان ابن فلان، كثير الأشجار، وكثير النخيل، وما أشبه ذلك.
والجنة أعظم مما في الدنيا بأضعاف مضاعفة، لا يعلمها إلا الله، قال ابن عباس ﵄: "ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء" (١)، وإلا فالحقائق تختلف، كما قال الله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]، وفي الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا
стр. 108
أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (١).
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الجريان معروف، وهو سير الماء على الأرض، وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت هذه الجنات، فهي أشجار وارفة الظل، والأنهار تجري من تحتها، ولو تخيل الإنسان هذا النعيم، لوجده أكبر نعيم، وهذه الأنهار قد فسرها الله في سورة القتال بقوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، فليس هو عسل نحل، إنما عسل مصفى، خلقه الله هكذا، ولبن ليس كلبن البقر أو الغنم، بل خلقه الله أنهار، وكذلك الماء لا يأسن أبدًا مهما طالت مدته، بخلاف ماء الأرض فإنه يأسن وتتغير رائحته بطول المكث، والخمر لذة، ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ [الصافات: ٤٧].
وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قال العلماء: إنها تجري من تحتها، ولا تحتاج إلى بناء يمنع تسرب الماء، ولا إلى حفر أخدود، بل تسير هكذا حيثما أردت، قال ابن القيم في النونية:
أنهارها في غير أخدود جرت ... سبحان ممسكها عن الفيضان
فهي أنهار لا تحتاج إلى حفر سواقي، ولا إلى إقامة أخدود، بل تجري هكذا على الأرض، وقال أهل العلم أيضًا: إنها تجري حيثما أراد الإنسان، من دون أن يحتاج إلى مواد البناء ونحوها، بل يريدها بقلبه أو يأمرها بلسانه .. اللهم اجعلنا من أهلها.
стр. 109
وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ خالدين: حال من الضمير في قوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾، لكن يشكل عليه أن الحال كالنعت، والنعت يتبع المنعوت في إفراده وتثنيته وجمعه، وهنا صاحب الحال مفرد والحال جمع، فما هو الجواب عن ذلك؟
الجواب عن ذلك: أن نقول: إن صاحب الحال عائد على "من" الشرطية، و"من" الشرطية يجوز فيها مراعاة لفظها ومراعاة معناها، فإن راعيت اللفظ أعدت الضمير إليها مفردًا، وإن راعيت المعنى أعدت الضمير إليها جمعًا، وكذلك ما يشبه الضمير من الحال والصفة وما أشبهه، فيجوز مراعاة المعنى ومراعاة اللفظ، فهنا يقول الله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ فراعى اللفظ في قوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ والمعنى في قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾، ويجوز أن تراعي اللفظ والمعنى وتعود مرة ثانية لمراعاة اللفظ، قال الله : ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]، فراعى في الأول اللفظ، ثم راعى المعنى، ثم راعى اللفظ، وهذا جائز في اللغة العربية.
وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ قال العلماء: الخلود هو المكث الدائم، إلا أن يدل دليل على أنه مؤقت، فيراد به المكث الطويل، وإلا فالأصل أن الخلود هو الدوام، لكن إن وجد دليل يدل على أن المراد به طول المكث؛ عمل به.
وقوله: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ المشار إليه ما ذكر من هذا الثواب الذي أعده الله لمن أطاعه.
стр. 110
﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الفوز معناه: الربح، يقال: فاز فلان، بمعني: ربح، والعظيم: معناه: ذو العظمة، والعظمة: هي ضخامة الشيء، وجلالة الشيء، وكثرة الشيء أيضًا، ومعلوم أن نعيم الجنة يتصف بالضخامة والجلالة والدوام، فهو أعظم فوز، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وإعراب هذه الجملة: "ذا" اسم إشارة مبتدأ.
﴿الْفَوْزُ﴾ خبر المبتدأ.
﴿الْعَظِيمُ﴾ صفة للفوز.
ولو قال قائل: إن ﴿الْفَوْزُ﴾ بدل، أو عطف بيان، أو نعت لـ "ذلك"، ويكون المعنى: وذلك الفوز هو العظيم؛ لكان صالحًا، لكن الإعراب الأول أحسن.
ويذكر أن الزمخشري - وهو من المعتزلة - قال تعليقًا على قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ قال: أيُّ فوز أعظم من أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة؟ ! والإستفهام هنا بمعنى النفي؛ أي: لا فوز أعظم من ذلك، وقال بعض المحشين عليه والمتعقبين له: إنه أراد بذلك نفي رؤية الله ؛ لأن رؤية الله أعظم من الجنة وما فيها، وأعظم فوزًا، والله أعلم بمراده.
فمن نظر إلى اللفظ قال: إنه لا دلالة فيه في الواقع؛ لأن من لازم دخول الجنة النظر إلى وجه الله، ومن عرف حال الرجل وأنه معتزلي - ولكنه ذكي - قال: لعله أراد ذلك، ولو وقعت مثل هذه العبارة من شخص معروف بأنه يؤمن برؤية الله ، لما