← Тафсир

Тафсир · id 547

تفسير العثيمين: النساء

ابن عثيمين

Полный текст (1 106 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقول بعضهم: وإذا كان الذنب حقًا لآدمي فلا بد من إيصاله إليه؟ ! فنقول: هذا الشرط لا يخرج عما قلنا، وهو الإقلاع عن الذنب، فإذا كان ذنبك حقًا لآدمي، وأصررت على إضاعة هذا الحق، فأنت لم تقلع عن الذنب، فإن كان حق الآدمي مالًا فأعطه إياه، وإن كان دمًا فأعطه إياه، وإن كان عرضًا فاستحلله منه. وإن كان مالًا وقد مات الذي ظلمته فيه، فابحث عن ورثته، فإن لم تجد وتعذر عليك؛ فتصدق به، وحينئذ تتصدق به عن الورثة؛ لأنه إذا مات الميت انتقل حقه إلى الورثة، فأنت إذًا تتصدق به عن الورثة، مع الإستغفار من ظلم الميت، ولذلك؛ لو أنك أديت هذا المال إلى الورثة، فإنك لم تتب توبة تامة حتى تستغفر الله للميت؛ لأنك حقيقة حُلْتَ بينه وبين ماله. وإذا كان الحق دمًا، مثل أن يكون رجل قد دهس شخصًا وهرب خوفًا من السلطة، ثم ندم وتاب، فماذا يصنع؟ الجواب: يذهب إلى أوليائه، ويقول: هذا الذي حصل، وكذلك لو قتله عمدًا وندم، فإنه يذهب إلى أوليائه ويقول: لقد قتلت صاحبكم عمدًا. وإذا كان قد ظلم شخصًا في عرضه، فقد قال بعض العلماء: لا بد أن يستحله، بأن يذهب إليه ويقول: إني اغتبتك فحللني، وقد اعترض بعض العلماء على ذلك فقال: إنه إذا ذهب وقال له: إني اغتبتك فحللني، ربما تأخذه العزة بالإثم ويقول: لا. فالتفصيل في ذلك هو: أنه إذا كان قد علم بأنك اغتبته؛

стр. 142

وجب عليك أن تستحله، أما إذا لم يعلم، ولا تخشى أن يعلم، فإنه يكفي أن تستغفر له، كما جاء في الحديث: "كفارة من اغتبته أن تستغفر له" (١)، فتستغفر له، وتذكره بخير في المجالس التي اغتبته فيها. الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود في المستقبل إلى ما تاب منه، فإن كان قد تاب، وندم وأقلع، لكن في قلبه أنه لو تمكن من فعل الشيء مرة ثانية لفعله، فإن هذا لا تصح توبته؛ لأنه لم يعزم على أن لا يعود، إذًا لا بد أن يعزم على أن لا يعود، فإن كان يحدث نفسه بأنه لو حصل له هذا الذنب لعاد إليه، فإنه لم يتب. وهناك فرق بين قولنا: "العزم على ألا يعود"، وبين قولنا: "من الشروط ألا يعود"، فإن عدم العود ليس بشرط، بل الشرط أن يعزم على ألا يعود، والفرق بينهما ظاهر؛ لأنه إذا قلنا: يشترط العزم على ألا يعود، وعزم على ألا يعود، ثم سولت له نفسه بعد ذلك فعاد، فإن التوبة الأولى صحيحة، لكن قولنا: يشترط ألا يعود، فإن معنى ذلك أنه إذا عاد بعد ذلك فتوبته غير صحيحة، وهذا غير صحيح، ولذلك فإن العلماء يقولون: يشترط أن يعزم على ألا يعود. الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت تقبل من التائب، فان كانت في وقت لا تقبل منه - كما لو حضر الأجل، أو طلعت الشمس من مغربها - فإن التوبة لا تقبل، قال النبي ﷺ : "لا تنقطع التوبة حتى تنقطع الهجرة، ولا تنقطع الهجرة حتى تطلع الشمس

стр. 143

من مغربها" (١)، فإذا تاب الإنسان عند طلوع الشمس من مغربها، أو عند حلول الأجل؛ لم تقبل منه، فإن فرعون لما أدركه الغرق آمن، وقال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠]؛ أي: الله ، لكنه لم يصرح باسم الله، وإنما قال: ﴿الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾، مبالغة في التذلل، واتباعه لبني إسرائيل بعد ما كان مستعليًا ومتكبرًا عليهم، فالآن صار تابعًا لهم، قال: ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] أي: من المسلمين لله، فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس: ٩١]. مسألة: اختلف العلماء ﵏ هل يشترط لقبول التوبة أن ينزع عن جميع المعاصي أم لا يشترط؟ فمنهم من قال: يشترط أن ينزع عن جميع المعاصي، وأن من تاب من الزنا وهو يرابي، فإن توبته من الزنا لا تقبل؛ لأن التوبة الحقيقية هي التي تملأ قلب العبد خشية لله وتعظيمًا له، والذي يتوب من ذنب وهو مصر على الآخر، لا يتحقق ذلك في حقه. ومنهم من فصل وقال: إن كان الذنب الذي أصر عليه من جنس الذنب الذي تاب منه، فإنه لا تقبل توبته، وإن كان من غير جنسه، فإنها تقبل، مثال ذلك: لو تاب من النظر إلى النساء - النظر المحرم -، ولكنه يلمس النساء لمسًا محرمًا، فهنا الجنس واحد، فلا تقبل توبته من النظر المحرم؛ لأنه يمارس جنسه،

стр. 144

فالنفس إذًا متعلقة بهذا الجنس من الذنوب، ولم تقلع عنه، أما إذا كان من غير جنسه فإنها تقبل، فلو تاب من الربا وهو يزني، أو يشرب الخمر، فتوبته من الربا صحيحة مقبولة، ولو تاب من شرب الخمر وهو مصر على الزنا، فتوبته منه مقبولة. والصحيح أن التوبة من الذنب تقبل مع الإصرار على غيره، لكنه لا يستحق التائب منه وصف التائبين الوصف المطلق، وإنما هو تائب توبة مقيدة بهذا الذنب المعين، فوصفه بالتوبة من هذا الذنب وصف مقيد؛ لأن هذا هو العدل، والله أمر بالعدل والقسط، وهو سبحانه أهل العدل والقسط، وهذا القول هو الصحيح. وقد قال ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين عندما تكلم عن هذه المسألة، قال: "وبعد: فإن هذه المسألة لها غور بعيد - أي: أنها ليست بالأمر الهين الذي تلقى أحكامها على اللسان-؛ لأن لها تعلقًا بالقلوب، والقلوب حساسة كالكرة على سطح الماء، تهتز ولا يمسكها شيء"، فالمسألة في الحقيقة لها غور عظيم، وأصل التوبة: تعظيم الله ، وإجلاله، والخشية منه، والخوف منه، فإذا تحقق للإنسان هذا؛ هانت عليه التوبة، وأما مع عدم ذلك فإن التوبة عليه صعبة المنال. وهنا إشكال: وهو أنه إذا كانت التوبة لا تنفع عند حضور الأجل، فما الجواب عن قول الرسول ﷺ لعمه أبي طالب حينما حضره الموت: "قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله" (١)؟

стр. 145

والجواب من وجهين: الوجه الأول: أن هذه قضية عين، فكما أن أبا طالب ينتفع بشفاعة الرسول ﵊ دون غيره من الكافرين، فقد ينتفع بإسلامه دون غيره من التائبين في هذه الحال. الوجه الثاني: أن النبي ﷺ لم يجزم بأنها تنفعه، بل قال: "أحاج لك بها عند الله" (١)، والمحاج قد تقبل حجته وقد لا تقبل، فإذا كان هذا الحديث لا يدل على أنها تقبل جزمًا، فإنه من المتشابه الذي يحمل على المحكم، وهو أن التوبة في هذه الحال لا تقبل. مسألة: قد يترك بعض الناس الربا، أو شرب الخمر، أو الزنا، ليس توبة إلى الله، وإنما مللًا من هذا العمل، فهل يوصفون بالفسق؟ الجواب: أن نقول: أما باطنًا فهم فساق، وأما ظاهرًا فلا؛ لأننا نحكم بالظاهر، حتى وإن وجدت قرينة؛ والدليل على ذلك: حديث أسامة بن زيد ﵁ حين لحق المشرك، فلما أدركه ليقتله قال المشرك: لا إله إلا الله، فقتله متأولًا، فلما بلغ النبي ﷺ قال له: "أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ " قال: نعم، قال: "قتلته؟ " قال: نعم، قال: "فما تفعل بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة"؟ ! فما زال يكرر عليه حتى قال: تمنيت أني لم أكن أسلمت بعد (٢)، فنحن الآن نوافق أسامة ﵁ على

стр. 146

أن الرجل قالها تعوذًا من القتل، لكن مع ذلك لم يجعل النبي - صلي الله عليه وسلم - القرينة مانعة من الحكم بالظاهر. ٤ - أن الكافر لو تاب يوم القيامة لم تنفعه توبته، لقوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. ٥ - وجوب المبادرة بالتوبة؛ لأن الله علق قبولها على أمد لا يُعلم، فإذا كان كذلك وجب المبادرة بها. ٦ - أن الله أعدَّ للكافرين الذين يموتون على الكفر عذابًا مؤلمًا. ٧ - بطلان قول من يقول: إن أهل النار يتكيفون بها ويتأقلمون عليها، فلا يضرهم حرها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾، ولو كان الأمر كما ذكروا لم يكن مؤلمًا لهم. * * * * قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والخطاب إذا ابتدئ بالنداء فإنه دليل علي أهميته، والعناية به، وإذا صدر بهذا الوصف: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كان دليلًا على أن امتثاله من مقتضيات الإيمان، وفيه دليل على اتخاذ الإسم المغري بالشيء؛ أي: الحاث على الشيء، لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فكأنه يغريهم على قبول ما

стр. 147

سيوجه إليهم؛ لأن الوصف إذا ذكر على وجه يهيج الإنسان، كان هذا إغراءً به، كما تقول: يا أيها الكريم! لا تبخل على الضيف، يا أيها الرجل! لا تغلبك النساء، فإن هذا يوجب على الإنسان أن يأخذه الحماس حتى يمتثل. وقوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ نفي الحل يقتضي التحريم، والمحلل والمحرم هو الله ، ولهذا يعبر الله سبحانه أحيانًا بالتحريم، وأحيانًا بنفي الحل، ففي هذه الآية قال: ﴿لَا يَحِلُّ﴾، وسيأتي بعدها بآيات التصريح بالتحريم في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. وقوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ﴿كَرْهًا﴾ أي: كُرهًا عليهن، بحيث لا يرضين بذلك وأنتم تجبرونهن على هذا الميراث. وليس المعنى أنهم يرثونهن كما يرثون المال، بمعنى أنهم يسترقونهن، بل المعنى: أنهم يخلفون أزواجهن فيهم دون تملك؛ لأنهم لا يرثون النساء كما يرثون المال، بل يخلفون أزواجهن فيهن، فسماه الله ميراثًا؛ لأن كل من خلف غيره في شيء فهو وارث له، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم: ٤٠]، مع أن الله مالك لها من قبل، ومالك لمن عليها، لكنه يفني من عليها ويبقى هو سبحانه، وقال تعالى عن زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٥ - ٦] أي: يخلفني في قومي في العلم والنبوة، وليس المعنى أنه يرثهم ميراث مال؛ وذلك لأن الأنبياء لا يُورثون. وقوله: ﴿كَرْهًا﴾ هذا القيد لبيان الواقع، وإذا كان لبيان

стр. 148

الواقع فلا مفهوم له، ولا يدل على أنهن لو رضين أن يخلف الرجال أزواجهن فإن ذلك جائز؛ لأن هذا لا يجوز إلا بعقد نكاح شرعي، فلا يحل أن يرثوا النساء لا كرهًا ولا اختيارًا، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل جاء ورثته من بعده ومنعوا المرأة أن تتزوج إلا بمن يرضون هم، وإذا كانوا من بني عمه اختارها أحدهم فتزوجها قهرًا عليها، وهذا لا شك ظلم وعدوان، فلهذا نهى الله عنه فقال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ هذه مسألة أخرى تشبه ما سبق، فقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أي: لا تمنعوهن حقوقهن فتلجئوهن إلى المخالفة، ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، وهذا يقع كثيرًا من بعض الأزواج الظلمة، فيعضل زوجته ويمنعها، فإذا ضاقت به ذرعًا اضطرت إلى أن تفتدي نفسها منه بمال، فيكون هذا أخذًا لما أعطاها من قبل، إما الكل وإما البعض. وقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ فلو عضلها ليأخذ كل ما أعطاها فإنه يدخل في النهي. وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وفي قراءة "مُبَيَّنَة" أي: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فلكم أن تعضلوهن، والفاحشة المبينة فيها أقوال: قيل: إنها الزنا، فإذا زنت فله أن يعضلها من أجل أن تفتدي منه؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يبقى مع زوجة زانية، ولا تطيب نفسه أن يطلقها هكذا فيذهب ماله، فله في هذه الحال أن

стр. 149

يعضلها ويمنعها حقها من أجل أن تخالع وتفتدي نفسها منه. وقيل: إن المراد بالفاحشة المبينة بذاءة اللسان، بأن تكون سليطة اللسان عليه وعلى أهله وعلى الجيران، فإن ذلك مستفحش عرفًا، فإذا حصل من المرأة هذا فله أن يعضلها حتى تفتدي منه. وقيل: المراد سوء العشرة، بحيث لا تعطيه حقه على وجه الرضا والإنبساط والإنشراح، فإذا دعاها إلى فراشه قامت تتقهقر، وتتمنع، ويحمر وجهها ويصفر، ولا تجيبه، وإذا أمرها بحاجة صارت تتكره لبذل هذه الحاجة التي يجب عليها أن تبذلها، فهذا من الفاحشة المبينة. والقول الأخير يشمل القولين قبله؛ لأنه لا شك أن من سوء العشرة أن تخدع المرأة زوجها فتزني والعياذ بالله، ولا شك أيضًا أن من سوء العشرة بذاءة اللسان، وطول اللسان، فعليه يكون المعتمد: أن المراد بالفاحشة المبينة سوء العشرة بأي شيء كان، سواء كان مما يستفحش شرعًا؛ كالزنا، أو عرفًا، مع أن الزنا يستفحش شرعًا وعرفًا. وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ﴾ أي: النساء، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بما يتعارفه الناس ولا ينكره الشرع، والمعاشرة مفاعلة، فهي تكون من الجانبين؛ لأن الغالب أن الفعل الذي يكون مصدره مفاعلة أنه واقع من الجانبين، مثل: جاهد مجاهدة، قاتل مقاتلة، ياسر مياسرة، عاسر معاسرة، عاشر معاشرة، وقد لا يكون من الجانبين؛ كسافر، فإن السفر لا يكون إلا من واحد. ومعنى قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: ليعاشر كل منكم

стр. 150

الآخر بالمعروف؛ أي: بما يتعارفه الناس ولا ينكره الشرع، فإن كان مما يتعارفه الناس ولكن الشرع ينكره فإنه لا يجوز، وليس بمعروف بل هو منكر، والمراد: المعاشرة بالقول والفعل والبذل .. بالقول بأن يلين لها القول، وتلين له القول، وبالفعل: بالخدمة وما أشبهها، وبالبذل: بذل النفقات؛ من كسوة، وطعام، وشراب، ومسكن، ولا يلزمها قضاء دينه، ولا يلزمه قضاء دينها، اللهم إلا أن تستدين لنفقة واجبة عليه، فإن استدانت لنفقة واجبة عليه وجب عليه قضاء هذا الدين؛ لأنه لازم له. وقوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ أي: أنه قد يكره الإنسان الزوجة فلا يعاشرها بالمعروف؛ لأن من طبيعة الإنسان أنه إذا كره شيئًا لا ينقاد له، ولا يفرح به، فيقول الله : ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ أي: لسوء أخلاقهن، أو لغير ذلك ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، وهذا إشارة إلى أن نصبر عليهن؛ أي: إن كرهتموهن فاصبروا ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ لا تتوقعونه، ومن الخير أن يقدر الله بينهما ولدًا صالحًا، فإن هذا من أعظم الخيرات، ومن الخير أيضًا أن يقلب الله أحوالها وصفاتها التي كان يكرهها من أجلها إلى أحوال وصفات يرضاها، وحينئذ يطمئن إليها ويعيش معها عيشة حميدة. من فوائد الآية الكريمة: ١ - تحريم إرث النساء على وجه يكرهنه، كما يجري في الجاهلية، لقوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾.

стр. 151

٢ - أن نفي الحل يراد به التحريم؛ وذلك لأن نفي الشيء إثبات لضده. ٣ - أنه لو ورث المرأة على وجه ترضى به فلا بأس، لكنه مقيد برضا الشرع، فلو تزوج بعد موت ابن عمه زوجة ابن عمه، فإن ذلك لا بأس به، ولو تزوج زوجة أخيه بعد موته برضاها وبعقد شرعي فلا بأس. ٤ - تحريم عضل المرأة بغير حق؛ لتفتدي نفسها، لقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾. ٥ - الإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يكون الخلع بأكثر مما أعطاها، لقوله: ﴿بِبَعْضِ﴾، ولكن قد يناقش في هذه الفائدة فيقال: إن الله نهى عن العضل ليذهب ببعض ما آتاها؛ لبيان أن العضل لأخذ شيء منها ولو قل حرام، وليس فيه التعرض بما إذا أخذ أكثر أو أقل، وقد اختلف العلماء هل يجوز للإنسان في الخلع أن يأخذ أكثر مما أعطاها أم لا يجوز؟ المسألة فيها ثلاثة أقوال: الجواز، والتحريم، والكراهة. ٦ - تنويع الخطاب، لقوله تعالى في أول الآية: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾، وبعد ذلك قال: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ هذا إذا جعلنا: ﴿لَا﴾ ناهية، فإن جعلناها نافية للتوكيد، وجعلنا تقدير الآية: ولا أن تعضلوهن لتذهبوا، صار الكلام على نسق واحد، والآية محتملة لأن تكون ﴿لَا﴾ ناهية، وقوله: ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ مجزومة بلا الناهية، وأن تكون "الواو" حرف عطف، و ﴿لَا﴾ زائدة للتوكيد، وقوله: ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ معطوفة على قوله: ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ﴾، والمعنى: ولا أن تعضلوهن، فإن كان الأول؛ ففيه

стр. 152

اختلاف في الأسلوب، وإن كان الثاني؛ فالأسلوب على نسق واحد، ولكن لا شك أنه من الفصاحة والبيان والبلاغة أن يتنوع الأسلوب والخطاب إذا اقتضت البلاغة ذلك. ٧ - أن الصداق للمرأة، لقوله: ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أي: أعطيتموهن، وهو كذلك، وقد سبق في أول السورة ما هو واضح جدًا بأن الصداق حق للمرأة في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، وعلى هذا فإذا كانت مكلفة رشيدة، فالأمر إليها، فيما لو أسقطت عن زوجها بعض المهر أو كل المهر، ولا اعتراض لأحد عليها، وأيضًا لا يحل لأحد أن يأخذ من المهر شيئًا؛ لا اختيارًا، ولا غصبًا، إلا بعد أن يتم العقد، وتملك الزوجة مهرها، فلها حينئذ أن تتبرع بما شاءت لمن شاءت، إذا كانت أهلًا للتبرع. ٨ - أن سوء العشرة مبيح لعضل المرأة لتفتدي نفسها، تؤخذ من قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أي: فلكم أن تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن. ٩ - وجوب معاشرة المرأة بالمعروف، لقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ١٠ - اعتبار العرف في إحالة الحكم عليه، لقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقد أحال الله تعالى على العرف في مواضع متعددة، مثل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ولكن هذا المعروف - الذي هو العرف - لا يعتمد ولا يرجع إليه إذا كان مخالفًا لمعروف الشرع؛ لأن الشرع مُحكَّم وحاكم على العادة.

стр. 153

١١ - الإشارة إلى أنه ينبغي للزوج أن يصبر إذا رأى من زوجته ما يكره، فإن العاقبة قد تكون حميدة، لقوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. ١٢ - أنه وإن كان الحكم ورد في كراهة الزوجة، فالعلة عامة، فكثيرًا ما يكره الإنسان الشيء ويجعل الله عاقبته حميدة نافعة له، وهذا أمر مشاهد محسوس، وقد تكون العاقبة غير حميدة، لكن الغالب أن وعد الله يتحقق. فإن قال قائل: ﴿عَسَى﴾ هنا هل هي للتحقق أو للرجاء؟ فنقول: قال العلماء: "عسى" من الله واجبة، فإذا قال الله: "عسى" فهي واجبة، والأمر واجب ويقع، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٩]، وذلك لأن الرجاء في حقه غير وارد، إذ أنه هو المتصرف المدبر، والرجاء إنما يكون ممن لا يملك الشيء فيرجوه من غيره، وعلى هذا فتكون الآية وعدًا من الله أن من صبر ابتغاء وجه الله على ما يكرهه، واحتسابًا لثواب الله، بأن يجعل الله فيه خيرًا كثيرًا، فإنه يتحقق له هذا الوعد، فإن تخلف هذا الوعد فلوجود مانع، وإلا فإن وعد الله حق. ١٣ - إثبات وصف الله بالجعل، لقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، والجعل: كوني وشرعي، وأكثر ما في القرآن هو الشرعي، قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧]، مع أن هذا يحتمل أن يكون جعلًا كونيًا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] أي: ما جعلها

стр. 154

شرعًا وإن كان قد جعلها قدرًا، وكذلك قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]. ١٤ - جواز ثبوت الكراهة بين الرجل المسلم وأخيه، لقوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، فأثبت الله الكراهة شرطًا وتحقيقًا، ولا شك أن هذا وارد، وهو أن الإنسان قد يكره أخاه المسلم، ولكنه مأمور إذا وجد من قلبه كراهة لأخيه المسلم أن يفكر لأي سبب كرهه، فإذا كان لأمر شرعي فلينصح أخاه عن هذا الشيء حتى يزول؛ فتزول الكراهة، وإذا كان لغير أمر شرعي بأن وجد أنه يكره هذا الرجل كراهة عادية، لا لخلل في دينه أو خلقه، فعليه أن يعالج هذا الداء حتى يزيل عن قلبه كراهة إخوانه؛ لأن من أوثق عرى الإيمان المحبة في الله. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠]. ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ﴾ أي: إن اخترتم، فالإرادة هنا بمعنى: المشيئة والإختيار. ﴿اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ أي: أخذ زوج ﴿مَكَانَ زَوْجٍ﴾؛ أي: إن أردتم أن تطلقوا الزوجة الأولى، وتأخذوا بدلًا عنها زوجة جديدة، ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ الآية مبهمة، لكن ما دام الأمر فيه بدل، فإن المبدل منه هو الأولى، والمعنى: وآتيتم إحداهن وهي الأولى، على أنه يصح أن تكون الثانية، بأن يتزوج

стр. 155

ثانية ولكن لا يرغب فيها، ويريد أن يطلقها، فتكون الآية عامة لهذا ولهذا. وقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ﴾ بمد الهمزة، بمعنى: أعطيتم، أما قصر الهمزة "أتيتم" فهو بمعنى: جئتم، وهي تنصب مفعولين، ليس أصلهما المبتدأ والخبر، وفي هذه الآية المفعول الأول ﴿إِحْدَاهُنّ﴾، والثاني: ﴿قِنْطَارًا﴾. فإن قال قائل: ما هي العلامة على أنها نصبت ما ليس بمبتدأ ولا خبر؟ فنقول: العلامة: أنه إن صح الإخبار بالثاني عن الأول؛ فأصلهما المبتدأ والخبر، وإن لم يصح؛ فليس أصلهما المبتدأ والخبر، فهنا لو قيل: "هن قنطار" فإنه لا يصح. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ الفاء رابطة لجواب الشرط، وإنما ربط الجواب بالفاء لأنه طلب ﴿فَلَا تَأْخُذُوا﴾، و"لا" ناهية، والدليل على أنها ناهية جزم الفعل، وإذا وقع الجواب جملة طلبية وجب اقترانه بالفاء، وقد نظم في ذلك بيت من الشعر: اسمية طلبية وبجامد ... وبما وقد ولن وبالتنفيس وقوله: ﴿مِنْهُ﴾ أي: مما آتيتموهن ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النهي، فهي تعم القليل والكثير. وقد نهى الله عن أخذ شيء مما أعطيناهن؛ لأن لها المهر بما استحل من فرجها، كما سيأتي في الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [النساء: ٢١]، وقد

стр. 156

ثبت عن النبي ﷺ أن استحلال الفرج موجب للمهر كاملًا. وقوله تعالى: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ الإستفهام هنا للتوبيخ، فإن الله تعالى يوبخ هؤلاء الذين يحاولون أن يأخذوا منه شيئًا، وينكر عليهم. وقوله: ﴿بُهْتَانًا﴾ أي: كذبًا؛ لأنكم لم تستحقوه. وقوله: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: عقوبة، أو معصية بينة واضحة، فمبين هنا بمعنى: بيّن، وإن كانت من الرباعي؛ لأن "أبان" الرباعي يجوز أن يكون لازمًا ومتعديًا، فقوله: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ من "أبان" اللازم؛ أي: إثمًا بيِّنًا. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾. يقول الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ ﴿كَيْفَ﴾ استفهام للتعجب والإنكار. وقوله: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ الجملة هنا في موضع نصب على الحال، والمعنى: والحال أنه قد أفضى بعضكم إلى بعض؛ أي: انتهى بعضكم إلى بعض بما لا ينتهي إليه إلا الزوج. وقوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ النون في ﴿وَأَخَذْنَ﴾ ليس فيها ألف؛ لأنها نون نسوة، وليست ضمير متكلم، فإنها لو كانت ضمير متكلم لكان: "وأخذنا"، فقوله: ﴿وَأَخَذْنَ﴾ أي: النسوة. قوله: ﴿مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ هنا إشكال من جهة أن ما

стр. 157

سبقه إما مفرد، وإما مثنى، فكيف عاد الضمير جمعًا لما سبق؟ والجواب عن ذلك أن يقال: إن ما سبق من المفرد أو المثنى يراد به الجنس، وإذا أريد به الجنس؛ صح أن يُجمع باعتبار الجنس. وقوله: ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ الميثاق: هو العهد، والغليظ: هو المشدد، أو الشديد؛ أي: أخذن منكم ميثاقًا غليظًا وذلك بعقد النكاح، فإن عقد النكاح يستلزم أنه متى ملك العوض ملك المعوض، فأنت عندما ملكت البضع، واستحللت منها ما لا يستحله إلا الزوج؛ وجب لها المهر الذي هو العوض، وهو عهد وميثاق غليظ لا يوجد له نظير من العقود، فإن أشد ما يكون من العقود وأخطر ما يكون منها هو عقد النكاح؛ لأنه يترتب عليه أشياء كثيرة؛ كثبوت المحرمية، ولحوق النسب، ووجوب النفقة، وغير ذلك من الأحكام الكثيرة، ولهذا احتاط له الشرع ما لم يحتط لغيره، فلا بد فيه من ولي، ولا تستقل به المرأة بنفسها، مع أن بيع مالها ولو كثر تستقل به إذا كانت مكلفة رشيدة، ولا بد فيه من شهود عند كثير من أهل العلم، وعقد البيع لا تجب فيه الشهادة، ولا بد فيه من الخلو من الموانع، وبقية العقود قد تنعقد مع مانع لكن مع الإثم، أما هذا فلا، ثم عند التحلل منه وفسخه ليس هو كغيره من العقود متى شاء فسخ، بل لا بد له من قيود، فلا يفسخه في حيض، ولا يفسخه في طهر جامع فيه، ثم إذا فسخ فإنه يترتب على ذلك آثار؛ كالعدة وغيرها، إذًا: فهو أخطر العقود، ولهذا سماه الله: ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.

стр. 158

من فوائد الآيتين السابقتين: ١ - جواز التزوج بثانية، ولو كان يريد أن تكون بدلًا عن الأولى، لقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ أي: لو أراد أن يتزوج امرأة لتكون بدلًا عن الأولى تخدمه، وتقوم بحوائجه؛ فلا بأس. ٢ - جواز كثرة المهر، لقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ والقنطار قيل: إنه ألف مثقال من الذهب، وقيل: إن القنطار ملء جلد ثور من الذهب، وهذا كثير، فهل نقول: إن الآية تدل على جواز الزيادة في المهر؟ أم نقول: إن هذا من باب المبالغة؟ أي: لو آتيتم إحداهن هذا المال الكثير فلا تأخذوا منه شيئًا ولو قليلًا؟ الجواب: إن صحت الرواية عن عمر ﵁ أنه خطب الناس، وقال: "لا يزيد أحد على صداق رسول الله ﷺ إلا جعلته في بيت المال"، فقامت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين! كيف تقول هذا، والله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ فقال: "امرأة أفقه منك يا عمر"، وفي لفظ: "أصابت امرأة وأخطأ عمر" (١)، فعدل عن قوله: فإن صحت هذه القصة فإن قوله: ﴿قِنْطَارًا﴾ لا يراد به المبالغة التي لا حقيقة لها، وإنما يراد به الكثرة الحقيقية، والأصل أنه يجوز أن يزاد في المهر، ولو بلغ قناطير؛ لأنه عقد بين متعاقدين ولا بد فيه من الرضا، فإذا لم ترض الزوجة وأولياؤها إلا بالكثير؛ فالأمر إليهم. ولكن يقال: إن الأفضل عدم المغالاة في المهور، وكلما

стр. 159

خف المهر كان أكثر لبركة النكاح، وأحسن عاقبة، وأضرب لذلك مثلًا: إذا كان المهر قليلًا، ولم يوفق بين الزوج وزوجته، فإنه من السهل عليه أن يطلقها، سواء بفداء أو بغير فداء، فإن طلب الفداء فإنما يطلب شيئًا يسيرًا، وإن لم يطلب الفداء، فارقها وانتهى منها، لكن لو أنه أنفق عليها شيئًا كثيرًا، ثم ذهب يستدين من فلان وفلان، فركبه الدين الذي هو ذل في النهار، وهم في الليل، فماذا ستكون قيمة هذه المرأة عنده وقد كانت سببًا لهذا كله؟ سوف يكرهها، ويقول: هذه التي أدت إلى لحوق الدين علي، ثم إذا لم يرد الله التوفيق بينهما، فلن يسهل عليه أن يطلقها إلا بأن ترد إليه مهره، وهي قد أنفقت المهر، وذهب يمينًا وشمالًا، فيصعب عليها جدًا أن تدرك ذلك، فلهذا لا شك أن فوائد تقليل المهر كثيرة، ولهذا جاء في الحديث: "أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة" (١). ٣ - تحريم أخذ الزوج شيئًا من المهر ولو قليلًا، لقوله: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾، وكلمة: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النهي، فتعم القليل والكثير، ولكن لو رضيت الزوجة بأن يأخذ من مهرها شيئًا فالحق لها، إذا كانت مكلفة رشيدة، لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ٤ - الإنكار الشديد على من أخذ شيئًا من مهر امرأته بغير رضاها، لقوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾.

стр. 160

٥ - أن من كمال البلاغة أن يأتي المتكلم بأبشع صورة؛ تنفيرًا مما يريد التنفير عنه، لقوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، والعقل يقتضي أنه مع هذا الإفضاء يرجع كل من المتعاقدين إلى ما كان عليه، فالمرأة ترجع بمهرها، والزوج قد جاءه عوضه، وهو استحلال فرجها. ٦ - الإشارة إلى ستر ما بين الزوجين، لقوله: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، وهذا الإفضاء معروف أنه إفضاء سري، ولهذا فإن الذي يفشي السر فيما كان بينه وبين زوجته من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة. ٧ - أن العقود عهود، لقوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾، ولا شك أن العقود عهود، وعلى هذا فيدخل الوفاء بالعقد تحت قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وتحت قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، والوفاء بالعقود يعم الوفاء بأصل العقد وما أضيف إليه من شرط وصفة؛ لأن الشروط التي تشترط في العقود هي من أوصاف العقود، فإذا وجب الوفاء بالأصل وجب الوفاء بالصفة، ويتفرع على هذا التقرير: أن في الآية دلالة على وجوب الوفاء بالشروط في العقود، لكن يستثنى من ذلك ما منع الشرع منه، فإذا منع الشرع من شرط، حرم اشتراطه، وحرم الوفاء به، مثل أن يشترط البائع على المشتري ولاء العبد الذي باعه عليه، فهذا شرط باطل لا يصح، أبطله النبي ﷺ علنًا، ومثل أن يشترط البائع على مشتري الأمة أن يطأها لمدة شهر، فإن هذا الشرط باطل؛ لأنه لما باعها انتقل الملك إلى المشتري، فوطء البائع

стр. 161

لها - لو اشترط أن يطأها وليست ملكًا - له من باب الزنا. فإن اشترط بائع الأمة أن تخدمه لمدة شهر مثلًا، فلا بأس؛ لأن الخدمة تجوز من ملك اليمين وغيره. ٨ - غلظ عقد النكاح، وأنه عقد يجب أن يهتم به، لقوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾، ويدل على هذا قوله تعالى في الطلاق: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [١] أي: اضبطوها بالحساب، لكنه لم يقل: بالحساب؛ لأنه كان من عادتهم أن يضبطوا الشيء بالحصى، فإذا جاء قوم أخذوا حصى بعددهم من أجل الضبط، وعلى هذا جاء قول الشاعر: ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر أي: أن الحصى الذي يعرف به عدد القبيلة إذا كانت كثيرة فيه فائدة، ولهذا قال: وإنما العزة للكاثر؛ أي: لمن يكثر غيره، ويفوق غيره في الكثرة. إذًا: هذه الآية الكريمة تفيد خطر عقد النكاح، وأهميته، وأنه يجب أن يعتني به، ويحتفظ به، وبشروطه، وكل ما يلزم فيه؛ حتى لا يقع الإشكال بين الرجل وزوجته، وتحصل أمور لا تحمد عقباها. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ [النساء: ٢٢]. صلة هذه الآية بما قبلها واضحة؛ لأن الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 162

الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، ومن جملة النساء زوجات الآباء، التي يخلفها الأب بعد موته، فبين الله أن زوجات الآباء لا تحل فقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. قوله: ﴿مَا نَكَحَ﴾ النكاح في القرآن الكريم يطلق على العقد؛ وعلى الوطء، فإذا وقع على أجنبية فالمراد به العقد، أما إذا وقع على زوجة الإنسان فالمراد به الوطء، فإذا قيل: نكح زوجته، فهو الوطء، وإذا قيل: نكح بنت فلان، فهو العقد. ففي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فهل المراد بالنكاح هنا العقد، أو أن المراد به الجماع؟ الجواب: المراد به الجماع؛ لأن هناك قرينة تدل على ذلك، وهي قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، ولا يمكن أن يصدق عليه أنه زوج إلا بعقد، ولهذا لا بد أن يكون العقد صحيحًا حتى تتحقق الزوجية، أما فيما عدا ذلك فالمراد به العقد، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ .. ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]. وقوله تعالى: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ بناء على ما قررناه يكون المراد بالنكاح هنا: العقد؛ أي: ما عقدوا عليهن، سواء حصل الدخول أم لم يحصل، وسواء حصل الوطء أم لم يحصل. وقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ جمع أب، وهو شامل للأب الأدنى ومن فوقه، وهم الأجداد، وشامل للجد من قبل الأب ومن قبل الأم؛ وذلك لأن النكاح يكفي في تحريمه أدنى ملابسة، بخلاف

стр. 163

الإرث والنفقات، فإنه في باب الإرث والنفقات لا يدخل في الآباء الأجداد من جهة الأم، أرأيت الرضاع مثلًا فإنه يحرم في النكاح، لكنه لا يوجب أي شيء مما يوجبه النسب، من نفقة، أو تحمل دية، أو صلة، أو غير ذلك. إذًا: المراد بالآباء: الآباء الأدنون والأعلون، من قبل الأب ومن قبل الأم. وقوله: ﴿النِّسَاءِ﴾ هذا بيان لـ "ما" الموصولة، وذلك أن "ما" الموصولة - وكذلك أسماء الشرط - مبهمة تحتاج إلى بيان، فيأتي في الغالب البيان بعدها مُصدّرًا بـ "من". وقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿إِلَّا﴾ هنا أداة استدراك، وليست أداة استثناء، فهي بمعنى "لكن"، ويعبر بعض العلماء عن مثل هذا بأنه استثناء منقطع، ويعبر آخرون بأن ﴿إِلَّا﴾ هنا بمعنى "لكن"، وليست استثناء أصلًا؛ لأن الإستثناء لا بد أن يكون المستثنى قد دخل في المستثنى منه، ثم أخرج، والإستثناء المنقطع لا يصدق عليه ذلك. وعلى هذا: فإذا جاء الإستثناء المنقطع، فإننا نجعل ﴿إِلَّا﴾ بمعنى "لكن"، ويكون هذا من باب تناوب الحروف بعضها عن بعض. وقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: لكن ما مضى، فإنه لا حرج عليكم فيه، ولا يلحقكم فيه الإثم. فإن قال قائل: ما قد سلف لن يلحقهم فيه إثم؛ لأن الحكم لم يقرر بعد، فكيف استدرك وقال: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. فالجواب - والعلم عند الله : أنه لما كان عقد

стр. 164

النكاح أخطر العقود، وأشدها، استثنى ما سلف؛ لئلا يظن الظان أن ما سلف ينسحب عليه الحكم الذي ثبت أخيرًا، فكأنه قال: لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء، وقد عفا الله عما سلف؛ لتطمئن النفوس، وليس معنى ذلك: أن ما سلف من العقد يبقى، ويقر عليه الإنسان، بل يجب فسخه، والتفريق بين الإنسان والزوجة التي هي زوجة أبيه؛ لأن هذا التحريم باقٍ لم يَزُل وصفه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ الضمير في: ﴿إِنَّهُ﴾ يعود على المصدر المفهوم من قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ أي: إن نكاحكم، والضمير قد يعود على المصدر المفهوم من الفعل لدلالة السياق عليه، كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، فقوله ﴿هُوَ﴾ أي: العدل المفهوم من كلمة اعدلوا. فقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: نكاحكم ما نكح آباؤكم. قوله: ﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾ أي: والآن هو فاحشة، فعلى هذا تكون ﴿كَانَ﴾ هنا مسلوبة الزمان وإنما جاءت لتحقق هذا الأمر؛ لأن ﴿كَانَ﴾ إذا سلبت الزمان صارت للتحقيق، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤] فليس المعنى: كان فيما مضى، ولكن ثبت ثبوتًا قطعيًا أنه غفور رحيم، وهنا نقول: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ أي: ثبت فحشه. وقوله: ﴿فَاحِشَةً﴾ أي: في نفسه، ﴿وَمَقْتًا﴾ أي: عند الله، فنكاح ما نكح الآباء من النساء فاحشة في نفسه، تستفحشه

стр. 165

العقول، والشرع، وهو أيضًا مقت، والمقت أشد البغض، كما قال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣] أي: كبر بغضًا، فالمقت أشد البغض. وقوله: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ﴿وَسَاءَ﴾ فعل ماضٍ من أنواع الأفعال الجامدة، فهو جامد في سياقه على هذا الوجه؛ أي: على أنه إنشاء، وإنما قيدت ذلك لأنه إذا جاء بمعنى الإساءة أو السيئة صار متصرفًا، كما قال تعالى: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، فيسوءوا مضارع ساء، فساء إذا كان المقصود به إنشاء الذم صار فعلًا جامدًا، وإذا كان المقصود به ضد ما يسر، صار متصرفًا، فإذا قلت: إن ﴿سَاءَ﴾ فعل جامد، فلا بد من قيد أن تقول: إذا كان المقصود به إنشاء الذم. وقوله: ﴿سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا، فوصف الله نكاح ما نكح الآباء بثلاثة أوصاف: أنه فاحشة، وأنه مقت، وأنه سبيل سيئ. من فوائد الآية الكريمة: ١ - تحريم نكاح من نكحه الآباء الأدنون والأبعدون، لقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. ٢ - أنه لو وقع هذا العقد لكان فاسدًا؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ولقوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١)،

стр. 166

والذي ينكح ما نكح آباؤه من النساء قد عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله. ٣ - حل من زنى بها أبوه، ويؤخذ هذا من قوله: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾، والزنا ليس نكاحًا، خلافًا للمشهور عند الحنابلة من أن موطوءة الأب ولو بزنا حرام على الإبن، فإن هذا لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ولا يصح قياسه على النكاح؛ لأن النكاح عقد شرعي معتبر، والزنا سفاح بغيض إلى الله غير مشروع عند الله، فلا يصح قياسه عليه، وأغرب من ذلك أن بعضهم يقول: اللواط يجري مجرى النكاح، فلو لاط بالغلام حرمت عليه أم الغلام، وحرمت عليه بنت الغلام، وهذا لا شك أنه خطأ عظيم. فالحاصل: أن الصواب في هذه المسألة أنها لا تحرم. ٤ - تحريم نكاح زوجات الآباء وإن لم يحصل وطء ولا خلوة، ووجه ذلك: صدق النكاح بمجرد العقد، فإن من عقد على امرأة صدق عليه أنه تزوجها. ٥ - أن الخطيئة المفعولة قبل العلم لا يلحق الفاعل إثمها، لقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وهذه قاعدة شرعية: "أن الشرائع لا تلزم قبل العلم لا إيجابًا ولا تحريمًا"، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ﵀ (١)، وعلى هذا فلو أن الإنسان أسلم في بادية بعيدة، ولم يعلم عن وجوب صوم رمضان، ثم علم بعد ذلك، فإننا لا نلزمه بقضاء ما ترك من الصوم؛ لأنه لم يبلغه وجوبه، فلم تقم عليه الحجة به، وكذلك الصلاة: فلو كان لا يصلي، أو

стр. 167

يصلي وعليه جنابة، أو بغير وضوء، أو بغير طمأنينة، فإنه لا يلزم بقضاء ما فاته، ولهذا أدلة كثيرة: منها: حديث المسيء في صلاته، حيث لم يلزمه النبي ﷺ بقضاء ما سبق، مع أنه قال: "فإنك لم تصل" (١)، وإنما أمره بإعادة الصلاة الحاضرة؛ لأنه مطالب بها في الوقت. ٦ - أن رحمة الله سبقت غضبه، حيث عفا عما سلف من الذنوب، لقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وهذه قاعدة معلومة من قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، ومن قوله تعالى في الكتاب الذي كتبه عنده فوق العرش: "إن رحمتي سبقت غضبي" (٢)، وينبني على هذه القاعدة: أن العفو أقرب إلى السلامة من العقوبة، ولهذا جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "لأن أخطئ في العفو أحب إليّ من أن أخطئ في العقوبة" (٣)، وينبني على ذلك قاعدة مهمة: لو تنازع العلماء في مسألة من المسائل بين محرم ومحلل، وتكافأت أدلة الطرفين، فإننا نأخذ بالأيسر والأسهل، بناءً على هذه القاعدة: أن رحمة الله سبقت غضبه، وأنه يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر، وبأن الأصل براءة الذمة. فهذه ثلاثة أمور. ٧ - أن نكاح المحارم أشد من الزنا، لقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ

стр. 168

فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، وفي الزنا قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢]، ولم يقل: ﴿وَمَقْتًا﴾؛ ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أن من زنى بامرأة من محارمه أو تزوجها، فإنه يرجم ولو كان غير محصن؛ لأن نكاح ذوات المحارم أعظم من الزنا وأشد. ٨ - قبح هذا المسلك، لقوله: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. ٩ - بيان نعمة الله علينا في هذه الشريعة، حيث جنبنا سلوك السبل السيئة المذمومة، لقوله: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. ١٠ - ويؤخذ من ضدها: أن السلوك الإسلامي أو المنهج الإسلامي هو خير السبل وأفضلها وأحسنها. * * * * قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ [النساء: ٢٣]. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ المحرِّم هو الله ، وقد حذف الفاعل للعلم به، وأصل الحرام في اللغة: المنع، ومنه: حريم البئر، وهو ما حولها مما يكون حماية لها، ويمنع غير مالكها من تملكه، فأصل الحرام في اللغة: المنع، والمعنى: مُنعتم من أمهاتكم. وقوله: ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ "أمهات" جمع أم، أو أمهة، ويقال في

стр. 169

جمع أم في العاقل: "أمهات"، وفي غير العاقل: "أُمَّات" بحذف الهاء. وقوله: ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ يشمل الأم الدنيا والأم العليا؛ كالجدة أم الأب، وأم الأم، وأم الجد، وأم الجدة، ونقول فيها كما قلنا في قوله: "آباؤكم"، فهي تشمل القريب والبعيد من الأمهات، من جهة الأب ومن جهة الأم. وقوله: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ البنات: جمع بنت، ويشمل البنت، وبنت الإبن، وبنت البنت وإن نزلن، ويشمل أيضًا البنت من الزنا على قول جمهور أهل العلم، وإن كانت لا تنسب إليه شرعًا، لكنها خلقت من مائه، فهي على القول الراجح داخلة، كما سنبين ذلك في الفوائد. وقوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ الأخوات: جمع أخت، وهن فروع الأب الأدنى. وقوله: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ العمات: جمع عمة، وهن فروع الأب الأعلى؛ أي: فروع الجد، وفروع أب الجد، وفروع جد الجد، وهلم جرا. وليعلم أن عمة الرجل عمة له ولذريته من بنين وبنات، ولهذا فعمة أبيك عمة لك، ولأولادك وبناتك، وأولاد أبنائك وأولاد بناتك. وقوله: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ الخالات: فروع أب الأم وإن علا، وهن: أخوات أمك. وقوله: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ وإن نزلن، ويشمل الأخ الشقيق، والأخ لأب، والأخ لأم، ونسبتك إلى بنات الأخ: عم. وقوله: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ وهن من تكون خالًا لهن، فبنات الأخوات حرام على الإنسان وإن نزلن.

стр. 170

إذًا: هؤلاء المحرمات من النسب، وهن سبع: أمهاتكم، وبناتكم، وأخواتكم، وعماتكم، وخالاتكم، وبنات الأخ، وبنات الأخت، ويقال في حصرهن على طريقة الفقهاء: الأصول، والفروع، وفروع الأصل الأدنى وإن نزلن، وفروع الأصل الأعلى دون فروعهن، فالأصول مثل: الأمهات والجدات، والفروع: كالبنات وإن نزلن، وفروع الأصل الأدنى وإن نزلن هن: الأخوات وبنات الأخوات، وفروع الأصل الأعلى لصلبهم خاصة: العمات والخالات، وقولنا: "لصلبهم خاصة" أي: دون من نزلوا، فبنت العمة مثلًا حلال، وبنت الخالة حلال. فهذه طريقة الفقهاء. أما على طريقة العد الذي هو أفصح شيء، وهو كلام الله ، فلا يحتاج إلى كبير تأمل، ولذلك لو قيل للعامي: يحرم عليك نكاح الأم، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت، لذهب مطمئنًا متضحًا له الأمر، لكن لو قيل له: تحرم عليك الأصول، والفروع، وفروع الأصل الأدنى وإن نزلن، وفروع الأصل الأعلى لصلبهم خاصة دون من نزلن، لقال: إن هذا شيء معقد، وذهب يطلب تفسيرًا لهذا الكلام، ولذلك فإن القرآن أبلغ شيء مهما كان، فمهما تكلم أحد في بلاغته، فإن القرآن أبلغ منه، وأوضح، وأبين. وقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ هذا صنف آخر؛ لأن المحرمات أصناف: بالنسب، وبالرضاع، وبالمصاهرة، وهنا المحرمات بالرضاع، فقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ والرضاع: امتصاص الرضيع للثدي، أو إسقاؤه إياه بعد انفصاله عن الثدي،

стр. 171

كما لو جعل في إناءٍ أو في ثدي صناعي، أو ما أشبه ذلك. وقوله: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ كلمة "أرضع" فعل، والفعل في الأصل للإطلاق، والإطلاق يصدق بمرة واحدة، فإذا قلت مثلًا: ضربت، فإنه يصدق بمرة واحدة، إذن قوله "أرضعنكم" يصدق بمرة واحدة؛ أي: برضعة واحدة، فالآية تدل على أن مطلق الرضاع يثبت به التحريم، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان أن السنة قيدت ذلك. وقوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ الأخوات من الرضاعة: هن بنات المرأة التي أرضعتك، وبنات زوجها منها أو من غيرها؛ لأن بنات زوجها يكن أخواتك من الأب، وبنات التي أرضعتك أخوات لك من الأب والأم؛ أي: شقائق، أو من الأم؛ لأنها قد ترضعك بلبن زيد، ولها بنات من عمرو، فتكون بناتها من عمرو أخوات لك من الأم، فقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ يشمل الشقيقات، واللاتي لأب، واللاتي لأم. وقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ هذا هو الصنف الثالث: وهن المحرمات بالمصاهرة، والأم إذا أطلقت فهي التي ولدت الإنسان، قال الله تعالى: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢]، فأمهات النساء؛ أي: اللاتي ولدن نساءكم. وقوله: ﴿نِسَائِكُمْ﴾ أي: زوجاتكم، ولا تكون المرأة زوجة إلا بعقد صحيح، فلا بد من أن يكون العقد صحيحًا؛ لأنه إذا لم يكن صحيحًا لم تكن المرأة من نسائه، فلا تكون من نسائه إلا بعد صحة العقد. وقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ "ربائب": جمع

стр. 172

ربيبة؛ ، كصحائف: جمع صحيفة، وقوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ صفة لربائب، وقوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ بيان لها؛ أي: أن الربائب من هؤلاء النساء اللاتي دخلتم بهن، وقوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ أي: زوجاتكم اللاتي عقدتم عليهن عقدًا صحيحًا، إذ لا تكون المرأة من نساء الرجل إلا بعقد صحيح. وقوله: ﴿اللَّاتِي﴾ صفة لقوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾، والمراد بالدخول بهن: الجماع دون الخلوة، وهنا لا بد أن نفرق بين الدخول الذي هو الجماع، وبين الخلوة، فإن الخلوة لا تؤثر. إذًا: الربائب ذكر الله فيهن قيدين: القيد الأول: أن تكون في حجر الإنسان، فيتزوج امرأة ولها بنت من غيره، ويضم البنت مع الأم فتكون عنده في حجره. القيد الثاني: أن تكون المرأة قد دخل بها الزوج؛ أي: جامعها. فهل هذان القيدان معتبران؟ هناك قولان للعلماء: القول الأول: أنهما معتبران، وأن الربيبة إذا لم تكن في حجر الإنسان، أو لم يكن قد دخل بأمها فهي حلال، وأنها لا تحرم إلا إذا اجتمع القيدان: أن تكون في حجره، وقد دخل بأمها. القول الثاني: وهو قول الجمهور، أن المعتبر هو القيد الثاني، وهو قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، وأما القيد الأول فليس بمعتبر، وإنما ذكر بناءً على الأغلب، أو بيانًا للحكمة، واستدل الجمهور لرأيهم هذا بأن الله تعالى صرح

стр. 173

بمفهوم القيد الثاني ولم يصرح بمفهوم القيد الأول، بل سكت عنه، فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، ولو كان القيد الأول معتبرًا لقال: فإن لم تكونوا دخلتم بهن أو لم يكنّ في حجوركم؛ فلا جناح عليكم. ولو سكت الله عن المفهوم ولم يقل: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾؛ لكان القيد معتبرًا، وكانت الحجة مع من جعله شرطًا. فالمراتب ثلاث: المرتبة الأولى: أن يقال: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فإن لم يكن في حجوركم أو لم تدخلوا بأمهاتهن، فلا جناح عليكم، ففي هذه المرتبة يكون القيدان معتبرين. المرتبة الثانية: أن يقال: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فهنا القيدان معتبران. المرتبة الثالثة: أن يرد القيدان في الآية: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، فهذا يؤذن بأن القيد الثاني معتبر، والقيد الأول غير معتبر، وهذا هو رأي الجمهور، وهو الصحيح، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ "حلائل": جمع حليلة، وتشمل الزوجة، والمملوكة، لكن الزوجة تحرم على أبي الزوج بمجرد العقد، وأما السرية فلا تحرم على أبي السيد إلا بالوطء؛ وذلك لأن السرية قبل أن يجامعها يحتمل

стр. 174

أن تكون سلعة تباع وتشرى، فإذا جامعها فقد اختارها لنفسه، فالحلائل إذن: جمع حليلة، وهي الزوجة التي استحلها بالعقد، أو الأمة التي استحلها بالوطء. ولم يذكر الله هنا قيدًا، فتشمل كل زوجة؛ سواء دخل بها الإبن أم لم يدخل بها، وعلى هذا فزوجة الإبن حرام على أبيه، وإن طلقها قبل الدخول، وإن طلقها قبل الخلوة؛ لعموم الآية. وقوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ "أصلاب": جمع صلب، وهو الظهر، والمراد: الأبناء الذين ولدوا من مائكم؛ لأن هذا هو ابن الصلب، وهذا قيد يخرج به جمهور العلماء أبناء التبني، فقد كان من عادة الناس في الجاهلية أن يتبنى الإنسان ابنًا له، ويقول له: أنت ابني، ويجعله كابنه في الميراث وغيره، فقيد الإبن هنا بكونه من الصلب ليخرج ابن التبني، هذا هو رأي الجمهور، ولكن لا مانع من أن يقال: إنه يشمل ابن التبني، وابن الرضاع؛ لأن ابن الرضاع ليس ابنًا لك من صلبك، وابن الرضاع يسمى ابنًا شرعًا، لكن ابن التبني قد أبطله الشرع، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]، فإذا كان قد أبطل شرعًا فلا حاجة إلى قيد يخرجه؛ لأنه غير داخل شرعًا في معنى البنوة عند الإطلاق، ولا حسًا كذلك أيضًا؛ لأنه ليس من مائه، وعلى هذا فيكون هذا القيد لإخراج ابن الرضاع أظهر منه لإخراج ابن التبني؛ لأن ابن التبني غير معترف به شرعًا، فلا حاجة إلى قيد يخرجه من معنى البنوة.

стр. 175

وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وإن كان يظن أنه خالف الناس في هذا، لكن قوله عند التأمل هو الصواب، وهو أن المصاهرة لا تجري في الرضاع، ولا علاقة للرضاع بها؛ لأن الحديث: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (١)، وأبو الزوج، وابن الزوج إنما هو حرام بالمصاهرة، فكيف ندخل في الحديث ما لم يدخل فيه، وكذلك في الآية الكريمة؟ وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، وهذا المحرم ليس عينًا، ولكنه عمل، وهو الجمع، والمعنى: وحُرِّم علينا أن نجمع بين الأختين، ولهذا لا يصح التعبير بأن نقول: تحرم أخت الزوجة، أو تحرم عمة الزوجة؛ لأن ذلك ليس واردًا لا في القرآن ولا في السنة، ففي القرآن: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، وفي السنة: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (٢)، فالحكم معلق بعمل، وهو الجمع، وليس بعين وهي الأخت أو العمة، ولهذا نقول: إن تعبير بعض العلماء ﵏: تحرم أخت الزوجة وعمتها وخالتها، فيه تساهل. فالصواب أن يقال: يحرم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.

стр. 176

وقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ يشمل الأختين الشقيقتين، والأختين لأب والأختين لأم؛ لأن الآية مطلقة. قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ نقول فيها كما قلنا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] أي: لكن ما قد سلف معفو عنه، وإنما ذكره الله لعظم المقام، ولئلا ينشغل الإنسان بفعله السالف الذي وقع على الوجه المنهي عنه، ومن الحكم بيان حكم الولد الحاصل من النكاح فيما سلف بمعنى: أنه لو نكح الإنسان زوجة أبيه في الجاهلية، وأتت منه بولد، ثم أسلم وفرق بينهما؛ لأن سبب التحريم باقٍ، لكن الولد الذي حصل من النكاح الأول ينسب إليه شرعًا، فهذا - والله أعلم - هو الحكمة من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ لأجل أن يزول ما في قلب الإنسان نهائيًا؛ لأنه قد يقول: إذا كان ذلك حرامًا عليّ، فما موقفي أمام الولد الذي خلق مني في ذلك الوقت، فطمأن الله العباد بقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، فهذا هو الحكمة في استثناء واستدراك ما سبق، وإلا فقد يقول قائل: ما سبق كيف يرجع التحريم إليه بما يسمى أثرًا رجعيًا؟ فنقول: الحكمة من ذلك هو عظم المقام، والثاني: أنه لو ولد ولد في ذلك النكاح، فالولد ولد شرعي؛ لأنه معفو عنه - أي: عما سلف - وعن آثاره. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ سبق الكلام على هذه الآية كثيرًا، وفيها تأكيد اسمين من أسماء الله بمؤكدين: ﴿إِنَّ﴾ و ﴿كَانَ﴾؛ لأن و ﴿كَانَ﴾ كما أسلفنا مسلوبة الزمان، فتفيد تحقيق الوصف.

стр. 177

و"الغفور" صيغة مبالغة من الغفر، وهو ستر الذنوب، وعدم المؤاخذة عليها، و"الرحيم" كذلك صيغة مبالغة من الرحمة، والرحمة صفة ذاتية لله ، ولكن لها آثار، مثل: نزول المطر، وسعة الرزق، وكثرة العلم، واتجاه الناس اتجاهًا سليمًا، وما أشبه ذلك، فهذه الأشياء هي من آثار رحمة الله، ولكن ليست هي الرحمة، إنما يطلق عليها الرحمة لأنها آثار رحمة الله كما قال الله تعالى في الجنة: "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء" (١). من فوائد الآية الكريمة: ١ - تحريم نكاح هؤلاء السبع بالنسب، وكلهن قريبات، لقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾. فإن قال قائل: إضافة التحريم هنا إلى الأعيان، فما الذي خصصه بالنكاح، ألا يجوز أن يقول قائل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ أي: لا تنظروا إليهن، أو لا تقتلوهن، فما الذي يقيد التحريم بالنكاح؟ فنقول: يفهم ذلك من سياق الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، فالسياق في الآية التي قبلها وفيها أيضًا كل ذلك في النكاح، فتعين أن يكون المراد به النكاح، وما زعمه بعض العلماء من أن في الآية إجمالًا مترددًا بين كذا وكذا، فهذا لا وجه له.

стр. 178

٢ - ثبوت التحريم بالرضاع، لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾. مسألة: ضوابط المحرمات من المصاهرة: يحرم على الزوج خاصة أصول زوجته وفروعها، لكن الأصول بمجرد العقد، والفروع لا بد من الدخول، والفروع سماها الله: ربائب، والأصول سماها الله: أمهات نسائكم. ويحرم على الزوجة خاصة أصول زوجها وفروعه، فالمحرمات بالمصاهرة أربعة: أصول الزوج على الزوجة خاصة، وفروع الزوج على الزوجة خاصة، وأصول الزوجة على الزوج خاصة، وهذه الثلاث يثبت فيها التحريم بمجرد العقد، والرابع: فروع الزوجة على الزوج خاصة، لكن بشرط الدخول. مسألة: بناء على ذلك هل يجوز للإنسان أن يتزوج بنت زوجة أبيه؟ هذه المسألة فيها تفصيل، فإن كانت زوجة أبيه هي أمه، فلا يجوز؛ لأن بنتها أخته، وأما من غيرها فنقول: يجوز للإنسان أن يتزوج بنت زوجة أبيه. مسألة: هل يجوز أن يتزوج أم زوجة أبيه؟ قلنا: إن التحريم يتعلق بالزوج خاصة، أو بالزوجة خاصة، فيحرم على الزوج أصول الزوجة وفروعها، ويحرم على الزوجة أصول الزوج وفروعه، وهذا الرجل أراد أن يتزوج أم زوجة أبيه، فيجوز؛ لأن أصول الزوجة إنما يحرمون على الزوج خاصة؛ أي: أن التحريم يتعلق بالزوج فقط، وبالزوجة فقط، هذا هو الضابط في المحرمات بالمصاهرة، والقرآن واضح في هذا.

стр. 179

٣ - أن الأم عند الإطلاق لا يدخل فيها الأم من الرضاعة، ووجه ذلك: أنه لو كانت الأم من الرضاع تدخل في الأم عند الإطلاق، لما احتيج إلى قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾؛ لأنها تدخل في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، ويتفرع عن هذه الفائدة: أن أم الزوجة من الرضاع لا تدخل في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾؛ لأنه عند الإطلاق لا تدخل فيها الأم من الرضاع، فإذا قال قائل: أم الزوجة من الرضاع حرام، لدخولها في عموم قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾. فنقول: لا نسلم بهذا؛ لأن الأم عند الإطلاق لا تدخل فيها الأم من الرضاع، بدليل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، ولو كانت الأم عند الإطلاق تدخل فيها الأم من الرضاعة لكان في الآية تكرار منافٍ للبلاغة. ٤ - ثبوت الأمومة بالرضاع، وعلى هذا فيصح أن يقول القائل لمن أرضعته: أمي، لكن لا ينبغي أن يقولها إلا مقيدة؛ لأن الله قيدها، فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، فيقول: أمي من الرضاعة؛ لئلا يتوهم السامع أنها أم من النسب. ويتفرع عن هذه الفائدة: أن ما يطلقه كثير من الناس على زوجة الأب أنها عمة، وبعضهم يسميها خالة، على الإطلاق، وكذلك ما يفعله بعض الناس من إطلاق اسم العم أو الخال على أبي الزوجة، فيقول: عمي، أو خالي، وهذا غلط؛ لأنها تسمية لا تصح لغة، ولا شرعًا، وتُوهم، ولهذا نهى النبي ﷺ عن تسمية العشاء بالعتمة، فقال: "لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم

стр. 180

العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء" (١) يقول الله: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]. فالحقائق لا ينبغي أن تطلق على خلاف الحقائق الشرعية. ٥ - أن المرضعة تحرم بمطلق الرضاعة، لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، والرضاع يصدق بمرة، بل بمصة؛ لأن من مص من ثدي المرأة قيل: إنه رضع، وعلى هذا فيثبت التحريم بمجرد رضعة واحدة، وإلى هذا ذهب الظاهرية، وقالوا: إن التحريم بالرضاع يثبت بالرضعة الواحدة؛ لأنه جاء مطلقًا في القرآن، والمطلق يصدق بمرة واحدة. ولكن الصحيح أن هذا الإطلاق في القرآن قد قيدته السنة، فيما صح عن النبي ﷺ في قوله: "لا تحرم المصة ولا المصتان" وفي حديث آخر: "لا تحرم الإملاجة والإملاجتان" (٢)، ومنطوق هذا الحديث: أن المصة والمصتين لا تحرم، ومفهومه: أن ما زاد عليهما يحرم، وإلى هذا ذهب أيضًا كثير من علماء أهل القياس، وقالوا: إن الثلاث محرمة؛ لمفهوم الحديث. وقال بعض العلماء: لا يحرم إلا خمس رضعات، لما صح في مسلم عن عائشة ﵂ قالت: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات،
следующие страницы →