وقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ يشمل الأختين الشقيقتين، والأختين لأب والأختين لأم؛ لأن الآية مطلقة.
قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ نقول فيها كما قلنا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] أي: لكن ما قد سلف معفو عنه، وإنما ذكره الله لعظم المقام، ولئلا ينشغل الإنسان بفعله السالف الذي وقع على الوجه المنهي عنه، ومن الحكم بيان حكم الولد الحاصل من النكاح فيما سلف بمعنى: أنه لو نكح الإنسان زوجة أبيه في الجاهلية، وأتت منه بولد، ثم أسلم وفرق بينهما؛ لأن سبب التحريم باقٍ، لكن الولد الذي حصل من النكاح الأول ينسب إليه شرعًا، فهذا - والله أعلم - هو الحكمة من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ لأجل أن يزول ما في قلب الإنسان نهائيًا؛ لأنه قد يقول: إذا كان ذلك حرامًا عليّ، فما موقفي أمام الولد الذي خلق مني في ذلك الوقت، فطمأن الله العباد بقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، فهذا هو الحكمة في استثناء واستدراك ما سبق، وإلا فقد يقول قائل: ما سبق كيف يرجع التحريم إليه بما يسمى أثرًا رجعيًا؟ فنقول: الحكمة من ذلك هو عظم المقام، والثاني: أنه لو ولد ولد في ذلك النكاح، فالولد ولد شرعي؛ لأنه معفو عنه - أي: عما سلف - وعن آثاره.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ سبق الكلام على هذه الآية كثيرًا، وفيها تأكيد اسمين من أسماء الله بمؤكدين: ﴿إِنَّ﴾ و ﴿كَانَ﴾؛ لأن و ﴿كَانَ﴾ كما أسلفنا مسلوبة الزمان، فتفيد تحقيق الوصف.
стр. 177
و"الغفور" صيغة مبالغة من الغفر، وهو ستر الذنوب، وعدم المؤاخذة عليها، و"الرحيم" كذلك صيغة مبالغة من الرحمة، والرحمة صفة ذاتية لله ، ولكن لها آثار، مثل: نزول المطر، وسعة الرزق، وكثرة العلم، واتجاه الناس اتجاهًا سليمًا، وما أشبه ذلك، فهذه الأشياء هي من آثار رحمة الله، ولكن ليست هي الرحمة، إنما يطلق عليها الرحمة لأنها آثار رحمة الله كما قال الله تعالى في الجنة: "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء" (١).
من فوائد الآية الكريمة:
١ - تحريم نكاح هؤلاء السبع بالنسب، وكلهن قريبات، لقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾.
فإن قال قائل: إضافة التحريم هنا إلى الأعيان، فما الذي خصصه بالنكاح، ألا يجوز أن يقول قائل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ أي: لا تنظروا إليهن، أو لا تقتلوهن، فما الذي يقيد التحريم بالنكاح؟
فنقول: يفهم ذلك من سياق الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، فالسياق في الآية التي قبلها وفيها أيضًا كل ذلك في النكاح، فتعين أن يكون المراد به النكاح، وما زعمه بعض العلماء من أن في الآية إجمالًا مترددًا بين كذا وكذا، فهذا لا وجه له.
стр. 178
٢ - ثبوت التحريم بالرضاع، لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾.
مسألة: ضوابط المحرمات من المصاهرة:
يحرم على الزوج خاصة أصول زوجته وفروعها، لكن الأصول بمجرد العقد، والفروع لا بد من الدخول، والفروع سماها الله: ربائب، والأصول سماها الله: أمهات نسائكم.
ويحرم على الزوجة خاصة أصول زوجها وفروعه، فالمحرمات بالمصاهرة أربعة: أصول الزوج على الزوجة خاصة، وفروع الزوج على الزوجة خاصة، وأصول الزوجة على الزوج خاصة، وهذه الثلاث يثبت فيها التحريم بمجرد العقد، والرابع: فروع الزوجة على الزوج خاصة، لكن بشرط الدخول.
مسألة: بناء على ذلك هل يجوز للإنسان أن يتزوج بنت زوجة أبيه؟
هذه المسألة فيها تفصيل، فإن كانت زوجة أبيه هي أمه، فلا يجوز؛ لأن بنتها أخته، وأما من غيرها فنقول: يجوز للإنسان أن يتزوج بنت زوجة أبيه.
مسألة: هل يجوز أن يتزوج أم زوجة أبيه؟
قلنا: إن التحريم يتعلق بالزوج خاصة، أو بالزوجة خاصة، فيحرم على الزوج أصول الزوجة وفروعها، ويحرم على الزوجة أصول الزوج وفروعه، وهذا الرجل أراد أن يتزوج أم زوجة أبيه، فيجوز؛ لأن أصول الزوجة إنما يحرمون على الزوج خاصة؛ أي: أن التحريم يتعلق بالزوج فقط، وبالزوجة فقط، هذا هو الضابط في المحرمات بالمصاهرة، والقرآن واضح في هذا.
стр. 179
٣ - أن الأم عند الإطلاق لا يدخل فيها الأم من الرضاعة، ووجه ذلك: أنه لو كانت الأم من الرضاع تدخل في الأم عند الإطلاق، لما احتيج إلى قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾؛ لأنها تدخل في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، ويتفرع عن هذه الفائدة: أن أم الزوجة من الرضاع لا تدخل في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾؛ لأنه عند الإطلاق لا تدخل فيها الأم من الرضاع، فإذا قال قائل: أم الزوجة من الرضاع حرام، لدخولها في عموم قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾.
فنقول: لا نسلم بهذا؛ لأن الأم عند الإطلاق لا تدخل فيها الأم من الرضاع، بدليل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، ولو كانت الأم عند الإطلاق تدخل فيها الأم من الرضاعة لكان في الآية تكرار منافٍ للبلاغة.
٤ - ثبوت الأمومة بالرضاع، وعلى هذا فيصح أن يقول القائل لمن أرضعته: أمي، لكن لا ينبغي أن يقولها إلا مقيدة؛ لأن الله قيدها، فقال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، فيقول: أمي من الرضاعة؛ لئلا يتوهم السامع أنها أم من النسب.
ويتفرع عن هذه الفائدة: أن ما يطلقه كثير من الناس على زوجة الأب أنها عمة، وبعضهم يسميها خالة، على الإطلاق، وكذلك ما يفعله بعض الناس من إطلاق اسم العم أو الخال على أبي الزوجة، فيقول: عمي، أو خالي، وهذا غلط؛ لأنها تسمية لا تصح لغة، ولا شرعًا، وتُوهم، ولهذا نهى النبي ﷺ عن تسمية العشاء بالعتمة، فقال: "لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم
стр. 180
العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء" (١) يقول الله: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨].
فالحقائق لا ينبغي أن تطلق على خلاف الحقائق الشرعية.
٥ - أن المرضعة تحرم بمطلق الرضاعة، لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، والرضاع يصدق بمرة، بل بمصة؛ لأن من مص من ثدي المرأة قيل: إنه رضع، وعلى هذا فيثبت التحريم بمجرد رضعة واحدة، وإلى هذا ذهب الظاهرية، وقالوا: إن التحريم بالرضاع يثبت بالرضعة الواحدة؛ لأنه جاء مطلقًا في القرآن، والمطلق يصدق بمرة واحدة.
ولكن الصحيح أن هذا الإطلاق في القرآن قد قيدته السنة، فيما صح عن النبي ﷺ في قوله: "لا تحرم المصة ولا المصتان" وفي حديث آخر: "لا تحرم الإملاجة والإملاجتان" (٢)، ومنطوق هذا الحديث: أن المصة والمصتين لا تحرم، ومفهومه: أن ما زاد عليهما يحرم، وإلى هذا ذهب أيضًا كثير من علماء أهل القياس، وقالوا: إن الثلاث محرمة؛ لمفهوم الحديث.
وقال بعض العلماء: لا يحرم إلا خمس رضعات، لما صح في مسلم عن عائشة ﵂ قالت: "كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات،
стр. 181
فتوفي رسول الله ﷺ وهي فيما يقرآ من القرآن" (١)، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد ﵀، وأجاب عن الحديث: "لا تحرم المصة ولا المصتان" بأن تحريم الثلاث بالمفهوم، وإذا تعارض المفهوم والمنطوق فيقدم المنطوق؛ لأن المفهوم واسع يصدق بصورة واحدة، فمثلًا: لا تحرم المصة ولا المصتان والثلاث، والأربع، والخمس، والعشر مسكوت عنها، وبالمفهوم أنه إذا رضع خمس رضعات ثبت التحريم، وإذا قلنا: يثبت التحريم بخمس رضعات، فإننا لم نخالف المنطوق؛ لأن مفهومه أن الثنتين لا تحرم، وما زاد فيصدق بصورة واحدة، ولهذا نقول: إننا نقدم دلالة المنطوق.
لكن بعض العلماء طعن في هذا الحديث طعنًا موجعًا، وقال: إن هذا الحديث لا يصح ولو كان في صحيح مسلم، إذ كيف يتوفى رسول الله ﷺ وهي فيما يتلى من القرآن، ولم نجدها الآن في القرآن؛ لأنها إذا كانت بعد وفاة الرسول ﵊ موجودة في القرآن، فيجب أن تبقى، ولو فتح هذا الباب لكان هذا سبيلًا إلى تصحيح قول الرافضة بأن في القرآن شيئًا محذوفًا.
وبناء على ذلك: فإن المتن منكر، ونأخذ بحديث: "لا تحرم المصة ولا المصتان" (٢) أو نأخذ بالإطلاق.
ولكن عند التأمل لا يتبين أن هذا طعن في الحديث؛ لأن
стр. 182
عائشة ﵂ صرحت بالنسخ، ولكنها كانت فيما يتلى من القرآن عند وفاة الرسول ﷺ ؛ لعدم علم التالي لها بالنسخ، وهذا أمر واقع، فالحديث يدل على أن النسخ وقع متأخرًا ولم يعلم به بعض الناس، فصار يقرؤه فيما يتلو من القرآن، وإذا زال الإشكال فإنه لا ينبغي أن نتجرأ على الطعن في الرواة؛ لأنك إذا حكمت بنكارة المتن حكمت بوهم الرواة وخطئهم، وهذا شيء صعب، فمهما أمكن قبول خبر الثقة فإنه يقبل، أما إذا لم يمكن وكان مخالفًا للقرآن؛ فلا يقبل، لكن إذا كان غير مخالف وأمكن الجمع فإنه يجمع.
وهذا الذي ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ هو الصحيح؛ أن المحرم خمس رضعات، وفي الحديث: "معلومات"، فلو وقع الشك في عددها هل هي خمس أو أربع؟ فلا عبرة بهذا الرضاع؛ لأن الحديث قيد الرضعات بأن تكون معلومات، ومع الشك لا يثبت الحكم، وهذا مما يطمئن الإنسان لما يفتي به الناس في هذه المسألة؛ لأن كثيرًا من الناس يأتي ويقول: إن الرضاع ثابت، لكن لا ندري كم كان الرضاع.
فنقول: ما دام أن الحديث: "خمس رضعات معلومات" فإن ما شك فيه ليس معلومًا، وحينئذ فلا يثبت به الحكم.
بقي أن ننظر: هل يمكن أن يقيد إطلاق القرآن بالسنة؟
والجواب: نعم، يمكن أن يقيد إطلاق القرآن بالسنة، كما يخصص عموم القرآن بالسنة، وأما نسخ القرآن بالسنة فالصحيح أنه ينسخ القرآن بالسنة إذا صحت؛ لأن الكل من عند الله ، فقد ينسخ الله قوله بقوله، وقد ينسخ الله قوله بقول رسوله ﷺ ، إذًا: المحرم "خمس رضعات معلومات".
стр. 183
وما هي الرضعة؟ الرضعة هي على الأصح المشبعة، وليس في الحديث: خمس رضعات مشبعات، ولذلك قال بعضهم: الرضعة هي المصة، لقوله: "لا تحرم المصة ولا المصتان"، ومعلوم أن الطفل إذا مص فقد رضع، وأتاه اللبن بمصته، وعلى هذا فيمكن أن تكون الخمس في مجلس واحد، وفي نَفَس واحد، فإن الطفل يمكن أن يمص خمس مرات في نفس واحد، والثدي في فمه، ولكن هذا فيه شيء من الإشتباه؛ لأن الإحاطة بهذا صعبة.
وقال بعض العلماء: المراد بالرضعة التقام الثدي، فما دام الصبي ملتقمًا للثدي فهذه رضعة، وإذا أطلقه لأي سبب من الأسباب فقد تمت الرضعة، سواء أطلقه لتنفس، أو لسماع صوت أزعجه، أو لنقل أمه له من الجهة اليمنى إلى اليسرى، أو ما أشبه ذلك، المهم أن الرضعة التقام الثدي، فما دام الطفل ملتقمًا للثدي فهي رضعة، وإذا أطلقه لأي سبب فقد تمت الرضعة.
وعلى هذا فيمكن أن تتم الخمس الرضعات في مجلس واحد. وقال بعض العلماء: إن الرضعة هي فَعْلة مما يعد رضعة؛ أي: وجبة في الرضاع، كما تقول: أكلة، كما جاء في الحديث: "إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها" (١)، فالحمد يكون عند الإنتهاء من الأكل، فتكون الرضعة كالأكلة تمامًا، فلا بد أن تكون الرضعة الأخرى منفصلة عن الأولى بزمن يعد انفصالًا، كأن تكون واحدة في الصباح، وواحدة في المساء، وواحدة في الليل، وواحدة في السحر، وما أشبه ذلك، وهذا هو
стр. 184
اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀: أن المراد بالرضعة ما انفصلت عن أختها انفصالًا بيِّنًا، لتكون رضعة كاملة.
وإذا قدرنا أن الحديث يحتمل المعاني الثلاثة، وهي: المصة، والتقام الثدي، والوجبة من الرضاع، فإن الأصل الحل حتى يقوم دليل بيِّن على أن هذا الرضاع محرم، وبناءً على هذا الأصل يكون الراجح هو القول الثالث؛ لأن دلالة الحديث على المعنى الأول مشكلة وفيها اشتباه، وعلى المعنى الثاني فيها أيضًا اشتباه، وعلى المعنى الثالث تتفق الأقوال وليس فيها اشتباه، وحينئذ فنأخذ بهذا؛ لأن الأصل الحل، حتى يثبت التحريم بيقين ليرفع هذا الأصل.
إذًا: قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ مطلق قيدته السنة بخمس رضعات، وفي الآية أيضًا إطلاق آخر؛ فإن ظاهر الآية أنه يشمل الإرضاع في الصغر، والإرضاع في الكبر، فهل هذا الظاهر مراد؟
نقول: هو مراد عند بعض العلماء؛ كالظاهرية، فعندهم أن إرضاع الكبير كإرضاع الصغير، واستأنسوا لقولهم بحديث سالم مولى أبي حذيفة ﵁، حيث كان متبنى عند أبي حذيفة - أي: من أبنائه الذين تبناهم في الجاهلية - ومعلوم أنه إذا كان ابنًا فسوف يدخل على البيت ليلًا ونهارًا، وفي أقصى البيت وأدناه، فهو كالولد تمامًا، فلما أبطل الله التبني جاءت امرأة أبي حذيفة إلى النبي ﵊ وقالت: "إن سالمًا كان يدخل علينا - أي: ويشق علينا أن نتحرز منه - فقال: "أرضعيه تحرمي عليه"" (١)،
стр. 185
يعني: وإذا حرمتي عليه جاز أن ينظر إليك، وأن يخلو بك، وهو كبير، وهذا الحديث مطابق لظاهر الآية، فيكون شاهدًا للإطلاق.
وقال بعض العلماء: إنه لا يعتبر في الرضاع إلا إذا كان في الحولين؛ لأن قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ أي: الإرضاع المعتبر شرعًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فما كان في الحولين فهو رضاع معتبر، وما كان بعد الحولين فلا عبرة به؛ لأن هذا هو زمن الإرضاع الذي قال الله تعالى فيه: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾.
وهذا هو المشهور عند أكثر أهل العلم، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، أن العبرة بالحولين، فما كان قبلهما فهو رضاع معتبر، وما كان بعدهما فليس بمعتبر، قالوا: وهذا حد فاصل لا يبقي اشتباهًا، وعليه: فلو أرضعته ثلاث مرات في يوم السبت، والرابعة في ضحى يوم الأحد، والخامسة بعد ظهر يوم الأحد، وولادته عند زوال الشمس فيتم السنتين عند زوال الشمس، فإن هذا الرضاع غير معتبر؛ لأن الخامسة وقعت بعد الحولين، مع أن الرابعة لم تنهضم بعد في المعدة، فلا زالت باقية في معدته، ولكن تمت السنتان، كما أن الرجل قبل تمام خمس عشرة سنة غير بالغ، وبعدها يصير بالغًا، فلو أنه فعل شيئًا يشترط فيه البلوغ ضحى اليوم الذي بلغ فيه، فإنه لا يؤاخذ به، وآخر النهار يؤاخذ به.
وقال بعض العلماء: إن المعتبر هو الفطام، فما كان قبل الفطام فهو معتبر، وما كان بعده فليس بمعتبر؛ لحديث: "لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل
стр. 186
الفطام" (١)، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا، لكن يؤيده النظر؛ لأن الإرضاع قبل الفطام يؤثر في نمو الولد، وليس له إلا هذا الغذاء، وبعد الفطام لا فرق بين الصغير والكبير في تأثير الرضاع؛ لأنه إذا فطم وصار لا يأكل إلا الطعام، فلا فرق بينه وبين من له عشر سنوات، فإن تأثير الغذاء عنده باللبن كتأثيره عند صاحب العشر سنوات، وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو أن العبرة بالفطام، وهذا من حيث المعنى أصح، لكن فيه شيء من العسر، وذلك لعدم انضباطه في بعض الأحيان؛ لأن الطفل لا يفطم مرة واحدة، بل يفطم شيئًا فشيئًا؛ لصعوبة الفطام عليه.
ولو قال قائل: باعتبار الأكثر من الفطام، أو السنتين؛ لم يكن هذا القول بعيدًا، فإذا فطم قبل السنتين امتد الحكم إلى السنتين، وإن تمت السنتان قبل فطامه امتد الحكم إلى فطامه، فلو قيل بهذا لكان جيدًا، لكن تعليقه بالفطام أصح من حيث المعنى؛ لأنه إذا فطم فلن يتغذى باللبن، وليس معنى قولنا: "لا يتغذى باللبن" أنه لا يستفيد منه، فإن الإنسان يستفيد من اللبن حتى ولو كان له خمسون سنة، لكنه ليس غذاء له إذا فطم.
فإن قال قائل: ما الجواب عن إطلاق الآية وعن قصة سالم؟
فنقول: أما إطلاق الآية فقد ذكرنا أنها مقيدة بعدد خمس
стр. 187
رضعات، فلتقيد بالزمن أيضًا، وهو الحولان، ثم إن ظاهر الآية يؤيد اشتراط الفطام؛ لأنه قال: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، ومعلوم أن الكبار ليسوا من المراضيع، فقد فطموا وانتهوا، فظاهر قوله: ﴿أَرْضَعْنَكُمْ﴾ يعني في وقت الرضاع، أما قصة سالم مولى أبي حذيفة فالجواب عنها بأحد ثلاثة أوجه: فإما أنها منسوخة، أو خاصة به عينًا، أو خاصة به نوعًا.
أما القول بأنها منسوخة، فهذا ليس بشيء؛ لأن الأصل عدم النسخ، ولا بد من إثبات التاريخ، وتعذر الجمع.
وأما القول بأنها خاصة به عينًا فضعيف أيضًا؛ لأن الله لا يمكن أن يخص أحدًا بحكم إلا لمعنى فيه، حتى النبي ﵊ ما خص بما خص به من الأحكام إلا لأنه نبي، لا لأنه محمد بن عبد الله، فلا بد من علة يتغير بها الحكم، ويخصص به من اتصف بها، وما هو المعنى الذي يخص به سالم حتى نقول: إن الحكم لا يتعداه، وأنه خاص به؟ لأننا إذا قلنا: إن الحكم لا يتعداه، وأنه خاص به؛ صار معناه: أنه حكم له بذلك؛ لأنه سالم مولى أبي حذيفة، وهذا لا معنى له، وعلى هذا فيضعف هذا القول أيضًا.
بقي الوجه الثالث، وهو أنه خاص به نوعًا، فإذا وجد حال مثل حال سالم ثبت الحكم، وهذا لا يمكن أن يكون الآن؛ لأن ابن التبنِّي قد بطل شرعًا، وعلى هذا فلا يرد علينا أبدًا، ما دمنا قررنا أنه لا أحد يخصص عينًا بحكم من شريعة الله، ولا بد أن يكون هناك معنى يتعدى إلى نوعه، وهذا لا يمكن.
لكن شيخ الإسلام ﵀ له في هذه المسألة قولان:
стр. 188
القول الأول: يوافق ما قلت، من أنه لا بد من مراعاة التبني.
والقول الثاني: يعتبر الحاجة، وأنه متى ما احتيج إلى إرضاع الكبير رضع، وثبت حكم الرضاع، ولكن قوله هذا ضعيف كقول الذين يرون رضاع الكبير؛ وقد قلنا: إن هذا القول ضعيف؛ لأن النبي ﷺ قال: "إياكم والدخول على النساء! " فقالوا: يا رسول الله! أرأيت الحمو؟ - والحمو أخو الزوج أو عمه أو خاله؛ أو ما أشبه ذلك - قال: "الحمو الموت" (١)، ومعلوم أن الحمو يحتاج إلى الدخول إلى بيت أخيه، لا سيما إذا كانوا في بيت واحد، فلو كان إرضاع الكبير مؤثرًا لقال: الحمو ترضعه زوجة قريبه؛ ليزول الحرج، فلما لم يقل ذلك، علم أن مطلق الحاجة لا يؤثر في ثبوت حكم الرضاع في الكبير، وأنه لا بد أن تكون حاجة خاصة نمشي فيها على كل ما حصل في قضية سالم مولى أبي حذيفة.
وإذا اعتبرنا ذلك صارت هذه الحالة الآن غير موجودة، وبهذا تسلم الأدلة من التعارض، ويحصل الجمع بينها.
مسألة: هل لا بد من مباشرة الإرضاع، بحيث لو صب اللبن في إناء وشربه الطفل فإنه لا يؤثر، أم ليس ذلك بلازم؟
نقول: ليس من الشرط أن يلتقم الثدي، بل لو صب في إناء وشربه، وفرق له ذلك خمس مرات، ثبت الحكم؛ لأن المعنى موجود في هذا كما هو موجود في التقام الثدي، هذا من حيث تغذي الطفل باللبن، لكن يفقد منها الحنان، والمحبة، فإن الرضيع إذا كان يلتقم الثدي حصل من حنان المرضعة ومحبتها له
стр. 189
ما لم يحصل فيما لو صب لبنها في إناء وأسقي الطفل، فهل هذا معتبر؟ وأن الشرع لاحظ التحريم بالرضاع؛ لأنه يحصل من المرضعة مثل ما يحصل من أم النسب من المحبة والحنو، ولذلك صارت هذه العلاقة مؤثرة، أو أن المقصود تغذي الطفل باللبن؟ هذا هو موضع الخلاف، لكن الظاهر العموم، وهو أنه لا فرق بين أن يرضعه من ثدي المرضعة، أو أن يصب له في إناء ويشرب؛ لأن الجسم يتغذى بهذا، والله أعلم.
٦ - أن لبن الفحل محرم؛ أي: أن الأخت من الأب من الرضاعة حرام؛ لعموم قوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، وهذا - والله أعلم - من فائدة ذكر الأخوات دون البنات من الرضاعة، فإن البنات من الرضاعة لم يذكرن، وكذلك العمات لم يذكرن؛ لأن الأخوات تغني عن العمات؛ لأنهن حواشي، وهن أقرب الحواشي إلى الإنسان.
إذًا: يستفاد من هذه الآية أن الأخوات من الأب، أو الأخوات من الأم، أو الأخوات من أم وأب من الرضاع كلهن حرام.
٨ - أن أم الزوجة حرام بدون شرط، لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، فبمجرد العقد على المرأة عقدًا صحيحًا تحرم أمها، وكذلك جداتها وإن علون.
٩ - أن أم المزني بها لا تحرم على الزاني، خلافًا لما ذهب إليه كثير من أهل العلم، لقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، والمزني بها ليست من نساء الرجل، ولا يمكن قياسها على نسائه؛ لأن نساءه حللن له بعقد شرعي صحيح، والمزني بها لم
стр. 190
تحل له، فكيف يقاس السفاح على النكاح الصحيح؟ !
١٠ - بطلان قول من قال: إن اللواط بالذكر - والعياذ بالله - كعقد النكاح، وأن من لاط بذكر؛ حرمت عليه أمه كأم الزوجة، وهذا منكر من القول؛ إذ كيف تجعل هذه الفاحشة العظيمة بمنزلة النكاح الصحيح؟ ! فأم الملوط به حلال وليست حرامًا، لكن اللائط والزاني لا يحل أن يزوج من أي امرأة حتى يتوب.
١١ - تحريم الربيبة، لكن الله تعالى اشترط لتحريم الربيبة شرطين:
الشرط الأول: أن تكون في حجره، والشرط الثاني: أن يكون قد دخل بأمها، ولكن دلت الآية الكريمة على أن كونها في الحجر غير مقصود، إنما هو لبيان الواقع، وليس شرطًا للحكم، بدليل قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.
١٢ - تحريم حلائل الأبناء من زوجات أو مملوكات، لقوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾، لكن المملوكة لا تكون حليلة إلا بالوطء، ولذلك فلو أن شخصًا اشترى أمة ولم يطأها، ثم ملكها أبوه، فإنها تحل لأبيه، لكن لو عقد على امرأة ولم يطأها، ثم طلقها، فلا تحل لأبيه؛ لأن المملوكة لا تكون حليلة إلا بالوطء، وأما الزوجة فتكون حليلة بمجرد العقد الصحيح.
١٣ - أن حليلة ابن الرضاع لا تحرم، لقوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾، وقد اختلف العلماء: هل هذا القيد مخرج لابن التبني أو لابن الرضاع؟ وقد ذكرنا أن الصواب: أنه مخرج لابن الرضاع، أما ابن التبني فليس ابنًا شرعيًا، فلا يحتاج إلى قيد لإخراجه.
стр. 191
١٤ - تحريم الجمع بين الأختين، لقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، وعمومه يشمل الأختين من النسب، والأختين من الرضاع، فلا يجوز أن يجمع الإنسان بين أختين من الرضاع، ولا بين أختين من النسب.
مسألة: هل هذا الحكم شامل لملك اليمين أو خاص بعقد النكاح؟
اختلف في ذلك السلف، والصحيح أنه شامل لملك اليمين وعقد النكاح، وأن الإنسان إذا كان عنده مملوكتان أختان ووطئ إحداهما، فإن الأخرى محرمة عليه، حتى يحلَّ الموطوءة بإخراجها عن ملكه، كأن يبيعها مثلًا، أو يزوجها بعد الإستبراء، أما ما دامت عنده وقد وطئها، فإنه لا يحل له أن يطأ الأخرى.
وبالنسبة للنكاح، لا يشترط لتحريم الأخت أن يطأ التي عنده، بل تحرم الأخت بمجرد العقد، ولهذا يجوز أن يجمع بين الأختين في ملك اليمين بعقد بيع أو غيره، ولا يجوز أن يجمع بينهما بعقد نكاح، والفرق: أن ملك اليمين يراد للوطء ولغيره، والنكاح إنما هو للوطء، فصار الحكم ثابتًا بمجرد العقد للنكاح، أما في الإماء فبالوطء.
١٥ - أن ما سلف من الذنوب قبل الشرع فلا يؤاخذ به، لقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وكذلك ما حصل من الذنوب بعد الشرع قبل علم الفاعل فإنه لا يؤاخذ به، لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولكن إذا كان مفرطًا في ترك السؤال؛ فترك واجبًا من أجل هذا التفريط، فإنه يلزمه قضاؤه.
стр. 192
١٦ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم، فبالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب، والمغفرة للذنوب والرحمة للحسنات، فيرفع الله بها الدرجات، ومن هذين الإسمين نأخذ صفتين هما: المغفرة والرحمة؛ لأن من طريقة أهل السنة والجماعة: أن كل اسم من أسماء الله دال على ذات الله والصفة المشتقة منه، فالغفور دال على الذات وعلى الصفة، وهي المغفرة، والرحيم دال على الذات وعلى الصفة، وهي الرحمة.
وقد قسم العلماء ﵏ الرحمة إلى قسمين: عامة وخاصة:
فالعامة: هي الشاملة لجميع الخلق، ولكنها رحمة لا تتصل بها رحمة الآخرة، إنما يتصل بها عدل الآخرة، وهذه للكافرين والمؤمنين.
والخاصة: هى الرحمة الخاصة بالمؤمنين، وهذه تتصل فيها الرحمة في الآخرة بالرحمة في الدنيا، فيكون الإنسان مرحومًا فيهما؛ أي: في الدنيا والآخرة.
ومن الرحمة العامة: قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣].
ومن الرحمة الخاصة: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً
стр. 193
وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ [النساء: ٢٤].
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: وحرمت عليكم المحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم.
وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ اسم مفعول من فعل رباعي وهو "أحصن"؛ لأن اسم المفعول يكون فعله مبنيًا للمفعول، والإحصان يطلق على عدة معانٍ: فيطلق على الحرائر، ويطلق على العفيفات، ويطلق على المتزوجات، وكل هذا جاء في القرآن، قال الله تعالى في الأول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] فالمراد بالمحصنات هنا الحرائر، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣] والمراد بالمحصنات هنا: العفيفات عن الزنا.
ومن الثالث - أي: المتزوجات - هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
فإن قال قائل: مثل هذه الألفاظ المشتركة لعدة معانٍ كيف نعرف تعيين المعنى المقصود من هذه المعاني؟
فنقول: نعرفه بالسياق، فإن لم يكن سياق يعيِّن، فالصحيح أنه يجوز استعمال الإسم المشترك في جميع معانيه، ويكون شاملًا لها، كما يشمل اللفظ العام جميع أفراده، فاللفظ المشترك بين معنيين فأكثر يكون عامًا للمعنيين إذا لم يوجد قرينة تعين أحدهما.
ولننظر الآن في هذه الأمثلة الثلاثة السابقة:
стр. 194
فالمثال الأول على أن المراد بالمحصنات: الحرائر، والسياق الذي يعين ذلك هو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] إذًا: المحصنات غير مملوكات، فهن حرائر.
المثال الثاني على أن المراد العفيفات قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣] ويعينها قوله: ﴿الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: غافلات عن الزنا، ولم يطرأ لهن على بال، فهن عفيفات.
والمثال الثالث على أن المراد المتزوجات، وليس في اللفظ الذي في الآية الكريمة ما يعين المراد، لكن السنة جاءت به، فالمسألة وقعت في شيء معين، وهو المرأة المسبيِّة في القتال مع الكفار، إذا كانت ذات زوج ثم ملكها المسلمون فإنها تحل؛ لانفساخ نكاح زوجها الأول بسبيها.
إذًا: معنى المحصنات هنا: المتزوجات اللاتي يسبين في الجهاد في قتال الكفار، فإذا سبين في الجهاد صرن ملكًا للسابي، وحينئذ تحل له.
أما قتال المؤمنين فإنه لا سبي للنساء، ولو كان قتالًا محرمًا؛ كأهل البغي مثلًا، فإن نساءهم لا يسبين، لكن المراد نساء الكفار.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: فإنهن حلال، لكن يجب أن يلاحظ أنهن حلال ما لم يكن من المحرمات، فقد تكون أخت الإنسان، أو عمته، أو ما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿كِتَابَ﴾ قيل: إنه مفعول لفعل
стр. 195
محذوف؛ أي: الزموا كتاب الله عليكم؛ أي: الزموا فريضة الله عليكم ولا تتجاوزوها؛ لأن الكتاب هنا بمعنى مكتوب أي: مفروض، والكَتْب يأتي بمعنى الفرض، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وأكد الله ذلك لأهميته، ويحتمل أن يكون "كتاب الله" مصدرًا لفعل محذوف؛ أي: كُتِب كتاب الله عليكم، فيكون مصدرًا لفعل محذوف دل عليه السياق، ولكن المعنى الأول كأنه أوضح.
فقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: فرضه، فهو مفروض عليكم.
وقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، وفي قراءة سبعية "أَحَلَّ" فالقراءة السبعية "أَحَلَّ" أليق بالسياق في قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، والقراءة الأخرى السبعية "أُحِلَّ" أليق بالسياق في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فإن: "حُرم" مبني للمفعول، و"أُحل" مبني للمفعول، فيكون هناك تناسب بين اللفظين الدالين على هذين الحكمين.
وعلى كل حال: فالقراءة التي فيها البناء للمفعول حذف الفاعل لأنه معلوم؛ لأن الخلق أو الشرع إذا بني للمفعول فإنما ذلك للعلم بالفاعل؛ لأنه لا خالق إلا الله، ولا شارع إلا الله .
وقوله: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ﴿مَا وَرَاءَ﴾ هنا بمعنى: دون، أو سوى، والمعنى: ما سوى ذلك فهو حلال، وهذا لفظ عام، فإن ﴿مَا﴾ اسم موصول للعموم، فتشمل كل ما سوى ذلك.
وحينئذ نرجع إلى الآية لننظر هل العمة من الرضاع حلال؟ وهل ذكرت في الآية؟
стр. 196
والجواب: أن نقول: قال النبي ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (١)، فيكون هذا الحكم مما جاءت به السنة، وما جاء عن رسول الله فهو كما جاء عن الله، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ومن يعص الرسول فقد عصى الله، فتحريم العمة من الرضاع والخالة من الرضاع يستفاد من السنة.
إذًا: قوله تعالى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ دخله تخصيص، وهو العمة من الرضاع، والخالة من الرضاع.
وكذلك لو جمع الإنسان بين المرأة وعمتها فإنه لا يجوز، وهذا مما جاءت به السنة: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (٢)، والله تعالى يقول: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، ولا شك أن بين الأختين من الروابط ما ليس بين غيرهما، فنقول:
إذًا: هنا أربع محرمات: العمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، والجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها، وكل ذلك مما جاءت به السنة، فيكون مخصصًا لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
وتحريم الجمع بين الأختين إلى أن تموت الزوجة أو تطلق، فإذا طلقت طلاقًا رجعيًا وجب الإنتظار بالإجماع حتى تنتهي العدة، وإذا كان الفراق بائنًا بطلاق ثلاث، أو طلاق على عوض، أو فسخ، فالمشهور من مذهب الحنابلة أنه يجب الإنتظار حتى تنتهي العدة؛ لأنها إلى الآن مشغولة بحق من حقوق الزوج.
стр. 197
وقال بعض العلماء: إذا كان الفراق بائنًا بفسخ أو طلاق على عوض، أو طلاق ثلاث، فإنه يصح أن يتزوج أختها؛ لأنها الآن ليست زوجة له، والله تعالى يقول: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، والآن ليس هناك جمع، فقد بانت منه، ولو قال قائل بالتفريق بين البينونة الكبرى والصغرى لكان له وجه، بأن يقال: إن كانت بائنًا بطلاق ثلاث، أو بفرقة لعان، فإنه يجوز أن يتزوج أختها بمجرد الفراق؛ لأنه لا يمكن أن يرجع إليها، وإن كانت البينونة بغير ذلك؛ كالطلاق على عوض، والفسخ، فإنه لا يتزوجها؛ لأنه في هذه الحال يمكنه أن يراجعها بعقد، فلو قال قائل بهذا لكان له وجه، وكان بعض قول من يقول بالجواز مطلقًا، لكن الجواز مطلقًا أقرب إلى القواعد؛ أي: إذا كان الطلاق بائنًا سواء كان مما يمكن الرجوع فيه أو لا، فإنه يحل له أن يتزوج أختها؛ لأنه لم يجمع بين الأختين.
مسألة: هل يجوز أن يجمع بين عمتين، كل واحدة عمة للثانية؟ وكذلك هل يجوز أن يجمع بين خالتين، كل واحدة خالة للثانية؟
نقول: الجمع بينهما حرام؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، فإذا كان لا يجوز الجمع بين المرأة وبنت أخيها، فكذلك بين المرأة وعمتها التي كل واحدة عمة للأخرى، فالحكم ليس فيه إشكال، لكن التصوير هو الذي قد يستبعده الإنسان، وهو أدنى من شراك نعله، وهو أن يتزوج رجلان كل واحد منهما أم الآخر، فتكون بنتاهما عمتين، وإذا تزوج كل واحد بنت الآخر صارتا خالتين.
стр. 198
ومعنى قوله: ﴿وَأُحِلَّ﴾ بمعنى: أباح لكم، ولم يلحقكم حرج، ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي: ما وراء هذه المذكورات، فالإشارة لما سبق، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ هذه هي اللغة الفصحى، فإذا جاء اسم الإشارة مقرونًا بكاف الخطاب فيراعى فيه المخاطب، فإن كان مفردًا مذكرًا فهو مفرد مفتوح، مثل: "ذلكَ"، وإن كان مفردًا مؤنثًا فهو مفرد مكسور، مثل "ذلكِ"، وإن كان مثنى فهو بالتثنية مثل: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: ٣٧]، وإن كان لجماعة الذكور فهو لجماعة الذكور ﴿ذَلِكُمْ﴾، وإن كان لجماعة الإناث فهو لجماعة الإناث "ذلكن" ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]، وهنا قال: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ فالخطاب لجماعة الذكور.
وجاء فيه لغة أخرى بالإفراد والفتح للمذكر مطلقًا، مفردًا كان أو مثنى أو جمعًا، وبالكسر للمؤنث مطلقًا، مفردًا كان أو مثنى أو جمعًا، وهناك لغة ثالثة بالفتح مطلقًا، ووجهها: أن المخاطب شخص، فصح أن تأتي بلفظ الإفراد والتذكير، وأما الثانية فوجهها: مراعاة المعنى دون مراعاة المخاطب، فالمذكر مفتوح، والمؤنث مكسور، وأما اللغة الفصحى فالأمر فيها واضح.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾: ﴿أَنْ﴾ مصدرية، ولهذا نصب الفعل ﴿تَبْتَغُوا﴾ بها فحذفت النون، والمعنى: أحل لكم بهذا الشرط، وهو أن تبتغوا بأموالكم؛ أي: تطلبوا النكاح بأموالكم، والمال: كل ما يُتَمَّول من أعيان ومنافع.
وقوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ ﴿مُحْصِنِينَ﴾ حال من فاعل ﴿تَبْتَغُوا﴾؛ أي: حال كونكم محصنين؛ أي: محصنين لفروجكم،
стр. 199
محصنين لفروج زوجاتكم، والإحصان في اللغة: المنع، ومنه سمي "الحصن" للقصر المنيع؛ لأنه يحصن ما فيه، والنكاح الشرعي سبب لمنع الزنا، قال النبي ﷺ : "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج " (١).
وقوله: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ المسافحة: مفاعلة من السفح، وهو: الزنا. وسمي الزنا سفاحًا؛ لأن المقصود به سفح الماء؛ أي: نيل الشهوة، فالزاني لا يريد أولادًا، ولا يريد العشرة، وإنما يريد أن يسفح هذا الماء الذي ضيق عليه حتى تبرد شهوته، والسفح في الأصل: هو الصب والدفق، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥].
وقوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ﴾ أي: بالعقد ﴿مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: أعطوهن أجورهن، والأجور هنا: جمع أجر وهو المهر؛ أي: المال الذي طلبتموهن به، والمعنى: فإذا ابتغيتم بأموالكم وعقدتم النكاح؛ فأعطوهن أجورهن، وسمي المهر أجرًا؛ لأنه في مقابلة منفعة، فهو كالرجل يستأجر أجيرًا ليبني له بيتًا فيعطيه أجره، وكذلك الزوج مع زوجته، وسيأتي - إن شاء الله - التنبيه على شيء من النكتة في قوله: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ عند ذكر الفوائد.
وقوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ أي: حال كونها - أي: الأجور - ﴿فَرِيضَةً﴾، بمعنى: مفروضة؛ أي: ما فرضتم من المهور فأعطوهن.
стр. 200
وقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ أي: لا إثم عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة بزيادة أو نقص، فإذا سمى المهر وفرضه، وعرفت الزوجة نصيبها، فلا جناح عليه ولا عليها فيما تراضيا به من بعد الفريضة بزيادة أو نقص، فقد تعفو المرأة عن شيء مما فرض لها، أو عن كل ما فرض لها، وقد تطلب الزيادة ويعطيها الزوج، فكل هذا لا بأس به؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ هذه الجملة مؤكدة بـ: ﴿إِنَّ﴾ و: ﴿كَانَ﴾؛ لأن "كان" مسلوبة الزمان هنا، فتفيد الثبوت والتحقق، وعلم الله واسع كامل لم يسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، لا في الحاضر، ولا في الماضي، ولا في المستقبل.
وقوله: ﴿حَكِيمًا﴾ أي: ذا حكمة، والحكمة: هي وضع الشيء في موضعه، سواء كانت مما يتعلق بالقدر، أو مما يتعلق بالشرع، فإن أقدار الله ومشروعات الله كلها حكمة، ولكن معنى "حكيم" أوسع من كونه دالًا على الحكمة، بل هو دال على الحكمة والإحكام، ودال على الحكمة والحكم، فمعنى "حكيم" أي: حاكم محكِم، من الإحكام الذي هو الحكمة.
ثم إن حكم الله سبحانه ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي، والحكمة والإحكام حكمة في صورة الشيء، وحكمة في غاية الشيء والمراد منه، وكل ذلك ثابت من قوله: ﴿حَكِيمًا﴾، وعلى هذا فتكون أربعة أقسام: حكم كوني، وحكم شرعي، وإحكام في صورة الشيء، وإحكام في غاية الشيء.
стр. 201
ووجه ختم الآية بهذا هو أن هذه أحكام عظيمة، فدل هذان الإسمان الكريمان على أن هذه الأحكام صادرة عن علم تام بما يصلح الخلق، وعن إحكام تام.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن النساء المسبيات يكن رقائق بمجرد السبي، وعليه عمل المسلمين، فإن سبيت مع زوجها؛ فإنها تبقى معه، ولكن بدونه تكون رقيقة.
٢ - أنه ينفسخ نكاحها من زوجها؛ لأن المسلمين قد ملكوها.
فإن قال قائل: وهل يقاس على ذلك ما لو انتقل ملكها وهِي مع زوج أن تطلق بهذا الإنتقال؟
فالجواب: في هذا قولان للعلماء: الأول: أن بيع الأمة طلاقها، والثاني: لا تطلق، بل تبقى على زواجها، ويكون للمشتري إذا لم يعلم بأنها مزوجة الخيار؛ لأنه يفوت عليه الإستمتاع بها، وهذا هو القول الصحيح: ودليله أن بريرة لما أُعتقت؛ خيرها النبي ﷺ بين أن تبقى مع زوجها، أو أن تفسخ النكاح، ولو كان البيع سببًا للطلاق أو الإنفساخ لانفسخ بدون تخيير؛ إذن لا يصح أن يقاس بيع الأمة على سبيها، وإن كان قد انتقل ملكها.
٣ - إثبات الرق، لقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين، ولا يمكن لأحد الإنكار؛ لأنه في القرآن، وفي السنة، وبإجماع المسلمين.
ولكن نقول: لا يجوز أن يسترق الإنسان لأي سبب، بل
стр. 202
لا بد من سبب شرعي، وعلى هذا فكثير من الأرقاء الذين كانوا يوجدون لا حقيقة لرقهم؛ لأن أهلهم كانوا يبيعونهم لحاجة ولغير حاجة، فيشتريهم المشتري ويسترقهم، وهذا ليس سببًا شرعيًا للرق، لكن إذا ثبت السبب الشرعي ثبت المسبب وثبت الرق، ولا يجوز إلغاؤه بأي حال من الأحوال لأنه حكم شرعي.
ولو قال قائل: هؤلاء الأرقاء الموجودون استرقوا بغير سبب شرعي. فنلغي الرق هنا لأجل بطلان سببه، ولكن يجب أن لا يكون التعبير: إلغاء الرق؛ لأن هذا مصادمة للنص والإجماع، ولكن يقال: الرق الموجود الآن ليس على سبب شرعي، فلا يجوز اعتماده.
٤ - صحة إطلاق البعض على الكل، لقوله: ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾؛ لأن "أيمان" جمع "يمين" وهي اليد، والملك في الحقيقة ملك للإنسان كله، لكن عبر باليمين؛ لأن الغالب أن الأخذ والإعطاء يكون بها.
٥ - وجوب التزام ما فرض الله علينا، لقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، وكتاب الله سبحانه ينقسم إلى قسمين: كتاب شرعي؛ كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وكتاب كوني؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)﴾ [النبأ: ٢٩] أي: الكتاب القدري، وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
٦ - أن المحللات من النساء أكثر من المحرمات، ويؤخذ من قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ووجه ذلك: أنه حصر المحرمات وعمم في المحللات.
стр. 203
٧ - أن من ادعى تحريم امرأة فعليه الدليل؛ فلو خطب إنسان امرأة فقال له بعض الناس: إن هذه المرأة من المحرمات عليك، فلا بد أن يقيم دليلًا على ذلك؛ لأن المحرمات محصورات، والمحللات الأمر فيهن مطلق.
٨ - أننا إذا شككنا في سبب التحريم فالأصل عدم التحريم؛ أي: أن الأصل الحل، ومن أمثلة ذلك: لو شككنا في رضيع: هل رضع خمس مرات أو أربع مرات؟ فالأصل أربع، ولو كانت هذه المرأة قد رضعت من أم الرجل، وشككنا: هل رضعت خمسًا أم أربعًا؟ فالأصل الحل، وأنها لا تحرم عليه حتى يثبت سبب التحريم.
٩ - أن رحمة الله أوسع وأسبق من غضبه، أما كونها أسبق؛ فللحديث الصحيح: "إن رحمتي سبقت غضبي" (١)، وأما كونها أوسع؛ فلأن ما أحل الله لعباده أكثر مما حرم عليهم.
١٠ - وجوب بذل المال في النكاح، وأنه لا نكاح إلا بمال، لقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾، وعلى هذا فلا بد في النكاح من مال، وفي هذا ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يشترط معينًا، فيقال: المهر ألف ريال، وهذا جائز ولا إشكال فيه.
الحالة الثانية: أن يشترط عدمه، فيقول: زوجتك بنتي، فيقبل الزوج ويقول: بشرط أن لا مهر، فيزوجه بشرط أن لا مهر، ففي هذا للعلماء قولان:
стр. 204
القول الأول: أن النكاح صحيح، ولها مهر المثل؛ وهذا هو المذهب.
القول الثاني: أن النكاح غير صحيح؛ وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنه يقول: لأن الله اشترط للحل أن يكون ذلك بالمال، وإذا شرط عدمه؛ انتفى المشروط وهو الحل. وقول شيخ الإسلام ﵀ قول قوي، ولعل نكاح الشغار مأخذه من هنا، أنه ليس فيه مال، وإذا ذكر فيه المال فإنه مذكور وغير مقصود.
الحالة الثالثة: أن يُسكت عنه، فلا يشترط ويعين، ولا يشترط عدمه، فيقول: زوجتك بنتي، فيقول: قبلت، ففي هذه الحال النكاح صحيح، ولها مهر المثل، كما جاء في القرآن والسنة، قال الله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، هذا إن طلقت قبل الدخول، فإن طلقت بعد الدخول؛ فلها مهر المثل، كما صح ذلك في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ (١).
١١ - أن الطالب للنكاح هو الزوج، لقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾، فهل يمكن أن تطلب الزوجة النكاح؟ نقول: يمكن للمرأة أن تخطب نفسها إلى شخص، فقد وهبت امرأة نفسها للنبي ﷺ ، وهذا عمر ﵁ عرض ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان ﵄، فلا بأس في ذلك، لكن الغالب أن الطالب هو الزوج.
١٢ - أن المهر إذا كان مغصوبًا فإنه لا يعتد به، ويؤخذ ذلك من قوله: ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾، فهو مال، لكنه ليس له، والله أضاف المال إليه.
стр. 205
١٣ - أنه لو كان المهر خمرًا، فإنه لا يصح؛ لأنه ليس بمال.
١٤ - جواز جعل المنفعة مهرًا، وتؤخذ من قوله: ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾ إذا جعلنا المال يشمل العين والمنفعة، أو من قوله: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾، فنقول: إن الله سماه أجرًا، والأجرة تكون على المنافع والأعيان، إذًا: المهر يصح أن يكون منفعة، فإن عادت المنفعة إلى الزوجة فالأمر ظاهر، وإن عادت إلى غيرها بإذنها فلا بأس، كما في قصة موسى مع صاحب مدين؛ لأن المهر أن يرعى غنمه ثمان سنوات، فالمنفعة لوالدها، لكن برضاها، فإذا رضيت فالحق لها، وإلا فالمهر للمرأة.
وهل يصح أن يجعل الزوج مهرها خدمته لها؟ كأن: يغسل ثوبها، ويفرش فراشها، ويقدم لها السجاد لتصلي عليها؟
في ذلك خلاف بين العلماء، فقال بعضهم: يصح لأن في هذا منفعة، وقال بعض العلماء: لا يصح ذلك؛ نظرًا إلى أن استخدامها إياه نوع من الإذلال، وعكس ما يريد الشرع من كون الرجال قوامين على النساء، فإن الرسول ﷺ قال: "إن النساء عوان" (١) أي مثل الأسرى، ولكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس، كأن لا يجد امرأة يتزوجها إلا بهذه الحال، أما لو جعلت المهر رعي غنمها، وإصلاح بستانها مما لا يكون خدمة مباشرة، فهذا لا شك في جوازه.
١٥ - تحريم المتعة، لقوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾،
стр. 206
وصاحب المتعة لا يريد الإحصان، بل إنه يريد السفاح؛ لأن من أراد الإحصان فإن الإحصان لا يحصل إلا بالملازمة، أما أن يبقى عندها يومين أو ثلاثة أو أسبوعًا، فهذا لا يحصل به الإحصان، بل لا يزيد الأمر إلا شدة؛ لأن كون الإنسان قد كف نفسه وأيس، فإنه ربما يتحصن بعض الشيء، لكن إذا استمتع مدة يومين أو ثلاثة فإنه يزداد شبقًا، وبهذا لن يحصل الإحصان، والله سبحانه اشترط أن يكون محصنًا، وزواج المتعة إنما هو للسفاح فقط؛ أي: لسفح هذا الماء الذي ضيق عليه، ولذلك فلا يثبت به شيء من أحكام النكاح، فليس فيه طلاق، ولا نسب، ولا عدة، ولا إحصان، فكل أحكام النكاح لا تترتب عليه، حتى عند القائلين بجوازه، لا يترتب عليه شيء من أحكام النكاح، فدل هذا على أنه سفاح.
وقد دلت السنة على أنه حرام، فعن سبرة بن معبد الجهني ﵁ أن الرسول ﵊ قال في غزوة الفتح عن المتعة: "ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة" (١)، وهذا التحريم خبر مؤبد، فهي حرام إلى يوم القيامة، وإنما قلنا: إنه خبر مؤبد؛ لئلا يدعي مدعٍ أنه نسخ؛ لأن جعل غايته يوم القيامة معناه أن نسخه غير ممكن، ولو أمكن نسخه؛ لأمكن تكذيب الرسول ﵊، وهذا مستحيل.
وقد أجاز بعض العلماء المتعة للضرورة، فقال: إذا خاف الإنسان على نفسه الزنا، لكونه شديد الشهوة، ولكون الزنا متيسرًا - كما يوجد في بلاد الكفر -؛ فلا حرج أن يتمتع، ويروى هذا
стр. 207
عن ابن عباس ﵄، فقد قال: "إنه كالميتة"، فإذا اضطر الإنسان إليه؛ فعله، وإلا فلا، وحجته: أن فيه ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وهو الزنا، الذي يشعر الإنسان بأنه تيس وجد عنزًا في الطريق فأقرعها ومشى، هذا هو الزنا، لكن المتعة فيها نوع من الإرتباط بين الرجل والمرأة، وهو ارتباط إلى المدة التي اتفقا عليها، ففيها شيء من العلاقة التي لا يشركه فيها أحد، لكن الزنا على خلاف ذلك.
ولكن القول الراجح: أنها لا تحل مطلقًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]، وقد أنكر عبد الله بن الزبير ﵄ على ابن عباس ﵄ إنكارًا عظيمًا في هذه المسألة، ومحل إنكار هذا القول؛ أن النبي ﷺ عمم فقال: "حرام إلى يوم القيامة" (١)، وأطلق، ولأن حقيقة المتعة استئجار المرأة ليزني بها لمدة معينة، فإذا تمت المدة خرجت من الباب الذي دخلت منه، ولا تعتد، ولا يترتب على ذلك شيء أبدًا، وهل الزنا إلا هذا؟ ! أما الضرورة فقد جعل الشارع لها حلًا، فقال ﵊: " .. ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" (٢)، وأما ارتكاب أدنى المفسدتين فيقال: هذه مفسدة مثل الأولى - أي: مثل الزنا - ولا فرق بينهما، والعلاقة الحاصلة - كما لو اتفق مع امرأة ليزني بها ليالي معينة - إنما هي علاقة يسيرة منقطعة في هذه الليالي، فالصواب التحريم مطلقًا، وقد سبق أن علماء
стр. 208
السنة كلهم يقولون بتحريمها، لكن خالف في ذلك الرافضة، وإنك لتعجب أن يخالفوا في ذلك، ومن يزعمون أنه إمامهم يقول بتحريمها ويعلن ذلك! لكن هذا ليس بغريب على من يتبع هواه، فهذا علي بن أبي طالب ﵁ هو من جملة من روى المسح على الخفين، ومع ذلك فإن الرافضة لا يقولون بالمسح على الخفين، وعلي بن أبي طالب ﵁ هو من جملة من روى تحريم المتعة، وهم لا يقولون بالتحريم، وعلي ﵁ يقول ويعلن على منبر الكوفة بأن خير هذه الأمة أبو بكر وعمر، وهم يقولون: ليسا خير هذه الأمة، بل بعضهم يقول: إنهما ماتا على النفاق، وبعضهم يقول: إنهما كافرين، وما أشبه ذلك.
ومما يدل على أن مبنى عقيدتهم ليس على هدى - ولكنه على هوى -: أنهم لو كانوا يتشيعون لآل البيت حقيقة؛ لما صاروا إلى مخالفة علي ﵁ الذي هو أفضل آل البيت.
إذًا: المتعة حرام، ولكن هل من المتعة أن يتزوج الإنسان بنية الطلاق إلى مدة معينة؟ النكاح بنية الطلاق ليس متعة؛ لأنه ليس فيه شرط، لكن فيه محذور، وهو الغش للزوجة وأهلها؛ لأن الزوجة وأهلها لو علموا أن هذا الرجل يريد أن يطلقها إذا سافر مثلًا، أو إذا طهرت امرأته من النفاس؛ فلن يزوجوه، وقد وجدت للشيخ محمد رشيد رضا كلامًا يؤيد هذا، ويقول: إن فيه مثلبة على المسلمين، فيعرف الناس عنهم أنهم متلاعبون في أنكحتهم، ثم إن فيه سدًا لباب التزويج؛ لأن كل إنسان يعرف أن هؤلاء يتزوجونهن ثم يطلقونهن عند السفر، فإنه لا يثق بهم، ولا يأمن أن يفعل مثلما فعلوا، وحينئذ فيكون فيه سد لباب التزويج، ولهذا
стр. 209
ينبغي لنا إذا لاحت لنا مصلحة أن لا نتعجل في الأخذ بها حتى نرى ما يترتب عليها، فقد يترتب عليها من المفاسد ما هو أعظم من المصلحة.
والذين قالوا بالجواز، يقولون: لأن كل إنسان إذا لم تتلاءم معه زوجته فإنه يطلقها، ولكن نقول: هناك فرق بين شخص لم يدخل إلا على أنه سيطلق في يوم معين، وبين شخص آخر دخل على أنها زوجته، ولكنه وجد عارضًا يمنع الإستمرار في الزوجية، وهذا فرق عظيم.
ثم إننا نقول: ألستم تقولون: إن الرجل إذا تزوج المرأة بنية التحليل للزوج الأول - لا بشرط التحليل - فإن النكاح فاسد، فهذا مثله، لأن هذا نوى أن يطلق بعد زمن معين، وذاك نوى أن يطلق بعد زمن معين، والأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فإذا قالوا: إن هذا يمكن أن يرغب ويبقى، قلنا: والمحلل يمكن أن يرغب ويبقى.
فعلى كل حال: أنا أرى أنه لا يجوز للإنسان أن يتزوج بنية الطلاق إذا سافر.
لكن هل يصح النكاح أم لا يصح؟
المذهب عند الحنابلة أن النكاح غير صحيح؛ لأن نية المتعة كشرطها، كما أن نية التحليل كشرطه، والمخرج أن لا يفعل، وهناك الآن شيء أخف من هذا كله، وهو: أن هناك عقاقير تخفف الشهوة، ولا تقضي عليها؛ لأن الذي يقضي عليها لا يجوز، وهناك أمر آخر، وهو الإستمناء مثلًا؛ فإن الإستمناء أهون من المتعة ومن الزواج بنية الطلاق للضرورة.
стр. 210
١٦ - أن المهر يثبت باستمتاع الزوج بزوجته، لقوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وعلى هذا فيثبت المهر بالجماع وبالإستمتاع بالمرأة استمتاعًا لا يكون إلا من الزوج مع زوجته؛ كالتقبيل والضم ونحو ذلك، ويثبت أيضًا بالخلوة، كما جاء ذلك عن الخلفاء الراشدين.
١٧ - تسمية المهر أجرًا، ووجهه: أنه عوض في مقابل منفعة، لا في مقابل عين، فلو كان في مقابل عين لسمي بيعًا، لكنه في مقابل المنفعة، وهو استمتاع الزوج بالزوجة، فصار مثل الإجارة.
١٨ - أن المهر لازم كلزوم الأجرة على المستأجر، ولكن إذا سمح من له الحق فإنه يسقط، لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
وقد سمى الله المهر أجرًا، لا لأن الزوج يعامل زوجته وهو يشعر أنها كالأجير، بل إن معاشرة الزوج لزوجته ومعاملته لها أسمى من ذلك وأعلى؛ لأنه إذا شعر بأنها كأجير استأجرها ليستمتع بها؛ لم يحصل مقصود النكاح، وهو: المودة والرحمة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، ولأنه لو شعر هذا الشعور، لغضب عليها حينما تمتنع منه لسبب أو لغير سبب، وربما طلقها، لكن إذا شعر بأن الأمر أعلى وأسمى من ذلك فإنه سيقدر الحياة الزوجية قدرها.
نعم، إن المهر أجر؛ لأنه في مقابل منفعة، ولكن الذي سيق إليه المهر ليس كالأجير، فالعوض - وإن سمي أجرًا - لكن المعوض له ليس كالأجير.
стр. 211
١٩ - وجوب إيتاء النساء مهورهن، لقوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ أي: مفروض عليكم أن تؤتوهن أجورهن.
٢٠ - أنه إذا تراضى الزوج والزوجة على زيادة أو نقص أو إسقاط، فلا حرج؛ لقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾.
٢١ - نأخذ من ذلك قاعدة مهمة وهي: "أن ما أوجبه الله لحق الإنسان وأسقط حقه، فلا إثم على من لم يقم به" فإذا أوجب الله علينا حقًا لإنسان وأسقط حقه، فلا إثم علينا إذا لم نقم به، وهذه القاعدة لها فروع كثيرة:
منها: إجابة دعوة الوليمة، فهي واجبة لحق الزوج، فإذا أسقطها فلا إثم على المدعو إذا لم يجب؛ لأن الحق له، والشيء الذي أوجبه الله من باب الحقوق على الناس بعضهم لبعض إذا أسقطه من له الحق سقط.
ومنها: أن من سب الرسول ﷺ وجب قتله ولو تاب، ومن سب الله فإنه إذا تاب لا يقتل، مع أن سب الله أعظم، لكن الله أخبرنا عن نفسه أن من تاب إليه تاب عليه، ولكن حق الرسول ﵊ لا نعلم أنه أسقطه، فإنه حق آدمي، فيقتل لحق الرسول ﷺ مع قبول توبته، فإذا قتلناه غسلناه وكفناه وصلينا عليه ودفناه مع المسلمين؛ لأنه تاب، لكن القتل لا بد منه.
٢٢ - إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: العليم والحكيم، وقد سبق تفسيرهما.
* * *
стр. 212
* قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥].
يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ﴾ "مَنْ" اسم شرط جازم، وقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ﴾ جواب الشرط، وقد اجتمع في هذه الجملة موجبان للجزم: أحدهما ﴿مَنْ﴾، والثاني ﴿لَمْ﴾، فهل الفعل مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ أو مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾؟
نقول: الفعل المجزوم بـ ﴿لَمْ﴾؛ لأنها المباشرة، وعلى هذا فنقول: يستطع: فعل مضارع مجزوم بلم، وهو فعل الشرط.
وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الطول: هو الغنى؛ أي: ومن لم يستطع منكم غنًى يكفي لمهر المحصنات.
وقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي: الحرائر: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ضد الكافرات.
وقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: فانكحوا مما ملكت أيمانكم، والخطاب هنا للجميع باعتبار المجموع لا باعتبار كل فرد، وإنما قلنا ذلك لأن المالك لا يصح أن ينكح مملوكته، فالسيد لا يمكن أن يتزوج مملوكته، وإنما يتسراها تسريًا؛ لأن الله جعل ملك اليمين معادلًا للزوجية، فقال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] فدل هذا على أن ما ملكت اليمين غير الأزواج.
стр. 213
وقال أهل العلم: إنه لا يجوز أن يتزوج السيد مملوكته؛ لأن استباحته بضعها كان بعقد أقوى من عقد النكاح؛ لأن عقد الملكية يفيد ملكها بجميع أنواع الإستمتاعات، وعقد النكاح يفيد ملك الإستمتاع بها فقط، فالأمة يملك سيدها منافعها كلها، فيملك أن تخدمه، وأن يؤجرها، وليس لها مال بل مالها له، ويملك الإستمتاع بها، والزوجة ليست كذلك.
إذًا: فملك منفعة البضع بملك اليمين أقوى من عقد النكاح، فلا يرد الأقوى على الأضعف، هذا من حيث التعليل.
أما من حيث الدليل فيقول الله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، وجه الدلالة: أن الله جعل ملك اليمن قسيمًا للزوجية.
﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ من بيان لـ ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وفتيات جمع فتاة؛ وهي الأمة المملوكة وتطلق على الشابة إذا أضيفت إلى الحرة. واشترط الله فيها الإيمان، فقال: "المؤمنات"؛ أي: لا بد أن تكون مؤمنة، فإن كانت كتابية فإنها لا تحل، حتى وإن كان ممن لا يجد طول الحرة.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾ الجملة هنا جملة اعتراضية، يعني: أن الله سبحانه أعلم بالإيمان، فإذا اشترط الله الإيمان فليس لنا إلا الظاهر، أما الباطن فعلمه عند الله، ولهذا كان الحساب في الدنيا على الظاهر وفي الآخرة على الباطن.
وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾: البعضية هنا بعضية إنسانية، يعني: أن الله أباح لنا الإماء لأنهن منا بشر مثلنا، فبعضنا من
стр. 214
بعض، وإن كان الحر أشرف وأعلى، وأتى بهذه الجملة المؤكدة للتساوي في البشرية؛ لأنه يوجد عند العرب أنفة عظيمة أن يتزوج الحر أمة فخفف الله ذلك عنهم وقال: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ فأنت لست تنكح إلا إنسانة فأنت معها: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾.
قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾: الهمزة في قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ همزة وصل؛ لأنها من "نكح"، أما قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فهي همزة قطع؛ لأنها من الرباعي "أنكح".
وقوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ أصل النكاح الإجتماع؛ لأن بعقده يكون اجتماع الزوج والزوجة، وكذلك اجتماع الأصحاب بعضهم إلى بعض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤].
وهمزة: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ همزة وصل؛ لأنها من الثلاثي "نكح".
قوله: ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾، أي: برضاهم، والإذن بمعنى السماح والرضا، والمراد بأهلهن أسيادهن، وذلك أن الأمة لا تملك نفسها، ولا يملكها وليها في النسب، وإنما يملكها وليها بالسبب، أي مالكها، ولذلك يزوج الأمة سيدها ولا يزوجها أبوها؛ لأن ولاية السيد أقوى من ولاية الأب، ولذلك قال: ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾، وهم أسيادهن.
قوله: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، أي: أعطوهن؛ لأنها من الرباعي وآتى الرباعي بمعنى أعطى، كما قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: أعطى المال، بخلاف أتى
стр. 215
فإنها بمعنى جاء، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ [النمل: ١٨].
وقوله: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن، وسمي أجرًا لأنه عوض عن منفعة، والإضافة هنا في قوله: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ إضافة اختصاص لا إضافة ملك؛ كإضافة سرج الدابة إليها، فيقال: سرج الفرس، لا لأن الفرس يملكه لكن لأنه مختص به، وذلك لأن الأمة لا تملك، لقول النبي ﷺ "من باع عبدًا وله مال فماله للذي باعه" (١).
وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالمعروف شرعًا وعادة، والمعروف شرعًا أن يكون المهر متمولًا شرعًا، سواء كان من الذهب أو الفضة أو الحديد أو الرصاص أو الثياب أو الفرش أو الأبواب أو غير ذلك.
والمعروف عادة أن لا يماطل، بل يعطي الأمة مهرها كما يعطي الحرة، وإنما ذكر الله ذلك لأنه ربما يحتقر الأمة ولا يؤتيها حقها كما ينبغي، ولهذا قال: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾:
قوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾: حال من الضمير في قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾، يعني: انكحوهن حال كونهن محصنات، أو من ضمير المفعول به في قوله: ﴿وَآتُوهُنَّ﴾؛ أي: آتوهن أجورهن حال كونهن محصنات، ولا تعطوهن أجورهن أجور زنا، بل أجور إحصان.
وقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ هنا أي: متزوجات: لا زانيات، وهو من باب التوكيد لما سبق؛ لأنه يغني عنه قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾؛ لأن نكاحهن الشرعي بإذن أهلهن يجعل العقد معهن