١٩ - وجوب إيتاء النساء مهورهن، لقوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ أي: مفروض عليكم أن تؤتوهن أجورهن.
٢٠ - أنه إذا تراضى الزوج والزوجة على زيادة أو نقص أو إسقاط، فلا حرج؛ لقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾.
٢١ - نأخذ من ذلك قاعدة مهمة وهي: "أن ما أوجبه الله لحق الإنسان وأسقط حقه، فلا إثم على من لم يقم به" فإذا أوجب الله علينا حقًا لإنسان وأسقط حقه، فلا إثم علينا إذا لم نقم به، وهذه القاعدة لها فروع كثيرة:
منها: إجابة دعوة الوليمة، فهي واجبة لحق الزوج، فإذا أسقطها فلا إثم على المدعو إذا لم يجب؛ لأن الحق له، والشيء الذي أوجبه الله من باب الحقوق على الناس بعضهم لبعض إذا أسقطه من له الحق سقط.
ومنها: أن من سب الرسول ﷺ وجب قتله ولو تاب، ومن سب الله فإنه إذا تاب لا يقتل، مع أن سب الله أعظم، لكن الله أخبرنا عن نفسه أن من تاب إليه تاب عليه، ولكن حق الرسول ﵊ لا نعلم أنه أسقطه، فإنه حق آدمي، فيقتل لحق الرسول ﷺ مع قبول توبته، فإذا قتلناه غسلناه وكفناه وصلينا عليه ودفناه مع المسلمين؛ لأنه تاب، لكن القتل لا بد منه.
٢٢ - إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: العليم والحكيم، وقد سبق تفسيرهما.
* * *
стр. 212
* قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ [النساء: ٢٥].
يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ﴾ "مَنْ" اسم شرط جازم، وقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ﴾ جواب الشرط، وقد اجتمع في هذه الجملة موجبان للجزم: أحدهما ﴿مَنْ﴾، والثاني ﴿لَمْ﴾، فهل الفعل مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ أو مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾؟
نقول: الفعل المجزوم بـ ﴿لَمْ﴾؛ لأنها المباشرة، وعلى هذا فنقول: يستطع: فعل مضارع مجزوم بلم، وهو فعل الشرط.
وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الطول: هو الغنى؛ أي: ومن لم يستطع منكم غنًى يكفي لمهر المحصنات.
وقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي: الحرائر: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ضد الكافرات.
وقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: فانكحوا مما ملكت أيمانكم، والخطاب هنا للجميع باعتبار المجموع لا باعتبار كل فرد، وإنما قلنا ذلك لأن المالك لا يصح أن ينكح مملوكته، فالسيد لا يمكن أن يتزوج مملوكته، وإنما يتسراها تسريًا؛ لأن الله جعل ملك اليمين معادلًا للزوجية، فقال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] فدل هذا على أن ما ملكت اليمين غير الأزواج.
стр. 213
وقال أهل العلم: إنه لا يجوز أن يتزوج السيد مملوكته؛ لأن استباحته بضعها كان بعقد أقوى من عقد النكاح؛ لأن عقد الملكية يفيد ملكها بجميع أنواع الإستمتاعات، وعقد النكاح يفيد ملك الإستمتاع بها فقط، فالأمة يملك سيدها منافعها كلها، فيملك أن تخدمه، وأن يؤجرها، وليس لها مال بل مالها له، ويملك الإستمتاع بها، والزوجة ليست كذلك.
إذًا: فملك منفعة البضع بملك اليمين أقوى من عقد النكاح، فلا يرد الأقوى على الأضعف، هذا من حيث التعليل.
أما من حيث الدليل فيقول الله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، وجه الدلالة: أن الله جعل ملك اليمن قسيمًا للزوجية.
﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ من بيان لـ ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وفتيات جمع فتاة؛ وهي الأمة المملوكة وتطلق على الشابة إذا أضيفت إلى الحرة. واشترط الله فيها الإيمان، فقال: "المؤمنات"؛ أي: لا بد أن تكون مؤمنة، فإن كانت كتابية فإنها لا تحل، حتى وإن كان ممن لا يجد طول الحرة.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾ الجملة هنا جملة اعتراضية، يعني: أن الله سبحانه أعلم بالإيمان، فإذا اشترط الله الإيمان فليس لنا إلا الظاهر، أما الباطن فعلمه عند الله، ولهذا كان الحساب في الدنيا على الظاهر وفي الآخرة على الباطن.
وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾: البعضية هنا بعضية إنسانية، يعني: أن الله أباح لنا الإماء لأنهن منا بشر مثلنا، فبعضنا من
стр. 214
بعض، وإن كان الحر أشرف وأعلى، وأتى بهذه الجملة المؤكدة للتساوي في البشرية؛ لأنه يوجد عند العرب أنفة عظيمة أن يتزوج الحر أمة فخفف الله ذلك عنهم وقال: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ فأنت لست تنكح إلا إنسانة فأنت معها: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾.
قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾: الهمزة في قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ همزة وصل؛ لأنها من "نكح"، أما قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فهي همزة قطع؛ لأنها من الرباعي "أنكح".
وقوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ أصل النكاح الإجتماع؛ لأن بعقده يكون اجتماع الزوج والزوجة، وكذلك اجتماع الأصحاب بعضهم إلى بعض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤].
وهمزة: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾ همزة وصل؛ لأنها من الثلاثي "نكح".
قوله: ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾، أي: برضاهم، والإذن بمعنى السماح والرضا، والمراد بأهلهن أسيادهن، وذلك أن الأمة لا تملك نفسها، ولا يملكها وليها في النسب، وإنما يملكها وليها بالسبب، أي مالكها، ولذلك يزوج الأمة سيدها ولا يزوجها أبوها؛ لأن ولاية السيد أقوى من ولاية الأب، ولذلك قال: ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾، وهم أسيادهن.
قوله: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، أي: أعطوهن؛ لأنها من الرباعي وآتى الرباعي بمعنى أعطى، كما قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: أعطى المال، بخلاف أتى
стр. 215
فإنها بمعنى جاء، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ [النمل: ١٨].
وقوله: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن، وسمي أجرًا لأنه عوض عن منفعة، والإضافة هنا في قوله: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ إضافة اختصاص لا إضافة ملك؛ كإضافة سرج الدابة إليها، فيقال: سرج الفرس، لا لأن الفرس يملكه لكن لأنه مختص به، وذلك لأن الأمة لا تملك، لقول النبي ﷺ "من باع عبدًا وله مال فماله للذي باعه" (١).
وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالمعروف شرعًا وعادة، والمعروف شرعًا أن يكون المهر متمولًا شرعًا، سواء كان من الذهب أو الفضة أو الحديد أو الرصاص أو الثياب أو الفرش أو الأبواب أو غير ذلك.
والمعروف عادة أن لا يماطل، بل يعطي الأمة مهرها كما يعطي الحرة، وإنما ذكر الله ذلك لأنه ربما يحتقر الأمة ولا يؤتيها حقها كما ينبغي، ولهذا قال: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾:
قوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾: حال من الضمير في قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾، يعني: انكحوهن حال كونهن محصنات، أو من ضمير المفعول به في قوله: ﴿وَآتُوهُنَّ﴾؛ أي: آتوهن أجورهن حال كونهن محصنات، ولا تعطوهن أجورهن أجور زنا، بل أجور إحصان.
وقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ هنا أي: متزوجات: لا زانيات، وهو من باب التوكيد لما سبق؛ لأنه يغني عنه قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾؛ لأن نكاحهن الشرعي بإذن أهلهن يجعل العقد معهن
стр. 216
عقد إحصان لا زنا، لكن لخطر هذا الأمر أكده الله سبحانه بقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾، والمسافح الزاني والعياذ بالله، وسمي مسافحًا لأنه ليس له هم إلا سفح الماء في القبل، فلا يريد أولادًا، ولا عشرة، ولا مودة، وإنما هو كالتيس يريد أن يقضي نهمته فقط.
قوله: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾، الأخدان: جمع خِدْن أو خَدَن، والمراد به ما يعرف عند الكفرة بالصديق والصاحب، فإنه في بلاد الكفر تتخذ المرأة صديقًا صاحبًا يفعل بها ما يفعل الرجل بامرأته ما عدا الجماع، وربما تصل الحال إلى الجماع، والإماء لما كن لا يهتممن بهذا الأمر، قيد الله ذلك بقوله: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾، أما الحرائر فإنه يبعد فيهن الزنا، حتى قيل: إن هندًا بنت عتبة لما بايعت النبي ﷺ النساء: "على ألا يسرقن ولا يزنين" قالت: "يا رسول الله! أو تزني الحرة" (١)، وهو ضعيف لكن ذكره بعض العلماء.
قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾؛ أي: أحصنهن من يُحصِّنهن، وفي قراءة "أَحْصَنَّ" أي: أحصن أنفسهن.
واختلف المفسرون في المراد بالإحصان، فقال بعض العلماء: إنها على قراءة الفتح "أَحْصَنَّ" بمعنى أسلمن، و ﴿أُحْصِنَّ﴾ بمعنى نُكحن، وقال بعض العلماء: هما بمعنى واحد، وأن معنى أَحصَنَّ؛ أي: صرن ذوات إحصان، كما يقال أنجد أي دخل نجدًا، أما على قراءة الضم ﴿أُحْصِنَّ﴾ فالأمر ظاهر
стр. 217
بأن المراد نُكِحن فأحصن فروجهن بهذا النكاح، والصواب أنهما بمعنى واحد، وكونها بمعنى أسلمن بعيد؛ لأن السياق هنا في سياق الفتيات المؤمنات في قوله: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، والمؤمنة مسلمة.
قوله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾:
هذا شرط داخل في شرط: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾: هذا الشرط الأول، وقوله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ﴾: هذا الشرط الثاني، ﴿فَعَلَيْهِنَّ﴾: جواب الشرط الثاني، فهو شرط في شرط، يعني إذا أحصنت الأمة وأتت بفاحشة فعليها نصف ما على المحصنات من العذاب.
وقوله: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾: الحرائر، ولا يصح أن يقال: فإذا أُحصن فعليهن نصف ما على المحصنات من الإماء، فهذا لا يستقيم، ولكن معنى ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي: الحرائر.
قوله: "من العذاب" والعذاب هو الحد، قال الله ﵎: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور: ٨]، وقال سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢]، فيكون المراد بالعذاب هنا الحد، والحد للمحصنة الحرة هو الرجم؛ لأن النبي ﷺ رجم الغامدية، وإن كانت الحرة غير محصنة فهو الجلد، لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، والحد للمحصنة الذي يمكن أن يتنصف في حق الأمة هو الجلد. أما الرجم فلا يتنصف؛ لأن الرجم يحصل به الموت والموت لا يتنصف، فيكون المراد بنصف العذاب خمسين جلدة.
стр. 218
والحرة تعذب تعذيبًا آخر، وهو التغريب، والتغريب قد جاء في صحيح السنة أن النبي ﷺ قال لأبي العسيف: "على ابنك جلد مائة وتغريب عام" (١) وقال الرسول ﵊: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" (٢)، ولكن العلماء اختلفوا في تغريب الحرة، هل تغرب أو لا تغرب؟
فمنهم من قال: إنها لا تغرب؛ لأن التغريب إنما هو لصيانة الإنسان عن الزنا، والمرأة إذا غربت ربما يزداد زناها، لا سيما إذا لم يكن معها محرم، فلا تغرب المرأة، فإذا لم تغرب فالأمة يكون عليها خمسون جلدة بلا تغريب؛ لأن الحرة لا تغرب.
ولكن إذا قلنا بالقول الثاني: أنها تغرب، فهل تغرب الأمة كما تغرب الحرة؟
قال بعض العلماء: تغرب نصف سنة، وقال بعض العلماء: لا تغرب؛ لأن تغريبها إضرار بمالكها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]، ولكن هذا التعليل عليل؛ لأننا نقول: إذا قلنا بأن التغريب حد فإنه كما يكون إضرارًا بالسيد فالجلد إضرار بالسيد أيضًا؛ لأنها ربما تتأثر صحتها بذلك، وستتأثر سمعتها بذلك وتنقص قيمتها.
وإذا قلنا بأن التغريب يرجع إلى اجتهاد الإمام في الحرة
стр. 219
وليس بحد واجب، فإنا نقول أيضًا: يرجع التغريب في الأمة إلى اجتهاد الحاكم.
والصواب: أن عليها نصف ما على الحرة من العذاب في الجلد والتغريب، هذا إذا أحصنت لقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾
وإذا لم تحصن.
فقال بعض العلماء: ليس عليها شيء؛ لأن مفهوم الآية الكريمة أنها إذا لم تحصن فليس عليها شيء من العذاب، وإذا سكت الله عن شيء فهو مما عفا عنه، ولا شك أن زنا من أحصنت أقبح من زنا من لم تحصن؛ أي: من لم تتزوج.
وقال بعض العلماء: إذا أُحصنت فعليها نصف ما على الحرة من العذاب، وإذا لم تحصن فعليها العذاب كاملًا، وقال: نأخذ بالآيتين قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فهذا عام في الحرة والأمة، وخرج منه الأمة إذا أحصنت فعليها نصف ما على الحرة من العذاب، وبقيت الأمة غير المحصنة فحدها كالبكر التي لم تتزوج من الحرائر، والبكر التي لم تتزوج من الحرائر حدها مائة جلدة، وعلى هذا فإذا أحصنت الأمة فزنت فعليها خمسون جلدة، وإذا لم تحصن فعليها مائة جلدة.
وأحق الناس بهذا المذهب الظاهرية، فإن الظاهرية قالوا بهذا، وقالوا: ما لنا إلا الظاهر.
ومن العلماء من قال: إذا أحصنت فعليها نصف ما على الحرة، وإذا لم تحصن وجب تأديبها بالجلد المطلق، لقول
стр. 220
النبي ﷺ : "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر" (١)؛ أي: ولو بحبل، فقال: "فليجلدها" وأطلق، فعلى هذا إذا زنت قبل أن تحصن وجبت عقوبتها بالجلد الذي ليس بحد، وهذا القول هو الصحيح: فإذا تزوجت فعليها نصف ما على الحرة وهو خمسون جلدة، ولا يمكن أن نقول عليها نصف الرجم لأنه لا يتبعض، وإذا لم تحصن فإنه يجب جلدها تعزيرًا لها؛ لأننا لو تركناها فهو مشكل أيضًا.
وأما القول بأنها إذا زنت قبل الإحصان فإنها تحد حدًا كاملًا، فهذا قول ضعيف بلا شك؛ لأن علة التنصيف هو الإحصان؛ أي: التزوج، فإذا زالت العلة زال الحكم.
ثم قال الله تعالى في بيان شروط نكاح الأمة: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: المشار إليه الحكم المذكور وهو جواز نكاح الإماء، ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ الجار والمجرور متعلق بخبر المبتدأ ﴿ذَلِكَ﴾، والخبر محذوف والتقدير ثابت أو كائن.
﴿خَشِيَ﴾ أي: خاف، والخشية والخوف يترادفان، فيحل أحدهما مكان الآخر، لكنهم فرقوا بينهما بأن الخشية إنما تكون عن علم، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]،
стр. 221
وبأن الخشية يكون سببها عظم المخشي وإن كان الخاشي عظيمًا، وأما الخوف فسببه ضعف الخائف وإن كان المخوف ضعيفًا، فهي أقوى وأشد، فقوله: ﴿خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي: خافه خوفًا مؤكدًا.
والعنت: المشقة، ومنه قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] أي: ما شق عليكم.
وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾، بيان ﴿لِمَنْ﴾ في قوله: ﴿لِمَنْ خَشِيَ﴾.
قوله: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: الجملة مبتدأ وخبر، لكن المبتدأ مؤول، فإن معنى ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: وصبركم، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: وصومكم خير لكم، فالمبتدأ هنا هو المصدر المؤول من أن والفعل.
وقوله: ﴿تَصْبِرُوا﴾ أي: تحبسوا أنفسكم؛ لأن الصبر هو الحبس، والمعنى تحبسوها عن نكاح الإماء حتى مع وجود الشرطين، وهما: عدم استطاعة الطول وخوف العنت.
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: من أن تنكحوا الفتيات، والخيرية هنا مطلقة، وإذا أطلق الله سبحانه الشيء صار عامًا؛ أي: خير لكم على كل حال، لكن إن عجز الإنسان عن الصبر فالأمر واسع.
قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ختم الآية بهذين الإسمين الكريمين: "الغفور الرحيم" يشير إلى أنه يجب على الإنسان أن يتحرز في هذه المسألة احترازًا بالغًا لئلا يقع في الإثم، وأن الله سبحانه إنما أباح لنا ذلك من أجل أنه موصوف بهذين الوصفين اللذين دل عليهما الإسمان الكريمان، وهما المغفرة والرحمة.
стр. 222
والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، مأخوذة من المغفر وهو ما يوضع على الرأس من الحديد من أجل وقاية الرأس من السهام، ويحصل به ستر ووقاية، فالمغفرة مشتملة على هذين المعنيين: الستر والوقاية من العذاب، فليست سترًا فقط ولا وقاية من العذاب فقط، بل ستر ووقاية.
وأما الرحمة فهي صفة من صفات الله تقتضي الإحسان إلى الخلق ودفع الضرر عنهم، والله سبحانه سمى نفسه بالرحمن وبالرحيم، ووصف نفسه بأنه ذو الرحمة فقال: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام: ١٣٣]، وهي صفة مستقلة عن الإرادة وعن الإحسان، فهي عند السلف وأئمة أهل السنة صفة زائدة أو مستقلة عن الإرادة أو الفعل.
وحَرَّف معناها من لا يرى ثبوت الرحمة لله، وقال: إن المراد بالرحمة إرادة الإنعام، أو الإنعام نفسه، وإنما حرفوها إلى هذا المعنى لأنهم يثبتون الإرادة، فقالوا: إرادة الإحسان أو الإحسان نفسه؛ لأن الإحسان منفصل عن الذات، فلا يمتنع عندهم وقوعه من الله ، وهؤلاء هم الأشاعرة، وفي الحقيقة أنهم لو رجعوا إلى أنفسهم لوجدوا أن تفسيرهم الرحمة بهذا يستلزم ثبوت الرحمة؛ لأن إرادة الإحسان لا تكون إلا رحمة لمن استحقها، ومحبة للإحسان، والإحسان نفسه الذي هو المنفصل عن الله لا يكون إلا من آثار الرحمة.
على كل حال: مذهبنا - ولله الحمد - مذهب أهل السنة والجماعة أن كل ما سمى الله به نفسه أو وصف به نفسه فهو ثابت له على وجه الحقيقة، لكن بدون تمثيل، وبدون تكييف.
стр. 223
من فوائد الآية الكريمة:
١ - الحث على تزوج الحرائر المؤمنات، ووجه ذلك: أن الله لم يرخص في العدول عن نكاحهن إلا لحاجة وعذر، لقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾.
٢ - أنه لا بد في النكاح من مال، لقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾.
٣ - أنه لا ينبغي لمن لم يستطع الطول أن يستدين، فليعدل إلى طريق آخر دون الطول الذي عجز عنه، لقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
ويؤيد ذلك من السنة قصة الرجل الذي طلب من النبي ﷺ أن يزوجه الواهبة نفسها للرسول ﷺ حين قال: زوجنيها، فطلب النبي ﷺ منه مهرًا، فقال: ليس عندي شيء ولا خاتم من حديد، ولم يقل: استقرض، بل سأله: هل معه شيء من القرآن؟ قال: نعم، قال: "ملكتكها بما معك من القرآن" (١).
ويؤيد ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣].
ويؤيده أيضًا قوله ﷺ : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع
стр. 224
فعليه بالصوم فإنه له وجاء" (١).
٤ - أنه يجوز للحر أن يتزوج الأمة بالشرطين المذكورين: أن لا يجد طول حرة مؤمنة، وأن يخشى العنت.
٥ - أنه لو قدر على مهر حرة كتابية لا حرة مؤمنة، فله أن يتزوج الفتاة المؤمنة، وتؤخذ من قوله: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، فإذا كان الإنسان عنده خمسة آلاف ريال لا تكفي لنكاح الحرة المؤمنة ولكنها تكفي لنكاح الحرة الكتابية، أو لنكاح الأمة المؤمنة، فهل يعدل إلى نكاح الأمة أو يجب أن يتزوج الحرة الكتابية؟
الجواب: له أن يعدل إلى نكاح الأمة المؤمنة دون الحرة الكتابية، وهذا ظاهر القرآن.
وقال بعض العلماء: بل الحرة الكتابية أولى من الأمة المؤمنة، وذلك لأن أولاد الحرة الكتابية ينشؤون على أنهم أحرار، وأولاد الأمة المؤمنة ينشؤون على أنهم أرقاء مملوكون لسيدها، وهذا الثاني هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀؛ أي: أنه لو قدر على نكاح أمة أو نكاح كتابية، فإنه لا يجوز أن يتزوج الأمة بل يتزوج الكتابية، ولكن ظاهر القرآن مقدم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١].
ولأن الكتابية لا يؤمن أن تضل زوجها، لا سيما إذا كانت ذات شهادة عالية وليس عنده مثل هذه الشهادة، أو كانت فصيحة اللسان قوية البيان فإنها قد تؤثر على الزوج فيرتد، ويكون يهوديًا أو نصرانيًا.
стр. 225
ولا سيما أيضًا إذا كان عندها مال وهو فقير، فإنها تؤثر عليه، وإذا لم تؤثر عليه ربما تؤثر على أولاده، ولهذا كان ظاهر القرآن هو الواجب الإتباع، فنقول: إذا قدر على مهر حرة كتابية أو مهر أمة دون حرة مؤمنة، فالواجب أن يقدم الأمة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
٦ - نقص مرتبة الرق عن مرتبة الحرية، وهو كذلك، فإن الرقيق مملوك يباع ويشترى ولا يملك نفسه، حتى أنه إذا قتل فإن ديته قيمته وليمس دية حر، فتختلف الديات في العبيد باختلاف صفات المقتولين، فربما إذا قتل عبد تكون ديته مليون ريال، وعبد آخر تكون ديته عشرة ريالات، فلهذا لا شك أن مرتبة الحرية أعلى من مرتبة الرق.
٧ - أنه لا يحل لمن لا يجد طول الحرة المؤمنة أن يتزوج أمة كتابية، وتؤخذ من قوله: ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾؛ أي: فلا يحل أن يتزوج أمة كتابية.
وإذا لم يعجز عن طول الحرة المؤمنة، فلا يتزوج أمة كتابية من باب أولى، وبهذا يتبين أن الأمة الكتابية لا يحل للمؤمن تزوجها، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]، فالمحصنات هنا الحرائر، ويحتمل أن يكون المراد بهن العفيفات عن الزنا، لكن هذه الآية تدل على أن المراد الحرائر، وأن الإماء من أهل الكتاب لا يحل تزوجهن مطلقًا.
стр. 226
٨ - إثبات علم الله لما كان غيبًا خفيًا، لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾.
٩ - جواز استعمال صيغة التفضيل في صفات الله ، فيقال الله أعلم، الله أكبر، الله أعز، الله أعظم، وما أشبه ذلك، خلافًا لمن قال إن هذا لا يجوز، وأنه يجب أن نفسر اسم التفضيل باسم الفاعل، فيقول هذا القائل في مثل قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ أي: عالم بإيمانكم، وما علم هذا القائل أن قوله: "والله عالم بإيمانكم" أدنى من قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾؛ لأن "عالم" اسم فاعل لا تمنع المشاركة في الوصف ولا في الرتبة، لكن أعلم اسم تفضيل تمنع المشاركة في الرتبة، فمن الأفهام الخاطئة، أن نجعل اسم التفضيل بالنسبة لصفات الله بمعنى اسم الفاعل؛ لأن هذا لا شك أن فيه نقصًا عما أراد الله .
١٠ - إثبات الملك الذي هو الرق، لقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وهذا الحكم ثابت إلى يوم القيامة، لا يمكن أن يرفع بأي حال من الأحوال، فمتى وجدت أسبابه الشرعية فإنه ثابت، نعم إذا لم توجد، مثل أن ينهب الإنسان من بني آدم من ينهب، ويأتي بهم إلى أسواق الناس يبيعهم، فهنا لا يمكن أن نثبت الرق بهذه الطريقة، لكن إذا ثبت بطريق شرعي فإنه ثابت ولا يمكن رفعه، لقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
وملك الإنسان لما يملك من آدمي أو بهيمة أو عقار أو غيره ليس ملكًا تامًا، ولذلك لا يتصرف الإنسان فيما يملك كما يحب، بل تصرفه مقيد بالشرع، ولكن العلماء ﵏ جعلوا من ملك
стр. 227
التصرف الذي جعل له على وجه كامل جعلوه مالكًا، ومن ملكه على وجه مقيد جعلوه مستأجرًا مثلًا أو مستعيرًا أو ما أشبه ذلك.
١١ - جواز إطلاق البعض على الكل، وتؤخذ من قوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، والمراد مما ملكتم؛ لأن اليد وحدها لا تملك.
١٢ - استعمال ما يكون سببًا لقبول الحكم، وهو ما يمكن أن نعبر عنه بتخفيف الأمر على المحكوم عليه، لقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾، وذلك أن العرب كانوا يأنفون أنفة كبيرة بالنسبة للأرقاء، ويرون أن من نكح رقيقة فقد أتى شيئًا فاحشًا عظيمًا، ويقولون: الرقيقة مملوكة والبعير مملوك، فإذا نكحت الرقيقة فهم يرونها كبيرة جدًا، ولهذا أرشد الله إلى هذا الأمر بقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾، لتهوين الأمر على الناس.
فيؤخذ من هذا أنه ينبغي للمتكلم أن يخاطب المخاطب بما يهون عليه الحكم.
١٣ - اشتراط إذن الأهل في تزويج الإماء لقوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾، ويترتب على هذه الفائدة، فائدة أخرى وهي: أن المرأة لا تزوج نفسها، فإن قال قائل: هذا ظاهر فيما إذا كانت أمة أنها لا تزوج نفسها لأنها مملوكة، لكن إذا كانت حرة؟ فنقول: إذا كانت حرة فهناك أدلة أخرى تدل على أنها لا تزوج نفسها، وأنه لا بد من ولي.
١٤ - أن الأمة تملك مهرها، لقوله: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، والمراد بها المهور، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم وقال: إن مهر الأمة لها لأنها تحتاجه للتزين لزوجها، ولإعداد المكان،
стр. 228
والبيت والمطبخ وغيره للزوج، فلا يكون مهرها لسيدها؛ لأن هذا مما تتعلق بها حاجاتها.
ولكن جمهور أهل العلم على خلاف ذلك؛ أي: على أن مهر الأمة لسيدها، لقول النبي ﷺ : "من باع عبدًا له مال فماله للذي باعه" (١)، قالوا: وإضافة الأجور إليهن من باب الإختصاص، أو من باب مراعاة السبب؛ لأنهن كن السبب في هذا المهر، فلولاها ما حصل مهر لسيدها، وهذا أقرب إلى القواعد الشرعية العامة.
١٥ - الرجوع إلى العرف، وتؤخذ من قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهذه قاعدة للشيء الذي لم يحدده الشرع أن نرجع فيه إلى العرف.
١٦ - اشتراط أن يكون النكاح نكاح إحصان لقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾، ونكاح الإحصان: هو الذي تمت شروطه وانتفت موانعه، فإن لم تتم شروطه فهو سفاح، وإن وجدت موانعه فهو سفاح.
مثال الأول: لو تزوج امرأة مكرهًا، فهذا النكاح سفاح، لفوات الشرط.
ومثال الثاني: لو تزوج امرأة في عدتها فهنا النكاح سفاح لوجود المانع وهو العدة.
١٧ - أن الإحصان يطلق على العفة، وتؤخذ من قوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾، فجعل المسافحة مقابل الإحصان.
стр. 229
١٨ - تحريم اتخاذ الأخدان من الرجال، لقوله: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾، وحتى لو لم يحصل الزنا، فإن اتخاذ الأخدان - يعني: الأصحاب والأصدقاء - سبب للزنا، ولهذا نهي عن الخلوة بالمرأة خوفًا من ذلك، ونهي أن تخضع بالقول خوفًا من ذلك.
ويتفرع من هذه الفائدة: بيان ما عليه المجتمع الغربي من مجانبة الأخلاق، حيث إن كثيرًا منهم يكون له صاحبة وصديقة يخرج معها، ويبيت عندها، وتبيت عنده، لكن لا يجامعها نظرًا إلى أنهم لا يستحلون الجماع إلا بعقد نكاح، وربما يجامعها، فمعلوم أن الإنسان إذا خلا بامرأة وأطال معها المقام وقعا في الحرام، وفي الحديث: "فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" (١)، فيغويهما جميعًا ويحصل الشر.
١٩ - أن الأمة إذا زنت فإنها تحد، لقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.
٢٠ - أنه لا حد عليها إلا بعد الإحصان، لقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾؛ أي: فإن زنت قبل الإحصان فلا حد عليها وإنما تجلد جلد تعزير.
وأما ما ورد في بعض روايات مسلم: "فليجلدها الحد" (٢)،
стр. 230
فقد ذكر أهل العلم أن كلمة "الحد" وَهمٌ من الراوي، كأنه توهم أنه لا جلد إلا بحد، فقال: فليجلدها الحد.
ويدل لهذا أنه في الروايات الأخرى "فليجلدها" دون أن يقيد ذلك بالحد، وهذا هو ظاهر القرآن أنه لا حد عليها إلا إذا أحصنت، أما قبل ذلك فعقوبتها التعزير.
٢١ - أنه لا رجم على الأمة إذا زنت ولو بعد أن تتزوج، وجه ذلك: أن الرجم لا يتنصف، والله قال: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، ولهذا اشترط العلماء للرجم أن تكون الزانية حرة.
٢٢ - أن الأمة إذا زنت بعد الإحصان تغرب نصف سنة، لعموم قوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، وهذا مبني على ثبوت التغريب للمرأة الحرة، وهو موضع خلاف بين العلماء، فإن من العلماء من يقول: التغريب إنما هو للرجل فقط دون المرأة، وعلل ذلك بأن تغريب المرأة إغراء لها بالمفسدة؛ لأنها إذا غربت انفردت عن أهلها ومن يراقبها، وصار لها من الشر أعظم مما لو كانت عند أهلها، وعلى هذا القول لا تغرب الأمة من باب أولى.
ثم على القول بأن الحرة تغرب كما هو ظاهر حديث عبادة بن الصامت ﵁: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" (١)، يبقى النظر هل تغرب الأمة أو لا؟
إن أخذنا بعموم قوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ فإنها تغرب نصف سنة، وإن قلنا: بأن لدى الأمة مانعًا
стр. 231
من التغريب وهو حق السيد؛ لأنها إذا غربت فقد تهرب ولا ترجع إلى سيدها، ثم إن لديها من خسة المكانة ما لا يمنعها من الفاحشة، بخلاف الحرة، فلهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا تغريب في حق الإماء، ولا في حق العبيد، للسبب الذي ذكرنا، وهو أن تغريبهم يغريهم في فعل الفاحشة؛ لأنهم دون الأحرار في الشرف، ولا يهمهم أن يفعلوا الفاحشة، وهذا القول أعني أنها لا تغرب قول قوي جدًا.
٢٣ - أنه يشترط لجواز نكاح الإماء أن يلحق الإنسان مشقةٌ بترك ذلك، لقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾.
٢٤ - حسن الترتيب في سياق القرآن؛ لأن الله سبحانه ذكر مسألة الزنا بين الشروط في نكاح الأمة، للإشارة إلى أن عند الأمة من دنو المنزلة ما لا يمنعها من الزنا، فهذا من حكمة النهي عن نكاح الإماء إلا بالشروط.
إذًا: يشترط شرطان:
الشرط الأول: أن لا يجد مهر حرةٍ مؤمنة.
والشرط الثاني: أن يخاف المشقة بترك النكاح.
واشترط بعض العلماء ومنهم فقهاء مذهب الإمام أحمد ﵏: أن لا يجد ثمن أمة، قال: فإن وجد ثمن أمة فإنه لا يحل أن يتزوج الأمة، وأخذ هذا الشرط من المعنى، وإن كان لا يوجد في الآية الكريمة، فقال: إذا كان قادرًا على ثمن الأمة فإنه يشتري أمة ويطؤها بملك اليمين لا بالنكاح، والوطء بملك اليمين شرف وعز حتى عند العرب، ثم إذا أتت منه بولد فالولد حر وليس عبدًا.
стр. 232
ولنضرب لهذا مثلًا: لو أن مهر الحرة المؤمنة عشرة آلاف، ومهر الكتابية ثمانية آلاف، وقيمة الأمة المؤمنة ستة آلاف، ومهر الأمة خمسة آلاف مثلًا، فهو الآن عنده ستة آلاف، فتحقق الشرط الأول وهو عدم القدرة على مهر الحرة، لكن هنا يستطيع أن يشتري أمة ويتسراها، فهل نقول: لك أن تعدل عن هذا فتتزوج أمة بخمسة آلاف؟
الجواب: إن قلنا إنه شرط، قلنا: لا تملك هذا، فاشتر أمة وتسرها، وإن قلنا إنه ليس بشرط كما هو ظاهر القرآن، قلنا: أنت مخير: إن شئت فاشتر وإن شئت فلا تشتر؛ لأنه قد يقول: أنا إذا اشتريت أمة صار علي من الواجبات ما ليس علي فيما لو كانت زوجة؛ لأنها إذا كانت زوجة ولم يقدر بينهما ألفة فإنه يطلقها ويتولاها سيدها، لكن إذا كانت أمةً له وأتت منه بولد فعلى المشهور من المذهب أنه لا يجوز بيعها، فمعناه أنه يلزم بالإنفاق عليها وهو لا يريده.
وعلى كلٍ فالأخذ بظاهر القرآن أولى، فنقول: إن الشرط أن لا يقدر على مهر الحرة، وأنه لو قدر على ثمن الأمة فإن له أن يتزوج الأمة.
٢٥ - أن الصبر عن نكاح الأمة أولى من نكاحها - وإن جاز ذلك -، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
٢٦ - أنَّ المباح قد يكون مستوي الطرفين كما هو الأصل، وقد يكون مرجوحًا كما هنا؛ لأن الله تعالى أحل لنا نكاح الإماء بالشرطين، لكن قال: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
٢٧ - أن الأمر بالشيء قد يستفاد من الثناء على فاعله،
стр. 233
لقوله: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فكأنه قال: اصبروا، لكنه جعله على وجه الترغيب.
٢٨ - إثبات هذين الإسمين لله وما تضمناه من صفات، وهما "الغفور، الرحيم".
* * *
* قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ [النساء: ٢٦].
قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾:
يريد: الإرادة هنا إرادة شرعية، فإن إرادة الله سبحانه تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية، والفرق بينهما:
أن الإرادة الشرعية: تتعلق بما يحبه ويرضاه فقط، وقد يقع فيها المراد وقد لا يقع.
وأما الإرادة الكونية: فتتعلق بكل ما شاءه، وقد يكون محبوبًا لله وقد يكون مكروهًا له، ولا بد أن يقع فيها المراد؛ لأنها بمعنى المشيئة، وما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن.
فإذا كانت الإرادة بمعنى المحبة؛ أي: بمعنى أنه يصح أن يحل محلها "أحب أو يحب" فهي إرادة شرعية، وإذا كان يحل محلها "يشاء أو شاء" فهي إرادة كونية.
يقول الله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: يحب ذلك، وقد فعل الله سبحانه وبيّن لنا غاية البيان، بلسان عربي مبين.
стр. 234
واللام في قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ زائدة قد تفيد التعليل، وقد لا تفيد التعليل وتكون للتعدية، لكنها لو حذفت فقيل: يريد الله أن يبين لكم؛ كقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧] لصح الكلام، لكنها وجدت، ويقولون: كل لام جر بعد الإرادة فهي زائدة تقول: أردت لكذا؛ أي: أردتُ كذا.
وقوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾: البيان هنا يشمل البيان اللفظي والبيان المعنوي، وكلاهما واقع، قال الله لرسوله محمد ﷺ ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩] أي: إظهاره، وكان الرسول ﵊ إذا ألقى عليه جبريل القرآن يتعجل - يسرع - يختطفه منه حبًا له وشفقة عليه (١)؛ أي: حبًّا للقرآن وشفقة عليه، فقيل له: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾، وقوله: علينا: الضمير يعود على الله والمراد جبريل، فإنه هو الذي يقرأ على النبي ﷺ ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي: قرأه جبريل ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ البيان اللفظي والمعنوي.
قوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾:
يهديكم هداية الدلالة وهداية التوفيق، أما هداية الدلالة فهي ما أنزله من الوحي والشرع، وأما هداية التوفيق فهي أن يوفق من شاء من عباده للزوم هذه الهداية.
ومن أمثلة الهداية التي بمعنى الدلالة: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] أي: دللناهم
стр. 235
على طريق الحق، لكنهم استحبوا العمى على الهدى.
وأما الهداية بمعنى التوفيق، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]؛ أي: لا توفقه لسلوك طريق الهداية؛ لأن ذلك إلى الله.
قوله: ﴿سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾:
﴿سُنَنَ﴾: جمع سنة وهي الطريقة، والمراد بسننهم ما كانوا عليه من الشرائع، لكن الشرائع تختلف باختلاف الأمم واختلاف الأزمنة والأمكنة: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، لكن الناس سواء في الأصل.
وقوله: ﴿سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ يعني: اليهود والنصارى وغيرهم ممن نزل عليهم الوحي.
﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ بالنصب ﴿يَتُوبَ﴾ عطف على ﴿يُبَيِّنَ﴾؛ أي: ويريد ليتوب عليكم؛ أي: يوفقكم للتوبة.
وتوبة الله على العبد نوعان: توبة توفيق للتوبة، وتوبة قبول للتوبة، فمن الأول قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١١٧] أي: وفقهم للتوبة ليتوبوا.
ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥] والتوبة في قوله: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ تشمل المعنيين.
قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: العلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه، فخرج بقولنا "إدراك": الجهل؛ لأنه ليس بإدراك، وخرج بقولنا "على ما هو عليه": الجهل المركب؛ لأن الجاهل المركب يدرك الشيء على خلاف ما هو عليه.
стр. 236
فالله سبحانه عليم؛ أي: ذو علم، وقد بيّن الله سبحانه في آية أخرى أن علمه واسع شامل محيط بكل شيء جملة وتفصيلًا، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
﴿حَكِيمٌ﴾؛ أي: ذو حُكم وحكمة، وقد سبق لنا شرح ذلك، وبينا أن حكمة الله تكون في الحكم الشرعي والحكم الكوني، وأنها تكون على صورة الشيء وعلى الغاية منه؛ أي: صورية وغائية.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - إثبات الإرادة لله، لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، وهل هذه الإرادة أزلية أو هي حادثة؟
نقول: الإرادة نوعان: إرادة أزلية، وإرادة حادثة، فالإرادة المقارنة للفعل إرادة حادثة، والإرادة السابقة إرادة أزلية، ويظهر هذا بالمثال، أنت الآن تريد أن تصلي العشاء، فهذه إرادة سابقة على الفعل، فإذا أذن قمت إلى الصلاة فصليت، فهذه إرادة مقارنة للفعل، فإرادة الله المقارنة لفعله حادثة، وإرادته الأزلية السابقة لفعله غير حادثة، وهو مريد سبحانه لكل ما سيكون، وهذه إرادة أزلية.
٢ - سعة رحمة الله بعباده حيث أراد أن يبين لهم؛ لأن من لطفه وكرمه أن لا يدع الناس على جهلهم.
٣ - أنه ليس في الشرع شيء مجهول لكل أحد، لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، فالشرع لا يمكن أن يكون خفيًا على كل
стр. 237
أحد، لكنه يخفى على الإنسان لأسباب: إما قلة العلم، وإما قصور الفهم، وإما التقصير في الطلب، وإما سوء القصد، فهذه أربعة أسباب لخفاء الحكم الشرعي على الإنسان.
فقلة العلم، مثل أن يوجد إنسان لم يراجع ولم يطالع ولم يستوعب كتب العلماء، فهذا تخفى عليه الأحكام الشرعية لقلة علمه.
أو قصور فهمه: يكون عنده علم واسع، لكنه لا يفهم، فهذا أيضًا يفوته كثير من الأحكام الشرعية.
أو لتقصيره في الطلب: إنسان مقصر، عنده علم وعنده فهم، لكن لا يحرص على أن يحقق المسائل وينقحها ويحررها، فيفوته شيء كثير.
أو سوء القصد: بحيث لا يريد إلا نصر رأيه فقط، فهذا والعياذ بالله يحرم الخير، ويحرم الصواب.
وما دواء هذه العلل والآفات؟
الأول: وهو قلة العلم: دواؤه كثرة العلم، بأن يراجع الإنسان ويطالع كتب العلماء وكتب الحديث والتفسير.
الثاني: قصور الفهم: وهذا مشكل؛ لأنه غريزة، لكن بالتمرن يحصل المرء على قوة الفهم، وأضرب مثلًا: لو أن الإنسان راجع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فأول ما يراجعها يقول: هذه فيها ردم يأجوج ومأجوج فلا يمكن فهمها، لكن مع التمرن عليها يفهمها.
إذًا: الفهم يحتاج إلى تمرين، ومن تمارين الفهم المناقشة مع الناس؛ لأنه كثيرًا ما يغيب عنك شيء من العلم، وبالمناقشة يتبين لك الشيء الكثير.
стр. 238
الثالث: التقصير في الطلب: دواؤه الجد والإجتهاد، فاجتهد ولا تتوان.
ثم التقصير في الطلب ليس معناه قلة الطلب، بل يشمل عدم الترتيب في الطلب، وهذا أيضًا يضر بالإنسان فينقص علمه، فبعض الناس مثلًا إذا أراد أن يراجع مسألة في الكتب الكبيرة صار يستعرض الفهرس، فيجد بحثًا ثم يبحث فيه، وينسى الحاجة الأولى، وهذا خطأ، وهو الذي يقطع الأوقات عليك تقطيعًا، فما دمت تريد تحقيق مسألة فأغمض عينيك عما سواها، وإلا فستكون كالذي يلقط الجراد من أرض جرداء فلا تحصل شيئًا.
افرض أنك تريد أن تطالع مسألة في الطهارة، وأنت تراجع الفهرس مرت عليك مسألة غير التي تريد أن تراجع، فتقول هذا مبحث طيب فأرى ما يقول المؤلف، فيضيع عليك الوقت، فهذا من التقصير في الطلب، فليس هو تقصيرًا كميًا؛ لكنه تقصير كيفي.
الرابع: سوء القصد: وسوء القصد يحتاج إلى إخلاص لله ، فإذا قصد الإنسان حفظ الشريعة، ونفع الخلق، وأن يرث الأنبياء، سهل عليه حسن القصد؛ لأنه إذا علم أن الإنسان إذا طلب العلم لغير الله فإنه يحرم الخير، وعليه الوعيد، وأن الله ينزع منه بركة العلم؛ حرص على أن يكون قصده حسنًا.
فهذه الأمور الأربعة هي التي يحرم الإنسان بسببها تبين الأحكام الشرعية، وإلا فالله تكفل فقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾.
стр. 239
٤ - كمال هذه الأمة وشريعتها، لقوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، فما من خير كانت عليه الأمم إلا ولهذه الأمة منه نصيب، وقد مثل النبي ﵊ نفسه مع الأنبياء قبل بقصر مشيد، يعجب الناظرين، إلا أنهم إذا طافوا به قالوا: هذا القصر كامل إلا موضع هذه اللبنة، قال: "فأنا اللبنة، وأنا خاتم الأنبياء" (١)، تمم الله به مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، فكمل القصر - به ﵊.
ويدل لذلك أيضًا قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] فقال: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، إشادةً بهذه الأمة وأنها كملت فيها الفضائل التي لغيرها، وتسلية لها أيضًا؛ أي: لا تظنوا أن تكليفنا إياكم الصيام خاص بكم، بل لكم ولغيركم.
٥ - أن الله يحب التوابين، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ويتفرع على هذا: غاية الكرم من الله ، ووجهه: أن التوبة يعود نفعها علينا لا عليه، وهو يحبها لمصلحتنا، وقد ثبت عن النبي ﵊: "أن الله يفرح بتوبة عبده، كما يفرح الرجل الذي أضل ناقته في أرض فلاة، فطلبها فلم يجدها، فاضطجع تحت شجرة ينتظر الموت قد أيس من الحياة فإذا بخطام ناقته فأخذ به
стр. 240
وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك؛ أخطأ من شدة الفرح" (١).
٦ - إثبات اسمين من أسماء الله، وهما العليم والحكيم، وما تضمناه من الوصف، فالعليم تضمن العلم، والحكيم تضمن الحكم والحكمة؛ لأنه مشتق من الحكم والحكمة.
٧ - اقتناع الإنسان بما يجري الله من حكم شرعي وحكم كوني.
وجه ذلك: أن ما يجريه الله من الأحكام مقرون بالحكمة، وإذا علمت ذلك اقتنعت، سواء كان هذا في الأحكام الكونية أو في الأحكام الشرعية، حتى المصائب التي تنال العباد لا شك أن لها حكمة ينبغي أن يقتنع الإنسان بوجودها، ولا يعترض على الله تعالى بها.
٨ - مراقبة الله في السر والعلانية، وتؤخذ من ثبوت صفة العلم؛ لأنك متى علمت أن الله عالم بك، فإن ذلك يوجب لك مراقبة الله سبحانه، فلا يفقدك حيث أمرك ولا يجدك حيث نهاك.
٩ - الإشارة إلى التوبة، وقد سبق أن شروط التوبة خمسة.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٧ - ٢٨].
стр. 241
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾:
قد يقول قائل: هذا مع ما قبله تكرار؛ لأنه قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ﴾ ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ فكيف قال: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾؟
والجواب: نقول: الفائدة من ذلك شيئان:
الأول: التوكيد، وإذا أكد الله أنه يريد التوبة علينا، فإن ذلك مما يسرنا ويزيدنا نشاطًا في التعرض لتوبة الله .
الفائدة الثانية: التوطئة لقوله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ فهي: تمهيد وتوطئة لما ذكر بعدها، وهو أن الله له هذه الإرادة، وللذين يتبعون الشهوات تلك الإرادة، ولهذا كررها: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ يشمل الكافر والفاسق؛ لأن الكافر يريد الشهوات ويتبعها، والفاسق كذلك، قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم: ٥٩، ٦٠]، فالذين يتبعون الشهوات هم الكفار والفساق.
قوله: ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ أي: تنحرفوا عما يريد الله سبحانه بكم من أسباب التوبة، وهي فعل الأوامر وترك النواهي، فالله يريد شيئًا وهم يريدون شيئًا بخلافه.
ثم قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾.
стр. 242
وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ الإرادة هنا شرعية، وليست كونية؛ لأن الله يقدر على العبد أشياء تثقل عليه العبادات بسببها، لكنه شرعًا لا يريد منا أن نشق على أنفسنا، بل إنه لما قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: لأصومن النهار، ولأقومن الليل ما عشت، نهاه الرسول ﵊، وقال: "إن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقًا" (١).
وقال ﵊ فيما صح عنه أيضًا: "اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا" (٢) فالإرادة إذًا إرادة شرعية.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾: التخفيف ضد التثقيل، وتخفيفه سبحانه تخفيف في الأوامر وتخفيف في النواهي، أما التخفيف في الأوامر فإن الله سبحانه لما ذكر ما يجب علينا من طهارة الوضوء والغسل والتيمم قال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وكذلك خفف في النواهي فقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] أي: فليس بحرام، وهذا تخفيف على العباد ولله الحمد.
стр. 243
ثم قال: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾: الواو هنا يحتمل أن تكون استئنافية لبيان حال الإنسان الموجبة للتخفيف، ويحتمل أن تكون الواو للحال، والجملة على تقدير قد؛ أي: وقد خُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا.
وعلى الإحتمالين فالجملة فيها نوع تعليل لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ كأن قائلًا يقول: ولماذا أراد ذلك؟ فقال: لأن الإنسان خلق ضعيفًا؛ أي: خلقه الله ضعيفًا في كل أموره: ضعيفًا في جسمه، ضعيفًا في إرادته، ضعيفًا في علمه، ضعيفًا في كل شيء، والدليل على ذلك أنه لا يتحمل البرودة في الشتاء، ولا الحر في الصيف، ولا الأتعاب، فهو ضعيف؛ فكانت الشرائع مناسبة لحاله.
وتأمل الفرق بين قوله هنا: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾، وبين قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]!
فالشيطان في كيده العظيم ضعيف، فإذا كان كيد الشيطان ضعيفًا، فإن هذا يقتضي منا أن نكون أقوياء على الشيطان وإن كنا ضعفاء؛ لأن الشيطان كيده ضعيف، ونحن وإن كنا ضعفاء لكن يجب أن نكون أقوى منه، وأن نثق بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦].
وقوله: ﴿ضَعِيفًا﴾: منصوبة لأنها حال، حيث إنها وصف بعد معرفة، والوصف بعد المعرفة حال، والوصف بعد النكرة نعت؛ أي: صفة.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
١ - تأكيد فضل الله على عباده، حيث كرر قوله:
стр. 244
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ لأن التوكيد تزداد به الطمأنينة، ويزداد به معرفة قدر فضل الله .
٢ - علم الله سبحانه بما في القلوب، لقوله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾؛ لأن الإرادة محلها القلب، ومع ذلك أخبرنا الله تعالى عنهم، فهو عالم بما في قلوب أهل الخير وأهل الشر، كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦].
٣ - الحذر من الذين يتبعون الشهوات؛ لأنهم يريدون منا أن نميل ميلًا عظيمًا، والشهوات قد تكون شهوة بطن وفرج، وقد تكون شهوة فكر وقلب، وكلا الأمرين مراد هنا.
٤ - الحذر من أهل البدع؛ لأن أهل البدع ينقسمون إلى قسمين: قسم عندهم شبهات، وقسم عندهم شهوات، فالجاهل منهم عنده شبهات حتى يلتبس عليه الحق بالباطل، والعالم منهم عنده شهوات، فهو يريد ما لا يريد الله ورسوله، ففي الآية التحذير من هؤلاء وهؤلاء.
٥ - الإشارة إلى انحطاط مرتبة الذين يتبعون الشهوات، حيث جعلهم الله أتباعًا تقودهم الشهوات، ومن الذل أن يكون الإنسان تابعًا للشهوات، لأن العزة أن يكون الإنسان متبوعًا، فإذا كان تابعًا فمعناه أن شهواته ملكته حتى صار تابعًا، وكأنه مجبر على ذلك.
٦ - أن إرادة المتبعين للشهوات بنا لا تقتصر على أدنى ميل، وتؤخذ من قوله: ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾، فإذا كان كذلك فإننا إذا ملنا قليلًا تابعوا حتى نميل ميلًا عظيمًا، نسأل الله السلامة! !
стр. 245
٧ - أن الله سبحانه يريد التخفيف على العباد بالإرادة الشرعية.
٨ - أن اليسر إلى الله أحب إليه من العسر، لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
٩ - الحث على اتباع رخص الله؛ لأن الرخص من التيسير، وقد أيد ذلك ما جاء في الحديث: "إن الله سبحانه يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه" (١).
١٠ - أنه إذا تعارضت الأدلة عند المستدل بين التيسير والتعسير، فالأولى أن يؤخذ بالتيسير؛ لأن هذا هو مراد الله .
١١ - الإشارة إلى العلة بإرادة التخفيف على العباد، وهي قوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.
١٢ - أن الإنسان ينبغي له إذا شمخت به نفسه وعلا أنفه أن يذكر حقيقة نفسه، وهي الضعف، حتى لا يطغى أو يزيد، لقوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.
١٣ - حذف الفاعل إذا علم، لقوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ﴾، فإن الخالق هو الله ، وذلك معلوم بالضرورة.
١٤ - أن ما كان مكروهًا للعبد فإن الله يعبر عنه بالبناء للمفعول: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ﴾ ولم يقل: خلق الله، مع أن ذكر الله وارد في الجملة التي قبلها.
стр. 246
ويؤيد هذا قول الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ [الجن: ١٠].
ويؤيده أيضًا ما في سورة الفاتحة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فأضاف النعمة إلى الله، وقال في الغضب: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، ولم يقل: الذين غضبت عليهم، مع أن أول من غضب عليهم هو الله .
* * *
* قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾: النداء - كما سبق - يدل على العناية بما جاء في الخطاب، ووجه ذلك: أن النداء تنبيه للمنادى، فإنه يُفرَّق بين أن يأتي الخطاب مرسلًا وبين أن يأتي مصدرًا بالنداء.
وتوجيه النداء إلى المؤمنين بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يفيد الإغراء بالتزام هذا الخطاب أو بالتزام مدلول هذا الخطاب، ووجه ذلك: أن وصف الإنسان بالإيمان يحمله على الإمتثال، ويفيد أيضًا أن امتثال هذا الشيء من مقتضيات الإيمان، ويفيد أيضًا أن مخالفة ذلك نقص في الإيمان.
فقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا النداء يجب علينا أن نعتني به وأن ننتظر ما سيوجهنا الله إليه، كما جاء عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "إذا قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 247
﴿آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه" (١).
وهنا جاء النهي: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، فإن ﴿لَا﴾ هنا ناهية، فجزم الفعل بعدها بحذف النون.
وقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ أي: ما تتمولونه من قليل أو كثير، من عروض أو نقود، من ديون أو أعيان، فهي عامة لكل الأموال.
وقوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي: في التعامل؛ لأن أكل المال لا بد أن يكون بين اثنين فصاعدًا، أما إذا كان من واحد فهذا قد أكل مال نفسه.
قوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الباطل في اللغة: الضائع سدى، والهالك الذي ليس فيه خير.
والمراد بالباطل هنا ما خالف الشرع؛ لأن الشرع حق وما خالفه باطل، والمعنى على هذا: لا تأكلوا أموالكم بينكم على وجه يخالف الشرع، مثل الربا والغش والكذب والتدليس، وما أشبه ذلك.
قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ﴾، إلا: أداة استثناء، لكن المراد بها الإستدراك، يعني: لكن إن كانت تجارة بينكم عن تراض منكم فهذا لا بأس به، وإنما قلنا إن الإستثناء منقطع؛ لأن قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ليس من جنس الأكل بالباطل، بل هو أكل بحق، والإستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه.
стр. 248
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ فيها قراءتان سبعيتان "تِجَارَةٌ" بالرفع، و "تِجَارَةً" بالنصب، أما على قراءة الرفع فلا إشكال فيها، والمعنى: إلا أن تحدث تجارة بينكم، وهنا تكون "كان" تامة لا ناقصة، وأما على قراءة النصب فإن "كان" ناقصة، و "تجارة" خبرها، واسمها مستتر، وحينئذ يُشكِل أن يكون الإسم مستترًا، وتقديره "هي" مع أن الأكل من قوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ مذكر، إذ لا يصح أن أقول: إلا أن تكون الأكل تجارة.
ولكن ها هنا فائدة؛ وهي أنه إذا توسط الضمير أو اسم الإشارة بين شيئين الأول مذكر والثاني مؤنث أو بالعكس، فإنه يجوز مراعاة الأول أو الثاني، فجاز أن يُذَكِّر باعتبار مرجعه السابق، وأن يؤنث باعتبار مرجعه اللاحق، فهنا أُنثَ باعتبار مرجعه اللاحق، يعني: إلا أن تكون التجارة التي تأكلون بها الأموال تجارة عن تراض منكم.
والتجارة: هي التبادل بين الناس من أجل الربح، ومنه قول الفقهاء: "عروض التجارة"، أما ما يهدى أو يرهن أو يعار فهذا ليس بتجارة، وكذلك ما اشتري لدفع الحاجة كشراء الخبز للأكل، فهذا ليس بتجارة؛ لأن الإنسان لا يقصد به الربح.
وحينئذ يبقى في مدلول الآية إشكال: وهو أنه إذا كانت المعاملات بغير قصد التجارة أكثر من التجارة، فلماذا لم يذكرها؟
فقيل: إنها لم تذكر لأن الغالب في تعامل الناس هو التجارة، وهي التي يقع فيها المشاحة، وأما غيرها: فالإهداء يصدر عن طيب نفس من المهدي، وكذلك العارية، وكذلك
стр. 249
الرهن، وما اشتري للحاجة فالغالب أنه لا يحصل فيه تشاحن؛ لأن الإنسان يقصد به دفع الحاجة لا حصول الربح، فلهذا ذكرت التجارة، وإلا فمن المعلوم أن العقود التي تقع عن تراض أكثر من عقود التجارة.
قوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾:
عن تراض: الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: صادرة عن تراض منكم، أو: حاصلة عن تراض منكم. و ﴿تَرَاضٍ﴾ هنا صيغة تفاعل يتبين بها أن المراد التراضي من الطرفين: الآخذ والمعطي.
وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ يعني: صادر منكم أنتم أيها المتعاملون لا من غيركم، فلو رضي الأب ببيع مال ابنه والإبن لم يرض والملك للإبن، فلا عبرة برضا الأب.
ثم قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: القتل معروف، وهو إزهاق النفس، ولكن قوله: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ هل المراد بذلك نفس القاتل ويكون هذا بمعنى الإنتحار، أو المراد بأنفسكم: إخوانكم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] , فإن الإنسان لا يلمز نفسه إنما يلمز أخاه، فأيهما المراد؟
نقول: الآية شاملة لهذا وهذا، فلا يقصر على من يقتل نفسه ولا على من يقتل غيره.
فإن كان المراد: لا تقتلوا أنفسكم أنتم، فلا إشكال في الآية، وإن كان المراد: لا تقتلوا غيركم، فنقول: عبر عن الغير بالنفس؛ لأن المؤمن مع أخيه كالجسد الواحد، كما ضرب لذلك النبي ﷺ مثلًا: "إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد
стр. 250
بالحمى والسهر" (١).
وأيضًا فالتعبير عن الأخ بالنفس فيه إغراء وحث، يعني: كأنه هو نفسك، ففيه إغراء للإنسان عن تجنب قتل الغير، وحمل له على التحنن على أخيه.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ الجملة تعليل لما قبلها، فهي تعليل للحكمين: أكل الأموال وقتل النفوس.
فالله سبحانه بنا رحيم، ومن رحمته: النهي عن أكل الأموال بيننا بالباطل، والنهي عن قتل أنفسنا، فإن هذا من رحمة الله بنا، وجهه في الأول: أن أكل الأموال بالباطل يؤدي إلى التشاحن والنزاع، وربما يؤدي إلى الصدام المسلح. وقتل النفس واضح.
وقوله: ﴿بِكُمْ﴾ الخطاب يعود إلى المؤمنين؛ لأنه يخاطب المؤمنين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
ولم يرد في القرآن إضافة الرحمة إلى الله تعالى منسوبة إلى الكافرين، فالرحمة التي اتصف الله بها إما أنها ذكرت في القرآن على سبيل العموم، أو على سبيل الخصوص بالمؤمنين، أما على سبيل الخصوص بالكافرين فلم ترد.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - العناية بحفظ الأموال، وعدم العدوان، لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.