ويؤيد هذا قول الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ [الجن: ١٠].
ويؤيده أيضًا ما في سورة الفاتحة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فأضاف النعمة إلى الله، وقال في الغضب: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، ولم يقل: الذين غضبت عليهم، مع أن أول من غضب عليهم هو الله .
* * *
* قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾: النداء - كما سبق - يدل على العناية بما جاء في الخطاب، ووجه ذلك: أن النداء تنبيه للمنادى، فإنه يُفرَّق بين أن يأتي الخطاب مرسلًا وبين أن يأتي مصدرًا بالنداء.
وتوجيه النداء إلى المؤمنين بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يفيد الإغراء بالتزام هذا الخطاب أو بالتزام مدلول هذا الخطاب، ووجه ذلك: أن وصف الإنسان بالإيمان يحمله على الإمتثال، ويفيد أيضًا أن امتثال هذا الشيء من مقتضيات الإيمان، ويفيد أيضًا أن مخالفة ذلك نقص في الإيمان.
فقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا النداء يجب علينا أن نعتني به وأن ننتظر ما سيوجهنا الله إليه، كما جاء عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "إذا قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 247
﴿آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه" (١).
وهنا جاء النهي: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، فإن ﴿لَا﴾ هنا ناهية، فجزم الفعل بعدها بحذف النون.
وقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ أي: ما تتمولونه من قليل أو كثير، من عروض أو نقود، من ديون أو أعيان، فهي عامة لكل الأموال.
وقوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي: في التعامل؛ لأن أكل المال لا بد أن يكون بين اثنين فصاعدًا، أما إذا كان من واحد فهذا قد أكل مال نفسه.
قوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الباطل في اللغة: الضائع سدى، والهالك الذي ليس فيه خير.
والمراد بالباطل هنا ما خالف الشرع؛ لأن الشرع حق وما خالفه باطل، والمعنى على هذا: لا تأكلوا أموالكم بينكم على وجه يخالف الشرع، مثل الربا والغش والكذب والتدليس، وما أشبه ذلك.
قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ﴾، إلا: أداة استثناء، لكن المراد بها الإستدراك، يعني: لكن إن كانت تجارة بينكم عن تراض منكم فهذا لا بأس به، وإنما قلنا إن الإستثناء منقطع؛ لأن قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ليس من جنس الأكل بالباطل، بل هو أكل بحق، والإستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه.
стр. 248
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ فيها قراءتان سبعيتان "تِجَارَةٌ" بالرفع، و "تِجَارَةً" بالنصب، أما على قراءة الرفع فلا إشكال فيها، والمعنى: إلا أن تحدث تجارة بينكم، وهنا تكون "كان" تامة لا ناقصة، وأما على قراءة النصب فإن "كان" ناقصة، و "تجارة" خبرها، واسمها مستتر، وحينئذ يُشكِل أن يكون الإسم مستترًا، وتقديره "هي" مع أن الأكل من قوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ مذكر، إذ لا يصح أن أقول: إلا أن تكون الأكل تجارة.
ولكن ها هنا فائدة؛ وهي أنه إذا توسط الضمير أو اسم الإشارة بين شيئين الأول مذكر والثاني مؤنث أو بالعكس، فإنه يجوز مراعاة الأول أو الثاني، فجاز أن يُذَكِّر باعتبار مرجعه السابق، وأن يؤنث باعتبار مرجعه اللاحق، فهنا أُنثَ باعتبار مرجعه اللاحق، يعني: إلا أن تكون التجارة التي تأكلون بها الأموال تجارة عن تراض منكم.
والتجارة: هي التبادل بين الناس من أجل الربح، ومنه قول الفقهاء: "عروض التجارة"، أما ما يهدى أو يرهن أو يعار فهذا ليس بتجارة، وكذلك ما اشتري لدفع الحاجة كشراء الخبز للأكل، فهذا ليس بتجارة؛ لأن الإنسان لا يقصد به الربح.
وحينئذ يبقى في مدلول الآية إشكال: وهو أنه إذا كانت المعاملات بغير قصد التجارة أكثر من التجارة، فلماذا لم يذكرها؟
فقيل: إنها لم تذكر لأن الغالب في تعامل الناس هو التجارة، وهي التي يقع فيها المشاحة، وأما غيرها: فالإهداء يصدر عن طيب نفس من المهدي، وكذلك العارية، وكذلك
стр. 249
الرهن، وما اشتري للحاجة فالغالب أنه لا يحصل فيه تشاحن؛ لأن الإنسان يقصد به دفع الحاجة لا حصول الربح، فلهذا ذكرت التجارة، وإلا فمن المعلوم أن العقود التي تقع عن تراض أكثر من عقود التجارة.
قوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾:
عن تراض: الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: صادرة عن تراض منكم، أو: حاصلة عن تراض منكم. و ﴿تَرَاضٍ﴾ هنا صيغة تفاعل يتبين بها أن المراد التراضي من الطرفين: الآخذ والمعطي.
وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ يعني: صادر منكم أنتم أيها المتعاملون لا من غيركم، فلو رضي الأب ببيع مال ابنه والإبن لم يرض والملك للإبن، فلا عبرة برضا الأب.
ثم قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: القتل معروف، وهو إزهاق النفس، ولكن قوله: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ هل المراد بذلك نفس القاتل ويكون هذا بمعنى الإنتحار، أو المراد بأنفسكم: إخوانكم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] , فإن الإنسان لا يلمز نفسه إنما يلمز أخاه، فأيهما المراد؟
نقول: الآية شاملة لهذا وهذا، فلا يقصر على من يقتل نفسه ولا على من يقتل غيره.
فإن كان المراد: لا تقتلوا أنفسكم أنتم، فلا إشكال في الآية، وإن كان المراد: لا تقتلوا غيركم، فنقول: عبر عن الغير بالنفس؛ لأن المؤمن مع أخيه كالجسد الواحد، كما ضرب لذلك النبي ﷺ مثلًا: "إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد
стр. 250
بالحمى والسهر" (١).
وأيضًا فالتعبير عن الأخ بالنفس فيه إغراء وحث، يعني: كأنه هو نفسك، ففيه إغراء للإنسان عن تجنب قتل الغير، وحمل له على التحنن على أخيه.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ الجملة تعليل لما قبلها، فهي تعليل للحكمين: أكل الأموال وقتل النفوس.
فالله سبحانه بنا رحيم، ومن رحمته: النهي عن أكل الأموال بيننا بالباطل، والنهي عن قتل أنفسنا، فإن هذا من رحمة الله بنا، وجهه في الأول: أن أكل الأموال بالباطل يؤدي إلى التشاحن والنزاع، وربما يؤدي إلى الصدام المسلح. وقتل النفس واضح.
وقوله: ﴿بِكُمْ﴾ الخطاب يعود إلى المؤمنين؛ لأنه يخاطب المؤمنين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
ولم يرد في القرآن إضافة الرحمة إلى الله تعالى منسوبة إلى الكافرين، فالرحمة التي اتصف الله بها إما أنها ذكرت في القرآن على سبيل العموم، أو على سبيل الخصوص بالمؤمنين، أما على سبيل الخصوص بالكافرين فلم ترد.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - العناية بحفظ الأموال، وعدم العدوان، لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
стр. 251
٢ - تحريم أخذ مال الإنسان بغير رضا منه، لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.
٣ - تحريم التعامل المحرم ولو كان برضا من الطرفين؛ لأن التعامل المحرم أكل للمال بالباطل، وعلى هذا فلو تراضى الطرفان على تعامل ربوي فإن ذلك محرم.
٤ - أن من مقتضى الإيمان تجنب أكل المال بالباطل؛ لأنه وجه الخطاب إلى المؤمنين.
٥ - اشتراط الرضا في عقود المعاملات، لقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.
والرضا إذا كان سابقًا على العقد فلا إشكال في جواز العقد وصحته، ولكن إذا كان لاحقًا فهل ينفذ العقد أم لا؟ وذلك فيما يسمى عند أهل العلم بالتصرف الفضولي، مثاله: لو باع مال شخص بدون إذنه ورضاه، ولكن أذن فيما بعد ورضي؛ فهل يقع العقد السابق صحيحًا أو باطلًا؟
إذا نظرنا إلى عموم قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ قلنا: إنه يكون صحيحًا؛ لأن هذه التجارة صار مآلها إلى التراضي، وهذا القول هو الراجح؛ أي: أن تصرف الفضولي إذا أذن فيه صاحب المال فإنه جائز نافذ؛ وذلك لأن عموم قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ يدخل فيه هذه الصورة.
ولكن قال بعض أهل العلم: لا يصح مطلقًا، سواء أذن أو لم يأذن، وسواء تصرف في ذمته أو في عين المال، وسواء كان في الشراء أو في البيع.
وبعض العلماء فصّل وفرق بين الشراء وبين البيع فقال: إذا
стр. 252
اشترى له في ذمته ولم يسمه في العقد ثم رضي فلا بأس، وإلا فلا.
ولكن القول الراجح، أنه متى رضي ولو بعد العقد، فإنه يقع العقد صحيحًا.
٦ - تحريم قتل الإنسان نفسه، لقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
وعلى التفسير الثاني:
٧ - أن المؤمنين كنفس واحدة، وأن قتل الإنسان غيره كقتل نفسه.
٨ - أن الله أرحم بالإنسان من نفسه؛ لأنه نهاه أن يقتل نفسه، فصار أرحم به من نفسه.
٩ - إثبات صفة الرحمة لله، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، والرحمة عند السلف صفة حقيقية ثابتة لله ، وأنكرها المعطلة إنكار تأويل لا إنكار تكذيب؛ أي: لم يقولوا إن الله ليس له رحمة، بل قالوا: إن المراد برحمته كذا وكذا، متعللين بأن الرحمة فيها شيء من الرقة واللين، والله لا يوصف بهذا.
ويفسرون الرحمة بإرادة الإنعام والإحسان, أو بالإحسان، أما أن تكون هناك رحمة بها يريد الإحسان فيحسن، وهذا لا يجوز. ولا شك أنهم بذلك التفسير خالفوا ظاهر القرآن وإجماع السلف.
وقد يقول قائل: أين إجماع السلف؟
فنقول: إن القرآن نزل باللغة العربية، وفهموه على مقتضى
стр. 253
اللغة العربية، فإذا أثبت الله لنفسه الرحمة أثبتوا له الرحمة لأن هذا هو الأصل.
ونقول لمن قال إنه لا إجماع: ائت بحرف واحد عن السلف أنهم يفسرون الرحمة بغير ظاهر القرآن، وهذه فائدة مهمة تندفع بها شبهة من شَبَّه ولَبَّس وقال: أين إجماع السلف؟
فنقول: كان القرآن بين أيديهم، ولم يفسروه بخلاف ظاهره، والأصل أنهم فهموه على ظاهره بمقتضى اللسان العربي.
ثم نقول لهم: أنتم تفسرونه بالإرادة فرارًا من مشابهة المخلوق بزعمكم، والمخلوق له إرادة, قال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] , ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] , وفي الحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (١)، ولا أحد يشك في أن المخلوق له إرادة.
فإذا قالوا: إرادة المخلوق تليق به وإرادة الخالق تليق به، قلنا لهم: ورحمة الخالق تليق به ورحمة المخلوق تليق به.
وكذلك إذا فسرتم الرحمة بالإنعام الذي هو مخلوق، أو بالنعمة التي هي مخلوقة. قلنا: النعمة لا تكون إلا بإرادة، والإرادة لا تكون إلا برحمة، فمن لم يرحم لم يرد النعمة ولم ينعم، وبهذا تبين بطلان تحريفهم، ونسميه تحريفًا لا تأويلًا على كل تقدير.
стр. 254
وتحريف القرآن والسنة فيما يتعلق بصفات الله، أعظم منه فيما يتعلق بالأحكام التكليفية المتعلقة بأفعال العبيد.
لأن الأول لا مجال للعقل فيه، فالواجب إجراؤه على ظاهره، أما الثاني فهي أحكام تكليفية للعقل فيها مجال بالقياس مثلًا، فيكون التحريف فيها أهون، وتجد هؤلاء المعطلة ينكرون أشد الإنكار على من حرف النصوص فيما يتعلق بفعل المكلف، ولا ينكرون على أنفسهم تحريف النصوص فيما يتعلق بصفات الرب .
١٠ - جواز التجارة والإتجار؛ لأن الله أقر ذلك في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾، وظاهر الآية العموم، وأن الإتجار جائز لذوي الجاه والشرف، وللسوقة من الناس، ولمن دونهم، فلا عيب على الإنسان أن يتجر ويطلب الرزق، ولهذا وجه الله الأمر للمؤمنين بالسعي إلى الجمعة عند ندائها، ثم قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة: ١٠] , فأمرنا بطلب الرزق بعد الإنصراف من الجمعة، وذكرنا أن لا ننسى ذكر الله، فقال: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ﴾ [الجمعة: ١٠].
على كل حال: التجارة جائزة ولا عيب على الإنسان فيها، ويذكر في التاريخ أن أبا بكر ﵁ لما ولي على المسلمين خليفة نزل إلى السوق يبيع ويشتري، فقالوا له: كيف تبيع وتشتري وأنت خليفة مسئول؟ قال: لا بد من ذلك، فضربوا له نصيبًا معينًا من بيت المال بقدر كفايته ﵁.
والتجارة المذمومة هي ما صدت عن ذكر الله، ولهذا
стр. 255
امتدح الله الرجال الذين ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٧] , قال بعض أهل العلم: والتجارة التي يقصد بها التكثر من الدنيا هي أيضًا مذمومة؛ لأن الغالب أن من كانت هذه نيته أن تصده التجارة عن ذكر الله، فإذا رأيت من نفسك جشعًا وطمعًا وشحًا في التجارة فأمسك؛ لأنه يخشى أن يكون ذلك على حساب الدين.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ [النساء: ٣٠].
الإعراب في هذه الآية "مَن" شرطية، وفعل الشرط ﴿يَفْعَلْ﴾ وجوابه ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ وارتبطت جملة الجواب بالفاء لوجود ما يقتضي ذلك، وهو"سَوْفَ"، والجواب الذي يحتاج إلى ربط بالفاء مجموع في قول الشاعر:
اسمية طلبية وبجامد ... وبما وقد وبلن والتنفيس
وسوف تدخل في قوله: "وبالتنفيس".
قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما ذكر في الآية السابقة فقط، خلافًا لبعض العلماء الذين قالوا: إن قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: كل ما نهي عنه من أول السورة، فإن هذا لا وجه له، بل نقول: الإشارة تعود إلى أقرب مذكور؛ أي: من يأكل الأموال بالباطل إلا ما استثني، ومن يقتل النفس عدوانًا وظلمًا.
﴿عُدْوَانًا﴾ أي: اعتداءً، بأن يفعله عن قصد.
﴿وَظُلْمًا﴾ قيل: إنها من باب عطف المرادف على مرادفه؛ لأن الظلم عدوان والعدوان ظلم.
стр. 256
وقيل: بل بينهما فرق؛ فالعدوان ما فعل عن قصد، والظلم يعود إلى نفس الفاعل، فهو إذا خالف أو فعل ما ذكر من المناهي فقد اعتدى على غيره فأكل ماله، واعتدى على غيره فقتله، وظلم نفسه، فيكون عدوانًا باعتبار الغير، وظلمًا باعتبار النفس. والثاني أصح لا شك؛ لأن حمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على الترادف؛ لأنك إذا جعلتهما مترادفتين صار ذلك تكرارًا، لكن إذا قلت هذه لها معنى وهذه لها معنى فإذا هو الأصل.
وعليه فنقول: ﴿عُدْوَانًا﴾ أي: عن عمد وقصد، وهو عدوان على الغير، ﴿وَظُلْمًا﴾ أي: للنفس؛ لأن جميع المعاصي ظلم للنفس.
قوله: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ أي: ندخله نارًا يصلاها تحرقه، والفعل "نصلي" نصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فيكون من باب كسى وأعطى.
قوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ المشار إليه إدخاله النار التي يصلاها. كان ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أي: سهلًا؛ لأنه لا يمانعه أحدٌ في ملكه، فالتعذيب بالنار قد يصعب على بعض ملوك الدنيا مثلًا، لكنه على الله يسير سهل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
من فوائد الآية الكريمة:
١ - التحذير من فعل هذه المنهيات؛ وذلك بالوعيد عليها بالنار.
٢ - أن فعل هذه المنهيات من كبائر الذنوب؛ لأنه توعد عليه بالنار، وكل ذنب توعد عليه بالنار فهو من كبائر الذنوب.
стр. 257
٣ - بيان عظمة الله وتمام سلطانه وقدرته، لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
٤ - تعظيم الله نفسه، لقوله: ﴿نُصْلِيهِ نَارًا﴾؛ لأن الضمير هنا تقديره "نحن"، وهو ضمير العظمة، وليس من المتشابه إلا على من طمس الله قلبه؛ كالنصراني الذي يقول: إن ضمير الجمع يدل على التعدد، وينسى الآيات المحكمات الدالة على أن الله إله واحد؛ لأن الله تعالى طمس على قلبه، ومن طمس الله على قلبه فإنه لا يتبين له الحق.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١].
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ هنا عدول عن الغيبة إلى الخطاب، فالغيبة: في قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾ [النساء: ٣٠] وأما ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ فهذا للخطاب.
يخاطب الله سبحانه العباد بقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ أي: تبتعدوا عن كبائر ما تنهون، وقوله ﴿كَبَائِرَ﴾: جمع كبيرة.
قوله: ﴿مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ النهي: هو طلب الكف على وجه الإستعلاء؛ أي: ما ينهاكم الله عنه.
قوله: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
﴿نُكَفِّرْ﴾: مأخوذ من الكَفْر، وهو الستر، فالتكفير إذًا معناه ستر السيئات، وذلك بالعفو عنها.
وقوله : ﴿سَيِّئَاتِكُمْ﴾ جمع سيئة، والمراد بها هنا الصغيرة، والدليل على أن المراد بها الصغيرة أنها جاءت في
стр. 258
مقابلة الكبائر في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، وإلا فالأصل أن السيئة عامة للكبيرة وللصغيرة.
ومن بلاغة القرآن أن يعرف معنى الكلمة بذكر ما يقابلها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] , فمعنى ثبات: فرادى، والدليل أنه قوبل بقوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، مع أنك لو ذهبت تراجعها في القاموس أو غيره من كتب اللغة لأخذت وقتًا، لكن إذا عرفت أن الله يذكر الشيء وما يقابله كما في هذه الآية، عرفت أن المراد بالثبات الفرادى.
وقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾: المدخل الكريم هو الجنة؛ لأنها دار الكرم، ودار الفضل، ودار الإحسان, ودار السلام، وهنا قال: "مُدْخَلًا" ولم يقل "مَدْخَلًا" لأنه من الرباعي، واسم المكان أو الزمان والمصدر الميمي إذا كان من الرباعي فهو على وزن "مُفْعل" لا على وزن "مَفْعل"، ولهذا تقول: أقام الرجل عندنا مُقامًا، وتقول قام الرجل فينا مَقامًا؛ لأنه من الثلاثي، وعلى هذا كان قوله: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا﴾ بضم الميم لأنه من الرباعي: أدخل يُدخِل أي: ندخلكم في مكان دخول كريم، بناءً على أن "مُدخل" هنا اسم مكان، ويجوز أن تكون مصدرًا ميميًا؛ أي: ندخلكم إدخالًا كريمًا، ويجوز أن يراد بها هذا وهذا؛ أي: أن الكرم وصف للإدخال ولمكان الدخول.
فإذا قال قائل: ما هي الكبائر؟
قلنا: الكبائر جمع كبيرة، وقد جاءت الأحاديث بعدِّها بثلاث، وأربع، وسبع، وتسع، وتفاوتت الأحاديث في هذا، ففي
стр. 259
حديث أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " قلنا: بلى يا رسول الله! قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين"، وكان متكئًا فجلس، وقال: "ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور" (١)، وورد عنه أيضًا: "اجتنبوا السبع الموبقات" (٢) وعدها، وسئل عن الكبائر فقال: "تسع .. " (٣) وعدها.
ومن ثم اختلف العلماء، فمنهم من قال: ما نص أنه من الكبائر فهو كبيرة، وما لا فهو صغيرة.
وقد سئل ابن عباس ﵄ عن الكبائر هل هي سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع (٤)، وفي رواية أخرى قال: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع، ولكن لا كبيرة مع الإستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.
وقال الإِمام أحمد ﵀: الكبيرة محدودة لا معدودة، فما كان فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو كبيرة، وما لا فلا، فالزنا مثلًا كبيرة .. والسرقة كبيرة .. والقذف كبيرة، "ومن
стр. 260
جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه" (١)، فهو كبيرة.
قال ابن عبد القوي ﵀ في منظومته الدالية التي تقع في نحو أربعة عشر ألف بيت في الفقه:
فما فيه حد في الدنا أو توعد ... بأخرى فسمِّ بكبرى على نص أحمد
الدنا: أي الدنيا، سم: سمِّه أو أعلمه؛ لأنه يجوز أن تكون من السمة والعلامة؛ أي: صفه بأنه من كبائر الذنوب على نص أحمد.
ثم قال ﵀:
وزاد حفيد المجد أو جَاْ وعيدُه ... بنفيٍ لإيمانٍ ولعنٍ مؤبد
وحفيد المجد: هو شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀.
أو جا وعيده بنفي لإيمان: أي مثل: لا يؤمن من فعل كذا وكذا، ليس منا من فعل كذا وكذا.
ولعن مؤبد: هو ما ذكر فيه اللعن مثل: "لعن الله من لعن والديه" (٢)، وأشباه ذلك، فزاد ثنتين مع الثنتين الأوليين فتكون أربعًا.
ولشيخ الإِسلام ﵀ كلام آخر قال فيه: ما رتب عليه عقوبة خاصة دينية أو دنيوية فهو من كبائر الذنوب، وما كان فيه مجرد التحريم أو مجرد النهي فهو من الصغائر، ووجه ذلك: أن تخصيص الذنب بالعقوبة يدل على عظمه، وإلا لاكتفى بالعقوبات العامة على الذنوب، فكونه ينص على عقوبة خاصة فيه يدل على عظمه.
стр. 261
وهذا الضابط الذي ذكره شيخ الإِسلام ﵀ ضابط لا بأس به، لكنه سوف يدخل فيه ذنوب كثيرة، ولكننا لم نجد فارقًا يفرق بين الصغائر والكبائر إلا بمثل ذلك، فإذا رتبت عقوبة خاصة دنيوية أو دينية أو أخروية على ذنب فهو كبيرة.
فالدينية: مثل أن يقال: "والله لا يؤمن .. من لا يأمن جاره بوائقه" (١) فهذه دينية بنفي الإيمان.
والدنيوية: كالحد.
والأخروية: كالوعيد: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم" (٢)، وهذا تعريف للكبيرة بالحد.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن ما نهي عنه ينقسم إلى كبائر وصغائر، لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
٢ - تفاضل الناس في الإيمان, وجهه: أن الإيمان يزداد بزيادة العمل كمية أو كيفية أو نوعًا، وهنا قسم الله المعاصي إلى قسمين، وكلما كان الإنسان في معصية أشد كان إيمانه أنقص وأقل، فيؤخذ منه أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل السنة، بدليل الكتاب والسنة والواقع.
стр. 262
قال الله ﵎: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] وقال الله تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] , وفي الآيتين دليل على النقص؛ لأنه لا تتصور زيادة إلا بما نقص دون عنها.
وفي السنة قال النبي ﷺ : "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" (١) - يعني النساء -.
وأما الواقع فظاهر، أن الأعمال عند أهل السنة من الإيمان والأعمال تتفاضل بالزيادة، فمن صلى عشر ركعات لا يساويه من صلى ست ركعات، وهذا ظاهر محسوس.
كذلك أيضًا في القلب: فالإيمان يزيد وينقص في القلب، دليل ذلك أن إبراهيم ﵇ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] أي: ليزيد ثباتًا وإيمانًا.
وأنت بنفسك تحس أن إيمانك بالشيء يزداد في القلب، فإذا جاءك مخبر بخبر وهو عندك ثقة آمنت بخبره، فإذا جاء آخر مثله وأخبرك بنفس الخبر ازداد إيمانك بلا شك، ولو أخبرك بعكسه ضعف إيمانك الأول الذي أخبرك به الثقة، وهذا الشيء مشاهد.
كذلك أيضًا بالنسبة لمراقبة الله ، يجد الإنسان من نفسه أحيانًا أن قلبه حاضر بين يدي ربه، وأنه في أحلى ما يكون
стр. 263
وألذ ما يكون، وأنه قد ذاق طعم الإيمان, حتى يتمنى أنه لا يكون إلا في هذا السرور، ولا يريد لا دنيا ولا آخرة، فلا يرى أحسن ولا أطيب من الساعة التي هو فيها، سواء كان في صلاة، أو في قراءة قرآن، أو في تدبر سيرة النبي ﵊.
وأحيانًا تستولي عليه الغفلة، فيصلي بنفس القراءة التي قرأها بالأمس ولكن كأن قلبه حجر ما يلين، والوقت هو الوقت، والمكان هو المكان، والعمل هو العمل.
يصلي الإنسان في آخر الليل مثلًا، ليلة يجد لذة عظيمة في الصلاة، وهو يحس أنه قريب من الله ، وليلة أخرى بالعكس فلا يذوق معنى من المعاني، فالإيمان بالأمس، أشد بكثير من الإيمان اليوم، حتى الصحابة قالوا: يا رسول الله! إذا كنا عندك وسمعنا - يعني: ما يقول - كأننا نرى رأي العين، ولكن إذا ذهبنا وعافسنا الأهل والأولاد نسينا، فقال: "لو كنتم على ما تكونون عليه عندي لصافحتكم الملائكة، ولكن ساعة وساعة" (١).
إذًا: فالإيمان يزيد حسًا بلا شك، ولكن الطاعة لا شك أنها تزيد في الإيمان, بشرط أن تكون مصحوبة بعمل القلب، أما عمل الجوارح إذا لم يكن مصحوبًا بعمل القلب فإنه لا يزيد في الإيمان, وربما ينقص الإيمان والعياذ بالله؛ لأنه يصبح عبثًا، لكن إذا كانت أعمال الجوارح مصحوبة بعمل القلب، من الخوف والرغبة واحتساب الثواب، فإنه بلا شك يزداد قلبه بالطاعة، لهذا يجب النظر في هذه المسألة.
стр. 264
والذين قالوا إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: المرجئة، قالوا: لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الأعمال الصالحة وغير الصالحة لا دخل لها في الإيمان, فالناس عندهم في الإيمان شيء واحد كالمشط، كما قال ابن القيم ﵀ في النونية:
والناس في الإيمان شيء واحد ... كالمشط عند تماثل الأسنان
فالناس عندهم سواء.
فالإيمان عندهم مجرد التصديق والإقرار، حتى الشيطان عندهم مؤمن؛ لأنه مصدق، ولهذا قال ابن القيم ﵀:
واسأل أبا الجن اللعين أتعرف الـ ... خلاق أم أصبحت ذا نكران
وأبو الجن اللعين يعرف الخلاق ويدعوه، يقول: رب أنظرني، ومع ذلك هو أكفر خلق الله.
الطائفة الثانية: الخوارج، وما أدراك ما الخوارج؟ أصحاب الأعمال الظاهرة وخراب القلوب الباطنة، الخوارج تقول: إذا فعل الإنسان كبيرة خرج من الإيمان, وأبيح دمه وماله؛ لأنه كافر مرتد، فعندهم أن الإيمان لا يزيد، فإما أن يوجد كله وإما أن يعدم كله، إن سلم الإنسان من الكبائر والإصرار على الصغائر وقام بالواجبات والمفروضات فمعه الإيمان كله، وإن أتى كبيرة واحدة انهدم الإيمان كله.
الطائفة الثالثة: المعتزلة، أشبهوا الخوارج من جهة أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لكنهم لا يقولون بكفر فاعل الكبيرة، فهم يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فإما مؤمن كامل وإلا ليس بمؤمن ولا كافر.
стр. 265
ففاعل الكبيرة عندهم ليس بمؤمنٍ ولا كافر؛ لأنهم نظروا بعين عوراء، فنظروا إلى أن معه أصل الإيمان فقالوا: ذهب عنه الإيمان بالكبيرة، ولكنه بقي معه أصل الإيمان, فلا نقول إنه كافر ولا نقول إنه مؤمن، بل نقول إنه في منزلة بين منزلتين.
والمنزلة ليس لها ذكر في القرآن والسنة، وهم الذين أحدثوها، قالوا: كما لو خرج رجل من مكة متجهًا إلى المدينة ووقف في أثناء الطريق، فليس من أهل مكة ولا المدينة، وهو في منزلة بين منزلتين، لكن اتفقوا مع الخوارج في أنه يكون مخلدًا في النار، فأحكامه في الآخرة كأحكامه عند الخوارج.
أما أهل السنة والجماعة - نسأل الله أن يثبتنا جميعًا على قولهم إلى الممات - فقالوا: الإيمان يزيد وينقص، والكفر درجات، والإنسان قد يكون معه خصال إيمان وخصال كفر، ولا يخرج فاعل الكبيرة من الإيمان, فلا نعطيه الإسم المطلق ولا نسلبه مطلق الإسم، بل نقول: معه إيمان ناقص، أو: هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وهذا هو العدل والميزان, أن يوصف الإنسان بما يقتضيه عمله من إيمان أو كفر.
٣ - أن الصغائر تقع مكفرة باجتناب الكبائر؛ لقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾؛ أي: فإن لم يجتنب الكبائر أخذ بالصغائر؛ لكن الكبائر والصغائر تحت المشيئة ما لم تكن كفرًا.
فالفائدة من قولهم يؤخذ بها أنه إذا اجتنب الكبائر جزمنا بأن الله كفر عنه الصغائر، وإذا لم يجتنب الكبائر فهو تحت المشيئة والخطر.
стр. 266
٤ - إثبات عظمة الله لقوله: ﴿نُكَفِّرْ﴾ ﴿وَنُدْخِلْكُمْ﴾؛ لأن النون هنا للتعظيم، وقد قال النصراني الخبيث إن هذا يدل على تعدد الآلهة؛ لأن الضمير هنا للجمع، فنحن أحق بالحق منكم أيها الموحدون. فنقول له: إن هذا من باب التعظيم، وأنت قد طبع الله على قلبك وغفلت عن قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
٥ - سعة فضل الله سبحانه، وذلك بتكفير السيئات باجتناب كبائر الذنوب، وإلا لو جازى الناس بالعدل لعاقبهم على الصغائر وعلى الكبائر كل منها بحسبه، فالكبائر عقوبتها شديدة والصغائر دون ذلك، ولكن من فضله جعل الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر، وهذا من أثر قوله سبحانه كما في الحديث القدسي: "إن رحمتي سبقت غضبي" (١).
٦ - أن من كفر الله عنه السيئات فهو من أهل الجنة لقوله: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.
٧ - بيان أن الجنة هي أعلى ما يكون، بل هي من المداخل الكريمة، والكريم في كل شيء بحسبه، فكرائم الأموال أحاسنها، وكرائم المساكن أحاسنها، قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁: "إياك وكرائم أموالهم" (٢).
* * *
стр. 267
* قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ [النساء: ٣٢].
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾ لا ناهية، وجزم الفعل بها بحذف النون، وقوله: "ما فَضَّل" مفعول تتمنوا، والتمني: هو الطمع فيما يتعسر نيله أو يتعذر نيله، كقول الشاعر:
ألا ليت الشباب يعود يومًا ... فأخبره بما فعل المشيب
فهذا طمع فيما يتعذر نيله، وقول الفقير: يا ليت لي مالًا فأتصدق منه، فإذا طمع فيما يتعسر نيله.
وقد يطلق التمني ويراد به مطلق الرجاء، بأن يطمع الإنسان في أمر يسهل نيله وإن كان لا يحصله، ولكنه يسهل نيله لو شاء الله، فقوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾ أي: لا تطمعوا في أمر فضل الله به بعضكم على بعض.
وقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾ أي: زاد ﴿بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، سواء كان ذلك في العلم، أو في المال، أو في الولد، أو في الجاه، أو في الملك، أو في غير ذلك، فلا تتمن ما فضل الله به غيرك عليك؛ لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
ثم قال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾: وذلك النصيب هو ما يعطيهم الله إياه من الثواب على الأعمال الصالحة.
﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ أبي: من الأعمال الصالحة لهن نصيب، فكلٌ بحسب ما قدر الله له، فللرجال الجهاد، وللنساء حفظ البيوت، وهناك فرق بين الجهاد وحفظ البيوت، لكن الذي
стр. 268
فضل هؤلاء بهذا وهؤلاء بهذا، أو خص هؤلاء بهذا وهؤلاء بهذا، هو الله.
إذًا: ما دام الأمر إلى الله؛ فالله سبحانه حكم عدل، يعطي كل واحد من الجنسين ما يليق به، وسيأتي أيضًا بيان ما فضل الله به الرجال في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤].
فالمهم: أن ما فضل الله به بعض الناس على بعض، سواء بسبب الذكورة، أو بسبب الغنى، أو العلم، أو الصحة، أو المال، أو غير ذلك؛ فهو من فضل الله، وعليك ألا تتمنى ما فضل الله به غيرك عليك.
ثم قال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وفي قراءة: "سلوا الله"، وكلاهما قراءتان سبعيتان.
﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: من الذي فضل بعضكم على بعض اسألوه، وإذا سألتم الله من فضله أعطاكم.
فمثلًا: إذا رأيت شخصًا قد فضلك في المال فلا تتمنى هذا المال الذي أعطاه الله هذا الرجل، ولكن اسأل الله من فضله، وإذا وجدت رجلًا فضلك في العلم فلا تتمن هذا العلم الذي أعطاه الله غيرك، ولكن اسأل الله من فضله ودع علمه وماله يبقى له.
قوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هل السؤال هنا سؤال عطاء أم سؤال علم؟ سؤال العطاء؛ أي: طلب منه أن يعطيه مالًا، كما في قوله تعالى: ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] , وسؤال العلم بمعنى استخبره، فهو: يريد أن يخبره، فهل هذا سؤال مال أو سؤال علم؟
стр. 269
الجواب: هو سؤال عطاء؛ ومنه المال، والمعنى: اسألوا الله أن يعطيكم، وعدلنا عن قولنا سؤال مال لأن الإنسان قد يسأل الله غير المال كالعلم والجاه والذكاء والعقل وما أشبه ذلك.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ هذه الجملة استئنافية، والدليل على أنها استئنافية أن همزة: ﴿إِنَّ﴾ كسرت، وهمزة ﴿إِنَّ﴾ تكسر في الإبتداء، وعلى هذا فهي جملة استئنافية لبيان قطع التمني؛ أي: تمني الإنسان ما فضل الله به غيره عليه، يعني: أن ما فضل الله به الغير فهو صادر عن علم بأن هذا المفضل أهل للتفضيل، فالرجال أهل للجهاد، أهل لحماية الأوطان، أهل لحماية الدين، وما أشبه ذلك، بخلاف النساء فإنهن قاصرات.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - نهي الإنسان أن يتمنى ما فضل الله به غيره عليه، لقوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾، وهل النهي للتحريم؟
الجواب: نعم هو للتحريم؛ لأن هذا النوع من التمني هو الحسد بعينه؛ لأنه قال: ﴿مَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ ولم يقل: مثل ما فضل الله، ولو قال: ولا تتمنوا مثل. لكان في المسألة إشكال، وصار أول الآية يناقض آخرها في قوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، لكن المعنى: لا تتمنوا أن يكون ما فضل الله به الغير لكم ويُحرم إياه الغير، وعلى هذا فنقول: النهي هنا للتحريم، وهذا النوع هو الحسد.
ولكن ينبغي أن يعلم أن تمني ما أعطاه الله الغير ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
стр. 270
القسم الأول: أن يتمنى زواله لغير أحد.
والثاني: أن يتمنى زواله لغيره، لغير المتمني.
والثالث: أن يتمنى زواله لنفسه.
والذي في الآية هنا في قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ﴾ هو الثالث بلا شك، وهو أن يتمنى ما أعطى الله غيره من الفضل، ولكن الأول والثاني معلومان من أدلة أخرى أنه يحرم على الإنسان أن يتمنى زوال نعمة الله على غيره، سواء تمنى أن تزول إلى شخص أو أن تزول مطلقًا، وهذا هو الحسد عند جمهور أهل العلم، وقال شيخ الإِسلام ﵀: إن الحسد كراهة ما أعطى الله هذا الرجل من فضله، سواء تمنى زواله أم لم يتمن زواله، فإذا كرهت ما ينعم الله به على غيرك فإذا هو الحسد.
٢ - حكمة الله سبحانه في العطاء والمنع، حيث يفضل بعضًا على بعض، ولا شك أن هذا صادر عن حكمة وليس مجرد اختيار، خلافًا لمن أنكر حكمة الله، وقال: إن فعله لمجرد الإختيار، بل هو لاختيار صادر عن حكمة.
٣ - إثبات أن الأحكام تدور مع عللها, لقوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾، فنصيب الرجال يليق بهم، ونصيب النساء يليق بهن.
٤ - جواز أن يتمنى الإنسان مثلما فضل الله به غيره عليه، وجهه قوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فنحن لا نقول لك: لا تتمن أن يعطيك الله مثلما أعطى فلانًا، بل نقول: لا بأس، ولكن لا تتمن ما أعطاه الله فلانًا، وبينهما فرق.
стр. 271
٥ - الفرق بين الجنسين: الرجال والنساء، وقد قيل: إن الآية نزلت بسبب قول بعض النساء لما أنزل الله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] فقال بعضهن: يا ليتني كنت ذكرًا حتى يكون لي مثل الذكر ولا أنقص عنه.
وسواء صح هذا السبب أم لم يصح، فإن الآية تدل أن بين الجنسين فرقًا، خلافًا لمن يحاول أن يجعل الجنسين على حكم واحد، بل يحاول أن يفضل النساء على الرجال.
٦ - سعة فضل الله وكرمه، لقوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فهو سبحانه لم يأمرنا بالسؤال إلا ليعطينا؛ لأنه لو أمرنا بالسؤال من غير أن يعطينا لكان هذا عبثًا لا فائدة منه، ولكنه كريم، هو الذي يتعرض لعباده ويقول: اسألوني.
وينبغي في السؤال أن يكون على الأدب المطلوب:
أولًا: أن تسأل الله سبحانه سؤال مفتقر لا سؤال مستغن.
ثانيًا: أن تسأل الله سبحانه سؤال من يثق بربه أنه قادر، لا سؤال تجربة، بل سؤال من يثق بوعد الله وأنه قادر على الإعطاء يعطي السائل ما سأله.
ثالثًا: ينبغي أن يختار الإنسان الأزمان والأماكن والأحوال التي تكون سببًا في الإجابة.
مثال الأزمان: آخر الليل، وما بين الأذان والإقامة.
ومثال الأماكن: أن يكون في الأماكن الفاضلة، ومثال الأحوال: حال السجود، وحال السفر، وحال نزول المطر.
فينبغي أن يختار الإنسان ما يكون أقرب إلى الإجابة.
رابعًا: أن يكون مجتنبًا للحرام؛ لأن أكل الحرام حائل يمنع
стр. 272
من قبول الدعاء؛ لأن النبي ﷺ قال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين" فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] , ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، وملبسم حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك" (١) فقوله: "أنى" هذه استفهام استبعاد؛ أي: بعيد أن يستجاب لهذا الرجل.
خامسًا: أن لا يعتدي في الدعاء، قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥] , فإن اعتدى في الدعاء بأن سأل ما لا يحل له، أو سأل ما يمتنع شرعًا أو قدرًا؛ فإنه لا يجاب.
فلو سأل إثمًا، بأن قال والعياذ بالله: اللهم يسر له امرأة يزني بها، أو كأس خمرٍ يشربه؛ فهذا لا يستجاب له؛ لأنه عدوان واستهزاء بالله ، فهذا لا يحل شرعًا ولا يمكن قبوله لأنه محرمٌ وممتنع شرعًا.
والممتنع قدرًا مثل أن يقول: اللهم اجعلني نبيًا؛ لأن هذا ممتنعٌ قدرًا بخبر الله، لا لأنه مستحيل لذاته، فهو غير مستحيل، لكن بخبر الله صار مستحيلًا لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
كل هذه آداب ينبغي على الإنسان أن يراعيها في الدعاء.
стр. 273
٦ - إثبات عموم علم الله، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
٧ - الإقتناع بما حكم الله به شرعًا أو قدرًا، وذلك لأني إذا علمت أنه صادر عن علم الله اقتنعت، وقلت: لولا أن المصلحة في وجود هذا الشيء ما فعله الله؛ لأن الله سبحانه لا يفعل إلا عن علم، فيزيدني هذا اقتناعًا بما قضاه الله شرعًا أو قدرًا.
٨ - وجوب مراقبة الله؛ لأن العاقل إذا علم أن الله سبحانه يعلمه فسوف يراقب ربه بلسانه وجنانه وأركانه.
بلسانه: بأن لا يقول ما حرم الله. وجنانه: بأن لا يعتقد شيئًا حرمه الله أو يقول شيئًا حرمه الله بالقلب؛ لأن قول القلب هو حركته وعمله، وأركانه جوارحه: لأن الإنسان إذا آمن حقيقة بهذا فسيراقب الله؛ لأن الله يعلمه، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾ [النساء: ٣٣].
لما نهى الله سبحانه عن تمني ما فضل الله به بعضنا على بعض، ومنه تفضيل الرجال على النساء في الميراث، بيَّن أنه جعل لكل ذكر وأنثى موالي.
قول الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿جَعَلْنَا﴾، وهو المفعول الثاني مقدمًا، و ﴿مَوَالِيَ﴾ المفعول الأول.
وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ هذه من الكلمات التي لا تقع إلا مضافةً
стр. 274
لفظًا أو تقديرًا، أما لفظًا فهو كثير، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ [الحجر: ٣٠] , وأما تقديرًا فيقدر له مضاف إليه مناسب للمقام، والمناسب في هذا: ولكل أحد من الذكور والإناث جعلنا موالي؛ أي: صيرنا.
وقوله: ﴿مَوَالِيَ﴾ جمع مولى، والمولى يطلق على عدة معان، والذي يعين المعنى السياق وقرائن الأحوال، فالسياق قرائن لفظية، والأحوال قرائن حالية تبين المراد، واللفظة الواحدة إذا تعددت معانيها تسمى عند أهل العلم بالمشترك، وقد انتقد بعض الناس - ولا سيما الزنادقة - اللغة العربية، وقال: إن اللغة العربية فقيرة بسبب الأسماء المشتركة، وإن العرب عجزوا عن أن يجعلوا لكل معنًى لفظًا مستقلًا.
وهذا القائل جائر في حكمه؛ لأنه إذا زعم أن الإشتراك في اللفظ إعواز في اللغة، وعجز عن إعطاء كل معنًى لفظًا خاصًا به؛ فإنه قد أغفل شيئًا آخر ضده، وهو: الترادف، فإن الترادف فيه إثراء للغة العربية وسعة للغة العربية، حيث تطلق كلمتان فأكثر على معنى واحد، فالإنسان العادل ينظر هذا وهذا.
ثم إن في الأسماء المشتركة دليلًا على فطنة العرب وذكائهم وحذقهم، حيث يفسرون كل لفظ بما يناسبه بالسياق، فالعين مثلًا تأتي في سياق ويراد بها شيء، وفي سياق آخر يراد بها شيءٌ آخر، فإذا دليل على أن العرب عندهم حذق وفطنة قوية، بحيث يتعين المعنى في اللفظة الواحدة ذات المعاني المتعددة بحسب السياق.
وهو أيضًا فتح بابٍ للتأمل والتفكر، فإن الإنسان يقف عند
стр. 275
الكلمة التي تطلق على عدة معان لينظر معناها المراد في هذا السياق، فيقتضي أن ينتبه الإنسان ويتأمل وينظر، ولكن بعض الناس يكون مغرضًا أو سطحيًا، فيرمي اللغة العربية بما هي بريئة منه.
فقوله: ﴿مَوَالِيَ﴾ تطلق على معان:
منها: الناصر: مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ﴾ [التحريم: ٤] أي: هو ناصره.
ويطلق على الذي يتولى على غيره، مثل: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠].
ويطلق على المعتق لقول النبي ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق" (١).
ويطلق على العتيق، لقوله ﷺ : "مولى القوم من أنفسهم" (٢)، أي: عتيقهم منهم.
ويطلق على متولي الأمور، من ملك أو أمير أو وزير أو ما أشبه ذلك، ويسمى ولي الأمر أيضًا.
ومن معنى المولى: المشائخ. لأنهم يتولون أمور الناس بالعلم.
بقي الإطلاق الأخير الذي هو المراد في هذه الآية، فالمولى هنا هو من يتولى ملك من بعدك، وهو الوارث، ودليله
стр. 276
قوله ﷺ : "فما بقي فلأولى رجلٍ ذكر" (١) ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥].
فقوله: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ أي: يلون تركته من بعده، ولهذا قال: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾.
وقوله: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ﴿الْوَالِدَانِ﴾ مبتدأ، ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ معطوف عليها، وهي بيان للموالي، وهذا أحد التفسيرين في الآية، وعلى هذا فيكون الوقف على قوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾.
القول الثاني: أن ﴿الْوَالِدَانِ﴾ فاعل ﴿تَرَكَ﴾؛ أي: جعلنا وارثين من المتروك من الوالدين والأقربين.
والمعنيان متلازمان، لكن أيهما أقرب إلى اللفظ؟
يرى بعض العلماء أن الأقرب الثاني، وأن تكون ﴿الْوَالِدَانِ﴾ فاعل ﴿تَرَكَ﴾ ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ معطوفة عليها، والمعنى: لكل أحد من الناس جعلنا موالي أي: وارثين من الذي ترك الوالدان والأقربون، فعلى هذا يكون الوالدان موروثين، وعلى الأول يكونان وارثين، والمعنيان متلازمان؛ لأنه ما من وارث إلا وله موروث، فسواء كان المعنى: جعلنا موالي مما ترك أي: يلونه مما ترك، وهم الوالدان والأقربون؛ أي: الوارثون، أو مما ترك الوالدان والأقربون، وهم الموروثون.
стр. 277
وقوله: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ إنما جاءت باسم التفضيل دون القريبون؛ لأنه يبدأ في الأقارب بالأقرب فالأقرب.
وقوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾: هذه متعلقة بشيء محذوف، ولا يستقيم المعنى إذا جعلناها متعلقة بموالي، فالشيء المحذوف مقدر بما يناسب المقام، فـ: ﴿تَرَكَ﴾ يناسبها الإرث، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] , وقال في الآية التي تليها: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] فلما قال: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ علمنا أن المقدر: يرثون مما ترك الوالدان والأقربون، ويؤيد هذا التقدير قول النبي ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر" (١)، إذًا قوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ "من" بيانية أو تبعيضية، والمتعلق محذوف، والتقدير: يرثون.
وقوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ وهما الأب والأم، ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ وهم من عدا الوالدين، وإنما فسرنا الأقربين بمن عدا الوالدين مع أن الوالدين أقرب الناس؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، فالله تعالى جعل "موالي" يرثون مما ترك الوالدان، وهؤلاء الموالي الذين يرثون مما ترك الوالدان هم الفروع، إذًا: الوارث هو المولود، وهم الفروع، وقد بين الله سبحانه في كتابه كيف يرثون إذا انفرد الذكور أو انفرد الإناث أو اجتمعوا.
فإذا انفرد الإناث فإرثهم بالفرض فقط، وإذا انفرد الذكور فإرثهم بالتعصيب فقط، وإذا اجتمعوا فيرثهم بالتعصيب لكن
стр. 278
تختلف جهته، فالذكور عصبةٌ بالنفس والإناث عصبةٌ بالغير، وهم الذكور؛ أي: عصبة بسبب غيرهم.
وقوله: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ هذه كلمة واسعة، ولم يقل: القرابات، بل قال: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾؛ لأن الميراث يكون للأقرب فالأقرب، حتى ذوو الفروض يفضل الأقرب على الأبعد، فالبنت مع بنت الإبن لها النصف، ولبنت الإبن السدس، والبنتان يسقطان بنات الإبن، والأخت الشقيقة مع الأخت لأب لها النصف، والأختان الشقيقتان تسقطان الأخوات لأب، وهلم جرّا.
ولهذا قال: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي: الأقرب فالأقرب.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فيها قراءتان سبعيتان "عقدت" و "عاقدت"، من المعاقدة وهي المعاهدة، وسميت المعاهدة عقدًا لأنها إبرام لميثاق بين المتعاهدين، وكانوا في الجاهلية يتعاقدون على الولاء والإرث على حسب شروط بينهم، إما أن يقول: لك أنت سدس ما ورائي، أو ثلث أو ربع .. حسب ما يتفقون عليه.
قوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: أعطوهم، وفي اللغة العربية "أتى، وآتى"، فالتي بالمد بمعنى الإعطاء، والتي بالقصر بمعنى المجيء، والتي بمعنى الإعطاء تنصب مفعولين كلاهما فضلة ليس عمدة؛ أي: ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فقوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ هذه نصبت مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر وهما مفعولان.
ونصيبهم مقدر بحسب ما يتفق المتعاقدان عليه؛ لأن هذا من الوفاء بالعهد، والوفاء بالعهد مما جاءت به الشريعة، حتى أن الرسول ﷺ حذر من إخلاف الوعد، وبين أنه من خصال المنافقين.
стр. 279
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ الجملة خبرية مؤكدة بـ ﴿إِنَّ﴾.
و﴿كَانَ﴾ فعل ماض تفيد اتصاف اسمها بخبرها على وجه الدوام والإستمرار، فهي مسلوبة الزمان؛ أي: ليست دالة على زمن مضى كما هو شأن الفعل الماضي، بل هي دالة على ثبوت الإتصاف بهذا الوصف أزلًا وأبدًا.
وقوله: ﴿شَهِيدًا﴾ أي: رقيبًا مطلعًا على كل شيء، وهذه الجملة استئنافية تفيد تهديد من أخفى شيئًا مما يستحقه الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانهم؛ لأنه إذا أخفاه فلن يغيب عن الله سبحانه، بل هو على كل شيء شهيد.
وهذه الآية نسخت بآيات المواريث، وهل هو نسخ مقيد أو نسخ مطلق؟ على قولين للعلماء:
فمنهم من قال: إنها نسخ مقيد بما إذا وجد ذوو الأرحام، فإن لم يوجد توارث المتعاقدان بما اتفقا عليه.
ومنهم من قال: إنه نسخ مطلق، فلا إرث بالموالاة مطلقًا.
والثاني هو الذي عليه جمهور العلماء، والأول عليه شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - إثبات الجعل لله ، وهذا من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته.
ثم إن الجعل الذي نسبه الله لنفسه ينقسم إلى قسمين: جعل شرعي، وجعل كوني، فقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦] هذا الجعل كوني، وكذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ
стр. 280
لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ [النبأ: ١٠ - ١١] وما أشبهها، كلها جعل كوني.
وقوله تعالى هنا: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ هذا جعل شرعي، وكذلك قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] , هذا جعل شرعي، ولا يصح أن يكون جعلًا كونيًا؛ لأنها موجودة في الواقع منفية في الآية، إذًا: ما جعلها شرعًا ولكن جعلها قدرًا.
والفرق بين الجعل الشرعي والجعل القدري كالفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، فالجعل الشرعي محبوب إلى الله، وقد يقع من العباد وقد لا يقع، والجعل الكوني لا يتعلق بما يحبه الله فقط، بل يكون فيما يحبه وفيما لا يحبه، وهو واقع ولا بد.
٢ - أن إثبات الإرث يكون بالنسب والسبب، بالنسب لقوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، وبالسبب لقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، فإن هذا سببه فعل الإنسان؛ كالزوجية فإنها سبب وليست بنسب، والإرث بالعتق سبب وليس بنسب.
٣ - الإشارة إلى أن الأقرب مقدم على الأبعد في باب الميراث من قوله: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾.
٤ - كمال الشريعة الإِسلامية بإيجاب الوفاء بالعهود والعقود، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
٥ - وقوع النسخ في الشريعة؛ لأن هذه الآية منسوخة، إما نسخًا مطلقًا وإما نسخًا مقيدًا.
وقد اختلف علماء الملة في النسخ، فأكثر الأمة على أن
стр. 281
النسخ ثابت في الشريعة، لقوله تعالى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] , ولقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى آخرها، وقد كان قبل ذلك حرامًا، ولقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] وهذا صريح في النسخ، ويقول النبي ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور. فزوروها" (١).
وقال بعض العلماء ومنهم أبو مسلم الأصفهاني: لا نسخ في الشريعة، وحمل النسخ على التخصيص، وقال: إن مقتضى الحكم الأول استمراره إلى يوم القيامة، فإذا ألغي فهذا تخصيص في الزمن؛ أي: أنه بعد أن كان شاملًا للزمن كله صار خاصًا بالزمن الذي قبل النسخ.
ولكن هذا تكلف، وما الذي يجعلنا نفر من كلمة نسخ وهي موجودة بلفظها، وموجودة بمعناها في القرآن، وموجودة بمعناها في السنة أيضًا؟ !
وأنكر اليهود النسخ وقالوا: لا يمكن أن ينسخ الله حكمًا بحكم؛ لأنه إن كانت المصلحة في الحكم الثاني فلماذا كان الحكم الأول، وإن كانت المصلحة في الحكم الأول فلماذا كان الحكم الثاني، وإن كان في الأول قد خفيت الحكمة على الله، فإذا يستلزم وصف الله بالجهل، وإذا لم تخف فهذا يستلزم وصف الله بالسفه والعياذ بالله؛ لأنه فعل خلاف الحكمة.
стр. 282
فيقال لهم: المصلحة تختلف باختلاف الزمان والمكان والأمة، وإذا كان كذلك فالله يثبت هذا الحكم ما دام فيه مصلحة للأمة، وينسخه إذا كان ليس بمصلحة، وهذا غاية الحكمة، وأنتم يا بني إسرائيل كان حلًا لكم اللحم، وبظلمكم حرم الله عليكم طيبات أحلت لكم، بعد أن كانت حلالًا، ثم إن شريعتكم ناسخة للشريعة التي قبلها، وإذا قلتم: لا نسخ، أبطلتم شريعتكم؛ لأنها تنسخ ما قبلها.
إذًا: في الآية الكريمة ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إثبات النسخ.
٦ - وجوب الوفاء بالعهد، لقوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾.
فإذا قال قائل: كيف نؤتيهم نصيبهم وهذه المعاقدة باطلة؟
قلنا: لم تبطل إلا بعد النسخ؛ أي: بعد نزول الآية، أما ما ثبت قبل ذلك فالواجب أن يؤتوا نصيبهم.
٧ - إثبات شهادة الله على كل شيء، وأن كل شيء مهما بطن فإنه مشهود لله، ويترتب على ذلك: التحذير من مخالفة الله سبحانه؛ لأن الإنسان إذا علم بأن الله شاهد عليه أمسك عن كل ما يغضب الله وقام بما يجب لله.
وهذه الأسماء التي تختم بها الآيات ينبغي للإنسان ألا يكون جامدًا فيفهم منها المعنى فقط، بل ينبغي أن يتربى عليها، ويكون مسلكه على حسب ما تقتضيه هذه الأسماء، فمثلًا: إذا علمت أن الله علام الغيوب، ليس معناه أن تدرك بأن الله يعلم بكل شيء فقط، فهذا الإدراك يستوي فيه الكافر والمسلم، حتى الكفار الذين يعرفون اللغة العربية يعرفون مثل هذا اللفظ، لكن
стр. 283
المهم هو التربي بمقتضى هذا الوصف وهو علم الغيب، وهذه مسألة مهمة لا يفطن لها كثير من الناس.
٨ - إن الإنسان إذا آمن بأن الله على كل شيءٍ شهيد، فإنه يحذر ويخاف ويتقي الله ، و "الشهيد" من أسماء الله.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤].
قوله: ﴿الرِّجَالُ﴾ جمع رجل، وهو جمع تكسير، والرجل هو البالغ من ذكور بني آدم، والذكر يطلق على البالغ وغير البالغ، ولهذا جاء في الحديث: "فما بقي فلأولى رجل ذكر" (١)، مع أنه لو قال: فلأولى ذكر، اكتفي به، ولو قال: لأولى رجل، لخرج بذلك الصغير فلا يكون عاصبًا، لكن جاءت كلمة "ذكر" ليبين أن الكبر ليس بشرط في استحقاق التعصيب، بل ولو كان دون الرجولة.
وذكر الرجل زيادة لها معنى، وهو الإشارة إلى أنه - أي: الذكر - كان أولى بالتعصيب؛ لأنه رجل يترتب عليه مسئوليات لا تترتب على المرأة.
قوله: ﴿قَوَّامُونَ﴾: جمع قوَّام، وقوام صيغة مبالغة من
стр. 284
قائم، فلو قيل في غير القرآن: الرجال قائمون على النساء، لكان المعنى دون كلمة ﴿قَوَّامُونَ﴾؛ لأن قوله: ﴿قَوَّامُونَ﴾ صيغة مبالغة تقتضي القوامة على النساء في كل حال، فالمراد بقوله: ﴿قَوَّامُونَ﴾ إما صيغة مبالغة أو نسبة، والمراد بالقيام هنا ليس هو القيام الذي هو الوقوف على الرجلين، ولكنه قيام الولاية، فمعنى ﴿قَوَّامُونَ﴾ أي: بالولاية والسلطة، فيحتمل أن تكون نسبة ويحتمل أن تكون مبالغة، ويحتمل المعنيين معًا، فالرجال قوامون على النساء، ولذلك تكون لهم الولاية والقضاء والإمارة وغير ذلك مما فيه سلطة دون النساء.
وقوله: ﴿عَلَى النِّسَاءِ﴾، ﴿النِّسَاءِ﴾: جمع نسوة، وإن شئت قل: جمع امرأة، لكنه من غير اللفظ؛ لأنه أحيانًا يجمع المعنى على غير لفظ المفرد، فإبل جمع لا واحد له من لفظه، فهي جمع بعير.
قوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الباء هنا للسببية، و "ما" يجوز أن تكون مصدرية ويجوز أن تكون موصولة، فإن جعلت موصولة صار التقدير: بالذي فضل الله بعضهم على بعض، وحينئذٍ نحتاج إلى عائد يعود إلى الموصول، فيكون العائد محذوفًا تقديره: بما فضل الله به بعضهم على بعض.
وحذف العائد مشهور في اللغة إذا اتفق الحرفان لفظًا ومعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أي: منه، وإن كانت مصدرية لم تحتج إلى عائد، ويكون تقدير الكلام بتفضيل الله بعضهم على بعض.
وقوله: ﴿فَضَّلَ﴾: زاد، والفضل هو الزيادة؛ أي: زاد
стр. 285
بعضهم على بعض، والمزيد هو الرجال، والمزيد عليه هن النساء، إذًا قوله: ﴿بَعْضَهُمْ﴾ تعود على الرجال، وقوله: ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ تعود على النساء، والذي فضل الله به الرجال على النساء: القوة الظاهرة والباطنة، فالقوة الظاهرة قوة البدن، ولهذا تجد الرجل، بل تجد الذكر حتى من غير بني آدم أقوى من الأنثى، وأكبر عضلات وأشد.
والقوى الباطنة: التحمل والصبر والذكاء والعقل والشجاعة وما إلى ذلك، المهم أن الله فضل الرجال على النساء بالقوى الظاهرة والقوى الباطنة، وهذا التفضيل باعتبار الجنس، فلا يرد علينا أنه يوجد من النساء ما هو أفضل من كثير من الرجال؛ لأننا إذا قلنا بتفضيل الجنس صار العبرة بالعموم لا بالخصوص، كما نقول مثلًا: التابعون أفضل من تابعي التابعين، لكن هذا لا يعني أن كل واحد من التابعين أفضل من كل واحد من تابعي التابعين، إذ يوجد في أتباع التابعين من هو أفضل من كثير من التابعين.
فقوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: من حيث الجملة لا باعتبار كل فرد.
قوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ هذه عطف على قوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ﴾ أي: وبالذي ﴿أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾؛ لأن المنفق على النساء هم الرجال؛ لأنهم هم الذين يكتسبون؛ فالزوج ينفق على زوجته ولو كانت غنية، والأب ينفق على أهله، فمن أجل ذلك صار لهم القِوامة لتفضلهم خلقة، وخلقًا، وعقلًا، وفكرًا، ولفضلهم على النساء بالإنفاق.