← Тафсир

Тафсир · id 547

تفسير العثيمين: النساء

ابن عثيمين

Полный текст (1 106 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

النسخ ثابت في الشريعة، لقوله تعالى ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] , ولقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى آخرها، وقد كان قبل ذلك حرامًا، ولقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] وهذا صريح في النسخ، ويقول النبي ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور. فزوروها" (١). وقال بعض العلماء ومنهم أبو مسلم الأصفهاني: لا نسخ في الشريعة، وحمل النسخ على التخصيص، وقال: إن مقتضى الحكم الأول استمراره إلى يوم القيامة، فإذا ألغي فهذا تخصيص في الزمن؛ أي: أنه بعد أن كان شاملًا للزمن كله صار خاصًا بالزمن الذي قبل النسخ. ولكن هذا تكلف، وما الذي يجعلنا نفر من كلمة نسخ وهي موجودة بلفظها، وموجودة بمعناها في القرآن، وموجودة بمعناها في السنة أيضًا؟ ! وأنكر اليهود النسخ وقالوا: لا يمكن أن ينسخ الله حكمًا بحكم؛ لأنه إن كانت المصلحة في الحكم الثاني فلماذا كان الحكم الأول، وإن كانت المصلحة في الحكم الأول فلماذا كان الحكم الثاني، وإن كان في الأول قد خفيت الحكمة على الله، فإذا يستلزم وصف الله بالجهل، وإذا لم تخف فهذا يستلزم وصف الله بالسفه والعياذ بالله؛ لأنه فعل خلاف الحكمة.

стр. 282

فيقال لهم: المصلحة تختلف باختلاف الزمان والمكان والأمة، وإذا كان كذلك فالله يثبت هذا الحكم ما دام فيه مصلحة للأمة، وينسخه إذا كان ليس بمصلحة، وهذا غاية الحكمة، وأنتم يا بني إسرائيل كان حلًا لكم اللحم، وبظلمكم حرم الله عليكم طيبات أحلت لكم، بعد أن كانت حلالًا، ثم إن شريعتكم ناسخة للشريعة التي قبلها، وإذا قلتم: لا نسخ، أبطلتم شريعتكم؛ لأنها تنسخ ما قبلها. إذًا: في الآية الكريمة ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إثبات النسخ. ٦ - وجوب الوفاء بالعهد، لقوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. فإذا قال قائل: كيف نؤتيهم نصيبهم وهذه المعاقدة باطلة؟ قلنا: لم تبطل إلا بعد النسخ؛ أي: بعد نزول الآية، أما ما ثبت قبل ذلك فالواجب أن يؤتوا نصيبهم. ٧ - إثبات شهادة الله على كل شيء، وأن كل شيء مهما بطن فإنه مشهود لله، ويترتب على ذلك: التحذير من مخالفة الله سبحانه؛ لأن الإنسان إذا علم بأن الله شاهد عليه أمسك عن كل ما يغضب الله وقام بما يجب لله. وهذه الأسماء التي تختم بها الآيات ينبغي للإنسان ألا يكون جامدًا فيفهم منها المعنى فقط، بل ينبغي أن يتربى عليها، ويكون مسلكه على حسب ما تقتضيه هذه الأسماء، فمثلًا: إذا علمت أن الله علام الغيوب، ليس معناه أن تدرك بأن الله يعلم بكل شيء فقط، فهذا الإدراك يستوي فيه الكافر والمسلم، حتى الكفار الذين يعرفون اللغة العربية يعرفون مثل هذا اللفظ، لكن

стр. 283

المهم هو التربي بمقتضى هذا الوصف وهو علم الغيب، وهذه مسألة مهمة لا يفطن لها كثير من الناس. ٨ - إن الإنسان إذا آمن بأن الله على كل شيءٍ شهيد، فإنه يحذر ويخاف ويتقي الله ، و "الشهيد" من أسماء الله. * * * * قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤]. قوله: ﴿الرِّجَالُ﴾ جمع رجل، وهو جمع تكسير، والرجل هو البالغ من ذكور بني آدم، والذكر يطلق على البالغ وغير البالغ، ولهذا جاء في الحديث: "فما بقي فلأولى رجل ذكر" (١)، مع أنه لو قال: فلأولى ذكر، اكتفي به، ولو قال: لأولى رجل، لخرج بذلك الصغير فلا يكون عاصبًا، لكن جاءت كلمة "ذكر" ليبين أن الكبر ليس بشرط في استحقاق التعصيب، بل ولو كان دون الرجولة. وذكر الرجل زيادة لها معنى، وهو الإشارة إلى أنه - أي: الذكر - كان أولى بالتعصيب؛ لأنه رجل يترتب عليه مسئوليات لا تترتب على المرأة. قوله: ﴿قَوَّامُونَ﴾: جمع قوَّام، وقوام صيغة مبالغة من

стр. 284

قائم، فلو قيل في غير القرآن: الرجال قائمون على النساء، لكان المعنى دون كلمة ﴿قَوَّامُونَ﴾؛ لأن قوله: ﴿قَوَّامُونَ﴾ صيغة مبالغة تقتضي القوامة على النساء في كل حال، فالمراد بقوله: ﴿قَوَّامُونَ﴾ إما صيغة مبالغة أو نسبة، والمراد بالقيام هنا ليس هو القيام الذي هو الوقوف على الرجلين، ولكنه قيام الولاية، فمعنى ﴿قَوَّامُونَ﴾ أي: بالولاية والسلطة، فيحتمل أن تكون نسبة ويحتمل أن تكون مبالغة، ويحتمل المعنيين معًا، فالرجال قوامون على النساء، ولذلك تكون لهم الولاية والقضاء والإمارة وغير ذلك مما فيه سلطة دون النساء. وقوله: ﴿عَلَى النِّسَاءِ﴾، ﴿النِّسَاءِ﴾: جمع نسوة، وإن شئت قل: جمع امرأة، لكنه من غير اللفظ؛ لأنه أحيانًا يجمع المعنى على غير لفظ المفرد، فإبل جمع لا واحد له من لفظه، فهي جمع بعير. قوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الباء هنا للسببية، و "ما" يجوز أن تكون مصدرية ويجوز أن تكون موصولة، فإن جعلت موصولة صار التقدير: بالذي فضل الله بعضهم على بعض، وحينئذٍ نحتاج إلى عائد يعود إلى الموصول، فيكون العائد محذوفًا تقديره: بما فضل الله به بعضهم على بعض. وحذف العائد مشهور في اللغة إذا اتفق الحرفان لفظًا ومعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أي: منه، وإن كانت مصدرية لم تحتج إلى عائد، ويكون تقدير الكلام بتفضيل الله بعضهم على بعض. وقوله: ﴿فَضَّلَ﴾: زاد، والفضل هو الزيادة؛ أي: زاد

стр. 285

بعضهم على بعض، والمزيد هو الرجال، والمزيد عليه هن النساء، إذًا قوله: ﴿بَعْضَهُمْ﴾ تعود على الرجال، وقوله: ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ تعود على النساء، والذي فضل الله به الرجال على النساء: القوة الظاهرة والباطنة، فالقوة الظاهرة قوة البدن، ولهذا تجد الرجل، بل تجد الذكر حتى من غير بني آدم أقوى من الأنثى، وأكبر عضلات وأشد. والقوى الباطنة: التحمل والصبر والذكاء والعقل والشجاعة وما إلى ذلك، المهم أن الله فضل الرجال على النساء بالقوى الظاهرة والقوى الباطنة، وهذا التفضيل باعتبار الجنس، فلا يرد علينا أنه يوجد من النساء ما هو أفضل من كثير من الرجال؛ لأننا إذا قلنا بتفضيل الجنس صار العبرة بالعموم لا بالخصوص، كما نقول مثلًا: التابعون أفضل من تابعي التابعين، لكن هذا لا يعني أن كل واحد من التابعين أفضل من كل واحد من تابعي التابعين، إذ يوجد في أتباع التابعين من هو أفضل من كثير من التابعين. فقوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: من حيث الجملة لا باعتبار كل فرد. قوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ هذه عطف على قوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ﴾ أي: وبالذي ﴿أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾؛ لأن المنفق على النساء هم الرجال؛ لأنهم هم الذين يكتسبون؛ فالزوج ينفق على زوجته ولو كانت غنية، والأب ينفق على أهله، فمن أجل ذلك صار لهم القِوامة لتفضلهم خلقة، وخلقًا، وعقلًا، وفكرًا، ولفضلهم على النساء بالإنفاق.

стр. 286

فهم قوامون بتفضيل الله إياهم وبفضلهم هم على النساء، وبما أنفقوا من أموالهم. وقوله: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: من أموال الرجال، فبسبب التفضيل الجسدي بالقوة الظاهرة والقوة الباطنة، وبسبب التفضيل الخارجي وهو الإنفاق بالمال؛ صار الرجل أفضل من المرأة. ثم قسم الله النساء إلى قسمين: فقال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾: مبتدأ، وقوله: ﴿قَانِتَاتٌ﴾: خبره، وقوله: ﴿حَافِظَاتٌ﴾: خبر ثان. ومعنى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ أي: الموصوفات بالصلاح، وهنا يمكن أن نقول: إن ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ صفة لموصوف محذوف، والتقدير: فالنساء الصالحات، والصالحة ضد الفاسدة، وهي التي قامت بحق الله وحق زوجها. وقوله: ﴿قَانِتَاتٌ﴾ أي: مديمات للصلاح؛ لأن القنوت يراد به الدوام، وهو المراد هنا، ويحتمل أن المراد بالقانتات هنا المطيعات لله، ويكون من باب التوكيد، وبطاعتهن لله يكن طائعات لأزواجهن. وقوله: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ يعني يحفظن ما غاب عن الناس، وهو السر الذي يكون في بيت الزوج، ويكون بينها وبين زوجها أيضًا، فتجد المرأة الصالحة لا يمكن أن يطلع على ما في بيتها أحد، بل إذا سئلت عما في بيتها قالت: نحن بخير. وانظر إلى إحدى امرأتي إسماعيل ﵇، لما سألها إبراهيم ﵇ عن حالهم شكت وتضجرت، فقال لها: قولي

стр. 287

له يغير عتبة بابه، والثانية أثنت خيرًا، فقال: إذا جاء الزوج فقولي له يمسك عتبة بابه (١). فمن النساء من تكون شاكية فاضحة، تحدث الناس بكل ما يكون في بيتها، بل بعضهن والعياذ بالله يتجرأن أكثر من ذلك، فتحدث بما يكون بينها وبين زوجها حتى في أمور السر التي لا يطلع عليها إلا الزوج، وهذه ليست من الصالحات، وقد فقدت من الصلاح بمقدار ما فقدت من الحفظ. قوله: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي: بحفظ الله ، أو بالذي حفظ الله؛ أي: أمر بحفظه وعدم إفشائه، فهن ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ أي: لا يظهرن بحفظ الله لهن ومنته عليهن بالحفظ، أو بالذي حفظ الله؛ أي: أمر بحفظه، والمعنيان متلازمان. القسم الثاني: على خلاف ذلك، قال الله فيهن: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾: ﴿وَاللَّاتِي﴾ يعني: والنساء ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾، وذلك بظهور أماراته، والنشوز هو الإرتفاع، ومنه الأرض النشز؛ أي: المرتفعة. والمراد بالنشوز ترفع المرأة عن زوجها، بحيث لا تبذل ما يجب عليها من حقوقه، أو تبذله لكن متبرمة متكرهة متمللة لا يأنس بها ولا يركن إليها، فإذا نشزت المرأة سقطت الحقوق التي لها من نفقة وغيرها؛ لأن النفقة معاوضة، إذا لم يوجد عوضها سقطت، فالنشوز داء، وذكر الله له دواء على ثلاث مراحل: الأولى: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾.

стр. 288

والثانية: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. الثالثة: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. الرابعة: لم يذكرها الله لأنها مكروهة عنده، وهي الطلاق. وهذه الأخيرة - مع الأسف - هي أول مرحلة عند كثير من الناس، فكثير من الناس إذا خالفته زوجته بأدنى شيء طلقها، لكن المراحل الثلاث التي ذكرها الله هي المراحل الشرعية. أولًا: الموعظة، فيعظها بأن يذكرها بما يلين به قلبها، بأن يذكرها بحق الزوج، وما لها من ثواب إذا قامت به، وما عليها من عقاب إذا خالفت، ويقول لها مثلًا: أنتِ إذا كنت مطيعة قائمة بما يجب عليك، فإني سوف أقابلكِ بالمثل أو بأحسن، فيعدها خير الدنيا وخير الآخرة، ويخوفها من الله إذا نشزت، فإن امتثلت، فإذا المطلوب. وإلا؛ قال الله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. والهجر هو الترك، ومنه الهجرة، وهي ترك الإنسان وطن الكفر إلى وطن الإِسلام، والمعنى: اتركوهن في المضاجع أي: لا تضاجعوهن، فيكون في فراش وهي في فراش، أو هو في حجرة وهي في حجرة، فإن استقامت فهذا هو المطلوب، وإلا فننتقل إلى المرحلة الثالثة، وهي قوله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ وهذا من فائدة القوامة على النساء، ولكن يكون المقصود من الضرب هو التأديب، فيضربها ضربًا يحصل به تأديبها ولا يحصل به جرحها، فتضرب ضربًا غير مبرح، كما قال النبي ﷺ في خطبة حجة الوداع: "ولكم عليهن أن لا يوطئن

стр. 289

فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح" (١). ويجب أن يتقي في ضربها ما أمر باتقائه كالوجه مثلًا؛ فإنها لا تضرب فيه، وسيأتي إن شاء الله في بيان الفوائد. قوله: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ أي: قمن بما يجب عليهن من الطاعة، ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ بمعنى: لا تطلبوا عليهن سبيلًا؛ أي: اتركوا الماضي، فإن قوله: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ ليس للمستقبل فقط، بل حتى الماضي اتركوه وتناسوه، ولا تأتوا له ببحث أو إثارة؛ لأن تذكير الماضي يؤدي إلى استمرار النشوز والمعصية، ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ وكأن شيئًا لم يكن. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ الجملة هنا استئنافية للتحذير من التعالي والكبرياء على النساء؛ لأن الرجل إذا شعر بأنه قائم على المرأة وذو سلطة عليها، إلى حد أن الشرع مكنه من ضربها في المرحلة الثالثة، ربما يتعالى عليها ويتكبر، فقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ أي: فاعلموا أن علوكم على النساء يوجد فوقه ما هو أعلى منه، وهو علو الله ؛ وكبرياء الله ، فلا تتعالوا عليهن ولا تتكبروا عليهن؛ لأن فوقكم من هو أعلى وأكبر، وهو الله . * * * * قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾ [النساء: ٣٥].

стр. 290

وهذه هي المرحلة الرابعة بعد المراحل الثلاث، وهي أننا إن خفنا الشقاق، ولم تثمر المراحل الثلاث؛ فحينئذ يوجه الخطاب للأمة: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا﴾، ولم يقل: فليبعثا حكمًا، فهنا انعزل الزوجان، وصار المجال مجال الحاكم الشرعي الذي يمثل الأمة، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿فَابْعَثُوا﴾ خطابًا للأمة، لكن ليس المعنى كل واحد في السوق وفي المسجد، بل يبعث من ينوب عن الأمة، وهو الحاكم الشرعي، فيكون الخطاب هنا للأمة مرادًا بها من يمثلها وهو الحاكم الشرعي. وقوله: ﴿فَابْعَثُوا﴾ أي: أرسلوا، والبعث بمعنى الإرسال. ﴿حَكَمًا﴾: الحَكَم ذو الحكم النافذ؛ أي: المحكم، فهو أخص من الحاكم؛ لأنه ذو الحكم النافذ فهو المحكم. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾: والحكم لا بد أن يكون ذا علم وأن يكون ذا بصيرة بالواقع، ومن المعلوم أنه لا بد أن يكون بالغًا عاقلًا رشيدًا، عالمًا بالحكم الشرعي، وعالمًا بواقع الزوجين، وما هي المشاكل، وما الذي أثار هذه المشاكل. أما أن يأتي إنسان عامي أو غشيم ثم يريد أن يكون حكمًا بين الزوجين، فهذا لا يصلح. فإذا اجتمع الحكمان فهنا تأتي النية ويكون لها تدخل، فإما أن يريد الحكم من أهل الزوج أن ينتصر الزوج، والحكم من أهل الزوجة أن تنتصر الزوجة، وفي هذه الحال لا يوفق الرجلان؛ لأن النية هنا غير سليمة، وإما أن يريد الحكم من أهل الزوج، والحكم من أهل المرأة الإصلاح بينهما، فحينئذ يقول الله ، وهو الصادق في قيله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.

стр. 291

والضمير في قوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ يعود إلى الحكمين؛ لأنهما اللذان يحكمان، ونية الإصلاح تكون منهما لا من الزوجين؛ لأن الزوجين بينهما شقاق، وكل واحد منهما يريد أن ينتصر لنفسه، فالغالب أنهما لا يريدان الإصلاح، لكن الذي يريد الإصلاح هما الحكمان. وقوله: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ الضمير في ﴿بَيْنَهُمَا﴾ هل يعود على الزوجين اللذين خفنا الشقاق بينهما، أو يعود على الحكمين اللذين يدلي كل واحد منهما بما يرى أنه حجة؟ فيه احتمالان: الإحتمال الأول: أن يعود إلى الزوجين؛ لأن القضية في شأنهما، والحكمان إنما ينظران في شأن الزوجين، فيكون الضمير عائدًا إلى الزوجين. الإحتمال الثاني: أن يكون الضمير عائدًا إلى الحكمين؛ لأن الحكمين سيأتي كل واحد منهما بما يقابل الآخر، فيكون المراد بأن يوفق الله بينهما: أن تلتقي أقوالهما ولا يحصل بينهما نزاع، فلا ينتصر الحكم من أهل الزوج للزوج، ولا الحكم من أهل الزوجة للزوجة. ونقول بأنه عام لهذا وهذا فعندما يوفق الله بين الحكمين، فإن الله تعالى أيضًا بمنه وكرمه يوفق بين الزوجين. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ أي: عالم خبير، والخبرة هي العلم ببواطن الأمور، والعلم بالظواهر والبواطن هو العلم، وعلى هذا فيكون ذكر الخبير بعد العليم من باب ذكر الخاص بعد العام، والجملة استئنافية لبيان لطف الله فيما يجري من الحكمين؛ لأنه عالم خبير بما يحدث بينهما من الحكم بين الزوجين.

стр. 292

من فوائد الآيتين الكريمتين: ١ - فضل الرجال على النساء، ووجهه: أن الله جعل الرجال قوامين على النساء. ٢ - بيان أن أحكام الله الكونية والشرعية معللة بعلل، فيلزم من كون أفعال أو أحكام الله الشرعية معللة بعلل: إثبات الحكمة وأن الله تعالى حكيم. ٣ - التفضيل بين البشر ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. فإن قال قائل: هل للمفضل عليه أن يحتج على الله فيقول: يا رب! لم فضلت هذا علي؟ فالجواب: ليس له ذلك. فإن قيل: لماذا؟ فالجواب: أن يقال: للمفضل عليه: هل منعك الله حقك؟ إن كان الأمر كذلك فلك الحجة، وإلا ففضل الله يؤتيه من يشاء، ولهذا لما ضرب النبي ﷺ مثلًا لليهود والنصارى وهذه الأمة، برجل استأجر أجراء من الصباح إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، فأعطى كل واحد قيراطًا، ومن العصر إلى المغرب وأعطاهم على قيراطين قيراطين، فقال الأولون: لماذا نعطى قيراطًا ونحن أكثر عملًا، فقال: هل نقصتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء (١). إذًا: لا حجة للمفضل عليه على الله بالتفضيل، ولكن ماذا يصنع المفضل عليه؟ أشار الله إليه في آية سبقت فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢].

стр. 293

٤ - أن للمنفق على المنفَق عليه فضلًا، وتؤخذ من قوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. ٥ - كراهة سؤال الناس، لقوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، فكون المنفق له فضل على المنفق عليه، فيكون سؤالك إياه ذلًا؛ لأنك إذا سألته فقد أثبت له فضلًا عليك، ولهذا بايع النبي ﷺ أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئًا مطلقًا، حتى كان سوط أحدهم يسقط من على ظهر بعيره فينزل فيأخذه ويركب، ولا يقول للناس: أعطوني إياه (١)؛ لأن سؤالك للناس ذل. ٦ - أنه لا ولاية للنساء على الرجال، لا في قضاء، ولا إمارة، ولا أي شيء لقوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، فمن جعل للمرأة الولاية فقد خالف سنة الله. فإن قال قائل: أليست الأم تكون ولية على أولادها وعلى أموالهم؟ قلنا: هذه ولاية خاصة، وولاية طارئة، بخلاف الولاية العامة، ولهذا قال النبي ﷺ : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" (٢). فإن قال قائل: نجد بعض النساء تكون رئيسة للوزراء، أو رئيسة الجمهورية، أو تكون ملكة؟ قلنا: ولكن انظر إلى حال المولى عليهم، لو لم تقم عليهم هذه المرأة لكانوا أصلح حالًا بلا شك، ولكانوا أفلح وأنجح، ولكن تأخروا بمقدار ما تولت عليهم هذه المرأة، وانظر مثلًا إلى بريطانيا، فقد كانت أكبر دول المستعمرين استعمارًا حتى قيل:

стр. 294

إنها لا تغيب الشمس عن مستعمراتها، والآن تقلصت حتى صارت في المرتبة الثالثة، كل ذلك لأنها تستولي عليها النساء. ٧ - كراهة سؤال المال؛ لأن الله تعالى جعل للمعطي فضلًا على المعطى، ويشهد لهذا قوله ﷺ : "اليد العليا خير من اليد السفلى" (١)، واليد العليا يد المعطي واليد السفلى يد الآخذ. ٨ - أن هؤلاء لا ينفقون إلا مما تيقنوا أنه مالهم، وأنهم لا يعتدون على أموال أحد، لقوله: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، والمال كما هو معروف كل ما يتمول من أعيان ومنافع وغيرها، فيؤخذ منه. ٩ - أن النساء ينقسمن إلى قسمين: صالحة مطيعة لزوجها وناشزة. ١٠ - الثناء على حفظ الغيب أي: على ما كان سرًا بينك وبين أخيك، تؤخذ من قوله: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. ١١ - أن للزوج السلطة على زوجته، وتؤخذ من قوله: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾. ١٢ - التدرج في التأديب: فعظوهن .. واهجروهن .. واضربوهن. ١٣ - الإشارة إلى أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، حيث إنه ربما لا يفيد الوعظ، فينتقل إلى الهجر في المضاجع، أو الضرب؛ لأنه قد يكون أكثر نتيجة. ١٤ - أنه إذا أمكن التأديب بالخطاب الديني الشرعي، فإنه

стр. 295

لا يرجع إلى التأديب بالفعل المحسوس؛ لأنه بدأ بالموعظة التي هي تليين القلب بالشرع، فإذا لم يمكن فبالعقوبة. ١٥ - الإشارة إلى أن فراش الزوج والزوجة واحد ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾، فدل ذلك على أن هجر الإنسان لفراش زوجته، لا يكون إلا عند النشوز. ١٦ - تحريم نشوز المرأة على زوجها، حيث قوبل هذا النشوز بالموعظة ثم الهجر ثم الضرب. ١٧ - الإشارة إلى أنه لا يجوز الهجر بالكلام، وإنما يجوز في خلال ثلاثة أيام فقط، لقول النبي ﷺ : "لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" (١). ١٨ - بطلان قول بعض علماء التربية المعاصرين الذين يقولون إنه لا تحصل التربية بالضرب، تؤخذ من قوله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾، وفي السنة شاهد على ذلك أيضًا، وهو قوله ﷺ : "واضربوهم عليها لعشر" (٢) وبهذا يبطل قول علماء التربية الذين قالوا: إن الضرب لا يفيد وإنما يقسي القلب. ١٩ - المكافأة بالمثل عند الطاعة، فلا يجوز للإنسان أن يبغي عليها سبيلًا.

стр. 296

٢٠ - التغاضي عما مضى؛ أي: أن قوله: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ يشمل الماضي والمستقبل. ٢١ - الإشارة إلى أن الذي له العلو المطلق هو الله، فلا تتعال على غيرك، تؤخذ من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾، ورأى النبي ﷺ رجلًا يضرب غلامه فقال له ﵊: "اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا العبد"، فالتفت فإذا به رسول الله ﷺ فأعتق العبد (١)، ففي هذا الإشارة لكل إنسان يتعالى بنفسه أن يتذكر علو الله . ٢٢ - إثبات هذين الإسمين لله وهما: العلي الكبير. وعلو الله حسي ومعنوي، فيشمل علو الذات وعلو الصفات وعلو القدر والقهر، ومذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، أنهم يثبتون لله المعنيين: علو الذات، وعلو الصفات، وخالفهم طائفتان متطرفتان: طائفة أثبتت أن الله في كل مكان، وطائفة نفت أن يكون الله في مكان. طائفة قالت: نقول: إن الله لا فوق العالم، ولا تحته، ولا داخله، ولا خارجه، ولا هو متصل، ولا منفصل، ولا مباين، ولا نصفه بأي شيء من هذا، وهؤلاء في الحقيقة كما قال محمود بن سبكتكين لابن فورك: بيّن لي الفرق بين إلهك وبين العدم؟ والذين قالوا إن الله بذاته في كل مكان أيضًا لم يقدروا الله

стр. 297

حق قدره؛ لأنهم جعلوه في أماكن القذر، وأماكن الشرف، وأماكن اللغو، وفى كل مكان. ونحن نؤمن بأن الله عالٍ بذاته فوق جميع الخلق، وأن كل الخلق بالنسبة إليه ليس إلا كحبة خردل في كف أحدنا، وليست بشيء بالنسبة لله . ٢٣ - أن لله الكبرياء الذي هو الكبر المعنوي، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الجاثية: ٣٧]، وقال سبحانه: ﴿الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وكذلك أن كل شيء بالنسبة إلى ذاته ليس بشيء، وهذا المراد بالكبير في قوله: ﴿عَلِيًّا كَبِيرًا﴾. ٢٤ - وجوب عناية ولاة الأمور بالمجتمع، من قوله: ﴿فَابْعَثُوا﴾ والخطاب هنا لولاة الأمور. ٢٥ - أن المبعوثين حكمان وليسا وكيلين، كما قاله بعض العلماء، تؤخذ من قوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا﴾ والحكم مستقل. ٢٦ - أنه لا بد أن يكون عند الحكمين علم بالشرع؛ لأن الحكم لا يمكن أن يحكم إلا بعد العلم، ولا بد أن يكون لديهما أمانة وثقة دينية؛ لأن غير الثقة لا يؤمن، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] والحاكم مخبر وملزم وفاصل، فهو مخبر عن حكم الله ملزم بما يحكم به فاصل بين الخصمين، فلا بد أن يكون عدلًا في دينه. ٢٧ - الإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الحاكم عالمًا بأحوال من يحكم فيهم، لقوله: ﴿مِنْ أَهْلِهِ﴾ .. ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾؛ لأن الذي من أهله وأهلها أقرب إلى العلم بحالهم من الرجل الأجنبي،

стр. 298

وعلى هذا فلا ينبغي أن يُولَّى قاض على قوم لا يعرف طبائعهم، ولا يعرف لسانهم، ولا يعرف أحوالهم، فإن هذا يحصل به شيء كثير من الغلط. ٢٨ - جواز حكم القريب لقريبه أو عليه، أما حكمه عليه فلا إشكال فيه لانتفاء التهمة، وأما حكمه له فقد يكون فيه تهمة، فما هو الشيء الذي يمكن أن تكون فيه التهمة التي تمنع من نفوذ الحكم؟ قال بعض العلماء: إن الإنسان لا يحكم لأصله، ولا لفرعه، ولا لزوجه؛ لأنه متهم بقوة الصلة، ففرعه بعض منه لقول الرسول ﵊: "إنما فاطمة بضعة مني" (١) وأصله هو بعض منه، وعلى هذا فلا يحكم لأصله ولا لفرعه. والقول الصحيح أنه يحكم لأصله وفرعه إذا قويت الثقة، ونتأكد هنا في الثقة أكثر مما نتأكد من الأجنبي أو من القريب البعيد. ٢٩ - الإشارة إلى حسن النية في الحكم، لقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ وأنه يجب على الإنسان المحكَّم أن يكون رائده الإصلاح لا غير، لا إرضاء فلان ولا فلان. ٣٠ - أن النية الطيبة سبب لصلاح العمل، لقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، وعلى هذا سنأخذ فائدتين متعاكستين:

стр. 299

٣١ - تحريم سوء النية في الحكم، وأن سوء النية يفضي إلى فساد الأمر؛ لأن ما حصل بشيء فات بفواته. ٣٢ - أن الأمور بيد الله حتى الأمور الجزئية، لقوله: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، فيكون في هذا رد على المعتزلة الذين يرون أن العباد يخلقون أفعالهم ولا علاقة لله بها، وهم قدرية، فالمعتزلة قدرية. ٣٣ - أن الجزاء من جنس العمل، وجهه: أنه لما أرادا الإصلاح أثابهم الله ، بالتوفيق لقوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. ٣٤ - إثبات صفتي العلم والخبرة، من قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾، والخبرة أخص من العلم؛ لأنها علم ببواطن الأمور، ولا يستفاد من قوله: ﴿كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ أنه الآن ليس كذلك، بل كان ولا زال، والمراد بها تحقيق الصفة، فهي مسلوبة الزمان. ٣٥ - أن للحكمين التفريق والتوفيق بين الزوجين اللذينِ خيف الشقاق بينهما، سواء بعوض أو بدون عوض. ٣٦ - أن حكمهما ملزم؛ لأن الله سماهما حكمين، والحكم قوله لازم وحكمه فصل. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].

стр. 300

﴿وَاعْبُدُوا﴾ العبادة التذلل والتطامن، والخضوع والتواضع، وما أشبه ذلك، وكلها تدور على الذل، ومنه قولهم: طريق معبد أي: مذلل للسالكين مهيأ لهم، والمراد بعبادة الله سبحانه: القيام بأمره. قوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ لا: ناهية، والشرك: أن يساوى غير الله بالله فيما هو من حقوقه فيجعل ندًا له. وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النهي، فتعم أن لا تشركوا بالله نبيًا ولا رسولًا، ولا ملكًا ولا أي شيء، ثم النهي عن الشرك يشمل أي نوع من أنواع الشرك، وسيأتي إن شاء الله في استنباط الفوائد ما فيه الكفاية. قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: عطف حق الوالدين على حق الله ؛ لأن حق الله أعظم الحقوق، وحق الرسول ﷺ أعظم من حق الوالدين، لكنه داخل في حق الله؛ لأن العبادة لا تتم إلا بإخلاص ومتابعة، والمتابعة هي أداء حق الرسول ﵊. وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾: تثنية والد وهما الأم والأب، ويدخل في ذلك الجد والجدة، ولكن حق الأقرب أولى من الأبعد. وقوله: ﴿إِحْسَانًا﴾ مصدر أحسن يحسن، وهل الجار والمجرور متعلق به، أو هو متعلق بفعل محذوف دل عليه المصدر؟ فعلى الأول يكون تقدير الكلام وإحسانًا بالوالدين، ويكون المصدر هنا بمعنى الفعل، وعلى الثاني يكون التقدير: وأحسنوا ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؟ الأقرب أن يكون الجار والمجرور متعلقًا

стр. 301

بمحذوف دل عليه المصدر الموجود؛ وذلك لأن عمل المصدر ضعيف فلا يسبقه معموله، فالمصدر لا يعمل فيما قبله، وعلى هذا فنقول: ﴿إِحْسَانًا﴾ مفعول مطلق عامله محذوف، والتقدير: أحسنوا ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. ومعاملة الوالدين لا تخلو من إحدى حالات ثلاث: إساءة، وإحسان، ولا إساءة ولا إحسان، والمأمور به هو الإحسان، وضده الإساءة، أو لا إساءة ولا إحسان، فلا بد من الإحسان بالوالدين. وقوله: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ ذي: بمعنى صاحب، والقربى بمعنى القرابة، والدليل على أن القربى بمعنى القرابة قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] أي: المودة في القرابة؛ أي: بسبب القرابة؛ أي: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ ولكن ودوني بسبب قرابتي منكم لأنني ابنكم. فهنا قوله: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ أي: بصاحب القرابة، فنص على الوالدين أولًا، وثنى بالقرابة، وذلك لأنه لا قرابة لك إلا بواسطة الوالدين، فمن الذي وصلك بعمك أو بخالك أو بأخيك أو بأختك إلا الوالدان، فلهذا جعلت منزلة القرابة بعد منزلة الوالدين. قوله: ﴿وَالْيَتَامَى﴾: جمع يتيم، وهو من مات أبوه قبل أن يبلغ، وإنما أمر بالإحسان إلى اليتامى لانكسار قلوبهم بفقد مربيهم وهو الأب، فأما من ماتت أمه دون أبيه فليس بيتيم. قوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: جمع مسكين، وهو المعدم من المال، ويدخل فيه هنا الفقير؛ لأن الفقير والمسكين كلمتان إن ذكرتا

стр. 302

جميعًا اختلف المعنى فيهما، وإن انفصلت إحداهما عن الأخرى صارت كل واحدة بمعنى الأخرى. وسمي المعدم مسكينًا لأن الفقر أسكنه وأذله، فالإنسان الفقير ذليل، ولهذا لا يطمع أن يصل إلى المرتبة التي وصل إليها الأغنياء إلا إذا كان فيه وصف يصعد به إلى درجة الأغنياء. فمثلًا: الإنسان الفقير يعرف نفسه أنه ضعيف الرتبة عن الأغنياء، لكن لو فرض أن هذا الإنسان الفقير شجاع مقدام، صار هذا الوصف الذي فيه يرقيه إلى أن يكون في مرتبة الأغنياء أو أكثر، ولو فرضنا أن هذا الفقير ذو علم، صار في منزلة ترقيه إلى درجة الأغنياء أو أكثر، لكن مجرد كونه آدميًا وهو فقير لا يطمع في أن ينال مرتبة الأغنياء، ولهذا وصى به الله . قوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ الجار: هو من كان قريبًا منك في المنزل، ومن المعلوم أنه يختلف قربه بحسب المسافة، ولكن الجار القريب إما أن يكون قريبًا منك في النسب أو بعيدًا، وأشار الله تعالى إلى الصنفين، فقال: ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾ أي: ذي القرابة، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ أي: البعيد؛ لأن الجيم والنون والباء كلها مادة تدل على البعد، فالمعنى الجار البعيد الذي ليس بينك وبينه قرابة. وقيل: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ أي: القريب منك في السكن، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ البعيد في السكن، ولكن المعنى الأول أصح، والمعنى الثاني يغني عنه قوله: ﴿وَالْجَارِ﴾؛ لأن الجار هو من قرب منك في المنزل، ويعلم منه أنه كما قرب منك في المنزل كان أقرب جوارًا.

стр. 303

قوله: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ يعني: الذي يصاحبك في جنبك، وقد اختلف المفسرون فيه، فقيل: إنه الزوجة، وقيل إنه صاحبك في السفر، واللفظ يحتمل المعنيين فيحمل عليهما، فالإنسان مأمور بأن يحسن بـ ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ أي: بالزوجة أو بالصاحب في السفر؛ لأن كلًا منهما له حق للصحبة. قوله ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أي: المسافر، والسبيل الطريق، وسمي المسافر ابن سبيل لملازمته له، كما يقال: "ابن الماء" لطير الماء الملازم للماء، فهناك طيور تلازم الماء، وتحوم على البحار تلتقط ما يحصل من سمك وغيره، فيسمى هذا الطير ابن الماء، ويسمى المسافر الذي جد به السير ابن السبيل؛ لأنه ملازم للطريق. قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: أحسنوا بما ملكت أيمانكم، وكلمة "ما" اسم موصول؛ أي: والذي ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، والإسم الموصول يفيد العموم، فيشمل ما ملكت أيماننا من الإنسان وما ملكت أيماننا من الحيوان، وكلاهما مأمور بالإحسان إليه، والإحسان إلى الإنسان أوكد من الإحسان إلى البهائم، ولهذا نجد أننا نكفل البهائم من أجل مصلحتنا، ونذبح الشاة نتفكه بها لحمًا، وعلى هذا نقول: ما ملكت الأيمان يشمل الإنسان والحيوان، ولكنه بالإنسان أوكد؛ لأن حق الإنسان أعظم من حق الحيوان. ثم قال الله في ختام الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ أي: إن الله لا يحب الذي كان مختالًا، و ﴿كَانَ﴾ هنا فعل ماض لكنها مسلوبة الزمنية، والمراد لا يحب

стр. 304

من اتصف بالإختيال والفخر، والمختال في هيئته، والفخور بلسانه، فالإختيال يكون بالفعل والفخر يكون باللسان، فمن كان مختالًا في فعله فإن الله لا يحبه، ومن كان فخورًا بقوله فإن الله لا يحبه أيضًا. وختم الآية بهذه الجملة لأن الغالب أن من يستكبر عن عبادة الله، وعن هذه الوصايا النافعة؛ فالغالب عليه أنَّ فيه اختيالًا، وفيه فخرًا واستنكافًا واستكبارًا، فلهذا ختم الله هذه الآية المشتملة على هذه الوصايا العظيمة بهذه الجملة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. فهذه الآية فيها بيان حقوق: حق الله، وحق غيره من الناس، وغير الناس. من فوائد الآية الكريمة: ١ - وجوب عبادة الله، لقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾، والأمر هنا للوجوب بالإجماع، ولا أحد يمكن أن يقول إن هذا الأمر للإستحباب. ٢ - تحريم الشرك، لقوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. ٣ - أن الشرك بأنواعه: صغيره وكبيره، خفيه وجليه، كله محرم، لقوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ فهو عام، وعليه: يكون الرياء حرامًا؛ لأنه شرك، ويكون الحلف بغير الله حرامًا لأنه شرك، ويكون تسوية الله بغيره حرامًا بمثل: ما لي إلا الله وأنت، وما أشبه ذلك؛ لأنه شرك. والعلماء ﵏ كتبوا في هذا الموضوع - أي: في الشرك وأنواعه - كتابات كثيرة، من أحسنها كتاب التوحيد لشيخ

стр. 305

الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، فإنه بيّن أنواعًا كثيرة من الشرك. ٤ - أن الإثبات المحض لا يدل على التوحيد، ويؤخذ ذلك من أنه لما أمر بالعبادة قال: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾، وذلك أن الإنسان قد يعبد الله لكن يعبد غيره، فنقول: إذا عبد مع الله غيره فإنه لم يخلص العبادة لله، والمطلوب إخلاص العبادة له. ٥ - وجوب الإحسان إلى الوالدين، لقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ولكن التعبير القرآني يقول: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ولم يقل: وإلى الوالدين؛ لأن المطلوب مباشرة الإنسان بالإحسان إلى والديه لا إيصال الإحسان فقط، ولو قال: إلى الوالدين إحسانًا كان المطلوب إيصال الإحسان فقط. ٦ - أن أعظم حقوق البشر حق الوالدين؛ لأن الله جعله في المرتبة الثانية بعد حقه، ولا يرد على هذا حق الرسول ﵊؛ لأن حق الرسول داخل في حق الله، ووجهه: أن العبادة لا تتم إلا بالإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ ، وإذا تحققت متابعة الرسول فقد أديت حقه، والرسول لا يسألنا أجرًا إنما يسألنا أن نتعبد لله بما شرع. ٧ - تحريم الإساءة إلى الوالدين؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده. ٨ - أن من لم يحسن ولم يسئ فهو مقصر؛ لأن الله أمر بالإحسان، وخلاف الإحسان شيئان: إساءة وعدم إساءة وإحسان، وهذا خلاف ما أمرنا الله به. ٩ - الأمر بالإحسان إلى القرابة، لقوله ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾،

стр. 306

وفائدة إعادة حرف الجر ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ الإشارة إلى أن الإحسان إلى القرابة مستقل، بمعنى أنه لو فرض أن الرجل ليس له والدان فحق القرابة ثابت، ولا نقول: إن حقهما مبني على حق الوالدين تابع له؛ لأن الوالدين قد يكونان ميتين، فحق القرابة باق. ١٠ - أن الأقرب فالأقرب أولى بالإحسان، ويؤخذ من أن الله قدم الوالدين وهما أقرب القرابات، فقياسًا على ذلك نقول: من كان أقرب من بقية القرابات فهو أحق، هذا وجه، والوجه الثاني: أن المعلق على وصف يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف بضعف ذلك الوصف، والحكم هنا معلق على القرابة، فكل من كان أقرب كان حقه أوكد، فصارت الدلالة على أننا نقدم الأقرب فالأقرب من وجهين: الوجه الأول قياسي، والثاني معنوي. ١١ - الأمر بالإحسان إلى الأيتام، لقوله: ﴿وَالْيَتَامَى﴾، والإحسان إلى الأيتام يكون بالمال ويكون بالقول ويكون بالفعل. ١٢ - الأمر بالإحسان إلى المساكين، لقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾، ونقول في المساكين كما قلنا في القربى بأن من كان أشد مسكنة كانت الوصية به أوكد؛ لأنه علق على وصف، أما اليتيم فلا يتنوع؛ لأن اليتم واحد، يعني أن من له أربع عشرة سنة ومن له سنة واحدة فهما سواء في اليتم. ١٣ - الأمر بالإحسان إلى الجار سواء كان قريبًا أم بعيدًا، لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم

стр. 307

جاره" (١)، فعلق الرسول ﷺ كمال الإيمان على إكرام الجار، والإكرام ضد الإهانة. ١٤ - الأمر بالإحسان إلى الصاحب بالجنب: الزوجات والأصحاب في السفر، لقوله: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾. ويمكن أن نقول ما قلنا فيما سبق في الأوصاف ولا شك، فالنساء - أعني: الزوجات - تختلف صحبتهن لأزواجهن، وكذلك المسافرون أصحاب السفر تختلف صحبته معك في السفر، فكل من كان أقوم بهذه الصحبة كان أحق بالإحسان. ١٥ - الأمر بالإحسان إلى ابن السبيل؛ لأن الغالب أنه يكون محتاجًا، وإذا قدر انتفاء حاجته بغناه فإنه يكون غريبًا في البلاد، والغريب يحتاج إلى عناية؛ فيحتاج إلى من يدله على الطريق، وإلى من يدله على ما فيه مصالحه، فهو في حاجة. ١٦ - الأمر بالإحسان إلى ما ملكت الأيمان، لقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: من آدمي أو حيوان؛ لأنه كله ملك لأيماننا. ١٧ - جواز التعبير بالبعض عن الكل، لقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، والمراد ما ملكتم؛ لكن هذا شيء معلوم. ١٨ - تحريم الإساءة إلى من ذُكر، وجهه: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فإذا كان الله تعالى أمر بالإحسان إلى هؤلاء

стр. 308

فالإساءة إلى هؤلاء حرام، ومن أشد ما يكون الإساءة إلى الوالدين، ثم ذوي القربى، ثم اليتامى، ثم المساكين، ثم الجيران، وقد قال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده! لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه" (١) يعني: ظلمه وغشمه، فنفى الإيمان عن الشخص الذي لا يأمن جاره بوائقه، فكيف بمن أصابته بوائق جاره فذلك يكون أشد، نسأل الله السلامة. ١٩ - عناية الله سبحانه بعباده، من وجوه في هذه الآية: أولًا: من جهة القيام بحق الوالدين والقرابات. وثانيًا: من جهة جبر النقص الذي يحصل على بعض الناس مثل المساكين واليتامى. وثالثاً: أن حسن الجوار سبب للإلتحام وللإلتئام بين الناس وعدم الكراهية والبغضاء، ولهذا يوجد في وقتنا أن كثيرًا من الجيران لا يعرف جاره ولا يدعوه في المناسبات، ولا يرسل إليه الهدايا، وقد قال النبي ﷺ : "إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك" (٢)، وهذا مع الأسف غير موجود، مع أن فيه فائدة اجتماعية عظيمة، فهو من عناية الله بالخلق. ٢٠ - أن الله تعالى أرحم بالإنسان من أولاده، ويؤخذ من قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ حيث أمر الولد أن يحسن إلى والده، وهذا يدل على أن الله أرحم بالإنسان من أولاده، كما أن قول الله

стр. 309

تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] يدل على أن الله أرحم بالإنسان من والديه، وهذا هو الواقع. كانت امرأة فقدت صبيًا لها في السبي، فجاءت إلى النبي ﷺ في المدينة تنظر في السبايا وقد زاغ عقلها، فلما وجدت صبيها أخذته وضمته إلى صدرها، فقال الرسول ﵊: "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ " قالوا: لا يا رسول الله! وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: "لله أرحم بعباده من هذه بولدها" (١)، ولا يصيبنا ما يصيبنا مما يخالف الرحمة إلا بأسباب ذنوبنا: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. ٢١ - إثبات المحبة لله، وتؤخذ من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. فإذا قال قائل: هذا نفي وليس بإثبات. فالجواب: أن نقول: لو كانت المحبة منتفية ولا تجوز على الله لم يكن لنفيها فائدة هنا، وعلى هذا فإنها تدل على إثبات المحبة لله، ومذهب السلف وأهل السنة إثبات المحبة لله حقيقة، وأنه جل وعلا يحب، وأن محبته تتعلق بالأعمال، وتتعلق بالأشخاص، وتتعلق بالأزمنة، وتتعلق بالأمكنة، فقد سئل الوسول ﵊: "أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة

стр. 310

على وقتها" (١) وهذا تعليق المحبة بالأعمال. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] هذا تعليق لها بالأشخاص المعينين بالوصف، وتكون متعلقة بالأشخاص المعينين بالشخص كقول الرسول ﷺ : "إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا" (٢)، والخلة أعلى أنواع المحبة، وتكون معلقة بالأماكن، "أحب البقاع إلى الله مساجدها" (٣)، وربما تكون معلقة بالزمن، مثل قوله ﷺ : "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر" (٤)، فإن كان الزمن محبوبًا إلى الله فيها فإن الله يحبها، وفي هذا الإستدلال ضعف، لكن على كل حال محبة الله تكون مقيدة بما قيدها الله به، فهي ثابتة لله حقًا.

стр. 311

وأنكر المحبة المعطلة من الأشاعرة والمعتزلة والجهمية ومن شابههم، وقالوا: لا يمكن أن الله يحب، والمحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين، فيحب الرجل زوجته، ويحب ابنه، ويحب صديقه، ولا تناسب بين الخالق والمخلوق، فكيف يحب الله الشخص؟ كيف يحب الرسول؟ قالوا: والمراد بالمحبة في القرآن إرادة الثواب، أو الثواب نفسه. ونقول لهم: إذا قلنا هي إرادة الثواب فإرادة الثواب لا تكون إلا على شيء محبوب، وهل يريد الله أن يثيب أحدًا وهو يكرهه؟ لا يمكن، إذًا: ما دمتم أثبتم الثواب فيلزمكم أن تثبتوا المحبة، إذ لا يمكن أن تكون إرادة الثواب أو الثواب نفسه إلا على شيء محبوب لله. وأما قولكم: إن المحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين، فقول باطل، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "أُحد جبل يحبنا ونحبه" (١)، والجبل كومة من الأحجار والأتربة وغيرها، فهو جماد، ومع ذلك قال: "يحبنا ونحبه". وكذلك أيضًا الحيوان يحبه الإنسان وهو يحب الإنسان، وكون الإنسان يحبه واضح، فكثيرًا ما تحب بعيرك على بعير غيرك، أو شاتك على شاة غيرك. وهي تحبك أيضًا، وهذا مشاهد فالناقة تأتي إلى صاحبها من بين الناس، تأتي إليه وتستجديه، وقد شوهد في الإبل أن

стр. 312

الإنسان إذا أراد أن ينام في الليالي الباردة يجعل البعير بينه وبين الريح، وينام تحت الناقة في حضنها، وأن الناقة تميل عليه لتكون عليه كالغطاء، يحدثنا بذلك أهل الجمال، يقول: تنحني عليه حتى يدفأ منها وتقيه البرد، وهذا يدل على أنها تحبه، ولو كانت تكرهه لطحنته ولم تقه البرد. * * * * قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)﴾ [النساء: ٣٧]. قال الله ﵎ في ختام آية الحقوق السابقة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾: مختالًا في هيئته، فخورًا في لسانه بقوله، والمراد بالفخور الذي يتحدث بما عليه من الصفات افتخارًا على الناس لا إخبارًا بنعمة الله ، فأما إذا كان إخبارًا بنعمة الله فإنه تحدث بنعمة الله، وهو مشروع. وبين صفات الله هذا المختال الفخور فقال: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. فقوله: ﴿الَّذِينَ﴾ يجوز أن تكون بدلًا من "مَنْ" في قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ باعتبار المعنى؛ لأن ﴿مَنْ﴾ مفردة اللفظ مجموعة المعنى؛ أي: صالحة للجمع والمفرد، ولفظها: "مَن" مفرد، ويجوز أن يوصف بالجمع باعتبار المعنى. فقوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ يجوز أن تكون صفة لـ "مَن"، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير: هم الذين ﴿يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾.

стр. 313

وقوله: ﴿بِالْبُخْلِ﴾ فيها قراءتان، بالبُخْلِ وبالبَخَل. والبخل هو إمساكُ ما يجب بذله من مال أو علم أو جاه أو عمل، فكل ما يجب بذله من هذه الأشياء فمنعه بخل، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ : "البخيل من إذا ذكرت عنده لم يصل علي" (١) اللهم صل وسلم عليه. فهذا بخل بما يجب من عمل، وما يجب من جاه؛ كالشفاعة الواجبة إذا بخل بها الإنسان فإن هذا بخل، وما يجب من مال وأعلاه الزكاة، فهذا بخل بما يجب من المال. والرابع: ما يجب من العلم، فمنعه بخل، وهو من أشد أنواع البخل قال الله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وفي الحديث: "من سُئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة" (٢)، فهذه أنواع البخل. وأيضًا: البخل بالبدن إذا وجب عليك إعانة مسلم؛ كإنقاذه من حريق أو غرق أو هدم أو غير ذلك فلم تفعل، فإنك تكون من أهل البخل.

стр. 314

إذًا: تعريف البخل: هو منع ما يجب بذله من مال أو علم أو عمل أو جاه أو بدن. وإن شئنا أدخلنا كلمة البدن بالعمل؛ لأنه في حقيقة الأمر هو عمل. قوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ أي: فيتعدى ضررهم إلى غيرهم، فإذا جاءهم من يستشيرهم في أمر فيه بذل قالوا: ليس له داع؛ ادخر مالك فربما تحتاجه في المستقبل! بل إذا رأوا من يريد أن ينفق وإن لم يستشرهم ذهبوا يأمرونه بالبخل. قوله: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يسترونه، وقوله: ﴿مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يشمل ما آتاهم من فضله من المال أو ما آتاهم الله من فضله من العلم، أو غير ذلك، فكل ما آتاهم الله من فضله يتسترون به، لئلا يلومهم الناس إذا بخلوا، فإنهم إذا كتموا ما عندهم مما آتاهم الله من فضله لم يعلم الناس أن عندهم فضلًا يمكن أن يبذلوه، فيكتمون لئلا يلومهم الناس إذا بخلوا به. وقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: من عطائه وإفضاله. قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ أعتدنا أي: هيأنا وأعددناه لهم، والكافرون هم الذين كفروا بالله ورسوله، والكفر أنواع كثيرة، منه أصغر ومنه أكبر، والأكبر قولي وفعلي وجحدي، وهو أنواع معروفة عند أهل العلم ذكره الفقهاء في باب حكم المرتد، وذكره المتكلمون على التوحيد في أبواب التوحيد. وقوله: ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ أي: ذا إهانة يهينهم ويذلهم؛ لأنهم إذا دخلوا النار وُبِخوا على أعمالهم، وقيل لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ

стр. 315

مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وفي هذا إهانة لهم مع ما هم عليه من العذاب الأليم. وفي هذه الآية إظهار في موضع الإضمار، وهو قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ ولم يقل: أعتدنا لهم، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد: منها: إرادة العموم، فإن قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ يشمل هؤلاء وغيرهم. ومنها: الحكم على هؤلاء بما يقتضيه هذا الوصف، وهو وصف الكفر، فيكون الذين ذكرهم الله هم الكافرون. ومنها: إفادة عِلِّية الحكم المذكور لهؤلاء؛ لأن الوصف الذي علق عليه الحكم يكون علةً لذلك الحكم، ومن القواعد المقررة: أن الحكم إذا علق بوصف فإنه يقوى بقوة ذلك الوصف، ويضعف بضعف ذلك الوصف. من فوائد الآية الكريمة: ١ - ذم البخل، وهو أنواع، والبخل بما يجب شرعًا أعظم من البخل بما يجب عرفًا، والبخل بالفضل دون البخل بالواجب، فالضيافة مثلًا تجب يومًا وليلة، فالبخل فيها أشد من البخل في كامل الضيافة وهو ثلاثة أيام، فمن بخل بيوم وليلة أشد ذمًا ممن بخل بثلاثة أيام. ٢ - أن هؤلاء الذين أساءوا في عملهم كانوا دعاة سوء، يأمرون الناس بالبخل، والأمر بالبخل أشد من الدعوة للبخل، وعلى هذا فيكونون آمرين، ومن باب أولى داعين للبخل، فيكونون دعاة سوء.

стр. 316

٣ - ذم من يكتم ما آتاه الله من فضله، والكتمان نوعان: كتمانٌ فعلي، وكتمانٌ قولي: فالكتمان الفعلي: أن لا يرى أثر نعمة الله على العبد، فيعطيه الله المال فيخرجٍ إلى الناس بلباس الفقراء وبمركوب الفقراء، لا تعففًا ولكن بخلًا. والكتمان القولي: أن يتحدث عند الناس فيقول: أنا ليس عندي مال، أنا متوسط الحال، أو يزيد ويقول: أنا فقير، أو ما أشبه ذلك. والآية تدل على ذم كتمان ما آتى الله من فضله. ٤ - الثناء على الكرماء الآمرين بالكرم المظهرين للفضل، وتؤخذ من أنه إذا ذم الشيء فضده ممدوح، فالكرماء والآمرون بالكرم، والمظهرون لفضل الله لا شك أنهم يمدحون على هذا، ولهذا جاء في الحديث: "إن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه" (١). ٥ - أن ما بنا من النعم فهو من الله، لقوله: ﴿مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فالنعم كلها من الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]. ٦ - أن هذه الصفات صفات كفر، لقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. ٧ - إثبات وجود النار، ويؤخذ من قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ بمعنى: هيأنا، إذًا: فالنار وعذاب الكافرين مهيأ الآن، ومذهب أهل السنة والجماعة أن النار والجنة موجودتان الآن وأنهما لا تفنيان. * * *

стр. 317

* قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾: هذا وصف قبيح أيضًا، وعطف الصفات بعضها على بعض مع أن الموصوف واحد يفيد إثبات ما سبق، وأن هذا أمر زائد عليه، والصفات المتكررة لموصوف واحد يجوز فيها وجهان في اللغة: إسقاط حرف العطف، وإثبات حرف العطف. فقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى: ١ - ٤] فهذه الآيات جمعت بين الأمرين بين حذف حرف العطف وبين إثباته، فالصفة الأولى فيها إسقاط حرف العطف ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢)﴾، والصفة الثانية والثالثة فيها إثبات حرف العطف، مع أن الموصوف واحد، ولكن التغاير هنا بين المعطوف والمعطوف عليه تغاير صفة لا تغاير ذات، ولكن حرف العطف يفيد إثبات ما سبق. هنا قول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾، "ينفقونها": يبذلونها، و ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾: مفعول من أجله؛ أي: من أجل أن يراهم الناس فيمدحوهم على البذل، وليس ذلك من أجل التقرب إلى الله، لقوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فلا يؤمنون بالله فيتقربوا إليه، ولا باليوم الآخر فيرجوا ثوابه، بل هم منكرون لله ولليوم الآخر، وهذا فيمن كان كفره تمامًا، أما من كان كفره ظاهرًا فإنه قد ينفق رئاء الناس

стр. 318

ولكن لا يصل ذلك إلى حد نفي الإيمان بالله واليوم الآخر. قوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه﴾: والإيمان بالله يتضمن أربعة أشياء: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، وأنه منفرد بذلك. وقوله: ﴿وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: اليوم الآخر هو يوم القيامة، وسمي يومًا آخر لأنه لا يوم بعده، فكل ما سبق فإن بعده شيئًا، فالدار الأولى البطن، وبعدها الخروج إلى الدنيا، وبعد الخروج إلى الدنيا البرزخ، ثم اليوم الآخر النهاية، ولهذا نقول: إن القول عن الميت "إنه حُمِل إلى مثواه الأخير"، كلمة خطيرة جدًا، مضمونها إنكار البعث؛ لأنه إذا كان القبر مثواه الأخير فمعناه أنه ليس بعده بعث، وهذه الكلمة يكثر ذكرها في الجرائد والمجلات، وعلى ألسنة بعض من يدَّعون أنهم مثقفون، لكنها في الواقع غير صحيحة إلا لإنسان لا يؤمن بالبعث. قوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾: هنا إشكال نحوي وهو جر الفعل المضارع، في قوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ﴾ والمعروف أن الجر إنما يكون في الأسماء، لكنه غير مجرور؛ وإنما محرك بالكسر لالتقاء الساكنين، ولولا الساكن الذي بعده وهو همزة الوصل، لكان مجزومًا. وقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ﴾ ولم يقل: ومن يكون لأن "مَن" شرطية تجزم فعلين، الأول فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه. قوله: ﴿الشَّيْطَانُ﴾ المراد به الجنس؛ لأن كل واحد من الناس له قرين، فالمراد الشيطان الذي هو القرين السوء، قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ

стр. 319

قَرِينٌ (٣٦)﴾ [الزخرف: ٣٦] أي: يقارنه دائمًا، فإذا عشى عن ذكر الرحمن وأعرض عن ذكر الله، جاءه الشيطان فصار يأمره بالمنكر وينهاه عن المعروف. وقوله: ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾: الجملة جملة إنشاءٍ للذم، واقترنت بالفاء في جواب مَن لأن الفعل جامد، وقد قيل فيما يجب اقترانه بالفاء إذا وقع جوابًا للشرط: اسميةٌ طلبيةٌ وبجامدٍ ... وبما وقد وبلن وبالتنفيس فإذا وقع جواب الشرط واحدة من هذه الجمل السبع وجب قرنه بالفاء، وقد تحذف قليلًا كقول الشاعر: من يفعل الحسنات الله يشكرها والتقدير: فالله يشكرها، لكن هذا قليل. وكلمة "ساء" تحتاج إلى فاعل، والفاعل هنا محذوف تقديره: فساء قرينًا قرينه. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ابتلوا بإنفاق المال على وجه لا خير فيه، على أنهم يبذلونه رئاء الناس، وهذا وجه لا خير فيه، بل إذا وقع تعبدًا كان شرًا. - ويترتب على هذه الفائدة أن من عدل عن المشروع ابتلي بالممنوع، فانظر قوم لوط لما عدلوا عن النساء ابتلوا بالذكران، فأتوا الذكران شهوة، وانظر إلى البخيل الذي يبخل بالزكاة كيف تجده يبذل ماله وبكل سهولة ويسر في غير فائدة، فيبذله للتنزه خارج البلاد الإسلامية، فيستهلك من الأموال أضعاف أضعاف ما يجب عليه بذله من الزكاة والنفقات الواجبة.

стр. 320

٢ - ذم من ينفق ماله لمراءاة الناس، ولكن لو أنفق الإنسان ماله علنًا ليراه الناس فيقتدوا به، فلا يدخل في الآية؛ لأن هذا أنفقه لله، لكن جعله علانية لمصلحة الإنفاق، وفرق بين من ينفق لا لشيء إلا ليراه الناس فيمدحوه، وبين من ينفق علنًا ليقتدي به الناس، ولهذا امتدح الله الذين ينفقون أموالهم سرًا وعلانية. ٣ - أن الشيطان يلعب بابن آدم، فهؤلاء الذين بذلوا ما يحبون من الأموال بذلوها في شيء لا ينفعهم، وثناء الناس على المرء في غير ما يحبه الله سينقلب بعد ذلك ذمًا ولا بد، ودليله: "من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس" (١)، ولذلك تجد الذين يراءون في الإنفاق إن حمدوا فإنهم يحمدون ساعتهم فقط، ثم ينقلب هذا الحمد ذمًا، فالشيطان يلعب بالإنسان ويغره وينفخه، حتى يظن أنه إذا أنفق أو عمل مراءاة للناس رفعه ذلك عند الناس. ٤ - أن المرائي عنده نقص في الإيمان بالله واليوم الآخر، لقوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ لأن الذي حملهم على المراءاة ضعف إيمانهم بالله واليوم الآخر، ولو كان إيمانهم بالله واليوم الآخر قويًا ما ابتغوا بالإنفاق إلا وجه الله والدار الآخرة. ٥ - ذم من لا يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه كافر والعياذ بالله، ومدح من آمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه مؤمن. ٦ - الثناء على من آمن بالله واليوم الآخر، وأن الإيمان بالله
следующие страницы →