← Тафсир

Тафсир · id 547

تفسير العثيمين: النساء

ابن عثيمين

Полный текст (1 106 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

٣ - ذم من يكتم ما آتاه الله من فضله، والكتمان نوعان: كتمانٌ فعلي، وكتمانٌ قولي: فالكتمان الفعلي: أن لا يرى أثر نعمة الله على العبد، فيعطيه الله المال فيخرجٍ إلى الناس بلباس الفقراء وبمركوب الفقراء، لا تعففًا ولكن بخلًا. والكتمان القولي: أن يتحدث عند الناس فيقول: أنا ليس عندي مال، أنا متوسط الحال، أو يزيد ويقول: أنا فقير، أو ما أشبه ذلك. والآية تدل على ذم كتمان ما آتى الله من فضله. ٤ - الثناء على الكرماء الآمرين بالكرم المظهرين للفضل، وتؤخذ من أنه إذا ذم الشيء فضده ممدوح، فالكرماء والآمرون بالكرم، والمظهرون لفضل الله لا شك أنهم يمدحون على هذا، ولهذا جاء في الحديث: "إن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه" (١). ٥ - أن ما بنا من النعم فهو من الله، لقوله: ﴿مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فالنعم كلها من الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]. ٦ - أن هذه الصفات صفات كفر، لقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. ٧ - إثبات وجود النار، ويؤخذ من قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ بمعنى: هيأنا، إذًا: فالنار وعذاب الكافرين مهيأ الآن، ومذهب أهل السنة والجماعة أن النار والجنة موجودتان الآن وأنهما لا تفنيان. * * *

стр. 317

* قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾: هذا وصف قبيح أيضًا، وعطف الصفات بعضها على بعض مع أن الموصوف واحد يفيد إثبات ما سبق، وأن هذا أمر زائد عليه، والصفات المتكررة لموصوف واحد يجوز فيها وجهان في اللغة: إسقاط حرف العطف، وإثبات حرف العطف. فقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى: ١ - ٤] فهذه الآيات جمعت بين الأمرين بين حذف حرف العطف وبين إثباته، فالصفة الأولى فيها إسقاط حرف العطف ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢)﴾، والصفة الثانية والثالثة فيها إثبات حرف العطف، مع أن الموصوف واحد، ولكن التغاير هنا بين المعطوف والمعطوف عليه تغاير صفة لا تغاير ذات، ولكن حرف العطف يفيد إثبات ما سبق. هنا قول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾، "ينفقونها": يبذلونها، و ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾: مفعول من أجله؛ أي: من أجل أن يراهم الناس فيمدحوهم على البذل، وليس ذلك من أجل التقرب إلى الله، لقوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فلا يؤمنون بالله فيتقربوا إليه، ولا باليوم الآخر فيرجوا ثوابه، بل هم منكرون لله ولليوم الآخر، وهذا فيمن كان كفره تمامًا، أما من كان كفره ظاهرًا فإنه قد ينفق رئاء الناس

стр. 318

ولكن لا يصل ذلك إلى حد نفي الإيمان بالله واليوم الآخر. قوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه﴾: والإيمان بالله يتضمن أربعة أشياء: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، وأنه منفرد بذلك. وقوله: ﴿وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: اليوم الآخر هو يوم القيامة، وسمي يومًا آخر لأنه لا يوم بعده، فكل ما سبق فإن بعده شيئًا، فالدار الأولى البطن، وبعدها الخروج إلى الدنيا، وبعد الخروج إلى الدنيا البرزخ، ثم اليوم الآخر النهاية، ولهذا نقول: إن القول عن الميت "إنه حُمِل إلى مثواه الأخير"، كلمة خطيرة جدًا، مضمونها إنكار البعث؛ لأنه إذا كان القبر مثواه الأخير فمعناه أنه ليس بعده بعث، وهذه الكلمة يكثر ذكرها في الجرائد والمجلات، وعلى ألسنة بعض من يدَّعون أنهم مثقفون، لكنها في الواقع غير صحيحة إلا لإنسان لا يؤمن بالبعث. قوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾: هنا إشكال نحوي وهو جر الفعل المضارع، في قوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ﴾ والمعروف أن الجر إنما يكون في الأسماء، لكنه غير مجرور؛ وإنما محرك بالكسر لالتقاء الساكنين، ولولا الساكن الذي بعده وهو همزة الوصل، لكان مجزومًا. وقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ﴾ ولم يقل: ومن يكون لأن "مَن" شرطية تجزم فعلين، الأول فعل الشرط والثاني جوابه وجزاؤه. قوله: ﴿الشَّيْطَانُ﴾ المراد به الجنس؛ لأن كل واحد من الناس له قرين، فالمراد الشيطان الذي هو القرين السوء، قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ

стр. 319

قَرِينٌ (٣٦)﴾ [الزخرف: ٣٦] أي: يقارنه دائمًا، فإذا عشى عن ذكر الرحمن وأعرض عن ذكر الله، جاءه الشيطان فصار يأمره بالمنكر وينهاه عن المعروف. وقوله: ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾: الجملة جملة إنشاءٍ للذم، واقترنت بالفاء في جواب مَن لأن الفعل جامد، وقد قيل فيما يجب اقترانه بالفاء إذا وقع جوابًا للشرط: اسميةٌ طلبيةٌ وبجامدٍ ... وبما وقد وبلن وبالتنفيس فإذا وقع جواب الشرط واحدة من هذه الجمل السبع وجب قرنه بالفاء، وقد تحذف قليلًا كقول الشاعر: من يفعل الحسنات الله يشكرها والتقدير: فالله يشكرها، لكن هذا قليل. وكلمة "ساء" تحتاج إلى فاعل، والفاعل هنا محذوف تقديره: فساء قرينًا قرينه. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله ابتلوا بإنفاق المال على وجه لا خير فيه، على أنهم يبذلونه رئاء الناس، وهذا وجه لا خير فيه، بل إذا وقع تعبدًا كان شرًا. - ويترتب على هذه الفائدة أن من عدل عن المشروع ابتلي بالممنوع، فانظر قوم لوط لما عدلوا عن النساء ابتلوا بالذكران، فأتوا الذكران شهوة، وانظر إلى البخيل الذي يبخل بالزكاة كيف تجده يبذل ماله وبكل سهولة ويسر في غير فائدة، فيبذله للتنزه خارج البلاد الإسلامية، فيستهلك من الأموال أضعاف أضعاف ما يجب عليه بذله من الزكاة والنفقات الواجبة.

стр. 320

٢ - ذم من ينفق ماله لمراءاة الناس، ولكن لو أنفق الإنسان ماله علنًا ليراه الناس فيقتدوا به، فلا يدخل في الآية؛ لأن هذا أنفقه لله، لكن جعله علانية لمصلحة الإنفاق، وفرق بين من ينفق لا لشيء إلا ليراه الناس فيمدحوه، وبين من ينفق علنًا ليقتدي به الناس، ولهذا امتدح الله الذين ينفقون أموالهم سرًا وعلانية. ٣ - أن الشيطان يلعب بابن آدم، فهؤلاء الذين بذلوا ما يحبون من الأموال بذلوها في شيء لا ينفعهم، وثناء الناس على المرء في غير ما يحبه الله سينقلب بعد ذلك ذمًا ولا بد، ودليله: "من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس" (١)، ولذلك تجد الذين يراءون في الإنفاق إن حمدوا فإنهم يحمدون ساعتهم فقط، ثم ينقلب هذا الحمد ذمًا، فالشيطان يلعب بالإنسان ويغره وينفخه، حتى يظن أنه إذا أنفق أو عمل مراءاة للناس رفعه ذلك عند الناس. ٤ - أن المرائي عنده نقص في الإيمان بالله واليوم الآخر، لقوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ لأن الذي حملهم على المراءاة ضعف إيمانهم بالله واليوم الآخر، ولو كان إيمانهم بالله واليوم الآخر قويًا ما ابتغوا بالإنفاق إلا وجه الله والدار الآخرة. ٥ - ذم من لا يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه كافر والعياذ بالله، ومدح من آمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه مؤمن. ٦ - الثناء على من آمن بالله واليوم الآخر، وأن الإيمان بالله

стр. 321

واليوم الآخر من أسباب الإخلاص واجتناب الرياء، لقوله: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. ٧ - أن الله قد يبتلي العبد بمقارنة الشيطان له، لقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾. ٨ - الحذر من مقارنة الشيطان للإنسان. فإن قال قائل: وأي شيءٍ أصل به إلى العلم بأن الشيطان كان قرينًا؟ فالجواب: أن نقول: بما يأمرك به، قال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، فإذا وجدت في نفسك من يأمرك دائمًا بالمعصية والبخل والفحشاء، فهذا هو الشيطان، فعليك أن تلجأ إلى الله ؛ لأن الله أمرك بذلك، قال الله : ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف: ٢٠٠] فهو يسمع استعاذتك ويعلم حالك، ويعلم كيف يدفع الشيطان عنك. ٩ - تقبيح وذم مقارنة الشيطان للإنسان، لقوله: ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾، وقد جاء في الحديث: "أن كل إنسان له قرين، ولكن القرين قد يسلم ويستسلم ولا يأمر بشر"؛ لأن الرسول ﷺ لما سئل: قيل: ولا أنت يا رسول الله! قال: "ولا أنا، ولكن الله أعانني عليه فأسلم" (١) يقال: إنه روي بضم الميم: "فأسلمُ"، وروي بفتحه: "فأسلمَ"، أما على رواية الضم فالمعنى: أعانني الله

стр. 322

فأنا أسلم منه، وأما على رواية الفتح فليس المراد أن القرين أسلم لله، ولكنه أسلم استسلامًا ظاهرًا، فهو من الإستسلام وليس من الإسلام لأنه شيطان، فإذًا: على الوجه الثاني يكون الله تعالى أعان الرسول ﷺ عليه حتى ذل وخضع واستسلم، فلا يأمر إلا بخير. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾ [النساء: ٣٩]. قال الله ﵎ موبخًا أولئك القوم الذين يختالون ويفخرون ويبخلون ويأمرون الناس بالبخل، أو الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فقوله: ﴿مَاذَا﴾ استفهام، لكن هل "ماذا" كلها استفهام، أو "ما" استفهام و"ذا" بمعنى الذي؟ في هذا قولان لعلماء النحو، مع اتفاق الجميع على أن الجملة استفهامية. والمراد بالإستفهام هنا التوبيخ، والمعنى: أي شيء عليكم إذا آمنتم؟ الجواب: لا شيء عليهم، وكما قال مؤمن آل فرعون: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]، فلو آمنوا وجربوا فماذا يكون عليهم؟ وقوله: ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ﴿لَو﴾ هنا شرطية، وجوابها محذوف دل عليه ما قبله، وقيل: إنها في مثل هذا التركيب لا تحتاج إلى جواب، أي: ما كان جوابه مذكورًا في غير محله بأن كان مقدمًا، فإنه لا يحتاج إلى جواب، وهذا الذي

стр. 323

نرى أنه أصح؛ لأنه ما دام قد تقدم ما يدل عليه أصبح ذكره مستغنيًا عنه، وحينئذٍ لا حاجة إلى تقديره؛ لأن الأصل عدم التقدير. وقوله: ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ سبق الكلام على مثلها فلا حاجة للإعادة. ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: أنفقوا مما رزقهم الله إخلاصًا لله لا رئاء الناس، والإنفاق بمعنى البذل، والرزق بمعنى: العطاء؛ أي: لو بذلوا مما أعطاهم الله على حسب ما يرضي الله ، وأعظم ما ينفق هو الزكاة، وما دون ذلك فهو دونها. قوله: ﴿وكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ أي: بما هم عليه من كفر، وبما هم عليه لو آمنوا بالله، ففي الجملة هنا ترغيب وترهيب؛ أي: لو آمنوا بالله وصدقوا الله لعلم الله بإيمانهم وأثابهم، ولو بقوا على كفرهم لكان الله بهم عليمًا. من فوائد الآية الكريمة: ١ - توبيخ من لم يؤمن بالله واليوم الآخر، لقوله: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾. ٢ - أن الإنسان يجب أن يوازن في الأمور بين النافع والضار، فينظر ماذا يترتب على إيمانه أو على كفره، حتى يختار خير الطريقين. ٣ - وجوب الإيمان بالله واليوم الآخر لتوبيخ من لم يؤمن بالله واليوم الآخر، والتوبيخ لا يكون إلا على شيءٍ محرم. ٤ - فضيلة الإنفاق، لقوله: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾.

стр. 324

٥ - أن المنفق لا ينفق من كيسه، لكنه منفق مما رزقه الله، فالفضل كل الفضل لله . ٦ - أن من أنفق أخلف الله عليه، لقوله: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: فالله تعالى سيعطيهم بقدر ما أنفقوا بل أكثر، ويشهد لهذا قوله ﵎: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] أي: يعطيكم خلفه، وفي الحديث: "أنفق ينفق عليك" (١). ٧ - بيان منَّة الله سبحانه على عباده بما أعطاهم، وأن العطاء عطاؤه. - ويتفرع على هذه الفائدة: أن تعتمد على الله في حصول الرزق، ولكن إذا قلنا بهذا فلا يعني أن لا نفعل الأسباب التي نصل بها إلى الرزق، فلا بد أن نفعل الأسباب، لكن مع الإعتماد على الله ، قال النبي ﵊: "لو أنكم توكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا" (٢) تغدو في أول النهار وهو الغداة خماصًا جائعة، وتروح في آخر النهار بطانًا شبعانة، ولم يقل: كما يرزق الطير تبقى في أوكارها ويأتيها رزقها، ولكن قال: تغدو وتروح.

стр. 325

إذًا: لا بد من عمل مع الإتكال على الله . ٨ - إثبات العلم لله تعالى بأحوال عباده، لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾. - ويتفرع على هذه الفائدة: الرغبة والرهبة، وذلك لأنك إذا علمت أن الله عليم بك خفت من مخالفته، ورجوت في موافقته، إذ لا يضيع شيءٌ على الله ، والإيمان بعلم الله يكسب الإنسان مراقبة الله سبحانه تمامًا؛ لأن أي شيء تفعله فهو عليم بك، فهذا يحمل الإنسان على الرجاء في فعل ما يحبه الله، وعلى الخوف من فعل ما يكرهه الله . * * * * قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ﴾: أصل الظلم النقص، لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أي: لم تنقص منه شيئًا، فهذا أصل الظلم، فالله لا ينقص الناس شيئًا، ولا ينقص الناس حقهم، كما قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢] أي: ظلمًا بعقوبته على شيءٍ لم يفعله، ولا هضمًا: أي نقصًا من ثواب حسناته. وقوله: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: زنة ذرة، والذرة يضرب بها المثل في التحقير، وإلا فإن الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة ولا دونه، وما جيء به على سبيل التحقير أو التكثير فإنه لا مفهوم له، كما قيل به في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ

стр. 326

يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] قيل إن المراد بذلك التكثير، وأن الرسول لو استغفر لهم سبعمائة ألف مرة ما غفر لهم، وحينئذٍ لا يكون له مفهوم، كذلك ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ المقصود بها المبالغة في التحقير، وما كان المقصود به المبالغة في التحقير فإنه لا مفهوم له. وعلى هذا فلو سألنا سائل: هل يظلم الله دون مثقال ذرة: قلنا: لا. قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ فيها قراءتان "وإن تك حسنةٌ"، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ ويختلف الإعراب على الوجهين، فعلى الرفع "وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ" تكون "كان" على هذه القراءة تامة؛ أي: لا تحتاج إلى خبر، والمقصود بكان التامة مجرد الدلالة على الحدوث لا على صيرورة شيءٍ إلى شيءٍ آخر، وأما "كان" الناقصة فإنها تدل على صيرورة شيءٍ إلى شيءٍ آخر، مثل: كان الرجل قائمًا، أي: بعد أن لم يكن قائمًا. وبالنصب على أنها ناقصة، واسمها مستتر تقديره هي؛ أي: وإن تكُ الفعلةُ التي يفعلها الإنسان حسنة يضاعفها. وفي قوله: ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ أيضًا قراءتان "يُضْعفها" و ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ وهي على القراءتين ساكنة الفاء؛ لأنها جواب الشرط المذكور في قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾. ومعنى "يضعفها" أو ﴿يُضَاعِفْهَا﴾: يجزي أكثر من الحسنة، وقد دلت النصوص على أن الحسنة تكون بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرة، وأن السيئة بمثلها. قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ هذا معنى قوله في

стр. 327

الحديث: "إلى أضعافٍ كثيرة" (١). فقوله: ﴿وَيُؤْتِ﴾: معطوفة على يضاعف، ولهذا جاءت مجزومة بحذف الياء. وقوله: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾: أي من عنده. والفائدة من ذكر قوله: "من لدنه" الإشارة إلى أن هذا الأجر عظيم جدًا، وذلك لأن العطاء يعظم بعظم المعطي، ونظير هذا ما علمه الرسول ﷺ أبا بكر ﵁ قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا .. " إلى قوله: "فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني .. " (٢). ﴿أَجْرًا﴾: أي ثوابًا. ﴿عَظِيمًا﴾: أي ذا عظمةٍ كثيرة لا يتصورها الإنسان. من فوائد الآية الكريمة: ١ - انتفاء الظلم عن الله ، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، وهذا النفي يتضمن إثبات كمال العدل، وليس المراد به مجرد انتفاء الظلم؛ لأن مجرد انتفاء الظلم لا يدل على كمال، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] أي: الوصف الأعلى.

стр. 328

وانتفاء الظلم المجرد لا يدل على الكمال؛ لأن انتفاء الظلم قد يكون لعدم قبول المنفي عنه لهذا الظلم، بمعنى: أنه ليس مما يقبل انتفاء الظلم أو ثبوت الظلم، فإذا نفي الظلم عما لا يقبله فإنه لا يعد مدحًا، فلو قلت: إن الجدار لا يظلم فليس في هذا مدح للجدار، لأن الجدار لا يمكن أن يظلم فلا يكون نفي الظلم عنه مدحًا؛ لأنه أصلًا لا يظلم، وربما يكون نفي العيب بعدم قدرة الشيء على هذا العيب، ولنجعل المثل الظلم، فقد يكون نفي الظلم عن شخص لا لكمال عدله ولكن لعجزه عن الظلم، وحينئذٍ لا يكون ذلك مدحًا بل يكون ذمًا، فصار انتفاء الظلم عما لا يقبل الظلم ليس مدحًا ولا ذمًا، وانتفاء الظلم عما يمكنه الظلم ولكنه عاجز يعتبر ذمًا، ومن ذلك قول الشاعر: قبيلة لا يغدرون بذمةٍ ... ولا يظلمون الناس حبة خردلِ فقوله: لا يغدرون بذمة لا يعني أنهم أوفياء بالذمم، وقوله: ولا يظلمون الناس حبة خردل لا يعني أنهم ذوو عدل، بل هذا تحقير لهم بأنهم لا يستطيعون أن يغدروا، ولا يستطيعون أن يظلموا، وقرينة ذلك قوله: "قبيلة" فإنها للتصغير، والتصغير يدل على التحقير. ومنه قول الحماسي يهجو قومه: لكن قومي وإن كانوا ذوي عددٍ ... ليسو من الظلم في شيءٍ وإن هانا يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرةً ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا وهذا ظاهره المدح، ولكن المراد به الذم، ولهذا قال: فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرسانًا وركبانًا ليت لي بهم؛ أي: بدلهم، فصار نفي الظلم عنهم وكونهم

стр. 329

يجزون بالسوء مغفرة وبالإساءة إحسانًا لعجزهم، وليس لكمال أخلاقهم. إذًا: فقوله : ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ليس المراد به مجرد نفي الظلم عن الله، بل المراد به إثبات كمال العدل، وأنه لكمال عدله لا يظلم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢]، وهذه القاعدة تكون في جميع ما نفى الله عن نفسه، فكل ما نفى الله عن نفسه، فإنه لا يراد به مجرد النفي، إنما المراد به إثبات كمال الضد، وإنه لكماله في ضد هذه المسألة انتفت عنه، ومن ذلك قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] أي: من تعب، لكمال قوته. ٢ - أن ما ذكر على سبيل المبالغة لا مفهوم له، لقوله: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ فلا مفهوم لقوله: مثقال ذرة أنه يظلم دون ذلك، بل لا يظلم مثقال ذرة ولا دونها، لكن عادة العرب ضرب المثل في الشيء الحقير بمثقال الذرة. ٣ - إثبات علم الله لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ﴾، فإنه يستلزم علمه بالظلم ومن يستحقه ومن لا يستحقه، مع أن الله تعالى لا يظلم أبدًا. ٤ - أن الله تعالى يضاعف الحسنات، لقوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾، وقد بين الله هذه المضاعفة بأن الحسنة بعشر أمثلها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرة. ٥ - أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه؛ لأن الحسنات تضاعف والسيئات لا تزاد فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾،

стр. 330

هذا نفي زيادة السيئات، والتضعيف في الحسنات: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾. ٦ - أن الله تعالى يجزي على الحسنة ثوابًا أكثر من المقابلة، فلا يقال: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فقط، بل هناك شيء فوق هذا وهو قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ٧ - أن الحسنة تجذب الحسنة، وتؤخذ من قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ لأن هذا الأجر قد يكون سببه زيادة الحسنات بسبب الحسنة الأولى، فمن نعمة الله أن الإنسان إذا عمل العمل الصالح وفق لعمل آخر. * * * * قال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١]. لما ذكر أن الله لا يظلم مثقال ذرة، قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾، والإستفهام هنا للتعظيم أو للتعجب؛ أي: كيف تكون الحال ﴿إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾، وذلك يوم القيامة، حيث يأتي الله تعالى من كل أمة بشهيد. والشهيد هو الرسول، يشهد على أمته بأنه بلغ رسالة ربه، فهذا شهيد كل أمة. وهناك شهادة عامة وهي شهادة هذه الأمة على من قبلها من الأمم، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].

стр. 331

وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾: أمة جاءت في القرآن الكريم لعدة معان: المعنى الأول: الطائفة، كهذه الآية؛ وكقوله تعالى: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣]. المعنى الثاني: الإيمان؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠]. المعنى الثالث: الزمن؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] أي: بعد زمن ومقداره بضع سنين، كما قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]. المعنى الرابع: الدين؛ كقوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢]. وقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾: ﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ المشار إليه أمة محمد ﷺ ؛ أي: إذا جئنا بك شهيدًا على هؤلاء ماذا تكون الحال؟ ولما بلغ عبد الله بن مسعود ﵁ هذه الآية حين أمره رسول الله ﷺ أن يقرأ عليه، حيث قال له النبي ﵊: "اقرأ"، قال: كيف أقرأ وعليك أنزل، فقال النبي ﷺ : "إني أحب أن أسمع القرآن من غيري"، فقرأ حتى إذا بلغ هذه الآية قال: "حسبك"، قال: فنظرت فإذا عيناه تذرفان (١). فالله سوف يستشهده على أمته يوم القيامة أنه بلغ

стр. 332

البلاغ المبين، ولهذا استشهدهم هو ﵊ ليقروا على أنفسهم بذلك، استشهدهم في حجة الوداع حين خطبهم وقال: "ألا هل بلغت؟ " قالوا: نعم، فرفع إصبعه إلى السماء وجعل ينكتها إلى الناس ويقول: "اللهم اشهد، ألا هل بلغت" قالوا: نعم، قال: "اللهم اشهد، ألا هل بلغت" قالوا: نعم، قال: "اللهم اشهد" (١). ولا شك أن الصحابة ﵃ يمثلون الأمة كلها، فإقرارهم بأنه بلغ هو إقرار من الأمة جميعًا، ونحن نشهد أنه بلغ البلاغ المبين ﵊، وأنه ترك الأمة على محجةٍ بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. وقوله : ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾: ﴿شَهِيدًا﴾: حال من الكاف في قوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾. من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان عظمة هذه الشهادة، ويؤخذ ذلك من الإستفهام الدال على التفخيم والتعظيم. ٢ - أن الناس يوم القيامة تقام عليهم الأشهاد يشهدون عليهم بأنهم بلغوا. ٣ - أن كل رسولٍ يشهد على قومه بأنه بلغهم، لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾.

стр. 333

فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى عن عيسى ﵇: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]؟ فالجواب: أن هذا لا يعارض ما ذكر هنا، فإنه شهد على أمته الذين باشر إبلاغهم، أما بعد موته فإن الأمر إلى الله ، وهو الذي يتولاهم ويتولى من بعدهم. ٤ - أن نبينا ﷺ سيكون شهيدًا علينا، لقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. فإن قال قائل: هل الذين ورثوا النبي ﷺ وهم العلماء - يكونون شهداء على الأمة؟ الجواب: نعم، يكونون شهداء على الأمة؛ لأنهم هم الذين بلغوا رسالة محمد ﷺ ، ولهذا جاء فى الحديث: "أن العلماء ورثة الأنبياء" (١). * * * * قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النساء: ٤٢]. ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا موقع الإستفهام والتفخيم. وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: يعني يوم إذ نأتي من كل أمةٍ بشهيد وبك

стр. 334

شهيدًا على هؤلاء، يود الذين كفروا، والمودة: هي التمني وهي أعلى المحبة؛ أي: يحبون محبة هي أعلى المحبة. قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: جحدوا ما يجب الإيمان والإقرار به. قوله: ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ أي: خالفوا أمره فلم يمتثلوا الأمر ولم يجتنبوا النهي؛ لأن المعصية هنا تشمل التفريط في الأوامر وكذلك فعل النواهي. وقوله: ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ الرسول هنا المراد به الجنس، وليس المراد به العهد؛ لأنه يشمل كل رسول. قوله: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾: فيها قراءتان ﴿تُسَوَّى﴾ و"تَسَوَّى"، فعلى قراءة الضم ﴿تُسَوَّى﴾ تكون الأرض نائب فاعل، وعلى قراءة الفتح تكون الأرض فاعلًا، ومعن ﴿تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ أي: يدفنون فيها ولا يظهرون فيها، فيكونون كأنهم جزء من الأرض ولا يحاسبون. وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ الواو حرف عطف، وجملة ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿يَوَدُّ﴾ وليست على قوله: ﴿تُسَوَّى﴾، وذلك لأنها لو كانت عطفًا على ﴿تُسَوَّى﴾ لفسد المعنى، إذ يكون المعنى: يودون لو أنها تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا، فعلى هذا التقدير يكونون قد أقروا بما هم عليه، وكتموا الحديث لو جعلناها معطوفة على ﴿تُسَوَّى﴾، والواقع أنهم لم يكتموا الله شيئًا، ولهذا يودون لو تسوى بهم الأرض والحال أنهم لا يكتمون الله حديثًا؛ أي: يقرون بالكفر والشرك.

стр. 335

وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ أي: ما يحدثون به عن أنفسهم، بل يقرون إقرارًا كاملًا بأنهم كفروا وعصوا الرسول. من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان ما تؤول إليه حال الكفرة العاصين للرسول ﷺ ، حيث يتمنون أنهم لم يخلقوا وأن الأرض سويت بهم. ٢ - الحذر من معصية الرسول ﷺ ، لقوله: ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾. ٣ - وجوب العمل بما في السنة وإن لم يكن في القرآن، وتؤخذ من قوله: ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾؛ لأن هناك أوامر صدرت من الرسول ﷺ ولم تكن في القرآن، فيجب العمل بها. ٤ - شدة حسرة أولئك الكفار يوم القيامة، أنهم يتمنون أنهم لم يخلقوا وأن تسوى بهم الأرض ويدفنون فيها، ولكن هذا لا ينفعهم. ٥ - أن هؤلاء الكافرين العاصين يقرون بما هم عليه، فلا يكتمون الله حديثًا. ٦ - أنهم لا يكتمون أي حديث كان؛ لأن ﴿حَدِيثًا﴾ نكرة في سياق النفي فتعم كل شيء، فهم يقرون بكل ما عملوا، ولهذا: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] فيقولون: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك: ٩ - ١٠]. فإن قال قائل: كيف تجمعون بين هذه الآية وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾

стр. 336

[الأنعام: ٢٣]، فإن هذا صريح في أنهم ينفون أن يكونوا مشركين، وهذه آية صريحة في أنهم لا يكتمون؟ فالجواب: أن القيامة ليست ساعةً أو ساعتين حتى تتصادم الأقوال فيها، بل القيامة يوم مقداره خمسون ألف سنة، فالأحوال تتغير وتتبدل، فهم أحيانًا يقولون كذا وأحيانًا يقولون كذا؛ لأنهم يريدون الخلاص، فكل وسيلة يظنونها سببًا للخلاص يسلكونها حتى وإن تناقضوا، فهم لا يكتمون الله حديثًا، ولكن إذا رأوا نجاة أهل التوحيد ﴿قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، من أجل أن تحصل لهم النجاة، ولكنها لا تحصل إذا قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، والذي يفضحهم: ﴿تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، وكذلك الجلود، حتى إنهم يوبخون جلودهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]. إذًا: فالجمع بينهما: أن أحوال القيامة تتغير. وهكذا تأتي آيات يظن أن فيها تعارضًا، مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] وفي آية أخرى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] فنقول: يوم القيامة أحواله تتغير حيث تسود الوجوه، ويحشرون زرقًا وتتغير؛ لأن المدة خمسون ألف سنة، فنحن بيننا وبين الرسول ﷺ ألف وأربعمائة، وهذا خمسون ألف سنة، أعاننا الله على أهواله، فالمسألة ليست هينة، فتختلف الأحوال وتتغير. ٧ - أن هؤلاء المجرمين الكافرين العاصين يسألون عن

стр. 337

ذنوبهم سؤال توبيخ، بدليل قوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، لكنهم لا يحاسبون كحساب المؤمن، ولا توزن أعمالهم، فالمؤمن تعرض عليه أعماله فإذا أقر بها قال الله : "سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم" (١)، ولا مناقشة؛ لأنه لو نوقش لهلك، أما هؤلاء فإنهم ينادى على رءوس الأشهاد يوم القيامة: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀ في العقيدة الواسطية: إنهم لا يحاسبون حساب من توزن أعماله وسيئاته؛ لأنه لا حسنات لهم، فلا توزن لهم أعمال، لقوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]. * * * * قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣]. إذا صدر الله الآية بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ دل ذلك على أهمية الموضوع؛ لأن النداء يسترعي الإنتباه، فإذا خاطبك أحد وناداك يا فلان، فإنه يريد منك أن تنتبه، والذي ينادينا هو الله رب

стр. 338

العالمين. ولهذا قال ابن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه" (١). ثم إن الله تعالى إذا صدر هذا النداء بوصف الإيمان دل ذلك على أن امتثاله إن كان أمرًا، وتصديقه إن كان خبرًا من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا ينادى شخص بوصف ثم يوجه إليه الأمر أو الخبر إلا لأنه أهل لقبول هذا الأمر، وتصديق هذا الخبر بما معه من هذا الوصف. ويفيد أيضًا: أن مخالفة هذا نقص في الإيمان، فإذا كان أمرًا فخولف أو خبرًا فكذب، فإن هذا ينافي الإيمان. ويفيد أيضًا معنى ثالثًا: وهو ما يعرف بالإغراء؛ أي: تحبيب الشيء إلى الإنسان؛ لأنه إذا قيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كأنه قيل: إن كنت مؤمنًا فافعل، كما تقول للرجل: يا أيها الكريم قد نزل بك ضيف، تعني: فأكرمه. قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ أي: لا تصلوا ولا تتهيئوا للصلاة والحال أنكم سكارى، ولا تأتوها إلا وأنتم على أتم ما يكون من الإحساس واليقظة، ولهذا نعرب الواو في قوله ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ حالية، والجملة ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ في محل نصب على الحال من الواو في قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا﴾، وذلك لأن الصلاة صلة بين العبد وبين الله، والمصلي يناجي الله ويخاطبه، ويحاوره، فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ يقول الله: "حمدني عبدي" وإذا قال:

стр. 339

﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة]، فيقول: أثنى علي عبدي، ويقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة] فيقول: مجدني عبدي، ويقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة] فيقول: هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، ويقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة] فيقول: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (١)، فما كان هذا شأنه فإنه يجب أن يعتنى به، وأن يدخل الإنسان فيه وهو على أتم ما يكون صحوة، وأتم ما يكون يقظة. والصلاة: اسم جنس تشمل صلاة الفريضة وصلاة النافلة. وقوله: ﴿سُكَارَى﴾ جمع سكران، والسكران: من زال عقله على سبيل الطرب والنشوة، وبهذا يظهر الفرق بين السكران والمغمى عليه والمبنج وما أشبهه، فالسكران يتغطى عقله لكن يجد طربًا ولذة ونشوة حتى يتخيل أنه ملك من الملوك، كما قال شاعر الجاهلية: ونشربها فتتركنا ملوكًا ... .............................. وكما وقع لحمزة بن عبد المطلب ﵁ حين شرب الخمر، قبل أن تحرم حتى سكر، فمر به بعيران ناضحان لعلي بن أبي طالب ﵁، وكان عنده مغنية تغنيه فقالت: ألا يا حمزُ للشرف النواء فهيجته فأخذ السيف وجب أسنمة البعيرين وبقر بطونهما، وأخرج أكبادهما، فجاء علي ﵁ إلى النبي ﷺ يشتكي، فقام النبي ﷺ إلى حمزة ﵁، فلما جاء إليه وجده لم

стр. 340

يفق بعد فكلمه، فقال له حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لآبائي (١). إذًا: تصور أنه ملك، وأن هؤلاء عبيد أبيه، فرجع النبي ﵊ وعرف أن الرجل لا يدري ما يقول، وتركه. فالسكارى جمع سكران، وهو من تغطى عقله على وجه اللذة والطرب، وذلك بشرب المسكر، أما البنج فليس بسكر، والإغماء ليس بسكر وإن تغطى العقل. والسكر يكون بالشراب، ويكون بالشم، ويكون بالأكل، فكل ما أسكر فهو خمر، لقول النبي ﵊: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام" (٢). وقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ لفظًا ومعنًى، وما تفعلون كذلك من باب أولى، لأن الذي لا يعلم القول لا يعلم الفعل، وكثير من الناس لا يفهم من الفعل شيئًا، وبعض الناس يفهم من الفعل أكثر مما يفهم من القول، و ﴿حَتَّى﴾ تأتي للتعليل وتأتي للغاية، ففي قوله تعالى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩١] لا شك أنها للغاية؛ لأن بقاءهم عاكفين على العجل لا يستلزم مجيء موسى. وفي قوله تعالى: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]، هذه للتعليل؛ لأننا لو جعلناها للغاية كان المعنى: لا تنفقوا حتى ينفضوا فاذا انفضوا فأنفقوا، ولكن المعنى: لا تنفقوا على من عند رسول الله لأجل أن ينفضوا عنه،

стр. 341

وهذا هو المعنى بلا شك؛ لأنهم ليسوا على استعداد إذا انفضوا عن رسول الله أن ينفقوا عليهم. وهذه الآية التي معنا: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ هل المعنى: "إلى أن تعلموا ما تقولون" أو المعنى: "لتعلموا ما تقولون"؟ فيها وجهان، وتصلح لهذا وهذا، وإذا كانت صالحة للوجهين ولا منافاة بينهما فإنها تحمل عليهما، فنقول: السكران لا يقرب الصلاة حتى يعلم ما يقول؛ أي: حتى يصحو صحوًا تامًا، ولا يقرب الصلاة لأجل أن يعلم ما يقول في صلاته وما يفعل. قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ يعني: ولا تقربوا الصلاة جنبًا، والحال هنا صارت مفردة، وفي الأول قال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، فالله أعلم هل هذا من باب اختلاف التنوع في الألفاظ، أو لسبب يظهر بالتأمل. وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ كلمة "جنب" مفردة لفظًا، ولكنها صالحة للجماعة وللواحد، ولهذا قال: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ ولم يقل: إلا عابر سبيل، إذًا: "جنب" حال من فاعل ﴿تَقْرَبُوا﴾، أو معطوفة على الجملة الحالية من فاعل ﴿تَقْرَبُوا﴾. قوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي: مجتازين مارين، وكيف يتفق هذا مع الصلاة؟ الجواب: نقول: إن الله لم يقل لا تصلوا، بل قال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾، وأماكن الصلاة هي المساجد، وعلى هذا يكون المعنى: ولا تقربوا أماكن الصلاة وأنتم جنبًا إلا عابري سبيل؛ أي: مارين بها مرورًا، والعبور بمعنى التجاوز، والسبيل بمعنى الطريق. وقوله: ﴿حَتَّى﴾ للغاية، وهو غاية لقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾، أما ﴿سُكَارَى﴾ فغايتها ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.

стр. 342

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ هذا كالإستثناء من قوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، ففي هذه الأحوال لا يجب الغسل، ويغني عنه التيمم. وفي قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ﴾ قراءتان: الأولى بتحقيق الهمزتين ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ﴾ والثانية: بحذف إحداهما "أو جا أحد". وفي قوله: ﴿لَامَسْتُمُ﴾ قراءتان أيضًا: الأولى بالمد ﴿لَامَسْتُمُ﴾، والثانية بحذف المد: "لَمَسْتُم". قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ وأطلق الله المرض، فلم يقل وأعجزكم عن الإغتسال، لكن يؤخذ من آيات أخرى أن المراد بالمرض: المرض، الذي يؤثر عليه استعمال الماء. وقوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أطلق أيضًا ولم يقيد، لكن نقول: إن قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ قيد هذا الإطلاق؛ أي: على سفر ولم تجدوا ماء. قوله ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ﴾ ﴿أَوْ﴾ هذه أشكلت على أهل العلم؛ لأن ظاهرها التنويع مع قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ والتنويع مشكل؛ لأنها ليست قسيمًا لما سبق، ولا نوعًا مما سبق. والجواب عن هذا الإشكال: أن نقول: إن "أو" بمعنى الواو، ومنه قول النبي ﷺ : "سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، وعلمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" (١) فقوله: "سميت به نفسك أو أنزلته ... " الإنزال ليس

стр. 343

قسيمًا للتسمية، ولا نوعًا من التسمية، لكن معنى الحديث: "سميت به نفسك وأنزلته في كتابك وعلمته أحدًا من خلقك، واستأثرت به في علم الغيب عندك" فالآية معناها والله أعلم: "أو على سفر وجاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء". وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الغائط: المكان المطمئن المنخفض من الأرض، وعبر به عن الخارج المستقذر وهو البول والغائط؛ لأنهم كانوا فيما سبق ليس عندهم كنف ولا حمامات، وإنما يخرج الإنسان إلى البر، فيختار مكانًا مطمئنًا من أجل أن يقضي حاجته، فحال الناس في عهد الرسول ﵊، البيوت ليس فيها بيوت خلاء، ولا مراحيض إلا فيما بعد، وكان الناس ينتابون المكان المنخفض لقضاء الحاجة، والمكان المنخفض يسمى غائطًا، أي: نازلًا، وفي اللغة العامية يقولون: ماء غويط، ومعناه: نازل منقعر. قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وفي قراءة: "لَمَسْتُم"، اختلف المفسرون في معناهما على قولين: القول الأول: أن معناهما واحد فالمراد الجماع، وقيل: لامستم للجماع، ولمستم لمجرد اللمس، ولكن الصحيح أن معناهما واحد، ولكن الفرق بينهما أن اللمس من جانب واحد، والملامسة من جانبين؛ كالقتل من جانب واحد، والمقاتلة من جانبين. والمراد باللمس: الجماع، وإنما اخترنا ذلك من أجل أن تكون في مقابل قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الذي فيه

стр. 344

إشارة إلى سبب الوضوء؛ لأنه لو كان المراد اللمس باليد لكان في الآية تكرار وإهمال؛ أي: تكرار لحدث أصغر؛ لأن المجيء من الغائط هو الحدث الأصغر، ولمس النساء باليد حدث أصغر، وفيه إهمال للحدث الأكبر، فإذا قلنا الملامسة الجماع في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ صارت الآية تذكر الحدثين جميعًا الأصغر والأكبر. أما لو قلنا ﴿لَامَسْتُمُ﴾ بمعنى اللمس باليد، وأن اللمس باليد ناقض للوضوء، لم يكن في الآية إلا ذكر سببين لحدث واحد، وهو الحدث الأصغر، وهذا نوع من التكرار. وقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ النساء اسم جنس يشمل الأحرار والعبيد، ويشمل الجميلة وغير الجميلة، ويشمل الصغيرة، ولكنه لا يشمل الصغيرة التي لا يوطأ مثلها، وسيأتي إن شاء الله ذكر ذلك في الفوائد. وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾: الفاء هذه حرف عطف على قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ونفي الوجدان يدل على الطلب؛ لأنه لا يقال لم يجد إلا لمن طلب، فيقول: طلبت فلم أجد، وأما من لم يطلب، فلا يصح أن يقال: إنه لم يجد. قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ تيمموا: أي اقصدوا؛ لأن التيمم في اللغة بمعنى القصد، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي: لا تقصدوا الخبيث تنفقون منه ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه، وقال الشاعر: تيممتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال

стр. 345

تيممتها؛ أي: قصدتها. وأما الصعيد: فهو وجه الأرض؛ لأنه صاعد ظاهر بيِّن، وكل ما على وجه الأرض، أو وجه الأرض؛ سواء كان أحجارًا أو رمالًا أو ترابًا أو غير ذلك. وأما قوله: ﴿طَيِّبًا﴾، فالطيب ضد الخبيث، وإذا كان المقصود من هذا التيمم التطهر صار الطيب هو الطهور، وإن شئت فقل: الطاهر، وهو كذلك، فالطيب هنا هو الطاهر. قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾. وحد الوجه من الأذن إلى الأذن عرضًا، ومن منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية طولًا، هذا هو الوجه. وأما قوله: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ فهنا أطلق الله اليد، وإذا أطلقت اليد فالمراد بها الكف فقط، ولا يراد بها ما زاد على ذلك. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ لجملة هذه تعليل لما سبق من الأحكام؛ أي: لعفوه ومغفرته شرع لكم التيمم عند عدم وجود الماء أو عند المرض، والعفو هو التجاوز عن عباده في ترك الواجب وفعل المحرم، وعفو الله عفو كامل مقرون بالقدرة، لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]، بخلاف عفو غيره فقد يكون للعجز؛ أي: العجز عن الأخذ بالثأر. وقوله: ﴿غَفُورًا﴾ الغفور: هو الساتر للذنوب المتجاوز عنها، فاذا أضيف العفو إلى المغفرة حصل الكمال، وهو أن العفو لترك الواجب، والمغفرة لفعل المحرم.

стр. 346

من فوائد الآية الكريمة: ١ - أهمية الصلاة والعناية بها، وجه ذلك: أن الله تعالى صدر الحكم المتعلق بالصلاة بالنداء لاسترعاء الإنتباه. - ومما يدل على العناية بها أن الله صدر الخطاب بذلك بوصف الإيمان: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فدل هذا على أهمية الصلاة، وعلى العناية بها. ٢ - حل الخمر بقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، فإن هذا رخصة للناس أن يشربوا الخمر في غير أوقات الصلاة، وهذه إحدى المراحل التي كانت في الخمر؛ لأن الخمر له أربعة مراحل: الإباحة، والتعريض بتركه، والنهي عن شربه قرب وقت الصلاة، والنهي عن شربه مطلقًا، وقد أجمع المسلمون على تحريم الخمر، وصار تحريمه من الأمور الظاهرة المجمع عليها، حتى قال العلماء: إن من أنكر تحريمه فإنه كافر، إلا أن يكون ناشئًا في بلد بعيد عن بلاد المسلمين، فإنه يعرَّف، ثم بعد ذلك يبين له. ٣ - أنه لا حكم لقول السكران، لقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، فإنه يدل على أن السكران لا يعلم ما يقول، وإذا كان لا يعلم ما يقول صار قوله لغوًا لا عبرة به، وهذا هو القول الراجح، حتى لو طلق فإنه لا يقع طلاقه، ولو أعتق فإنه لا ينفذ عتقه، ولو وقف لا ينفذ إيقافه، وأيّ قول يقوله فإنه لا عبرة به؛ لأنه لا يعلم ما يقول. - ويتفرع على هذه الفائدة أن الإنسان إذا غضب غضبًا شديدًا حتى صار لا يعلم ما يقول فإنه لا عبرة بقوله، حتى لو

стр. 347

كان كفرًا وحمله على ذلك شدة الغضب فإنه لا عبرة بقوله، لقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، فدل ذلك على أن جهل الإنسان بما يقول له أثر في تغير الحكم، وكذلك لو طلق في شدة الغضب وهو لا يعلم ما يقول، بل لو أنه طلق وهو يعلم ما يقول لكن صار كالمكره من شدة الغضب، فإنه لا حكم لقوله، ولا تطلق المرأة بذلك. ٤ - الحث على حضور القلب في الصلاة، لقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، والقلب إذا غاب فإن الإنسان لا يعلم ما يقول، وإنما يقول على سبيل العادة فقط، وإلا لو أنه رجع إلى نفسه لتبين له أنه لا يدري ما يقول، أي: لا يدري معنى ما يقول، وإن كان قد يدري أنه لفظ. ٥ - أن فيه شاهدًا لنهي النبي ﷺ عن الصلاة في حضرة الطعام، أو وهو يدافعه الأخبثان (١)، ووجه ذلك: أن الصلاة في هذه الحال ينقصها العلم بما يقول المصلي. ٦ - ومنها ما ذهب إليه بعض العلماء: من أن الوسواس إذا غلب على أكثر الصلاة فإنها لا تصح، يعني لو غلب الوسواس والهواجس في الصلاة أو على أغلبها، فإنها لا تصح، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. ولكن هذه المسألة الصحيح فيها أن الصلاة تصح، لكنه لا ينال الثواب الكامل، ودليل ذلك ما أخبر به النبي ﷺ : "إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي

стр. 348

التأذين أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول له: اذكر كذا واذكر كذا لما لم يكن يذكر من قبل، حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى" (١)، وهذا يدل على أن الوسواس في الصلاة لا يبطلها، لكن لا شك أنه ينقصها، لقوله: "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها" (٢). ٧ - تحريم مكث الجنب في المسجد، لقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، وهذا هو أصح الأقوال في هذه الآية؛ أي: أن المراد بذلك النهي عن قربان الجنب للمساجد إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ، ولكن يستثنى من ذلك ما إذا توضأ الجنب، فإنه إذا توضأ يجوز له المكث في المسجد؛ لأن هذا ورد فيه آثار عن الصحابة ﵃، أنهم كانوا يفعلون هذا في عهد النبي ﷺ (٣). ٨ - أن العبور ليس كالمكث، وعليه: فإن الإنسان لو مر عابرًا بالمسجد فإننا لا نلزمه أن يصلي تحية المسجد لأنه عابر، بخلاف ما إذا مكث وجلس فإننا نقول له: لا تجلس حتى تصلي ركعتين. ٩ - أن منع الجنب من دخول المسجد يزول إذا اغتسل، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُو﴾، ويزول بالوضوء، للآثار الواردة عن الصحابة. ١٠ - الإشارة إلى القاعدة المعروفة المتفق عليها، وهي أن

стр. 349

المشقة تجلب التيسير، ووجهه: أن الله تعالى أجاز للمريض أن يتيمم، ولكن هل يتيمم لكل مرض، أو يتيمم إذا كان استعمال الماء يؤدي إلى الموت؟ الجواب: من العلماء من يقول: لا يتيمم إلا كان يخاف الموت، أما إذا كان يخاف طول المرض، أو تشويه الجسم، فإنه لا يتيمم. ومنهم من قال: يتيمم لكل مرض، والصواب أنه لا هذا ولا هذا، فيتيمم لكل مرض يخشى باستعمال الماء فيه أن يطول مرضه، أو يزيد مرضه، أو يسري الجرح حتى يؤثر في البدن، أو ما أشبه ذلك، المهم أنه متى حصل شيء يضره، فإنه يتيمم ولا بأس. ١١ - أن المسافر إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم، ولا ينتظر حتى يجد الماء في البلد، لقوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. ١٢ - أنه لا يجوز التيمم في الحضر عند عدم الماء؛ لأن الله تعالى شرط للتيمم شرطين: الأول: عدم الماء، والثاني: السفر، والصحيح أنه جائز؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ تيمم في الحضر، وذلك في قصة الرجل الذي جاء وسلم على النبي ﷺ فلم يرد عليه حتى تيمم على الجدار، وقال: "إني أحببت ألا أذكر الله إلا على طهر" (١)، وهذا نص في النزاع، ولأن العلة واحدة وهي عدم

стр. 350

الماء، فلو فرض أن الماء انقطع عن البلد ولم يجد الإنسان ماء يتطهر به فإنه يتيمم؛ لأن العلة واحدة، لكن ذكر السفر لأنه مظنة العدم، وكما مر علينا أن القيد إذا كان أغلبيًا فإنه لا مفهوم له. ١٣ - أن السفر ليس له حد معين، ووجهه: الإطلاق في قوله: "أو على سفر"، ولم يقل مسافة كذا، وهذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم، ولا يحد بثمانين كيلو، ولا مائة كيلو، ولا أربعين كيلو، بل حده أن يقع عليه اسم السفر، فإذا وقع عليه اسم السفر ثبتت له أحكام السفر، ولم يحدد الله ولا رسوله السفر بمسافة معينة. ١٤ - أن البول والغائط ناقضان للوضوء، لقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، وهناك نواقض أخرى سوى ذلك: منها: النوم إذا كان عميقًا، بحيث لو أحدث الإنسان لم يحس بنفسه، وأما النوم اليسير الذي يحس الإنسان بنفسه لو أحدث، فإنه لا ينقض الوضوء، وفيه خلاف، ولكن الصحيح أنه ينقض الوضوء إذا كان عميقًا. ومنها: أكل لحم الإبل، فإنه ناقض للوضوء، ثبت عن النبي ﷺ فيه حديثان صحيحان، حديث البراء وحديث جابر بن سمرة ﵄. ومنها: الخارج من غير السبيلين إذا كان نجسًا كالدم، وفيه خلاف بين العلماء، والصحيح أنه لا ينقض الوضوء، فإن الصحابة ﵃ كانت تصيبهم الجراحة في سبيل الله، وتصيبهم الجراح أيضًا في غير القتال. ولم يرد عن النبي ﷺ أنه أمرهم بالوضوء من ذلك، ومثل هذا تتوافر الدواعي على نقله.

стр. 351

ولأننا نقول: الوضوء ثبت بمقتضى الدليل الشرعي، فلا يمكن أن ترتفع هذه الطهارة التي حصلت في الوضوء إلا بدليل شرعي، وليس هناك دليل يدل على أن خروج الدم من البدن أو غيره من النجاسات من غير السبيلين ناقض للوضوء، وعلى هذا فالرعاف ولو كثر، والجرح إذا كثر حتى نزف الدم منه لا يكون ناقضًا للوضوء. ومنها: مس الذكر، وإن شئت فقل: مس الفرج، وفيه للعلماء أقوال: أنه ناقض مطلقًا، وأنه غير ناقض مطلقًا، والتفصيل، وهو الأظهر، وهذا هو مقتضى التعليل الذي علل به النبي ﷺ عدم النقض، فإنه لما سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء، قال: "لا، إنما هو بضعة منك" (١) أي: جزء منك، فإذا مسه الإنسان بغير شهوة، فهو كما لو مس بقية أعضائه فليس عليه وضوء ولا إشكال في هذا، لكن إذا مسه لشهوة فهل الوضوء واجب، أو الوضوء مستحب؟ فيه قولان للعلماء: منهم من قال إنه مستحب؛ لأن الشهوة تثير البدن، ومنهم من قال: إنه واجب، والأحسن بل والأحوط أن يتوضأ. ومنها أيضًا: مما اختلف فيه العلماء: تغسيل الميت، ومس المرأة، والقيء والصحيح في هذا أنه لا ينقض. وعلى هذا فالنواقض التي نرى أنها ناقضة والتي دلت عليها النصوص عندنا هي: من البول، والغائط والريح، والنوم العميق،

стр. 352

وأكل لحم الإبل، ومس الذكر لشهوة على سبيل الإحتياط. ١٥ - أن مجامعة النساء حدث، لقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وهو حدث أكبر كما دلت على ذلك آية المائدة، وعلى هذا فيجب على الإنسان إذا جامع المرأة أن يغتسل، سواء أنزل أم لم ينزل. وكان في أول الإسلام أن الرجل إذا جامع ولم ينزل، فإنه يغسل ذكره وما أصاب المرأة منه، ولا يجب عليه الغسل، ثم بعد هذا نسخ، فصار الإغتسال من الجماع واجبًا وإن لم يحصل إنزال، أما إذا حصل إنزال من جماع أو غير جماع فإن الغسل واجب، لقول النبي ﷺ : "إنما الماء من الماء" (١). ١٦ - أنه يشترط في جواز التيمم عدم الماء، أو التضرر باستعماله، وعدم الماء مأخوذ من قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، والتضرر باستعماله من قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾، وعلى هذا فلا يمكن أن يكون تيمم إلا إذا تعذر استعمال الماء لعدم أو لضرر باستعماله. ١٧ - جواز التيمم على وجه الأرض كله؛ من رمل، أو حصى، أو تراب، أو سبخة، أو جص، أو غير ذلك، لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ ولم يقيد، ولقول النبي ﷺ : "الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين" (٢).

стр. 353

واختلف العلماء فيما إذا كان من غير جنس الأرض كالشجرة، هل يجوز التيمم به، أو لا؟ فمنهم من أجاز التيمم به، ومنهم من قال: لا يجوز إلا إذا كان متصلًا بالأرض، فأما الغصن المنكسر المرمي في الأرض فإنه لا يتيمم به، وهذا هو الأقرب، وعلى هذا فلو تيمم الإنسان بجذع شجرة متصل بالأرض فلا بأس، ولكن لا شك أن تيممه على نفس الأرض أولى وأحوط وأبعد عن الخلاف. واختلف العلماء ﵏: هل يشترط أن يكون له غبار أو لا؟ فقال بعض العلماء: لا بد أن يكون له غبار، لقوله تعالى في آية المائدة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] و"من" للتبعيض، وهذا يقتضي أن يكون هناك غبار يمسح به. ومنهم من قال: لا يشترط أن يكون له غبار، واستدلوا بهذه الآية: ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ ولم يقل: "منه"، واستدلوا بأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه لما أرى عمار بن ياسر ﵁ كيف يتيمم "أنه ضرب بيديه الأرض ونفخ فيهما" (١)، ولو كان الغبار شرطًا لم ينفخ؛ لأن النفخ يلزم منه أن يطير الغبار، والصواب أنه لا يشترط الغبار وأن الإنسان إذا تيمم على الأرض صح تيممه، سواء كان فيها غبار أم لم يكن.

стр. 354

١٨ - أنه لا بد مع المسح من القصد، لقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ ﴿فَامْسَحُوا﴾، وعلى هذا فلو هبت الريح وحملت ترابًا ووقف الإنسان أمام الريح حتى ملأت وجهه من الغبار، ومسح وجهه، فقال بعض أهل العلم: إنه يجزئ، والأحوط أن لا يجزئ، وذلك لأن الله أمر بأن نقصد وجه الأرض، ونمسح منه. ١٩ - الحكمة في التشريع، ووجه ذلك: أن الله فرق بين طهارة الماء وطهارة التيمم، فطهارة الماء من الجنابة لا بد أن تعم جميع البدن، ومن الحدث الأصغر لا بد أن تعم الأعضاء الأربعة: الوجه، واليدين، والرأس، والرجلين. أما طهارة التيمم فإنها لا تكون إلا في عضوين فقط، وهما: الوجه، واليدان، ولا فرق فيها بين الطهارتين الكبرى والصغرى، والحكمة من ذلك: أن الطهارة بالماء فيها تطهير حسي واضح، وطهارة التيمم فيها تطهير معنوي، وهو كمال التعبد والتذلل لله ، بحيث إن الإنسان يمسح بالتراب وجهه وكفيه، وهذا دليل على كمال التعبد. ٢٠ - وجوب الترتيب بين مسح الوجه في التيمم ومسح اليدين، بحيث يقدم الوجه، والدليل على هذا قول النبي ﷺ حين أقبل على الصفا وقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، "أبدأ بما بدأ الله به" (١)، وفي لفظ للنسائي ﵀: "ابدءوا بما بدأ الله به" (٢)، وإذا كان الله بدأ هنا بالوجوه، فإننا نبدأ بها، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء:

стр. 355

فمنهم من قال: يشترط الترتيب في التيمم مطلقًا، سواء تيمم عن حدث أصغر أم عن حدث أكبر. ومنهم من قال: لا يشترط الترتيب مطلقًا، سواء تيمم عن حدث أصغر، أو عن حدث أكبر. ومنهم من قال: إن كان عن حدث أصغر وجب الترتيب، وإن كان عن حدث أكبر لم يجب، قالوا: لأنه إذا كان عن حدث أصغر كان بدلًا عن طهارة يجب فيها الترتيب، والبدل له حكم المبدل، وإن كان عن غسل فالغسل لا يشترط فيه الترتيب، فيكون بدله لا يشترط فيه الترتيب وهو التيمم. والأحوط أن يرتب فيبدأ بالوجه ثم باليدين. ٢١ - أنه لا يجب في التيمم مسح الذراع، لقوله: ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ وأطلق، واليد عند الإطلاق هي الكف، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقد أجمع العلماء على أن السارق لا تقطع يده إلا من مفصل الكف ولا تقطع من المرفق، وهنا أطلق الله تعالى اليد كما أطلقها في القطع في السرقة، وإذا أطلقت فالمراد الكف. فإن قال قائل: أفلا يجب المسح إلى المرفق قياسًا على الوضوء؟ فالجواب: أن نقول: القياس لا بد فيه من مساواة الفرع للأصل، وهنا لا يمكن تساوي الفرع والأصل للتباين العظيم بين طهارة التيمم وطهارة الماء، فطهارة التيمم أخف بكثير من طهارة
следующие страницы →