← Тафсир

Тафсир · id 547

تفسير العثيمين: النساء

ابن عثيمين

Полный текст (1 106 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ولأننا نقول: الوضوء ثبت بمقتضى الدليل الشرعي، فلا يمكن أن ترتفع هذه الطهارة التي حصلت في الوضوء إلا بدليل شرعي، وليس هناك دليل يدل على أن خروج الدم من البدن أو غيره من النجاسات من غير السبيلين ناقض للوضوء، وعلى هذا فالرعاف ولو كثر، والجرح إذا كثر حتى نزف الدم منه لا يكون ناقضًا للوضوء. ومنها: مس الذكر، وإن شئت فقل: مس الفرج، وفيه للعلماء أقوال: أنه ناقض مطلقًا، وأنه غير ناقض مطلقًا، والتفصيل، وهو الأظهر، وهذا هو مقتضى التعليل الذي علل به النبي ﷺ عدم النقض، فإنه لما سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء، قال: "لا، إنما هو بضعة منك" (١) أي: جزء منك، فإذا مسه الإنسان بغير شهوة، فهو كما لو مس بقية أعضائه فليس عليه وضوء ولا إشكال في هذا، لكن إذا مسه لشهوة فهل الوضوء واجب، أو الوضوء مستحب؟ فيه قولان للعلماء: منهم من قال إنه مستحب؛ لأن الشهوة تثير البدن، ومنهم من قال: إنه واجب، والأحسن بل والأحوط أن يتوضأ. ومنها أيضًا: مما اختلف فيه العلماء: تغسيل الميت، ومس المرأة، والقيء والصحيح في هذا أنه لا ينقض. وعلى هذا فالنواقض التي نرى أنها ناقضة والتي دلت عليها النصوص عندنا هي: من البول، والغائط والريح، والنوم العميق،

стр. 352

وأكل لحم الإبل، ومس الذكر لشهوة على سبيل الإحتياط. ١٥ - أن مجامعة النساء حدث، لقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وهو حدث أكبر كما دلت على ذلك آية المائدة، وعلى هذا فيجب على الإنسان إذا جامع المرأة أن يغتسل، سواء أنزل أم لم ينزل. وكان في أول الإسلام أن الرجل إذا جامع ولم ينزل، فإنه يغسل ذكره وما أصاب المرأة منه، ولا يجب عليه الغسل، ثم بعد هذا نسخ، فصار الإغتسال من الجماع واجبًا وإن لم يحصل إنزال، أما إذا حصل إنزال من جماع أو غير جماع فإن الغسل واجب، لقول النبي ﷺ : "إنما الماء من الماء" (١). ١٦ - أنه يشترط في جواز التيمم عدم الماء، أو التضرر باستعماله، وعدم الماء مأخوذ من قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، والتضرر باستعماله من قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾، وعلى هذا فلا يمكن أن يكون تيمم إلا إذا تعذر استعمال الماء لعدم أو لضرر باستعماله. ١٧ - جواز التيمم على وجه الأرض كله؛ من رمل، أو حصى، أو تراب، أو سبخة، أو جص، أو غير ذلك، لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ ولم يقيد، ولقول النبي ﷺ : "الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين" (٢).

стр. 353

واختلف العلماء فيما إذا كان من غير جنس الأرض كالشجرة، هل يجوز التيمم به، أو لا؟ فمنهم من أجاز التيمم به، ومنهم من قال: لا يجوز إلا إذا كان متصلًا بالأرض، فأما الغصن المنكسر المرمي في الأرض فإنه لا يتيمم به، وهذا هو الأقرب، وعلى هذا فلو تيمم الإنسان بجذع شجرة متصل بالأرض فلا بأس، ولكن لا شك أن تيممه على نفس الأرض أولى وأحوط وأبعد عن الخلاف. واختلف العلماء ﵏: هل يشترط أن يكون له غبار أو لا؟ فقال بعض العلماء: لا بد أن يكون له غبار، لقوله تعالى في آية المائدة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] و"من" للتبعيض، وهذا يقتضي أن يكون هناك غبار يمسح به. ومنهم من قال: لا يشترط أن يكون له غبار، واستدلوا بهذه الآية: ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ ولم يقل: "منه"، واستدلوا بأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه لما أرى عمار بن ياسر ﵁ كيف يتيمم "أنه ضرب بيديه الأرض ونفخ فيهما" (١)، ولو كان الغبار شرطًا لم ينفخ؛ لأن النفخ يلزم منه أن يطير الغبار، والصواب أنه لا يشترط الغبار وأن الإنسان إذا تيمم على الأرض صح تيممه، سواء كان فيها غبار أم لم يكن.

стр. 354

١٨ - أنه لا بد مع المسح من القصد، لقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ ﴿فَامْسَحُوا﴾، وعلى هذا فلو هبت الريح وحملت ترابًا ووقف الإنسان أمام الريح حتى ملأت وجهه من الغبار، ومسح وجهه، فقال بعض أهل العلم: إنه يجزئ، والأحوط أن لا يجزئ، وذلك لأن الله أمر بأن نقصد وجه الأرض، ونمسح منه. ١٩ - الحكمة في التشريع، ووجه ذلك: أن الله فرق بين طهارة الماء وطهارة التيمم، فطهارة الماء من الجنابة لا بد أن تعم جميع البدن، ومن الحدث الأصغر لا بد أن تعم الأعضاء الأربعة: الوجه، واليدين، والرأس، والرجلين. أما طهارة التيمم فإنها لا تكون إلا في عضوين فقط، وهما: الوجه، واليدان، ولا فرق فيها بين الطهارتين الكبرى والصغرى، والحكمة من ذلك: أن الطهارة بالماء فيها تطهير حسي واضح، وطهارة التيمم فيها تطهير معنوي، وهو كمال التعبد والتذلل لله ، بحيث إن الإنسان يمسح بالتراب وجهه وكفيه، وهذا دليل على كمال التعبد. ٢٠ - وجوب الترتيب بين مسح الوجه في التيمم ومسح اليدين، بحيث يقدم الوجه، والدليل على هذا قول النبي ﷺ حين أقبل على الصفا وقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، "أبدأ بما بدأ الله به" (١)، وفي لفظ للنسائي ﵀: "ابدءوا بما بدأ الله به" (٢)، وإذا كان الله بدأ هنا بالوجوه، فإننا نبدأ بها، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء:

стр. 355

فمنهم من قال: يشترط الترتيب في التيمم مطلقًا، سواء تيمم عن حدث أصغر أم عن حدث أكبر. ومنهم من قال: لا يشترط الترتيب مطلقًا، سواء تيمم عن حدث أصغر، أو عن حدث أكبر. ومنهم من قال: إن كان عن حدث أصغر وجب الترتيب، وإن كان عن حدث أكبر لم يجب، قالوا: لأنه إذا كان عن حدث أصغر كان بدلًا عن طهارة يجب فيها الترتيب، والبدل له حكم المبدل، وإن كان عن غسل فالغسل لا يشترط فيه الترتيب، فيكون بدله لا يشترط فيه الترتيب وهو التيمم. والأحوط أن يرتب فيبدأ بالوجه ثم باليدين. ٢١ - أنه لا يجب في التيمم مسح الذراع، لقوله: ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ وأطلق، واليد عند الإطلاق هي الكف، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقد أجمع العلماء على أن السارق لا تقطع يده إلا من مفصل الكف ولا تقطع من المرفق، وهنا أطلق الله تعالى اليد كما أطلقها في القطع في السرقة، وإذا أطلقت فالمراد الكف. فإن قال قائل: أفلا يجب المسح إلى المرفق قياسًا على الوضوء؟ فالجواب: أن نقول: القياس لا بد فيه من مساواة الفرع للأصل، وهنا لا يمكن تساوي الفرع والأصل للتباين العظيم بين طهارة التيمم وطهارة الماء، فطهارة التيمم أخف بكثير من طهارة

стр. 356

الماء، فلا يجب إلا أن نطهر عضوين فقط، والطهارة متساوية في الحدث الأصغر والأكبر. والطهارة هذه أيضًا ليس فيها مضمضة ولا استنشاق، ولا إيصال التراب إلى ما تحت الشعور ولو كان خفيفًا، والفرق بين طهارة الماء والتيمم كبير جدًا، وإذا كان كذلك فإنه لا يصح القياس. ٢٢ - إثبات هذين الإسمين لله "العفو والغفور": لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. ٢٣ - إثبات ما دل عليه هذان الإسمان من الصفة وهي: العفو والمغفرة. وهذا الوصف لا يدل على أنه كان لله ثم زال؛ لأن "كان" فعل ماض، لكنها في هذا السياق وشبهه قد سلبت عنها الدلالة على الزمن، وكان المراد بها تحقيق الإتصاف بما دلت عليه، وهذا في القرآن كثير بالنسبة لأسماء الله وصفاته. * * * * قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤)﴾ [النساء: ٤٤]. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ الإستفهام هنا للتقرير؛ أي: يقرر الله سبحانه ذلك على وجه مشاهد مرئي يراه الرائي، والخطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يحتمل أن يكون للرسول ﷺ ، ويحتمل أن يكون لكل من يتوجه الخطاب إليه؛ أي: ألم تر أيها المخاطب. قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ أي: أعطوا نصيبًا، فـ ﴿أُوتُوا﴾

стр. 357

هنا تنصب مفعولين، المفعول الأول في هذا السياق هو الواو الذي هو نائب الفاعل، والمفعول الثاني هو قوله: ﴿نَصِيبًا﴾، والذي آتاهم نصيبًا من الكتاب هو الله ، وهذا النصيب من الكتاب هو التوراة والإنجيل، وعلى هذا فيشمل اليهود والنصارى، لكن هو في اليهود أعظم؛ لأنهم هم الذين كانوا في المدينة في عهد الرسول ﷺ . قوله: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ أي: يطلبونها شراءً، ومن المعلوم أن المشتري طالب للسلعة جاد في طلبها حتى يحصلها بالشراء، وهذا أبلغ مما لو قال: يسلكون الضلالة؛ لأن الشواء ينبئ عن رغبة وطلب حتى يصل الإنسان إلى ما أراد. وقوله: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ أي: ﴿بِالهُدَى﴾ كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦]، وهذا الشراء أخسر أنواع الشراء، ولهذا قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦]. وقوله: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ هذا باعتبار ما يختارونه لأنفسهم، ولكن شرهم ليس قاصرًا. ولذلك قال: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: مع شرائهم للضلالة واختيارهم إياها وحرصهم عليها، يريدون أن ينقلوها أيضًا إلى غيرهم، فيريدون أن تضلوا السبيل؛ أي: الطريق إلى الله ، وهو دين الإسلام، وإذا كانت هذه إرادتهم فسوف يسعون إلى حصول مرادهم بكل وسيلة، ولهذا نجد أن الكفار أعداء المسلمين يسعون إلى إضلال المسلمين بكل وسيلة،

стр. 358

فتارة بالإنحلال الخلقي، وتارة بالدمار العسكري، وتارة بالأفكار السيئة الرديئة، فهم يرون السلاح الذي هو أنكأ فيستعملونه ولا يبالون، يعني: لو أن الأمر أفضى إلى العدوان المسلح لفعلوا؛ لأنهم يريدون أن نضل السبيل. فإن قال قائل: لماذا يريدون أن نضل السبيل؟ الجواب: أن نقول: لأنهم ضُلَّال، وكل إنسان يريد أن يكون الناس على شاكلته، هذا من وجه، ومن وجه آخر: أنهم أولياء للشيطان، والشيطان قال يخاطب الله : ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧]، وتأمل قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ﴾ ولم يقل "على صراطك، ولا في صراطك"، بل حذف حرف الجر، ليشمل قعوده على الصراط حتى لا ندخل، وقعوده في الصراط حتى لا نتم السير، وهو كذلك، فهو يقعد لنا على الصراط خارجًا حتى لا ندخل، وفي الصراط داخلًا حتى لا نتم المسير، وهؤلاء هم أولياء الشيطان، كما قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء: ٧٦]، وإذا كانوا أولياءه فسوف يناصرونه على ما يريد من إضلال عباد الله. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن من الناس من يؤتى الكتاب ويرزق العلم، ولكنه لا ينتفع به، مثل هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، ومع ذلك لم ينتفعوا به واشتروا الضلالة بالهدى. ٢ - أن من لم ينتفع بعلمه فهو شبيه بهؤلاء، فمن آتاه الله

стр. 359

علمًا ولم ينتفع به فهو شبيه بهؤلاء، ولهذا قال سفيان بن عيينة ﵀: "من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى"، وهذا صحيح. ٣ - أنها شاهدة لقول رسول الله ﷺ : "القرآن حجة لك أو عليك" (١)، فكتب الله التي يحملها الناس، إما لهم وإما عليهم. ٤ - حب هؤلاء للضلالة والشر، لقوله: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾. ٥ - الحذر من هؤلاء، وأنهم مهما عملوا معنا، فإنهم لا يريدون لنا الخير إطلاقًا، لقوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾، فهم قد يغدقون علينا من الأموال، ومن المصانع، ومن كل شيء، لكنهم يريدون أن نضل السبيل، والغزو بالدنيا غزو بسلاح فتاك، ورفاهية الإنسان غزو بسلاح فتاك؛ لأن الإنسان كما قال الله تعالى عنه: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ [الفجر: ٢٠]، فإذا أغدق عليه المال الذي يحبه، فإن طبيعة الحال البشرية تقتضي أن يلين مع هذا الذي وفر عليه المال وأغدقه عليه. ٦ - الثناء على المسلمين بكونهم على السبيل؛ لأن قوله: ﴿أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾، ولولا أنهم على السبيل ما حاولوا أن يضلوهم؛ لأن الضال ضال، فأي شيء يحاولون أن يفعل. ٧ - التحذير من هؤلاء اليهود أو النصارى أو غيرهم؛ لأنه إذا حذرنا الله ممن أوتوا نصيبًا من الكتاب، فتحذيرنا ممن هم عمي صم بكم، من باب أولى. * * *

стр. 360

* قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥)﴾ [النساء: ٤٥]. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ أي: والله أعلم بأعدائكم منكم؛ لأننا نحن قد يخفى علينا العدو، وقد تخفى علينا تخطيطاته التي يريد بها أن يضلنا، ولكن الله تعالى له بالمرصاد، ففي قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ تسلية لنا، وتهديد لأعدائنا؛ لأنه إذا كان أعلم بأعدائنا فسوف يقينا شرهم إذا تولينا الله، وإن تولينا عن الله سلط علينا هؤلاء الأعداء. قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ أي: متوليًا للأمور، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ أي: مدافعًا وناصرًا. فقوله: ﴿وَلِيًّا﴾: منصوب على أنه تمييز محول عن الفاعل؛ لأن الكافي هو الله نفسه، فهي تمييز محول عن الفاعل، والباء في قوله: ﴿بِاللَّهِ﴾ قالوا: إنها زائدة، وأن الأصل وكفى الله وليًا، وكفى الله نصيرًا. من فوائد الآية الكريمة: ١ - إثبات علم الله لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾. ٢ - كمال علم الله، حيث جيء به على صيغة التفضيل ﴿أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾. ٣ - تسلية المؤمنين وتقوية عزائمهم، لكونه أعلم بأعدائنا وأنه ناصر لنا وولي لنا. ٤ - تهديد المشركين وتحذيرهم، لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾؛ لأننا لو فرضنا - ولله المثل الأعلى - أن أباك قال لعدوك: أنا أعلم بك وبعداوتك، فسوف يخاف ويحذر.

стр. 361

٥ - أنه لا بد للمسلمين من عدو بل من أعداء، وكل من كان غير مسلم، فإنه عدو للمسلمين. ٦ - الثناء على الله سبحانه بالكفاية التامة في الولاية والنصرة، لقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾. * * * * قال الله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾ [النساء: ٤٦]. ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾، ﴿مِنَ﴾ هذه للتبعيض. قوله: ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ أي: الذين رجعوا، وهم اليهود، رجعوا عن عبادة العجل، فسموا الذين هادوا لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي: رجعنا إليك. وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ الجملة هذه لا يصح أن تكون مبتدأ؛ لأن الفعل لا يبتدأ به، وإذا لم يصح أن تكون مبتدأ فنعربها صفة لموصوف محذوف هو المبتدأ، والتقدير: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم عن مواضعه. وقال بعض النحويين: إن ﴿مِنَ﴾ التبعيضية اسم، فتعرب على أنها مبتدأ؛ لأن تقدير ﴿مِنَ﴾ التبعيضية: بعض الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه، وعلى هذا فتكون ﴿مِنَ﴾ بصورة الحرف ولكنها اسم، وتكون هي المبتدأ، وجملة ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ هي الخبر، ولا حاجة إلى التقدير. ولها نظائر في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ

стр. 362

مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١] والتقدير: ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق، وكل من القولين له وجه: أما الذين قالوا إن ﴿مِنَ﴾ التبعيضية اسم، فيرجح قولهم أننا لا نحتاج إلى تقدير في الآية، وإذا دار الكلام بين التقدير وعدمه فعدم التقدير أولى؛ لأن الأصل عدم الحذف، وأما الثاني فيقويه أن ﴿مِنَ﴾ التبعيضية حرف، واستعمالها اسمًا إخراج لها عن موضوعها الأصلي، فنكون ارتكبنا مجازًا بتقديرنا إياها اسمًا، ويكون تقدير الإسم أرجح، ويسمى هذا إيجازًا بالحذف؛ لأن الإيجاز إيجاز بالحذف، وإيجاز بالقصر، فإذا كانت جملة قليلة لكن تحتمل معنى كبيرًا، فهذا إيجاز بالقصر، وإذا كانت جملة فيها أشياء محذوفة، فهو إيجاز بالحذف. قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يصرفونه، والتحريف التصريف، ومنه حرف الدابة عن جهة سيرها؛ أي: صرفها، والكلم: اسم جمع واحده كلمة، قال ابن مالك في الألفية: ............................ ... واسم وفعل ثم حرف الكلم واحده كلمة والقول عم ... وكلمة بها كلام قد يؤم والمراد بالكلم هنا ما أنزله الله تعالى على رسله من الوحي. وقوله: ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يصرفونه عما أراد الله به؛ لأن ما أراده الله بكلامه فهو موضعه، قال العلماء: والتحريف نوعان: لفظي ومعنوي، وقد ينفرد واحد عن الآخر وقد يجتمعان، ثم التحريف اللفظي قد يتغير به المعنى وقد لا يتغير به المعنى، ولنضرب لكل واحد مثالًا:

стр. 363

فالتحريف اللفظي المعنوي كتحريف بعضهم قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] إلى: "وَكَلّمَ اللهَ مُوسى تَكْلِيمًا"، فهذا تحريف لفظي معنوي، لفظي لأنه جعل لفظ الجلالة منصوبًا بعد أن كان مرفوعًا، ومعنوي: لأنه تغير به المعنى، حيث كان دالًا على أن المكلِّم هو موسى. ومثال التحريف اللفظي الذي لا يتغير به المعنى: أن يقول القارئ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ فهنا التحريف لفظي؛ لأنه كان يجب أن يقول ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لكن هذا التحريف لا يتغير به المعنى. ومثال التحريف المعنوي مع إبقاء اللفظ على حاله، تحريف أهل التعطيل قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] إلى معنى: استولى، فهم لم يغيروا اللفظ، فاللفظ قد أبقوه على ما هو عليه، ولم يغيروه، لكن قالوا: المراد بالإستواء الإستيلاء، وهذا تحريف معنوي. ثم إن هذا التحريف المعنوي سماه متبعوه تأويلًا، وقالوا: التأويل صرف الكلام عن ظاهره إلى المعنى المخالف للظاهر بدليل، فسموا هذا التحريف تأويلًا، ولكنا نقول: هذه التسمية تمويه على السامع؛ لأن التأويل أن يصرف الكلام عن ظاهره لدليل صحيح، وأما الدليل الذي استدلوا به فهو دليل وهمي وليس له أصل من الصحة، وعليه فنقول: إذا صرف الإنسان الكلم عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر، فإن كان هناك دليل من كتاب أو سنة فإنه مقبول، وإن لم يكن له دليل فإنه غير مقبول.

стр. 364

فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] أي: إذا أردت أن تقرأ القرآن. وهذا تأويل مقبول لأن له دليلًا، وهو أن النبي ﷺ كان يتعوذ عند إرادة القراءة لا عند إنهاء القراءة، فالدليل فعل الرسول ﵊. وإذا قال قائل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] أي: استولى، قلنا: هذا صرف للكلام عن ظاهره، وهو غير مقبول لأنه لا دليل عليه، فصار التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، إن دل عليه دليل فهو مقبول، ونسميه تفسيرًا، وإن لم يدل عليه دليل فهو مرفوض ونسميه تحريفًا. وهؤلاء الذين هادوا أو بعض هؤلاء الذين هادوا حرفوا الكلم عن مواضعه، بالنسبة لعيسى ﵇ وبالنسبة لمحمد ﵊، أما عيسى ﵇ فادعوا عليه ما برأه الله منه أنه ولد بغي، وأنه لا يصح أن يكون رسولًا؛ لأن الرسل طاهرون مطهرون، وهذا ولد بغي فليس برسول، وقتلوه حكمًا لا حقيقة؛ لأنهم قالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧]، فأقروا على أنفسهم بقتله فيكون لهم حكم الذين قتلوه، أما حقيقة فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]. وحرفوا الكلم بالنسبة لمحمد ﷺ ، وقالوا: ليس هذا الرسول المنتظر، وكانوا قبل أن يبعث يستفتحون على الذين كفروا يقولون: سيبعث نبي ونتبعه ونغلبكم، لكن لما بعث من بني إسماعيل، وكانت بنو إسماعيل بني عمهم حسدوهم؛ لأنهم

стр. 365

يعرفون صفته في التوراة والإنجيل، ويعرفون أنه أفضل نبي، وكانوا يظنون أنه سيكون من بني إسرائيل على غير الأصل؛ لأنهم لو رجعوا للأصل لوجدوا أن التوراة والإنجيل صرحت بأنه يبعث من أم القرى. ويقول المؤرخون: إن تجمع اليهود في المدينة إبان بعثة الرسول ﷺ ، كان بناءً على أنهم يعلمون أن مهاجره هي المدينة، فقالوا نستقبله ونؤمن به، فاليهود حرفوا الكلم عن مواضعه بالنسبة لرسالة عيسى ﵇ وبالنسبة لرسالة محمد ﷺ . قوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾: وهذا غاية ما يكون من المحادة لله ورسله، أن يقول البشر: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، والعصيان مخالفة الأمر؛ أي: الخروج عن الطاعة، إن كان أمرًا فبتركه، وإن كان نهيًا فبارتكابه هذه المعصية. قوله: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾؛ يقولون للرسول ﷺ : اسمع غير مسمع؛ أي: اسمع أصمك الله حتى لا تسمع، وهذا معنى "غير مسمع"؛ أي: اسمع قولنا حال كونك غير مسمع، والذي لا يسمع هو الأصم، فيدعون عليه بالصمم ويسخرون به؛ لأنهم إذا كانوا يدعون عليه بالصمم فكيف يقولون: اسمع. وقيل: المعنى اسمع غير مسمع ما تكرهه، لكن هذا بعيد عن سياق الآية، وبعيد عن حال اليهود. ويحتمل أن يكون المعنى: اسمع غير مسمع ما يسرك؛ أي: سنقول لك ما يسوؤك، كما قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، ولكن هذا يحتاج إلى دليل، وذلك لأن فيه حذفًا يحتاج إلى تقدير؛ أي: غير

стр. 366

مسمع ما تكره، هذا في الأول، والثاني غير مسمع ما يسرك، نقول: هذا يحتاج إلى دليل لأن فيه حذفًا، والمعنى الأول يكفي في خزيهم - والعياذ بالله - أن يقولوا للرسول: اسمع لا أسمعك الله. وقوله: ﴿وَرَاعِنَا﴾ الذي ترد على سمعه هذه الكلمة يظن أنها فعل أمر متصل به ضمير مفعول، وفاعله مستتر وجوبًا تقديره أنت؛ أي: راعنا أنت، من الرعاية أو من المراعاة، وكلاهما معنى حسن، لكن هم لا يريدون لا الرعاية ولا المراعاة، وإنما يريدون الرعونة، وهي الجبن والخور وما أشبه ذلك. وهي كلمة عند اليهود في اللغة السريانية العبرية، فيقولون: راعنا أي: أصابك الله بالرعونة، ولهذا نهى الله المؤمنين عن أن يقولوا هذه الكلمة؛ لأن اليهود يقولونها يريدون بها سوءًا، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]. قوله: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ أي: يقولون هذا الكلام ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ حيث يظهرون معنى صحيحًا مقبولًا، وهم لا يريدون المعنى الصحيح، فـ ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ يحتمل غير مسمع ما يسوؤك كما سبق، ﴿وَرَاعِنَا﴾ يحتمل أنه من المراعاة أو من الرعاية، وهم يريدون عكس ذلك، فيريدون الدعاء عليه أن لا يسمع، ويريدون الدعاء عليه بالرعونة، وهذا لي باللسان. ومعنى اللي باللسان أن يريد باللفظ خلاف معناه الظاهر منه؛ لأنه تكلم لكن لوى هذا اللفظ إلى معنى آخر غير الذي يفهم من اللفظ، ولهذا قال: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾، وأصل ﴿لَيًّا﴾ "لويًا"،

стр. 367

لكن اجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، على القاعدة التصريفية. أما كون هذا ليًا بألسنتهم فظاهر، ولكن قوله: ﴿وطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ كيف كان طعنًا في الدين؟ الجواب: نقول: إنما قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ لأنهم لم يرتضوا هذا الدين، وعدم ارتضاء الدين مستلزم للطعن في الدين؛ أي: عيبه مستلزم عيب الدين والقدح فيه، وذلك لأن من ارتضى شيئًا لا يمكن أن يقول إذا أمر به: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. وأيضًا: إذا قالوا: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ فهذا طعن في الدين؛ لأنه طعن في الرسول الذي جاء بالدين، والطعن في الرسول طعن بما أرسل به. وكذلك قولهم: ﴿وَرَاعِنَا﴾ إذا كان من الرعونة، فهي أيضًا طعن في الدين، فصار الطعن في الدين في كل الكلمات السابقة: الأولى: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. والثانية: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾. والثالثة: ﴿رَاعِنَا﴾. فكل هذا طعن في الدين، ولهذا قال الله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ بدل قولهم: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، وقالوا: ﴿وَاسْمَعْ﴾ وحذفوا ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾، وقالوا: "وانظرنا" بدل ﴿رَاعِنَا﴾؛ لأن هذه هي الكلمة التي أمر الله المؤمنين أن يقولوها بدلًا عن قولهم: ﴿رَاعِنَا﴾، لو أنهم قالوا هكذا ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾، والخيرية تشمل خيرية الدين والدنيا، وخيرية الجزاء في الآخرة، ﴿وَأَقْوَمَ﴾؛ أي: في دينهم وفي حياتهم؛ لأن هذا القرآن

стр. 368

كما قال تعالى: ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] ولكن عدلوا عن هذا القول الذي هو خير؛ لأن الله لعنهم بكفرهم. ولذلك قال: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾؛ أي: طردهم وأبعدهم عن رحمته بسبب كفرهم، فهم الجناة على أنفسهم، والرب لم يمنع عنهم فضله، ولكنهم هم الذين تسببوا لذلك فكفروا. وقوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني: هؤلاء الذين قالوا ما قالوا لا يؤمنون إلا قليلًا، وكلمة ﴿قَلِيلًا﴾ قال بعض المفسرين: إنها صالحة أن تعود إلى الإيمان وأن تعود إلى الواو في قوله "يؤمنون"، والفرق بينهما: أننا إذا قلنا: إنها عائدة إلى الإيمان صار المعنى فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلًا، وإذا قلنا إنها عائدة إلى الواو صار المعنى فلا يؤمنون إلا قليلًا منهم، فالكافر منهم كافر لا إيمان معه، والمؤمن قليل، ورجح بعضهم الأول، وقال: إننا إذا قلنا لا يؤمنون إلا قليلًا منهم لم يستقم الكلام؛ لأن الكلام كله قد سيق لبيان وصف هؤلاء، ولكن يبقى على هذا الترجيح أن يسأل: ما هذا الإيمان القليل وهم يقولون: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾؟ قالوا: إن القليل يأتي بمعنى العدم؛ أي: فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلًا لا ينفعهم فيكون بمنزلة العدم؛ لأن ما لا نفع فيه كالمعدوم تمامًا. وبعض العلماء أنكر أن يكون الإستثناء من الضمير في قوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ إنكارًا بينًا، ولكن الذي يظهر لي أن الآية محتملة، وأن منهم قومًا يؤمنون، وهؤلاء الذي يؤمنون قد يفهم

стр. 369

من قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني: وبعض الذين هادوا لا يقولون هذا فيكونون مؤمنين، ولا شك أنه آمن من اليهود من آمن، وحسن إسلامه واستقام إيمانه، مثل عبد الله بن سلام ﵁. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن من اليهود من استقام فلم يحرف الكلم عن مواضعه، ويؤخذ من التبعيض، حيث جعل مَنْ يحرف الكلم عن مواضعه "بعضهم". ٢ - أن المحرفين للكلم عن مواضعه يشبهون اليهود في طريق استعمال الوحي. ٣ - عدل الله ، حيث تحدث عن اليهود بالقسط، فذكر الموصوفين بالعيب، وأخذ من هذا أن منهم من لم يوصف بذلك، لقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ ولم يقل: كل الذين هادوا، وينبغي للإنسان إذا تحدث عن قوم في مقام التقويم أن يذكر المحسن والمسيء. أما في مقام التحذير فإنه لا يذكر الإحسان؛ لأن الإحسان لا يتأتى أو لا يتناسب مع إيراد التحذير. ٤ - شدة عناد اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، لقوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، فإنهم لو قالوا: لم نسمع، أو قالوا: سمعنا ولم نفهم، لربما قال قائل: إن هذا عذر، لكن قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، فلم يمنعهم شيء عن الطاعة إلا مجرد عصيان. ٥ - أن من عتا من هذه الأمة وقال: أنا أعلم أن صلاة الجماعة واجبة ولكن لا أصلي مع الجماعة، نقول: من قال ذلك فهو يشبه اليهود الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾.

стр. 370

٦ - شدة حقد اليهود على رسول الله ﷺ ، حيث كانوا يجيبون بهذه الكلمة السيئة: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾. ٧ - تعالي هؤلاء اليهود حتى عند الرسول ﷺ ، لقولهم: اسمع؛ لأن كلمة اسمع إنما تكون في الغالب في المخاطبات من الأعلى إلى الأدنى، ولهذا ينتقد بعض الناس إذا قال لمن هو أكبر منه: اسمع، أو قال لأمه: اسمعي، فهذا منهم يدل على تعالي اليهود والعياذ بالله. ٨ - أن الإنسان يحاسب على ما أراد، لقوله: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾؛ أي: على ما في قلوبهم قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. فإذا قال قائل: وهل يحاسب ظاهرًا على ما أراد في باب الحكومة والخصومة مع الناس؟ الجواب: لا، بل على الظاهر، لقول النبي ﷺ : "إنما أقضي بنحو ما أسمع" (١) ولقوله: "يمينك على ما يصدقك به صاحبك" (٢) لا ما في قلبك، ففرق بين الحكم في أمر يتعلق بالعبادة وبين حكم يتعلق فيما بين الناس. ٩ - أن الطعن في الدين يكون بالصريح ويكون باللازم، فالصريح أن يقول: هذا الدين يوجب لأهله التأخر والتقهقر والتزمت وما أشبه ذلك، هذا صريح.

стр. 371

الثاني: أن لا يكون صريحًا لكن من لازم القول، فهنا إذا نظرت إلى كلامهم لم تشعر بالطعن على وجه صريح، ولكن من لازم القول. ١٠ - أن الطعن في الدين من خصال اليهود، فمن طعن في الدين فهو مشبه لليهود والعياذ بالله. ١١ - تحريم الطعن في الدين، وأنه يجب أن يكون الدين محل احترام وتعظيم، لا محل طعن وقدح. ١٢ - عرض الحق على المستكبر عن الحق، لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ .. إلى آخره. ومن نظائر ذلك: قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠] أي: قتلوا أولياءه وأحرقوهم بالنار، ثم عرض عليهم التوبة، فقال: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠]. ١٣ - أن المنكَر إذا أنكره المنكِر فإنه ينبغي أن يري بدله ما لا ينكر، لقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ بدل ﴿وَعَصَيْنَا﴾، ﴿وَاسْمَعْ﴾ دون ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾، ﴿وَانْظُرْنَا﴾ بدل ﴿رَاعِنَا﴾ كما قال تعالى في خطاب المؤمنين بهذا: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]. ١٤ - أنه تجوز صيغة التفضيل بين شيئين لا يوجد في الطرف الآخر منه شيء، وأن قولهم: إن التفضيل بين شيئين يقتضي اشتراكهما في أصل المعنى ليس على إطلاقه، بل في غالب الأحوال كذلك، ولكن قد يخرج عن هذه القاعدة، فإذا قلت: فلان أفضل من فلان، فقد اشتركا في الفضل، وزاد

стр. 372

المفضل على المفضل عليه، وهذا هو الأصل في اسم التفضيل أن يشترك المفضل والمفضل عليه بأصل المعنى، لكن أحيانًا يأتي اسم التفضيل والطرف الآخر ليس فيه شيء منه، فهنا قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ فليس في قولهم السابق خير، ولا في قولهم السابق استقامة، ومع ذلك قال: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾. ومثل ذلك قول المؤذن في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم، فالنوم الذي يصد عن الواجب لا خير فيه وإن كان الإنسان يعذر به، والذي يحب النوم سيقول: ليس مثله؛ لأن النوم خير. ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤]. لأن أصحاب النار لا خير في مستقرهم، ولا حسن في مقيلهم، ويتمنون أن لا يكونوا من أهل النار. ١٥ - إثبات أصل التفاضل بين الأعمال والأقوال؛ لأن الله قال: ﴿خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾، ولا شك أن التفاضل بين الأقوال السيئة والحسنة والأفعال السيئة والحسنة ثابت، لكن هل تتفاضل الأعمال الحسنة؟ وهل تتفاضل الأعمال السيئة؟ الجواب: نقول: الأعمال تتفاضل، ولهذا سئل النبي ﷺ : أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها"، قيل: ثم أي؛ قال: "بر الوالدين"، قيل: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" (١) والسائل عبد الله بن مسعود ﵁. وكذلك أيضًا: قال الله تعالى في الحديث القدسي: "ما

стр. 373

تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه" (١)، فالأعمال الصالحة تتفاضل كما أن الأعمال السيئة تتفاضل، فمنها صغائر ومنها كبائر، والكبائر منها أكبر ومنها دون ذلك، وكذلك الصغائر. ويلزم من هذا زيادة الإيمان ونقصه على أصل مذهب أهل السنة والجماعة؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ١٦ - أن من لعن وطرد عن رحمة الله فإنه ينقلب عليه الحق باطلًا والباطل حقًا، ولهذا لم يسلكوا الأحسن والخير فيما قالوا؛ لأن الله لعنهم. ويتفرع على هذه القاعدة: أن العاقل لا يتعرض لما فيه لعنة الله؛ لأن الإنسان إذا تعرض لما فيه لعنة الله لعن وطرد وخذل، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ -أنه قال: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه"، قالوا: يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" (٢) وعلى هذا فلا تتعرض لسب الوالدين؛ لأنك إن تعرضت لعنت وإذا لعنت طردت وأبعدت عن رحمة الله. ١٧ - أن الكفر سبب للعن، لقوله: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾، وإذا كان في الإنسان خصال كفر، فهل يناله من اللعنة بمقدار ما معه من خصال الكفر؟

стр. 374

الجواب: الظاهر نعم، وقد يقال: إن اللعنة عقوبة عظيمة لا تكون إلا على فعل عظيم، وقد يقال: إن الحكم المعلق على فعل إن وجد الفعل كاملًا فالحكم كامل، وإن وجد بعضه فله بعض الحكم، وينبني على ذلك قول النبي ﵊: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت" (١) فقد نقول: إن من طعن في النسب أو ناح على الميت فعليه جزء من اللعنة؛ لأن معه جزءًا من الكفر فيحتمل أن يقال: إن اللعنة تتبعض كما أن الكفر يتبعض، ويحتمل أن يقال: إن اللعنة إنما هي على الكفر الأكبر، ولكنا إذا رجعنا إلى قول الرسول ﷺ : "لعن الله من لعن والديه" (٢) ولعن الوالدين لا يخرج من الملة، تبين لنا أن من عمل عملًا أطلق عليه الكفر فإنه يناله من اللعنة مقدار ما حصل منه من هذا الوصف. ١٨ - إثبات الأسباب، لقوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾. ١٩ - الرد على الجبرية والقدرية، وكلتاهما فئتان ضالتان بالقضاء والقدر، فالجبرية يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، والقدرية يقولون: الإنسان مستقل بعمله وليس لله فيه تدبير، والآية ترد عليهم جميعًا. أما على الجهمية الذين هم الجبرية، فلقوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ فأضاف العمل إليهم، وهم يقولون: لا يضاف العمل إلى العامل

стр. 375

إلا على سبيل المجاز، وإلا فالحقيقة أنه ليس فعله؛ لأنه ليس باختياره. أما على القدرية: فلإثبات الأسباب في قوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾، وهم يقولون: إن فعل الإنسان مستقل، ليس لله فيه تدخل إطلاقًا، فأنت تفعل وتترك وتقوم وتقعد وتذهب وتجيء وليس لله تعالى فيه أي تعلق. وأهل السنة والجماعة يقولون: عمل الإنسان باختياره ولا شك، ولكن الذي جعله باختياره هو الله، فيكون ناتجًا عن مشيئة الله وخلق الله، وخالق السبب التام خالق للمسبب. ٢٠ - أن هؤلاء اليهود يقل فيهم الإيمان بالنسبة للمؤمنين، أو بالنسبة لهم جميعًا حسب ما قلنا في الإستثناء: هل الإستثناء عائد للواو أو عائد إلى الفعل، ولا شك أن اليهود على قوة ما جاءهم من الوحي أن فيهم العتاة، وإلا فإن الرسول ﷺ رأى في المنام أكثر الأمم أمة موسى ﵇ بعد هذه الأمة؛ لأنه يقول: "فنظرت فإذا سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي: هذا موسى وقومه" (١). * * * * قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ

стр. 376

كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)﴾ [النساء: ٤٧]. النداء في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ المراد به اليهود إرادة أولية، وكذلك النصارى لأنهم أوتوا الكتاب، والكتاب الذي أوتيه اليهود هو التوراة التي أنزلها الله على موسى ﵇، كتبها بيده سبحانه، وأنزلها على موسى ﵇، أما الكتاب الذي نزل على عيسى ﵇ فهو الإنجيل. قوله: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ وهو القرآن وقال: ﴿نَزَّلْنَا﴾ لأنه نزل شيئًا فشيئًا حسب ما تقضيه حكمة الله . قال العلماء: والفرق بين نزَّلنا وأنزلنا، أن ﴿نَزَّلْنَا﴾ إذا اجتمعت مع "أنزلنا" صار المراد بها التفريق، قال الله ﵎: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] وقال تعالى ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء: ١٠٦]، فالقرآن منزل تنزيلًا على حسب ما تقتضيه حكمة الله، إما أن تكون واقعة يتحدث الله عنها، أو مشكلة يفتي الله تعالى بها، أو غير ذلك. وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ أي: للذي معكم، والذي معهم هو التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى، والتصديق له وجهان: الوجه الأول: أنه مصدق لها؛ أي: شاهد بما جاءت به وأنه حق، والقرآن مملوء من ذلك؛ أي: من أن الكتب السابقة المنزلة على الرسل كلها حق. والوجه الثاني: أنه مصدق لها، حيث جاء على وفق ما أخبرت به؛ لأن هذا القرآن الكريم والنبي ﷺ قد ذكرا في التوراة

стр. 377

والإنجيل، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾: هذا تحذير وتهديد لهم إذا تأخروا عن الإيمان أن يحصل لهم هذا. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: هذا الطمس اختلف العلماء فيه، فقيل: إنه طمس معنوي بحيث لا ترى الحق، ولا تسمعه، ولا تنتفع به، ويردها الله على أعقابها فتهوي في الكفر. وقيل: بل هو طمس حسي، وذلك بأن تطمس الوجوه حتى تكون كخف البعير ليس فيها عين ولا أنف ولا شفة ولا حاجب، بل هي كالقفا تمامًا، فكما أن قفا الرأس ليس فيه شيء من ذلك، فهذه أيضًا تطمس حتى تكون وجوههم كأقفائهم، ثم بعد ذلك: ترد على الأدبار. وقيل المراد بالطمس: طمس حسي، ولكن هو أن تلوى الأعناق وتكون الوجوه من الخلف، وهذا معنى قوله: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ والقاعدة التفسيرية: أنه إذا كانت الآية تحتمل وجهين لا يناقض أحدهما الآخر فإنها تحمل على الوجهين جميعًا؛ لأن كلام الله معناه واسع، فإذا كان اللفظ يحتمل هذا وهذا، وليس بينهما مناقضة، فالواجب حمله على الوجهين، فهنا نقول: إن الله تعالى هددهم بالطمس الحسي والطمس المعنوي. قوله: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ أي: نطردهم عن

стр. 378

رحمتنا ونوقع بهم من النكال ما وقع لأصحاب السبت، والذي وقع لأصحاب السبت هو أنهم قيل لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] فكانوا قردة خاسئة ذليلة تتعاوى، والعياذ بالله. والفرق بين التهديدين: أن الأول حسي خاص بجزء من البدن وهو الوجه، أما الثاني فهو عام يقلب الصورة كاملة والعياذ بالله إلى صورة قرد. ويُذكر أن عبد الله بن سلام ﵁ لما سمع بهذه الآية أقبل مسرعًا ويده على وجهه يخشى أن يطمس، حتى جاء إلى الرسول ﷺ وآمن به، وكذلك يذكر عن كعب الأحبار في عهد عمر ﵁، والله أعلم، ولكن لا شك بأن المؤمنين منهم سوف يخافون هذا الأمر. فإن قال قائل: إنهم لم يؤمنوا ولم يقع بهم هذا التهديد، فما الجواب؟ فالجواب: أنه لما آمن بعضهم ارتفع هذا التهديد؛ لأن هذا التهديد معلق بما إذا لم يؤمن أحد منهم، وقيل: إن الله هددهم بهذا، والتهديد قائم إلى يوم القيامة، فإذا قدر أنه لم يقع فيما مضى فإنه متوقع؛ لأن الله سبحانه هددهم به فقال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾. والوجه الأول قد يكون أقرب؛ لأن تهديد أهل الكتاب الذين في عهد رسول الله ﵊ بأمر لا يكون إلا قبيل قيام الساعة لا معنى له، ولا وجه له، فيقال: إنه لما آمن بعضهم رفع عنهم هذا التهديد، وقامت الحجة على الباقين، حيث آمن من كان منهم واعترف بالحق.

стр. 379

ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ نعم والله، أمر الله مفعول، ومن يرد أمر الله؟ لا أحد يرده، فأمر الله لا بد أن يقع. والأمر هنا بمعنى المأمور؛ يعني كان مأمور الله؛ أي: ما أمر به (مفعولًا). ويحتمل أن يكون الأمر هو الأمر الكوني؛ أي: القضاء، ويكون المفعول بمعنى الواقع، وأيًا كان، سواء قلنا: إن الأمر بمعنى المأمور، وهذا لا بعد فيه؛ لأن الأمر مصدر، والمصدر يأتي أحيانًا بمعنى اسم المفعول؛ كقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] أي: وأولات المحمولين؛ لأن الأحمال جمع حمل، والحمل هو الجنين في البطن، وكما في قوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) أي: مردود. من فوائد الآية الكريمة: ١ - وجوب الإيمان بالقرآن الكريم على أهل الكتاب، لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا﴾. ٢ - إقامة الحجة على هؤلاء الذين أوتوا الكتاب وكفروا بمحمد ﷺ ؛ لأنه لا عذر لهم؛ لأنهم أوتوا الكتاب فعندهم علم، ولأن الذي نزل على محمد ﷺ مصدق لما معهم، فليس لهم عذر، كتابهم بين أيديهم، وهو وسيلة العلم، ثم مجيء هذا القرآن مصدقًا لما معهم يثبت أن محمدًا ﷺ حق، فوجب عليهم الإيمان به. ٣ - إثبات أن القرآن كلام الله، ووجهه قوله: ﴿بِمَا نَزَّلْنَا﴾،

стр. 380

فإن قال قائل: التنزيل الذي يضاف إلى الله قد يكون في أمر مخلوق؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]؟ فالجواب عن ذلك يحصل بالتفصيل الآتي: وهو أن المنزل من عند الله ينقسم إلى قسمين: أعيان، وأوصاف، فالأعيان بائنة منفصلة عن الله فتكون مخلوقة، مثل قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]، فهذه أعيان بائنة منفصلة عن الله فتكون مخلوقة. والقسم الثاني: أوصاف لا تقوم إلا بموصوف، مثل: الكلام، فالكلام صفة لا تقوم إلا بموصوف، فإذا أضاف الله إنزال الكلام إليه، فهو من صفاته، وهي غير مخلوقة، وعلى هذا فالقرآن غير مخلوق. ٤ - إثبات علو الله، ووجهه قوله: ﴿نَزَّلْنَا﴾ لأن النزول إنما يكون من الأعلى وهو كذلك، وأدلة علو الله سبقت مرارًا، وقلنا: إن علو الله ينقسم إلى قسمين: قسم حسي، وقسم معنوي، فالقسم المعنوي متفق عليه بين أهل الملة، حتى أهل التعطيل يدعون أنهم يعطلون تنزيهًا لله عن النقص، فالعلو المعنوي لا أحد ينكره من أهل الملة، فكل أهل القبلة يقرون به. والعلو الحسي الذاتي: هو الذي أنكره من سوى أهل السنة والجماعة، وقالوا: إن الله ليس عاليًا بذاته، بحجة باطلة، وقد

стр. 381

بينا فيما سبق أن العلو الذاتي قد دل عليه من الأدلة خمسة أنواع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، وبينا وجه ذلك. ٥ - أن القرآن الكريم مصدق للكتب السابقة يشهد لها بالصدق، ومصدق لها حيث جاء مطابقًا لما أخبرت به، فهو لا يتنافى معها ولا يتنافر معها، لكن الشرائع تختلف باختلاف الأمم، حتى باختلاف الأحوال، حتى في الشريعة الإسلامية تختلف الشرائع باختلاف الأحوال، فالفقير لا زكاة عليه، والغني عليه زكاة، وهذا اختلاف، إذ كيف يقال هذا الرجل الذي هو اسمه زيد عليه زكاة، وهذا الرجل الذي اسمه عمرو لا زكاة عليه؟ نقول: نعم؛ لأن الأول غني والثاني فقير. فالشرائع تختلف، كما قال تعالى ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، لكن أصول الملل ثابتة واحدة، وهذا الكتاب العزيز مصدق لما بين يديه، وفي سورة المائدة بين الله أنه مهيمن على ما سبق، ومعنى مهيمن: أي مسيطر، فالهيمنة على الشيء السلطة والسيطرة، وإذا كان كذلك لزم أن يكون ناسخًا لما سبق. ٦ - تهديد أهل الكتاب إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن بهذين الوعيدين: طمس الوجوه وردها على أدبارها، والثاني: أن يلعنوا كما لعن أصحاب السبت. ٧ - تحاشي التعبير بالمواجهة عند المؤاخذة، فهنا قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ ولم يقل: "وجوهكم"، وكان مقتضى السياق أن يقول: من قبل أن نطمس وجوهكم؛ لأنهم هم المهددون، لكن أتى بها على صيغة النكرة تحاشيًا للمواجهة

стр. 382

بالمؤاخذة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: قد يقال: إن المراد بالتنكير هنا التعظيم؛ أي: وجوهًا معظمة عندكم فتطمس، وهي وجوه زعمائهم الذين صدوهم عن سبيل الله . ٨ - أن الإحالة على المعلوم تصح ولو بلفظ الإبهام، وتؤخذ من قوله: ﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ لأنه إذا قال قائل: ما هي اللعنة التي حلت بأصحاب السبت، ومن هم أصحاب السبت؟ فنقول: ذكروا هنا على سبيل الإجمال؛ لأن أمرهم معلوم، وهذا يشبه ما يقول النحويون في "الـ" التي للعهد الذهني. ٩ - أن الله سبحانه يذكر نفسه بلفظ العظمة: "نطمس، نرد، نلعن، كما لعنا"، وذلك لأن المقام يقتضي ذلك، فالمقام مقام تهديد، ولا بد أن يظهر المهدِّد عظمته أمام المهدَّد، وهذا في غاية البلاغة، وهي مراعاة المخاطب. ١٠ - تفضيل تغيير الأسلوب إذا اقتضت الحاجة ذلك، لقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ولم يقل: وكان أمرنا مفعولًا، ففي الآية التفات من الخطاب إلى الغَيبة؛ لأن قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ تحدث عن غائب، لكن قوله: ﴿نَطْمِسَ﴾ وما أشبه ذلك، هذه تحدث عن متكلم، ففيه التفات من التكلم إلى الغيبة للتعظيم؛ لأن قول العظيم فعل فلان كذا يعني نفسه، أبلغ من قوله: فعلت كذا. * * * * قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].

стр. 383

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ﴾: تحدث سبحانه عن نفسه بصيغة الغائب تعظيمًا له، كما يقول الملك لجنوده: إن الملك يأمركم أن تتجهوا إلى المكان الفلاني، فيكون هذا من باب التعظيم؛ أي: أن تحدث المتحدث عن نفسه بصيغة الغائب يعتبر تعظيمًا. وقوله: ﴿لَا يَغْفِرُ﴾، المغفرة الستر مع التجاوز، ويدل لكون المعنى مركبًا من الستر والتجاوز الإشتقاق؛ لأن المغفرة مأخوذة من المِغْفَر، وهو الذي يوضع على الرأس، ويسمى البيضة، يتقى به السهام، وإذا وضع على الرأس واتقى به السهام صار فيه ستر ووقاية. فقوله: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أي: لا يتجاوز ولا يستر الإشراك به. وقوله: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ﴿أَن﴾ هذه مصدرية، وأن المصدرية من الحروف الموصولة فتسبك مع ما بعدها بمصدر، ويكون التقدير على هذا: إن الله لا يغفر إشراكًا به، وإذا حولنا هذا الفعل مع ﴿أَن﴾ إلى مصدر صار نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي للعموم. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ يشمل الإشراك في الربوبية والإشراك في الألوهية الذي هو الإشراك في العبادة، والثالث الإشراك في الأسماء والصفات، فالله لا يغفره؛ لأن جانب التوحيد أعظم الجوانب حقًا أن يوفى به، فإذا أخل به الإنسان فإن الله سبحانه لا يغفره، بخلاف المعاصي الأخرى التي دونه أو التي سوى الشرك فإن الله يغفرها، فمن اعتقد أن مع الله خالقًا فهو مشرك، أو أن لأحد من الخلق شيئًا ينفرد به دون الله فهو

стр. 384

مشرك، فمن قال: السماء لله والأرض لغير الله، ومن قال: السماء والأرض مشتركة بين الله وغيره، فهو مشرك، ومن قال: إن الله له معين في خلق السماوات والأرض فهو مشرك، وكل هذا لا يغفره الله. وفي العبادة: من سجد لغير الله، أو نذر لغير الله، أو ذبح لغير الله؛ فهو مشرك، ومن أشرك بالله في العبادة رياءً فهو مشرك، فالرياء شرك بنص الحديث، إذًا: الرياء لا يغفر. كذلك من زعم أن لله مثيلًا في صفاته، أو أن استواء الله على العرش كاستواء الإنسان على السرير، وأن نزول الله إلى السماء الدنيا كنزول الإنسان من السطح إلى أسفل الدرجة وما أشبه ذلك، فهو مشرك. وكل هذا لا يغفره الله. قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، هل المراد بقوله: ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: ما سوى ذلك أو ما هو أصغر من ذلك؟ هل هو من الدون الذي هو الأصغر أو من الدون الذي هو السوى؟ الجواب يتعين أن يكون ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: ما هو أصغر، وهو مأخوذ من الدون الذي هو أقل، لا من الدون الذي بمعنى سوى؛ لأننا لو فسرناه بمعنى ما سوى ذلك لكان كفر الجحود داخلًا في الآية وليس كذلك؛ أي: لزم أن يغفر الله كفر الجحود؛ لأنه سوى الشرك، فلو قال شخص: إن الله لم يرسل محمدًا ﷺ مثلًا، فهذا ليس بشرك، وليس بمغفور. قوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: للذي يشاء، فعلى هذا يكون الشرك وما كان بمنزلته من كفر الجحود ونحوه غير مغفور، وما

стр. 385

دون ذلك فهو تحت المشيئة، فليس مغفورًا ولا مؤاخذًا به، بل هو تحت المشيئة. ثم إننا نقول: كل شيء قيده الله سبحانه بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، إن اقتضته الحكمة شاءه الله، وإن لم تقتضه فإنه لا يشاؤه؛ لأن فوات الحكمة سفه، والله تعالى منزه عنه، ويدل لهذا القيد أن كل ما قيده الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠] فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أعقبها قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فبين أن مشيئة الله تابعة لعلمه وحكمته. قوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ صدق ربنا، من يشرك بالله فهذا أعظم مفتر، يعني: من يشرك بالله في ربوبيته، أو في عبادته، أو في أسمائه وصفاته، فقد افترى إثمًا عظيمًا؛ أي: كذب كذبًا عظيمًا، أو كذب كذبًا يستحق به الإثم العظيم؛ لأن أعظم ذنب كما قال النبي ﵊: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك" (١) إذ كيف تجعل لله ندًا وهو الذي خلقك، هذا أعظم شيء ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]؛ فهذا معنى الآية. من فوائد الآية الكريمة: ١ - عظم الشرك، وأن الله سبحانه لا يغفره لأنه أعظم

стр. 386

ذنب، فقد سئل النبي ﷺ : "أي الذنب أعظم؟ " قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك" (١). ٢ - إثبات الأفعال الإختيارية لله ، وكثير من المعطلة الأشاعرة والمعتزلة ونحوهم ينكرون أن يقوم بالله فعل متعلق بإرادته؛ لأنهم يقولون: إن الأفعال المتعلقة بالإرادة حادثة، والحادث لا يقوم إلا بحادث، ولا شك أن هذا كذب في التصور؛ لأن الشيء الحادث يمكن أن يقوم بالأزل، كما أن الشيء الحادث الذي حدث اليوم يمكن أن يقوم بمخلوق خلق قبل خمسين سنة، فلا يلزم من حدوث الفعل أن يكون الفاعل حادثًا. ٣ - أن ما دون الشرك تحت المشيئة، لقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وليس مجزومًا بمغفرته، ولا مجزومًا بالمؤاخذة عليه، وإنما هو تحت المشيئة. ويتفرع على هذه الفائدة: رد كلام المسوفين الذين يفعلون ما يفعلون من المعاصي ثم يقولون: إن الله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، فنقول لهم: ما الذي أدراك أن تكون أنت ممن شاء الله أن يغفر لك؟ فلو فرضنا أن عملك المعصية يمكن أن يغفر لكنه ليس بمتيقن، فالمعصية مفسدة ظاهرة حاصلة، ومغفرتها مصلحة؛ لكنها تحت المشيئة فقد تحصل وقد لا تحصل. ٤ - وجوب توحيد الله، لكون الشرك لا يغفر، ويلزم من ذلك أن يكون توحيد الله واجبًا، بل وأوجب الواجبات، فيجب أن يوحد الله في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.

стр. 387

٥ - أن المشرك مفترٍ على الله، لقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾. ٦ - أن هذا الكذب من أعظم الكذب، لقوله: ﴿إِثْمًا عَظِيمًا﴾ وفي آية أخرى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، فهو ضال في دينه، وهو أيضًا مفتر إثمًا عظيمًا في قوله. ٧ - إثبات المشيئة لله، لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ولكن سبق في التفسير أن كل شيء علقه الله بالمشيئة فهو مقرون بالحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠]، وظاهر قوله تعالى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أنه شامل للشرك الأصغر والشرك الأكبر، وبذلك صرح شيخ الإسلام ﵀ في كتاب الإختيارات، أن الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، ولكن يجب أن نعلم أنه ليس معنى قولنا: إن الشرك الأصغر لا يغفر أن صاحبه يخلد في النار، بل يعذب على قدر عمله ثم يدخل الجنة، أما الشرك الأكبر فلا يغفر وصاحبه مخلد في النار، لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]. * * * * قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩]. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: الإستفهام هنا للتعجب والتقرير، يعني: ألا تتعجب من حال هؤلاء القوم، والخطاب في

стр. 388

قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ إما لرسول الله ﷺ ، والخطاب الموجه إليه موجه للأمة عن طريق التبع؛ لأن الأمة فرع. وقيل: إن الخطاب موجه لكل من يتأتى خطابه؛ أي: لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، والثاني أعم؛ لكن القولين لا يتنافيان؛ أي: حتى لو قلنا إن أصل الخطاب للرسول ﵊ فخطاب الزعيم خطاب له ولمن تبعه. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ جواب الإستفهام محذوف أي: أتحصل لهم التزكية، فهذا هو المعنى؛ لأنه إذا جاء مثل هذا الكلام فلا بد أن يكون هناك جملة استفهامية إما مذكورة وإما محذوفة. وقوله: ﴿يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: ينسبونها إلى الزكاء وهو ضد الشقاء، والمراد بهؤلاء كل من زكى نفسه، وأول من يدخل في ذلك اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] فزكوا أنفسهم بالعمل والجزاء عليه، زكوا أنفسهم بالعمل حيث قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، وزكوا أنفسهم بالثواب عليه حيث قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، وزكوا أنفسهم أيضًا من وجه آخر بالجزاء: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، ومن كان مثلهم؛ أي: من زكى نفسه فإنه آخذ بنصيب من مشابهتهم، فمن قال: أنا ولي، أو أنا تقي، أو ما أشبه ذلك، فقد زكى نفسه، ولا سيما ما يحصل من بعض مشايخ الصوفية الذين يغرون الناس فيقولون:

стр. 389

نحن أولياء، ونحن أصفياء وما أشبه ذلك، فهم يزكون أنفسهم من أجل أن يغتر الناس بهم. وقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿بَلِ﴾ هنا للإضراب الإبطالي؛ لأن التقدير: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أتحصل لهم التزكية؟ الجواب: لا تحصل لهم التزكية، ولو كان كل من زكى نفسه حصل له التزكية لكان أخبث الناس يزكي نفسه، فالآن الذين يعبدون الأصنام، أو يعبدون البقر، أو يعبدون الأشجار يقولون: نحن على حق، فيزكون أنفسهم، لكن ترجع التزكية إلى الله، ولهذا أبطل الله هذه التزكية كلها، وقال: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾، فقوله "بل" هنا للإضراب الإبطالي. و﴿بَلِ﴾ تأتي للإضراب الإبطالي، وتأتي للإضراب الإنتقالي، فقوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ [النمل: ٦٦]، هذا إضراب انتقالي من شيء لآخر، والشيء الأول باق، ولكن تنقل بين الأحوال إلى أن يصلوا إلى هذا الحد. فالحاصل أن الإضراب يكون إبطاليًا ويكون انتقاليًا. وقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾: فهو الذي - يزكي ، وهو الذي يثني، قال الله ﵎: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، فأعطى الله تعالى التزكية لهؤلاء، كل بحسب حاله، فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ﴾ فأعطى هؤلاء

стр. 390

نصيبهم من الزكاة، وهؤلاء نصيبهم، ثم زكى الجميع على وجه عام فقال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]، فالله تعالى هو الذي يزكي. وكذلك رسوله ﷺ يزكي أيضًا، فيقول مثلًا: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (١)، ومن زكاه الرسول ﷺ فهو زكي؛ لأن النبي ﷺ في مثل هذه الأمور لا ينطق إلا عن وحي. وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هذا تابع للحكمة أيضًا، وكل فعل مقيد بالمشيئة فهو تابع للحكمة، فيزكي من كان أهلًا للزكاء، سواء كان الزكاء بعد العمل أو قبل العمل، فمثال التزكية بعد العمل ما ذكرنا من الآيات، والتزكية قبل العمل أن يهب الله للإنسان العمل الصالح، فإنه كما أنه أعلم حيث يجعل رسالته، فهو يعلم حيث يجعل أثر هذه الرسالة، وهي الإيمان والعمل الصالح، فتزكية الله تزكية قبل العمل وتزكية بعده، وهو سبحانه يزكي من يشاء قبل العمل وبعده، وإذا قلنا إن المشيئة تابعة للحكمة، فإنه لن يزكي إلا من كان أهلًا للزكاء. ثم قال: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ الواو للجماعة، وقوله: ﴿لِمَن
следующие страницы →