← Тафсир

Тафсир · id 547

تفسير العثيمين: النساء

ابن عثيمين

Полный текст (1 106 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ذنب، فقد سئل النبي ﷺ : "أي الذنب أعظم؟ " قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك" (١). ٢ - إثبات الأفعال الإختيارية لله ، وكثير من المعطلة الأشاعرة والمعتزلة ونحوهم ينكرون أن يقوم بالله فعل متعلق بإرادته؛ لأنهم يقولون: إن الأفعال المتعلقة بالإرادة حادثة، والحادث لا يقوم إلا بحادث، ولا شك أن هذا كذب في التصور؛ لأن الشيء الحادث يمكن أن يقوم بالأزل، كما أن الشيء الحادث الذي حدث اليوم يمكن أن يقوم بمخلوق خلق قبل خمسين سنة، فلا يلزم من حدوث الفعل أن يكون الفاعل حادثًا. ٣ - أن ما دون الشرك تحت المشيئة، لقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وليس مجزومًا بمغفرته، ولا مجزومًا بالمؤاخذة عليه، وإنما هو تحت المشيئة. ويتفرع على هذه الفائدة: رد كلام المسوفين الذين يفعلون ما يفعلون من المعاصي ثم يقولون: إن الله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، فنقول لهم: ما الذي أدراك أن تكون أنت ممن شاء الله أن يغفر لك؟ فلو فرضنا أن عملك المعصية يمكن أن يغفر لكنه ليس بمتيقن، فالمعصية مفسدة ظاهرة حاصلة، ومغفرتها مصلحة؛ لكنها تحت المشيئة فقد تحصل وقد لا تحصل. ٤ - وجوب توحيد الله، لكون الشرك لا يغفر، ويلزم من ذلك أن يكون توحيد الله واجبًا، بل وأوجب الواجبات، فيجب أن يوحد الله في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.

стр. 387

٥ - أن المشرك مفترٍ على الله، لقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾. ٦ - أن هذا الكذب من أعظم الكذب، لقوله: ﴿إِثْمًا عَظِيمًا﴾ وفي آية أخرى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]، فهو ضال في دينه، وهو أيضًا مفتر إثمًا عظيمًا في قوله. ٧ - إثبات المشيئة لله، لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ولكن سبق في التفسير أن كل شيء علقه الله بالمشيئة فهو مقرون بالحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠]، وظاهر قوله تعالى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أنه شامل للشرك الأصغر والشرك الأكبر، وبذلك صرح شيخ الإسلام ﵀ في كتاب الإختيارات، أن الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، ولكن يجب أن نعلم أنه ليس معنى قولنا: إن الشرك الأصغر لا يغفر أن صاحبه يخلد في النار، بل يعذب على قدر عمله ثم يدخل الجنة، أما الشرك الأكبر فلا يغفر وصاحبه مخلد في النار، لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]. * * * * قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩]. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: الإستفهام هنا للتعجب والتقرير، يعني: ألا تتعجب من حال هؤلاء القوم، والخطاب في

стр. 388

قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ إما لرسول الله ﷺ ، والخطاب الموجه إليه موجه للأمة عن طريق التبع؛ لأن الأمة فرع. وقيل: إن الخطاب موجه لكل من يتأتى خطابه؛ أي: لكل من يصح توجيه الخطاب إليه، والثاني أعم؛ لكن القولين لا يتنافيان؛ أي: حتى لو قلنا إن أصل الخطاب للرسول ﵊ فخطاب الزعيم خطاب له ولمن تبعه. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ جواب الإستفهام محذوف أي: أتحصل لهم التزكية، فهذا هو المعنى؛ لأنه إذا جاء مثل هذا الكلام فلا بد أن يكون هناك جملة استفهامية إما مذكورة وإما محذوفة. وقوله: ﴿يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: ينسبونها إلى الزكاء وهو ضد الشقاء، والمراد بهؤلاء كل من زكى نفسه، وأول من يدخل في ذلك اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] فزكوا أنفسهم بالعمل والجزاء عليه، زكوا أنفسهم بالعمل حيث قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، وزكوا أنفسهم بالثواب عليه حيث قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، وزكوا أنفسهم أيضًا من وجه آخر بالجزاء: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، ومن كان مثلهم؛ أي: من زكى نفسه فإنه آخذ بنصيب من مشابهتهم، فمن قال: أنا ولي، أو أنا تقي، أو ما أشبه ذلك، فقد زكى نفسه، ولا سيما ما يحصل من بعض مشايخ الصوفية الذين يغرون الناس فيقولون:

стр. 389

نحن أولياء، ونحن أصفياء وما أشبه ذلك، فهم يزكون أنفسهم من أجل أن يغتر الناس بهم. وقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿بَلِ﴾ هنا للإضراب الإبطالي؛ لأن التقدير: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أتحصل لهم التزكية؟ الجواب: لا تحصل لهم التزكية، ولو كان كل من زكى نفسه حصل له التزكية لكان أخبث الناس يزكي نفسه، فالآن الذين يعبدون الأصنام، أو يعبدون البقر، أو يعبدون الأشجار يقولون: نحن على حق، فيزكون أنفسهم، لكن ترجع التزكية إلى الله، ولهذا أبطل الله هذه التزكية كلها، وقال: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾، فقوله "بل" هنا للإضراب الإبطالي. و﴿بَلِ﴾ تأتي للإضراب الإبطالي، وتأتي للإضراب الإنتقالي، فقوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ [النمل: ٦٦]، هذا إضراب انتقالي من شيء لآخر، والشيء الأول باق، ولكن تنقل بين الأحوال إلى أن يصلوا إلى هذا الحد. فالحاصل أن الإضراب يكون إبطاليًا ويكون انتقاليًا. وقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾: فهو الذي - يزكي ، وهو الذي يثني، قال الله ﵎: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، فأعطى الله تعالى التزكية لهؤلاء، كل بحسب حاله، فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ﴾ فأعطى هؤلاء

стр. 390

نصيبهم من الزكاة، وهؤلاء نصيبهم، ثم زكى الجميع على وجه عام فقال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]، فالله تعالى هو الذي يزكي. وكذلك رسوله ﷺ يزكي أيضًا، فيقول مثلًا: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (١)، ومن زكاه الرسول ﷺ فهو زكي؛ لأن النبي ﷺ في مثل هذه الأمور لا ينطق إلا عن وحي. وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هذا تابع للحكمة أيضًا، وكل فعل مقيد بالمشيئة فهو تابع للحكمة، فيزكي من كان أهلًا للزكاء، سواء كان الزكاء بعد العمل أو قبل العمل، فمثال التزكية بعد العمل ما ذكرنا من الآيات، والتزكية قبل العمل أن يهب الله للإنسان العمل الصالح، فإنه كما أنه أعلم حيث يجعل رسالته، فهو يعلم حيث يجعل أثر هذه الرسالة، وهي الإيمان والعمل الصالح، فتزكية الله تزكية قبل العمل وتزكية بعده، وهو سبحانه يزكي من يشاء قبل العمل وبعده، وإذا قلنا إن المشيئة تابعة للحكمة، فإنه لن يزكي إلا من كان أهلًا للزكاء. ثم قال: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ الواو للجماعة، وقوله: ﴿لِمَن

стр. 391

يَشَاءُ﴾، مَنْ: اسم موصول لفظه مفرد، فهنا: عاد الضمير إلى مَنْ باعتبار المعنى. والمراد بقوله: ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: من زكاهم الله ، أو: ولا يظلم من زكوا أنفسهم، فلن يعاقبوا إلا على حسب أعمالهم السيئة، وسواء كان المعنى هذا أو هذا فإن الله لا يظلم أحدًا، فلا يزيد من سيئاته، ولا ينقص من حسناته. وقوله: ﴿فَتِيلًا﴾ الفتيل: قيل: إنه الفتيل الذي في باطن النواة، فالنواة فيها ثلاثة أشياء كلها مذكورة في القرآن: القطمير والنقير والفتيل، فالقطمير السلب الذي على النواة، والنقير النقرة التي في ظهرها، والفتيل الخيط الذي في بطنها. وقيل: إن الفتيل ما تفتله بين أصابعك، حال العرق، فإن الإنسان إذا عَرِق وفتل أصابعه حصل شيء، وكذلك إذا حك صدره أو ظهره ظهر الفتيل، لكن الأول هو المشهور، وهو أن الفتيل هو الخيط الذي يكون في بطن النواة، وهو يضرب مثلًا في القلة. من فوائد الآية الكريمة: ١ - الإنكار على من يزكي نفسه، وجه ذلك أن قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استفهام إنكاري. ٢ - النهي عن تزكية النفس؛ لأن الله تعالى أنكر ذلك، كما صرح به في قوله: هُوَ ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]. ومن فروع هذا: قول الإنسان: أنا مؤمن، فهل يجوز

стр. 392

للإنسان أن يقول: أنا مؤمن! أو لا بد أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، الجواب: في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: لا يجوز أن يقول: أنا مؤمن إلا باستثناء؛ لأن الإنسان لا يدري ماذا يموت عليه، والعبرة بالعاقبة، فقد يكون الإنسان اليوم مؤمنًا، ويكون غدًا كافرًا، ولا يجوز الجزم بشيء مستقبل. ومنهم من قال: لا يجوز أن يقول: أنا مؤمن، لا لهذه العلة، ولكن لأنه يلزم من قوله هذا تزكية النفس، والشهادة لنفسه بالجنة؛ لأنه إذا قال: أنا مؤمن، فكل مؤمن في الجنة، فيلزم على هذا أن يجزم بأنه من أهل الجنة، وهذا لا يجوز. ومنهم من علل بعلة ثالثة، وقال: إن الإيمان على وجه الإطلاق يراد به الإيمان المطلق المتضمن لفعل الواجبات، وترك المحرمات، وفعل المستحبات، وترك المكروهات، وهذا لا يمكن أن يجزم به العبد، فما أكثر المستحبات التي لا يفعلها، بل والواجبات، وما أكثر المكروهات التي يفعلها بل والمحرمات، وعلى هذا فيجب أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله! وقال آخرون: لا يجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله؛ لأن هذا شك، والشك في الإيمان كفر، إذ إن الواجب في الإيمان الجزم، والتردد فيه كفر. ولكن القول الراجح في هذه المسألة أن يقال: إن قول الإنسان: أنا مؤمن، إما أن يقرنه بالمشيئة أو لا يقرنه، فإن لم يقرنه بالمشيئة فله حالان: الأولى: إذا كان الحامل له تزكية النفس فهذا قول حرام؛

стр. 393

لأن الله يقول: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]، ثم إن هذا فيه الإدلال على الله والمنة عليه، والله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧] فإذا كان قوله: أنا مؤمن للإعجاب بالنفس فهذا لا يجوز؛ لأنه تزكية للنفس ومنهي عنه فيكون حرامًا. الحالة الثانية: إن كان المقصود بذلك مجرد الخبر، بأن يعني بقوله: أنا مؤمن؛ أي: لست بكافر؛ فهذا لا بأس به، وقد قال النبي ﷺ للقوم الذي لقيهم في طريقه إلى الحج: "من القوم؟ " قالوا: "المسلمون" (١) فأقرهم النبي ﷺ على ذلك؛ لأنهم يريدون بذلك الخبر، فإذا قال الإنسان: أنا مؤمن يعني: لست بكافر، فلا بأس، ولا يلزم على ذلك اللوازم التي ذكرها من منع قوله: أنا مؤمن، وإذا قرنه بالمشيئة فله ثلاث حالات: الأولى: أن يكون الحامل على ذلك قصد التردد فهو كفر، كما إذا قيل له: أنت مؤمن؟ فقال: إن شاء الله، مترددًا، فهذا كفر؛ لأنه لا إيمان مع شك، بل لا بد من الجزم. الثانية: إذا كان الحامل له على ذلك بيان أن إيمانه كان بمشيئة الله لا بحوله ولا بقوته، فهذا لا بأس به؛ لأن الشيء المحقق قد يربط بالمشيئة إشارة إلى أنه واقع بمشيئة الله، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] أي: لتدخلنه بمشيئته؛ لأن الجملة هنا: خبر مؤكد

стр. 394

بثلاث مؤكدات، ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾، ورسول الله ﷺ لما قال له عمر ﵁: ألست تقول: إننا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال له الرسول ﷺ : "أقلت لك هذا العام؟ " قال: لا، قال: "إنك آتيه ومطوَّف به" (١) قال ذلك في المحاورة بينه وبين عمر ﵁ في مسألة صلح الحديبية. ومن ذلك أيضًا قول زائر المقبرة: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" (٢)، فإن اللحوق بهم مؤكد، والموت لا ينكره أحد، لكن المراد بـ "إن شاء الله"؛ أي: لاحقون بمشيئة الله، فمتى شاء الله لحقنا بكم. الثالثة: إذا كان قصده بإن شاء الله دفع التزكية؛ أي: دفع تزكية النفس، وأنه يخشى على نفسه أنه إن لم يقل: إن شاء الله صار في نفسه شيء من التزكية، فهنا يكون قوله: إن شاء الله واجبًا. وهذا التفصيل هو الذي تجتمع به الأدلة. ٣ - أن تزكية الغير لا بأس بها؛ لأن النهي أو الإنكار منصب على تزكية النفس، أما لو زكى غيره فإن ذلك لا بأس به، وهنا لا يزكي غيره بمجرد المظهر، ولا بد من خبرة، فلا يكفي أن ترى مظهر الشخص وتقول: إنه عدل ثقة، بل لا بد من خبرة؛

стр. 395

لأنه قد لا يكون عدلًا، وقد يكون مرائيًا منافقًا مخادعًا، وربما يكون عدلًا في دينه ولكن عنده سوء حفظ، فإذا زكيته فيما يتعلق بالخبر كالشهادة مثلًا دون أن تخبره صار ذلك شهادة بما لا تعلم، فلو قال شخص: زك فلانًا، فإنه شهد عندي بشيء، فقد أزكيه من جهة دينه وأعرف أنه رجل مستقيم في الدين، يصلي ويزكي ويصوم، لكن من جهة الحفظ - والمسألة مسألة شهادة خبرة -، فلا بد أن يكون عندي علم بباطن حاله واختبار، فلا تجوز التزكية في مثل الأخبار إلا إذا عرفت أن الرجل حافظ. ٤ - أن الأمر إلى الله في تزكية الإنسان ورفع التزكية عنه، وتؤخذ من قوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾، فالحكم بالتزكية إثباتًا أو نفيًا إلى الله وحده، فهو الذي يزكي من يشاء. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٩، ١٠]. فالجواب: إن كان الفاعل في قوله: ﴿زَكَّاهَا﴾ هو الله فلا إشكال؛ لأن المزكي هو الله في هذا وفي هذا، وإن كان ضمير الفاعل يعود على الإنسان، يعني: قد أفلح من زكى نفسه وقد خاب من دس نفسه، فالجمع أن نسبة التزكية إلى الإنسان هنا نسبة شيء إلى سببه لا إلى حصوله، فالإنسان يفعل الطاعة فيكون زكيًا، فيكون المراد بالتزكية فعل سببها، وعلى هذا فلا إشكال أيضًا. ٥ - أنه يجب على الإنسان أن يلجأ في طلب التزكية إلى الله، لقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ فأنت إذا علمت أن الله هو الذي يزكي فاسأل الله، ولهذا كان من الدعاء المأثور: "اللهم

стр. 396

أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" (١). ٦ - الرد على القدرية، الذين يقولون باستقلال الإنسان في عمله، ويؤخذ من قوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾. ٧ - إثبات المشيئة لله ، لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، وأن الله سبحانه له مشيئة، يدبر الأمر بحسب هذه المشيئة، ولكن هذه المشيئة ليست مشيئة مطلقة بل مشيئة مقرونة بالحكمة. ٨ - نفي الظلم عن الله، لقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، والظلم محرم على الله حرمه على نفسه جل وعلا، ففي الحديث القدسي: "يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا" (٢)، وفي هذا نكتة جيدة، وهو أن الله يفرض على نفسه ويحرم على نفسه؛ لأن الله هو الذي يدبر الأمر، قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وكتب بمعنى: فرض، فقد فرض على نفسه، وهنا في الحديث القدسي: "إني حرمت الظلم على نفسي" (٣). وليس في صفات الله ما هو نفي محض، فكل نفي في صفات الله فهو متضمن لإثبات، فقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾؛

стр. 397

أي: لأن الله كامل العدل، ومن كان كامل العدل فإنه لا يظلم فتيلًا. قال أهل العلم: ولا يمكن أن يكون في صفات الله نفي محض لا يتضمن مدحًا، وعللوا ذلك فقالوا: النفي إن لم يتضمن كمالًا فقد يكون نقصًا، وقد يكون لا نقصًا ولا كمالًا، فالأقسام ثلاثة: نقص، وكمال، ولا هذا ولا هذا، فالنقص وكونه لا هذا ولا هذا ممتنع عن الله، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]. فإذا قلت مثلًا: إن الجدار لا يظلم، والخشبة لا تظلم، والسيارة لا تظلم، فهذا لا يتضمن كمالًا ولا نقصًا؛ لأنه غير قابل لأن يوصف بالظلم أو عدمه، إذ إن الجدار ليس له إرادة حتى يظلم أو لا يظلم. ومثال ما يكون فيه نفي الظلم نقصًا قول الشاعر: قبيّلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل فقوله: "لا يغدرون بذمة" لا يعني أن عندهم وفاء، قوله: "ولا يظلمون الناس حبة خردل" لا يعني أن عندهم عدلًا، فإن الشاعر لم يقصد ذلك، وإنما قصد بيان ضعفهم وعجزهم، بدليل أنه قال: "قبيَّلة" بالتصغير. وكذلك قول الحماسي: لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا أي: إذا ظلمهم أحد صبروا وغفروا، وإذا أساء إليهم إنسان أحسنوا إليه، فإذا أخر عليهم المزرعة أرسلوا له أكياسًا من البر، فهم يجزون من سوء أهل السوء إحسانًا.

стр. 398

ومن سمع هذا الكلام قال: هؤلاء الجماعة طيبون، لكن قال فما بعده: فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرسانًا وركبانًا يعني: ليت لي بدلًا منهم، إذًا: هم ضعفاء لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك، فهذا نقص، فإذا نفى الله عن نفسه الظلم فلا يمكن أن يكون من هذا ولا من الذي قبله، ولكنه من نفي الظلم المتضمن لكمال العدل. * * * * قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)﴾ [النساء: ٥٠]. ﴿انْظُرْ﴾ الخطاب إما للرسول ﷺ ، أو لكل من يصح توجه الخطاب إليه، وسبق أن الخطاب الموجه للرسول ﵊، ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما دل الدليل على أنه خاص به فهذا خاص به، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢] فقوله: ﴿لَكَ﴾ الخطاب للرسول ﷺ ، ولا يشمل الأمة؟ وقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١] لا يشمل الأمة، وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ [الضحى: ٦] لا يشمل، وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩] لا يشمل، وهذا واضح، لأنه خاص بالرسول ﵊ بلا نزاع ولا إشكال. القسم الثاني: ما دل الدليل على أنه عام، مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ...

стр. 399

الآية، فهنا دل الدليل على أن الخطاب ليس خاصًا به، ووجه الدلالة قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ ولم يقل: "إذا طلقت". القسم الثالث: ما لا دليل فيه على الخصوصية أو على العموم، فالعلماء اختلفوا فيه على قولين: القول الأول: أنه عام موجه لكل من يصح توجه الخطاب إليه. القول الثاني: أنه خاص بالرسول ﷺ ، ويكون شموله للأمة من باب العموم المعنوي لا العموم اللفظي، وذلك لأن الحكم الثابت في حق الرسول ﷺ حكم له وللأمة، لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وما هنا فهو من القسم الثالث، الذي ليس فيه دليل على هذا ولا على هذا. والمراد بالنظر في قوله: ﴿انْظُرْ﴾ النظر العقلي لا النظر البصري؛ لأن افتراء الكذب على الله ليس مما ينظر بالعين، ولكنه مما ينظر بالعقل وعين البصيرة. وقوله: ﴿كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ أي: بقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، فانظر كيف يفترون على الله الكذب، وكيف جرأتهم على الله؛ نعوذ بالله! قوله: ﴿وَكَفَى بِهِ﴾ أي: بالإفتراء ﴿إِثْمًا مُبِينًا﴾ هذه الجملة معناها التعجب، يعني: ما أكبر هذا الإثم! وهو الإفتراء على الله؛ لأن الإفتراء على الله أعظم افتراء على مفترى عليه، وإذا كان

стр. 400

النبي ﷺ يقول: "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (١)، فالكذب على الله أشد وأعظم. وقوله: ﴿مُبِينًا﴾ أي: بينًا، وقد ذكرنا فيما سبق: أن "أبان" الرباعي يأتي لازمًا ويأتي متعديًا، فإن كان متعديًا فمعناه الإظهار، أبان: أي أظهر، وإن كان لازمًا فمعناه الوضوح، تقول: أبان الفجر؛ أي: وضح وتبين، وتقول: أبان القرآن أن الكذب حرام، بمعنى: بين وأوضح، وأما قوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ [الزخرف: ٢] من النوعين يشمل هذا وهذا، فهو بيِّن في نفسه مبين لغيره. وإعراب هذه الجملة ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾، وهي ترد في القرآن كثيرًا، مثل: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] وهنا: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ الفاعل في ﴿كَفَى﴾ يكون مجرورًا دائمًا أو غالبًا، فيكون مدخول الباء هو الفاعل بزيادة الباء، ويأتي بعد ذلك الإسم منصوبًا فيقولون: إنه تمييز للكفاية؛ لأن الكفاية تكون في أي شيء فيميز، وبعضهم يعربه: حالًا، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي: حال كونه شهيدًا. من فوائد الآية الكريمة: ١ - دعوة الإنسان إلى العجب فيما يتعجب منه، وأن هذا من طرق القرآن، لقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. ٢ - تعظيم الكذب على الله؛ لأنه لم يؤمر بالتعجب منه إلا

стр. 401

لأنه شيء عظيم، والكذب على الله يشمل الكذب عليه في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله، وفي أحكامه، وإن شئت فقل: في أحكامه الكونية والشرعية، فالكذب على الله في ذاته مثل أن يتحدث الشخص عن ذات الله ، فأي إنسان يتحدث عن ذات الله بغير علم فهو كاذب على الله. والكذب على الله في أسمائه: مثلما فعل المعطلة في قولهم: إن أسماء الله مجرد أعلام لا معنى لها، فيقول: الغفور الرحيم السميع البصير العزيز الحكيم، ليس لها معنى، وما هي إلا مجرد أعلام تدل على المسمى بها ولا تحمل أي معنى، فهذا كذب على الله، كيف تقولون: إنها مجرد أعلام والله يقول في القرآن إنه ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، ومقتضى هذا اللسان العربي المبين أن اسم الفاعل يدل على أصل المعنى، وثبوت أصله، ولا يمكن أن يقال لمن لم يضرب إنه ضارب، ولا لمن لم يسمع إنه سميع. ثم إن الله قد بين أن هذا المعنى مقصود في قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١]، ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠] وأمثال ذلك. فهؤلاء الذين قالوا: إن الله أراد بأسمائه مجرد التسمية دون المعنى مفترون على الله الكذب. وكذلك في صفاته: فمن حرف في صفات الله، وقال: المراد بالإستواء الإستيلاء، فهذا مفتر على الله الكذب، فالله يقول عن نفسه: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]،

стр. 402

والقرآن بلسان عربي مبين، واستوى على كذا باللسان العربي معناه: علا عليه واستقر عليه، فإذا قال: استوى بمعنى استولى، فقد كذبوا على الله، ونحن نجزم أن الله لم يرده؛ لأن الله قال في القرآن: إنه بلسان عربي مبين، واللسان العربي المبين لا يقتضي سوى أنه علا عليه واستقر عليه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أي: صيرناه بلسان عربي، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: تفهمون معناه على مقتضى هذا اللسان العربي. والذين يقولون: هذا حرام، وهذا حلال، بدون علم، قد افتروا على الله الكذب، لماذا؟ ما الذي أدراهم أن الله حرم هذا أو أوجبه، ولهذا كان من ورع الإمام أحمد ﵀ كما نقله عنه شيخ الإسلام ﵀ أنه لا يمكن أن يقول: هذا حرام إلا بما نص على تحريمه، فالميتة يقول إنها حرام؛ لأنه منصوص عليها، ونكاح الأم يقول إنه حرام لأنه منصوص عليه، أما الذي هو نهي فإنه يقول: أكره هذا، لا يعجبني، أستقبحه، وما أشبه ذلك. ومع هذا فقد حفظ الله له هذا الطريق، فقال أصحاب الإمام أحمد ﵀: إذا قال الإمام أحمد: لا يعجبني، فهو للتحريم، وإذا قال: أكره هذا فهو للتحريم، فالله سبحانه قد حفظه فيما يريده من الأحكام، مع تورعه عن إطلاق الحرام إلا على ما كان مصرحًا به، فما بالك بمن يقول الآن: قال الإسلام كذا وكذا؟ ومع ذلك تجده من أجهل الناس بأحكام الإسلام، ثم ينسب هذا القول الذي قاله وهو خطأ إلى الإسلام، وإذا تبين للناس أنه خطأ فسوف يخطئون الإسلام.

стр. 403

فالحاصل: أن الإفتراء على الله كذبًا يشمل الكذب عليه في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أحكامه الكونية والشرعية. ومثال الكونية أن يقول: إن جزاء هذا الذنب كذا وكذا من العقوبات، بلا علم، مثل أن يقول: إذا نهر الإنسان والديه تزلزل العرش، من قال ذلك؟ قاله العامة! فأي إنسان يحكم بعقوبة معينة على ذنب بدون علم، فقد افترى على الله الكذب. ٤ - تعظيم الكذب على الله لقوله: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ يعني: ما أعظمه وما أكثره، إذا افترى على الله الكذب أن يأثم هذا الإثم! ٥ - بيان عظم ما يحصل لهؤلاء من الإثم، لقوله: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾. ٦ - أن إثم هؤلاء بين ظاهر، ووجه ظهوره وبيانه: أنه إذا كان للإنسان عقل، فبدلالة العقل لا يمكن أن يتقول على أحد شيء وهو من جنسه، فتقوله على الله أعظم وأشد، ولهذا قال الله تعالى في رسوله ﷺ : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ [الحاقة: ٤٤] وليس كل ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٦] ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة: ٤٧]. * * * * قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ [النساء: ٥١].

стр. 404

قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، ويقال فيها كما قيل في الآية التي قبلها: أن الإستفهام للإنكار والتعجب، كأنه يقول: تعجب من حال هؤلاء! قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ أي: أعطوا نصيبًا، وآتى تنصب مفعولين، الأول منهما: نائب الفاعل وهو الواو، والثاني قوله: نصيبًا. وقوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ أي: قسطًا من الكتاب؛ أي: الكتاب المنزل على الرسل عليهم الصلاة والسلام. والمراد بهؤلاء اليهود؛ لأن الله آتاهم نصيبًا من الكتاب وهو التوراة، ولم يعطهم علم كل شيء. قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾: هذا محل التعجب أنهم أعطوا نصيبًا من الكتاب، وقامت عليهم الحجة، ومع ذلك يؤمنون بالجبت ويؤمنون بالطاغوت. والجبت: كل ما لا فائدة فيه في الدين، ومنه السحر والكهانة والطرق، والعيافة وما أشبه ذلك، فإن هذه كلها من الجبت. وأما الطاغوت: فالطاغوت كل ما طغى به الإنسان فهو طاغوت، قال الله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، فأئمة الكفر ودعاة الكفر طواغيت، والشيطان طاغوت، ولهذا قال عمر ﵁: "الجبت السحر، والطاغوت الشيطان"، يعني: أن السحر فرد من أفراد الجبت والشيطان فرد من أفراد الطاغوت، وإلا فإن التعريف العام للطاغوت ما ذكره ابن القيم ﵀: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.

стр. 405

وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ومعنى إيمانهم به إقرارهم إياه، وعدم إنكاره. قوله: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال بعض المفسرين: إن اللام هنا بمعنى في؛ أي: يقولون في شأنهم: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ أي: الذين كفروا، ﴿أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾. وقيل: إن اللام هي اللام المعدية للفعل كقوله: قلت لفلان؛ أي: هي اللام المعدية للفعل، وأن قوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بمعنى: أنتم؛ أي: يقول هؤلاء للذين كفروا أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، وعلى هذا تكون الإشارة في مقام ضمير المخاطب؛ لأنك إذا قلت: قلت لفلان كذا، صار فلان مخاطبًا، فلا بد أن يؤتى بضمير المخاطب، و ﴿هَؤُلَاءِ﴾ اسم إشارة ليس ضمير مخاطب لكن قالوا: إنها بمعنى أنتم، وهذا ما مشى عليه في تفسير الجلالين. قوله: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المراد بالذين كفروا أهل مكة؛ لأن طائفة من اليهود قابلوا أهل مكة، فقال لهم أهل مكة: هذا محمد فرق بيننا وبين أبنائنا، وبيننا وبين غلماننا، وبيننا وبين أزواجنا، وفرق بيننا وبين العرب، وسب آلهتنا، وسفه أحلامنا، أما نحن فإننا أهل البيت، نسقي الحجيج ونفعل كذا وكذا .. وذكروا أشياء، فأينا أهدى، أنحن أم محمد؟ فاليهود انتهزوا هذه الفرصة، وقالوا: أنتم أهدى من

стр. 406

محمد؛ لأنهم لا يريدون أن يقوم للنبي ﷺ قائمة، فانتهزوا هذه الفرصة أن يسألهم قوم هم شيعة محمد ﵊ وقرابته، فقالوا هذا الكلام: ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا. وقوله: ﴿سَبِيلًا﴾ هنا تمييز؛ لأنها وقعت بعد اسم التفضيل، والمنصوب بعد اسم التفضيل يكون تمييزًا. * * * * قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ [النساء: ٥٢]. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾: المشار إليه هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا وقالوا للكفار: أنتم خير فأنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا. وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ هذه الجملة تفيد الحصر، لتعريف طرفيها المبتدأ والخبر، فالمبتدأ "أولاء" وهو اسم إشارة معرفة، والخبر: ﴿الَّذِينَ﴾ وهو اسم موصول معرفة. قوله: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: طردهم وأبعدهم عن رحمته، والعياذ بالله. قوله: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾: "مَن": اسم شرط، و ﴿يَلْعَنِ﴾ فعل الشرط مجزوم به، ولكنه حُرِّك بالكسر لالتقاء الساكنين. قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ أي: لن تجد له من ينصره فيقربه من رحمة الله، ويدخله برحمة الله؛ لأن الله سبحانه إذا أراد بقوم سوء فلا مرد له.

стр. 407

من فوائد الآيتين الكريمتين: ١ - التعجب من حال هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، ومع ذلك ينكرون ما دل عليه الكتاب. ٢ - بيان قبح صنيعهم، حيث إن الله قد أعطاهم نصيبًا من الكتاب، ومع ذلك قالوا للكفار إنهم أهدى من المؤمنين، ومعلوم أن من حكم بخلاف ما يعلم فهو أقبح ممن حكم بما لا يعلم، والكل قبيح، لكن الأول أشد! ٣ - بيان حقد اليهود على المؤمنين. ٤ - أنهم يؤمنون بالجبت ويؤمنون بالطاغوت، فلا ينكرون الجبت ولا الطاغوت بل يقرونه. ٥ - الإشارة إلى أن أصل السحر متلقى من اليهود، ولهذا سحروا النبي ﷺ ، فإن لبيد بن الأعصم سحر النبي ﷺ بسحر عظيم، ولكن الله حمى نبيه ﷺ من أن يؤثر فيه ذلك التأثير الذي كانوا يريدونه. ٦ - أن اليهود أهل حسد؛ لأنهم يعلمون بقرارة أنفسهم أن محمدًا أهدى من المشركين؛ لأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، لكن لما امتلأت قلوبهم من حسده صاروا يفضلون الكفار عليه وعلى من اتبعه. ٧ - تأثير الدعاية بلبس الحق بالباطل، وإلا فمن المعلوم أن الكافر فيما يرمي إليه أو فيما يذهب إليه، ليس فيه هداية إطلاقًا، ومع ذلك قالوا إنهم ﴿أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾. ويتفرع على هذه الفائدة: ما عليه بعض الناس اليوم من قوله: إن الكفار أوفى بالعهد من المؤمنين، وإنهم أخلص من

стр. 408

المؤمنين وأنصح من المؤمنين، وما أشبه ذلك، فمن قال هذا في المسلمين فإن فيه شبهًا من اليهود. ونحن لا ننكر أن في المسلمين من خالف طريق الإسلام بعدم الصدق في القول، وعدم الوفاء بالعهد وعدم الوفاء بالوعد، وعدم النصح في العمل، ولكن كل هذه الأخلاق حذر منها النبي ﷺ أشد التحذير، فهي أخلاق دخيلة على الشعب المسلم، وسببها ما كان عليه هؤلاء من النقص في العلم وفي الإيمان. ٨ - تحريم تفضيل الكفار على المؤمنين؛ لأن الله تعالى أنكره، بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ .. إلى آخره. ٩ - بيان استحقاقه لعنة الله، وبيانه أن كل من قال مثل هذا القول فإنه مستحق للعنة الله، لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، وأحكام الله سبحانه الشرعية والجزائية لا تتعلق بالأشخاص أبدًا، فإذا استحق هؤلاء اللعن بإيمانهم بالجبت والطاغوت، وقولهم ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾؛ فمن جرى مجراهم استحق ما يستحقون من العقاب. ١٠ - أن من لعنه الله فلا ناصر له، لقوله: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾. ١١ - التحذير من التعرض للعنة الله؛ لأن الإنسان إذا تعرض للعنة الله وحقت عليه لن يجد من ينصره. * * * * قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ [النساء: ٥٣].

стр. 409

﴿أَمْ لَهُمْ﴾: أم هنا بمعنى بل، وهمزة الإستفهام، ففيها إضراب عما سبق، وقيل: إنها للإستفهام فقط، لكنه خلاف المشهور عند النحويين. فقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ﴾ أي: بل ألهم نصيب من الملك، حيث يريدون أن يحولوا بين النبي ﷺ وبين ما أعطاه الله من النبوة التي يكون بها ملك مشارق الأرض ومغاربها. يعني: هؤلاء الذين قالوا هذا الكلام، وفضلوا طريق الكفار على طريق المؤمنين، فهل لهم نصيب من الملك بحيث يمنعون فضل الله سبحانه على نبيه، ويجعلون الفضل لهؤلاء الكفار؟ ! يقول الله : ﴿فَإِذًا﴾ يعني: لو كان لهم نصيب من الملك ﴿لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ أي: لا يعطون الناس، و ﴿النَّاسَ﴾ مفعول أول ليؤتون، و ﴿نَقِيرًا﴾ مفعول ثان. والنقير: هو النقرة التي على ظهر النواة، ويضرب بها المثل للقلة؛ أي: لو كان عند هؤلاء ملك ولهم نصيب من الملك، فإنهم لبخلهم لا يؤتون الناس نقيرًا؛ لأن اليهود من أشد الناس بخلًا، وأشدهم طمعًا وحرصًا على المال. إذًا معنى الآية: هل لهؤلاء نصيب من الملك حتى يحاولوا أن يمنعوا فضل الله على رسوله، وأن يجعلوا هذا الفضل لهؤلاء الكفار؟ الجواب: لا، ولو قدر أن لهم نصيبًا من الملك فإنهم لن يعطوا أحدًا منه شيئًا، ولهذا قال: ﴿فَإِذًا﴾ لو أعطوا نصيبًا من الملك ﴿لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾؛ أي: وما فوقه من باب أولى. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن هؤلاء اليهود الذين أرادوا أن يحولوا بين فضل الله

стр. 410

على رسوله وبين رسوله ﷺ ، وأن يرحلوا هذا الفضل إلى هؤلاء الكفار؛ ليس لهم نصيب من الملك، فالملك لله وحده. ٢ - الإشارة إلى أن اليهود من أبخل الناس، لقوله: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾. * * * * قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾ [النساء: ٥٤]. ﴿أَمْ﴾ نقول فيها كما قلنا في سابقتها أنها بمعنى بل وهمزة الإستفهام. قوله: ﴿يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، والمراد بالناس محمد ﷺ وأصحابه، والحسد في تعريف أكثر العلماء: تمني زوال نعمة الله على الغير، سواء أردت أن تكون لك، أو أن تزول إلى غير أحد. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الحسد كراهة ما أنعم الله به على غيره، بحيث إذا قيل له: فلان حصل له كذا، اضطرب قلبه من كراهة ما حصل لهذا الرجل، وعلى هذا فيكون ما قاله الشيخ ﵀ أعم مما قاله جمهور العلماء؛ لأن على ما قاله جمهور العلماء لا بد أن يتمنى أن يزيل الله هذه النعمة، أما الشيخ فيقول: مجرد كراهته لها يعتبر حسدًا، ومن المعلوم أن من كره شيئًا فسوف يتمنى أن يزول. وقوله: ﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: أعطاهم من فضله، والفضل الذي أعطيه الرسول ﷺ النبوة والرسالة.

стр. 411

قوله: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أي: فإن فضلنا لن يزال موجودًا، وليس هذا أول فضل تفضلنا به على عباد الله، بل إن الفضل لم يزل موجودًا، والمراد بآل إبراهيم هنا: كل من تبعه على دينه، وهو أولهم ﵊، وقد آتاهم الله الكتاب وآتاهم الحكمة، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، وأكثر الأنبياء الذين قصهم الله علينا من ذرية إبراهيم، فأكثرهم من بني إسرائيل، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، والواحد الوحيد في آل إبراهيم محمد ﷺ وهو من ذرية إسماعيل ﵇، ودينه مهيمن على جميع الأديان، ورسالته خاتمة للرسالات، وأمته باقية إلى يوم القيامة. و﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، والكتب المنزلة على الأنبياء كلها تكتب باليد، والحكمة: هي الصواب، فالقرآن صواب، والتوراة صواب، والإنجيل صواب، وكل ما جاءت به الرسل فهو صواب ولهذا قيل: إن الحكمة هي وضع الأشياء في مواضعها. قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أي: آتينا آل إبراهيم ملكًا عظيمًا، وأبلغ مثل في ذلك ما أعطاه الله لسليمان ﵇، فقد آتاه الله ملكًا عظيمًا، حين قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، حتى إن الشياطين المردة ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]، وحتى إن من الشياطين ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾ [ص: ٣٧، ٣٨]. بناء: يبني على ظاهر البر، وغواص: يغوص في البحر ليأتي بالجواهر والدرر، وكل ما

стр. 412

يكون في البحر، والقسم الثالث مقرنون في الأصفاد؛ لأنهم عصوا أمره، فقرنهم في الأصفاد وحبسهم، وهذا ملك عظيم! كذلك أيضًا سخر الله له الريح ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦]؛ أي: حيث أراد، وقوله: ﴿رُخَاءً﴾: أي: بدون اضطراب وبدون مشقة، والمعروف أن الريح يكون فيها قلق ومشقة، وإن لم تحمل الإنسان، فضلًا عما لو قدر أن هناك ريحًا تحمله لكان فيها القلق والإضطراب، لكن الله تعالى جعلها رخاء مع أنها عاصفة، ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ [الأنبياء: ٨١]، لكن مع كونها عاصفة لم يكن فيها قلق، بل هي ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾. قال العلماء: إنه إذا أراد أن تتجه إلى ناحية وضع بساطًا وجلس عليه هو وحاشيته، ومن أراد أن يسافر معه، ثم أمر الريح فحملته، فطارت به، ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] وهذا من قدرة الله ، وهو من جملة الملك الذي أعطيه آل إبراهيم، وهذا لا شك أنه ملك عظيم، حيث يسخر له الشياطين والرياح. ولما قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨] وكان عرشها بالجنوب، في اليمن، وهم في الشمال في الشام، ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩] وكان له حد معين يقوم فيه؛ أي: بعد ساعة أو ساعتين أو نحو ذلك، ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩] ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] أي: مد الطرف ثم رده آتيك به، ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: ٤٠].

стр. 413

وتأمل قوله: ﴿فَلَمَّا﴾ فإن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب، وأنه رآه فورًا، ثم رآه ﴿مُسْتَقِرًّا﴾ كأن له عشرات السنين، ولهذا جاءت كلمة مستقرًا ولم يقل: فلما رآه عنده؛ لأنها تحتمل الآن وما بعده، لكن قال: ﴿مُسْتَقِرًّا﴾، كأنه جاء منذ بضع سنين، ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠]، وهذه الكلمة ينبغي أن تكون على كل لسان، فإذا أنعم الله عليك نعمة، فقل: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ لأن كثيرًا من الناس لا تحصل لهم هذه النعمة. من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان ما كان عليه اليهود من الحسد. ٢ - إنكار الحسد؛ لأن الله ساق هذه الآية للإنكار عليهم. والحسد من كبائر الذنوب؛ لأنه يأكل الحسنات، ولا يستفيد الحاسد شيئًا، وفي الحسد مفاسد: أولًا: أنه من كبائر الذنوب، وكبائر الذنوب لا تغفر إلا بتوبة. ثانيًا: أنه اعتراض على قضاء الله وقدره؛ لأن كونك تكره أن يعطي الله هذا الإنسان شيئًا، هذا اعتراض على الله، ولهذا قال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. ثالثًا: أن فيه عدوانًا على المحسود، وهذا في الغالب وليس دائمًا، فقد يقوم في قلب الإنسان حسد لكن لا يعتدي على المحسود لا بقول ولا بفعل، ولهذا جاء في الحديث: "إذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ" (١)، فالحسد قد يقوم بقلب

стр. 414

الإنسان، والإنسان بشر، ولكن إذا أحسست به في قلبك فحاول طرده عن قلبك حتى يكون نزيهًا، فإن عجزت فأقل ما يلزمك أن لا تبغي على من حسدت؛ أي: أن لا تعتدي عليه، لا بقول ولا بفعل. فمن القول: أن يتهم المحسود باتهامات، ويتقول عليه ما لم يقل، أو يحال بينه وبين أعماله، أو يُسَب عند كبرائه وأمرائه، أو يُسَب أيضًا عند أصحابه وقرنائه، أو ما أشبه ذلك، فهذا اعتداء بالقول. والإعتداء بالفعل: أن يعتدي عليه بيده، حتى يحول بينه وبين ما آتاه الله من فضله، مثل أن يغرق ماله، أو أن يحرقه حتى لا يكون عنده مال؛ لأنه حسده على كثرة المال. رابعًا: المشابهة لليهود: فمن مضار الحسد أنه مشابهة لليهود، وبئس الخصلة خصلة يكون فيها الإنسان مشابهًا لليهود. خامسًا: أن الحاسد يكون دائمًا في قلق؛ لأن نعم الله على غيره تترى، فكلما تجددت نعمة على غيره نبغ في قلبه الحسد، فيكون في قلق مستمر. سادسًا: أن الحاسد في الغالب يستحسر، ويتصور أنه عاجز عن أن يلحق بالمحسود، فتجده يستحسر ولا يحاول أن يصل إلى الفضائل، لكن لو أعرض عن الناس ومن زاده الله من فضله، وحاول هو أن يسعى في النعم؛ لسلم من هذا كله. سابعًا: إحداث العداوة والبغضاء بين الناس؛ لأن الحاسد في الغالب لا يخلو من عدوان، والعدوان على الغير يؤدي إلى العداوة والبغضاء.

стр. 415

وأما دواء الحسد فهو: أولًا: أن يرضى الإنسان بقضاء الله وقدره، وأن يعلم أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، فإذا علم ذلك اطمأن ولم يعترض على الله سبحانه فيما آتاه من فضله. ثانيًا: أن يعلم أن حسده لن يمنع فضل الله عن المحسود أبدًا، ولو كان يمنع فضل الله عن المحسود لكان كل إنسان يحسد غيره. ثالثًا: أن يتجه إلى الله في سؤاله أن يعطيه مثلما أعطى هذا، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]. رابعًا: أن يذكر عواقب الحسد وشؤمه وعقوبته، حتى يخشى هذا الشؤم والعقوبة فيدعه. خامسًا: أن يعلم أنه من أخلاق اليهود. والمهم أن الإنسان إذا تأمل مضاره كان هذا التأمل دواء يحتمي به عن الحسد. ٣ - بيان أن الله أنعم على هؤلاء الحسدة بما ذكره في قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ... الآية، فلا وجه للحسد مع ما أعطاهم الله تعالى من الفضل، وهذا أيضًا من الدواء الذي يداوي به الإنسان الحسد، فيقول مثلًا: ما لي أحسد فلانًا وقد أعطاني الله كذا وكذا. ٤ - بيان ما مَنَّ الله به على آل إبراهيم من الكتاب والحكمة

стр. 416

والملك العظيم، فمثلًا: التوراة والإنجيل كلها كتاب وحكمة، والملك العظيم؛ مِنْ أعظم من أعطي ملكًا من بني إسرائيل سليمان ﵇، فإنه أعطي ملكًا عظيمًا، حتى قال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] لعظمته. ٥ - أن الله له التصرف في ملكه بما يشاء، فإنه يقبض ويبسط، لقوله: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. * * * * قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾ [النساء: ٥٥]. ﴿فَمِنْهُمْ﴾ الضمير يعود على آل إبراهيم، يعني: ليس كل آل إبراهيم تقبلوا هذا الكتاب، وهذه الحكمة، وهذا الملك، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ و ﴿مَنْ﴾ هنا للتبعيض والدليل عليه قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ فقسمهم الله تعالى إلى قسمين. والتبعيض قد يأتي بالحرف الدال عليه في كلا القسمين، وقد يأتي في أحدهما ويحذف من القسم الثاني، مثل قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥]، المعنى: فمنهم شقي ومنهم سعيد؛ لأنه لا يمكن أن يكون شقي وسعيد في آن واحد، ولكن حذفت من القسيم الثاني. فمنهم من آمن به وقبله، وآمن بكتابه والحكمة وشكر النعمة على الملك، ومنهم من صد عنه، فلم يؤمن به، ولم يشكر الله على هذه النعمة والملك العظيم. وقوله: ﴿مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ ﴿صَدَّ﴾ هذه تستعمل لازمة ومتعدية،

стр. 417

فاللازمة بمعنى أنه صد عنه بنفسه، والمتعدي أنه صد غيره عنه، وكلا الوصفين ثابت لهؤلاء، فهم صادون عنه بأنفسهم، وهم صادون غيرهم عنه، حتى إن بني إسرائيل يدعون أن سليمان بن داود ﵊ ليس نبيًا، ولكنه ملك واسع الملك قوي السلطان، وكذلك داود ﵇ يرون أنه ليس بنبي ولكنه ملك، والصواب أنهما من الرسل والأنبياء، لكن الله تعالى أعطى سليمان ذلك الملك العظيم. ثم قال: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ يعني: ما أعظم السعير الذي يحصل لهؤلاء بجهنم، ﴿وَكَفَى﴾ سبق أنها تتعدى بالباء، ولكنهم يقولون: إن الباء زائدة لفظًا يعني: من حيث الإعراب، وأما من جهة المعنى فلها فائدة وهي تعدية كفى إلى المعمول، ويقولون: إن الباء حرف جر زائد، وأن "جهنم" في هذه الآية هي الفاعل؛ أي: كفت، وأن قوله: ﴿سَعِيرًا﴾ تمييز، والسعير بمعنى المسعر، أو بمعنى الساعر وكلاهما يدل على الإحراق العظيم. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الناس ينقسمون فيما يعطيهم الله تعالى من نعم الدين والدنيا إلى قسمين: قسم يؤمن، وقسم يكفر، وهذه هي سنة الله كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة، ولكن من رحمته أن جعلهم يتفرقون حتى يعلم الله الصادق من الكاذب، وحتى يقوم علم الجهاد، وحتى يقوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحتى

стр. 418

يعرف المؤمن قدر نعمة الله عليه بالإيمان، وحتى يجتهد المؤمن ليثبته الله حتى لا يكون مثل هؤلاء. والحاصل أن الله سبحانه جعل الناس قسمين لحكم عظيمة. ٢ - أن الذين لم يؤمنوا به أعرضوا عنه وصدوا الناس عنه أيضًا، لقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾، وقد ذكرنا أنها تستعمل لازمة ومتعدية وأنها في هذه الآية على الوجهين. ٣ - تعظيم إحراق النار، لقوله: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾. ٤ - أن من صد عما آتاه الله من الكتاب والحكمة فإنه يكون من حطب جهنم والعياذ بالله. * * * * قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦]. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ وقال بعدها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهكذا طريقة القرآن مثاني، يعني: إذا جاء ذكر أهل النار جاء ذكر أهل الجنة، وإذا جاء ذكر المتقين جاء ذكر المجرمين وهكذا، حتى يكون الإنسان سائرًا إلى الله بين الخوف الرجاء، وحتى لا يمل لو كان الكلام على نسق واحد. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾ "كفروا بها" أي: جحدوها وأنكروها، وأصل المادة "كفر" من الستر والتغطية، ومنه سمي "الكُفُرَّى" الذي هو غلاف طلع النخل. وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يشمل الآيات الكونية والآيات الشرعية.

стр. 419

فمن الكفر بالآيات الشرعية: تكذيب الرسل، وعدم الإلتزام بما جاءوا به من الشرائع. ومن الكفر بالآيات الكونية: أن ينسب هذا الكون إلى غير الله أو يقال: إن أحدًا أعان الله فيه، أو يقال: إن أحدًا له فيه شرك، فكل هذا من التكذيب بالآيات. ومن ذلك: إنكار أن يكون الكسوف وقع إنذارًا من الله وتخويفًا؛ لأن بعض الناس يقولون: إن الكسوف أمر عادي وليس من أجل أن يخوف الله به العباد، وهذا يعتبر نوعًا من الكفر، وليس كفرًا مخرجًا من الملة، لكنه نوع من الكفر. قوله: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ سوف يقول المعربون: إنها حرف تسويف، يعني: تدل على تحقق وقوع الشيء لكن بعد زمن؛ لأن التسويف بمعنى التأخير، ومنه قولهم: سوَّف بالتوبة، يعني: أخرها، فمعنى سوف: يعني: أنهم سوف يصلون لكن بعد زمن. وقوله: ﴿نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ أي: نجعلهم يصلونها حتى تحرقهم. قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ النضج معناه: بلوغ الغاية في الكمال، يعني: أنها إذا نضجت من الإحتراق واحترقت فإنها تبدل جلودًا غير الأولى؛ لأن الأولى احترقت، وزالت، ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾؛ أي: الألم الذي يعذبون به؛ لأن الجلد إذا احترق صار حائلًا دون بقية الجسم، فلا يحسون بالنار، لكن إذا بدل بجلد آخر جديد حينئذ أحسوا بحر النار - أعاذانا الله منها -، و ﴿كُلَّمَا﴾ حرف شرط يدل على التكرار، يعني: أنهم دائمًا وأبدًا كلما نضجت الجلود بدلوا جلودًا غيرها.

стр. 420

قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ "كان" فعل ماضٍ لكن لا يراد بها الزمن، فهي تدل على تحقق الإتصاف بما دل عليه خبرها بدون التقيد بزمن، ولهذا تكون: مسلوبة الزمان في هذا؛ لأننا لو قلنا: إنها دالة على الزمان لكانت العزة والحكمة قد انتهت وذهبت. وقوله: ﴿عَزِيزًا﴾ العزيز قال العلماء: إن له ثلاثة معان: الأول: عزة القدر. الثاني: عزة القهر. الثالث: عزة الإمتناع. أما عزة القدر فمعناه: أنه ذو قدر عظيم لا يماثله شيء، وأما عزة القهر فمعناه: أنه الغالب القاهر لكل ذي جبروت، وأما عزة الإمتناع فمعناه: الممتنع عن كل عيب ونقص وسوء، ومنه قولهم: أرض عزاز، يعني: صلبة ممتنعة عن الرخاوة، وربما يحتمل معانٍ أخرى أيضًا، وكلها ثابتة لله، "وقل لله العزة جميعا". وأما الحكيم فإنه مشتق من الحكمة وهي الإحكام والإتقان، ومن الحكم وهو القضاء والفصل، والله سبحانه حكيم ذو حكمة بالغة، وحكيم بمعنى: حاكم فاصل بين عباده، ترجع الأمور كلها إليه، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]. وليعلم أن حكم الله سبحانه ينقسم إلى حكم كوني قدري، وحكم شرعي ديني. أما الحكم الكوني القدري: فمثل قوله تعالى عن أحد إخوة يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾

стр. 421

[يوسف: ٨٠] يريد بذلك حكمًا قدريًا لا حكمًا شرعيًا؛ لأن الله تعالى لم يمنعه شرعًا من الرجوع إلى أهله، ولكنه يريد بذلك أن يحكم له حكمًا قدريًا. وأما الحكم الشرعي: فدليله ومثاله قوله ﵎ في سورة الممتحنة لما ذكر ما ذكر من الأحكام قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] هذا حكم شرعي. وقد يجتمع القسمان في آية واحدة، مثل قوله ﵎: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، ومثل قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]، ومثل قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨] فالمهم أن حكم الله ينقسم إلى كوني قدري، وشرعي ديني، وذكرنا لكل واحد دليله ومثاله، وذكرنا ما يجمع القسمين، وكل ذلك موجود في القرآن. والحكم الكوني القدري هو الحكم النافذ في العباد، ولا يمكن لأحد أن يعاند فيه أو يمانع فيه. أما الحكم الشرعي الذي يحكم الله فيه بين العباد، فمن العباد من يقبل ويقوم به، ومن العباد من لا يقبل ولا يقوم به لحكمة وهي أحد المعنيين في قوله: ﴿حَكِيمًا﴾، فهي مأخوذة من الإحكام، وهو إتقان الشيء، فالشيء المحكم هو الشيء المتقن، وفسرها بعض العلماء بأنها وضع الأشياء في مواضعها، بمعنى: أنك إذا رأيت هذا الشيء قلت: لا يصلح في مكانه إلا هو، ثم هي - أي: الحكمة - حكمة في نفس الشيء، وحكمة في غاية الشيء، بمعنى: أن هذا الشيء في نفسه مطابق للحكمة، والثاني: أن الغاية منه حكمة محمودة، فالوضوء مثلًا: كونه يبدأ أولًا

стр. 422

بالوجه ثم باليدين ثم بالرأس، ثم بالأذنين، وكون بعض الأعضاء تغسل، وبعض الأعضاء تمسح، هذا من الحكمة ولا شك، يعني: كونها على هذه الصورة المعينة حكمة، ثم الغاية منه وهو التطهير من الذنوب والتطهير من الأحداث وهذه غاية حميدة بلا شك. إذًا: الحكمة تكون في ذات الشيء وفي غاية الشيء، وكل هذا ثابت في حكمة الله ، وإذا قلنا: إن الحكم كوني وشرعي، والحكمة حكمة في ذات الشيء وحكمة في الغاية منه صار الجميع أربعة أقسام. من فوائد الآية الكريمة: ١ - الوعيد على من كفر بآيات الله بالنار. ٢ - أن من كذب أو كفر ببعض الآيات فله نصيب من هذا الوعيد حسب كفره، وذلك بناء على القاعدة المعروفة أن الحكم المرتب على وصف يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف بضعفه. ٣ - إثبات العقوبة بالنار، ويتفرع عليها وجوب اعتقاد ذلك؛ لأن الخبر صادر من عند الله وهو أصدق القائلين ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾. ٤ - تمام قدرة الله ، حيث كان هذا العذاب كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودًا غيرها، وهذا أبد الآبدين. لكن هل هي تنضج في الحال، أو تبقى مدة ليزداد ألمهم؟ لأنه من المعروف أن اللحم إذا كانت النار قوية ينضج بسرعة، والعكس بالعكس، فهل هذه الجلود تنضج بسرعة ثم تبدل، أو أنها تبقى متألمة مدة الله أعلم بها ثم تبدل؟

стр. 423

نقول: هذا خبر عن غيب، والأخبار عن الغيب لا يجوز أن نتعدى فيها أكثر مما أخبرنا به، فنقول: إذا نضجت الجلود بدلوا جلودًا غيرها، أما هل تأخذ زمنًا كثيرًا قبل أن تنضج؟ فهذا ليس إلينا، فربما تأخذ زمنًا كثيرًا وربما تأخذ زمنًا قليلًا، لكن القاعدة في أمور الغيبيات أن نقتصر على ما ورد كمية وكيفية وزمنًا وقدرًا ولا نتعدى في شيء منه. ٥ - أن الإحساس إنما يكون في الظاهر، لقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ فهي التي يقع عليها العذاب والعياذ بالله، هذا هو الظاهر. وربما يقول قائل: إن العذاب قد يكون حتى على الداخل، لكن لما كانت الجلود هي التي تباشر النار - أعاذنا الله منها - ذكر حالها، ويستشهد لذلك بقول النبي ﷺ في أبي طالب: "أنه في ضحضاح من نار، وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه" (١) وغليان الدماغ لا شك أنه من شدة الحرارة، فهذا يدل على أن كل البدن والعياذ بالله تناله هذه الحرارة، لكن ذكر الجلود لأنها المباشرة حيث أنها هي الظاهرة. ويقول الأطباء - ولا أدري هل هو مؤكد؟ - أن داخل الجلد لا يتألم، وأن الألم للجلد فقط، والله جعل الجلد يتألم من أجل أن يحس الإنسان بما يصيبه، وكلما تأمل الإنسان حكمة الله رأى العجب العجاب.

стр. 424

٦ - ومن الفوائد وهي فائدة لغوية: أن ﴿كُلَّمَا﴾ لا تعاد في جوابها، قال الله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ .. ﴿بَدَّلْنَاهُمْ﴾، خلافًا للغة الأخيرة العرفية العصرية، حيث يقولون: كلما جاء زيد كلما جاء عمرو، وهذا غلط على اللغة العربية، فكلما حرف شرط، تأتي في أول الجملة ولا تعاد في الجواب، مع أننا نسمع الآن من يقول: كلما حصل كذا كلما حصل كذا، ونعتبرهم من أهل اللغة، ومع ذلك يخطئون هذا الخطأ الفاحش. ٧ - إثبات الحكمة لله في أفعاله، وتؤخذ من قوله: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ وهكذا كلما رأيت لام التعليل بعد حكم كوني أو شرعي فإنها تفيد إثبات الحكمة لله ، والعجيب أن قومًا من أهل الملة ومنهم الأشاعرة ينكرون الحكمة لله، ويقولون: إن أحكام الله الكونية والشرعية لمجرد المشيئة وليس لها حكمة، فأنكروا ما هو من أشرف صفات الله وهي الحكمة؛ لأن ضد الحكمة السفه، وسبحان الله عن السفه. وإذا قررنا هذا التقرير وهو أن كل حكم معلل باللام فإنه دليل على ثبوت الحكمة صارت أدلة الحكمة لا تحصى فهي كثيرة جدًا، وإنما أنكروا الحكمة وقالوا: لأنه إذا فعل لحكمة فقد فعل لغرض يعود عليه بالنفع، والله سبحانه منزه عن ذلك، ويا سبحان الله! كيف زين لهم الشيطان هذا الترتيب. فيقال: إن الله يفعل لحكمة لا لنفع يعود عليه، ولكن لنفع يعود على العباد، فهو سبحانه مستغن عن ذلك، فقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فالتطهير هنا النفع فيه عائد لنا لا لله، وهكذا بقية الأشياء، وإذا

стр. 425

كان لمصلحة الغير كان ذلك دليلًا على كرمه وجوده ، وهذا كمال وليس بنقص بحال من الأحوال. ٨ - إثبات غضب الله ؛ لأن العذاب لا يكون عن رضا، بل عن غضب، لكن الإستدلال بهذه الآية على الغضب من باب الإستدلال باللازم؛ لأنه لا يمكن أن يعذب من يرضى عنهم. إذًا: كل آيات فيها إثبات الوعيد فإنها تدل على الغضب؛ لأن الله سبحانه إنما يعذب لأنه يغضب من هذا الشيء، ولكن لا يلزم مثلًا لمن فعل معصية واحدة أن نقول: إن الله يغضب من هذا الفعل المعين؛ لأن الفعل المعين لا نثبت له الغضب المعين إلا بدليل، وإلا لو قلنا: إن كل فعل محرم إثبات للغضب لصارت جميع المحرمات كبائر؛ لأن ما ثبت به الغضب فهو من كبائر الذنوب كما ذكر ذلك أهل العلم. ٩ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز والحكيم، وما تضمناه من صفة العزة، وصفة الحكمة، ثم باجتماع الإسمين وما تضمناه من الصفة وصف زائد، وذلك لأن من له العزة والغلبة قد تأخذه العزة بالإثم فلا يكون في تصرفه حكمة، فجمع الله بين العزة والحكمة ليتبين أن عزته لا تنافي الحكمة، خلافًا لما يكون من الخلق فإن الإنسان إذا غلب وانتصر ربما يتصرف تصرفًا ينافي الحكمة. إذًا: يؤخذ من الجمع بين الإسمين معنى آخر زائدًا على ما دل عليه كل اسم على حدة، وهو أن عزة الله مقرونة بالحكمة، وكذلك حكمته مقرونة بالعزة؛ لأن الإنسان قد يكون
следующие страницы →