[يوسف: ٨٠] يريد بذلك حكمًا قدريًا لا حكمًا شرعيًا؛ لأن الله تعالى لم يمنعه شرعًا من الرجوع إلى أهله، ولكنه يريد بذلك أن يحكم له حكمًا قدريًا.
وأما الحكم الشرعي: فدليله ومثاله قوله ﵎ في سورة الممتحنة لما ذكر ما ذكر من الأحكام قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] هذا حكم شرعي.
وقد يجتمع القسمان في آية واحدة، مثل قوله ﵎: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، ومثل قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]، ومثل قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨] فالمهم أن حكم الله ينقسم إلى كوني قدري، وشرعي ديني، وذكرنا لكل واحد دليله ومثاله، وذكرنا ما يجمع القسمين، وكل ذلك موجود في القرآن.
والحكم الكوني القدري هو الحكم النافذ في العباد، ولا يمكن لأحد أن يعاند فيه أو يمانع فيه.
أما الحكم الشرعي الذي يحكم الله فيه بين العباد، فمن العباد من يقبل ويقوم به، ومن العباد من لا يقبل ولا يقوم به لحكمة وهي أحد المعنيين في قوله: ﴿حَكِيمًا﴾، فهي مأخوذة من الإحكام، وهو إتقان الشيء، فالشيء المحكم هو الشيء المتقن، وفسرها بعض العلماء بأنها وضع الأشياء في مواضعها، بمعنى: أنك إذا رأيت هذا الشيء قلت: لا يصلح في مكانه إلا هو، ثم هي - أي: الحكمة - حكمة في نفس الشيء، وحكمة في غاية الشيء، بمعنى: أن هذا الشيء في نفسه مطابق للحكمة، والثاني: أن الغاية منه حكمة محمودة، فالوضوء مثلًا: كونه يبدأ أولًا
стр. 422
بالوجه ثم باليدين ثم بالرأس، ثم بالأذنين، وكون بعض الأعضاء تغسل، وبعض الأعضاء تمسح، هذا من الحكمة ولا شك، يعني: كونها على هذه الصورة المعينة حكمة، ثم الغاية منه وهو التطهير من الذنوب والتطهير من الأحداث وهذه غاية حميدة بلا شك.
إذًا: الحكمة تكون في ذات الشيء وفي غاية الشيء، وكل هذا ثابت في حكمة الله ، وإذا قلنا: إن الحكم كوني وشرعي، والحكمة حكمة في ذات الشيء وحكمة في الغاية منه صار الجميع أربعة أقسام.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - الوعيد على من كفر بآيات الله بالنار.
٢ - أن من كذب أو كفر ببعض الآيات فله نصيب من هذا الوعيد حسب كفره، وذلك بناء على القاعدة المعروفة أن الحكم المرتب على وصف يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف بضعفه.
٣ - إثبات العقوبة بالنار، ويتفرع عليها وجوب اعتقاد ذلك؛ لأن الخبر صادر من عند الله وهو أصدق القائلين ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾.
٤ - تمام قدرة الله ، حيث كان هذا العذاب كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودًا غيرها، وهذا أبد الآبدين.
لكن هل هي تنضج في الحال، أو تبقى مدة ليزداد ألمهم؟ لأنه من المعروف أن اللحم إذا كانت النار قوية ينضج بسرعة، والعكس بالعكس، فهل هذه الجلود تنضج بسرعة ثم تبدل، أو أنها تبقى متألمة مدة الله أعلم بها ثم تبدل؟
стр. 423
نقول: هذا خبر عن غيب، والأخبار عن الغيب لا يجوز أن نتعدى فيها أكثر مما أخبرنا به، فنقول: إذا نضجت الجلود بدلوا جلودًا غيرها، أما هل تأخذ زمنًا كثيرًا قبل أن تنضج؟ فهذا ليس إلينا، فربما تأخذ زمنًا كثيرًا وربما تأخذ زمنًا قليلًا، لكن القاعدة في أمور الغيبيات أن نقتصر على ما ورد كمية وكيفية وزمنًا وقدرًا ولا نتعدى في شيء منه.
٥ - أن الإحساس إنما يكون في الظاهر، لقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ فهي التي يقع عليها العذاب والعياذ بالله، هذا هو الظاهر.
وربما يقول قائل: إن العذاب قد يكون حتى على الداخل، لكن لما كانت الجلود هي التي تباشر النار - أعاذنا الله منها - ذكر حالها، ويستشهد لذلك بقول النبي ﷺ في أبي طالب: "أنه في ضحضاح من نار، وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه" (١) وغليان الدماغ لا شك أنه من شدة الحرارة، فهذا يدل على أن كل البدن والعياذ بالله تناله هذه الحرارة، لكن ذكر الجلود لأنها المباشرة حيث أنها هي الظاهرة.
ويقول الأطباء - ولا أدري هل هو مؤكد؟ - أن داخل الجلد لا يتألم، وأن الألم للجلد فقط، والله جعل الجلد يتألم من أجل أن يحس الإنسان بما يصيبه، وكلما تأمل الإنسان حكمة الله رأى العجب العجاب.
стр. 424
٦ - ومن الفوائد وهي فائدة لغوية: أن ﴿كُلَّمَا﴾ لا تعاد في جوابها، قال الله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ .. ﴿بَدَّلْنَاهُمْ﴾، خلافًا للغة الأخيرة العرفية العصرية، حيث يقولون: كلما جاء زيد كلما جاء عمرو، وهذا غلط على اللغة العربية، فكلما حرف شرط، تأتي في أول الجملة ولا تعاد في الجواب، مع أننا نسمع الآن من يقول: كلما حصل كذا كلما حصل كذا، ونعتبرهم من أهل اللغة، ومع ذلك يخطئون هذا الخطأ الفاحش.
٧ - إثبات الحكمة لله في أفعاله، وتؤخذ من قوله: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ وهكذا كلما رأيت لام التعليل بعد حكم كوني أو شرعي فإنها تفيد إثبات الحكمة لله ، والعجيب أن قومًا من أهل الملة ومنهم الأشاعرة ينكرون الحكمة لله، ويقولون: إن أحكام الله الكونية والشرعية لمجرد المشيئة وليس لها حكمة، فأنكروا ما هو من أشرف صفات الله وهي الحكمة؛ لأن ضد الحكمة السفه، وسبحان الله عن السفه.
وإذا قررنا هذا التقرير وهو أن كل حكم معلل باللام فإنه دليل على ثبوت الحكمة صارت أدلة الحكمة لا تحصى فهي كثيرة جدًا، وإنما أنكروا الحكمة وقالوا: لأنه إذا فعل لحكمة فقد فعل لغرض يعود عليه بالنفع، والله سبحانه منزه عن ذلك، ويا سبحان الله! كيف زين لهم الشيطان هذا الترتيب.
فيقال: إن الله يفعل لحكمة لا لنفع يعود عليه، ولكن لنفع يعود على العباد، فهو سبحانه مستغن عن ذلك، فقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فالتطهير هنا النفع فيه عائد لنا لا لله، وهكذا بقية الأشياء، وإذا
стр. 425
كان لمصلحة الغير كان ذلك دليلًا على كرمه وجوده ، وهذا كمال وليس بنقص بحال من الأحوال.
٨ - إثبات غضب الله ؛ لأن العذاب لا يكون عن رضا، بل عن غضب، لكن الإستدلال بهذه الآية على الغضب من باب الإستدلال باللازم؛ لأنه لا يمكن أن يعذب من يرضى عنهم.
إذًا: كل آيات فيها إثبات الوعيد فإنها تدل على الغضب؛ لأن الله سبحانه إنما يعذب لأنه يغضب من هذا الشيء، ولكن لا يلزم مثلًا لمن فعل معصية واحدة أن نقول: إن الله يغضب من هذا الفعل المعين؛ لأن الفعل المعين لا نثبت له الغضب المعين إلا بدليل، وإلا لو قلنا: إن كل فعل محرم إثبات للغضب لصارت جميع المحرمات كبائر؛ لأن ما ثبت به الغضب فهو من كبائر الذنوب كما ذكر ذلك أهل العلم.
٩ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز والحكيم، وما تضمناه من صفة العزة، وصفة الحكمة، ثم باجتماع الإسمين وما تضمناه من الصفة وصف زائد، وذلك لأن من له العزة والغلبة قد تأخذه العزة بالإثم فلا يكون في تصرفه حكمة، فجمع الله بين العزة والحكمة ليتبين أن عزته لا تنافي الحكمة، خلافًا لما يكون من الخلق فإن الإنسان إذا غلب وانتصر ربما يتصرف تصرفًا ينافي الحكمة.
إذًا: يؤخذ من الجمع بين الإسمين معنى آخر زائدًا على ما دل عليه كل اسم على حدة، وهو أن عزة الله مقرونة بالحكمة، وكذلك حكمته مقرونة بالعزة؛ لأن الإنسان قد يكون
стр. 426
ضعيفًا؛ فالحكمة أن يستذل أمام القوي، فلو دخل إنسان على الأمير فلا يقول: يا فلان! أنت ظلمتني ولم تعطني حقي؟ إنما الحكمة أن يقول: أطال الله بقاءك على طاعته أيها الأمير! المحترم الموقر المعظم، ويأتي بأشياء تسهل الأمور فالتصرف الثاني هو دليل الحكمة، لكن حكمة الله مقرونة بالعزة، فهو منزه عن ذلك.
إذًا: قرن العزة بالحكمة له فائدة، وقرن الحكمة بالعزة كذلك له فائدة.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ [النساء: ٥٧].
لما ذكر الله سبحانه حال أهل النار أعاذنا الله وإياكم منها، قال بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، والقرآن مثاني، تثنى فيه المعاني، فإذا ذكر فيه أهل النار ذكر فيه أهل الجنة، وإذا ذكرت النار ذكرت الجنة، وإذا ذكر الحق ذكر الباطل، وهكذا، وهذا أحد المعاني في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣].
قول الله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قدم الله الإيمان على العمل الصالح - ومثل هذا التركيب موجود في القرآن بكثرة - لأن العمل الصالح مبني على الإيمان، فعمل بلا إيمان لا فائدة منه، فالمنافقون يعملون، ويذكرون الله، ويصلون، ويتصدقون، ولكن ليس عندهم إيمان فلا ينفعهم،
стр. 427
ولهذا يقدم الله الإيمان على العمل الصالح؛ والإيمان الذي يكثر ذكره في القرآن فسره النبي ﷺ بقوله: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره" (١).
فالذين آمنوا بهذه الأصول ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، قال بعض النحويين: إن الصالحات صفة لموصوف محذوف، والتقدير: الأعمال الصالحات؛ لأن الصالح وصف، والوصف لا يفعل، وإنما الذي يفعل هو الموصوف. هكذا قال، وعندي: أنه لا حاجة لذلك، فما دام الأمر معلومًا فلا حاجة إلى أن يقدر، ونقول: إنَّ ﴿عَمِلُوا﴾ مسلط على الصالحات، والأعمال الصالحة: ما كانت خالصة لله صوابًا على شريعة الله، يعني: ما كان خالصًا صوابًا كما قال الفضيل بن عياض، ومعنى ذلك: ما جمع بين الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله ﷺ .
فمن عمل عملًا أشرك به مع الله غيره ولو يسير الرياء كان عمله غير صالح، ومن أخلص لله لكن على غير شريعة رسول الله ﷺ كان عمله غير صالح.
قوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ السين هنا: للتنفيس، وسبق أن قيل في أصحاب النار: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ [النساء: ٥٦]، وأصحاب الجنة قيل فيهم: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾، فهل هذا من باب اختلاف التعبير وأن معنى الحرفين واحد؟ الجواب: قال ابن هشام: معنى الحرفين واحد، وقيل: بل معناهما مختلف،
стр. 428
وأن السين تدل على القرب، وسوف تدل على المهلة، وهذا هو المعروف وهو الأصح، فإذا قيل كذلك فلماذا جاء الوعيد بالنسبة لأهل النار بسوف ولأهل الجنة بالسين؟
الجواب على ذلك: أن أهل النار يفسح لهم لعلهم يتوبون إلى الله فيرجعون، وحينئذ لا يكونون من أهل النار، أما أهل الجنة فإنهم يدخلون الجنة، ولكن ليس المقصود جنة الآخرة، لكن يدخلون جنة الدنيا قبل جنة الآخرة، مصداق قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] ولا أحد أطيب حياة من المؤمنين أبدًا.
قال بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك - الذين تمت لهم الدنيا على ما يريدون - ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف؛ أي: لقاتلونا مقاتلة لينالوه، ولكن لا يحصل لهم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية لما حبس: ما يصنع أعدائي بي؟ إن جنتي في صدري (١).
وربما يدل على أن أهل الجنة منعمون أتم نعيم قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]، إذا جعلنا الإستثناء متصلًا صار المعنى: أن الموتة الأولى التي ماتوها في الدنيا ذاقوها، والنعيم مستمر من الدنيا إلى الآخرة، ولكن أكثر العلماء يقولون: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ إن الإستثناء هنا منقطع، والتقدير: لكن الموتة الأولى.
على كل حال نقول: إنما قال: "سوف" في أهل النار ليمد
стр. 429
لهم في الأجل، لعلهم يرجعون، فأراهم العذاب وكأنه بعيد، لكن أهل الجنة أراهم النعيم كأنه قريب، حتى ينشطوا على العمل، وأيضًا نقول: إن أهل الإيمان في سعادة حتى في الدنيا، ولهذا قال رسول الله ﷺ : "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن" (١) فكل أمره خير، إن أصابته ضراء صبر مع الله ، وصبر لله، وانشرح صدره، وكما قالت رابعة العدوية لما قطع أصبعها أو أصابها جرح فيها قالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها.
فالمؤمن في الحقيقة حتى وإن أصيب بالمصائب يوفق للصبر، ويثيبه الله على ذلك، فيكون كأنه لم يصب، وإن أصابته السراء شكر فزيد في النعمة، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
قوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ المراد بالجنات هنا: ما أعده الله في الدار الآخرة لهؤلاء المؤمنين، ولا يَحسُن هنا أن نقول: الجنات: جمع جنة، وهي البستان الكثير الأشجار؛ لأن هذا ينقص من شأن الجنة، إذ لا ينصرف إلا إلى بساتيننا في الدنيا، وهي مرة تيبس ومرة تخضر، ومرة تصيبها الرياح ومرة تستقيم، لكن إذا قلت: الجنات: جمع جنة، وهي الدار التي أعدها الله سبحانه للمتقين، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، حينئذ يبتهج القلب ويسر.
стр. 430
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قال العلماء: المراد ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: تحت أشجارها وقصورها، أنهار مطردة تحت الأشجار وتحت القصور، فهي من تحتها، وهذه الأنهار أصنافها أربعة، كما قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] فهذه أربعة أنهر، أو أربعة أنواع من الأنهار في الجنة.
قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾ حال وصاحبها الضمير في قوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ أي: الضمير الهاء، وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ بين أن هذا الخلود أبدي، فقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أبد الآبدين، لا منتهى له.
فإذا قال قائل: هل يعيش الإنسان وهو يرى أنه باق دائمًا في هذا؟
فالجواب: نقول: نعم؛ لأن كل ساعة تتجدد له لذة ونعيم، ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] في الدنيا ننتظر الموت حتى نرتحل عن هذه الدنيا، لكن في الآخرة لا تنتظر الموت، وإنما دائمًا في سرور ونعيم، قال الله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] فهم في نعيم دائم، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
قوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ ﴿لَهُمْ﴾ أي: للذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴿فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أزواج: جمع زوج، وهي الأنثى ويطلق على الرجل أيضًا، يقال: زوج فلانة، ويقال: زوج فلان، يعني: زوجته، وفي الفرائض يجب أن
стр. 431
تأتي بالتاء، بينما في غير الفرائض لا تأتي بالتاء؛ لأن الإتيان بالتاء لغة رديئة، أو قليلة.
وقوله: ﴿لَهُمْ﴾ جمع، و ﴿أَزْوَاجٌ﴾ جمع، فهل يقابل الجمع بالجمع على وجه الإفراد، أو الجمع بالجمع على وجه الجمع، بمعنى: هل لكل واحد زوجة واحدة فقط، فنقول: مثلًا لهم أزواج، ولو فرضنا عشرة، وقلنا: لكم أزواج، فهل المعنى أن لهؤلاء العشرة عشر زوجات فقط، أو لكل واحد عشرة؟ مثل هذا يختلف فيه العلماء هل يقابل كل فرد بفرد، أو يقابل كل فرد بالجمع.
فمن العلماء من قال: يقابل كل فرد بفرد، ومنهم من قال: يقابل الجميع لكل فرد، فلو قلت لرجال أمامي: لكم عشرة دراهم، فهل المعنى أن العشرة توزع بينهم، أو المعنى لكل واحد عشرة؟ على خلاف، فهنا قوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾، هل المعنى لكل واحد أزواج، أو المعنى: لكل واحد زوجة واحدة، لكن الأزواج هنا قوبلت بالجمع في قوله: ﴿لَهُمْ﴾؟ الجواب يقال: إن السنة دلت على أن الواحد له أزواج متعددة، سواء من أهل الدنيا أو ممن خلق الله في الجنة وهن الحور.
وقوله: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ مطهرة طهارة حسية، ومطهرة طهارة معنوية، فالطهارة الحسية تشمل الطهارة من البول والغائط، والحيض، والإستحاضة، والنفاس، والصفرة، والكدرة، والعرق، والرائحة المنتنة وغير ذلك، من كل ما يستحب إزالته والتنزه عنه فهي مطهرة منه.
ومطهرة أيضًا طهارة معنوية، وذلك لأنها خالية من كل خلق
стр. 432
سيئ، لا غضب ولا تكرب للزوج، ولا كراهية ولا عصيان، ولا اكفهرار في وجهه، فهي مطهرة من كل خلق رذيل، ومن كل أذى وقذر، فالطهارة إذًا حسية ومعنوية، ولو اشتكت النساء وقلن: الرجال لهم أزواج مطهرة فما بالنا نحن؟ فنقول لهن: أنتن لَكُنَّ أزواج مطهرون، فالله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ولا يكون جاره إلا الطيب، وأنتن في الآخرة كل واحدة منكن لا تريد إلا زوجها، كما قال: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] كل واحدة قاصر طرفها على زوجها ومتنعمة به، وأنتن خير من سواكن فلا تجزعن، ولكن لما كان الزوج هو الطالب غالبًا صار هو الذي يقال له: لك زوجة فيها كذا وفيها كذا، أما الزوجة فلا تكون طالبة إلا نادرًا.
قال: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ الظل هو ما فاءت عنه الشمس، وإن شئت فقل: هو ما لم تحله الشمس، سواء كان فيئًا أم ظلًا من أول النهار، وأما الظليل فهو المؤدي معناه تمامًا؛ لأن من الظل ما ليس بظليل، فلو جلست تحت ظل جدار في أيام الصيف فأنت في ظل، لكن ليس هو ظليل؛ لأن لفح الحر يأتيك، لكن الجنة ظل ظليل.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن الإيمان لا يتم استحقاق دخول الجنة به إلا إذا قرن بالعمل الصالح، لقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ولهذا يقرن الله سبحانه بينهما كثيرًا، فمن آمن وقال: إنه مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولكن لا يعمل صالحًا فإن الجنة غير مضمونة له، ولكن من الأعمال ما نعلم أنه لن يدخل الجنة إذا تركها مثل الصلاة.
стр. 433
٢ - أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحًا، والصالح ما تضمن شيئين:
الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ ، وإن شئت فقل: الإخلاص لله واتباع شريعته، وهذا أعم، إذ إن المعنى الأول قد يتوهم منه أن المراد بالرسول محمد ﷺ ، ولكن المراد أعم من هذا، حتى الذين عملوا الصالحات حين كانت شرائعهم قائمة يدخلون في هذه الآية وغيرها.
٣ - أن الله سبحانه وعدهم هذا الوعد المؤكد بالسين: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾.
٤ - أن الله تعالى عظم نفسه؛ لأنه أهل للتعظيم، في قوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ وقد التبس على النصراني مثل هذا التعبير الذي يأتي من قبل الله إذا كان بهذه الصيغة، فظن أن الإله متعدد، ولكن هذا من فهمه السيئ واتباعه للمتشابه، فإن ذكر الواحد بصيغة الجمع أمر معروف في كل لغة، والوحدانية مفهومة ومعلومة بالضرورة من الأديان، وبالفطر السليمة.
٥ - بيان ما في الجنة من النعيم لقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
٦ - أن الجنة أنواع وليست نوعًا واحدًا، يؤخذ ذلك من صيغة الجمع ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
٧ - أن أهل الجنة مخلدون فيها أبدًا، لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وقد أجمع أهل الملة على أن نعيم الجنة دائم أبدًا، وكذلك جمهور أهل السنة على أن عذاب أهل النار دائم أبدًا.
٨ - الثناء على الأزواج في الجنة، سواء كن من أهل هذه
стр. 434
الدنيا أو من الحور، لقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾.
٩ - الثناء على هؤلاء الأزواج، وأنهن مطهرات من كل عيب حسي أو معنوي.
١٠ - أن الجنة ليس فيها حر، وإنما هي ظل ظليل، لقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾.
وجملة الآية فيها الحث على الإيمان والعمل الصالح؛ لأن الله سبحانه إنما ساق بيان نعيمهم حثًا على أن نعمل العمل الموصل إلى ذلك.
١١ - أن أهل الجنة ينعمون في الدنيا وفي الآخرة، لقوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ لأن السين تدل على القرب، ذكرنا ذلك في التفسير، وأن أصحاب الجنة هم في الجنة في الدنيا وفي الآخرة؛ لأنه لا أحد أطيب عيشًا ممن آمن وعمل صالحًا.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ وهذا الأسلوب أبلغ في التعظيم من قول: إني آمركم؛ لأنه يدل على العظمة، كأنه قال: إن الله الذي له الألوهية وله الحكم عليكم يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، والأمر: هو طلب الفعل على وجه الإستعلاء، بصيغة افعل أو ما ينوب منابها.
فقولنا: طلب الفعل، كلمة "طلب" خرج بها الخبر لأنه ليس بطلب، وطلب الفعل خرج به النهي؛ لأن النهي طلب الكف،
стр. 435
و"على وجه الإستعلاء" خرج به الإلتماس والدعاء، وقولنا: على وجه الإستعلاء ولم نقل على وجه العلو يشمل ما إذا كان الآمر عاليًا حقيقة أو مستعليًا ادعاءً، إن لم يكن عليًا في الواقع، فهنا عندنا قيود.
مثال ذلك: عبد مملوك أسر حرًا كريمًا، فجعل يأمره ويقول: افعل كذا .. وقرب لي كذا .. وأبعد عني كذا، فالحر أعلى ولا شك، لكن هذا ادعى العلو لنفسه فاستعلى عليه، فهذا هو الأمر.
وكل أمر موجه من الله للعباد فالأصل فيه أنه لطلب الفعل وأنه للوجوب، لكن قد تخرج الأوامر عن غير ذلك للقرائن.
قوله: ﴿أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الأمانات جمع أمانة، وهي كل ما اؤتمن الإنسان عليه من أمتعة، ونقود، وأقوال، وأفعال وغير ذلك، تؤدي إلى أهلها، والضابط في أهلها هم الذين أمرت بأدائها إليهم، فمثلًا: إذا قال لك شخص: خذ هذه الدراهم وأدها إلى فلان، فالمؤتمن صاحب الدراهم، وأهلها الذين أمرت أن تؤديها إليه، يعني: فلا تؤدها إلى أحد غيره، وقد تكون الأمانة بالقول، فأقول لك مثلًا: بلغ سلامي فلانًا، فإذا قلت: نعم؛ فقد تحملت، فلا بد أن تؤدها لي السلام، أما إن قلت: إن ذكرت أو لا أتحمل فأنت بالخيار، لكن إذا قال: بلغ سلامي فلانًا فقلت: نعم أبلغه فلا بد أن تبلغه؛ لأن هذه أمانة، وقد أمرك الله أن تؤديها إلى أهلها، وسيأتي إن شاء الله في بيان الفوائد أنواع الأمانات.
قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ﴿وَإِذَا
стр. 436
حَكَمْتُمْ﴾ الحكم هنا الفصل، يعني: إذا أردتم أن تفصلوا بين الناس في مشاجراتهم فاحكموا بالعدل و ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾ لم يقيد أناسًا دون أناس فيكون عامًا، حتى لو أراد الإنسان أن يحكم بين أبيه وبين رجل أجنبي فهو داخل في الآية، أو مسلم وكافر فهو داخل في الآية؛ لأن الآية عامة بين الناس.
وقوله: ﴿أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ العدل في الأصل الإستقامة، ومنه العصا المستقيمة التي ليس فيها ميل، ولا حكم أعدل من حكم الله، وعلى هذا فالحكم بالعدل أن تحكم بينهم بشريعة الله، هذا هو الحكم بالعدل؛ لأننا نعلم أنه لا أحد أحسن من الله حكمًا، ولا أحد أعدل من الله فصلًا، فإذًا ﴿أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ أي: بشريعة الله.
فإن قال قائل: ما وجه الإرتباط بين قوله: ﴿أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وبين قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾؟
فالجواب: أن نقول: لأن الأمانات كالمقدمة بين يدي الأحكام، فمنها مثلًا الشهادة، وهي تحمل الإنسان أن يخبر بحق غيره على غيره، فهذه تكون مؤداة عند الحكام، فكان تأدية الأمانات كالمقدمة بين يدي الحكم بين الناس.
ثم أثنى الله على هذا الأمر، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ وفي قوله: ﴿نِعِمَّا﴾ قراءات: نَعِمَّا، ونِعِمَّا، وأصلها نعم ما لكن حصل فيها إدغام، قوله: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ الموعظة قال العلماء: هي ذكر الأحكام مقرونة بترغيب أو ترهيب، بمعنى أن تذكر حكم الله ، مقرونًا بترغيب أو ترهيب، إن كان طلبًا فهو مقرون بالترغيب، وإن كان نهيًا فهو مقرون بالترهيب.
стр. 437
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ هذه الجملة استئنافية كالتحذير والتهديد لما سبق، يعني: إن لم تفعلوا فتؤدوا الأمانات إلى أهلها، وتحكموا بين الناس بالعدل؛ فإن الله تعالى سميع لأقوالكم، بصير بأفعالكم، وسيعاقبكم على مخالفاتكم.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - بيان عظمة الله وذلك حيث عبر عن نفسه ﵎ بصيغة الغائب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾، ومثل هذا التعبير قال علماء البلاغة: إنه يدل على التعظيم.
٢ - وجوب حفظ الأمانات فيما تحفظ به عادة، فإذا أعطاك إنسان دراهم وجب عليك أن تحفظها فيما تُحفظ به عادة، ووجه ذلك: أنه من لازم أدائها حفظها؛ لأن من لم يحفظها لا يمكن أن يؤديها، فإذا أعطاك دراهم ووضعتها في فرجة أو في رف وسرقت فأنت ضامن؛ لأن هذا تفريط في الواجب، فالواجب أن تحفظها في الصناديق.
وإذا أودع عندك بهيمة وتركتها للبرد أو للحر، أو للجوع أو للعطش، فأنت ضامن؛ لأنك فرطت، فإن الله أمرك أن تؤدي الأمانات إلى أهلها ومن لازم أدائها حفظها حتى تُؤدى كما أُخذت.
٣ - سمو الدين الإسلامي؛ حيث أمر برد الأمانات، وهذا لا شك أنه من حسن المعاملة.
٤ - أنه يجب على المؤتمن أن يؤديها إلى أهلها، وأهلها: إما صاحبها أو من يقوم مقامه، فإذا أودعك شخص ما وديعة ومات فأهلها ورثته.
стр. 438
كذلك: لو وكَّل من يقبضها منك وجب عليك أن تؤديها إليه؛ أي: إلى الوكيل، ولا تقل: إني لا أعطيك؛ لأن الذي أودعني سواك.
٥ - وجوب حفظ السر فيما يكون بينك وبين صاحبك من قول، لقوله: ﴿الْأَمَانَاتِ﴾ وهو عام في أمانات الأموال، وأمانات الأقوال، وأمانات الأحوال أيضًا؛ ولهذا ورد الوعيد الشديد فيمن تفضي إليه زوجه وهو يفضي إليها ثم يصبح يتحدث بما جرى بينهما، وأن هذا شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة.
٦ - وجوب أداء الشهادة على الشاهد كما تحملها؛ لأن الشاهد مؤتمن، فيجب عليه أن يؤدي الشهادة كما تحملها من غير زيادة ولا نقص.
وهل يجوز أن يؤديها بالمعنى؟
الجواب: نعم، إذا كان عالمًا بالمعنى، ولم يحدث ما يتغير به المعنى فإنه لا بأس أن يؤديها بالمعنى.
٧ - وجوب الحكم بين الناس بالعدل؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، والعدل أنواع كثيرة، ولنضرب لهذا مثلًا بالقاضي، فالقاضي يجب عليه أن يعدل بين الخصمين في كل شيء:
أولًا: في الدخول عليه، فلا يقدم أحدًا على أحد، حتى لو كان الخصم كافرًا مع مسلم، فإنه لا يقدمه عليه؛ لأن المقام مقام حكم، والحكم تجب فيه العدالة، وفضل المسلم على الكافر لا شك فيه، لكن الآن هما سواء في الحكم، وإن كان بعض العلماء ﵏ قال: إنه يقدم المسلم في الدخول، لكن في هذا
стр. 439
القول نظر، والصواب: أنه يعدل بينهما في الدخول.
ثانيًا: في المجلس، فلا يجلس أحدهما في مكان رفيق كعلى كنب مثلًا، والثاني على الأرض، أو أحدهما على الفراش والثاني على الأرض، بل لا بد أن يعدل بينهما في المجلس، وأن يكون مجلسهما سواء.
ثالثًا: لا بد أن يعدل بينهما في اللحن؛ أي: النظر، فلا ينظر إلى أحدهما نظرًا باردًا، وإلى الثاني نظرًا حارًا يكاد يخرق رأسه، بل الواجب أن ينظر إليهما نظرًا سويًا.
رابعًا: في اللفظ، فلا يكلم أحدهما بشدة والآخر بلين.
خامسًا: في الإلتفات، فلا ينظر إلى أحدهما عند مخاطبته بوجهه، وينظر إلى الثاني بخده مصعرًا خده له.
سادسًا: في استخلاص الحجة، فلا يقاطع أحدهما في حجته، والآخر يمهله.
فإذًا: يجب عليه العدل في كل شيء يعاملهما فيه.
ومن العدل أيضًا: العدل بين الزوجات في كل ما يستطيع.
ومن العدل أيضًا: العدل بين الأولاد في كل شيء يستطيعه، في العطايا فإذا أعطى الأنثى أعطى الذكر، وإذا أعطى الذكر أعطى الأنثى، والصحيح: أنه يعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، حتى كان بعض السلف يعدل بين أولاده في القُبَل، يعني: إذا قبَّل واحدًا قبَّل الثاني، وهذا صحيح في الصبيان الصغار، أما الكبار فشيء آخر؛ لأن الصبيان الصغار ترى أحدهم إذا رآك قد قبلت الثاني يأتي ويزاحم ويدخل خده عليك، يعني: لا بد أن تقبله، حتى في الجلوس - مثلًا - إذا أجلسته على
стр. 440
فخذك، جاء الثاني يركض وجلس على فخذك الثانية وكأن هذه مطالبة واحتجاج، وكأنه يقول: لماذا تفعل؟ ويأخذ حقه بالقوة.
فعلى كل حال: الواجب على الإنسان أن يعدل بين أولاده.
كذلك من العدل: أن يعدل مع نفسه في معاملة غيره، فلا يريد من الناس أن يعطوه حقه كاملًا وهو يبخس الناس، وقد قال الله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)﴾ [المطففين: ١ - ٢] يعني: يأخذون حقهم وافيًا، ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ [المطففين: ٣] يعطون الحق الذي عليهم ناقصًا، وهذا ليس من العدل، بل العدل أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، ولهذا شدد النبي ﷺ في هذه المسألة وقال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (١) وهذه هي آداب الإسلام العظيمة.
٨ - التعبير بالعدل دون المساواة، والغريب أن كثيرًا من الناس العصريين تجدهم شغوفين في التعبير بالمساواة دون العدل، بل قد لا تكاد تجد أحدًا منهم يقول: الدين الإسلامي دين العدل، بل يقول: الدين الإسلام دين المساواة، ولا أدري - والله أعلم - لماذا استخدمت هذه الكلمة "المساواة"، هل هي واردة علينا من الخارج؟ لأنك إذا قلت: المساواة دون العدل قالت الأنثى: أنا لا بد أن أعامل كما يعامل الرجل، وقال الرجل
стр. 441
الساقط الذي لا خير فيه: لا بد أن أعامل كما يعامل الشريف، وهلم جرا، لكن إذا استعملنا العدل فمعناه أن ننزل كل إنسان منزلته.
٩ - ثناء الله سبحانه على ما يوجهه من الأحكام إلى العباد لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ وشيء أثنى الله عليه لا بد أن يكون في قمة الخير.
١٠ - أن الأحكام الشرعية تسمى موعظة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ مع أنه ليس فيها وعيد وليس فيها تهديد، وإنما فيها بيان أحكام.
١١ - كمال حكم الله ؛ وذلك بثناء الله عليه، وكونه موعظة للقلوب، ولهذا كلما ازداد الإنسان تمسكًا بطاعة الله ازداد إيمانًا ويقينًا ورغبة في الخير.
١٢ - إثبات هذين الإسمين من أسماء الله وهما: السميع، والبصير، وتكلمنا كثيرًا على معنى السميع، والبصير كذلك اسم من أسماء الله متضمن للبصر، وتكلمنا عليه أيضًا في ما سبق بما لا يحتاج معه إلى إعادة.
وهل فيهما إثبات السمع والبصر لله؟ الجواب: نعم؛ لأن القاعدة: أن كل اسم لله فهو متضمن لصفة ولا عكس، فالصفة لا يشتق منها اسم لله، إلا إذا تسمى به جل وعلا، والإسم يثبت منه صفة؛ لأن جميع أسماء الله مشتقة من المعاني التي تدل عليها، وعلى هذا فلا نسمي الله بالواعظ مع أنه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾؟ لأن أفعاله وصفاته لا يُشتق منها أسماء له، أما أسماؤه فإنها تتضمن الصفات.
* * *
стр. 442
* قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
صدر الله هذه الآية بالنداء، وقد سبق أن تصدير الحكم بالنداء يدل على العناية به؛ لأن النداء يطلب به انتباه المنادى لما يلقى إليه، وفي النداء بوصف الإيمان إشارة إلى أن ما يذكر من مقتضيات الإيمان، يعني: أن ما يذكر وامتثاله من مقتضيات الإيمان.
وفيه أيضًا: أن عدم القيام به نقص في الإيمان؛ لأنك إذا قلت للمؤمن: يا مؤمن! أفعل كذا ولم يفعل فإنه لا بد أن ينقص إيمانه؛ لأنه وجه إليه الخطاب باسم الإيمان أو بوصف الإيمان، فإذا لم يمتثل هذا الخطاب نقص إيمانه.
وقد روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه" (١) والذي في هذه الآية خير نؤمر به.
قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: آمنوا بالله، وبما يجب الإيمان به.
وأركان الإيمان -كما هو معروف - ستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
وقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ الطاعة: موافقة الأمر، وذلك بفعل
стр. 443
المأمور وترك المحظور؛ ولهذا أخذت من المطاوعة وهي الإنقياد، فالطاعة هي الإنقياد وموافقة الأمر بفعل المأمور وترك المحظور.
قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الرسول هو: محمد ﵊، و"ال" فيه للعهد الذهني.
قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الواو حرف عطف، وقوله: ﴿وَأُولِي﴾ معطوفة على ﴿الرَّسُولَ﴾، وهي بمعنى أصحاب، والأمر بمعنى الشأن، يعني: أصحاب الشأن فيكم، وأصحاب الشأن:
قيل: هم العلماء، وقيل: هم الأمراء، والآية صالحة للمعنيين جميعًا، وعلى هذا فتكون شاملة للأمراء والعلماء.
أما كون العلماء أولي أمر؛ فلأنهم يوكل إليهم الكلام في شرع الله، وهم الذين يوجهون الناس، ويبينون لهم أحكام الله الشرعية.
وأما كون الأمراء أولي أمر؛ فلأنهم هم الذين يحملون الناس على شريعة الله، والشريعة تحتاج إلى أمرين: أمر سابق، وأمر لاحق، فالأمر السابق هو من شأن العلماء فهم الذين يبينونه ويوضحونه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وأمر لاحق وهو من شأن الأمراء فهم يلزمون الناس بشريعة الله، ويقيمون حدود الله على من خالف، فالكل عليه مسئولية.
وبهذا التقسيم نعرف أن مسئولية العلماء أشد من مسئولية الأمراء؛ لأن الأمراء لا يمكن أن يمشوا على شيء إلا بعد بيان العلماء.
стр. 444
وعلى هذا: فشأن العلماء في الأمة الإسلامية أعظم من شأن الأمراء، ويجب على الأمراء اتباع العلماء فيما يبينونه من شريعة الله.
ويحتمل أن يكون المراد بالأمر في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾: طلب الفعل ممن هو دون الآمر، أو على وجه الإستعلاء، ويكون معنى الأمر أي: الذين لهم أن يأمروا الناس، والعلماء يأمرون الناس، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١]، وهم العلماء.
والأمراء كذلك يأمرون، فالأمر هنا صالح لمعنيين أيضًا: الشأن، والأمر الذي هو طلب الفعل على وجه الإستعلاء.
وهنا يقول الله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ولم يُعِدْ الفعل، فلم يقل جل وعلا: وأطيعوا أولي الأمر؛ لأن طاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله، ولهذا لو أمروا بما يخالف طاعة الله لم يكن لهم طاعة، فطاعتهم تابعة لطاعة الله ورسوله.
ثم قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ وهذا متوقع جدًا أن يحصل النزاع بين أولي الأمر بعضهم مع بعض، وبين أولي الأمر مع عامة الناس، فالعلماء يختلفون فيما بينهم، والأمراء يختلفون مع العلماء، ومع الناس، أو العلماء يختلفون مع الناس، أو يختلف الناس مع الأمراء، أو ما أشبه ذلك.
المهم أن التنازع هنا غير مقيد، فيشمل التنازع بين العلماء، وبين الأمراء، وبين العلماء مع الأمراء، وبين العلماء مع الناس، والأمراء مع الناس، وهذا لا بد أن يقع.
стр. 445
وقوله: ﴿فِي شَيْءٍ﴾ نكرة في سياق الشرط، فتكون للعموم، فأي شيء يُتنازع فيه فإنه يُرد إلى الله والرسول.
وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ لا يمكن أن يقول قائل: أننا نذهب إلى الله ، ونتحاكم عنده أو نرد الشيء إليه، ولكن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، أما إلى الرسول ﷺ فهو الرد إليه شخصيًا في حياته، وإلى سنته بعد وفاته ﷺ .
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هذه جملة شرطية يراد بها الإغراء والحث؛ أي: إن كنتم صادقين في الإيمان بالله واليوم الآخر فامتثلوا هذه الأوامر: طاعة الله، وطاعة الرسول، وأولي الأمر، والرد عند التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وقوله: ﴿كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾ الإيمان بالله يتضمن: الإيمان بوجوده، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته.
وقوله: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: الإيمان بكل ما يكون بعد الموت، سواء في البرزخ أو بعد قيام الساعة، وإنما نص الله على اليوم الآخر لأنه اليوم الذي يقع فيه الجزاء، واليوم الذي يقع فيه الجزاء لا بد أن يحسب له الإنسان حسابه؛ خوفًا من أن يجازى بالسوء في يوم القيامة.
قوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: المشار إليه كل ما سبق من طاعة الله وطاعة رسوله وأولي الأمر، والرد إلى الله ورسوله عند التنازع؛ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: في الحال والحاضر، ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾؛ أي: أحسن مآلًا وعاقبة، فامتثال هذه الأوامر الأربعة يحصل به الخير في الحاضر والخير في المستقبل، وكل إنسان لا يسعى إلا
стр. 446
لخير حاضر أو مستقبل؛ لأن الماضي مضى بخيره وشره ولا يمكن إعادته.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - حسن التناسب بين الآيات في الكتاب العزيز، فإنه لما ذكر أداء الأمانات والحكم بين الناس بالعدل، ذكر ما يحصل به الخير أيضًا إضافة إلى ذلك، وهو طاعة الله ورسوله ﷺ .
٢ - وجوب طاعة الله، وإن خالفت الهوى، وإن خالفت الواقع، وإن خالفت الحال، خلافًا لمن يمتثل طاعة الله إذا وافقت الواقع ولم يجد معارضًا؛ لأن من قيد طاعة الله بهذا، فهو في الحقيقة لم يطع الله، وإنما اتبع هواه.
٣ - وجوب طاعة الرسول ﷺ استقلالًا، وأن طاعته كطاعة الله؛ لقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؛ لأنه أعاد الفعل: ﴿أَطِيعُوا﴾، ولم يجعل طاعة الرسول تابعة لطاعة الله.
٤ - الرد على من كفر بالسنة وقال: لا نقبل إلا ما جاء في القرآن؛ لأن الله جعل طاعة الرسول ﷺ مستقلة، والحقيقة أن الذي يقول هذا القول لم يتبع ما جاء به القرآن؛ لأن القرآن أمر بأن يتبع الرسول ﵊ فقال: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] ولم يقل: اتبعوه إن وجدتم لذلك أصلًا في القرآن، بل هو أمر عام.
٥ - وجوب طاعة ولاة الأمور؛ لقوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
стр. 447
٦ - أن طاعة ولاة الأمور من طاعة الله؛ لأن الله تعالى أمر بذلك.
٧ - أنهم لو أمروا بما يخالف طاعة الله ورسوله ﷺ ، فلا طاعة لهم؛ لأن الله جعل طاعتهم تابعة لطاعته ولطاعة رسوله فقال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
٨ - أن طاعة ولاة الأمور واجبة، حتى وإن لم يأمر الله بذلك الشيء المعين الذي أمروا به، وهنا لا بد من التقسيم فنقول:
ما أمر به ولاة الأمور على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما أمر الله به.
القسم الثاني: ما نهى الله عنه.
القسم الثالث: ما لم يرد به أمر ولا نهي.
أما ما أمر الله به فإن ولاة الأمور إذا أمروا به صارت طاعتهم واجبة من وجهين:
الوجه الأول: طاعة الله.
الوجه الثاني: طاعة ولاة الأمر.
مثال ذلك: أن يأمروا بإعلان الأذان، أو بإقامة الصلاة جماعة في المساجد، أو بأداء الزكاة، فهذا واجب الطاعة.
وأما القسم الثاني: أن يأمروا بما نهى الله عنه: مثل أن يقولوا للناس: افتحوا خانات الخمر، فهذا لا يطاعون فيه، أو يأمروا بقتل شخص لا يحل قتله، ونحن نعلم أنه لا يحل قتله، وإنما أمروا بقتله عدوانًا وظلمًا؛ فهنا لا طاعة لهم، أما إذا أمروا بقتله بحق كقصاص أو ردة، أو فساد في الأرض أو تعزير يسوغ
стр. 448
لهم التعزير به؛ فإن طاعتهم في ذلك واجبة، لكن إذا كنا نعلم أنه ظلم بغير حق فإننا لا نطيعهم.
كذلك أيضًا لو أمروا بإدخال حدود الأراضي على الجيران ظلمًا وعدوانًا، فإننا لا نوافقهم على ذلك ونعصيهم؛ لأن طاعتهم تابعة لطاعة الله ورسوله.
ومن ذلك قصة أمير السرية الذي أمَّره النبي ﷺ على سرية، فخرج بهم، وغاضبهم يومًا من الأيام، فأمرهم أن يجمعوا حطبًا، فجمعوا حطبًا امتثالًا لأمر الرسول ﵊؛ لأنه أمرهم بطاعته، ثم قال: "أضرموا فيه النار، فأضرموها"، ثم قال لهم: "ألقوا أنفسكم في النار، فتوقفوا" وقالوا: نحن من النار فررنا - ولم نؤمن إلا خوفًا من النار - فكيف نقحم أنفسنا فيها؟ فلما رجعوا إلى النبي ﷺ وحكوا له ذلك، قال: "لو دخلوها ما خرجوا منها"؛ لأنهم قتلوا أنفسهم "إنما الطاعة في المعروف" (١) يعني: في شيء لا ينكره الشرع.
لو نهى الأمير الناس عن الأمور المستحبة فليس له ذلك.
لكن إذا قال لشخص معين: لا تتكلم في هذا، فله ذلك؛ إذا كان يرى أن في كلامه مضرة للناس، أما إذا كان لا يرى ذلك فلا يجوز له أن يمنع الناس من شرع الله، ولهذا امتثل الإمام أحمد ﵀ حين منعوه أن يحدث. وقال أبو موسى
стр. 449
لعمر ﵄: "إن شئت ألا أحدث به فعلت".
وأما القسم الثالث: أن يأمر ولاة الأمور بما لم يتعلق به أمر ولا نهي، فهنا معترك القول، فالمتمردون على ولاة الأمور يقولون: لا سمع ولا طاعة، هات دليلًا على أن هذا واجب، والمؤمنون يقولون: سمعًا وطاعة؛ لأننا لو لم نطعهم إلا في أمر ورد فيه الشرع بعينه لكانت الطاعة ليست لهم، بل للأمر الشرعي، فمثلًا: لو قال إنسان أنا لا أخضع للتنظيم، فلو سد المرور هذا الطريق وقال للناس: سيروا في الجهة الأخرى، فقال: أنا لا أخضع لهذا الأمر، ثم جاء ليجادل ويقول: أين الدليل؟ هل قال الله تعالى: إذا قال لك المرور: لا تمش في هذا الخط فلا تمش؟
الجواب: لم يقل، لكن على سبيل العموم، قال الله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾؛ فيجب أن تمتثل. فإذا قال: ليس في هذا مصلحة، فلماذا أمتثل؟ قلنا: لو جعلنا المصلحة مربوطة برأي كل واحد من الناس ما عملنا بمصلحة قط؛ لأن أهواء الناس متباينة مختلفة، فالرأي لولي الأمر قبل كل شيء، فاذا كان عندك رأي ترى فيه مصلحة، وجب عليك - من باب النصيحة - أن ترفعه لولي الأمر، وتقول: نحن نمتثل أمرك سمعًا وطاعة لله قبل كل شيء، ولكن نرى أن المصلحة في كذا كذا، وحينئذ تكون ناصحًا لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
سؤال مهم: لو أمر الإمام بما يرى أنه مشروع، والرعية أو واحد منهم يرى أنه غير مشروع: مثل أن يأمر بصوم يوم
стр. 450
الإستسقاء؛ لأن الفقهاء ﵏ يقولون: ينبغي للإمام أن يأمر الناس بصيام يوم الإستسقاء، فهل يلزم الصوم؟ قال الفقهاء: لا يلزم الصوم ولا الصدقة؛ لأن هذا أمر بشريعة، والأصل في الصوم أنه ليس بواجب، والصدقة ليست بواجبة، فلا يجبان بأمره، وإلا لقلنا: إن الإمام يمكن أن يشرع.
ثم قالوا: والمراد بقولنا: "طاعة ولي الأمر" فيما يعود إلى تنظيم الأمة، فإذا أمر بالصوم يوم الإستسقاء وكان هذا العالم يرى أنه ليس بسنة؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر الناس حين خرج للإستسقاء أن يصوموا، فله ألا يصوم، لكن لا يعلن مخالفة ولي الأمر، وهو فيما بينه وبين الله لا يلزمه، لكن المنابذة وإعلان المخالفة في أمر يسوغ فيه الإجتهاد هذا خطأ، ولهذا يُنتَقد على من يتكلم بما يرى، مع إظهار الإمام رأيه في شيء من الموضوعات، يُنتقد على من تكلم بخلافه، وقال: إن هذه المسألة اجتهادية، وللإمام اجتهاده ولي اجتهادي؛ لأن هذا يؤدي إلى استهانة الناس بما ينظمه ولاة الأمور، وأن يقول كل واحد: ولي الأمر مجتهد، وأنا مجتهد، ولكل اجتهاده، والواجب - من باب النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم - أن يتكلم مع ولي الأمر الذي خالفه في اجتهاده ويبين له.
مسألة: لو أن ولي الأمر أقر أمرًا منكرًا، فإنه يجب أن يبين إنكاره، لكن لا يوجه الإنكار على ولي الأمر، ولكن يحذر الناس منه، فلو وجد مثلًا في بعض البلاد أشياء منكرة مقرة من قبل ولاة الأمور فإنه لا يجوز إقرارها، فمثلًا: يوجد في بعض البلاد الإسلامية والبلاد القريبة منا بيع الخمر علانية في البقالات وفي
стр. 451
المقاهي وفي كل مكان، فهل نقول للناس: لا تحذروا الناس منها بناءً على أن ولي الأمر سمح بها؟ الجواب: لا، بل يجب أن نحذر الناس منها، لكن لا ينتقد ولي الأمر بإقراره إياها، بل ينصح، وتقدم له النصيحة.
قد يقول قائل: أيهما أقوى: سلطان الأمراء أو سلطان العلماء؟
والجواب: بالنسبة للتنفيذ سلطان الأمراء أقوى؛ لأنهم يستطيعون أن يجبروا الناس على أي شيء، والعلماء لا يستطيعون، وأما بالنسبة لما تقتضيه الشريعة وللحكم الشرعي فالعلماء أقوى بلا شك؛ لأن الأمراء يأخذون من العلماء.
فإذا قال بعض الناس: أبايع العلماء فقط.
فنقول: لا يجوز، حتى العلماء لا يرضون بهذا، والعلماء يرون أنه تجب البيعة لمن ولّاه الله أمرنا على ما فيه من الأمور التي قد لا ترضى.
٩ - محبة الله للنظام، والإنضمام والإنزواء تحت رعاية واحدة، لقوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾؛ لأن الناس لو لم يكن لهم ذو أمر مطاع لصارت أمورهم فوضى، ولهذا يقول الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
فلا بد من أمير، ولا بد من قائد، ولا بد من موجه، حتى الحيوانات العجم لا بد لها من أمير.
كانت الطيور منذ زمن بعيد - لم ندركه لكن ينقل لنا - تأتي فرقًا كثيرة يعني: يجتمع ثلاثون، أو أربعون طيرًا أو خمسون طيرًا، لكن لا يمكن أن تطير في جو السماء إلا بقائد يطير أمامها، وتتبعه.
стр. 452
والظباء كانت موجودة في الجزيرة بكثرة، فكانت تأتي المجموعة من الظباء - يشاهدها الصيادون - يقودها واحد وهي تمشي خلفه، والصيادون عندهم حكمة في الصيد، فكانوا يصيبون القائد، فإذا أصابوه تشتت الجمع، هكذا يقولون لنا: اضرب القائد تدرك التابع.
فأقول: كل جمع لا بد له من قائد ولا بد من أمير، حتى إن الرسول ﵊ أمر المسافرين إذا سافروا وكانوا ثلاثة أن يؤمروا أحدهم (١) حتى يكون لهم رأي.
وكون الرسول ﷺ أمر المسافرين أن يؤمروا واحدًا منهم لا يدل على أنه يجوز للطوائف أن تؤمِّر واحدًا منها في داخل البلد التي فيه سلطة الإمرة، لكن في السفر ليس عندهم أحد يرجعون إليه، فلا بد من أن يؤمِّروا واحدًا منهم بدون مبايعة، فإذا رأوا صاحب رأي منهم فيرجعون إليه في الإستشارة، لا في توجيه الأوامر.
١٠ - وجوب رد الأمور المتنازع فيها إلى الله ورسوله؛ لقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾.
١١ - تحريم رد المسائل المتنازع فيها إلى القوانين الوضعية، أو تحكيم أهل الكفر والإلحاد، لقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
١٢ - تحريم التقليد مع وضوح الدليل، لقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وإنما قلنا: مع وضوح الدليل؛ لأن التقليد يجوز للضرورة إذا لم يعلم الإنسان، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ولم يأمر سبحانه بسؤال أهل
стр. 453
الذكر إلا للرجوع إلى ما يقولون، وإلا لم يكن هناك فائدة من سؤال أهل الذكر.
١٣ - أن الرد إلى الله والرسول من مقتضيات الإيمان، لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
١٤ - أن من ادعى الإيمان بالله واليوم الآخر ولكنه لا يرد مسائل النزاع إلى الله ورسوله فإنه كاذب؛ لأن قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ بمنزلة التحدي، فيكون كاذبًا فيما يدعي، وقد قال الله ﵎: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، انظر القسم المؤكد في قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فهذا القسم مؤكد بـ ﴿لَا﴾ التي هي للتنبيه، ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ هذه المرتبة الأولى وهي تحكيم الرسول ﵊، فإن حكموا غيرك فليسوا بمؤمنين.
ثانيًا: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ أي: ضيقًا، حتى المحكوم عليه إذا وجد في نفسه حرجًا وضيقًا فليس بمؤمن، فهذه المرتبة الثانية وهي: انتفاء الحرج والضيق، يعني: يجب أن ينشرح صدره لما يحكم به الرسول ﷺ .
المرتبة الثالثة: ﴿وَيُسَلِّمُوا﴾ أي: ينقادوا، ﴿تَسْلِيمًا﴾ وهذا المصدر مؤكد؛ أي: يسلموا إذا انقادوا انقيادا تامًا لما يحكم به الرسول ﵊، فنفى الخلاف الباطن والخلاف الظاهر.
والخلاف الباطن: أن يكون في صدرك ضيق وحرج، والظاهر: ألا تسلم التسليم التام، بل تماطل، ولا يكون أمرك أمر استسلام.
стр. 454
١٥ - أنه كلما ازداد إيمان الإنسان بالله واليوم الآخر ازداد رجوعه إلى الكتاب والسنة؛ وذلك لأن الحكم المعلق بشرط متضمن للوصف، يقوى بقوة ذلك الوصف ويضعف بضعف ذلك الوصف، لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
١٦ - إثبات اليوم الآخر، وأنه سيكون بعث يجازى فيه الناس بأعمالهم، فمن كذَّب به أو شك فيه - والعياذ بالله! - فهو كافر ولو آمن بالله.
١٧ - أن الرجوع إلى الكتاب والسنة خير في الحاضر والمستقبل، لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: في الحاضر، ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: أحسن عاقبة في المستقبل.
١٨ - بطلان توهم من حكَّم القوانين الوضعية، وظن أن الأمة تصلح بها، فإننا نقول: هذه القوانين الوضعية ما كان صالحًا موافقًا للكتاب والسنة فصلاحه وإصلاحه ليس بذاته، ولكن لموافقته للكتاب والسنة، ولا يصح أيضًا أن نجعل هذا الحكم من القانون الوضعي، بل هذا الحكم هو حكم الكتاب والسنة، فكوننا إذا وجدنا أشياء مصلحة من القوانين منسوبة إلى وضع البشر فهذا يعتبر سرقة من الشرع، ومن الحكم الإلهي؛ لأن كل شيء يصلح للخلق فمبناه على كتاب الله وسنة رسوله.
١٩ - أن من تحاكم إلى غير الله ورسوله فهو كافر، ولكن هل هو الكفر المخرج من الملة أو لا؟ الجواب نقول: في هذا تفصيل بحسب حال المتحاكم: وذلك أنه إذا رأى أن الحكم الذي تقضي به هذه القوانين خير من حكم الله ورسوله أو مثله فهو
стр. 455
كافر؛ لأنه مكذِّب لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، وقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨].
وأما إذا كان لا يعتقد ذلك - ولكن مشى مع الناس - فهذا لا يكفر؛ لأن من الناس - ولا سيما العامة - من لا يدرك هذا الفرق، فهذا لا يكفر.
وبقي أن يقال: إذا كنت في بلد لا يحكم إلا بالقوانين الوضعية؛ كبلد الكفار، أو من أخذ بقوانينهم، فأنت الآن بين أمرين: إما أن يضيع حقك، وإما أن تلجئك الضرورة إلى التحاكم إلى هؤلاء فهل يجوز لك أن تتحاكم إلى هؤلاء؟ الجواب: قد يظهر للإنسان في أول وهلة أنه لا يجوز أن نتحاكم إليهم؛ لأن هذا تحاكم إلى الطاغوت، ولكن نقول: لك أن تتحاكم لا باعتقاد أن ذلك حكم ملزم، ولكن لأجل الوصول إلى حقك الذي لا يمكن أن تصل إليه إلا بهذه الطريق، ثم إذا حكموا لك بما يوافق الشرع فخذ به؛ لأنه شرع الله، وإن حكموا لك بخلاف ذلك فلا تأخذ به، وهذا هو الذي يحفظ للناس حقوقهم؛ لأنه من المشكل إذا كنت في بلد لا يحكم إلا بالقانون الوضعي، وقد أشار إلى هذا ابن القيم ﵀ في أول كتابه "الطرق الحكمية".
فإن قال قائل: التعبير في الآية الكريمة: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾، و"إن" لا تدل على وقوع الشرط، بخلاف "إذا" فإنها تدل على وقوع الشرط ولكن توقته، ولهذا تجد الفرق بين أن تقول: إذا قام زيد فأكرمه، أو تقول: إن قام زيد فأكرمه، الأولى تدل على أنه سيقوم لكن إكرامه معلق بقيامه، والثانية لا تدل على أنه سيقوم،
стр. 456
فإن قام فأكرمه، فهنا قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ معناه: أن الأصل في النزاع أنه مرفوع فيما بيننا، وأن الأصل عدم المنازعة، لكن إن حصل النزاع فردوه إلى الله والرسول.
٢٠ - وفي هذا فائدة نضيفها إلى الفوائد السابقة، وهي: الإشارة إلى أنه لا ينبغي النزاع بيننا، بل كل ما أمكن درء هذا النزاع كان هو الأولى.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: ٦٠].
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الإستفهام هنا للتعجيب، يعني: ألا تتعجب من هؤلاء، والخطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يجوز أن يكون موجهًا إلى الرسول ﷺ ، ويجوز أن يكون موجهًا لكل مخاطب بهذا الكتاب العزيز، وإذا دار الأمر بين هذا وهذا فالأولى أن يكون محمولًا على العموم، وعلى الأول وهو: أن المخاطب به الرسول ﷺ ، لا يعني أن الأمة لا تخاطب به؛ لأن ما خوطب به الرسول فهو خطاب للأمة، إما عن طريق الأسوة، وإما لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب له ولمن يتبعه في قيادته.
فها هنا أمور ثلاثة:
أولًا: هل الخطاب عام للرسول ﷺ وللأمة؟ الجواب نقول: إذا لم يكن مانع فهذا هو الأصل وهو الأصح.
стр. 457
ثانيًا: إذا قلنا: هذا خاص بالرسول ﷺ ، فهل هو خاص به، وغيره من الأمة يكون تبعًا له عن طريق الأسوة أو أنه وجه للرسول خطابًا لا حكمًا، بمعنى: أنه لما كان هو القائد الإمام لهذه الأمة وجه إليه الخطاب، والخطاب الموجه للقائد يكون خطابًا له ولمن وراءه؟
الجواب: فيه احتمالان، وإذا لم يوجد مانع فالأصل حمله على العموم، وهنا وجد مانع وهو قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، ومعلوم أنه لم ينزل إلى كل واحد منا وحي، فيكون هذا الخطاب للرسول ﵊، والأمة تبع له، إما عن طريق التأسي أو لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب لمن تبعه، فالكلام باقٍ على القاعدة.
وقوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ ﴿يَزْعُمُونَ﴾ أي: يقولون، وهذه المقولة ينظر هل تكون صحيحة أو لا؟
وقوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ كاليهود مثلًا يقولون: نحن نؤمن بما أنزل إليك يا محمد! ونؤمن بالتوراة، والنصارى يقولون: نؤمن بما أنزل إليك ونؤمن بالإنجيل والتوراة.
ولم يذكر المنزل في قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾؛ لأنه معلوم، والمعلوم كالمذكور، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] لو قال قائل: من الذي خلق الإنسان؟ لقلنا: الله، فإذا قال: ليس في الآية "وخلق الله الإنسان" فنقول: لأنه معلوم أنه لا خالق إلا الله، فقوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، وهذا معلوم كونًا، وإنزال الوحي معلوم شرعًا؛ لأن الذي ينزل الوحي هو الله .
стр. 458
ولكنهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، هذا هو محل التعجب، يزعمون ذلك وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والطاغوت: كل ما خالف الشرع؛ لأن ما خالف الشرع فهو طغيان، فيريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت.
﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي: يكفروا بالطاغوت، والآمر هو الله ، لكنه أتى بصيغة اسم المفعول؛ ليكون هذا الأمر - وإن كان أصله من الله - فهو أيضًا صادر من الرسول ﷺ ومن كل مؤمن، فكل مؤمن يؤمر أن يكون التحاكم إلى الله ورسوله، وأن يكفر الإنسان بالطاغوت.
وقوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا﴾ أي: من قبل الله ومن قبل أولياء الله، أن يكفروا به؛ أي: بالطاغوت، وإنما قلنا: إنه من قبل الله ومن قبل أوليائه؛ لأنه نظير قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة] ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم؛ لأن طريقة هؤلاء تغضب الله، وتغضب أولياء الله.
وقوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ إذًا: فهم تابعون للشيطان الذي يملي عليهم التحاكم إلى الطاغوت، فالشيطان يريد أن يضلهم ضلالًا بعيدًا؛ أي: بعيدًا عن الحق؛ لأن التحاكم إلى الطاغوت يوجب للإنسان أن يبتعد عن الحق، وأن يعلق قلبه بهذا الطاغوت.
مثال ذلك: إذا دعي أحد من الناس إلى القرآن الكريم فيأبى ويقول: لا. بل نتحاكم إلى التوراة أو إلى الإنجيل، أو إلى القانون الفلاني، أو يقول: نتحاكم إلى المحاكم التجارية والقوانين التجارية، وهو يُدعى إلى التحاكم إلى الله ورسوله،
стр. 459
فيقول: لا، نرجع إلى أعراف التجارة ولو كانت تخالف الشرع، فهذا يدخل في هذه الآية (١).
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ [النساء: ٦١].
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ الضمير يعود إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول ﵊ وما أنزل من قبل، وهم المنافقون من أهل الكتاب.
قوله: ﴿تَعَالَوْا﴾ أي: أقبلوا.
قوله: ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني: القرآن، ولم يقل: إلى القرآن؛ إشارة إلى بيان منزلته وعلو مرتبته، وهو أنه منزل من عند الله؛ لأن ما نزل من عند الله تقوم به الحجة على كل أحد.
قوله: ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾، ولم يقل: إلى قول الرسول؛ لأنهم يدعون إلى الحضور إلى حضرة النبي ﷺ ، ويأتون إليه ليناقشهم ويبين لهم.
و"أل" في قوله: ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ للعهد الذهني، وذلك لأن العهود ثلاثة:
ذهني، وذكري، وحضوري، فإن كانت "أل" تشير إلى شيء مذكور فالعهد ذكري، مثل قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦] والرسول هنا موسى ﵇؛ لأنه هو الذي أرسل إلى فرعون.
стр. 460
وتكون للذهني إذا كان معلومًا بالذهن، كما يقول القائل لخصمه: اذهب بنا إلى القاضي، أي: قاضي البلد المعهود، وكما في هذه الآية الكريمة، وأمثلتها كثيرة.
وتكون للعهد الحضوري، مثل قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] أي: اليوم الحاضر، ومن ضوابط هذه: أن تأتي بعد اسم الإشارة، مثل: هذا الرجل، هذا اليوم، هذا الأسبوع، فـ "أل" التي تأتي بعد اسم الإشارة للعهد الحضوري؛ لأن اسم الإشارة يدل على شيء حاضر مشار إليه، فتكون "أل" الواقعة بعده للعهد الحضوري.
إذًا: ﴿الرَّسُولَ﴾ يعني: محمدًا ﷺ ؛ وسمي رسولًا لأن الله أرسله، وجعله واسطة بينه وبين عباده في تبليغ شرعه، وإرسال الله إياه أكبر دليل على تزكيته، وأنه أهل لتحمل الرسالة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، فالنبي ﵊ جمع بين الأمانة وبين القوة في إبلاغ الرسالة، ولهذا لا أحد أقوى أمانة منه، ولا أحد أشد صبرًا منه على ما يناله من تبليغ رسالة الله .
قوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾: جملة: ﴿رَأَيْتَ﴾ جواب الشرط في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾.
والتاء في قوله: ﴿رَأَيْتَ﴾ المخاطب بها: إما الرسول، لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ٦٠]؛ لأن السياق كله في خطاب الرسول، ويحتمل أن تكون للعموم، لكن كونها للرسول ﷺ أقرب للسياق.
وقوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ المنافق: