← Тафсир

Тафсир · id 547

تفسير العثيمين: النساء

ابن عثيمين

Полный текст (1 106 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فإن قام فأكرمه، فهنا قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ معناه: أن الأصل في النزاع أنه مرفوع فيما بيننا، وأن الأصل عدم المنازعة، لكن إن حصل النزاع فردوه إلى الله والرسول. ٢٠ - وفي هذا فائدة نضيفها إلى الفوائد السابقة، وهي: الإشارة إلى أنه لا ينبغي النزاع بيننا، بل كل ما أمكن درء هذا النزاع كان هو الأولى. * * * * قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: ٦٠]. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الإستفهام هنا للتعجيب، يعني: ألا تتعجب من هؤلاء، والخطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يجوز أن يكون موجهًا إلى الرسول ﷺ ، ويجوز أن يكون موجهًا لكل مخاطب بهذا الكتاب العزيز، وإذا دار الأمر بين هذا وهذا فالأولى أن يكون محمولًا على العموم، وعلى الأول وهو: أن المخاطب به الرسول ﷺ ، لا يعني أن الأمة لا تخاطب به؛ لأن ما خوطب به الرسول فهو خطاب للأمة، إما عن طريق الأسوة، وإما لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب له ولمن يتبعه في قيادته. فها هنا أمور ثلاثة: أولًا: هل الخطاب عام للرسول ﷺ وللأمة؟ الجواب نقول: إذا لم يكن مانع فهذا هو الأصل وهو الأصح.

стр. 457

ثانيًا: إذا قلنا: هذا خاص بالرسول ﷺ ، فهل هو خاص به، وغيره من الأمة يكون تبعًا له عن طريق الأسوة أو أنه وجه للرسول خطابًا لا حكمًا، بمعنى: أنه لما كان هو القائد الإمام لهذه الأمة وجه إليه الخطاب، والخطاب الموجه للقائد يكون خطابًا له ولمن وراءه؟ الجواب: فيه احتمالان، وإذا لم يوجد مانع فالأصل حمله على العموم، وهنا وجد مانع وهو قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، ومعلوم أنه لم ينزل إلى كل واحد منا وحي، فيكون هذا الخطاب للرسول ﵊، والأمة تبع له، إما عن طريق التأسي أو لأنه القائد، والخطاب للقائد خطاب لمن تبعه، فالكلام باقٍ على القاعدة. وقوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ ﴿يَزْعُمُونَ﴾ أي: يقولون، وهذه المقولة ينظر هل تكون صحيحة أو لا؟ وقوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ كاليهود مثلًا يقولون: نحن نؤمن بما أنزل إليك يا محمد! ونؤمن بالتوراة، والنصارى يقولون: نؤمن بما أنزل إليك ونؤمن بالإنجيل والتوراة. ولم يذكر المنزل في قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾؛ لأنه معلوم، والمعلوم كالمذكور، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] لو قال قائل: من الذي خلق الإنسان؟ لقلنا: الله، فإذا قال: ليس في الآية "وخلق الله الإنسان" فنقول: لأنه معلوم أنه لا خالق إلا الله، فقوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، وهذا معلوم كونًا، وإنزال الوحي معلوم شرعًا؛ لأن الذي ينزل الوحي هو الله .

стр. 458

ولكنهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، هذا هو محل التعجب، يزعمون ذلك وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والطاغوت: كل ما خالف الشرع؛ لأن ما خالف الشرع فهو طغيان، فيريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت. ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي: يكفروا بالطاغوت، والآمر هو الله ، لكنه أتى بصيغة اسم المفعول؛ ليكون هذا الأمر - وإن كان أصله من الله - فهو أيضًا صادر من الرسول ﷺ ومن كل مؤمن، فكل مؤمن يؤمر أن يكون التحاكم إلى الله ورسوله، وأن يكفر الإنسان بالطاغوت. وقوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا﴾ أي: من قبل الله ومن قبل أولياء الله، أن يكفروا به؛ أي: بالطاغوت، وإنما قلنا: إنه من قبل الله ومن قبل أوليائه؛ لأنه نظير قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة] ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم؛ لأن طريقة هؤلاء تغضب الله، وتغضب أولياء الله. وقوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ إذًا: فهم تابعون للشيطان الذي يملي عليهم التحاكم إلى الطاغوت، فالشيطان يريد أن يضلهم ضلالًا بعيدًا؛ أي: بعيدًا عن الحق؛ لأن التحاكم إلى الطاغوت يوجب للإنسان أن يبتعد عن الحق، وأن يعلق قلبه بهذا الطاغوت. مثال ذلك: إذا دعي أحد من الناس إلى القرآن الكريم فيأبى ويقول: لا. بل نتحاكم إلى التوراة أو إلى الإنجيل، أو إلى القانون الفلاني، أو يقول: نتحاكم إلى المحاكم التجارية والقوانين التجارية، وهو يُدعى إلى التحاكم إلى الله ورسوله،

стр. 459

فيقول: لا، نرجع إلى أعراف التجارة ولو كانت تخالف الشرع، فهذا يدخل في هذه الآية (١). * * * * قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ [النساء: ٦١]. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ الضمير يعود إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول ﵊ وما أنزل من قبل، وهم المنافقون من أهل الكتاب. قوله: ﴿تَعَالَوْا﴾ أي: أقبلوا. قوله: ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني: القرآن، ولم يقل: إلى القرآن؛ إشارة إلى بيان منزلته وعلو مرتبته، وهو أنه منزل من عند الله؛ لأن ما نزل من عند الله تقوم به الحجة على كل أحد. قوله: ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾، ولم يقل: إلى قول الرسول؛ لأنهم يدعون إلى الحضور إلى حضرة النبي ﷺ ، ويأتون إليه ليناقشهم ويبين لهم. و"أل" في قوله: ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ للعهد الذهني، وذلك لأن العهود ثلاثة: ذهني، وذكري، وحضوري، فإن كانت "أل" تشير إلى شيء مذكور فالعهد ذكري، مثل قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦] والرسول هنا موسى ﵇؛ لأنه هو الذي أرسل إلى فرعون.

стр. 460

وتكون للذهني إذا كان معلومًا بالذهن، كما يقول القائل لخصمه: اذهب بنا إلى القاضي، أي: قاضي البلد المعهود، وكما في هذه الآية الكريمة، وأمثلتها كثيرة. وتكون للعهد الحضوري، مثل قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] أي: اليوم الحاضر، ومن ضوابط هذه: أن تأتي بعد اسم الإشارة، مثل: هذا الرجل، هذا اليوم، هذا الأسبوع، فـ "أل" التي تأتي بعد اسم الإشارة للعهد الحضوري؛ لأن اسم الإشارة يدل على شيء حاضر مشار إليه، فتكون "أل" الواقعة بعده للعهد الحضوري. إذًا: ﴿الرَّسُولَ﴾ يعني: محمدًا ﷺ ؛ وسمي رسولًا لأن الله أرسله، وجعله واسطة بينه وبين عباده في تبليغ شرعه، وإرسال الله إياه أكبر دليل على تزكيته، وأنه أهل لتحمل الرسالة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، فالنبي ﵊ جمع بين الأمانة وبين القوة في إبلاغ الرسالة، ولهذا لا أحد أقوى أمانة منه، ولا أحد أشد صبرًا منه على ما يناله من تبليغ رسالة الله . قوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾: جملة: ﴿رَأَيْتَ﴾ جواب الشرط في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾. والتاء في قوله: ﴿رَأَيْتَ﴾ المخاطب بها: إما الرسول، لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ٦٠]؛ لأن السياق كله في خطاب الرسول، ويحتمل أن تكون للعموم، لكن كونها للرسول ﷺ أقرب للسياق. وقوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ المنافق:

стр. 461

اسم فاعل من نافق، وهو مأخوذ من نافقاء اليربوع؛ أي: جحره، وجحر اليربوع مبني على الخداع؛ لأن الجربوع أو اليربوع يكيد، فيجعل له بابًا في جحره يدخل منه، ويجعل له بابًا من قشرة الأرض في أقصى الجحر، فإذا زاحمه أحد من الباب المعهود المفتوح؛ خرج من الباب الخفي، فخادع، فلهذا أخذ منه كلمة: "منافق". وقد قيل: إن هذه الكلمة كلمة محدثة شرعية أي: لا يعرف معناها في اللغة بهذا المعنى؛ لأن الجاهلية كلها كفر، ليس فيها إيمان، والمؤمن يكون مؤمنًا فيما بقي من دين إبراهيم ﵊، أو يكون متنصرًا كورقة بن نوفل، أو ما أشبه ذلك، لكن بعد أن ظهر خبث هؤلاء أنهم يظهرون للناس أنهم مؤمنون وهم كافرون جاءت هذه الكلمة. وقوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ هنا نكتة بلاغية، وهي: الإظهار في موضع الإضمار؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ رأيتهم، هذا مقتضى السياق، لكن قال: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ وإذا جاء الإظهار في موضع الإضمار فإن له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: عِلِّيَّة الحكم؛ لأن هذا المظهر يفيد العلة في هذا الشيء، فالعلة في صدهم: هو النفاق. الفائدة الثانية: التسجيل على مرجع الضمير بهذا الوصف؛ أي: أن مرجع الضمير متصف بهذا الوصف - وهو: النفاق - لكن لو قال: ﴿رَأَيْتَ﴾ لم نعرف أنهم كانوا منافقين. الفائدة الثالثة: العموم؛ أي: أنه يعم هؤلاء وغيرهم من

стр. 462

المنافقين، ولو قال: رأيتهم فقط لم يشمل غيرهم. قوله: ﴿يَصُدُّونَ﴾ هذا الفعل يصح أن يكون متعديًا، ويصح أن يكون لازمًا، يقال: صد بنفسه ويقال: صد غيره، فهنا: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ من الأول الذي هو اللازم؛ أي: يعرضون عنك. وقوله: ﴿صُدُودًا﴾ هذا مصدر مؤكد، ويجوز أن يكون مصدرًا نوعيًا، والمصدر المؤكد هو: الذي يؤكد عامله لينتفي المجاز، وذلك لأن الفعل قد يراد به المجاز أي: أنه أسند إلى الفاعل مجازًا، فإذا أكد زال احتمال المجاز، ويحتمل أن يكون مصدرًا نوعيًا أي: أنه صدود عظيم، فهو موصوف بوصف محذوف، والتقدير: صدوا عنك صدودًا عظيمًا، والثاني أبلغ؛ لأنه ينتظم الأول ولا عكس. فهؤلاء - والعياذ بالله! - إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله من القرآن نتحاكم إليه، وإلى الرسول ﷺ لنتحاكم إليه، ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ يعني: رأيتهم في نفاقهم وانغماسهم في النفاق يصدون عنك صدودًا. وهنا قال: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾ ولم يقل: يصدون عن الذي قال لهم؛ لأنهم لا يهمهم من قال لهم، الذي يهمهم ومرادهم هو الرسول ﵊، فقد يصدون عن الرسول ولا يأتون، ولكن لا يصدون عن الذي دعاهم، بل ربما يقابلونه بوجه طلق حسن، لكن يصدون عن الرسول ﷺ ، فلهذا لم يقل: يصدون عنه. * * *

стр. 463

* قال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾ [النساء: ٦٢]. ﴿كَيْفَ﴾ هذه للتعجب، يعني: اعجب لحالهم إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، وهذه المصيبة هي: أن يُطلع على نفاقهم، وعلى ما في صدورهم، وعلى إعراضهم، فإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدوا وأعرضوا ثم اطلع على ذلك، فهذه هي المصيبة، وإنما كانت مصيبة بالنسبة إليهم؛ لأنهم لا يريدون أن يطلع على عوارهم وعلى كفرهم، فهم منافقون، يستترون غاية الإستتار لما يخفون من الكفر، فإذا عثر عليهم صار هذا العثور مصيبة عظيمة. قوله: ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بسبب ما قدمته أيديهم من الكفر والنفاق. قوله: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ أي: جاءوا إلى الرسول ﵊. قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ جملة ﴿يَحْلِفُونَ﴾ حال من الواو فيِ جاءوك؛ أي: "جاءوك متلبسين بهذا الحلف، ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا﴾ ﴿إِنْ﴾ هنا نافية، وقرينة كونها نافية أداة الإستثناء ﴿إِلَّا إِحْسَانًا﴾ أي: ما أردنا إلا إحسانًا، وتأتي "إن" شرطية، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ [الأنفال: ١٩]، وتأتي مخففة من الثقيلة، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] أي: وإنهم كانوا من قبل، وقول الشاعر:

стр. 464

وإن مالك كانت كرامًا معادنه وتأتي زائدة، مثل: بني غدانة ما إن أنتم ذهب ... ولا صريف ولكن أنتم الخزف والرابع: تأتي نافية، كما في هذه الآية: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾. قوله: ﴿إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ الإحسان: أن ينبسطوا إلى المؤمنين، ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤]، وإذا لقوا الذين كفروا قالوا: إنا معكم، فيريدون الإحسان؛ أي: السير بدون عداوة لهؤلاء ولا هؤلاء. ﴿وَتَوْفِيقًا﴾ أي: بين الناس، حيث نثبت لهؤلاء أنا معهم فنوافقهم، وهؤلاء أنا معهم فنوافقهم أيضًا، وهذا - والعياذ بالله - غاية النفاق، يعني: ما أردنا إلا الإحسان، وألا يحصل بيننا تضارب وبين غيرنا؛ لأن هذا لا يحتمله المنافقون، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد بيان ذلك. * * * * قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾ [النساء: ٦٣]. ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبله، وأتى باسم الإشارة الدالة على البعد لانحطاط مرتبتهم؛ وذلك لأن الإشارة بالبعيد قد تكون إشارة إلى البعيد الحسي كما تقول: ذاك فلان بعيد، وقد تكون الإشارة إلى البعيد المعنوي: إما علوًا وإما نزولًا، حسب

стр. 465

مما يقتضيه السياق، فهنا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ هذا نزول. وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] هذا علو، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦]، هذا نزول، فجمعت الآيتان بين العلو والنزول. قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ قال: يعلم، ولم يقل: علم؛ لأن علم الله مستمر سابق وحاضر ولاحق؛ ولهذا أتى بالفعل المضارع الدال على الإستمرار. وقوله: ﴿مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: ما تضمره من النفاق والكفر، يعني: وأما أنتم فلا تعلمون ما في قلوبهم؛ لأنه ليس لنا إلا الظاهر، لكننا نعلمهم بالقرائن، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]؛ أي: إشارة ومفهومًا، وهذا يكون لأهل الفراسة، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا بالله كان أشد فراسة، حتى إن بعض الناس ليقرأ ما في قلب الإنسان من على صفحات وجهه. لذلك نقول: المنافقون لا يعلمهم إلا الله، وهذا الأصل، ولكن ربما نعرفهم في لحن القول، أو بفراسة يعطيها الله تعالى من شاء من عباده. قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يعني: لا تتعب نفسك معهم، ولا تعاملهم معاملة الكافرين فتقاتلهم؛ لأنهم لم يعلنوا بالعداوة، ولهذا لما استؤذن النبي ﷺ في قتل من استؤذن بقتله منهم، قال: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" (١)، وهذا هو عين

стр. 466

الحكمة؛ لأننا لو سلطنا سيوفنا على أمثال هؤلاء لقتلنا عالمًا، وقد يكونون مؤمنين، وإذا كان الرجل المشرك الذي لحقه أسامة ﵁ وأدركه بالسيف قال له النبي ﷺ : "أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ ! " (١) مع أن الظاهر أنه قالها تعوذًا، فإذا كان هذا الرجل عصم دمه بهذه الكلمة فكيف بهؤلاء المنافقين الذين يذكرون الله، ويأتون معنا ويصلون ويتصدقون، فالكف عنهم هو عين الحكمة. قوله: ﴿وَعِظْهُمْ﴾ الموعظة: هي التذكير المقرون بالترغيب والترهيب؛ أي: أن تذكّر الإنسان بما يلزمه من فعل أو ترك مع ترغيب أو ترهيب، ترغيب فيما تأمره به، وترهيب فيما تنهاه عنه. قوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي: قل لهم قولًا يصل إلى قرارة نفوسهم، ولهذا جعل ظرف القول هو النفس، ويحتمل أن يكون المعنى ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: في شأنهم وحالهم قولًا بليغًا يبلغ قلوبهم، والمعنيان لا يتنافيان، وعلى هذا فيكونان جميعًا حقًا؛ أي: قل لهم في شأنهم وفي أنفسهم بأنكم فعلتم كذا وفعلتم كذا، أو قل لهم قولًا في النفس يصل إلى النفوس، وإلى قرارة القلوب. وقوله: ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي: ذا بلاغة، أو بليغًا بمعنى بالغًا

стр. 467

غايته، وكلاهما صحيح؛ لأن القول كلما كان بليغًا كان أشد تأثيرًا؛ ولهذا جاء في الحديث: "إن من البيان لسحرًا، وإن من الشعر لحكمة" (١)، وكم من إنسان يعبر عن المعنى بعبارة بليغة غاية في البيان والفصاحة فيؤثر، ثم يأتي إنسان آخر يعبر عن هذا المعنى نفسه ولكن لا يؤثر شيئًا؛ بسبب عدم البلاغة، ولهذا من نعمة الله على العبد أن يعطيه الله بلاغة وفصاحة حتى يستطيع أن يعبر عما في نفسه فيكون مؤثرًا على غيره، وضد ذلك: من لم يكن بليغًا. والبلاغة صارت فنًا مستقلًا، ألف فيه العلماء كتبًا، وهي فن لذيذ جدًا. لأنه مفيد من وجه، وله ذوق طيب من وجه آخر. فهذه الآيات نزلت في قوم منافقين، يزعمون أنهم مؤمنون بالله ورسوله، وليسوا كذلك. من فوائد الآيات الكريمات: ١ - التعجب من هذه الحال الشاذة، وتؤخذ من الإستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؛ لأن المراد بذلك التعجيب يعني: أن نتعجب من حاله. ٢ - أن الإنسان قد يدعي ما ليس صادقًا فيه، لقوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. ٣ - وجوب الإيمان بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من

стр. 468

قبل، لقوله: ﴿أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، وهذا يدل على أن الإيمان بما أنزل من قبله يساوي الإيمان بما أنزل إليه، وإن كان يخالفه من حيث المنهاج والشرعة كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وإلا فأصل الأديان واحد من حيث الإيمان والمعتقدات، لكنه يختلف في الشرعة والمنهاج؛ لأن الله حكيم يشرع لكل أمة ما يناسبها، وما تقتضيه حالها من الصلاح والإصلاح. ٤ - كمال الإسلام والمتمسكين به؛ لأن الإسلام يأمر الناس بالإيمان بكل ما أنزل الله، والمتمسكون به كذلك يؤمنون بكل ما أنزل الله، فالذين اعتنقوا غير الإسلام -كاليهود والنصارى - لا يؤمنون بكل ما أنزل الله، أما السابقون منهم فإنما يؤمنون به إيمانًا حكميًا، يعني: يؤمنون بما تأخر عن شرائعهم إيمانًا حكميًا؛ لأنهم لم يدركوه، ولكنهم يؤمنون به، يعني: أن المؤمنين بموسى في وقته، والمؤمنين بعيسى في وقته يؤمنون بالقرآن؛ لأنهم يجدون الرسول مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، لكنه إيمان حكمي، أما إيمان المسلمين بالقرآن وبالشرائع السابقة فهو إيمان حقيقي؛ لأن دين الإسلام هو المتأخر. ٥ - إثبات علو الله، وتؤخذ من ذكر الإنزال، وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف والعقل الصريح والفطرة، وهذا شيء معلوم، والحمد لله. ٦ - أن التحاكم إلى غير الله ورسوله تحاكم إلى الطاغوت، لقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾. مسألة: إذا كان هناك بلد لا يحكم بالشريعة وإنما يحكم بالقانون، فهل لنا أن نتحاكم إليه؟

стр. 469

الجواب: نقول: أولًا: إذا لم يكن ضرورة؛ فإننا لا نتحاكم إليه، يعني: إذا أمكن الإصلاح لا نتحاكم، وإذا لم يمكن الإصلاح ننظر، هل هناك أحد نختاره ليكون حكمًا بيننا، إن وجدنا لم يجز أن نتحاكم إلى هذه المحاكم، وإذا لم نجد فهنا نتحاكم، لا بنية أن نقبل بكل ما حكموا به، ولكن بنية أن نقبل ما وافق الشرع؛ لأن هذا أمر ضروري، وإلا لضاعت الحقوق، وليست الحقوق عشرة ريال أو عشرين ريالًا، فقط، لكن ربما تكون أملاكًا وعقارات، فإن لم يتحاكم إلى هؤلاء فإنه يضيع حقه، فهنا نقول: يجوز أن تتحاكم لا بنية قبول حكمهم، ولكن بنية قبول ما وافق الشرع، لكن بعد مقدمتين: الأولى: محاولة الإصلاح. الثانية: التحاكم إلى رجل يحكم بشريعة الله، فإذا لم يمكن فلا تُضيع الحقوق، وهذا المحامي الذي يريد أن يتحاكم إلى محكمة غير شرعية، نقول: إذا كان من نيته أنه لو حكم بغير الشرع لم يقبل فلا بأس، أما إذا كان من نيته أن يحكم له بما يريد سواء ما وافق الشرع أم لا فهذا حرام، حتى ولو كان في محاكم شرعية. ولو جاء محامٍ جيد فصيح في المدافعة والدعوى، وأراد أن يحامي عن شخص حتى عند محكمة شرعية، وهو يريد أن يصل إلى مراده لا إلى مراد الله ورسوله، لكان هذا حرامًا، ولا شك في هذا، وذلك أن من الناس من يكون عنده قوة إقناع في الدعوى أو في المدافعة، فإذا جلس إلى القاضي مع شخص هادئ أكله بثيابه؛ والقاضي يقضي بما يسمع، كما قال النبي عليه

стр. 470

الصلاة والسلام، وهذه: قاعدة في كل المحامين الذي يحامون يريدون أن يصلوا إلى مرادهم دون مراد الله ورسوله، فهؤلاء: لا يحل لهم أن يسلكوا هذا الطريق. ٧ - أن التحاكم إلى غير الله ورسوله كفر، وتؤخذ من تكذيبهم دعوى الإيمان في قوله: ﴿يَزْعُمُونَ﴾؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين ما أرادوا التحاكم إلى الله ورسوله. ٨ - أنه إذا كانت إرادة التحاكم إلى الطاغوت مخرجة من الإسلام فالتحاكم إليه فعلًا من باب أولى، فمن كان يهوى ويريد أن يكون التحاكم إلى الطاغوت - وإن لم يتحاكم إليه - فإنه ليس بمؤمن، فكيف بمن حقق هذه الإرادة وتحاكم إلى الطاغوت فعلًا؛ ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥] قيود عظيمة ومؤكدة. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فهذه جملة مؤكدة بقسم، وبحرف زائد لفظًا، فالقسم "ورب"، والحرف الزائد: "لَا"؛ لأن هذه ليست نافية، ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ وهذا الفعل، ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ أي: لا يجدوا ضيقًا فيما قضيت. الثالث: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: تسليمًا كاملًا بدون تردد، والإنسان قد يجد في نفسه حرجًا من الحكم الشرعي، وقد لا يجد، لكنه لا يؤمن حتى ينتفي عنه الحرج، وحتى يسلم تسليمًا. ٩ - أننا مأمورون بأن نكفر بالطاغوت، لقوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، ولا يتم إيماننا إلا بالكفر

стр. 471

بالطاغوت؛ لقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فلا بد من الكفر بالطاغوت، وإلا لم يصح الإيمان بالله. ١٠ - أن للشيطان إرادة، وتؤخذ من قوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾، فله إرادة بل وله أمر، وتؤخذ من قوله أيضًا: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، فهو يريد ويأمر. فهل يمكن أن نرد هذه الإرادة وهذا الأمر؟ الجواب: نعم، نردها بالإستعاذة بالله منه؛ لأن الله سبحانه يقول: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، والنبي ﵊ لما اشتكى إليه الصحابة ما يجدون في نفوسهم من الخواطر الرديئة، قال: "من وجد ذلك فليستعذ بالله ولينته" (١) فهذا هو العصمة منه. ١١ - أن الشيطان يريد من بني آدم أن يَضلوا ضلالًا بعيدًا، وليس ضلالًا قريبًا، لقوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، ولكن لا نظن أن الشيطان يأمر بالضلال البعيد من أول وهلة؟ بل يأمر بالتدرج، فيأمر أولًا بالفسوق والمعاصي الصغيرة، ثم بالكبائر، ثم بالكفر، نسأل الله أن يعيذنا منه. ولهذا قال العلماء: إن المعاصي بريد الكفر، والبريد: مسافة معينة، مقدارها ثلاثة فراسخ، وكانوا فيما سبق ليس عندهم

стр. 472

طائرات ولا هواتف، فكانوا يوصلون الرسائل في وقت قصير بحيث كانوا يجعلون مسافة بريد، يأخذ الفارس الرسائل من هذه النقطة، ثم يعدوا بفرسه إلى غاية البريد، وإذا بفارس آخر ينتظر فيأخذ الرسالة ويسير بها إلى بريد، وهكذا حتى يصل بها إلى الغاية، هذا وجه قوله: بريد. المهم أن العلماء يقولون: إن المعاصي بريد الكفر، والشيطان يتدرج بالإنسان شيئًا فشيئًا حتى يهلكه. ١٢ - أن الله تعالى لا يخفى عليه ما في الصدور، لقوله: ﴿يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾. ١٣ - أن الإنسان مؤاخذ على كسب القلب، ولا يعارض هذا قول النبي ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم" (١)؛ لأن حديث النفس ليس فيه استقرار، يعني: أن الإنسان يحدث نفسه لكن لا يستقر، فإن استقر صار عملًا. ولهذا قال العلماء: للقلب عمل، وللنفس حديث، فعمل القلب هو أن يستقر على الشيء ويأخذ به، والذي توعد الله عليه في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾. هو: عمل القلب؛ لأن الإنسان يعمل بقلبه؛ أي: يطمئن للشيء الذي حدثته به نفسه.

стр. 473

١٤ - وجوب الإعراض حيث لا ينفع الكلام، لقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية منسوخة بآيات الجهاد وليس كذلك، فآيات الجهاد في شيء، وهذه في شيء آخر، فهذه في مجادلة المنافقين، والمنافقون لا يمكن أن يجاهدوا بالسلاح؛ لأنهم يظهرون أنهم مسلمون، ولا يمكن أن يجاهدوا إلا بالعلم والبيان، فإذا بينا لهم ولكن استمروا في الجدال فإننا نعرض عنهم. ولهذا قال الإمام مالك ﵀: "إذا أتاك مجادل فبين له السنة ولا تجادله" لأنك إذا بينت له السنة جعلت الحجة عليه بين يديه، فإن جادل فإنه يجادل الله لا يجادلك أنت، فبين له السنة ولا تجادل فيها؛ لأن الواجب على من تبينت له السنة أن يقبل بدون جدال. ١٥ - أنه إذا أعرض الإنسان عن هؤلاء المنافقين وأمثالهم فإنه لا يتركهم بدون موعظة، بل يعظهم لعلهم ينتفعون، لقوله: ﴿وَعِظْهُمْ﴾ وقد سبق لنا معنى الموعظة وأنها: التذكير مقرونًا بالترغيب والترهيب. ١٦ - أنه ينبغي للإنسان إذا تكلم أن يتكلم بكلام بليغ يصل إلى النفس، لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾. ١٧ - أن من آداب المتكلم أن يتجه إلى المخاطب، لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾؛ لأن كلمة ﴿لَهُمْ﴾ تعني: أن يتوجه الإنسان القائل إلى مخاطبه، فلا يتكلم وهو معرض، أو يتكلم وتلقاء وجهه إلى محل آخر، بل إذا أراد أن يتكلم مع شخص في موعظة فليكن اتجاه وجهه إلى هذا الرجل، لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾. * * *

стр. 474

* قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤]. أولًا: الإعراب: ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾، هذه محلها النصب على أنها مفعول به، لكن دخلت عليها ﴿مِنْ﴾ الزائدة لتأكيد العموم، وعليه فنقول في أعرابها: رسول: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. وإذا قيل: في حرف ما إنه زائد فلا يعني: أنه زائد من حيث المعنى، بل هو زائد من حيث الإعراب، أما المعنى فإن جميع الحروف الزائدة يقولون: إنها من أدوات التوكيد، فكل حرف جر زائد فهو من أدوات التوكيد. ثانيًا: قوله: ﴿لِيُطَاعَ﴾ اللام هذه للتعليل وليست للعاقبة؛ لأنه ليس كل رسول يُطاع، ولكن الحكمة من الإرسال هو أن يُطاع، فاللام هنا للتعليل. و﴿إِذْ﴾: ظرف، والظرف لا بد له من متعلق، وهي متعلقة بقوله: ﴿جَاءُوكَ﴾. وقوله: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿جَاءُوكَ﴾، وقوله: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ معطوفة عليها أيضًا. ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ﴾ اللام واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾، وعلى هذا فيكون جواب لو هو قوله: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ﴾. قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا﴾ ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى،

стр. 475

وليست ظرفًا للمستقبل، وتأتي ﴿إِذْ﴾ للتعليل لا ظرفية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ [الزخرف: ٣٩] يعني: لأنكم ظلمتم، وتقول: أتيتك إذ أتيتني، وإن كان وقت الإتيان الثاني غير وقت الإتيان الأول، لكن ﴿إِذْ﴾ هنا تكون للتعليل. وفي الإعراب أيضًا: ﴿لَوْ﴾ يقولون: إنها مختصة بالأفعال، وهنا دخلت على ﴿أَنْ﴾ فما هو الجواب على هذا القاعدة التي تقول: إن ﴿لَوْ﴾ مختصة بالأفعال مع أنها هنا لم تدخل على فعل؟ والجواب: نقول: إن الفعل محذوف، والتقدير: ولو ثبت أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك. أما ﴿جَاءُوكَ﴾ فهي جواب لو. وقوله: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ﴾ اللام أيضًا واقعة في جواب الشرط. ثانيًا المعنى: يقول الله : إنه ما أرسل من رسول إلا ليطاع بإذن الله، ولم يرسل الرسل من أجل أن يُكذبوا ويُؤذوا، وإن كانت العاقبة قد تكون التكذيب والإيذاء، لكن الأصل في إرسال الرسل هو طاعتهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، يعني: هذا هو الأصل في خلق الجن والإنس، أنهم خلقوا للعبادة لا للهو واللعب، ولكن هذا ليس متحققًا في كل واحد من البشر، وكل واحد من الجن. إذًا: هذه الآية كالتي في سورة الذاريات، لكن التي في سورة الذاريات تتعلق بشهادة أن لا إله إلا الله، وهذه تتعلق

стр. 476

بشهادة أن محمدًا رسول الله، وهذه في الرسالة وتلك في التوحيد، فالرسل ما أرسلوا إلا ليُطاعوا، لا ليُكذبوا ويُؤذوا ويُقتلوا؛ لأن من الرسل من كُذب، وأُوذي، وقُتل، ومن الرسل من أُطيع. قول ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إذنُ الله تعالى ينقسم إلى قسمين: إذن كوني، وشرعي، والمراد به هنا الشرعي، ويحتمل أنه الكوني، يعني: ليطاع إذا أذن الله تعالى بذلك كونًا، ومن الرسل الذين أرسلوا ليطاعوا محمد ﷺ ، ولهذا فرَّع عليه قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾، يعني: لو أنهم حين ظلموا أنفسهم جاءوك، يعني: جاءوك في حال ظلم أنفسهم، وذلك فيما وقع بينهم من خصومة فتحاكموا إلى غير الرسول ﷺ ، فلو أنهم حين حصلت منهم هذه المظلمة جاءوا إلى الرسول ﵊: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. وقوله: ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾ يعني: حين ظلموا أنفسهم، وذلك بما وقع بينهم من نزاع وخصومة. قوله: ﴿جَاءُوكَ﴾ أي: جاءوا إلى الرسول ﵊، ومن المعلوم أن المراد جاءوك في حال حياتك، ويدل لهذا قوله: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾؛ لأنه بعد موته لا يمكن أن يستغفر لهم؛ إذ أن عمله انقطع بموته، كما قال النبي ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عمله ... " (١).

стр. 477

قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ أي: عما وقع منهم من ظلم. قوله: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُول﴾ تأكيدًا لذلك. وقوله: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ فيه إظهار في موطن الإضمار، والأصل "واستغفرت لهم"، لكنه أظهر موضع الإضمار تنبيهًا على أن النبي ﷺ رسول، وأن استغفار الرسول ﷺ له مزية على غيره، إذ أن دعوة الرسول مستجابة، فلهذا أتى بوصف الرسالة دون الضمير الذي هو في الأصل في هذا المكان. قوله: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾، اللام واقعة في جواب لو، و ﴿جَاءُوكَ﴾ هي خبر "أن"، والتقدير ولو أنهم جاءوك حين ظلموا أنفسهم فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول. وقوله: ﴿تَوَّابًا﴾ التواب من أسماء الله سبحانه. وتوبة الله تعالى تنقسم إلى قسمين: توبة بمعنى التوفيق للتوبة، وتوبة بمعنى قبول التوبة. فمن الأولى قول الله ﵎: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، فمعنى ﴿تَابَ عَلَيْهِمْ﴾: وفقهم للتوبة، وقدرها لهم. وأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] فهو دليل على أن التواب يأتي بمعنى قابل التوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]. إذًا: فالتواب من أسماء الله، وله معنيان: الأول: الموفق للتوبة. والثاني: القابل للتوبة.

стр. 478

وقوله: ﴿رَحِيمًا﴾ هو أيضًا من أسماء الله، فمن أسماء الله تعالى الرحيم. ورحمة الله تعالى تنقسم إلى قسمين: عامة، وخاصة. فالعامة: هي الشاملة لجميع الخلق، وهي تكون للمؤمن وللكافر، وللبر والفاجر، ولكنها في الدنيا فقط. وأما الخاصة فهي خاصة بالمؤمنين، لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] وهي تكون في الدنيا، وفي الدين أيضًا. ثم اعلم أن رحمة الله تعالى وصف من أوصافه الثابتة له على وجه الحقيقة، وليست كما يزعم أهل التعطيل، بمعنى إرادة الإحسان، أو الإحسان، لأن أهل التعطيل لا يؤمنون بأن الله له رحمة، ويقولون: كل ما ورد في الرحمة: فالمراد به الإحسان، أو إرادة الإحسان؛ لأنهم ظنوا أن الرحمة التي أثبتها الله تعالى لنفسه هي كرحمة المخلوق، فقالوا: إن الرحمة فيها نوع عطف وانفعال نفسي ورقة، وهذه لا تليق بالله. فيقال لهم: هذه المعاني التي زعمتموها خاصة برحمة المخلوق، أما الخالق فهو رحيم مع قوته وقدرته، على أن دعواكم أن الرحمة رقة ولين وعطف دعوى كاذبة، فإنه قد يوجد سلطان قوي ذو جبروت وربما يكون له رحمة، لكن من أجل تصورهم أن الرحمة التي أثبتها لنفسه هي كرحمة المخلوق أنكروا ذلك، وقالوا: لا يمكن أن يكون لله رحمة. ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀ في كتابه "الفتوى الحموية" قال: كل معطل فهو ممثل، وقد يستغرب هذا، كيف

стр. 479

يعطل ونقول: إنه ممثَّل؟ ! لأنه إنما عطل بناءً على التمثيل، وبناءً على أنه إذا أثبت فقد مثل، فيكون مثَّل أولًا وعطل ثانيًا. مثاله: صفة الرحمة. ومثال آخر: الوجه، قالوا: لا يمكن أن يكون لله وجه؛ لأنه لو كان له وجه للزم أن يكون مماثلًا للمخلوق، وهذا مستحيل. فنقول: أنتم مثلتم أولًا، وعطلتم ثانيًا. من فوائد الآية الكريمة: ١ - إثبات الحكمة لله في إرسال الرسل، لقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ٢ - ثبوت قيام الأفعال الإختيارية لله ، بمعنى: أنه تتجدد له الأفعال الإختيارية حسب المفعولات، وتؤخذ من قوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾؛ لأن إرسال الرسل يتجدد، فأولهم نوح وآخرهم محمد ﷺ . ٣ - إثبات تعليل أفعال الله، ويؤخذ من قوله: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، أن أفعال الله وأحكام الله معللة، لكن العلة قد تكون معلومة لنا، وقد تكون مجهولة لنا، إما على سبيل العموم، وإما على سبيل الخصوص، ومعنى قولنا: إما على سبيل العموم؛ أي: أنها تكون مجهولة لكل البشر، والخصوص تكون مجهولة لبعض الناس دون بعض، وإلا فنعلم أن جميع أفعال الله وأحكامه كلها معللة، ومربوطة بعلل وحكم وأسرار، ولكن بعضها معلوم للخلق، وبعضها غير معلوم، فلو قال قائل: لماذا كانت صلاة الظهر أربعًا؟ ولماذا لم تكن اثنتين أو ستًا؟ فنقول: الله أعلم، ولا أحد من البشر يعلم.

стр. 480

ولو قال قائل: لماذا كان لحم الإبل ناقضًا للوضوء؟ فالجواب: من العلماء من يقول: الله أعلم؛ لأنه لا يدري عنه، ويقول: هذا تعبدي علينا أن نتعبد لله به، وأن نتوضأ إذا أكلنا لحم الإبل، ولا نسأل. ومن العلماء من يقول: بل هذا معلل بعلة وهي: لما للإبل من القوة والشيطنة، فإذا أكل الإنسان من هذا اللحم تأثر به، فيتوضأ من أجل أن تهبط هذه القوة التي حصلت له بأكل لحم الإبل، ولهذا أمر الإنسان إذا غضب أن يتوضأ ليطفئ الوضوءُ حرارة الغضب. وهكذا أيضًا الصلاة في أعطان الإبل، بعض العلماء فَهِمَ الحكمة، وبعضهم لم يفهم الحكمة. وربما يختلف العلماء في العلة، فالنهي عن الصلاة في المقبرة قال بعض العلماء: العلة فيه: أنه يختلط تراب المقبرة بصديد الموتى وما فيه من النجاسات، وقال بعض العلماء: بل العلة: خوف الشرك، والثاني قطعًا أصح: أولًا: لأنه ليس كل مقبرة تكون منبوشة. وثانيًا: أن الأصل الطهارة. فالمهم: أن جميع أفعال الله وأحكامه كلها معللة، لكن منها ما هو معلوم العلة، ومنها ما لا يعلم، ومنها ما يعلمه بعض الناس دون بعض. ٤ - أن الحكمة الشرعية قد يتخلف الحكم فيها، وتؤخذ من قوله: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾، فهذه الحكمة الشرعية في إرسال الرسل، لكن قد تتخلف، كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا

стр. 481

لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] هذه الحكمة الشرعية، وقد تتخلف. ٥ - ثبوت الإذن لله ، لقوله: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، والإذن نوعان: شرعي، وكوني، فمن الأول قوله ﵎: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] أي: شرعًا ولا يصح قدرًا؛ لأنه وقع، فقد أذن الله به قدرًا، لكن لم يأذن به شرعًا. ومن ذلك أيضًا قول الله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] أي: أذن لكم شرعًا. وأما الإذن الكوني فكثير، مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ٦ - أنه يجب على الإنسان أن يبادر بالتوبة والإستغفار، لقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾. ٧ - أنه يشرع لمن ظلم نفسه في المخاصمة والمحاكمة أن يأتي إلى الرسول ﷺ ليستغفر الله ويطلب من الرسول أن يستغفر الله له؛ وذلك لأن الرسول ﵊ له الحكم وإليه التحاكم، فمن المشروع أن يأتوا إلى الرسول ويستغفروا الله عنده ويستغفر لهم الرسول ﵊. ٨ - أن الإنسان إذا ظلم نفسه لا يجوز له أن يذهب إلى قبر النبي ﷺ ليستغفر الله عنده؛ لأن الآية المراد بها في حياته، لكن مع ذلك استدل بها أهل الغلو على أن الإنسان ينبغي له إذا أذنب ذنبًا أن يأتي إلى القبر النبوي فيستغفر الله، ويستغفر له الرسول ﷺ ، واستدلوا لذلك بقصة مكذوبة وهي: أن رجلًا

стр. 482

أعرابيًا جاء إلى قبر النبي ﵊ وأنشد: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... ........................ إلى آخر البيتين، فلما نام رأى النبي ﷺ ، وقال له: إن الله قد غفر لك. وهذه قصة مكذوبة (١)، والآية تدل على بطلان هذا القول؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا﴾ و ﴿إِذْ﴾ للماضي، ولو قال: إذا ظلموا ربما يكون فيها شبهة، على أنه لو قال: إذا ظلموا لم يكن فيها دليل؛ لأن قوله: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ يمنع أن يكون ذلك بعد موته قطعًا، إذ أن الرسول ﷺ لا يمكن أن يستغفر لهم بعد موته. وقال بعضهم: إذا كان الله يرد إلى نبيه ﷺ روحه ليرد السلام، وكذلك أن الأنبياء ليسوا بموتى في قبورهم فلذلك ندعوهم سواء في حياتهم أو في مماتهم. والجواب: أن هذا من أمور الغيب، يقتصر فيها على ما ذكرنا، فنقول: إن الله يرد روح الرسول ﷺ ويرد السلام، لكن لا نتجاوز هذا، وإلا لقلنا له: كيف أصبحت اليوم؟ ! وما أشبه ذلك. ثم الحياة البرزخية غير الحياة الدنيوية، حتى الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] لكن حياة البرزخ غير حياة الدنيا، وإلا لقلنا: إن الصحابة ﵃ جنوا

стр. 483

جناية عظيمة على الرسول ﷺ حيث دفنوه وهو حي. ٩ - أن من تاب واستغفر بصدق وإخلاص فإنه سيجد التوبة والرحمة، لقوله: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾، ولا يستثنى من ذلك ذنب، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، وهذه آية عامة، تشمل كل الذنوب، وهناك آية مفصلة وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] رءوس الذنوب العظيمة ذكرها الله في قوله: ﴿لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَر﴾ [الفرقان: ٦٨] هذا الشرك. قوله: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] هذا العدوان على الناس، وهو أعظم العدوان الجسدي. وقوله: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] هذا العدوان على العرض. ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. ويشمل هذا المنافقين أيضًا للعموم، ولقوله تعالى في المنافقين خاصة: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦]. ١٠ - انتفاع الإنسان بدعاء غيره، ولا يؤخذ من الآية طلب الدعاء من الغير، بأن تقول: يا فلان! استغفر الله لي، وذلك لأنه ليس في الآية أنهم طلبوا من الرسول أن يستغفر لهم، لكن في الآية

стр. 484

أنهم استغفروا الله واستغفر لهم الرسول، ولم يُذكر في الآية الطلب. ومعلوم أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره، فها هو النبي ﵊ قال للصحابة: "إنكم إذا قلتم ذلك - أي: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض" (١)، وكذلك ذكر الله عن المؤمنين أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، وكذلك المسلمون يصلون على موتاهم، ويقولون: اللهم اغفر له وارحمه، وهذا محل إجماع، أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره. ولكن هل يسأل غيره أن يدعو له؟ الجواب: هذا محل خلاف، فمن العلماء من قال: لا بأس أن يسأل الرجل الصالح أن يدعو له، واستدلوا بأن النبي ﵊ كان يأتيه الرجل ويقول: يا رسول الله! ادع الله أن يغيثنا، فيدعو، وربما يسأل النبي ﷺ أن يدعو الله له بالمغفرة، فيدعو له، وبأن الصحابة ﵃ توسلوا إلى الله تعالى في طلب السقيا بالعباس بن عبد المطلب (٢)، وبأن النبي ﷺ أمر من أدرك أويسًا القرني أن يطلب منه الدعاء، وبأن النبي ﷺ قال لعمر: "لا تنسنا يا أخي من دعائك" (٣) ولكن كل هذه ليس فيها دليل.

стр. 485

أما طلب الإنسان من النبي ﷺ أن يدعو له فهذا خاص به، ولهذا لم ينقل إن أحدًا جاء إلى أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي ﵃ يقول: ادع الله لي. وأما الإستسقاء بالعباس فلأن عمر ﵁ قال: "قم يا عباس! ادع الله لنا" (١)، وإنما طلبه أن يدعو لعموم المسلمين، ولا حرج أن تأتي إلى شخص تؤمل فيه الخير وإجابة الدعوة فتقول: ادع الله للمسلمين أن يغيثهم؛ لأنك لم تدع لنفسك. وأما أويس القرني فهو خاص به، ولهذا نحن نعلم علم اليقين أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وفقهاء الصحابة ﵃ أفضل منه، ومع ذلك لم يأمر النبي ﵊ أحدًا ويقول: اطلبوا من هؤلاء أن يدعو لكم، لكن هذا خاص به فقط. وعلى هذا فالأفضل ألا تسأل من أحد أن يدعو لك، لكن قيد شيخ الإسلام ﵀ هذا بما إذا قصدت نفعك الخاص، أما إذا قصدت نفع أخيك بثوابه على دعائه لك وثوابه على دعاء الملك له، فإن من دعا لأخيه بظاهر الغيب قال له الملك: آمين، ولك بمثله، أو ولك مثله، قال: إنه إذا قصد هذا، فقد قصد الإحسان إلى أخيه، فيكون غير داخل في المسألة المذمومة. * * * * قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) (٢) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ

стр. 486

﴿اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾ [النساء: ٦٥، ٦٦]. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ﴾ وذلك لأنهم يكرهون ما يؤلمهم ويؤذيهم في الدنيا، ولا يهمهم إذ كفوا هذا الأمر أن يكونوا طائعين أو عاصين. وقوله: ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لا يراد به أن يقتل الإنسان نفسه، بل يراد به أن يقتل أخاه؛ لأن أخا الإنسان بمنزلة نفسه، ودليل ذلك قوله ﵎: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]، ومعلوم أن الإنسان لا يلمز نفسه وإنما يلمز أخاه. وقوله: ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ هذه أيضًا من الأمور المكروهة للنفوس، أن يخرج الإنسان من بلده، ، يدع وطنه الذي عاش فيه، ويدع أملاكه، ويدع الأرض التي كان يعرفها، فإن ذلك من أكره ما يكون على النفوس، وهو شاق عليها، فلو فرضنا عليهم ذلك ما انقادوا إلا قليل منهم، كما قال: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ وذلك لإثارتهم الدنيا على الآخرة. وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ هذا استثناء، والقليل ما دون النصف، والكثير: النصف فما فوق، لكن يقال لما فوق النصف: إنه أكثر، ويقال لما دونه: إنه الأقل. وقوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ فيها قراءتان: "قليلًا" و"قليل"، والإستثناء هنا تام منفي يجوز فيه الوجهان: النصب على الإستثناء، أو الإتباع على ما قبله. قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ يعني: لو أن هؤلاء الذين تحاكموا إلى غير الرسول ﵊، وأمروا أن يتحاكموا إلى

стр. 487

الرسول، لو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم، والذي يوعظون به هو الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . قوله: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في الحال، وفي المآل. ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ يعني: أشد ثباتًا على الحق؛ لأن الإنسان كلما ازداد طاعة لله ازداد إيمانًا ويقينًا وثباتًا. من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان ضعف الإنسان، وأنه لا يستطيع أن يتحمل كل ما أمر به إذا كان لا يلائمه، لا سيما مع ضعف الإيمان، خصوصًا إذا قلنا: إن هذه الآية نزلت في المنافقين. ٢ - أن قتل الناس بعضهم بعضًا من أشق ما يكون على النفوس. ٣ - أن الإخراج من الديار هو من الشاق على النفوس؛ لأن الله تعالى ضربه هنا مثلًا: ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾. ٤ - أن الناجي من العباد قليل، لقوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ ففتش نفسك هل أنت من هؤلاء القليل أو من الكثير؟ ! وهذا الحكم يشهد له ما ثبت في الصحيحين وغيرهما: "أن الله سبحانه ينادي يوم القيامة: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فيقول الله له: اخرج من ذريتك بعث النار، فيقول: يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون" يعني: واحد من ألف من أهل الجنة، والباقون من بني آدم في النار "فعظم ذلك على الصحابة، وقالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الواحد؟ فقال: أبشروا فإن منكم رجلًا ومن يأجوج ومأجوج ألفًا، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، وثلث أهل الجنة،

стр. 488

وشطر أهل الجنة، ففرح الصحابة بذلك وكبروا" (١). وهذا يدل على أن بني آدم القليل منهم هم الذين ينجون من النار، والباقون من أهل النار. ٥ - أن طاعة الله تعالى سبب لكل خير، لقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. ٦ - أن الأحكام الشرعية مواعظ، ولهذا سمى الله القرآن موعظة، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧]. ووجه كون الأوامر والنواهي موعظة: أن الإنسان يتعظ بها فيمتثل الأمر ويجتنب النهي، وكثير من الناس لا يفهم من كلمة موعظة إلا ما كان مقرونًا بالترغيب أو الترهيب، وهذا ليس بشرط. ٧ - تفاضل المنازل بين العباد، لقوله: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾. ٨ - أن الثبات على الحق يختلف: فمنه الشديد القوي، ومنه الضعيف، ومنه المتوسط، لقوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾. ٩ - الإشارة إلى عظيم ما يحصل في المستقبل، وأن الإنسان يخشى عليه من الزلل إلا أن يثبته الله، لقوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾؛ لأن التثبيت على غير مواطن الزلل لا يذكر، إنما يذكر التثبيت في حال مواطن الزلل، ومعلوم أن الإنسان يرد عليه في

стр. 489

حياته شبهات ويرد عليه شهوات، فالشبهات تدك العلم وتذهبه، والشهوات تدك الإرادة حتى يصبح الإنسان لا يريد إلا ما يهواه فقط، وهذه آفة. فالإنسان يحيط به شيئان: شبهة يزول بها العلم، وشهوة تزول بها الإرادة، فإذا لم يثبته الله بالعلم والإرادة الصادقة والعزيمة الجازمة فإنه يهلك. ١٠ - أن الإيمان يتفاوت؛ لأن قوله: ﴿خَيْرًا﴾ اسم تفضيل، ويقتضي وجود مفضل ومفضل عليه، وهذا هو التفاوت، وكذلك يؤخذ من قوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لأن الإيمان يتفاوت. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ [النساء: ٦٧ - ٦٨]. "إذًا" ظرف للزمن الحاضر، وإذْ للماضي، وإذا للمستقبل، فهذه الأدوات الثلاث تقاسمت الزمان، يعني: وإذًا ﴿لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ لثبناهم على ذلك. وقوله: ﴿لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ آتى بالمد بمعنى: أعطى، فهي من أخوات كسا؛ أي: من العوامل التي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، بخلاف ظن وأخواتها فإنها تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر. مثال ذلك: تقول: زيد قائم، وإذا أدخلت عليها ظن، تقول: ظننت زيدًا قائمًا، وتقول: كسوت زيدًا جبة، فإذا حذفت العامل فلا يستقيم أن تقول: زيد مبتدأ وجبة خبر، ولهذا يفرق بين كسا وأخواتها، وبين ظن وأخواتها.

стр. 490

قوله: ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ من باب كسا، ومفعولها الأول الهاء في قوله: ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ والثاني ﴿أَجْرًا﴾. وقوله: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ﴾ أي: أعطيناهم. قوله ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا. قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا، وسمى الله تعالى الثواب الذي جعله على الأعمال أجرًا، ليتبين للإنسان أن هذا الثواب لا بد من حصوله، كما أنه لا بد من حصول الأجر لمن استأجر بيتًا أو نحوه، فلا بد أن يحصل على الأجرة، والعظيم هنا بمعنى: الكثير، وبمعنى: الشديد، يعني: أنه أجر لا يمكن للإنسان أن يدرك كنهه؛ لأنه عظيم، ووصف الشيء بالعظيم من العظيم يدل على عظمته. قوله: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾، قوله: ﴿صِرَاطًا﴾ فيه قراءتان: بالسين والصاد، سراطًا وصراطًا، و"هَدَى" أيضًا تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول الهاء في قوله: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ﴾ والثاني: ﴿صِرَاطًا﴾. وقوله: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ﴾: الهداية هنا تشمل هداية العلم والإرشاد، وهداية التوفيق والرشاد، وقد سبق أنه إذا عدي العامل بـ ﴿إِلَى﴾ فهو هداية الدلالة والإرشاد، وإذا جرد من حرف الجر شمل هذا وهذا، ولهذا شواهد، فمن شواهد المعدى بـ ﴿إِلَى﴾ قوله تعالى عن نبيه ﷺ ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. ومن شواهد المجرد قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦] وهذه الآية أيضًا: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾.

стр. 491

من فوائد الآيتين الكريمتين: ١ - في هذه الآية دليل على أن الإنسان يثاب ثوابًا آخر غير التثبيت الذي ذكره الله في الآية الأولى، وهو أنه ينال ثوابًا عظيمًا من عند الله ، وكل هذا من أجل الترغيب في فعل ما يوعظ به العبد. ٢ - في هذه الآية دليل على بطلان قول الصوفية الذين يقولون: أعبد الله لله، ولا تعبده لثواب الله، ووجه الدلالة: أنه لولا أن لذكر الثواب تأثيرًا في العمل لكان ذكره عبثًا ولغوًا، فالله لم يذكر الثواب، ويرغب في العمل من أجل الثواب إلا ليبين أن نية الثواب لا تضعف العمل ولا تنافي الإخلاص، وقد وصف الله نبيه محمدًا ﷺ والذين معه بأنهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا فقال تعالى: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩]، وجاء في آية أخرى المدح للذين يبتغون وجه الله، فيكون هذا دليلًا على أنك إن أردت وجه الله فإنك مثاب، وإن أردت ثواب الله فإنك مثاب أيضًا. ٣ - عظم هذا الثواب، من وجهين: الأول: إضافته إلى الله، في قوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾؛ لأن عطاء العظيم عظيم. والثاني: من قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ٤ - أن من فعل ما يوعظ به وأطاع الله ورسوله فإنه يُهدى إلى الحق، وثواب الحسنة الحسنة بعدها. ٥ - أنك إذا أردت سعة العلم وثبوت العلم فعليك

стр. 492

بطاعة الله؛ لأنه كلما اهتدى الإنسان بهداية الله ازداد هدى، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧]. ٦ - يستفاد من قوله: ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أن هناك صراطًا غير مستقيم، والصراط غير المستقيم هو سبيل الكفر، قال الله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، فالسبل التي تميل بالإنسان يمينًا وشمالًا هذه غير مستقيمة، أما صراط الله الذي هو سبيله والموصل إليه فإنه مستقيم. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩]. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. الإعراب: "مَنْ" هذه شرطية، والفعل بعدها مجزوم بها، ودليل الجزم حذف الياء، وأصل ﴿يُطِعِ﴾ يطيع، وحذفت الياء لأنه لما جزم الفعل صار ساكنًا والياء ساكنة، والقاعدة: أنه إذا اجتمع ساكنان فإن كان الأول حرفًا صحيحًا كسر، وإن كان حرف علة حذف. وفي هذا يقول ابن مالك: إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق ... وإن يكن لينًا فحذفه استحق فقوله: وإن يك لينًا يعني: حرف علة، فحذفه استحق يعني: فاحذفه.

стр. 493

وهنا نقول: حذفت الياء؛ لأنها حرف لين، وبعدها ساكن فوجب حذفها. فإن قال قائل: ما بعدها ليس بساكن، بل هو مكسور: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ فالجواب: أن هذه الكسرة عارضة لالتقاء الساكنين. وجواب "من" جملة: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. واقترن جواب الشرط بالفاء لأن جواب الشرط جملة اسمية، وإذا كان جملة اسمية فإنه يجب اقترانه بالفاء، وهناك سبعة مواضع إذا وقعت جوابًا للشرط اقترنت بالفاء. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ﴾ "أولئك" إشارة إلى جمع، مع أن الذي قبلها مفرد، لكن قالوا: إن "من"، و"ما" وأمثالهما صالحة للجمع والمفرد، فهي باعتبار لفظها مفرد، وباعتبار معناها جمع، فيصح أن يعود الضمير إليها أو الإشارة إليها باعتبار اللفظ وباعتبار المعنى، وقد جمع الله تعالى بين ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١] فراعى في الأول اللفظ، وفي الثاني المعنى، وفي الثالث اللفظ أيضًا. وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَعَ﴾ بمعنى "مَنْ" فهل يتعين أن تكون ﴿مَعَ﴾ بمعنى "مَنْ" أو يجوز أن تكون على بابها وهو المصاحبة؟ الجواب: يجوز أن تكون بمعنى "مَنْ"، وأن تكون للمصاحبة على بابها: فقوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إذا كان معهم مصاحبًا لهم فهو منهم، وحينئذ لا نخرج الكلمة عن

стр. 494

معناها الظاهر، ولكن المعنى يئول إلى القول الثاني الذي هو بمعنى "مَنْ". وقوله: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءتان: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بالياء، و"من النبيئين" بالهمزة، و"من" هذه بيانية، والمبهم الذي بُيِّنَ بـ "مِنْ"؟ هو اسم الموصول؛ لأنه مبهم يحتاج إلى بيان، وصلته لا تبينه. قوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ تعود إلى: ﴿النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾، وهنا قال: ﴿رَفِيقًا﴾ مع أن المشار إليه جمع، يقول العلماء: إن ﴿رَفِيقًا﴾ مفرد صالح للجمع والمفرد، يعني: صالح لهذا ولهذا، فتقول: هؤلاء جماعة رفيق هؤلاء الجماعة أو رفقاء هؤلاء الجماعة، ككلمة "جنب" مثلًا، فجنب لفظها مفرد، ولكنها صالحة للجمع، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، ومثل: ﴿الْفُلْكِ﴾ مفرد لكنه صالح للجمع، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٣١]، وأمثال هذا كثير. ويعجبني كلمة قالها ابن عقيل ﵀ وهو من الفقهاء - قال: إن الأحدب الذي حدبته كالراكع ينوي الركوع، كفلك في العربية صالح للمفرد وللجمع، وهكذا الإنحناء من الرجل الأحدب صالح لأن يكون طبيعيًا أو يكون شرعيًا. وعلى كل حال: فإن الإنسان إذا ربط العلوم بعضها مع بعض ينتفع، ويكون عنده قدرة على تأليف الفكر، ولهذا تجد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقرن الأشياء التي تظنها بعيدة لكنها قريبة، ويجمعها أصل واحد.

стр. 495

يقول الله : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الطاعة هي: موافقة الأمر تركًا للمنهي وفعلًا للمأمور، ولهذا نقول: إن من ترك المعصية يعتبر مطيعًا، ومن فعل الواجب فهو مطيع، ولهذا قيل في الطاعة: هي موافقة الأمر أو موافقة المطاع. وقوله: ﴿وَالرَّسُولَ﴾ ولم يقل: "ثم الرسول"؛ لأن أمر الرسول ﷺ من شرع الله، والنبي ﷺ في الشرع لا بأس أن يُقرن مع الله بالواو؛ لأن ما جاء به هو من شرع الله، بخلاف الأمور الكونية فإنه لا يجوز أن يقرن مع الله إلا مقرونًا بثم. ومن فروع هذه القاعدة: قول القائل في الأمور الشرعية: الله ورسوله أعلم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩] ولم يقل: ثم رسوله لأن هذا إيتاء شرعي، فهو من الشرع. أما الأمور القدرية فإن النبي ﷺ لا يملك فيها شيئًا، فلهذا لما قال له الرجل: "ما شاء الله وشئت" قال: "أجعلتني لله ندًا؟ " (١). وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ "أل" في الرسول للعهد، والمراد به محمد ﷺ . وفيها احتمال آخر أن المراد الجنس: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ أي: الذي أرسله سواء كان محمدًا أم غيره، وهذا العموم أقرب. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أتى باسم الإشارة إشارة إلى علو مرتبتهم، ولم يقل فهؤلاء للتنبيه على علو المرتبة.
следующие страницы →