← Тафсир

Тафсир · id 547

تفسير العثيمين: النساء

ابن عثيمين

Полный текст (1 106 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

من فوائد الآيتين الكريمتين: ١ - في هذه الآية دليل على أن الإنسان يثاب ثوابًا آخر غير التثبيت الذي ذكره الله في الآية الأولى، وهو أنه ينال ثوابًا عظيمًا من عند الله ، وكل هذا من أجل الترغيب في فعل ما يوعظ به العبد. ٢ - في هذه الآية دليل على بطلان قول الصوفية الذين يقولون: أعبد الله لله، ولا تعبده لثواب الله، ووجه الدلالة: أنه لولا أن لذكر الثواب تأثيرًا في العمل لكان ذكره عبثًا ولغوًا، فالله لم يذكر الثواب، ويرغب في العمل من أجل الثواب إلا ليبين أن نية الثواب لا تضعف العمل ولا تنافي الإخلاص، وقد وصف الله نبيه محمدًا ﷺ والذين معه بأنهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا فقال تعالى: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩]، وجاء في آية أخرى المدح للذين يبتغون وجه الله، فيكون هذا دليلًا على أنك إن أردت وجه الله فإنك مثاب، وإن أردت ثواب الله فإنك مثاب أيضًا. ٣ - عظم هذا الثواب، من وجهين: الأول: إضافته إلى الله، في قوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾؛ لأن عطاء العظيم عظيم. والثاني: من قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ٤ - أن من فعل ما يوعظ به وأطاع الله ورسوله فإنه يُهدى إلى الحق، وثواب الحسنة الحسنة بعدها. ٥ - أنك إذا أردت سعة العلم وثبوت العلم فعليك

стр. 492

بطاعة الله؛ لأنه كلما اهتدى الإنسان بهداية الله ازداد هدى، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧]. ٦ - يستفاد من قوله: ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أن هناك صراطًا غير مستقيم، والصراط غير المستقيم هو سبيل الكفر، قال الله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، فالسبل التي تميل بالإنسان يمينًا وشمالًا هذه غير مستقيمة، أما صراط الله الذي هو سبيله والموصل إليه فإنه مستقيم. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩]. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. الإعراب: "مَنْ" هذه شرطية، والفعل بعدها مجزوم بها، ودليل الجزم حذف الياء، وأصل ﴿يُطِعِ﴾ يطيع، وحذفت الياء لأنه لما جزم الفعل صار ساكنًا والياء ساكنة، والقاعدة: أنه إذا اجتمع ساكنان فإن كان الأول حرفًا صحيحًا كسر، وإن كان حرف علة حذف. وفي هذا يقول ابن مالك: إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق ... وإن يكن لينًا فحذفه استحق فقوله: وإن يك لينًا يعني: حرف علة، فحذفه استحق يعني: فاحذفه.

стр. 493

وهنا نقول: حذفت الياء؛ لأنها حرف لين، وبعدها ساكن فوجب حذفها. فإن قال قائل: ما بعدها ليس بساكن، بل هو مكسور: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ فالجواب: أن هذه الكسرة عارضة لالتقاء الساكنين. وجواب "من" جملة: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. واقترن جواب الشرط بالفاء لأن جواب الشرط جملة اسمية، وإذا كان جملة اسمية فإنه يجب اقترانه بالفاء، وهناك سبعة مواضع إذا وقعت جوابًا للشرط اقترنت بالفاء. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ﴾ "أولئك" إشارة إلى جمع، مع أن الذي قبلها مفرد، لكن قالوا: إن "من"، و"ما" وأمثالهما صالحة للجمع والمفرد، فهي باعتبار لفظها مفرد، وباعتبار معناها جمع، فيصح أن يعود الضمير إليها أو الإشارة إليها باعتبار اللفظ وباعتبار المعنى، وقد جمع الله تعالى بين ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١] فراعى في الأول اللفظ، وفي الثاني المعنى، وفي الثالث اللفظ أيضًا. وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قال بعض العلماء: إن ﴿مَعَ﴾ بمعنى "مَنْ" فهل يتعين أن تكون ﴿مَعَ﴾ بمعنى "مَنْ" أو يجوز أن تكون على بابها وهو المصاحبة؟ الجواب: يجوز أن تكون بمعنى "مَنْ"، وأن تكون للمصاحبة على بابها: فقوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إذا كان معهم مصاحبًا لهم فهو منهم، وحينئذ لا نخرج الكلمة عن

стр. 494

معناها الظاهر، ولكن المعنى يئول إلى القول الثاني الذي هو بمعنى "مَنْ". وقوله: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءتان: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بالياء، و"من النبيئين" بالهمزة، و"من" هذه بيانية، والمبهم الذي بُيِّنَ بـ "مِنْ"؟ هو اسم الموصول؛ لأنه مبهم يحتاج إلى بيان، وصلته لا تبينه. قوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ تعود إلى: ﴿النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾، وهنا قال: ﴿رَفِيقًا﴾ مع أن المشار إليه جمع، يقول العلماء: إن ﴿رَفِيقًا﴾ مفرد صالح للجمع والمفرد، يعني: صالح لهذا ولهذا، فتقول: هؤلاء جماعة رفيق هؤلاء الجماعة أو رفقاء هؤلاء الجماعة، ككلمة "جنب" مثلًا، فجنب لفظها مفرد، ولكنها صالحة للجمع، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، ومثل: ﴿الْفُلْكِ﴾ مفرد لكنه صالح للجمع، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٣١]، وأمثال هذا كثير. ويعجبني كلمة قالها ابن عقيل ﵀ وهو من الفقهاء - قال: إن الأحدب الذي حدبته كالراكع ينوي الركوع، كفلك في العربية صالح للمفرد وللجمع، وهكذا الإنحناء من الرجل الأحدب صالح لأن يكون طبيعيًا أو يكون شرعيًا. وعلى كل حال: فإن الإنسان إذا ربط العلوم بعضها مع بعض ينتفع، ويكون عنده قدرة على تأليف الفكر، ولهذا تجد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقرن الأشياء التي تظنها بعيدة لكنها قريبة، ويجمعها أصل واحد.

стр. 495

يقول الله : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الطاعة هي: موافقة الأمر تركًا للمنهي وفعلًا للمأمور، ولهذا نقول: إن من ترك المعصية يعتبر مطيعًا، ومن فعل الواجب فهو مطيع، ولهذا قيل في الطاعة: هي موافقة الأمر أو موافقة المطاع. وقوله: ﴿وَالرَّسُولَ﴾ ولم يقل: "ثم الرسول"؛ لأن أمر الرسول ﷺ من شرع الله، والنبي ﷺ في الشرع لا بأس أن يُقرن مع الله بالواو؛ لأن ما جاء به هو من شرع الله، بخلاف الأمور الكونية فإنه لا يجوز أن يقرن مع الله إلا مقرونًا بثم. ومن فروع هذه القاعدة: قول القائل في الأمور الشرعية: الله ورسوله أعلم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩] ولم يقل: ثم رسوله لأن هذا إيتاء شرعي، فهو من الشرع. أما الأمور القدرية فإن النبي ﷺ لا يملك فيها شيئًا، فلهذا لما قال له الرجل: "ما شاء الله وشئت" قال: "أجعلتني لله ندًا؟ " (١). وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ "أل" في الرسول للعهد، والمراد به محمد ﷺ . وفيها احتمال آخر أن المراد الجنس: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ أي: الذي أرسله سواء كان محمدًا أم غيره، وهذا العموم أقرب. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أتى باسم الإشارة إشارة إلى علو مرتبتهم، ولم يقل فهؤلاء للتنبيه على علو المرتبة.

стр. 496

وقوله: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: نعمة الدين والدنيا، وهي النعمة الخاصة. وليعلم أن نعمة الله تعالى تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: النعمة العامة: وتكون للمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمستقيم والفاسق، فهذه هي العامة، ومنها إدرار الرزق على الناس من مطر ونبات، ورخاء وأمن. القسم الثاني: النعمة الخاصة، وهي النعمة التي تكون في الدين والدنيا، وهذه خاصة بالمؤمنين، وهم أصناف أربعة كما قال الله تعالى هنا: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾. وقوله: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ ﴿النَّبِيِّينَ﴾ هنا تشمل الرسل؛ لأن كل رسول فهو نبي، فإذا قيل: ﴿مِنَ النَّبِيِّين﴾ دخل فيهم بالأولى الرسل، ولا شك في هذا، و ﴿النَّبِيِّينَ﴾ قيل: إنهم من أوحي إليهم بشرع ولم يؤمروا بتبليغه، والرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، وهذا هو المشهور عند أهل العلم، وقيل: النبي من أوحي إليه أن يتعبد بشريعة من قبله أو يأتي بما يكملها، فلا بد من سبق رسول عليه. ولكن الصحيح ما ذهب إليه الجمهور، وهو: أن النبي يوحى إليه بالشرع ولكنه لا يكلف ولا يلزم بتبليغه، ومن هؤلاء النبيين الذين لم يرسلوا آدم ﵇، فإن آدم نبي مكلف، ولكنه ليس برسول؛ لأنه أول البشر، فليس هناك أمة حتى يكون رسولًا لها، ولأن الناس الذين خرجوا منه ومن حواء كانوا قليلين لم تفتنهم الدنيا، وكانوا ينظرون إلى أبيهم فيتعبدون بعبادته، فلما

стр. 497

انتشر الناس وكثروا أرسل الله الرسل، ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] وهذا يدل على أن الناس قبل هذا لم يبعث فيهم أنبياء مبشرين ومنذرين، وانما هم أنبياء يتعبدون لله وتتبعهم الأمة. والنبي: مأخوذ من النبأ وهو الخبر، وقيل: من النبوة وهي الرفعة، أما على الأول فظاهر؛ لأن النبي مخبِر ومخبَر، وعلى هذا يكون لفظ النبيئين بالهمز، فعيل بمعنى مفعول وفاعل فهو مُنَبأ وكذلك منبئ. وأما على الياء فتحتمل أن تكون من النبأ، ولكنها حذفت الهمزة تخفيفًا، أو من النبوة وهي الرفعة، لعلو منزلة الأنبياء، ولا شك أن الأنبياء هم أعلى طبقات عباد الله الصالحين، ويدخل في النبيين هنا الرسل؛ لأن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، فقوله: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ يشمل الرسل وهم أفضل من الأنبياء، وهذا هو المتفق عليه بين علماء المسلمين، وأما غلاة الصوفية فقالوا: إن الولي أفضل من النبي، والنبي أفضل من الرسول، قالوا: لأن الولي له الولاية والقرب، والنبي له الإخبار مع البعد، والرسول خادم، وأنشدوا على ذلك العبارة السيئة: مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي إذًا: الولي عندهم يُعد فوقهم وبعيدًا عنهم، ثم يليه مع البعد النبي، ثم الرسول، وليس بين النبي والرسول على زعمهم فرق إلا قليلًا، ولا شك أن هذا ضلال بَيِّن، والعياذ بالله. لأننا نقول: كل رسول نبي، وكل نبي ولي، فأشرف أولياء الله هم النبيون، وأشرف النبيين الرسل بلا شك، فكلامهم باطل.

стр. 498

ثم من يعنون بالأولياء؟ يعنون بالأولياء رءوس الطواغيت وأولياؤهم الذين هم أولياء الشيطان، الذين يريدون منهم أن يعبدوهم، وأن يجعلوهم معصومين من كل ذنب، ومن كل خطأ. وقوله: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ من هذه لبيان المبهم الذي بينته، وهو ﴿مَعَ الَّذِينَ﴾. قوله: ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾: الصديق هو: الذي صدق بالحق وقال بالصدق، بينه قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣] فالصديق هو الذي قال بالصدق، وصدق بالحق. وأفضل الصديقين هو أبو بكر ﵁؛ لأن هذه الأمة أفضل الأمم، وأبو بكر أفضل هذه الأمة، فيكون أفضل الصديقين هو أبو بكر ﵁. قوله: ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ الشهداء: جمع شهيد، واختلف العلماء فيهم: فقيل: إن المراد بالشهداء أهل العلم، لقول الله ﵎: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨]. وقيل: المراد بالشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، لقول الله ﵎: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]. والصحيح: أن الآية عامة؛ لأن العلماء شهداء استشهدهم الله سبحانه على الخلق، فهم يشهدون بالحق ويشهدون على الخلق. وأعلم الناس بصدق الرسل وبشريعة الرسل العلماء،

стр. 499

فيشهدون بالحق الذي جاءت به الرسل ويشهدون على الخلق أن الرسل بلغوهم. ثم نقول أيضًا: هذه الأمة شهداء على الناس عمومًا، لقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] ووجه ذلك: أن هذه الأمة تشهد على أن الرسل جاءوا أقوامهم بالبينات، وأن من هؤلاء الأقوام من كفر ومنهم من آمن؛ لأنه ليس بعد رسول الله ﷺ رسول، فالرسل كلهم قد سبقوا، وقد قص الله علينا من أنبائهم. وقوله: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ هؤلاء أدنى مرتبة ممن قبلهم، لكن من كان قبلهم فهو من الصالحين ولا شك، فهو من باب عطف العام على الخاص، فليس كل صالح يكون صديقًا، وليس كل صالح يكون شهيدًا، وليس كل صالح يكون نبيًا أو رسولًا، لكن كل نبي وكل صديق وكل شهيد فهو صالح، قال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾ [النحل: ١٢٢]. إذًا: الصلاح وصف عام، فيكون عطفه على ما سبق من باب عطف العام على الخاص، والصالح: ضد الفاسد، وهو المطيع لله؛ لأن الفاسد هو: العاصي لله كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦] قال العلماء: أي: لا تفسدوا فيها بالمعاصي، فإن المعاصي سبب للفساد في الأرض، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦] وقال تعالى ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي﴾ [الروم: ٤١].

стр. 500

وعبر بعضهم عن ذلك بقوله: الصالح: من قام بحق الله وحق العباد، وهذا بمعنى الأول؛ لأن المطيع لله لا بد أن يكون قائمًا بحق الله، وحق العباد. والمعية في قوله: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ في الآخرة وفي الدنيا أيضًا؛ لأن كل من اعتنق طريق شخص فهو معه في الواقع، ولهذا يطلق الآل على الأتباع، ويسمون الآل بالنسبة للشخص وهم أتباع قد يكون ليس بينه وبينهم نسب. وهل الصالحون أرفع أو المصلحون؟ الجواب: كل مصلح فهو صالح، والصالح هو: الذي لا يكون فيه نقص في صلاحه؛ لأن من كمال الصلاح الإصلاح، ولهذا قال الله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠]، لم يذكر أنهم أمروا بالمعروف فمن كمال الصلاح الإصلاح، وقد يكون الإنسان صالحًا لكنه لا يهتم بصلاح غيره فلا يكون مصلحًا، وحينئذ نقول: هو صالح ناقص الصلاح. قال الله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ "حسن" فعل ماضٍ لكنه مشرب بمعنى التعجب، فهو بمعنى قول: ما أحسن هؤلاء الرفقاء. وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه هم هؤلاء الأصناف الأربعة، وقوله: ﴿رَفِيقًا﴾ قيل: أنها بمعنى رفقاء، وإنها اسم يستوي فيه الجمع والواحد. وقيل: إن رفيقًا تمييز لـ"حسن"؛ لأنها بمعنى التعجب، لكن الأول أصح؛ أي: حسن هؤلاء رفقاء؛ ولأن رفيقًا صالح للواحد

стр. 501

والجمع، والرفيق هو: المرافق، والمرافق هو: الذي ترتفق به أنسًا ومعونة وانشراحًا، وما أشبه ذلك. ولهذا لا يقال رفيق إلا لمن رافقك وزاملك إما في عمل، أو سفر وإما في غير ذلك. من فوائد الآية الكريمة: ١ - الحث على طاعة الله ورسوله، وجه ذلك: ذكر الثواب؛ لأن ذكر الثواب على فعل الشيء يعني الترغيب فيه، والحث عليه. ٢ - أن طاعة الرسول ﷺ طاعة لله، وجه ذلك: أن من أطاع الرسول استحق الثناء؛ كالذي أطاع الله. ٣ - جواز عطف الرسول على الرب بالواو في الطاعة، وكذلك في المعصية؛ لأن أمر الرسول من أمر الله لقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾؛ ولهذا نقول ما يتعلق بالشرع فإنه لا حرج أن يعطف الإنسان الرسول على الرب بالواو؛ لأن شرع الرسول ﷺ هو شرع الله، انظر إلى هذه الآيات: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩] وهذا إتيان شرعي. أما في الأمور الكونية، فإنه لا أحد يشارك الله تعالى في ربوبيته، فلا بد أن يكون مذكورًا بحرف العطف الدال على الترتيب، ولهذا لما قال رجل للرسول ﷺ : ما شاء الله وشئت، قال: "أجعلتني لله ندًا؟ قل: ما شاء الله وحده" (١).

стр. 502

٤ - أن الذين أُنعم عليهم أربعة أصناف: النبيون، والصديقون، والشهداء، والصالحون، وهذه الآية تفسر آية الفاتحة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة]، فالذين أنعم الله عليهم هم هؤلاء الأصناف الأربعة. ٥ - أن النبي أفضل من الصديق، والصديق أفضل من الشهيد، والشهيد أفضل من الصالح؛ لأن الترتيب هنا ترتيب من الأعلى إلى الأدنى. ٦ - إبطال ما ادعاه الفلاسفة من الصوفية وغيرهم بأن الولي أفضل من النبي والنبي أفضل من الرسول، وقد شرحنا هذه المسألة وبينا أن كل نبي فهو ولي، وكل رسول فهو نبي، وعلى هذا فالرسول نبي ولي، وليس كل ولي نبيًا ولا رسولًا. ٧ - الثناء على هؤلاء الأصناف الأربعة - جعلنا الله منهم - حيث قال : ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾. ٨ - أن الرفقاء يختلفون: منهم رفقاء خير، ومنهم رفقاء شر، لقوله هنا: ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾، وقد حذر النبي ﷺ من رفقاء السوء، وقال: "مثل الجليس السوء كنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة" (١). والكير: جلد يكون طرفه الذي يدخل على محل النار دقيقًا، وأعلاه يكون واسعًا، وفي أعلاه خشبتان ينفتحان، إذا

стр. 503

فتحه امتلأ الهواء، ثم يضمه ويضغط عليه، فإذا ضغط وهو مملوء يذهب إلى النار، فتجد النار مشتدة اللهب. فنافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة، بخلاف الجليس الصالح، فهو كحامل المسك إما أن يبيعك، وإما أن يحذيك، يعني: يعطيك بلا ثمن، وإما أن تجد منه رائحة طيبة. * * * * قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٧٠]. ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما سبق من نعمة الله سبحانه على هؤلاء الأصناف الأربعة، الذين أنعم الله عليهم نعمتين، نعمة في الدنيا والآخرة؛ لأن النعمة، على هؤلاء الأربعة نعمة متصلة من الدنيا إلى الآخرة، بخلاف نعم الله على غيرهم من أشقياء عباد الله؛ فإنها نعمة في الدنيا خسارة في الآخرة. قوله تعالى: ﴿الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ الفضل يحتمل أن يكون صفة، أو عطف بيان لـ ﴿ذَلِكَ﴾، ويحتمل أن يكون خبر المبتدأ، ولو جاء ضمير الفصل لتعين أن يكون خبر المبتدأ، ففي إعرابه وجهان: الوجه الأول أن يكون: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ﴾ كلمة واحدة الصفة والموصوف، والجار والمجرور: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبر المبتدأ. ويجوز أن يكون ذا مبتدأ، والفضل خبره، ويكون ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ في موضع نصب على الحال. وقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: لا من غيره، فهم لم يكسبوا ما كسبوا من المنزلة العالية بأنفسهم، بل بفضلٍ

стр. 504

من الله ؛ ولهذا قال النبي ﵊: "اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين" (١) فالإنسان لا يكتسب الفضائل بنفسه، ولو وكل إلى نفسه لهان وذل وحرم، ولكن الفضل من الله . قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ هذه صيغة بمعنى التعجب، وقيل في إعرابها: كفى فعل ماض، والباء حرف جر زائد، ولفظ الجلالة فاعل، يعني: وكفى الله عليمًا وعلى هذا فتكون كلمة: ﴿عَلِيمًا﴾ منصوبة على الحال؛ أي: حال كونه عليمًا، وصلة هذه الجملة بما قبلها بيان أن الله سبحانه لم يعط الفضل لهؤلاء إلا عن علم، وليس هكذا جزافًا بل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وأعلم حيث يجعل الصلاح، وأعلم حيث يجعل العلم والرشد، فهو سبحانه يعلم المحل الذي هو أهل لهذا الفضل فيمنحهم إياه، ويعلم من ليس بأهل فيحرمه، فهذا وجه صلة الجملة بما قبلها. من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان نعمة الله على هؤلاء الأصناف، لقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ ووجهه: أن الله تفضل عليهم. ٢ - أن ما يحصل للإنسان من فضل فإنما هو من الله لا بحوله وقوته، ولهذا أهلك الله الذي قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]؛ لأن الفضل بيد الله.

стр. 505

٣ - الحث على توجه الإنسان إلى ربه في سؤال مطلوبه، ووجهه: أنه إذا كان الفضل من الله فلا تسأل الفضل إلا ممن بيده الفضل. ٤ - بيان سعة علم الله ، لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾. ٥ - تفويض الأمر إلى الله، وأن الله تعالى إذا فضل أحدًا على أحد فاعلم أن ذلك عن علم وليس عبثًا، ولهذا لما قال المكذبون: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، رد الله عليهم فقال لهم: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] أي: وأنتم لستم أهلًا للرسالة. ٦ - ومن فوائد الآية وهي فائدة بعيدة بعض الشيء، بيان أن جنس العرب أفضل بني آدم بعلم الله، ووجهه: أن محمدًا ﵊ أشرف عباد الله وأشرف البشر، وهو من العرب، فدل ذلك على أن الجنس العربي أفضل من الجنس غير العربي من بني آدم، وهذا شيء مشاهد، وتدل عليه أخلاقهم وآدابهم، وما حصل لهم من الفضل العظيم بنصرة هذا الدين. وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" أوجهًا متعددة على أن جنس العرب أفضل من الجنس الآخر من البشر. * * * * قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)﴾ [النساء: ٧١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ الخطاب هنا موجه

стр. 506

للمؤمنين، وإذا صدر الله سبحانه الخطاب بياء النداء دل هذا على الإهتمام به، وأنه جدير بأن ينبه المخاطب له؛ فينادى حتى ينتبه. والنداء يفيد التنبيه، والتنبيه يدل على الإهتمام بالأمر والشأن. وكونه يكون موجهًا للمؤمنين فيه إثارة داعي الإستجابة للمخاطبين، فإذا خاطبهم بوصف الإيمان كان فيه التهييج على القبول. وفيه أيضًا: فضيلة الإيمان حيث خص المؤمنين بالنداء، ويدل على أن القيام به من مقتضيات الإيمان، وفيه كذلك الترهيب من المخالفة؛ لأنه إذا كان هذا الأمر من مقتضيات الإيمان فإن تركه من نواقص الإيمان. وقد تكون من نواقض الإيمان حسب ما أمر به. قال ابن مسعود ﵁ فيما نقل عنه واشتهر: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك - يعني: استمع لها جيدًا - فإما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه" (١)، وصدق ﵁ فهو إما خير نؤمر به، وإما شر ننهى عنه، وإما خبر نحذر منه، مثل قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] فهذه ليس فيها أمر ولا نهي، ولكن فيها التحذير من طريقة هؤلاء الأحبار والرهبان الذين يصدون عن سبيل الله، ويأكلون أموال الناس بالباطل. وقوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ الحذر يعني: التخوف، وهو في الأصل من أعدائنا الكفار، ولا عدو للمؤمن إلا الكافر قال الله:

стр. 507

﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٨] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، فلا عدو حقيقة للمؤمن إلا الكافر، والكافر طبقات: الكافر المصرح بالكفر أهون من الكافر المخفي للكفر، وهو المنافق، ولهذا قال الله تعالى في سورة المنافقين التي أنزلها كاملة فيهم قال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، فقوله: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ جملة تفيد الحصر؛ لتعريف طرفيها، كأنه لا عدو للمسلمين إلا المنافق؛ لأن عداوته - والعياذ بالله - لا يمكن أن يُطلع عليها، ولا يمكن التحرز منها. فالعدو الأول: الشيطان، والثاني: المنافقون، والثالث: النفس، ولا أشد من عداوتها إلا من رحم ربي: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]. إذًا: قوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ من أعدائكم من المنافقين، ومن الكافرين المصرحين بالكفر، ومن الفاسقين الذين يغرونكم في الوقوع في المعاصي التي دون الكفر، ومن كل أحد يصدكم عن دين الله. فعلينا أن نأخذ الحذر من غزو هؤلاء لنا، سواء كان بالسلاح، أو كان بالفكر، أو كان بالخلق، ومعلوم أن أعداء المسلمين يغزون المسلمين بكل سلاح، وينظرون السلاح المناسب للأمة فيغزونها به، فإذا كان من المناسب للأمة أن يغزوها بالسلاح فعلوا وقاتلوا وهاجموا، وإذا كان من غير الممكن فإنهم يغزون بالأفكار فيأتون بأفكار منحرفة إلحادية إذا أمكنهم ذلك، وإذا لم يمكن بأن كانت الأمة على جانب كبير من الوعي والتوحيد والإرتباط بالله قالوا: إذًا نغزوا بطريق ثالث وهو الخُلُق، فسلطوا عليها كل ما يفسد أخلاقها: من المجلات، والإذاعات وغير ذلك.

стр. 508

ولهذا انظر الآن ماذا فعلوا بالناس بواسطة المحطات الدولية التي تلتقط عن طريق الدشوش، فالأقمار مرسلة والدشوش مستقبلة، وهذه الأشياء التي يبثونها لا شك - كما سمعنا ولم نشاهد، والحمد لله - أن فيها شرًا عظيمًا، وهم يجعلون فيها أشياء مفيدة؛ لأنهم يعلمون أنها لو كانت مفسدة بكامل عناصرها ما قبلها الناس، إلا من زاغ قلبه، والعياذ بالله، لكن يجعلون فيها أشياء مفيدة من أجل أن يضعوا الحَبَّ للصيد. فأقول: هذا الغزو الآن غزو خُلُقي، وربما يكون فيه غزو فكري وأنا أسمع أحيانًا إذاعة عالية صافية من أحسن ما يكون من إذاعات العالم التي نسمع، وتبث الدعوة إلى النصرانية، لكن الحمد لله كل شيء تدعو إليه وهو خير نجد أن شريعتنا متضمنة له، وأنه لا حاجة إلى دعوتهم هذه؛ لأن الشريعة الإسلامية والحمد لله قد تضمنت أكثر مما عندهم. فقوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ يشمل كل ما يكون سلاحًا علينا، ومعلوم أننا نأخذ لكل سلاح ما يناسبه، فالذي يناسب السلاح الخُلُقي أن يُبصَّر الناس، وتبين لهم العاقبة السيئة في دمار الأخلاق، وأنه كما قيل: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا ويُبين لهم المضار في سوء الأخلاق والفواحش، وغير هذا. وفي الأفكار: يبين للناس العقيدة السليمة التي تصلهم بالله، وتجعل الإنسان دائمًا مع الله ، يذكر الله بقلبه، ولسانه وجوارحه قائمًا وقاعدًا وعلى جنب. والغزو المسلح بالسلاح، لا بد أن نعد له العدة؛ لأن الله

стр. 509

قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. فصار الحذر يختلف: قد نقول لهؤلاء القوم: تعلموا العقيدة، أو تعلموا العلم النافع، وبثوه في الناس. وقد نقول لهؤلاء القوم: تخلقوا بالأخلاق الفاضلة، واجتنبوا السفاسف، ونبين للناس عاقبة الأخلاق السيئة. وقد نقول لقوم: تعلموا كيف يصنع السلاح، وكيف يرسل، وكيف يتقبل السلاح الوارد عليكم وهكذا، فالآية مطلقة في قوله: ﴿حِذْرَكُمْ﴾، وحذر كل شيء بما يناسبه. والأقوال في الأسباب طرفان ووسط، فالذين نفوا الأسباب يقولون: خذ الحذر، لكن لو أخذت الحذر لا تنتفع بحذرك؛ إنما تنتفع عند الحذر وليس بالحذر، ويقولون: الأسباب علامة على الشيء وليست هي سببًا، فمثلًا: إنسان كسلان قال: أريد أن أغتسل لأجل أن أنشط، وفعلًا اغتسل ونشط، فيقولون لم ينشط من أجل الإغتسال، إنما نشط عنده لا به، يعني: أن الله جعل له نشاطًا عند الإغتسال وليس بالإغتسال. وعندما ترمي الزجاجة بالحجر وتنكسر الزجاجة، يقولون: ما كسرها الحجر، لكن قدر أنها تنكسر عند مماسة الحجر لها، وهذا قول غير صحيح بلا شك (١). قوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ هذه قد يقول قائل: إنها تعني أن يكون المراد بالحذر هنا حذر السلاح، ولكنه ليس بلازم؛ لأن عطف المعنى على بعض أفراد العموم لا يقتضي التخصيص، وهذه قاعدة مفيدة.

стр. 510

فمثلًا: قول جابر ﵁ في الشفعة: "قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" (١) إذا نظرنا إلى أول الحديث: "قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم"، قلنا: الشفعة في كل شيء لم يقسم، فلو بعت سيارة بينك وبين زيد على عمرو فلزيد الشفعة؛ لأن السيارة لم تقسم، وهي داخلة في قوله: "في كل ما لم يقسم"، فهذه السيارة التي بينك وبين زيد وبعت نصيبك منها على عمرو، لزيد الحق في أن يأخذ هذا الذي بعت على عمرو ويضمه إلى نصيبه، ولذلك سميت شفعة؛ لأنه يشفع نصيبه بنصيب شريكه. وقوله: "إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق" يقتضي أن يكون المراد بما لم يقسم الأرض؛ لأنها هي التي يكون فيها الحدود وهي التي تصرف فيها الطرق، ولهذا اختلف العلماء هل الشفعة في كل شيء حتى في المنقولات، أو هي في العقار فقط؟ والصحيح: العموم؛ لأن عطف المعنى على بعض أفراد العموم لا يقتضي التخصيص. مثال آخر: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الآية الكريمة تفيد في أولها أن جميع المطلقات ولو البوائن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، يعني: ثلاث حيض تعتدها المرأة إذا طلقت، لكن قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ تقتضي أن يكون المراد بالمطلقات الرجعيات دون البوائن، فهل

стр. 511

نقول: إن العموم في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ خصصه قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ وأن المراد بالمطلقات الرجعيات، أو نقول: المطلقات عامة، وعطف المعنى على بعض أفراد العموم لا يقتضي التخصيص؟ الجواب: الثاني، ولهذا جمهور العلماء - بل حكي إجماعًا - على أن عدة المطلقة ولو كانت بائنًا ثلاثة قروء، ولما كانت قاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن كل امرأة مفارقة لا يملك زوجها الرجعة فيها كالمخالعة والمفسوخة، ومن تبين فساد نكاحها، فإن عدتها حيضة واحدة، وما أشبه ذلك، والمذهب: لا بد من ثلاث حيض، فأورد عليه المطلقة ثلاثًا؛ لأن المطلقة ثلاثًا ليس لزوجها عليها رجعة، ومقتضى قاعدته أن تعتد بحيضة واحدة، لكنه ﵀ علق القول بذلك على وجود قائل به؛ لأنه لا يمكن للإنسان المتأخر أن يكون مخالفًا للإجماع المتقدم، وقد ذكر أنه قال به بعض التابعين. فأقول: إن القاعدة التي قَعَّدناها: إذا ذكر العام ثم عطف المعنى على بعض أفراده فهل يكون ذلك تخصيصًا للعام أو لا؟ نقول: لا يكون، وهذا هو القول الصحيح. فقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ وإن كان ظاهر السياق يقتضي أن قوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ يعني: من أعدائكم الذين يعادونكم بالسلاح، لكن نقول: ذكر حكم بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص. وقوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ "انفروا" يعني: للقتال في سبيل الله؛ أي: اخرجوا. وقوله: ﴿ثُبَاتٍ﴾ أي: متفرقين. ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أي: مجتمعين، والذي دلنا على أن

стр. 512

﴿ثُبَاتٍ﴾ بمعنى: متفرقين قوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، حيث قوبلت بهذا، ومقابل الشيء يكون ضده في المعنى. من فوائد الآية الكريمة: ١ - فضيلة الإيمان، حيث استحق أهله أن يوجه إليهم الخطاب من الله ، لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ٢ - وجوب أخذ الحذر من أعدائنا، وكل عدو يؤخذ منه الحذر فيما يخاف منه، فالذين يغزوننا بالسلاح نأخذ الحذر منهم بالسلاح، والذين يغزوننا بالأفكار نأخذ الحذر منهم بالعلم، والذين يغزوننا بالأخلاق نأخذ الحذر منهم بالترفع عن سفاسف الأخلاق، فكل عدو يقابل بسلاحه. ٣ - أنه يجب على الإنسان أن يكون كيسًا فطنًا، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "المؤمن كيس فطن" (١) وقوله: "كيس" بينها الرسول ﷺ بأنه: "من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" (٢) يعني: أنه حازم، وقوله: "فطن" أي: عنده حذر. لكن لا يجوز أن نسيء الظن بمن ظاهره العدالة، ونقول هذا من أخذ الحذر، كما قال أهل العلم: يحرم الظن السوء بمسلم ظاهره العدالة، أما من كان ظاهره الفسق فلنا أن نأخذ الحذر منه؛ لئلا يخدعنا.

стр. 513

٤ - وجوب النفور للجهاد في سبيل الله، سواء كنا مجتمعين أو متفرقين. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]؟ قلنا: الجواب: أن هؤلاء النافرين ينفرون سواء كانوا متفرقين أو جماعة، وعلى هذا فيكون الأمر هنا لمن نفر، حيث يؤمرون بالنفور متفرقين أو مجتمعين، أما من بقوا ليتفقهوا في دين الله فهؤلاء لن ينفروا. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢)﴾ [النساء: ٧٢]. الإعراب: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ "مِنْ" للتبعيض، وعلامة "من" التبعيضية أن يحل محلها بعض. في هذه الآية لامان: اللام الأولى قوله: ﴿لَمَنْ﴾ والثانية ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾، فأما الأولى فهي لام الإبتداء؛ لأنها وقعت في اسم إن المؤخر، وتفيد التوكيد، وأما اللام الثانية فهي موطئة للقسم، فقوله: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ واقعة في جواب القسم، والتقدير: "وإن منكم لمن والله! ليبطئن" فاللام هنا واقعة في جواب القسم، وهنا إشكال كيف نقول: لام الإبتداء، وليست في ابتداء الكلام؟ فالجواب: أخروها لئلا يجتمع في أول الكلام مؤكدان، ولهذا يسميها بعضهم اللام المزحلقة، يعني: التي دفعت عن مكانها.

стр. 514

والفائدة من القسم في القرآن - وهو حق وصدق بدون قسم - إما لشك المخاطب. فيؤكد بهذا القسم، أو لعظم المقسم عليه، يعني: أن القرآن باللسان العربي، ولسان العرب يؤكدون الأخبار بالقسم. وقوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ الجملة شرطية، والشرط فيها وجوابه فعل ماضٍ، فنقول: إنه مبني في محل جزم؛ لأن الفعل الماضي مبني، وفعل الشرط ﴿أَصَابَتْكُمْ﴾ وجوابه: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾. وقوله: ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ﴾ إذ هنا للتعليل، وليست ظرفًا، يعني: حيث لم أكن معهم شهيدًا. معنى الآية: أما معنى الآية يقول الله : ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ﴾ ومن هذه للتبعيض، يعني: إن بعضكم. ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ يعني: للذي يبطئن، ومعنى "يبطئ" أي: يدعو للتباطؤ، سواء دعا غيره أو دعا نفسه، فيكون قوله: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ شاملًا لمن يخذل غيره عن النفور للقتال، ولمن يخذل نفسه ويتهاون حتى يفوت الأوان عن هذا الذي يتأخر ولا يخرج للقتال. ونتيجة القتال إما أن تكون الغنيمة والغلبة والنصرة، وإما أن تكون العكس، فهو إذا أصابتكم مصيبة يعني: أصابكم خذلان وهزيمة ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ فيتضمن كلامه هذا الإفتخار والإحتقار، الإفتخار بنفسه أنه لم يشهد هذه المصيبة، والإحتقار لمن أصيبوا بهذه المصيبة، وهذا غاية ما يكون من التباعد، وهذا الذي يقول - وهو منهم - هذا الكلام كأنه لم يكن بينه وبينهم

стр. 515

مودة، وكأنه من أبعد الناس عنهم، حين افتخر بأن نجا من المصيبة التي أصابتهم، واحتقر هؤلاء الذين أصيبوا وصار كالموبخ لهم. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)﴾ [النساء: ٧٣]. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ﴾ أي: نصر وغنيمة ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي: يتمنى على الله الأماني بعد أن فاته الأمر. قول الله ﵎: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ الجملة شرطية وقسمية: شرطية لوجود إن، وقسمية لوجود اللام، فاللام في قوله: ﴿وَلَئِنْ﴾ موطئة للقسم، و"إن" شرطية و ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ واقعة في جواب القسم، وقد تنازعها الشرط والقسم، فنجعلها للقسم يوضح ذلك ابن مالك ﵀ في قوله: واحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم والمؤخر هنا هو الشرط، فجواب الشرط محذوف، والذي بقي جواب القسم، ولهذا قرن الجواب باللام، ولم يقع مجزومًا جوابًا للشرط، وهذه قاعدة عند النحويين: أنه إذا اجتمع شرط وقسم فإنه يحذف جواب المؤخر، إما الشرط، وإما القسم، كما تقول: والله! إن قام زيد ليقومن عمرو، فالمؤخر هو جواب الشرط، وتقول: إن قام زيد والله! يقم عمرو.

стр. 516

المهم: أن المؤخر هو الذي يحذف جوابه على هذه القاعدة التي عند النحويين. قوله: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ أي: هذا المبطئ، وفيها قرآتان: القراءة المشهورة ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ والثانية "كأن لم يكن بينكم وبينه مودة" أي: محبة وصحبة. وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ﴾ هذه فيها شاهد نحوي وهو: تخفيف كأن. وجملة ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ﴾ في محل رفع خبر كأن، واسمها ضمير الشأن محذوف. وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ المودة هي: خالص الحب، يعني: كأنه بعيد منكم ليس بينكم وبينه ارتباط، وهذه الجملة قال أكثر المفسرين بأنها جملة تعود إلى الحال الأولى، وهي ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [النساء: ٧٢]. وفي الآية التقسيم لحال الرجل في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ﴾، فإنه يدل على أن الرجل لا يريد القتال في سبيل الله، إنما يريد الدنيا، فإن أصابتهم مصيبة افتخر أنه نجا، وإن فاته النصر قال: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾، فهو يشبه من قال الله فيهم: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨]. وقوله: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ هذا مقول القول في قوله: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ أي: أتمنى أني معهم: ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ والفعل هنا منصوب بفاء السببية على رأي ذوي التسهيل واليسر الكوفيين، وبأن مضمرة بعد الفاء على رأي البصريين، والتقدير: "فأن أفوز فوزًا عظيمًا"، وإنما نصب الفعل بذلك لأنه واقع في جواب التمني.

стр. 517

ومعنى الآيات: أن هذا القسم من الناس الذي يبطئ نفسه ويبطئ غيره، فلا يخرج للقتال في سبيل الله، ويبقى متفرجًا إن أصابتكم مصيبة افتخر واحتقركم، لكونكم خرجتم في حالٍ خُذلتم فيها، وافتخر في كونه نجا من هذه المصيبة، وإن أصابكم فضل فحينئذ يتمنى أن يكون معكم، ليفوز بالفضل الذي هو النصر والغنيمة، وحينئذ نعرف أن هذا الرجل لا يقصد القتال في سبيل الله، وإنما يقصد الدنيا فقط. وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ الجملة هنا جملة معترضة، ولكن هل محلها هذا المكان؟ الجواب: قال كثير من المفسرين إن محلها ما قبلها، والمعنى أنه قال: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ قد أنعم الله عليَّ، ولكن الصحيح: أنها ليس فيها تقديم وتأخير، وأن مكانها هو مكانها، وليس شيء أفصح من كتاب الله، وأنه يقول: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ يعني: كأنه لا يريد أن يبين أن تمنيه لكونه معكم من أجل المودة التي بينكم وبينه، ولكن من أجل ما حصل من الفضل الذي هو النصر والغنيمة، وأما المودة فكأنها قطعت حتى في هذا الحال التي فيها الفوز بالنصر. والفوز في قوله: ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لأنه يرى أن أكبر شيء هو الفوز بالدنيا فقط، والحقيقة أن الفوز الأعظم الذي لا فوز أكبر منه هو ما ذكره الله في قوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وخلاصة الآيتين: أن من الناس من هو منافق لا يريد القتال في سبيل الله، وإنما يقاتل لأجل الدنيا، فإن أصابتكم مصيبة

стр. 518

- هزيمة وذل - افتخر عليكم واحتقركم وقال: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٢]، وأما إذا كان العكس وانتصرتم وأصابكم فضل من الله، فحينئذ يتمنى أن يكون معكم ليفوز الفوز العظيم الذي هو غاية مناه، وهو النيل من الدنيا. من فوائد الآيتين الكريمتين: ١ - في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ دليل على أن التكاسل في الخير، والتراجع عنه من أسباب النفاق، وهو كذلك، والتباطؤ عن الخير والتكاسل عنه ليس سببًا للنفاق فحسب، بل هو سبب للضلال والعمى، والعياذ بالله! كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾ [ق: ٥]، ولهذا يجب على الإنسان متى تبين له الحق أن يأخذ به، وألا يتهاون، لئلا يصيبه ما أصاب هؤلاء، بل يسارع ويعمل، وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع. ٢ - بيان حال صنف من الناس الذين لا يريدون القتال في سبيل الله، وإنما يريدون الدنيا، وأنه إذا أصيب من كانوا بصدد الخروج معه افتخروا في أنهم نجوا من ذلك، وإن أصيب هؤلاء بالفضل والنصر تمنوا أن يكونوا معهم، فيكون مرادهم الدنيا وليس مرادهم القتال في سبيل الله، أما الذي مراده القتال في سبيل الله فإنه على العكس من ذلك، إذا أصيب بمصيبة فاستشهد فإنه ينتقل من حال إلى أفضل منها كما قال الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران:

стр. 519

١٦٩]، وإن أصابه فضل ونصر حمد الله ، وسأل الله المزيد من فضله، وجعل هذا عونًا على طاعته. * * * * قال الله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾ [النساء: ٧٤]. ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ الفاء عاطفة، وتدل على ارتباط ما بعدها بما قبلها، والإرتباط واضح؛ لأن الذي قبلها فيه ذكر من لا يريد القتال في سبيل الله، أما هذه ففيها ذكر الصنف الآخر الذي يقاتل في سبيل الله، واللام في قوله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾، لام الأمر، وسكنت مع أنها مكسورة لوقوعها بعد الفاء، ولام الأمر تسكن إذا وقعت بعد الفاء أو الواو أو ثم، مثل قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] بخلاف لام التعليل التي تسمى لام كي، فإنه يجب أن تكون مكسورة بكل حال، مثل قوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت: ٦٦] فيجب أن تكسر ولا تقرأ: "وَلْيتمتعوا" لأنه يختلف المعنى. وقوله: ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ فاعل يقاتل، وقوله: ﴿يَشْرُونَ﴾ بمعنى: يبيعون، مع أنها في اللهجة العامية بمعنى يشترون، وليس كذلك، بل ﴿يَشْرُونَ﴾ يعني: يبيعون، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] يعني: يبيع نفسه.

стр. 520

أما إذا كان آخذًا فيقال: اشترى، فالمعطي شارٍ والآخذ مشترٍ. فقوله: ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، فيجعلون بدل الحياة الدنيا الآخرة، وهؤلاء هم الذين اغتنموا الأعمار، وهم الذين اكتسبوا في الحقيقة أن أخذوا الآخرة بالدنيا، ولم يكونوا كالذين قال الله فيهم: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧]. قوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ﴾ ﴿وَمَنْ﴾ هذه شرطية، والفعل بعدها مجزوم، وجواب الشرط قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أما قوله: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ فهو معطوف على فعل الشرط. قوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: أي إنسان يقاتل في سبيل الله، وهو الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، كما فسر ذلك النبي ﷺ . قوله: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ إن قتل فهو شهيد، أو غلب فهو فائز، ولا يبطل غلبه أجره، ولهذا قال: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فهو غانم على كل حال، إن قُتل قُتل شهيدًا، وإن غلب غلب سعيدًا، وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] وهما: الشهادة أو النصر والغلبة: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢]. قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا عظيمًا، وسمى الله

стр. 521

تعالى الثواب أجرًا تشبيهًا له بأجر العامل الذي يستأجره الإنسان لعمل شيء ما، ثم يعطيه أجره. والمقصود بذلك: أن الله تعالى التزم بإثابة هذا العامل كما يلتزم المستأجر بإعطاء العامل أجره، ولهذا سمى الله تعالى العمل له قرضًا، مع أن الله لا يحتاج، وسمى الثواب عليه أجرًا كأنه استأجر أجيرًا ليعطيه أجره. وقوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو أجر الجنة، كما قال النبي ﵊: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله" (١) يعني: في الجنة وهذا هو الأجر العظيم. من فوائد الآية الكريمة: ١ - وجوب قتال الأعداء لقوله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾. ٢ - وجوب إخلاص النية في القتال، لقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ووجه ذلك: أن المقاتلين منهم من يقاتل شجاعة، ومنهم من يقاتل حمية، يعني: عصبية لقوميته أو لوطنه، ومنهم من يقاتل ليُرى مكانه؛ أي: مراءاة، فسُئل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (٢).

стр. 522

إذًا: القتال في سبيل الله هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا. وليس القتل هو لأجل أن يؤمن الناس، وإنما لتكون كلمة الله هي العليا إما بإيمان المقاتَلين، وإما بذُلِّهِم وبذْلِهم الجزية، لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. ٣ - بيان علو همة هؤلاء المقاتلين، وهو أنهم يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، وهذا من قوة إيمانهم، وصدق عزائمهم، وعلو همتهم؛ لأنهم يؤمنون بأن هناك آخرة، وعندهم عزيمة قوية يغلبون بها أهوائهم، وإلا فكم من إنسان يُغلِّب جانب الحياة الدنيا، ويقول: درهم منقود خير من ألف درهم موعود، ولا شك أن هذا يدل على عدم إيمانهم، وإلا لو أنه مؤمن لكان هذا الموعود الذي وعد به - وهو خير مما نقد له - لكان يعمل له، ويعلم أنه ليس بينه وبين هذا الموعود إلا القليل من الزمن، وأن ما يحصل له من المنقود لا يساوي شيئًا بالنسبة إلى الموعود، حتى قال النبي ﷺ : "موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (١)، والسوط ليس بالطويل، وهو خير من الدنيا كلها وما فيها، وليس دنياك أنت، أو الدنيا التي أنت في عهدها، بل الدنيا من أولها، من قبل آدم أيضًا، من أولها إلى آخرها موضوع سوط أحدنا في

стр. 523

الجنة خير من الدنيا وما فيها، فهذا هو العاقل الحازم المؤمن الصادق. ٤ - أن المقاتل في سبيل الله ناجح على كل حال، لقوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ فهو غانم ناجح على كل حال، سواء قتل، أو غلب، فهو على أجر عظيم. وإذا كان المقاتل في سبيل الله عليه حقوق للعباد فقد سئل النبي ﷺ أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي فقال: "نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر، إلا الدين فإن جبريل قال لي ذلك" (١)، فدل هذا على أن حقوق الآدمي لا تسقط بالشهادة، وهو كذلك؛ لأن حقوق الآدمي لا بد أن تؤدى إليه، لكن ثبت عن النبي ﷺ أن من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه (٢). ٥ - بيان عظمة الرب ، لقوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ وجه ذلك: ضمير الجمع؛ لأننا نعلم أن الله إله واحد، فكل ما أضيف إلى الله من ضمائر الجمع فالمراد بها التعظيم. * * *

стр. 524

* قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾ [النساء: ٧٥]. لما أمر الله سبحانه بالقتال في سبيل الله وَوَجَّه الأمر إلى الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة؛ أي: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، وبيَّن فضل القتال في سبيل الله، وأن المقاتل في سبيل الله سواء قتل أو غلب فله الأجر من عند الله حيث قال: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤]، بعد هذا وَبَّخَ الله أولئك الذين يمتنعون عن القتال فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ و"مَا" هنا استفهام، ومعناه: الإنكار، ويحتمل أن يكون الإنكار والتعجب، يعني: أن يكون معناه الإنكار على هؤلاء الذين لم يقاتلوا، والتعجب من حالهم. وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سبق مرارًا بأن القتال في سبيل الله هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا لا غير. وقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ يحتمل أن تكون معطوفة على لفظ الجلالة؛ أي: وفي سبيل المستضعفين، ويحتمل أن تكون معطوفة على سبيل؛ أي: وفي المستضعفين من الرجال، والمعنيان يصبان في قناة واحدة، سواء قلنا: في سبيل المستضعفين أو في المستضعفين أنفسهم. والمستضعفون من الرجال هم الذين لا يستطيعون أن يخرجوا من هذه القرية التي تسومهم سوء العذاب.

стр. 525

قوله: ﴿وَالنِّسَاءِ﴾ معطوفة على ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ أو معطوفة على الرجال، فإذا قلنا: إنها معطوفة على الرجال فالمعنى: أن النساء ينقسمن إلى قسمين: قسم مستضعف، وقسم غير مستضعف، والمراد بالآية: القسم المستضعف، وإذا قلنا: إنها معطوفة على المستضعفين صار النساء لا ينقسمن إلى قسمين، بل هي قسم واحد، والمعنى: أن المرأة لا يلزمها أن تهاجر، ولكن المعنى الأول أحسن؛ لأن من النساء من هاجرت، ولم تبق في دار الذل والهوان. وقوله: ﴿وَالْوِلْدَانِ﴾ هذا هو الذي يمكن أن نقول: إنه معطوف على قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ وذلك لأن الولدان لا يستطيعون الهجرة، ولا يستطيعون الخروج، وهم في هذه الأماكن مظلومون لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، فواجب علينا أن نقاتل في سبيل الله سبحانه، وفي هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان. قوله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لكل ما سبق، من المعطوف والمعطوف عليه. وقوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: يقول كل واحد منهم، أو يقولون على معنى الجملة، وإن لم يكن هذا القول صادرًا من كل واحد، وذلك لأن الجماعة الذين على هدف وطريق واحد يكون قول القائل منهم قولًا للجميع. قوله: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ المشار إليه القرية التي هم ساكنوها، وباقون فيها وهي مكة؛ لأن قريشًا كانت تسوم من يؤمن سوء العذاب.

стр. 526

وقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ الظالم هنا نعت لاسم الإشارة: ﴿هَذِهِ﴾، ولكن كيف يكون نعتًا والمعنى قائم بغير المنعوت؟ لأنه قال: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ولم يقل: الظالمة، والجواب عن هذا أن يقال: النعت نوعان: حقيقي وسببي: فالحقيقي: ما عاد فيه الوصف على المنعوت، كما تقول: مررت بزيد الفاضل، فهنا "الفاضل" وصف عائد على زيد. والسببي: ما كان الوصف فيه عائدًا إلى غير المنعوت لكن له به علاقة، كما لو قلت: مررت بزيد الفاضل أبوه، فهنا الفضل لا يعود على زيد، بل يعود على أبيه، لكن له به علاقة وارتباط، ولهذا أضيف إليه فقيل: أبوه، فالضمير في "أبوه" عائد على زيد، و ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ من هذا الباب، النعت فيه سببي، وعلى هذا فنقول: الظالم اسم فاعل صفة لهذه، وأهلها: فاعل للظالم، وأهل مضاف، و"ها" مضاف إليه. وقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ المراد الظلم الذي هو العدوان على حق هؤلاء المؤمنين، وما هو أعم كظلمهم بالشرك والعدوان أيضًا، فأهل هذه القرية ظالمون في حق الله لإشراكهم به، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وهؤلاء ظالمون بالنسبة إلى اعتدائهم على هؤلاء المؤمنين، حيث كانوا يؤذونهم ويسومونهم سوء العذاب. قوله: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ "الواو" حرف عطف، وقوله: ﴿وَاجْعَلْ﴾ معطوف على ﴿أَخْرِجْنَا﴾، يعني ويقولون أيضًا: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي: من عندك ﴿وَلِيًّا﴾ يعني: يتولانا

стр. 527

ويتولى أمورنا، و ﴿نَصِيرًا﴾ ينصرنا على أعدائنا، والنصير هو المدافع المانع من عدوك أن يعتدي عليك، والولاية تأتي بمعنى النصرة، ولكن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط، وتأمل أن كلمة "اجعل" جاءت مرتين؛ لأن المقام مقام دعاء، ومقام الدعاء ينبغي فيه البسط؛ لأن الداعي يناجي الله ، ومناجاة الحبيب لمحبوبه كلما زادت كان ذلك أقوى في المحبة، ولهذا ترى الإنسان إذا كان يحب شخصًا يحب أن يكثر معه الكلام، وربما يجلس يتكلم معه مدة طويلة وكأنها أقل من هذه المدة بكثير. واعلم أن الولي والنصير إذا اجتمعا صار الولي فيما ينفع، والنصير في دفع ما يضر، وأما إذا أفرد أحدهما شمل الآخر، فإذا قيل: ولي بدون نصير، فالمراد به من يجلب لك الخير ويدفع عنك الشر، وإذا قيل: النصير بدون ولي فالمراد من يدفع الشر ويجلب الخير، وإذا اجتمعا صار الولي فيمن يجلب الخير، والنصير فيمن يدفع الشر. يعني ويمنع أعداءه منه؛ لأن النصر معناه المنع كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر: ٢٩]. * * * * قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء: ٧٦]. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لما وبخ الله سبحانه وتعجب من الذين لا يقاتلون في سبيل الله، بيَّن أن المقاتلين

стр. 528

ينقسمون إلى قسمين فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهذه جملة مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ قوله: ﴿الَّذِينَ﴾ والخبر قوله: ﴿يُقَاتِلُونَ﴾. وقوله: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: يقاتلون الكفار. وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في دينه وشرعه؛ أي: من أجله، وقد بين النبي ﷺ أن القتال في سبيل الله هو قتال من يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهذا هو القتال في سبيل الله، وما عدا ذلك فليس في سبيل الله. قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ هذه الجملة أيضًا مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ قوله: ﴿الَّذِينَ﴾ والخبر جملة ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾. والطاغوت: صيغة مبالغة من الطغيان، فالتاء فيها كالتاء في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] للمبالغة، وكما يقولون: فلان علَّامة، التاء أيضًا للمبالغة، وعلى هذا فيكون آخر أصول الكلمة هي الواو في الطاغوت، وأما التاء فهي مزيدة للمبالغة. والطاغوت يعرف بذكر المقابل، فالطاغوت هو في مقابل من يقاتل في سبيل الله، فكل من قاتل في غير سبيل الله فهو مقاتل في الطاغوت، سواء قلنا: إنه الشيطان، أو أولياء الشيطان، أو العصبية أو غير ذلك، المهم أننا نفهم أن المراد بالطاغوت هو ما كان لغير سبيل الله، وفهمنا هذا من المقابلة. وقد ذكرنا قاعدة مفيدة في هذا: أن الشيء قد يعرف بمعرفة

стр. 529

مقابله، وذكرنا أن منه قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١]. وقوله: ﴿الطَّاغُوتِ﴾ يعني: كل ما تجاوز به الإنسان حده، فإنه طغيان وطاغوت. قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ الفاء: للتفريع على ما سبق؛ أي: قاتلوا أيها المقاتلون! في سبيل الله أولياء الشيطان الذين اتخذوا الشيطان وليًا فغرهم وأضلهم، وهم الذين يقاتلون لا لتكون كلمة الله هي العليا. قوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ لما أمر بقتال أولياء الشيطان بيَّن أنهم مغلوبون، وأن المقاتل لأولياء الشيطان غالب، يؤخذ هذا التعليل من قوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾، وإذا كان ضعيفًا فإنه لا مقاومة منه للحق، وإذا كان كيد الشيطان ضعيفًا وهو الذي يأتي به مكرًا وخديعة فما كان صريحًا فهو من باب أولى. والشيطان له مكائد للإنسان، لكنه ضعيف، فإذا ذُكر الله خنس، وإلا فهو يكيد حتى في غير القتال، يكيد للإنسان في العبادات، فيأتيه أولًا من باب التهاون بالعبادة فيهونها عليه، ويقول: إذا تركت هذا مرة تفعله المرة الأخرى، ثم إذا أراد وهمَّ بها في المرة الأخرى أيضًا وسوس له وثبطه. ويهون عليه المعصية ويقول: هذه المعصية بسيطة ولا يراك أحد، وليس عندك أحد، ليس عندك إلا الله، والله غفور رحيم، وما أشبه ذلك، فيهونها عليه كيدًا ويزينها، ولكن مع ذلك فكيده ضعيف؛ لأنه لا يقاوم الحق أبدًا.

стр. 530

من فوائد الآيتين الكريمتين: ١ - توبيخ من توانى عن الجهاد لقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ٢ - ذكر ما يشجع على القتال من الناحية النفسية، لقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾؛ لأن ذكر ما يثير الإنسان ويهيجه أمر مطلوب، ولا شك أن الإنسان إذا قيل له: إن هناك رجالًا مستضعفين وولدانًا ونساءً لا شك أنه سوف يزداد همة وإقدامًا. ٣ - أن الكفار قد استضعفوا هؤلاء وأهانوهم. ٤ - وجوب الدفاع عن المستضعفين عند الكفار؛ لأن الله تعالى وبخ على أمرين: على ترك القتال في سبيل الله، وعلى ترك القتال في سبيل هؤلاء المستضعفين لتخليصهم، وهذا أمر واجب على كل مسلم مع القدرة أن يفك أسير المسلمين، وأن يرفع الظلم عنهم، بقدر المستطاع، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ٥ - جواز التوسل بالحال لقوله: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، توسلوا إلى الله تعالى بذكر حال أهل هذه القرية بأنهم ظالمون لهم، وذكر الحال أن الإنسان مظلوم يوجب الرقة والعطف. واعلم أن التوسل إلى الله يكون بأمور: الأمر الأول: التوسل إلى الله بأسمائه، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فتقول: يا غفور! اغفر لي، ويا رحيم! ارحمني، وهنا ينبغي - أدبًا وعقلًا وفطرة - ألا
следующие страницы →