← Тафсир

Тафсир · id 547

تفسير العثيمين: النساء

ابن عثيمين

Полный текст (1 106 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ الظالم هنا نعت لاسم الإشارة: ﴿هَذِهِ﴾، ولكن كيف يكون نعتًا والمعنى قائم بغير المنعوت؟ لأنه قال: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ولم يقل: الظالمة، والجواب عن هذا أن يقال: النعت نوعان: حقيقي وسببي: فالحقيقي: ما عاد فيه الوصف على المنعوت، كما تقول: مررت بزيد الفاضل، فهنا "الفاضل" وصف عائد على زيد. والسببي: ما كان الوصف فيه عائدًا إلى غير المنعوت لكن له به علاقة، كما لو قلت: مررت بزيد الفاضل أبوه، فهنا الفضل لا يعود على زيد، بل يعود على أبيه، لكن له به علاقة وارتباط، ولهذا أضيف إليه فقيل: أبوه، فالضمير في "أبوه" عائد على زيد، و ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ من هذا الباب، النعت فيه سببي، وعلى هذا فنقول: الظالم اسم فاعل صفة لهذه، وأهلها: فاعل للظالم، وأهل مضاف، و"ها" مضاف إليه. وقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ المراد الظلم الذي هو العدوان على حق هؤلاء المؤمنين، وما هو أعم كظلمهم بالشرك والعدوان أيضًا، فأهل هذه القرية ظالمون في حق الله لإشراكهم به، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وهؤلاء ظالمون بالنسبة إلى اعتدائهم على هؤلاء المؤمنين، حيث كانوا يؤذونهم ويسومونهم سوء العذاب. قوله: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ "الواو" حرف عطف، وقوله: ﴿وَاجْعَلْ﴾ معطوف على ﴿أَخْرِجْنَا﴾، يعني ويقولون أيضًا: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي: من عندك ﴿وَلِيًّا﴾ يعني: يتولانا

стр. 527

ويتولى أمورنا، و ﴿نَصِيرًا﴾ ينصرنا على أعدائنا، والنصير هو المدافع المانع من عدوك أن يعتدي عليك، والولاية تأتي بمعنى النصرة، ولكن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط، وتأمل أن كلمة "اجعل" جاءت مرتين؛ لأن المقام مقام دعاء، ومقام الدعاء ينبغي فيه البسط؛ لأن الداعي يناجي الله ، ومناجاة الحبيب لمحبوبه كلما زادت كان ذلك أقوى في المحبة، ولهذا ترى الإنسان إذا كان يحب شخصًا يحب أن يكثر معه الكلام، وربما يجلس يتكلم معه مدة طويلة وكأنها أقل من هذه المدة بكثير. واعلم أن الولي والنصير إذا اجتمعا صار الولي فيما ينفع، والنصير في دفع ما يضر، وأما إذا أفرد أحدهما شمل الآخر، فإذا قيل: ولي بدون نصير، فالمراد به من يجلب لك الخير ويدفع عنك الشر، وإذا قيل: النصير بدون ولي فالمراد من يدفع الشر ويجلب الخير، وإذا اجتمعا صار الولي فيمن يجلب الخير، والنصير فيمن يدفع الشر. يعني ويمنع أعداءه منه؛ لأن النصر معناه المنع كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر: ٢٩]. * * * * قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء: ٧٦]. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لما وبخ الله سبحانه وتعجب من الذين لا يقاتلون في سبيل الله، بيَّن أن المقاتلين

стр. 528

ينقسمون إلى قسمين فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهذه جملة مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ قوله: ﴿الَّذِينَ﴾ والخبر قوله: ﴿يُقَاتِلُونَ﴾. وقوله: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: يقاتلون الكفار. وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في دينه وشرعه؛ أي: من أجله، وقد بين النبي ﷺ أن القتال في سبيل الله هو قتال من يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهذا هو القتال في سبيل الله، وما عدا ذلك فليس في سبيل الله. قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ هذه الجملة أيضًا مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ قوله: ﴿الَّذِينَ﴾ والخبر جملة ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾. والطاغوت: صيغة مبالغة من الطغيان، فالتاء فيها كالتاء في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] للمبالغة، وكما يقولون: فلان علَّامة، التاء أيضًا للمبالغة، وعلى هذا فيكون آخر أصول الكلمة هي الواو في الطاغوت، وأما التاء فهي مزيدة للمبالغة. والطاغوت يعرف بذكر المقابل، فالطاغوت هو في مقابل من يقاتل في سبيل الله، فكل من قاتل في غير سبيل الله فهو مقاتل في الطاغوت، سواء قلنا: إنه الشيطان، أو أولياء الشيطان، أو العصبية أو غير ذلك، المهم أننا نفهم أن المراد بالطاغوت هو ما كان لغير سبيل الله، وفهمنا هذا من المقابلة. وقد ذكرنا قاعدة مفيدة في هذا: أن الشيء قد يعرف بمعرفة

стр. 529

مقابله، وذكرنا أن منه قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١]. وقوله: ﴿الطَّاغُوتِ﴾ يعني: كل ما تجاوز به الإنسان حده، فإنه طغيان وطاغوت. قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ الفاء: للتفريع على ما سبق؛ أي: قاتلوا أيها المقاتلون! في سبيل الله أولياء الشيطان الذين اتخذوا الشيطان وليًا فغرهم وأضلهم، وهم الذين يقاتلون لا لتكون كلمة الله هي العليا. قوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ لما أمر بقتال أولياء الشيطان بيَّن أنهم مغلوبون، وأن المقاتل لأولياء الشيطان غالب، يؤخذ هذا التعليل من قوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾، وإذا كان ضعيفًا فإنه لا مقاومة منه للحق، وإذا كان كيد الشيطان ضعيفًا وهو الذي يأتي به مكرًا وخديعة فما كان صريحًا فهو من باب أولى. والشيطان له مكائد للإنسان، لكنه ضعيف، فإذا ذُكر الله خنس، وإلا فهو يكيد حتى في غير القتال، يكيد للإنسان في العبادات، فيأتيه أولًا من باب التهاون بالعبادة فيهونها عليه، ويقول: إذا تركت هذا مرة تفعله المرة الأخرى، ثم إذا أراد وهمَّ بها في المرة الأخرى أيضًا وسوس له وثبطه. ويهون عليه المعصية ويقول: هذه المعصية بسيطة ولا يراك أحد، وليس عندك أحد، ليس عندك إلا الله، والله غفور رحيم، وما أشبه ذلك، فيهونها عليه كيدًا ويزينها، ولكن مع ذلك فكيده ضعيف؛ لأنه لا يقاوم الحق أبدًا.

стр. 530

من فوائد الآيتين الكريمتين: ١ - توبيخ من توانى عن الجهاد لقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ٢ - ذكر ما يشجع على القتال من الناحية النفسية، لقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾؛ لأن ذكر ما يثير الإنسان ويهيجه أمر مطلوب، ولا شك أن الإنسان إذا قيل له: إن هناك رجالًا مستضعفين وولدانًا ونساءً لا شك أنه سوف يزداد همة وإقدامًا. ٣ - أن الكفار قد استضعفوا هؤلاء وأهانوهم. ٤ - وجوب الدفاع عن المستضعفين عند الكفار؛ لأن الله تعالى وبخ على أمرين: على ترك القتال في سبيل الله، وعلى ترك القتال في سبيل هؤلاء المستضعفين لتخليصهم، وهذا أمر واجب على كل مسلم مع القدرة أن يفك أسير المسلمين، وأن يرفع الظلم عنهم، بقدر المستطاع، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ٥ - جواز التوسل بالحال لقوله: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، توسلوا إلى الله تعالى بذكر حال أهل هذه القرية بأنهم ظالمون لهم، وذكر الحال أن الإنسان مظلوم يوجب الرقة والعطف. واعلم أن التوسل إلى الله يكون بأمور: الأمر الأول: التوسل إلى الله بأسمائه، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فتقول: يا غفور! اغفر لي، ويا رحيم! ارحمني، وهنا ينبغي - أدبًا وعقلًا وفطرة - ألا

стр. 531

يتوسل لمطلوب إلا بالإسم المناسب له، فإذا كان يريد أن يسأل الله المغفرة يتوسل بالغفور، والرزق بالرزاق، والبطش بالظالم بشديد العقاب، وما أشبه ذلك. الأمر الثاني: التوسل إلى الله تعالى بصفاته، مثاله ما جاء في الحديث المأثور: "اللهم برحمتك أستغيث" (١) فإن هذا التوسل إلى الله بصفة من صفاته، ومنه أيضًا: "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني إذا علمت الحياة خيرًا لي" (٢) ومنه أيضًا: "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك ... " الحديث (٣). الأمر الثالث: التوسل إلى الله بأفعاله وإن كانت من الصفات، لكن هي نوع آخر كحديث: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" (٤)، فإن الصحيح: أن الكاف هنا للتعليل؛ أي: لأنك صليت على إبراهيم، ولا غرابة أن تأتي الكاف للتعليل، فقد جاءت في قوله

стр. 532

تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]؛ أي: لهدايته إياكم على أحد الوجهين. وإذا قلنا: إن الكاف في قوله: "كما صليت على إبراهيم" (١) للتعليل زال عنا الإشكال الذي يعرضه كثير من العلماء، وهو: كيف يشبّه الصلاة على محمد ﷺ بالصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، مع أن محمدًا وآله أفضل من إبراهيم وآله؟ ! وإذا جعلناها للتشبيه - وهو لا يصح لكن تنزلًا - فإن ذلك على قول بعض العلماء من باب ذكر الصلاة على النبي ﷺ مرتين، مرة مطلوبة، ومرة مخبرًا عنها عنه، فمطلوبة في قوله: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" (٢)، ومخبرًا عنها في قوله: "كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" (٣)، فإن محمدًا لا شك أنه من آل إبراهيم نسبًا ومن آله اتباعًا، كما قال الله تبارك تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٦٨]، فهو من آله ﵊ نسبًا واتباعًا. لكن ما ذكرناه أولًا أنه من باب التوسل إلى الله تعالى بأفعاله أولى. الرابع: التوسل إلى الله تعالى بحال الداعي، يعني: بأن يذكر الإنسان حاله لله ويعرضها، فإن ذكر الحال التي

стр. 533

تقتضي الحنو والعطف توسل بها، ومنه قول موسى ﵊: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]. الخامس: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان بالله ورسوله ﷺ ، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]. السادس: التوسل إلى الله بدعاء الصالحين، كأن يتوسل الإنسان إلى الله بدعاء رجل صالح، مثل قول عكاشة بن محصن: "ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم" (١)، ومثل قول الأعرابي الذي قال: "يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا" (٢). السابع: التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح؛ كتوسل الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، فإن ثلاثة آواهم المبيت إلى غار فدخلوا فيه، ثم انطبقت عليهم صخرة، فعجزوا عنها، فتوسلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحة، أحدهم بالبر بوالديه، والثاني بالعفة، والثالث بالوفاء، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون. فهذه أقسام التوسل الجائزة.

стр. 534

أما التوسل الممنوع فضابطه: أن يتوسل إلى الله تعالى بما ليس بوسيلة؛ لأن هذا نوع من الإستهزاء بالله والسخرية به، إذ أن الوسيلة هي ما يتوسل به إلى المطلوب، فإذا قدمتها بين يدي دعائك وهي ليست وسيلة صار هذا كالإستهزاء بالله ، مثل: أن يتوسل الإنسان بنفس الشخص الصالح، ويقول: اللهم إني أسألك بفلان، ومن ذلك - على القول الراجح - الجاه، كأن يقول: اللهم إني أسألك بجاه فلان، فإن هذا التوسل حرام؛ لأنه توسل إلى الله بما ليس بوسيلة، ولهذا حرم على الإنسان تعليق التمائم إذا لم تكن من القرآن؛ لأنها وسيلة غير صالحة، فكل من توسل إلى الله بوسيلة غير صالحة فإن توسله حرام. وأما التوسل بجاه النبي ﷺ فلا يجوز؛ لأنه ليس وسيلة، إذ إن جاه النبي ﵊ منزلة رفيعة للرسول لا تنفع أحدًا، أما جاه الله فلا يجوز التوسل به، إلا إذا أراد بالجاه الوجه وقال: أتوسل بصفة الله، مثل: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم؛ لأن الجاه معناه المنزلة عند الغير، كما يقال: فلان له جاه عند فلان، يعني: منزلة عالية، فمن أعلى من الله؟ ! ٦ - جواز الجهر بالسوء لمن ظلم، فتقول: فلان ظلمني، وفلان أخذ مالي، وما أشبه ذلك، ولا يُعد هذا من باب الغيبة، لقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، وقد قال الله ﵎: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]. ٧ - أن أيدي الكفار لها ولاية على ما تحتها، بمعنى: أن الكافر إذا كان له بلد أو مدينة أو ما أشبه ذلك فإنه له ولاية عليها، لقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ فجعلهم أهلها، ومع ذلك فليسوا

стр. 535

أهلًا فى الحقيقة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]. ٨ - جواز دعاء الإنسان ربه أن يخرجه من القرية الظالم أهلها، لقوله: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ وإذا كان له قدرة فليخرج. ولكن هل المراد: بـ ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ الذين اعتدوا علينا أو: الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ الذين اعتدوا على حق الله؟ الجواب: الظاهر الأول، يعني: أن الإنسان لا يجوز أن يدعو الله أن يخرجه من البلد إلا إذا كان أهلها قد ظلموه، بمنعه عن دينه وعن إقامته، أما إذا كانوا ظالمين أنفسهم ولكنهم لا ينالون مسلمًا بسوء فإنه لا تجب الهجرة، ولا ينبغي أن يدعو الله أن يخرج منها، إلا إذا خاف على دينه. ٩ - أن للإنسان أن يطلب من الله تعالى وليًا من عنده، لقوله ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ ولا يقال: إنه لا بد أن تقول: اللهم تولني، فأنت إما أن تدعو الله بأن يتولاك أو أن ييسر لك وليًا، وكذلك يقال في قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾. ١٠ - بيان علو همة هؤلاء حيث قالوا: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ في الولي ومن لدنك في النصير؛ لأن الولي إذا جاء من عند الله وكذلك النصير فهذا هو الذي ينفع، أما الولي الذي لا يأتي من عند الله وإنما حملته الحمية والعصبية فهذا قد ينفع، وقد لا ينفع. ١١ - التوسل بالربوبية لقوله: "ربنا" وهذا من أنواع التوسل بالصفات، وأكثر ما يكون الدعاء إذا كان فيه توسل

стр. 536

يكون بالربوبية؛ لأن الربوبية هي التي فيها الملك والخلق والتدبير، وإن كانت تأتي بالألوهية مثل: "اللهم" لكن أكثر ما تكون بالربوبية. ١٢ - بيان أن الإيمان يحمل على الإخلاص، لقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ويمكن أن نقيس على هذا بقية الأعمال الصالحة، فالذين آمنوا يتعلمون العلم لحفظ شريعة الله ونشرها بين عباد الله، والذين آمنوا يتعبدون لله تعالى بالصلاة والصدقة وغير ذلك، تقربًا إلى الله، وعكس ذلك الذين كفروا. ١٣ - الثناء على المؤمنين بالإخلاص؛ لأن الله ساق ذلك ثناءً عليهم. ١٤ - بيان أن من قاتل في غير سبيل الله ففيه خصلة من خصال الكفر، لقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾، حتى لو كان مؤمنًا يصلي ويصوم ويزكي ويحج وهو يقاتل حمية أو عصبية ففيه شبه من الكفار، وخصلة من خصالهم. ١٥ - وجوب قتال أولياء الشيطان، يؤخذ من قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾، فأمر الله تعالى بقتال أولياء الشيطان. ١٦ - ذكر ما يحمل على الإمتثال، يؤخذ من قوله: ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾؛ لأن هذا فيه الحث والإغراء على مقاتلتهم. ١٧ - أن الكفار المحاربين من أولياء الشيطان، لقوله: ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾، وكانوا أولياءه؛ لأنهم يمتثلون لأمره ولنهيه، فإذا أمرهم بالفحشاء امتثلوا، وإذا نهاهم عن البر امتثلوا، فبذلك صاروا له أولياء. ١٨ - بيان ضعف ما يعمله الشيطان بالكيد أو بغير الكيد؛

стр. 537

لأنه إذا كان كيده ضعيفًا فما يكيد به أضعف، لقوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. ١٩ - أنه لا ينبغي للإنسان، أن يخشى أو يخاف أولياء الشيطان؛ لأن أولياء الشيطان ضعفاء، كما أن الشيطان الذي هو وليهم كيده ضعيف. ٢٠ - أن الشيطان يكيد للإنسان، لقوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ﴾ فاحذر كيده لا يغرنك، فربما يوسوس لك في التهاون في العبادات المطلوبة، أو في غشيان الأشياء الممنوعة، ويقول: الله غفور رحيم، والأمر سهل افعل وتب، حتى يكيد لك فتقع في الشباك، فاحذر كيده! * * * * قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ [النساء: ٧٧]. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الإستفهام هنا: استفهام تعجب، يعني: اعجب لحال هؤلاء. وقوله: ﴿تَرَ﴾ يحتمل أن تكون: رؤية علمية، أو رؤية بصرية، والظاهر أنها رؤية علمية، يعني: تعجَّبْ من حال هؤلاء بقلبك وفكرك. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ القائل مبهم، والظاهر أنه النبي ﷺ .

стр. 538

وقوله: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ أي: امنعوها عن القتال، وذلك أن بعض الصحابة الذين كانوا في مكة، لما ظلمتهم قريش وضيقت عليهم، قالوا: لماذا يحجرون علينا ويظلموننا؟ أفلا نقاتلهم؟ فقيل لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ أي: لا تقاتلوهم؛ لأن القتال في غير موضعه مهلكة، فلا تقاتلوا، بل ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ والمسلمون كانوا في مكة مضطهدين مظلومين، وليس لهم شوكة، وليس لهم دولة، فالقتال غير لائق إطلاقًا، فقيل لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ أي: عن القتال، والدليل أن المراد عن القتال، قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤]، أي: عن القتال. قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ يعني: قوموا بالعبادات الخاصة التي ليس فيها قتال ولا جهاد. فقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هذه عبادة خاصة بالإنسان، لا تتعداه إلى غيره. وقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وهذه عبادة تتعداه إلى غيره، لكنها عبادة، فالزكاة - مثلًا - لا يراد بها مجرد الإحسان إلى الفقراء، بل أهم شيء فيها أن تتعبد لله ببذل المحبوب - وهو المال - لنيل المطلوب، ولهذا يغلط من يفهم من الزكاة أنه لا يراد بها إلا مجرد نفع المستحقين، وهذا ليس هو المقصود، بل المقصود التعبد لله ببذل ما نحب، وكلنا يحب المال، كما قال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ [الفجر: ٢٠]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ [العاديات: ٨]، أي: المال ﴿لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦]. والصلاة هي: التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة

стр. 539

بالتكبير، مختتمة بالتسليم. وهنا يجب أن يُلحق بالتعريف الذي عرفها به الفقهاء في العبادات قيد "التعبد لله"، فنحن نجد في كتب الفقهاء أن الصلاة هي: أقوال وأفعال معلومة، وهذا لا يكفي؛ لأن الإنسان لو أراد أن يقول هذه الأقوال وأن يفعل هذه الأفعال بدون تعبد لله فإنها لا تكون صلاة، فيجب أن نزيد ونقول هي: التعبد لله، بأقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم. والزكاة هي: التعبد لله ببذل جزء من المال على وجه مخصوص معلوم من السنة. وقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ "آتى" تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، بل هما من باب "كسى" والمفعول الثاني محذوف والتقدير: مستحقها أو أهلها. قوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ أي: فلمّا فُرض، والكتب بمعنى الفرض، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: فرضًا؛ فـ ﴿كُتِبَ﴾ أي: فرض، وفرض حين هاجر النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، وكان لهم دولة، وكان لهم شوكة، حينئذٍ أمروا بالجهاد. كما قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج: ٣٩]، وكان فرض الجهاد على المسلمين في السنة الثانية من الهجرة. ولما كتب عليهم القتال: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ أي: من الذين طلبوا أن يقاتلوا وهم في مكة،

стр. 540

لما كتب عليهم القتال في المدينة تخلف فريق منهم، وزالت عزيمته التي كانت في مكة. وفي قوله: ﴿عَلَيْهِمُ﴾ ثلاث قراءات ضم الهاء والميم، وكسر الهاء وضم الميم، وكسرهما جميعًا، الأول: "عَلَيْهُمُ"، والثاني: ﴿عَلَيْهِمُ﴾، والثالث: "عَلَيْهِمِ"، والمعروف في المصحف الآن هو كسر الهاء وضم الميم. فقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ أي: طائفة منهم، ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ "يخشونهم" أي: يخافونهم، ويتقونهم، ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: كخشيتهم لله، ولهذا نقول: إن هذا المصدر مضاف إلى مفعوله، والتقدير: كخشيتهم الله. قوله: ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾: ﴿أَوْ﴾: حرف عطف، ولكن هل هي للشك أو للتنويع، أو للإضراب؟ الجواب: نقول: أما للشك فلا؛ لأنه لا يمكن أن الله يشك، بل الله عالم، والإنسان هو الذي يشك، فيقول: هذا مثل هذا أو أحسن! والتنويع يعني أن بعضهم يخشون الناس كخشية الله، وبعضهم يخشون الناس أشد خشية، وهذا محتمل، ويحتمل الإضراب وأن المعنى: بل أشد خشية، أو لتحقيق ما سبق، ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ [الصافات: ١٤٧]، قال العلماء: كيف ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾؟ فالله يعلم أنهم بعدد معين، فكيف قال: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾؟

стр. 541

فالجواب: نقول: ﴿أَوْ﴾ هنا ليست للشك قطعًا، لكن بعضهم قال: إنها للإضراب، والمعنى: بل يزيدون، وبعضهم قال: إنها لتحقيق ما سبق، كما تقول: هذا مثل هذا إن لم يكن مثله فهو أعلى منه مثلًا، فتكون ﴿أَوْ﴾ لتحقيق ما سبق، وأما للتنويع في الآية: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ [الصافات: ١٤٧] فلا تأتي؛ لأنهم طائفة واحدة لا يمكن فيها التنويع. وعلى كل حال: ﴿أَوْ﴾ في مثل هذا السياق لا يمكن أن نجعلها للشك؛ لأن الشك لا يمكن أن يقع في خبر الله . وإذا قلنا: إن ﴿أَوْ﴾ للإضراب فالإضراب نوعان: إضراب إبطال، وإضراب انتقال، وهذا انتقال، فليس المعنى أنه يبطل المعنى الأول لأجل الثاني، بل المعنى لأجل تحقق هذا الأمر فإنهم لا يمكن أن ينقصوا عن مائة ألف. قوله: ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ يعني: أعلى وأعظم خشية. واعلم أن الخشية والخوف كلمتان تترادفان، بمعنى: أن إحداهما تأتي في مكان الآخرى كثيرًا، لكن قالوا: إن هناك فرقًا دقيقًا بينهما، فمن الفروق: أن الخشية مبنية على علم، بخلاف الخوف فقد يأتي عن وهم لا حقيقة له، فقد يرى الإنسان شبحًا من بعيد فيظنه عدوًا فيخاف، فنقول: هذا خوف؛ لأنه مبني على وهم، بل قد يكون من شجرة، لكن إذا رأى أنه عدو وأنه متسلح حينئذٍ يخشاه، واستدلوا لقولهم هذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وأورد على هؤلاء قول الله ﵎: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٥٠]، وهنا خوف،

стр. 542

فأجابوا بأن قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يمنع أن يكون هذا الخوف وهمًا، بل هو خوف عن علم. كذلك قالوا: إن الخشية تكون من عظمة المخشي، والخوف يكون إما من عظمة المخوف وإما من ضعف الخائف، وعلى هذا فإذا خاف صبي له سبع سنوات من صبي له عشر سنوات فنقول: هذا خوف؛ لأن الصبي الذي له عشر سنوات ضعيف لا يُخشى منه، لكن لضعف الصبي الثاني الذي له سبع سنوات صار يخاف، فنقول: هذا خوف وليس خشية. وخشية الله لا شك أنها لعظمة المخشي ، وكل من سوى الله فهو ضعيف بالنسبة لله، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]. وقالوا أيضًا: إن الخشية أشد من الخوف، واستدلوا لهذا بالإشتقاق، فقالوا: إن الخشية والشين والياء في جميع تصرفاتها تدل على غلظة، ومنه الشيخ، فـ (شَيَخَ) تدل على كبر وتقدم سن، والإنسان إذا كبر وتقدم سنه صلب عوده، وإذا أردت أن تعدله انكسر، لكن الصغير لين يمكن أن تعدله إذا مال، ولهذا قال النبي ﵊ وهو يوصي السرايا والبعوث قال: "اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم" (١) أي: شبابهم. وقالوا أيضًا: منه الخيش من خَيَشَ، وهو: الخشن من

стр. 543

الكتَّان، وهو غليظ، كل هذا يدل على أن الخشية أعظم وأشد. قوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ سبحان الله! بالأمس يطلبونه والآن يعترضون عليه؟ ! وهذا يدل على ضعف الإنسان مهما بلغ في المنزلة. وقوله: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ الإستفهام هنا إما للتعجب - وهو أليق بحال الصحابة - وإما للإنكار، وهو بعيد بالنسبة لحال الصحابة ﵃. قوله: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هلّا، فهي للتحضيض، وقوله: ﴿أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ولم يقولوا: إلى أجل بعيد؛ لأن الدنيا كلها قريبة، فمهما طالت بالإنسان الحياة فإنها قريبة، وهذا يدل على جبن وخور؛ لأنه لا يلزم من فرض القتال أن يموتوا، وكم من إنسان قاتل وجالد وخاض الغمار وقطع صفوف الأعداء ولم يُقتل، ومنهم خالد بن الوليد ﵁، فكم قاتل؟ ! وكم حارب؟ ثم مات على فراشه، وقال: "ها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء" (١)، فيقال: لا يلزم من القتال أن يُقتل الإنسان، بل إذا فرض عليه الجهاد وجاهد فقد ينجو. وقوله: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ هنا يحتمل أن يكون قوله: ﴿قَرِيبٍ﴾ من كلامهم، وأنهم لا يريدون امتداد العمر الطويل؛ لأنهم يعرفون أن الدنيا كلها قريبة. ويحتمل أن كلامهم انقطع إلى قوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ ولكن الله بين أن الأجل مهما كان فهو قريب.

стр. 544

قوله: ﴿قُلْ﴾ الخطاب للرسول ﵊: ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ أي: والله! متاع الدنيا قليل، لا بالنسبة لنوعه ولا لجنسه، ولا لأمده، فكل ما في الدنيا من نعيم لا يقاس بنعيم الآخرة، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] حتى إن ما يوجد في الدنيا ويوجد له نظير في الآخرة فالفرق بينهما عظيم، بل الفرق بينهما كالفرق بين الدنيا والآخرة، فيهما فاكهة ونخل ورمان ولحم وخمر ولبن وماء وعسل، لكن هذا ليس مثل هذا، ولا يمكن أن يُتصور ما في الآخرة، ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. وأيضًا هو قليل من جهة أمده، ومهما كان فهو قليل، فالذين بقوا في كهفهم ثلاثمائة سنة: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]، والذي أماته الله مائة عام ثم بعثه قال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] وقد قال الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧]، فمهما طال الأمد في الدنيا فإنه قليل، ولقد قال النبي ﵊: "موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (١). ولهذا قال : ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ فالآخرة خير من الدنيا، و ﴿خَيْرٌ﴾ اسم تفضيل حذفت منه همزة أفعل تخفيفًا، لكثرة وروده في كلام الناس، ومثله شر، ومثله ناس، فهو خير في نوعه وجنسه ومدته، ولهذا قال في سورة سبح: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧]. وقوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ هذا قيد لا بد منه؛ لأن الآخرة ليست

стр. 545

خيرًا لغير المتقين، بل هي شر، وإنما هي خير ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ وقوله: ﴿اتَّقَى﴾ أصله من الوقاية، فأصل اتقى أوتقى، لكن قلبت الواو تاءً لعلة تصريفية، ثم أدغمت التاء بالتاء. واعلم أنه إذا ذكرت التقوى وحدها شملت البر، وإذا ذكر البر وحده شمل التقوى، وإذا ذكر البر والتقوى جميعًا صار البر فعل الطاعات، والتقوى ترك المحرمات، فقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، ﴿الْبِرِّ﴾ فعل الطاعات ﴿وَالتَّقْوَى﴾ ترك المحرمات، وهنا قوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ يشمل البر والتقوى. وقوله: ﴿خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ يعني: أما غير المتقي فليست خيرًا له، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد ما يتعلق بذلك. قوله: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ فيها قراءتان: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ بالياء، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ بالتاء، فإن كانت بالتاء، فهي من جملة القول الذي أمر الله نبيه أن يقوله: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ يعني: قل لهم: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، وإن كانت بالياء، يعني: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء: ٧١] فهي من كلام الله . والفتيل: هو الخيط الذي يكون في بطن النواة، والنواة فيها ثلاثة أشياء يضرب بها المثل في الحقارة: النقير، والقطمير، والفتيل، فالفتيل هو: الخيط الذي يكون في بطن النواة، وعليها سلك يسمى قطمير، وفي ظهرها نقرة تسمى النقير، وهذه النقرة إذا دفنت في الأرض وأراد الله أن تنبت خرج العرق من هذه النقرة، ثم انتشر في الأرض، وبعد مدة يكون كل المخ الذي فيها قد انسحب ولا يبقى إلا القشر الذي هو جلدها. ويضرب المثل بهذه الأشياء الثلاثة في قلة الشيء وحقارته،

стр. 546

والمعنى: أن جميع الناس ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧]، بل كل يجازى بعمله. ولو قال قائل: لو كان عمر الكافر في الدنيا مائة سنة، ويبقى في النار أبد الآبدين فهذا ظلم، يعني: كيف يكون الجزاء أبد الآبدين والعمل محدد بمائة سنة أو نحو ذلك؟ فالجواب: أن نقول: استوعب ظلمه وكفره جميع حياته في الدنيا فليستوعب جزاؤه جميع بقائه في الآخرة، ثم هو قد أعذر الله إليه، وقد بين له، فليس له عذر، والأمر ليس مبهمًا حتى يقال: إنه ظلم. من فوائد الآية الكريمة: ١ - الدعوة إلى التعجب لما يكون محل تعجب؛ لأن الإستفهام في الآية للتعجيب. ٢ - أن الإنسان قد يتعجل الشيء فإذا نزل به نكص عنه، وهؤلاء تعجلوا القتال فلما أمروا به نكص بعضهم عنه، ولهذا قال النبي ﵊: "لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا فإن الجنة تحت ظلال السيوف" (١). ٣ - ويتفرع من هذه الفائدة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يتدخل في أمر يعجز عن الخروج منه؛ لأن فيه إذلالًا للنفس ووجهه أن

стр. 547

الإنسان إذا شرع في الشيء ثم عجز عنه وتأخر نزلت قيمته عند الناس، وقالوا: هذا رجل متسرع، متعجل، كيف يدخل في أمر وهو لا يعرف كيف يخرج منه؟ ! ٤ - أن الإنسان إذا كان لا يستطيع أن يقوم بالجهاد فليحسن الأعمال أو العبادات الخاصة؛ لأنه أُمر بها, لقوله: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. ٥ - أن قتال الكفار فرض، لقوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾. وهل هو فرض عين أو فرض كفاية، نقول: الأصل أنه فرض كفاية. ويكون فرض عين كما قال العلماء في أربعة مواضع: الموضع الأول: إذا حضر الصف؛ فإنه حينئذ يتعين عليه أن يقاتل، فإن تولى فذلك من كبائر الذنوب، لقول الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦] ولأن النبي ﷺ جعل التولي يوم الزحف من الموبقات. الموضع الثاني: إذا حصره العدو فيجب عليه الدفاع؛ لأنه إذا انهزم أمام العدو صار في هذا فتنة كبيرة في الدين، والله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]. وإذا حُصر بلده، فإنه يتعين عليه أن يدافع عن بلده، ولا يستسلم بقدر ما يستطيع.

стр. 548

وحصر العدو وحصر الإنسان سواء، يعني: لو حُصر جماعة في البرية أو في البلد فالعبارة واحدة. الموضع الثالث: إذا دعاه الإِمام وجب أن يستجيب؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]، وهذا إنكار عليهم؛ لأنهم إذا قيل لهم: انفروا في سبيل الله اثاقلوا إلى الأرض. الموضع الرابع: إذا احتيج إليه، مثل أن يكون عنده علم بنوع من السلاح لا يعرفه إلا هو، فهنا يتعين عليه أن يتقدم ويقاتل. إذًا: الأصل أن القتال فرض كفاية، ويتعين في هذه الأمور الأربعة. والقتال ليس لإرغام الناس على الدخول في دين الله إنما القتال لأجل أن تكون كلمة الله هي العليا؛ بحيث لا يقوم أحد يضاد الدين ويمانعه، والدليل على هذا: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث بريدة بن الحصيب أن الرسول ﵊ كان إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا، وفيه: "فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم" (١)، وهذا يدل على أن القتال ليس لإرغام الناس على أن يسلموا؛ لأن إعطاء الجزية لا

стр. 549

يعني الإِسلام، وإنما يعني الإستسلام وعدم المنابذة، فإذا كان الدين كله لله وهو الظاهر الغالب فقد قام الناس بالواجب. وقتال الكفار ليس من باب دفع الصائل بحيث لا يقدم على القتال إلا إذا تعذر ما دونه، ولذلك نجهز على جريحهم، ونتبع مدبرهم، ونقتل الجريح والمدبر، أما قتال أهل البغي فهذا من باب دفع الصائل، ولهذا لو قامت طائفة على الإِمام وقاتلهم فإنه لا يجوز الإجهاز على الجريح، ولا اتباع المدبر، إلا إذا علمنا أنه أدبر ليجهز نفسه من جديد، فحينئذ لنا أن نتبعه لكن دون أن نقتله، وإنما نحبسه حتى لا ينشأ شره من جديد. ٦ - ذم من خشي الناس كخشية الله أو أشد، لقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، وعلامة ذلك: أن الإنسان يترك ما أوجب الله عليه خوفًا من الناس، أو يفعل المحرم خوفًا من الناس، فإن هذا مذموم، وقد يصل أحيانًا إلى الشرك بالله ، فالواجب على العبد ألا يخشى الناس كخشية الله؛ لأن الناس كما قال النبي ﵊ لعبد الله بن عباس ﵄: "اعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك" (١) فأنت أيها الإنسان! مأمور بفعل الأسباب التي توصلك

стр. 550

إلى المنفعة، وترك الأسباب التي توصلك إلى المضرة، أما أن يكون ذلك على حساب دينك فهذا لا يجوز. ٧ - ذم من اعترض على أحكام الله الشرعية، كما في هذه الآية: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ والكونية لقوله: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ فإن هذا يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي، فلا يجوز أن يعترض الإنسان على أحكام الله الشرعية، ولا على أحكام الله الكونية، بل عليه أن يستسلم، أما الشرعية فمن الناس من يستسلم ومنهم من لا يستسلم، وأما الكونية فالجميع مستسلمون كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] فهذا السجود الكوني كل إنسان ذليل خاضع لحكم الله الكوني، ولا يمكن أن يدافعه أبدًا، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٧]. علينا أن نستسلم وليس لنا أن نعترض. فكلمة "لِمَ" ممنوعة شرعًا وقدرًا. و﴿مَتَى﴾ ليست ممنوعة إلا إذا كان الحامل عليها التكذيب، كقوله: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨]. و"أين" غير ممنوعة، ذلك أن تستفهم أين يكون الحكم الشرعي، أو الحكم الكوني، بل إن الرسول ﷺ قال للأَمَة: "أين الله؟ " (١) فالإستفهام يختلف.

стр. 551

و"كيف" إذا كانت عن الحكم فليس بممنوع، وإذا كان عما يتعلق بأمور الغيب فهو ممنوع، كما قال السلف الصالح فيمن سأل عن كيفية صفات الله . ٨ - التزهيد في الدنيا، لقوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ وصدق الله ورسوله، فإن متاع الدنيا قليل، فاسأل من عُمّر مائة سنة مثلًا، وقيل له: كم تقدر أنه مضى من عمرك؟ فسيقول لك: أنا في الوقت الذي أنا فيه كأني ولدت الآن، وكل الذي مضى قد ذهب، فهو إذًا عمر قليل، وكذلك ما يوجد من الدنيا بالنسبة للآخرة فهو قليل ليس بشيء، فإن جئت - مثلًا - إلى الثمار تجدها تأتي زمنًا وتغيب آخر، والفواكه والزروع كذلك، والأمطار كذلك، كلها قليلة، وهذا من حكمة الله ؛ لأن الله لو أتم لنا النعمة في هذه الدنيا من كل وجه لاغتررنا بها، وقد أشار الله إلى هذا في قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الزخرف: ٣٣] يعني: على الكفر ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥]. ٩ - جواز التفضيل بين شيئين متباينين غاية التباين، لقوله: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾؛ لأنه لا نسبة بين الدنيا والآخرة، لكن لما كانت الدنيا عاجلة والنفس مولعة بحب العاجل صار التفضيل بينهما مستحسنًا، فالآخرة خير لمن اتقى، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤] مع أن أصحاب النار ليس عندهم خيرية إطلاقًا، لكن من أجل الترهيب منها، ومن أجل بيان أن أصحاب النار في شر حال. * * *

стр. 552

* قال الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء: ٧٨]. قال : ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾. أولًا: الإعراب: قوله: "أين" اسم شرط جازم، و"ما" زائدة للتوكيد، وفعل الشرط قوله: ﴿تَكُونُوا﴾ وقوله: ﴿يُدْرِكْكُمُ﴾ جواب الشرط. قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ ﴿لَوْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط فيها قوله: ﴿كُنْتُمْ﴾، ولم نجد جواب الشرط في ﴿لَوْ﴾، فقيل: إن جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله، والتقدير: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ لأدرككم الموت، وقيل: إنها في مثل هذا السياق لا تحتاج إلى جواب، وهذا اختيار ابن القيم ﵀ في كتابه "أقسام القرآن" (١)، بل لو جيء بالجواب لكان الكلام ركيكًا ليس ببليغ، وهذا الحذف يوجد في القرآن كثيرًا، فتجد جملة شرطية عائدة على ما سبق؛ أي: أن جوابها يفهم مما سبق وحينئذ نقول: لا تحتاج إلى جواب، وتقدير الجواب يجعل الكلام ركيكًا، وقوله: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ "يكاد" من أفعال المقاربة، ويعمل عمل كان وأخواتها، يرفع الإسم، وينصب الخبر، وبقية الآية ظاهرة ليس فيها إشكال.

стр. 553

يقول الله ردًا على هؤلاء الذين قالوا: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ٧٧] يقول: إذا كنتم تقولون ذلك من أجل أن تتمتعوا قليلًا في الدنيا فإنكم لن تنجوا من الموت، ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾، سواء كنتم في الجو، أو في البحر، أو في الأرض، أو في بروج مشيدة، أو في دور منهارة، أو في فلاة من الأرض، ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ و"أين" معروف أنها للمكان. وقوله: ﴿يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: لا يخطئكم ولا تفوتونه، بل في آية أخرى ما هو أشد، حيث قال الله : ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]، ولم يقل: فإنه لاحقكم، بل قال: ﴿مُلَاقِيكُمْ﴾، وما ظنك بشيء إذا فررت منه لاقاك؛ تكون أنت أسرع إليه مما لو كان يلحقك ولا شك؛ لأنه يجتمع فرارك، والثاني ملاقاتك فيكون أسرع، فقول الله : ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ وماذا بعد الموت؟ بعد الموت ملاقاة الله بالخير أو بالشر؟ ولا ندري متى يكون الموت، ولا في أي أرض، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] إذًا: فلنستعد، ولنكن دائمًا في يقظة، حتى إذا أدركنا الموت فنحن على الحال التي يرضاها ربنا . وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ﴾ البروج: جمع برج، وهو: البناء العالي، ومنه البروج التي في السماء، وهي اثنا عشر برجًا أشار الله إليها في قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١].

стр. 554

هذه البروج تدور عليها أوقات السنة من الربيع والصيف والخريف والشتاء، وكل فصل يكون له ثلاثة بروج. وأحسن البروج وأنفعها للبدن برج الحَمَل الذي يكون في أول الربيع؛ فإنه أصح ما تكون فيه الأجسام، هذا من حيث إنه برج، لكن هناك أشياء تعتري الإنسان يكون فيها بدنه صحيحًا أو يكون مريضًا حسب الحال، لكن من حيث الزمن أحسن ما يكون فصل الربيع. فالمراد بالبروج هنا الأبنية العالية؛ لأنها تشبه بروج السماء في علوها وارتفاعها، وأما من قال: إن المراد بذلك البروج السماوية فقد أبعد وأخطأ؛ لأن الله قال: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ وهذا الوصف لا يكون أبدًا للبروج السماوية، إنما يكون للقصور العالية. وقوله: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: محكمة متقنة، ويضاف إلى ذلك أنها مطلية بالشيد، وهو: الجص؛ أي: مطلية بالبياض؛ لأن البياض محبوب للنفس، واقٍ من حر الشمس، فلذلك تُشاد به القصور. وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الهاء في قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ تعود للمكذبين للرسول ﷺ . والمراد بالسيئة هنا: ما يسوء، وليس المراد بها سيئة العمل، بل ما يسوء الإنسان، مثل: القحط، والمرض، والفقر، وما أشبه ذلك، القحط من السماء فلا تمطر، والجدب من الأرض فلا تنبت، فإذا أصابتهم سيئة قالوا: هذه من عندك، وإن أصابتهم حسنة وهي ضدها من الخصب والمطر والغنى والصحة قالوا: هذه من عند الله، يعني: ليس لك فضل، وفي السيئة يقولون: هذه من عند محمد هو الذي أتى بها، فيتطيرون به عليه

стр. 555

الصلاة والسلام، وهذا كقول بني إسرائيل لموسى: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧]. وكما قالت الأقوام لرسلهم: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨)﴾ [يس: ١٨] فالتطير كان من شأن المكذبين للرسل، حيث إنهم كانوا يقولون: ما أصابنا من الجدب والقحط والمرض والفقر فهو منكم، وإن أصابهم ضد ذلك مما هو حسن في نفوسهم قالوا: هذا من عند الله. قال الله تعالى ردًا عليهم ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد! ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الحسنة والسيئة من عند الله؛ لأن الله هو الذي يقدر ذلك، وليس من مجيء الرسول ﷺ ، بل مجيء الرسول لا يأتي إلا بخير، لكن هم يتحججون على الرسول ﷺ بهذه الشبهات لأجل أن يكذبه الناس وينفروا منه. وقول الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فهو الذي يقدر الخير ويقدر الشر، وهذا الجواب جواب سديد؛ لأنه لا يمكن أن يأتي بالمطر إلا الله، ولا يمنع المطر إلا الله، ولا يأتي بالصحة إلا الله، ولا يأتي بالمرض إلا الله ، فالكل من عند الله. وقوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ "ما" استفهام تعجب، يعني: عجبًا لهؤلاء القوم. ﴿لَا يَكَادُونَ﴾ أي: لا يقربون، ومعلوم أن نفي القرب نفي للمباشرة من باب أولى، فإذا كانوا لا يكادون يفقهون فمن باب أولى لا يفقهون إطلاقًا وليسوا قريبين من الفقه، وقوله: ﴿حَدِيثًا﴾ أي: ما يحدثون به.

стр. 556

من فوائد الآية الكريمة: ١ - أنه لا مفر من الموت، فمهما كان الإنسان قويًا في سلطانه وفي حصونه فإنه لا مفر له من ذلك، يؤخذ هذا من قوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾. ٢ - أنه يجب على الإنسان أن يستعد للموت؛ لأنه لا مفر له منه، وإذا كان لا مفر فلنستعد له ولنعمل. ٣ - إسناد الإدراك إلى الموت، ويتفرع عليها أن الأسباب يصح أن يسند إليها الشيء، لكن بشرط أن يعتقد أن هذه الأسباب لا تؤثر بنفسها، وإنما هي من الله . ٤ - أن الحصون لا تغني عن قدر الله لقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. ٥ - استعمال المبالغة في الكلام، وأن هذا من أساليب اللغة العربية لقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. ٦ - جواز حذف ما يعلم، ولا يعد ذلك خللًا في الكلام، لقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، ويتفرع من هذه الفائدة ما يكون في عقود البيع والإجارة والرهن والوقف وما أشبهها، فمثلًا: إذا قال الإنسان: وقفت هذا على فلان ولو كان غنيًا، المعنى: ولو كان غنيًا فهو وقف عليه، وعلى هذا فيكون الوقف ثابتًا لهذا الموقوف عليه على كل تقدير. ٧ - أنه جرت في العادة أن الناس يتحصنون عن العدو بالقصور العالية المحكمة، فلو كان هناك عدو يريد مداهمتك فإنك لا تستجير منه بخيمة من الخرق، أو ببناء من الخشب وإنما ببروج عالية محكمة حتى لا ينالك منه شيء، ولهذا نجد الناس

стр. 557

الآن صنعوا السيارات المدرعة، وصنعوا البنايات المسلحة، وتحصنوا عن العدو بأقوى ما يكون من التحصن. ٨ - تلبيس أعداء الرسل على العامة بما يقدر الله سبحانه من البلاء والإمتحان؛ كالجدب والفقر والمرض إذا بعث الرسل. فيكون لله الحكمة فيما قدره ليبتلى العباد أيقبلون أم لا؟ لكن يتخذ أعداء الرسل من هذا ذريعة للتنفير من الرسل. ٩ - إقرار المكذبين للرسول ﵊ بتوحيد الربوبية، وتؤخذ من قولهم: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ فهم يقرون بالله ، ويقرون بأن ما يحدث في الكون فمن الله، وأن الله هو الرزاق، وأنه المحي المميت، يقرون بهذا كله، لكن لا يقرون بلازمه وهو توحيد الألوهية. ١٠ - أن الحسنات والسيئات كلها من عند الله، لقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية والتي بعدها وهي قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]؟ قلنا: الجمع بينهما أن لكل خطاب مكانه، فهنا نخاطب القوم الذين احتجوا بما يصيبهم من البلاء على بطلان ما جاءت به الرسل، فرد الله تعالى عليهم بأن كلًا من عند الله. أما الآية الثانية: فإن فيها بيان أن ما أصاب الرسول ﵊ من الحسنات فمن الله، وما أصابه من السيئات فمن نفسه. ونظير ذلك: أن الله أبطل قول الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا

стр. 558

أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] لأنهم يحتجون بالقدر على معاصيهم وشركهم، وقال في آية أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]؛ لأن الخطاب في الآية الثانية موجه للرسول ﷺ كما يبين ذلك آخرها: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾ [الأنعام: ١٠٧] فوجه الخطاب إليه بقضية أبطلت حين جاءت من جهة أخرى؛ لأجل أن يطمئن الرسول ﷺ أن إشراكهم كان بقدر الله، فيرضى ويسلم لقدر الله، لكن ذلك لا يمنعه من القيام بما يجب من تبليغ الرسالة. وهنا نقول: لما أراد المشركون أن يحتجوا بأن الحسنة من الله ومجرد فضل منه، وأن السيئة من الرسل أبطل الله ذلك، فبأي وجه يكون مجيء الرسل سببًا للجدب والقحط والفقر والمرض؟ لكن ما أصاب الإنسان من الحسنة فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه؛ لأنه هو السبب، فإضافتها إلى النفس من باب إضافة الأشياء إلى أسبابها، وإضافتها إلى الله من باب إضافة المقدور إلى مقدره وهو الله . ١١ - ذم من لا فقه عنده، لقوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾، ويتفرع على ذلك: مدح من وفقه الله للفقه في دين الله؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" (١). * * *

стр. 559

* قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩]. ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، ﴿مَا﴾ هذه شرطية، وجواب الشرط قوله: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ ويقال: مثل ذلك في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. وقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ المراد بالحسنة هنا ما يحصل للإنسان من الصحة والرزق وغير ذلك، فهي مجرد فضل من الله؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] ولولا إنعام الله وفضله ما حصل لنا هذا الخير الذي نحن فيه. وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ وهي ضد الحسنة؛ أي: ما يسوءك من قدر الله ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ يعني: فأنت السبب. والخطاب في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ﴾ قيل: إنه للرسول ﷺ ؛ لأن الله قال له: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] ثم قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ﴾، وقيل: إن الخطاب لغيره، فهو موجه لكل من يتأتى خطابه. حجة الأولين: أن السياق يقتضي ذلك في قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ثم قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ﴾، والسياق على نمط واحد. وحجة الآخرين أنهم قالوا: إن النبي ﷺ لا يسيء إساءة تكون المصائب التي تصيبه من عنده، ولكن الأولى الأخذ بظاهر السياق، وأن الخطاب للرسول ﵊، وإذا كان هذا للرسول ﷺ فمن دونه من باب أولى، وهذا لا شك فيه. ولهذا قال: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ فصار القول الذي

стр. 560

رجحناه مؤيدًا بكلام سابق، وبكلام لاحق وهو قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾. لو قال قائل: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾ ألا يكفي عن قوله: ﴿رَسُولًا﴾؟ قلنا: بلى، لكن كلمة ﴿رَسُولًا﴾ أبلغ مما لو اقتصر على الفعل، هذا من وجه. ومن وجه آخر: أن ذكرها يفيد بأنه أهل للرسالة، كما تقول لشخص ما: وكلتك بائعًا، يعني: لأنك أهل للوكالة لكونك عارفًا بالبيع قادرًا عليه، فيكون ذكر الرسول هنا من باب التوكيد، وبيان أنه أهل للرساله ﷺ . وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ﴿كَفَى﴾ فعل ماضٍ، و"الباء" حرف جر زائد لفظًا وليس زائدًا معنى، والمعنى: كفى الله تعالى شهيدًا عن كل شيء. من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان أن ما يصيبنا من الحسنات فهو محض فضل من الله، لقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، ويدل لذلك: أن الحسنة التي تصيبك إما أن تكون ابتداءً، وإما أن تكون ثوابًا، فإن كانت ابتداءً فكونها فضلًا واضحة، وإن كانت ثوابًا على عمل فإن توفيقنا للعمل الذي كانت هذه الحسنة ثوابًا له من الله . إذًا: فهي من الله سواء كانت ابتداءً أم ثوابًا. ٢ - جواز إضافة الشيء إلى سببه، لقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. ٣ - أنه يجب على الإنسان إذا أصابته الحسنة أن يوليها

стр. 561

شكرًا لله ؛ لأنها منه تفضلًا وإحسانًا، وإذا أصابته السيئة فلينظر في نفسه حتى يحاسبها ويستعتب فترتفع السيئة. فإذا قال قائل: إذا كان الخطاب للرسول ﵊ فهل الرسول ﵊ يفعل فعلًا يعاقب عليه؟ الجواب: أن النبي ﷺ أمره الله أن يستغفر لذنبه وللمؤمنين، وقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢] وهو من بني آدم، وبنو آدم خطاءون، وخير الخطائين التوابون، فالنبي ﷺ قد يخطئ، ولهذا قال: "اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي" (١). لكن الفرق بينه وبين سائر البشر ممن أرسل إليهم: أنه لا بد أن يُوفق للإستغفار والتوبة، أما غيره فقد يوفق وقد لا يوفق، وبهذا نعرف أن النبي ﷺ قد يحصل منه ما يكون سببًا في إصابته للسيئة، ولكنه يزداد بذلك رفعة ودرجة عند الله . ٤ - عموم رسالة النبي ﷺ لجميع البشر، لقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾، ويتفرع على ذلك الرد على النصارى الذين زعموا أن محمدًا ﷺ رسول إلى العرب خاصة؛ لأننا نقول لهم: أنتم الآن تؤمنون بأنه رسول، وأنه من عند الله، وقد قال الله عنه: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾ فيلزمكم على إقراركم بأنه رسول بأن تقروا بأن

стр. 562

رسالته عامة، وإلا فقد كذبتموه، فمتى أقررتم بأنه رسول ولو إلى العرب لزمكم أن تقروا بأنه رسول إلى كافة الناس. ٥ - الإشارة إلى أن النبي ﷺ أهل للرسالة، وكفء لها، وقائم بها, لقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ فهو ابتداءً أهل لها، وهو غاية منفذ لها تمامًا. ٦ - أن شهادة الله له بالرسالة مغنية عن كل شهادة، لكن لمن اتقى. وقد شهد الله لنبيه ﷺ بأنه رسول حقًا بشهادتين: شهادة قولية، وشهادة فعلية: أما الشهادة القولية: ففي قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ [النساء: ١٦٦]. وأما الشهادة الفعلية: فهو تمكينه من إبلاغ الرسالة، ونصره على أعدائه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ [الحاقة: ٤٤] قال: "بعض"، وليس كل الأقاويل: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٥ - ٤٦] يعني: لأهلكناه. ومع هذا كله أيده الله تعالى بآيات بينات معجزات ظاهرات، حسية ومعنوية، وما أحسن مراجعة ما كتبه شيخ الإِسلام ﵀ حول هذا الموضوع في كتابه: "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح"، فإنه ذكر في آخر الكتاب من آيات النبي ﷺ الحسية والمعنوية ما لم أَره لغيره، حتى إن ابن كثير ﵀ في كتاب "البداية والنهاية" نقله إما بلفظه أو بمعناه.

стр. 563

٧ - منع التطير، لقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]. وأعداء الرسل يتطيرون بالرسل، وبيَّن الله سبحانه أن كل ما يقع فهو من عند الله، وفي آية أخرى بين أن طائرهم معهم، يعني: إن كان هناك شؤم فالشؤم منكم على أنفسكم، وقد تقدم أن ذكرنا أن ما أصاب الإنسان من حسنة فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه، وذكرنا الجمع بين هذه الآية والتي قبلها، وأن السيئة والحسنة من الله خَلقًا وتقديرًا، والسيئة من الإنسان سببًا، يعني: أنه يكون هو السبب، وليس هو الذي أوجدها، وبهذا يحصل الجمع بين الآيتين. تمّ بعون الله تعالى وتوفيقه المجلد الأول من تفسير سورة النساء ويليه المجلد الثاني ويبدأ من تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ إلى آخر السورة

стр. 564

سلسلة مؤلفات فضيلة الشيخ (١) تفسير القرآن الكريم «سورة النساء» تأليف فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين غفر الله له ولوالديه وللمسلمين [المجلد الثاني]

стр. 565

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
следующие страницы →