← Тафсир

Тафсир · id 547

تفسير العثيمين: النساء

ابن عثيمين

Полный текст (1 106 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

شكرًا لله ؛ لأنها منه تفضلًا وإحسانًا، وإذا أصابته السيئة فلينظر في نفسه حتى يحاسبها ويستعتب فترتفع السيئة. فإذا قال قائل: إذا كان الخطاب للرسول ﵊ فهل الرسول ﵊ يفعل فعلًا يعاقب عليه؟ الجواب: أن النبي ﷺ أمره الله أن يستغفر لذنبه وللمؤمنين، وقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢] وهو من بني آدم، وبنو آدم خطاءون، وخير الخطائين التوابون، فالنبي ﷺ قد يخطئ، ولهذا قال: "اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي" (١). لكن الفرق بينه وبين سائر البشر ممن أرسل إليهم: أنه لا بد أن يُوفق للإستغفار والتوبة، أما غيره فقد يوفق وقد لا يوفق، وبهذا نعرف أن النبي ﷺ قد يحصل منه ما يكون سببًا في إصابته للسيئة، ولكنه يزداد بذلك رفعة ودرجة عند الله . ٤ - عموم رسالة النبي ﷺ لجميع البشر، لقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾، ويتفرع على ذلك الرد على النصارى الذين زعموا أن محمدًا ﷺ رسول إلى العرب خاصة؛ لأننا نقول لهم: أنتم الآن تؤمنون بأنه رسول، وأنه من عند الله، وقد قال الله عنه: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾ فيلزمكم على إقراركم بأنه رسول بأن تقروا بأن

стр. 562

رسالته عامة، وإلا فقد كذبتموه، فمتى أقررتم بأنه رسول ولو إلى العرب لزمكم أن تقروا بأنه رسول إلى كافة الناس. ٥ - الإشارة إلى أن النبي ﷺ أهل للرسالة، وكفء لها، وقائم بها, لقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ فهو ابتداءً أهل لها، وهو غاية منفذ لها تمامًا. ٦ - أن شهادة الله له بالرسالة مغنية عن كل شهادة، لكن لمن اتقى. وقد شهد الله لنبيه ﷺ بأنه رسول حقًا بشهادتين: شهادة قولية، وشهادة فعلية: أما الشهادة القولية: ففي قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ [النساء: ١٦٦]. وأما الشهادة الفعلية: فهو تمكينه من إبلاغ الرسالة، ونصره على أعدائه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ [الحاقة: ٤٤] قال: "بعض"، وليس كل الأقاويل: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٥ - ٤٦] يعني: لأهلكناه. ومع هذا كله أيده الله تعالى بآيات بينات معجزات ظاهرات، حسية ومعنوية، وما أحسن مراجعة ما كتبه شيخ الإِسلام ﵀ حول هذا الموضوع في كتابه: "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح"، فإنه ذكر في آخر الكتاب من آيات النبي ﷺ الحسية والمعنوية ما لم أَره لغيره، حتى إن ابن كثير ﵀ في كتاب "البداية والنهاية" نقله إما بلفظه أو بمعناه.

стр. 563

٧ - منع التطير، لقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]. وأعداء الرسل يتطيرون بالرسل، وبيَّن الله سبحانه أن كل ما يقع فهو من عند الله، وفي آية أخرى بين أن طائرهم معهم، يعني: إن كان هناك شؤم فالشؤم منكم على أنفسكم، وقد تقدم أن ذكرنا أن ما أصاب الإنسان من حسنة فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه، وذكرنا الجمع بين هذه الآية والتي قبلها، وأن السيئة والحسنة من الله خَلقًا وتقديرًا، والسيئة من الإنسان سببًا، يعني: أنه يكون هو السبب، وليس هو الذي أوجدها، وبهذا يحصل الجمع بين الآيتين. تمّ بعون الله تعالى وتوفيقه المجلد الأول من تفسير سورة النساء ويليه المجلد الثاني ويبدأ من تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ إلى آخر السورة

стр. 564

سلسلة مؤلفات فضيلة الشيخ (١) تفسير القرآن الكريم «سورة النساء» تأليف فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين غفر الله له ولوالديه وللمسلمين [المجلد الثاني]

стр. 565

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 566

* قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠]. الآية فيها جملتان شرطيتان: الأولى قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ فـ "من" هنا شرطية، وفعل؟ الشرط قوله: ﴿يُطِعِ﴾ وفيه إشكالان: الإشكال الأول: أين ذهبت عين الكلمة؟ والإشكال الثاني: كيف كُسرت مع أن "مَن" تجزم؟ والجواب عن الإشكال الأول: أن عين الكلمة حذفت؛ لأن لامها كانت مجزومة، وعينها ساكنة، وقد قال ابن مالك: إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق ... وإن يكن لينًا فحذفه استحق فالياء ساكنة، والعين ساكنة، فيحذف حرف اللين وهو الياء. وأما كسر العين وهي مجزومة فمن أجل التقاء الساكنين، وأمثلة هذه كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]. وجواب الشرط في قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ﴾ قوله: ﴿فَقَدْ أَطَاعَ﴾. الجملة الثانية قوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ فعل الشرط فيها قوله: ﴿تَوَلَّى﴾ وهو فعل ماض في محل جزم فعل

стр. 567

الشرط، والجواب جملة منفية؛ لأن ﴿مَا﴾ نافية و ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ فعل ماضٍ. أما وجه اقتران الجواب بالفاء في الجملتين فلأنه لا يصح أن يكون الجواب شرطًا، وإذا كان الجواب لا يصح أن يكون شرطًا وجب اقترانه بالفاء، كما قال ابن مالك في ألفيته: واقرن بفا حتمًا جوابًا لو جُعل ... شرطًا لإن أو غيرها لم ينجعل وقد ذُكر ذلك في بيت من الشعر وهو: اسمية طلبية وبجامدٍ ... وبما وقد وبلن وبالتنفيس يقول الله : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ "ال" في قوله: ﴿الرَّسُولَ﴾ للعهد الذهني، وهو محمَّد ﷺ ؛ لأن القرآن نزل في عهد رسالته، ويصح أن نقول: إنه عام يشمل كل رسول، وعلى هذا فتكون "ال" للعموم وليست للعهد، لكن يُضعف هذا الإحتمال قوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾؛ لأن هذا الخطاب للنبي ﷺ ، وعلى هذا فالمراد بالرسول محمَّد ﷺ ، وتكون "ال" للعهد الذهني. وقوله: ﴿فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ أي: أن طاعة الرسول طاعة لله ، فإذا أمرنا رسول الله ﷺ بأمر فأطعناه فنحن قد أطعنا الله. وقوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ يعني: لم يطع الرسول: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ لأن عليك البلاع، وقد بلغت، وحفظ الناس وأعمالهم إلى الله .

стр. 568

من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الأصل فيما قاله الرسول ﵊ أنه شرع؛ لعموم قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. وينبني على ذلك أننا لو شككنا فيما فعله الرسول ﵊ أو قاله هل هو شرع أو نسيان فنحمله على أنه شرع، ومن ذلك: "أنه قرأ سورة الزلزلة في صلاة الفجر في الركعتين"، قال الراوي: "فلا أدري أنسي أم كان على علم" (١) فنقول: إذا قلنا: إن الأصل أن ما فعله فهو شرع يكون هذا الإحتمال غير وارد، وإن ورد عقلًا فهو ضعيف شرعًا، ونقول: الأصل أن ما فعله فهو شرع وليس بنسيان. ٢ - الإحتجاج بالسنة، وأنها كالقرآن في وجوب العمل بها, ولكن نحتاج في السنة إلى إثبات نسبتها إلى رسول الله ﷺ ؛ لأنه ما دام أنها لم تثبت فإنها ليست من كلام الرسول ﷺ . ٣ - جواز نسخ القرآن بالسنة، وجواز تخصيص القرآن بالسنة، أما الثاني فمحل اتفاق، وهو: أن السنة تُخصص القرآن، وأما الأول فمختلف فيه، فقيل: إنها - أي: السنة - لا تنسخ القرآن من وجهين: الوجه الأول: أن ثبوت القرآن قطعي؛ لأنه نقل بالتواتر اللفظي والمعنوي، والسنة ليست كذلك. الوجه الثاني: أن القرآن كلام الله منقول إلينا بالتواتر اللفظي والمعنوي، أما السنة فإن الرواة قد يتصرفون فيها فينقلونها بالمعنى، وهذا كثير؛ لذلك قالوا: إن القرآن لا يُنسخ بالسنة.

стр. 569

والصواب: أن القرآن ينسخ بالسنة إذا ثبتت عن النبي ﷺ ، ولكن حتى الآن لم نجد مثالًا يسلم من المعارضة، لكن من حيث النظر نقول: إن نسخ القرآن بالسنة ثابت. ٤ - أن معصية الرسول معصية لله، تؤخذ بطريق المفهوم؛ لأنه إذا كانت طاعته طاعة لله فمعصيته معصية لله . ٥ - إثبات رسالة النبي ﷺ من وجهين: أولًا: وصفه بالرسول. وثانيًا: جعل طاعته كطاعة الله . وهنا مسألة: هل للنبي ﷺ أن يجتهد؟ الجواب: نعم. وسنته نوعان: اجتهادية، ووحي، فمن الوحي: حين سُئل عن الشهادة فقال: "إنها تكفر كل شيء"، ثم أتاه جبريل ﵇ فقال: "إلا الدين" (١)، فإن قوله: "إلا الدين" هذا بالوحي، وأما ما يقوله ﵊ دون أن ينسبه إلى الله فهو وحي باعتبار إقرار الله له، كما نقول: إن النبي ﷺ إذا أقر أحدًا على قول أو عمل صار هذا من سنته، وسنته: قول، وفعل، وإقرار. ٦ - تهديد من تولى وأعرض عن طاعة النبي ﷺ لقوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ كأنه يقول: فنحن نحفظه، ونحفظ عليه أعماله، وما معه. ٧ - أن النبي ﷺ لا يُسأل عن إعراض أمته، وأن من

стр. 570

أعرض من أمته فذنبه على نفسه، لقوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾. ٨ - إثبات العظمة لله ، وذلك حين جاء بضمير الجمع لقوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، وقد ذكره بعض العلماء أن النصارى يستدلون بمثل هذه الضمائر على تعدد الألهة؛ لأنهم يقولون: هذه تفيد الجمع، فيقال: لا غرابة أن يستدل النصارى بهذا المتشابه على باطلهم؛ لأن النصارى في قلوبهم زيغ، وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] , والجواب على هذا سهل: هو أن نقول: ما لكم تشبثتم بهذه الآية المتشابهة وتركتم الآيات المحكمة البينة الظاهرة التي تدل على أن الله إله واحد، كما في قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾ [النساء: ٨١]. ﴿يَقُولُونَ﴾ هؤلاء من المنافقين، أو خليط من المنافقين والمؤمنين. وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يعني: إذا أمرتهم قالوا: طاعة لا نخالفك، ولكنهم إذا خرجوا من عند الرسول ﵊ كانوا كما قال سبحانه: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾. قوله: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا﴾ البروز معناه: الظهور، يعني: إذا فارقوا المجلس، وظهر فراقهم إياه، وصاروا بدل من أن يكونوا في

стр. 571

الحجرة صاروا في السوق، والمقصود من هذا: بيان أنهم إذا فارقوا المكان مفارقة تامة. وقوله: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ ﴿بَيَّتَ﴾ يعني: عمل ليلًا، وإنما كان عملهم ليلًا لأن الليل محل الخفاء ومحل السر، فتجدهم يظهرون عند النبي ﷺ طاعة، لكن إذا ذهبوا إلى بيوتهم بيتوا غير الذي يقول الرسول ﷺ . وقوله: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ أي: وليس كلهم. وقوله: ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ ﴿غَيْرَ﴾ هنا بمعنى المخالفة، فإذا قال: افعلوا كذا قالوا: طاعة، فإذا رجعوا إلى بيوتهم قالوا: لا طاعة، يعني: يبيتون المخالفة لما يقول الرسول ﵊. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ الجملة هذه خبرية تفيد أمرين: أولًا: تهديد هؤلاء الذين يبيتون غير ما يقول الرسول ﷺ . ثانيًا: تسلية الرسول ﷺ ، وأن أمرهم لا يخفى على الله، فقد يعاجلهم بالعقوبة، وقد يؤخرهم. يقول جل وعلا: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تهتم بهم، ولا تُشغل بالك بهم. قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: لا تعتمد عليهم، واعتمد على الله، واعلم أنهم - وإن بيتوا ما يبيتون - لن يضروك، حتى إنهم بيتوا أن يبطشوا بالرسول ﵊، أو أن يردوا دعوته بادعاءات باطلة، أو ما أشبه ذلك.

стр. 572

وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ التوكل على الله قال العلماء: هو صدق الإعتماد على الله ، مع الثقة به، وفعل السبب الذي أمر به، فهو مكون من ثلاثة معانٍ: الأول: صدق الإعتماد على الله. الثاني: الثقة بالله ؛ لأن التوكل لا ينفع إذا لم يكن صاحبه واثقًا بوعد الله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. الثالث: فعل الأسباب التي أمر بها، فمن لم يفعل الأسباب فهو ليس متكلًا، ولكنه متواكل، فلا بد من فعل الأسباب. وقولنا: التي أُمر العبد بها: احترازًا من فعل الأسباب التي لا حقيقة ولا أصل لها، كما يفعله المشعوذون وأصحاب التمائم غير المباحة، وما أشبه ذلك. وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ سبق إعراب مثل هذه الجملة عند قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] وقلنا: إن الباء حرف جر زائد، وأن لفظ الجلالة محله الرفع على أنه فاعل، و ﴿وَكِيلًا﴾ إما تمييز وإما حال. من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان الله للرسول ﵊ أن من الناس من يؤمن ظاهرًا ويكفر باطنًا، لقوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾. ٢ - التحذير من النفاق، وأن الإنسان يجب أن يكون صريحًا بينًا لا يَظهر للناس بوجه وإذا اختفى عنهم أعطاهم وجهًا آخر؛ ولهذا لا أحسن من الشخص الصادق الذي لا يباري ولا

стр. 573

يماري، ولا تأخذه في الله لومة لائم، وهذا هو الواجب على كل مسلم أن يكون ظاهره وباطنه سواء. ٣ - بطلان التَّقِيَة التي يتخذها الرافضة دينًا، وتؤخذ من تهديد الله هؤلاء الذين يتظاهرون بالطاعة ويبيتون خلاف الطاعة، وذلك في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾. ٤ - إثبات الفعل لله ، لقوله: ﴿يَكْتُبُ﴾ لكن هل المراد بذلك أنه يكتبه هو بنفسه جل وعلا مباشرة، أو يأمر بكتابته؟ الجواب: الثاني هو المراد، لكن ما فُعل بأمر الآمر فهو منسوب إليه، وإلا فالذين يكتبون أعمال العباد هم الملائكة، لقول الله ﵎: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ [الإنفطار: ٩ - ١١]، ويصح أن ينسب الفعل إلى الآمر به شرعًا وعرفًا، ولهذا يقال: بنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط، ومعلوم أن عمرو بن العاص لم يباشرها بنفسه، ولكن أمر بها، ويقال: بنى الأمير قصره، وليس هو الذي أتى باللبن والطين، ولكنه أمر بذلك، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] , وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ [النازعات: ٢٧] فليس باشرها الله بيده كما خلق آدم بيده، لكنه قال: كن فيكون، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ [فصلت: ١١]. ٥ - أن المنافقين يحرصون على أن يخفوا أعمالهم، ولهذا يوقعونها ليلًا، لقوله: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾. ٦ - أن قول النبي ﷺ كقول الله في وجوب طاعته وترك ما

стр. 574

نهى عنه، ووجهه: أنه حذر هؤلاء الذين يبيتون غير ما يقول الرسول ﷺ . ٧ - إثبات الأفعال الإختيارية التي تكون من فعل الله، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ﴾. فإن قال قائل: لقد فسرتم الكتابة هنا بكتابة الملائكة. قلنا: ولكن كتابة الملائكة وقعت بأمره، والأمر من الصفات الإختيارية، وهذا هو الذي دلت عليه الآية الكريمة، وهو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، من أن أفعال الله أفعال اختيارية، وذهب أهل التعطيل إلى أن الله تعالى ليس له أفعال اختيارية تقوم به، وأنه لا يمكن أن يتجدد له فعل؛ لأنهم يدعون أنه لا يقوم الحادث إلا بحادث، وهذا باطل، بل نقول لهم عكس ما أرادوا: إن من لا يفعل ناقص، ومن يفعل كامل. ولا شك أن من يفعل أكمل ممن لا يفعل، فالصفات الإختيارية - وهي الصفات الفعلية - لا شك أنها من كمال الله ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]. ٨ - إثبات العلم لله لقوله: ﴿يَكْتُبُ﴾ ولا كتابة إلا بعد علم. ٩ - الإعراض عمن يئسنا من صلاحه، لقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، ولكن هل هذا يعني إعراضًا مطلقًا بحيث إننا لا نعيد عليه الكرة مرة ثانية؟ الجواب: لا، إنما نعرض عنه ما دمنا قد أيسنا من صلاحه. ١٠ - وجوب التوكل على الله، لقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ يعني: اعتمد عليه في جلب المنافع، ودفع المضار، بمعنى: أنك

стр. 575

لا ترجو حصول المنافع إلا منه، ولا دفع المضار إلا منه سبحانه. والتوكل على الله معناه: تفويض الأمر إليه، وصدق الإعتماد عليه، والثقة به سبحانه. وهل يجوز أن يطلق هذا اللفظ على المخلوق كأن يقول قائل: توكلت على فلان في شراء سيارة لي؟ الجواب: يجوز، والفرق بين هذا وبين التوكل على الله، أن التوكل على الله تفويض مطلق يعتقد المتوكل فيه أنه مفتقر إلى الله ، أما هذا فهو تفويض مقيد، ثم إن الموكَّل أو المتوكِل يرى أن المتوكِّل عليه في رتبة أقل من رتبته، فهذا هو الفرق، لكن لو تحاشى الإنسان هذا القول: توكلت على فلان وأبدله بقوله: وكلت فلانًا لكان خيرًا. ١١ - كفاية الله سبحانه لمن توكل عليه، لقوله: ﴿كَفَى﴾، وهذا كقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. وذكر بعض المفسرين على قول الله ﵎ عن يوسف أنه قال للذي نجا منهما: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]، أن الله تعالى، قدَّر أن ينسى هذا الرجل الموصى؛ لأن يوسف لما قال: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] صار في هذا نوع اعتماد على هذا السيد، هكذا زعم هذا القائل والله أعلم، وقد يقال: إن الله سبحانه قدَر أن يَنسى هذا الرجل من أجل ابتلاء يوسف حتى يتم له الصبر بأنواعه الثلاثة. * * *

стр. 576

* قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]. قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾. أولًا: الإعراب: قوله: ﴿أَفَلَا﴾ الهمزة هنا للإستفهام و"الفاء" عاطفة، وفي المعطوف عليه قولان: القول الأول: أن الهمزة داخلة على محذوف تقديره "أَغفلوا": ﴿فَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، أو أنه على ما سبق، وعلى هذا فيكون موضع الهمزة بعد الفاء؛ ولكن قدمت لأن لها الصدارة. والأول أقرب، والثاني أيسر، الأول أقرب للقواعد أنه يكون هناك شيء مقدر معطوف عليه، والثاني أسهل وأيسر؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير، وربما في بعض الأحيان يصعب عليك جدًا أن تعين المحذوف. وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ ﴿لَوْ﴾ شرطية، وفعل الشرط هو قوله: ﴿كَانَ﴾ وجواب الشرط قوله: ﴿لَوَجَدُوا﴾. واعلم أن "لو" إن كان جوابه مثبتًا فإنه يقترن باللام دائمًا أو غالبًا، كما في هذه الآية: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، وكما في قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] , وقد تحذف اللام؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] لكنه قليل، أما إذا كان خبره منفيًا فإن الغالب حذف اللام، ووجهه: أن اللام تفيد التوكيد والنفي يضاد التوكيد، فتقول: لو جاء زيد ما جاء عمرو، ولا تقل: لما جاء

стр. 577

عمرو, لكن قد تقترن اللام أحيانًا مع وجود النفي بـ "ما" في قوله: ولو نعطي الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي فقال: لو نعطي الخيار لما افترقنا، والأفصح: ما افترقنا. يقول الله موبخًا هؤلاء: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ والهمزة هنا استفهام بمعنى التوبيخ. وقوله: ﴿يَتَدَبَّرُونَ﴾ أي: يتأملون ويتفكرون، مأخوذ من كون الإنسان يأخذ الشيء إدبارًا وإقبالًا، يعني: يتدبر المعاني ويتفهمها، والقرآن على وزن فُعْلَان، قيل: إنه مصدر، وأنه مثل الشكران والغفران، وقيل: إنه بمعنى المفعول، وحتى ولو قلنا: إنه مصدر بناءً ف ﴿هو بمعنى المفعول معنى؛ لأن القرآن بمعنى المقروء، والمقروء هل معناه المتلو أو المجموع؟ وهل هو من قرأ يقرأ، يعني: جمع يجمع، ومنه القرية لأنها تجمع الناس، أو من قرأ يقرأ بمعنى: تلى؟ الجواب: فيه لأهل اللغة قولان، والصحيح: أنه من هذا ومن هذا، فالقرآن متلو ومجموع حروفه بعضها إلى بعض. والمراد بالقرآن: كلام الله الذي أنزله على محمد ﷺ ، المتعبد بتلاوته، المعجز بأسلوبه ومعناه. وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ اسم كان ضمير يعود على القرآن، يعني: لو كان القرآن من عند أحد غير الله. قوله: ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ أي: لوجدوا فيه تناقضًا، إما في المعنى وإما في الأسلوب أو غير ذلك، وأيضًا سيكون اختلافًا كثيرًا وليس اختلافًا قليلًا.

стр. 578

وإذا كان من عند الله فلن يجدوا فيه اختلافًا ولو قليلًا، لكن قوله: ﴿اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ بيان لواقع ما كان من عند غير الله، وليس هذا قيدًا في أنه لو كان من عند الله لوجدوا فيه اختلافًا قليلًا، إذ أنه لا اختلاف في كتاب الله . من فوائد الآية الكريمة: ١ - الحث على تدبر القرآن، وجه ذلك: توبيخ من لم يتدبر، وإذا كان من لا يتدبر القرآن يوبخ فمن يتدبره يُثنى عليه ويُمدح. إذًا: ففيه الحث على تدبر القرآن. ٢ - الرد على من يقول: إن آيات الصفات مجهولة المعنى، وهم أهل التفويض الذين يقولون: فرضنا بالنسبة لآيات الصفات أن نتلوها فقط، وألا نتكلم في معناها؛ لأن معناها مجهول، فيقال لهم: القرآن عام يشمل آيات الصفات وغيرها، والله تعالى وبخ من لم يتدبره، ولازم هذا أن يكون للآيات معنى؛ لأن الحث على تدبر ما لا يمكن الوصول إلى معناه حث على متعذر أو متعسر، وعلى هذا فيكون هذا الحث من كلام اللغو، وينزه عنه كلام الله . فإن قال قائل: إذا قلتم: إن آيات الصفات غير مجهولة المعنى، وإنها معلومة، فهل يلزم من ثبوت المعنى مماثلة المخلوق؟ فالجواب: لا يلزم؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ففي الآية إثبات الصفات ونفي المثل، ولو كان لا يمكن إثبات الصفات إلا بإثبات المماثلة لكان في الآية تناقض ظاهر.

стр. 579

إذًا: آيات الصفات معلومة المعنى لكن بدون تمثيل. فإن قال قائل: وهل يمكن إثبات معنًى بدون تمثيل؟ فالجواب: نعم، ولنضرب مثلًا بقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] فأهل التفويض يقولون: لا نعلم ما المراد بقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ﴾، وأهل التأويل يقولون: معناها: النعمة والقدرة، وأهل السنة والجماعة يقولون: معناها: اليد الحقيقية التي نظير مسماها أجزاء وأبعاض لنا، فـ "اليد" جزء منا، لكنه لا يمكن إطلاق كلمة جزء على شيء من صفات الله؛ لأن الجزء لا يمكن انفصاله عن الكل، وبالنسبة ليد الله وقدم الله وعين الله لا يمكن فيها هذا المعنى. إذًا: نقول لله يد حقيقة، فهو يطوي السماء بيمينه، كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧]. ويمكن أن نتصور يدًا بدون مماثلة، وهذا أمر سهل، فنحن نشاهد الآن للجمل يدًا، ونشاهد للهرِّ يدًا، يعني: نشاهد مضمون هذا في الجملة ولا يلزم لإثبات اليد للجمل، أو للهر أن تكون اليدان متماثلتين، بل نحن نشاهد أنها مختلفة. ٣ - أن القرآن لا اختلاف فيه ولا تناقض، لقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. فإن قال قائل: إننا نجد في كتاب الله ما ظاهره التعارض، فكيف يتفق مع هذه الآية؟ فالجواب: نقول: ليس هناك تناقض، لكن أنت إذا ظننت التناقض ورأيت شيئًا في كتاب الله ظاهره التعارض فإما لقصور فهمك، يعني: أن فهمك رديء قاصر، أو لقصور علمك؛ لأن

стр. 580

هناك علمًا يبين الجمع بينهما, ولكنك لم يبلغك هذا العلم، وإما لسوء في قصدك؛ لأن الإنسان إذا كان قصده سيئًا فإنه لا يُوفق. ويكون قصده سيئًا إذا كان يريد أن يُظهر أن القرآن متعارض، ولا يريد أن يصل إلى نتيجة سليمة، وهي الجمع بين ما ظاهره الإختلاف. ولهذا تجد المبتلى بهذا الشيء يشكل عليه آيات واضحة ليس فيها تعارض، لكن نظرًا لأنه يفتش لعله يجد شيئًا من الآيات يعارض بعضه بعضًا تجده - والعياذ بالله! - يشتبه عليه الآيات الواضحات، وممكن أن نزيد احتمالًا رابعًا وهو: التقصير في الطلب؛ لأن التقصير في الطلب نتيجته عدم العلم، وعلى هذا أسباب عدم فهم القرآن أربعة. وهناك آيات متعارضة ظاهرًا لكنها لا تتعارض حقيقة، وهي آيات متعددة ذكرها كثير من العلماء وألفوا فيها، ومنهم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في كتابه "دفع إيهام الإضطراب عن آي الكتاب"، وهو كتاب متوسط لكنه مفيد. ٤ - ضعف الآدمي فيما يكتبه، وأنه عرضة للإختلاف والخطأ. ومن ذلك ما يروى عن الأئمة ﵏ من أقوال متعددة في مسألة واحدة، ولكن ما يقع من الأئمة ليس عن قصد، ولكنه عن زيادة علم، والإنسان بشر يزداد كل يوم علمًا، فمثلًا الإِمام أحمد ﵀ قد يروى عنه في المسألة الواحدة عدة روايات، ونحن نعلم أنه لم يتقصد ﵀ ذلك، لكن علمه كان يأتي شيئًا فشيئًا، ولهذا تجد عنه في ثبوت الهلال في رمضان

стр. 581

عدة أقوال، حتى إنهم ذكروا في مذهبه سبعة أقوال، منها خمسة أقوال نص عليها ﵀. ٥ - إثبات أن القرآن كلام الله، يؤخذ من قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ فإنه يدل على أن القرآن من عند الله ، فإذا كان من عند الله صار صفة من صفاته، ولا يمكن أن يكون مخلوقًا؛ لأنه صفة، وصفة الموصوف لازمة له ليست بائنة منه، ثم لو قلنا: إنه مخلوق لبطل الأمر والنهي، ولبطلت الشريعة، ولو قال قائل كيف ذلك؟ فنقول: إذا قلت: إنه مخلوق فمعناه أن الله خلق "ص" - مثلًا - كما يخلق السماء، والسماء ليس فيها أمر أو نهي، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ خلقها الله حروفًا على هذه الصورة لا تفيد شيئًا، ومثل قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] إذا قلنا: إنها مخلوقة فمعناه: أنها حروف ليس فيها أمر ولا نهي، وأنها حروف خلقت على هذا الشكل فقط. ولهذا كنا نتعجب حينما نسمع ابن القيم ﵀ أو شيخه يقولان: إن القول بأن القرآن مخلوق يبطل الشريعة؛ لأنه يبطل الأمر والنهى! فنقول: كيف يتصور هذا؟ ! فتأملنا ووجدنا أن السبب هو أنه إذا كان مخلوقًا صار عبارة عن صورة كلام خالقها الله ، لا يتعلق بها أمر ولا نهي، كما لو صورت سيارة أو بناءً أو ما أشبه ذلك. ٦ - إثبات العندية لله؛ أي: أن الشيء يكون من عنده، وهو كذلك، لكن العندية قد تكون صفة، وقد تكون قربًا، فقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾

стр. 582

[الأعراف: ٢٠٦] العندية هذه عندية قرب؛ لأنهم ملائكة بائنون عن الله ، وإذا قلت: القرآن من عند الله فإن هذه عندية صفة. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣]. الإعراب: هذه الآية فيها أدوات شرط متعددة: قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ وفعل الشرط قوله: ﴿جَاءَهُمْ﴾ والجواب قوله: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ وهذا الشرط لا يجزم. وقوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فيها شرط وهو: ﴿لَوْ﴾، وفعل الشرط قوله: ﴿رَدُّوهُ﴾ وجوابه: قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ هذه أيضًا فيها شرط، لكنها ليست من النوع الأول، وتُسمى ﴿لَوْلَا﴾ حرف امتناع لوجود، وقد تقاسمت هذه الكلمات الثلاث "لو، ولما, ولولا" الوجود والعدم. فـ "لو" حرف امتناع لامتناع، تقول: لو جاء زيد لجاء عمرو، والمعنى لم يأتِ عمرو ولا زيد. و"لما" حرف وجود لوجود، تقول لما جاء زيد جاء عمرو. و"لولا" حرف امتناع لوجود؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ

стр. 583

عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، إذًا: امتنع اتباع الشيطان لأجل وجود فضل الله . وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ﴾ ذكرنا أن قوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ﴾ جواب الشرط، فأين خبر المبتدأ ﴿وَلَوْلَا﴾ في قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ والجواب: الخبر محذوف، والتقدير: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ موجود، كما يقول ابن مالك: وبعد لولا غالبًا حذف الخبر ... حتمٌ وفي نص يمين ذا استقر وقوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هذا مستثنى يحتمل أنه من الإتباع أو من التابعين بلا شك، والمعنى لاتبعتم الشيطان في كل ما تفعلونه إلا قليلًا من أفعالكم، أو لاتبعتم الشيطان كلكم إلا قليلًا منكم. وفي هذه الآية من البلاغة ما يسمى بالجناس، يعني: المجانسة، في قوله: "أمر" و "أمن"، ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ ففيه جناس غير تام؛ لأن فيه اختلاف الحرف من راء إلى نون. أما إذا قيل: عباس عباس إذا احتدم الوغى ... والفضل فضل، والربيع ربيع فهذا جناس تام؛ لأن عباس علم وصفة، والفضل علم وصفة، والربيع علم على رجل اسمه الربيع وصفة أحد الفصول الأربعة. قول الله : ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ يعني: إذا جاء هؤلاء شيء مما يُخاف أو مما فيه الأمن.

стр. 584

قوله: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ يعني: نشروه على فهمهم الخاطئ، لا على الصواب؛ لأنهم ليس عندهم ذاك العمق في فهم كتاب الله ، وهذا نتيجة لقوله في الآية التي قبلها ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، فتجدهم يذيعون الأمر من الأمن أو الخوف، مع أن الأمن ليس فيه أمن, والخوف ليس فيه خوف، لكنهم فهموا ذلك فضلوا وأضلوا. وقوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ﴾ "ال" في قوله: ﴿الرَّسُولِ﴾ فيه للعهد الذهني، وهو محمد ﷺ . وقوله: ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾، أولو الأمر هنا يتعين أنهم العلماء؛ لأنهم هم أهل العلم الذين ورثوا النبي ﷺ بعد موته، والذين شاركوه فيما شاركوه فيه في حال حياته. وقوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ﴿لَعَلِمَهُ﴾ أي: علم الأمر على الوجه المراد من الأمن أو الخوف قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أي: يستخرجونه، وأصل الإستنباط من نبط، يعني: استخراج الماء، وسمي استخراج الماء استنباطًا لأنه كان يستخرجه فيما سبق الأنباط الذين ليسوا من العرب، فكانوا هم الذين يحفرون عن الماء حتى يصلوا إلى غايته، ولكن المراد بالإستنباط في الألفاظ هو: استخرج المعاني؛ أي: لعلمه الذين يستخرجون المعاني التي تخفى على هؤلاء. ثم قال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ صدق الله ؛ فلولا فضله أي: عطاؤه، ورحمته أي: إحسانه لضل جميع الخلق، والمراد بالرحمة هنا ليست صفة الله ، بل المراد ثمرات هذه الصفة، وهو إحسانه إليهم.

стр. 585

وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ أي: ولكن الله يتفضل عليكم ويرحمكم فيعصمكم من الشيطان. وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هو على ما سلف: يحتمل أن يكون المراد إلا قليلًا منكم، أو أن المراد من أعمالكم. من فوائد الآية الكريمة: ١ - الحرص على عدم إذاعة الشيء إلا بعد التيقن من معناه والمعرفة به، يؤخذ من قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ وهذا إنكار عليهم، ثم أرشدهم إلى ما هو الأصوب. ٢ - ما جرت به العادة في أن الله إذا نهى عن شيء بين وجهًا آخر غير منهي عنه، يؤخذ من قوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾، وهذه الآية قاعدة جاءت في القرآن الكريم وجاءت في السنة النبوية، ففي القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] فجاء بكلمة مباحة بدلها. وفي السنة لما جيء إلى النبي ﷺ بتمر جيد، وسأل: من أين هذا؟ قال: كنا نأخذ الصالح من هذا بصاعين، والصاعين بثلاثة، فقال: "لا تفعل"، ثم أرشدهم، فقال: "بع الجمع بالدراهم ثم ابتغ بالدراهم جنيبًا" (١).

стр. 586

إذًا: لا ينبغي للإنسان المبين للناس أحكام شريعة الله أن ينهاهم عن شيء حتى يفتح لهم باب الحل. مثلًا: إنسان يعامل معاملة ربوية فقلت له: هذا حرام لا يجوز، ومعاملته كلها على هذا المنوال؛ أي: أنها ربوية، ولم ينهه أحد قبلك، فإذا قلت: هذا حرام، وهذا ربا فلا بد أن تفتح له باب البيع الحلال؛ حتى يهون عليه ترك ما كان معتادًا له، وينتقل إلى الحلال بسهولة؛ لأن صرف الإنسان عما كان يعتاده صعب جدًا، وهكذا ينبغي لطالب العلم إذا ذكر للناس شيئًا محرمًا أن يذكر لهم ما يستغنون به عن هذا المحرم من الشيء الحلال. والخلاف سنة الله في خلقه، وقد ورد حديث ليس بصحيح: "اختلاف أمتي رحمة" (١) والمعنى أيضًا ليس بصحيح، بل الوفاق هو الرحمة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩] , ولو صح الحديث لكان معناه اختلاف أمتي رحمة بمعنى أن المختلفين فيما يسوغ فيه الخلاف لا يأثمون، لكن من العجيب أن العامة، إذا أرادوا شيئًا أتوا بنص ولو كان ضعيفًا، ثم فسروا النص بما يريدون، فيستفتيك عامي ويقول لك: هذا حلال أو حرام؟ فتقول: هذا حرام، فيذهب إلى

стр. 587

عالم آخر ويقول هذا حلال، فيحتج ويقول: اختلاف أمتي رحمة، والله رحمنا بهذا الرجل الذي قال: هذا حلال. قد يأتي إنسان يستفتي عالمًا ويقول: أنا أريد أن أتعجل في اليوم الثاني عشر، فهل يجوز أن أرمي قبل الزوال، وأنصرف؟ فيقول له: لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ وقّت هذا الرمي بما بعد الزوال، ولم يأذن للضعفاء أن يرموا قبل الزوال كما أذن لهم في الدفع من مزدلفة، فدل هذا على أنه لا رخصة. فيذهب إلى عالم آخر فيقول له: لا بأس، والناس الآن في حاجة إلى إنك توسع لهم، دعوه يرمي في الضحى ويمشي، فيرجع إلى الأول ويقول: الحمد لله اختلاف الأمة رحمة، دع فتواك عندك؛ فقد أفتاني فلان، فيقال: هذا غلط. والحاصل أن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ ، وأن الإختلاف لا شك أنه شر من الوفاق، وأن الرحمة في الوفاق، ولكن لو صح الحديث لكان المعنى أن المختلفين مرحومون فيما يسوغ فيه الخلاف؛ لأنهم مجتهدون، والمجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر. ٣ - التحذير من التعجل في نشر الخبر، ووجهه: أن الله حكى ذلك ذامًا له. ٤ - الرجوع إلى الرسول ﷺ في حياته وإلى سنته بعد وفاته، وإلى العلماء في نشر الأخبار، وإذاعتها. ٥ - أن هذه الآية تنطبق تمامًا على ما نحن فيه الآن، حيث إن كثيرًا من الناس يعلنون الأخبار على عواهنها, ولا يبالون بما ترتب عليها من خير أو شر، ولا يزنون بين المصالح بعضها مع

стр. 588

بعض، ولا بين المفاسد بعضها مع بعض، ولا بين المصالح وبين المفاسد، وإنما يذيعون الشيء وينشرونه بدون تحقيق ولا تمحيص، وهذا من دأب المنافقين؛ لأن الله تعالى ذكرهم في هذا السياق، فقال: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١]. ٦ - أن أولي الأمر حقيقة هم العلماء لقوله: ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ وهذا كالتفسير لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فإن أولي الأمر في هذه الآية تشمل العلماء والأمراء، ولكن العلماء في المقدمة؛ إذ أن الأمراء منفذون لما يقوله العلماء من شريعة الله، فالأصل هم العلماء، والأمراء يلزمهم أن ينفذوا ما قاله العلماء من شريعة الله، فهم في الحقيقة تابعون للعلماء، وليس العلماء تابعين لهم، اللهم إلا أن يقدر الله أمرًا تنعكس فيه الأحوال، ويكون العلماء وراء الأمراء فإن هذا انقلاب وعكس، إذ إن الواجب أن يكون الأمراء خلف العلماء؛ لأن العلماء عندهم من شريعة الله ما ليس عند الأمراء لا سيما في الأزمان المتأخرة، أما في عهد الخلفاء الراشدين فالخليفة هو أعلم الناس بشريعة الله. ٧ - التعمق في التثبت، ويؤخذ من قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ ولم يقل: يعلمونه، وهنا إظهار في موضع الإضمار؛ لأن الأصل: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلموه، لكنه قال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾، فأظهر في موضع الإضمار لهذه الحكمة؛ أي: إن هؤلاء لهم نظر بعيد عميق كالذي يستنبط الماء، وهو مأخوذ من استخراج الماء؛ لأن الأنباط هم الذين

стр. 589

يتولون استنباط المياه حين كان عهد الأمة الإِسلامية الزاهر. ٨ - بيان فضل الله علينا باتباع الشريعة، لقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾. ٩ - أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله في ابتغاء الفضل لا إلى غيره، لقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾. ١٠ - أ ﴿نه ليس أمامنا إلا سبيلان: سبيل السنة والرشاد، وسبيل الضلال، لقوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾، فإذًا: لا يوجد إلا الحق أو الضلال قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] , وفي هذا رد على المعتزلة القائلين بالمنزلة بين منزلتين. ١١ - ذم من اتبع الشيطان، وأنه قد تخلى الله عنه فلم يؤته من فضله - الفضل الخاص - لقوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾. فإن قال قائل: بأي وسيلة نعلم أن هذا طريق الشيطان أو طريق الرحمن؟ قلنا: الأمر واضح، والحق بيّن ظاهر أبلج، والباطل بيِّن لا يخفى على أحد، فما وافق شريعة الله فهو طريق الرحمن، وما خالف شريعة الله فإنه طريق الشيطان، هذا هو الميزان. * * * * قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾ [النساء: ٨٤]. ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، الفاء عاطفة، و"قاتل": فعل أمر، والخطاب للرسول ﷺ ، ولا يظهر أن يكون

стр. 590

الخطاب موجهًا لمن يتأتى خطابه، لقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿قَاتِلْ﴾. قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ في هذه الآية إشكال من حيث الإعراب، وهو نصب ﴿نَفْسَكَ﴾ والقاعدة الرفع على أنها نائب فاعل، هذا ما يتبادر إلى ذهن بعض الناس، لكن الواقع أن الأمر ليس كذلك؛ لأن قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ نائب الفاعل مستتر، يعني: لا تكلف أنت أحدًا إلا نفسك، يعني: لا نكلف أحدًا من الناس، بل نكلفك نفسك، وعلى هذا فتكون نفس هنا في مقام المفعول الثاني لنكلف، والمفعول الأول هو نائب الفاعل المستتر. قوله: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: حثهم على القتال. قوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: "بأسهم" أي: شدتهم، و ﴿عَسَى﴾ إذا جاءت من الله فليست للترجي؛ لأن الله تعالى لا يترجى، إذ إن الرجاء في مقابل الشيء الصعب، والله على كل شيء قدير، ولهذا قيل: عسى من الله في القرآن واجبة؛ أي: واقعة حتمًا، ولكن الله يجعلها على هذه الصيغة حتى لا يأمن الإنسان مكر الله . ومعنى الآية: يقول الله لنبيه ﵊، قاتل في سبيل الله حتى وإن لم يقاتل معك أحد، لا تكلف إلا نفسك، أما وظيفتك مع المؤمنين فهي وظيفة التحريض، فحرضهم على القتال، لكنك غير مكلف بهم، لا تأثم إذا لم يقاتلوا. ثم إذا قاتلت وحرضت المؤمنين وقاتلوا فحينئذٍ يكون النصر، ويكف الله سبحانه بأس الذين كفروا.

стр. 591

إذًا: هذه الآية لها ارتباط بما سبق؛ لأن المقام كله مقام بيان المنافقين الذين هم أذل الناس وأخذلهم عند القتال. من فوائد الآية الكريمة: ١ - وجوب القتال في سبيل الله، لقوله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والأصل في الأمر الوجوب، وقد اختلف العلماء ﵏: هل قتال المؤمنين للكافرين قتال للطلب أو قتال دفاع؟ والصواب: أنه قتال طلب، لكنه ليس لإكراه الناس على الإيمان؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] , وهذا استفهام للإنكار، وكذلك يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] , لكنه يقاتل قتال طلب؛ لأن تكون كلمة الله هي العليا، هذا هو المطلوب، وأن يكون الإِسلام هو الظاهر المهيمن، فمن أسلم فهو في الإِسلام وفي ظله، وهو في الطبقة العليا من طبقات بني آدم، ومن لم يسلم فهو في ظل الإِسلام أيضًا إذا بذل الجزية عن يد وهو صاغر. ٢ - وجوب الإخلاص، لقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وما عدا سبيل الله، فيوصف بأنه في سبيل الطاغوت، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء: ٧٦]. وأسباب القتال الدافعة إليه كثيرة: الأول: أن تكون كلمة الله هي العليا، وهذا في سبيل الله. الثاني: الحمية كأن يقاتل لقوميته، وهذا المقاتل حمية في سبيل الطاغوت، اللهم إلا أن يقول: إني أقاتل حمية لأن قومي

стр. 592

مسلمون، فأقاتل دفاعًا عن إسلامهم، فحينئذٍ يكون قاتل في سبيل الله. الثالث: يقاتل شجاعة: فهذا أيضًا ليس في سبيل الله، بل في سبيل الطاغوت، ولكن كيف يقاتل شجاعة؟ ! الجواب: الإنسان الشجاع يحب أن يقاتل، ويجد ألذ شيء في حياته أن يكون مقاتلًا في صف القتال، فهو قرة عينه، فحينئذٍ يقاتل شجاعة، وهذا ليس في سبيل الله. الرابع: يقاتل ليتخلص من الدنيا؛ لأنه أصابته ضائقة، فأراد أن يقاتل ليقتل حتى يستريح من الدنيا, وليس في سبيل الله، فهذا في سبيل الطاغوت، وربما يقال: إنه قاتل نفسه لو قتل؛ لأنه ما أراد أن تكون كلمة الله هي العليا، لكنه بدل أن ينتحر في نفسه فيأخذ السكين، ويطعن نفسه، ذهب يعرض رقبته لسيوف الأعداء، وهذا ليس في سبيل الله. الخامس: يقاتل رياءً، ليقال: ما أشجع الرجل! وهذا ليس في سبيل الله، هذا في سبيل الطاغوت، والعياذ بالله، وربما يكون هذا أخطرهم؛ لأنه أظهر أنه يريد التعبد لله وهو عابد لهواه. وعلى كل حال: أسباب القتال وبواعثه كثيرة، ولكن لا يكون في سبيل الله إلا إذا قاتل لتكون كلمة الله هي العليا. ٣ - أنه لا يُكلف أحد هداية أحد، حتى الرسول ﷺ الذي هو أهدى الخلق وأعظمهم هداية، لا يمكن أن يُكلف هداية أحد، دليله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، وعليه فإذا دعوت إلى الله، أو أمرت بمعروف، أو نهيت عن منكر، ولم يستجب لك فلا حرج عليك؛ فإن الله قال لنبيه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا

стр. 593

مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٣]؛ أي: لا تهلك نفسك، ولا يكن في صدرك حرج ولا ضيق ما دمت قمت بالواجب، فإن أَزمَّة القلوب بيد الله ، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨] , وكثير من الناس عنده غيرة ومحبة للخير، فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله، فإذا لم يُجب ضاق صدره حتى اختلت عباداته في نفسه، وصار يهتم وينشغل بأحوال الناس عن أحوال نفسه، وهذا غلط، هذا كالنار تحرق نفسها وتضيء لغيرها، ومع ذلك قد يكون غيرها رطبًا لا يتأثر بها. ٤ - أنه يجب على الإنسان مراعاة نفسه، وقيادتها للحق؛ لأنه مكلف إياها, لقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ أنت مكلف بنفسك، يجب أن تجرها إلى ما فيه الخير، وأن تنهاها عما فيه الشر، وقد قال الله عز جل: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]. ٥ - أن من قام بالواجب في حق نفسه، فلا ينس إخوانه، لقوله: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: حثهم على القتال في سبيل الله، فإن استجابوا فذلك المطلوب، وإن لم يستجيبوا فقد أبرأت ذمتك. ٦ - أن محل التحريض للقتال أي: قتال المشركين: هم المؤمنون؛ لأنه لم يقل: حرض الناس، بل قال: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فالمؤمن هو الذي ينفع فيه التحريض على القتال في سبيل الله. ٧ - أنه مهما بذلنا من الجهد والجهاد والإعداد فإن الأمر

стр. 594

بيد الله، لقول الله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: بعد اجتهادك وتحريضك المؤمنين على القتال واستعدادكم وإعدادكم، الأمر بيد الله. ٨ - الإستدلال لأهل السنة بأن أعمال العباد مخلوقة لله ، وتؤخذ من قوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فنسب ذلك إليه، مع أنه يأتي بفعل المؤمنين، لكن نسبه الله إليه، وأحيانًا يأتي بغير فعل المؤمنين، مثل قوله ﵎ في سورة الأحزاب: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٥]. ولنقف عند هذه النقطة لأهميتها: إذا قلنا: إن الله تعالى خالق أفعال العبد، فوجه ذلك أن نقول: أفعال العباد لا تقع إلا بأمرين هما: الأول: الإرادة. والثاني: القدرة. والإرادة في القلب، والقدرة في الجوارح، والإرادة وصف للإنسان العامل، والقدرة كذلك وصف قائم بذات العامل، والخالق للذات هو الله بالإتفاق، وخالق الذات خالق لأوصافها، وبهذا نعرف: أن أفعال العباد مخلوقة لله ؛ لأنها صادرة عن إرادة جازمة، وقدرة لا عجز فيها على هذا المقدور، وكلاهما وصفان في مخلوق، ووصف المخلوق يكون مخلوقًا. ويبقى النظر: هل الإنسان مجبر أو مخير؟ نقول: هو مخير ليس مجبرًا، ولهذا إذا وقع الفعل عن إجبار لا يؤاخذ الإنسان به، حتى لو كان أكفر شيء، كما قال

стр. 595

تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦]. إذًا: فالإنسان مخير لا شك، لكننا نعلم أنه لن يفعل فعلًا أو يترك شيئًا إلا بعد مشيئة الله، إلا أن مشيئة الله لا يمكن الإطلاع عليها إلا بعد وقوع المشاء؛ لأن مشيئة الله غيب لا ندري عنها حتى يقع الشيء، فإذا وقع الشيء علمنا أن الله شاءه، أما قبل ذلك فلا نعلم، فلا يكون في ملك الله ما لا يشاؤه أبدًا، بل كل ما في الكون فهو في مشيئة الله . ٩ - أن الكافرين لهم بأس وقوة، لكنهم تحت قوة الله، لقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وأنت لا تنبهر بقوة الأعداء؛ فإنهم ليسوا عند قدرة الله شيئًا، ففرعون كان يفتخر بأن الأنهار تجري من تحته، فهلك بالماء الذي هو من الأنهار، وعاد افتخروا بقوتهم وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، فأهلكوا بالريح اللطيفة السهلة، والأحزاب أعجبتهم كثرتهم، وحاصروا المدينة فأجلاهم الله تعالى بالريح، قال النبي ﷺ : "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور" (١)، كذلك أيضًا الأمم الأخرى التي كانت قوية شديدة وأهلكها الله ، ولو شاء الله لأنزل على مصانع القنابل الذرية صواعق، بل رب صاعقة واحدة تدمر كل ما صنعوا، لكن الله له حكمة، قال الله تعالى:

стр. 596

﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] ثم سلى المؤمنين، فقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ [محمد: ٤ - ٦]، اللهم اجعلنا منهم. إذًا: الله قادر على كف بأس الكافرين وإن قووا لكنه حكم . ١٠ - جواز استعمال اسم التفضيل في الصفات المشتركة بين الله وبين الخلق، تؤخذ من قوله: ﴿أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾، وهذا ليس الجواز الذي هو ضد المحرم، لكن الجواز الذي هو ضد المستحيل، فيكون هذا واجبًا. وقد تعجب من بعض العلماء ﵏ أنهم يمتنعون من إطلاق اسم التفضيل، ويحولونه إلى اسم فاعل خوفًا من تنقص الله ، فيقولون: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ [الأنعام: ١١٧]؛ أي: إن ربك هو عالم، سبحان الله! أنت أعلم بالله من نفسه؟ ! الله سبحانه يقول عن نفسه: أعلم، وأنت تقول: عالم، ثم إنك أيها المسكين! إذا قلت: الله عالم، جعلته مع الخلق مشاركًا على وجه السواء، لكن إذا قلت: أعلم، جعلته أعلم من الخلق، ولا يمكن أن يكونوا مثله، والإنسان إذا أراد الحق تبين له طريق الحق، والأمر واضح. وعلى هذا فنقول: استعمال اسم التفضيل في الصفات المشتركة بين الله وبين الخلق هو الواجب، فللإنسان علم والله

стр. 597

أعلم، وللإنسان قدرة والله أقدر، له قوة والله أقوى، له سمع والله أسمع، له بصر والله أبصر .. وهلم جرا. ١١ - إثبات البأس والتنكيل لله ، وهذا أيضًا جاء في القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦]، ينكل الخلق: أي: يحذرهم من أن يقعوا فيما يكون سببًا لعقوبتهم. * * * * قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء: ٨٥]. ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾، ﴿مَنْ﴾: هذه شرطية، وفعل الشرط قوله: ﴿يَشْفَعْ﴾، ولا يجوز أن يقال: يشفعُ؛ لأن "مَنْ" الشرطية تجزم، وجواب الشرط قوله: ﴿يَكُنْ﴾. والشفاعة هي: جعل الوتر شِفعًا، يقال: شفع الشيء؛ أي: جعله شفعًا بعد أن كان وترًا، فإذا جعلت الثلاثة أربعة، فهذا شفع، والخمسة ستة فهذا شفع. وفي الإصطلاح هي: التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة، فشفاعة رسول الله ﷺ في أهل الموقف أن يقضى بينهم من دفع المضرة، وفي أهل الجنة أن يدخلوها من جلب المنفعة. وهنا يقول الله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾، إما أن يكون المراد حسنة بالنسبة للمشفوع له، وإن لم تكن من الحسنات الشرعية، وإما أن تكون حسنة أي: من الحسنات الشرعية،

стр. 598

وكلاهما صحيح؛ أي: من يشفع شفاعة حسنة شرعًا، أو حسنة باعتبار المشفوع له، والآية تحتمل المعنيين، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين لا منافاة بينهما فالواجب حملها عليهما جميعًا، لما في كلام الله من سعة المعنى، أما إذا كان أحدهما لا يتفق مع الآخر فالواجب طلب المرجح ليؤخذ به. وقوله: ﴿حَسَنَةً﴾، الحسنة: ما يحسن فعله من قول أو فعل. قوله: ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾: أي: حظ وجزء، مما شفع؛ لأنه أعان على الخير على أحد الإحتمالين السابقين، أو نصر أخاه على الإحتمال الثاني. وقوله: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ يقال فيها كما قيل في الأولى: فمن يشفع شفاعة سيئة؛ أي: يشارك ذا سيئة في سيئته؛ أي: فيكون شفعًا له، أو المعنى: يشفع لأحد شفاعة سيئة، مثل أن يشفع له في الوصول إلى شيء محرم، فهذه شفاعة سيئة. وقوله: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ الكفل: هو النصيب، وإذا كان هو النصيب فلماذا غاير الله سبحانه بين الحسنة وبين السيئة، فقال في الحسنة: نصيب، وقال: في السيئة: كفل. الجواب: قيل: إن الكفل هو النصيب فيما يسوء، والنصيب: هو الحظ فيما ينفع، وقيل: إنما غاير بينهما من أجل اختلاف اللفظ؛ لأن اختلاف اللفظ من أساليب البلاغة، حيث لا يتكرر اللفظ مع اللفظ الآخر في مكان واحد. فعلى المعنى الأول: يكون الخلاف بين النصيب والكفل خلافًا معنويًا، وعلى الثاني: يكون خلافًا لفظيًا، لكن المعنى

стр. 599

الأول يرد عليه أن الله سبحانه سمى الأجر والثواب كفلًا، في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]، فيترجح القول الثاني: وهو أنه إنما غاير بينهما من أجل اختلاف اللفظ، حتى لا يرد لفظ واحد في سياق واحد بمعنى واحد. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ "كان" هذه ترد كثيرًا في القرآن العظيم، مثل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، وهي هنا لا يراد بها الزمان، وإنما الإتصاف بالمعنى؛ لأن الله لم يزل ولا يزال موصوفًا بالسمع والبصر، والمغفرة والرحمة .. وما أشبه ذلك. وعلى هذا ﴿كَانَ﴾ هنا في هذا السياق وأمثاله مسلوبة الزمن؛ لأنه لو لم تكن مسلوبة الزمن لكانت دلالتها على أن الله متصف بهذه الصفات في زمن مضى وانقضى. وقوله: ﴿مُقِيتًا﴾، معناها: إما مقتدرًا وإما حفيظًا، فقال بعضهم: المقيت يعني: الحفيظ، وقال بعضهم: معنى المقيت: المقتدر، وكلاهما صحيح، وقد جاءت هذه الكلمة في اللغة العربية بالمعنيين ولا منافاة بينهما. من فوائد الآية الكريمة: ١ - الحث على الشفاعة الحسنة، لقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾. ٢ - الحث على التعاون على البر والتقوى؛ وذلك بإعطاء المتعاونين نصيبًا من الأجر على ما تعاونوا عليه. ٣ - التحذير من الشفاعة السيئة. ٤ - أن من شارك في عمل سيء كان له نصيب منه، وقد

стр. 600

قال الله ﵎: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]. ٥ - بلاغة القرآن وفصاحته، على القول بأن الإختلاف بين النصيب والكفل لفظي. ٦ - أن الله سبحانه مقيت على كل شيء؛ أي: مقتدر عليه، ويلزم من هذا أن يحذر الإنسان من مخالفة الله؛ لأن الله تعالى حفيظ عليه ومقتدر عليه. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦]. الإعراب: ﴿إِذَا﴾ شرطية لكنها غير جازمة، وفعل الشرط فيها قوله: ﴿حُيِّيتُمْ﴾ وجواب الشرط قوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ﴾، و"أَحْسَنَ" هنا نجد أنها دخل عليها حرف الجر، ولكنها لم تكسر؛ لأنها ممنوعة من الصرف، والمانع لها من الصرف: الوصفية، ووزن الفعل. وقوله: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾، هذه للتنويع، يعني: هذا أو هذا. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾، وهذه واضحة لا إشكال فيها. يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ التحية هي: البقاء، مأخوذة من الحياة، فمعنى حياه أي: دعا له بالحياة والبقاء، ولهذا نقول في قول المصلي: التحيات لله: أي: جميع ألفاظ العظمة والبقاء ثابتة لله.
следующие страницы →