﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤] ثم سلى المؤمنين، فقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ [محمد: ٤ - ٦]، اللهم اجعلنا منهم.
إذًا: الله قادر على كف بأس الكافرين وإن قووا لكنه حكم .
١٠ - جواز استعمال اسم التفضيل في الصفات المشتركة بين الله وبين الخلق، تؤخذ من قوله: ﴿أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾، وهذا ليس الجواز الذي هو ضد المحرم، لكن الجواز الذي هو ضد المستحيل، فيكون هذا واجبًا.
وقد تعجب من بعض العلماء ﵏ أنهم يمتنعون من إطلاق اسم التفضيل، ويحولونه إلى اسم فاعل خوفًا من تنقص الله ، فيقولون: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ [الأنعام: ١١٧]؛ أي: إن ربك هو عالم، سبحان الله! أنت أعلم بالله من نفسه؟ ! الله سبحانه يقول عن نفسه: أعلم، وأنت تقول: عالم، ثم إنك أيها المسكين! إذا قلت: الله عالم، جعلته مع الخلق مشاركًا على وجه السواء، لكن إذا قلت: أعلم، جعلته أعلم من الخلق، ولا يمكن أن يكونوا مثله، والإنسان إذا أراد الحق تبين له طريق الحق، والأمر واضح.
وعلى هذا فنقول: استعمال اسم التفضيل في الصفات المشتركة بين الله وبين الخلق هو الواجب، فللإنسان علم والله
стр. 597
أعلم، وللإنسان قدرة والله أقدر، له قوة والله أقوى، له سمع والله أسمع، له بصر والله أبصر .. وهلم جرا.
١١ - إثبات البأس والتنكيل لله ، وهذا أيضًا جاء في القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦]، ينكل الخلق: أي: يحذرهم من أن يقعوا فيما يكون سببًا لعقوبتهم.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء: ٨٥].
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾، ﴿مَنْ﴾: هذه شرطية، وفعل الشرط قوله: ﴿يَشْفَعْ﴾، ولا يجوز أن يقال: يشفعُ؛ لأن "مَنْ" الشرطية تجزم، وجواب الشرط قوله: ﴿يَكُنْ﴾.
والشفاعة هي: جعل الوتر شِفعًا، يقال: شفع الشيء؛ أي: جعله شفعًا بعد أن كان وترًا، فإذا جعلت الثلاثة أربعة، فهذا شفع، والخمسة ستة فهذا شفع.
وفي الإصطلاح هي: التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة، فشفاعة رسول الله ﷺ في أهل الموقف أن يقضى بينهم من دفع المضرة، وفي أهل الجنة أن يدخلوها من جلب المنفعة.
وهنا يقول الله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾، إما أن يكون المراد حسنة بالنسبة للمشفوع له، وإن لم تكن من الحسنات الشرعية، وإما أن تكون حسنة أي: من الحسنات الشرعية،
стр. 598
وكلاهما صحيح؛ أي: من يشفع شفاعة حسنة شرعًا، أو حسنة باعتبار المشفوع له، والآية تحتمل المعنيين، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين لا منافاة بينهما فالواجب حملها عليهما جميعًا، لما في كلام الله من سعة المعنى، أما إذا كان أحدهما لا يتفق مع الآخر فالواجب طلب المرجح ليؤخذ به.
وقوله: ﴿حَسَنَةً﴾، الحسنة: ما يحسن فعله من قول أو فعل.
قوله: ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾: أي: حظ وجزء، مما شفع؛ لأنه أعان على الخير على أحد الإحتمالين السابقين، أو نصر أخاه على الإحتمال الثاني.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ يقال فيها كما قيل في الأولى: فمن يشفع شفاعة سيئة؛ أي: يشارك ذا سيئة في سيئته؛ أي: فيكون شفعًا له، أو المعنى: يشفع لأحد شفاعة سيئة، مثل أن يشفع له في الوصول إلى شيء محرم، فهذه شفاعة سيئة.
وقوله: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ الكفل: هو النصيب، وإذا كان هو النصيب فلماذا غاير الله سبحانه بين الحسنة وبين السيئة، فقال في الحسنة: نصيب، وقال: في السيئة: كفل.
الجواب: قيل: إن الكفل هو النصيب فيما يسوء، والنصيب: هو الحظ فيما ينفع، وقيل: إنما غاير بينهما من أجل اختلاف اللفظ؛ لأن اختلاف اللفظ من أساليب البلاغة، حيث لا يتكرر اللفظ مع اللفظ الآخر في مكان واحد.
فعلى المعنى الأول: يكون الخلاف بين النصيب والكفل خلافًا معنويًا، وعلى الثاني: يكون خلافًا لفظيًا، لكن المعنى
стр. 599
الأول يرد عليه أن الله سبحانه سمى الأجر والثواب كفلًا، في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]، فيترجح القول الثاني: وهو أنه إنما غاير بينهما من أجل اختلاف اللفظ، حتى لا يرد لفظ واحد في سياق واحد بمعنى واحد.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ "كان" هذه ترد كثيرًا في القرآن العظيم، مثل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، وهي هنا لا يراد بها الزمان، وإنما الإتصاف بالمعنى؛ لأن الله لم يزل ولا يزال موصوفًا بالسمع والبصر، والمغفرة والرحمة .. وما أشبه ذلك.
وعلى هذا ﴿كَانَ﴾ هنا في هذا السياق وأمثاله مسلوبة الزمن؛ لأنه لو لم تكن مسلوبة الزمن لكانت دلالتها على أن الله متصف بهذه الصفات في زمن مضى وانقضى.
وقوله: ﴿مُقِيتًا﴾، معناها: إما مقتدرًا وإما حفيظًا، فقال بعضهم: المقيت يعني: الحفيظ، وقال بعضهم: معنى المقيت: المقتدر، وكلاهما صحيح، وقد جاءت هذه الكلمة في اللغة العربية بالمعنيين ولا منافاة بينهما.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - الحث على الشفاعة الحسنة، لقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾.
٢ - الحث على التعاون على البر والتقوى؛ وذلك بإعطاء المتعاونين نصيبًا من الأجر على ما تعاونوا عليه.
٣ - التحذير من الشفاعة السيئة.
٤ - أن من شارك في عمل سيء كان له نصيب منه، وقد
стр. 600
قال الله ﵎: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠].
٥ - بلاغة القرآن وفصاحته، على القول بأن الإختلاف بين النصيب والكفل لفظي.
٦ - أن الله سبحانه مقيت على كل شيء؛ أي: مقتدر عليه، ويلزم من هذا أن يحذر الإنسان من مخالفة الله؛ لأن الله تعالى حفيظ عليه ومقتدر عليه.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦].
الإعراب:
﴿إِذَا﴾ شرطية لكنها غير جازمة، وفعل الشرط فيها قوله: ﴿حُيِّيتُمْ﴾ وجواب الشرط قوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ﴾، و"أَحْسَنَ" هنا نجد أنها دخل عليها حرف الجر، ولكنها لم تكسر؛ لأنها ممنوعة من الصرف، والمانع لها من الصرف: الوصفية، ووزن الفعل.
وقوله: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾، هذه للتنويع، يعني: هذا أو هذا.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾، وهذه واضحة لا إشكال فيها.
يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ التحية هي: البقاء، مأخوذة من الحياة، فمعنى حياه أي: دعا له بالحياة والبقاء، ولهذا نقول في قول المصلي: التحيات لله: أي: جميع ألفاظ العظمة والبقاء ثابتة لله.
стр. 601
وقوله: ﴿بِتَحِيَّةٍ﴾ نكرة في سياق الشرط يعم أي تحية، فكل ما يدل على أن هذا تحية فإنه داخل في الآية الكريمة.
وقوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾؛ أي: ردوا هذه التحية بأحسن منها، في الكمية والوصفية.
وقوله: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ أي: حيوا بمثلها.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾؛ أي: محاسبًا لكل أحد، كل شيء فالله حسيبه، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] وقيل: معنى ﴿حَسِيبًا﴾؛ أي: كافيًا، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، والمعنيان صحيحان.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - وجوب رد التحية، لقوله: ﴿فَحَيُّوا﴾، والأصل في الأمر الوجوب.
٢ - أن رد التحية يكون على وجهين، مجزئ وأفضل، فالمجزئ مأخوذ من قوله: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾، والأكمل والأفضل من قوله: ﴿بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾، وقدم الأحسن على المثل لأنه أكمل وأفضل.
٣ - مراعاة الإِسلام للعدل، لقوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.
٤ - الآية عامة في كل من ألقى إلينا التحية أن نحييه بمثل ما حيانا أو أكمل، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، صغيرًا أو كبيرًا؛ لأن الآية عامة، ولهذا قال: ﴿حُيِّيتُمْ﴾ بالبناء للمجهول ولم يقل حياكم المسلمون.
стр. 602
وبناءً على ذلك نقول: إذا سلم علينا أهل الكتاب فقالوا: السلام عليكم، بلفظ صريح، فنقول: وعليكم السلام، أما إذا قالوها بلفظ محتمل فإننا نقول: وعليكم، فقط.
٥ - أنه لا يجزئ الرد بغير السلام، فإذا قال المسلم: السلام عليك، فقلت: أهلًا وسهلًا، فلا يجزئ؛ لأن هذه التحية ليست مثلها ولا أحسن منها، إذ إن قول المسلم: السلام عليكم، دعاء لك بالسلامة من كل الآفات البدنية والمالية والقلبية وغيرها.
لكن أهلًا وسهلًا لا تفيد إلا مجرد الترحيب باللسان، فهي ليست مثلها وليست أحسن منها.
٦ - أنه يطلب من المُسَلم عليه أن يرد بأكمل إما بالكمية وإما بالكيفية، فإذا قال: السلام عليك فالأحسن: عليك السلام ورحمة الله، هذا بالكمية.
إما الكيفية: فإذا قال: السلام عليك، بصوت مرتفع مسموع يدل على التواضع فقلت: عليك السلام، بصوت مثله أو أبين فهذا رد صحيح بالكيفية، لكن لو قال: السلام عليك، بلفظ بين صريح رفيع ثم رددت عليه بأنفك بصوت ربما يُسمع وربما لا يُسمع، فأنت لم ترد ولم تقم بالواجب، بل أنت آثم؛ لأن الله أمر بردها أو بأحسن منها.
٧ - أنه لو حياك إنسان بقوله: أهلًا وسهلًا فقلت: أهلًا وسهلًا بك، فإن ذلك جائز، لكن يحسن ولا سيما لطلبة العلم أن يبينوا لهذا الرجل أن السلام المشروع هو: السلام عليك.
ثم إن للسلام آدابًا معروفة مطولة مبسوطة في كتب أهل العلم، ففي كتب الفقهاء ذكروا كثيرًا من آداب السلام في آخر
стр. 603
كتاب الجنائز، حين ذكروا السلام على المقابر تطرقوا إلى السلام على الأحياء، وفي كتب الآداب أيضًا شيء كثير من هذا.
٨ - أن الله حسيب على كل شيء، يعني: أنه يحاسب كل من عمل عملًا بما يقتضيه عمله، وهذا على أحد القولين في حسيبًا، وعلى القول الثاني: أنه كافٍ من توكل عليه.
٩ - التحذير من عدم رد التحية بمثلها أو أحسن، يؤخذ من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ يعني: فاحذر أن تتعرض لمحاسبة الله .
* * *
* قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧].
أولًا: الإعراب:
الإسم الكريم ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر المبتدأ، و ﴿إِلَهَ﴾ اسم لا، وخبرها محذوف تقديره "حق"، و ﴿هُوَ﴾ الواقع بعد ﴿إِلَّا﴾ بدل من الخبر المحذوف، وهذا أحسن ما قيل في إعرابها.
وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ اللام: واقعة في جواب قسم مقدر والتقدير: والله! ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾، وعليه فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم المقدر، واللام، ونون التوكيد.
وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ هذه: ﴿لَا﴾ النافية للجنس، واسمها قوله: ﴿رَيْبَ﴾، وخبرها قوله: ﴿فِيهِ﴾.
وهل النفي هنا بمعنى الطلب؟ أي: لا ترتب فيه، أو هو
стр. 604
خبر على ظاهره؟ الجواب فيه قولان للعلماء، والصحيح: أنه خبر على ظاهره.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾ ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿أَصْدَقُ﴾ خبر، والإستفهام هنا بمعنى النفي؛ أي: لا أحد أصدق من الله حديثًا.
وقوله: ﴿حَدِيثًا﴾ تمييز؛ لأنها وقعت مبينة لاسم التفضيل، وكل ما وقع مبينًا لاسم التفضيل فهو تمييز؛ لأن التمييز يبين ما انبهم من الذوات.
يقول الله : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وهذا خبر من أصدق الأخبار، فإنه لا إله إلا الله، والإله بمعنى المألوه أي: المعبود حبًا وتعظيمًا.
وقال بعضهم: إن الإله من قُصِد بالعبادة، وليس المألوه حبًا وتعظيمًا، واستدلوا بحديث أبي واقد الليثي ﵁، حين قالوا: اجعل لنا ذات أنواط، فأنكر عليهم ﷺ بالآية (١)، فهم لم يحبوها وإنما أرادوا التبرك بها، فكيف نجيبهم؟
الجواب: نجيب عن هذا بأنهم قالوا: اجعل لنا ذات أنواط للتبرك بها، وهذا يتصل بتوحيد الربوبية، ثم إن قولنا: حبًا وتعظيمًا إنما هو للإله الحق، وقد يكون للباطل بما قام في قلب العابد من شبهة، فقد يحب الأصنام ويعظمها, ولهذا افتخر بها أبو سفيان في أُحد، وقال: أعل هبل، ولهذا كان يحلفون بها، وكل هذا يدل على تعظيمها, لكنها ليست أهلًا للتعظيم.
وقوله: ﴿إِلَّا هُوَ﴾ الضمير يعود على الله ، فلا
стр. 605
معبود حقٌّ إلا الله، وكل ما عبد من دون الله فهو باطل، لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢].
وهذا المعبود من دون الله يُسمى إلهًا، ولكنها تسمية لفظية لا حقيقية، لقوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً﴾ [يوسف: ٤٠] يعني: بدون مسميات ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: ٤٠]، ولقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١]، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٣٩] فكل معبود فهو إله، لكن منه ما هو بحق ومنه ما هو بباطل.
وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أقسم الله وهو الصادق أنه سيجمعنا إلى يوم القيامة، يجمع الأولين والآخرين وكل ما فيه روح، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير: ٤ - ٥] فكل شيء يبعث يوم القيامة ويجمع، وإنما أكد الله ذلك لسببين:
السبب الأول: أن فيه من ينكر هذا الجمع، قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧].
وإن قال قائل: هذا السبب لا ينفع فيمن ينكره؛ لأن الذي ينكر سينكر سواء أقسم له أم لم يقسم، فالمنكر لا يفيد فيه القسم.
قلنا: هذا إذا أكد له الكلام وأنكر بعد التأكيد صار إنكاره مكابرة، لقيام ما يدل على تأكد هذا الشيء، هذا أولًا.
ثانيًا: أنه جرت عادة العرب - والقرآن بلسان عربي - أنهم
стр. 606
يؤكدون الحكم فيما إذا كان المخاطب منكرًا، ويقولون: إنه يجب أن يكون الكلام مؤكدًا.
السبب الثاني للتأكيد: أن هذا من أهم الأمور، وكلما كان الشيء مهما كان توكيده أوكد، حتى لا يبقى في النفوس شك أو تردد، ولا شك أن من أهم الأمور بعد الإيمان بالله أن تؤمن باليوم الآخر؛ لأن من لم يؤمن باليوم الآخر لا يمكن أن يعمل، فإذا قال: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] فما الفائدة من العمل، فصار التوكيد هنا لسببين.
وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يوم القيامة هو اليوم الذي يبعث فيه الناس، وسمي يوم القيامة لأمور ثلاثة:
الأول: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لله، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦].
الثاني: أنه يقام فيه العدل، لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
الثالث: أنه يقوم فيه الأشهاد، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، ولهذا سمي هذا اليوم ﴿يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وله أسماء كثيرة في القرآن، يذكره الله تعالى بها حسب ما يقتضيه السياق.
وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ الريب هو الشك مع القلق، وهذه الجملة خبرية في ظاهرها, لكن اختلف المفسرون هل هي خبرية محضة أو هي خبرية طلبية أي: أنها خبر بمعنى النهي؟ الجواب في ذلك قولان، والراجح: أنها خبرية محضة؛ لأن الخبر
стр. 607
المحض يفيد استقرار الشيء وثبوته، سواء آمن به الإنسان أم لم يؤمن، وأنه شيء مستقر ليس فيه إشكال.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ يعني: لا أحد أصدق من الله، فالإستفهام هنا بمعنى النفي، والنكتة البلاغية في كون النفي يأتي بصيغة الإستفهام هو أنه إذا أتى بصيغة الإستفهام صار مشربًا معنى التحدي، يعني: كأن المتكلم يتحدى المخاطب، ويقول: بيِّن لي من أصدق من الله حديثًا! فهو متضمن للنفي بلا شك، ومتضمن للتحدي.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - انفراد الله تعالى بالألوهية، لقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وأنكر انفراده بالألوهية كفار قريش، وقالوا للرسول ﷺ : ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥].
وأنكر توحيد الربوبية فرعون، لكن فرعون حينما أنكر لم ينكر حقيقة وإنما بلسانه، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وقال له موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] ولم ينكر عليه، ويقول: ما علمت.
وأما توحيد الأسماء والصفات فأنكره كثير، حتى من أهل الملة الذين ينتسبون للإسلام من أنكروا توحيد الأسماء والصفات، فمنهم من عطل، ومنهم من مثل، وكلاهما يعتبر منكرًا.
٢ - إثبات الجمع يوم القيامة لقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وهذا دل عليه آيات كثيرة، مثل قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ
стр. 608
وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠].
٣ - إثبات يوم القيامة، لقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، والإيمان به أحد أركان الإيمان الستة، لقول النبي ﷺ في جواب جبريل: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره" (١)، فاليوم الآخر هو يوم القيامة.
٤ - وجوب الإيمان باليوم الآخر على وجه لا شك معه، لقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، فيجب علينا أن نؤمن بأن الله يجمعنا يوم القيامة إيمانًا لا شك معه، ولا تردد فيه.
٥ - إثبات الكلام لله ، يؤخذ من قوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، نأخذ هنا من قوله: ﴿أَصْدَقُ﴾ ومن قوله: ﴿حَدِيثًا﴾.
والصدق إنما يوصف به الكلام، والحديث هو الكلام، وعلى هذا فيكون إثبات كلام الله من الكلمتين جميعًا.
والصدق هو مطابقة الخبر للواقع، ومطابقة الواقع للخبر فما دمنا قلنا: مطابقة فهي مفاعلة تكون من جانبين.
٦ - أن كلام الله تعالى وخبره صدق لا كذب فيه بوجه من الوجوه، لقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾ أي: من اسم التفضيل؛ لأن اسم التفضيل يجعل المفضل في قمة الوصف، وعلى هذا فليس في كلام الله سبحانه تعالى شيء من الكذب إطلاقًا.
٧ - وجوب الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه وعن أمور الغيب كلها, لقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾، فإذا أخبر الله عن نفسه بشيء، أو عن الأمور الغائبة بشيء وجب علينا تصديقه.
стр. 609
٨ - وصف كلام الله تعالى بالحديث لقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ وهو كذلك، لكن هل الحديث بمعنى الخبر، أو يجوز أن يكون المراد به أنه حادث لتكلم الله به؟ الجواب: الثاني هو المراد، فكلام الله باعتبار أصله من الصفات الذاتية؛ لأنه تعالى لم يزل ولا يزال متكلمًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
فإن قال قائل: فهل عندكم دليل على أن كلام الله حادث، يعني: باعتبار آحاده؟
قلنا: هناك أدلة، وليس دليلًا واحدًا، استمع إلى قول الله تبارك تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]، فإن "قد" للتحقيق و ﴿سَمِعَ﴾ فعل ماضٍ يقتضي أن يكون المسموع سابقًا للخبر عنه، وأن الخبر عنه لاحق، ومعلوم إن المرأة إنما شكت إلى النبي ﵊ في أمر حادث.
وقال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]، والآيات في هذا كثيرة.
فإن قيل: إذا قلت بأن كلام الله حادث لزم أن يكون الله تعالى حادثًا؛ لأن الحوادث لا تكون إلا من حادث! فالجواب: هذا غير صحيح، فلا يلزم من قيام الحوادث بالله أن يكون هو حادثًا، أليس الله تعالى يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، و ﴿ثُمَّ﴾ تفيد الترتيب.
إذًا: الإستواء فعل كان بعد خلق السماوات والأرض،
стр. 610
فقامت به الأفعال الإختيارية، ولا شك أن قيام الأفعال الإختيارية بالله من كمال الله، فمن كماله أن يكون فاعلًا متى شاء فعل ومتى شاء لم يفعل، وأما من قال: إنه يلزم من قيام الحوادث به أن يكون حادثًا فهذه قضية غير مسلمة ولا صحيحة.
والمخلوق والحادث بينهما فرق عظيم، فالحادث قد يكون صفة وقد يكون مخلوقًا بائنًا، فكلام الله ليس مخلوقًا بائنًا عن الله، لكنه يتكلم به، وكلامه به الآن ليس أزليًا، بل هو حادث.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)﴾ [النساء: ٨٨].
﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الخطاب في قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ للصحابة ﵃، و"ما" اسم استفهام مبتدأ، والمراد بالإستفهام هنا الإنكار عليهم وقوله: ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، يعني: أي شيء لكم في المنافقين تختلفون فتكونون فئتين؟ وذلك أن الصحابة ﵃ بعد رجوع من رجع من المنافقين من أُحد - وكان الذين رجعوا من الجيش في أُحد نحو الثلث كلهم منافقون - اختلف الصحابة فيما بعد، فقال بعضهم: نقتلهم لأنهم خانوا وتبينت ردتهم، وقال آخرون: لا نقتلهم لأنهم يتظاهرون بالإِسلام، فاختلفوا وتنازعوا وصار المسلمون فئتين، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ خبرًا لصار المحذوفة، والتقدير: "فما لكم في المنافقين صرتم فئتين" أو "كنتم فئتين" وكلاهما صحيح.
стр. 611
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ الإركاس بمعنى: الرد والإرجاع، لكن على وجه مذموم.
وقوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ الباء للسببية، و"ما" يجوز في إعرابها أن تكون مصدرية، ويكون التقدير أركسهم بكسبهم، ويجوز أن تكون موصولة ويكون التقدير بالذي كسبوه، فإذا كان الله أركسهم بما كسبوا فالصواب مع من قال: إنهم كافرون مرتدون. أما مسألة المقاتلة فسيأتي التفصيل فيها في الآيات.
قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ وهذا الإستفهام استفهام توبيخ، والإرادة هنا بمعنى المحبة، أو بمعنى المشيئة وكلاهما صحيح، يعني: أتشاءون أن تهدوا من أضل الله، أو أتحبون أن تهدوا من أضل الله؟
والجواب: ليس لكم ذلك؛ لأن من يرد الله أن يضله فإنه ليس له من الله ولي ولا نصير.
وقوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ الإسم الكريم ﴿اللَّهُ﴾ بالرفع على أنه فاعل، وعلى هذا فيكون "أضل" فيها ضمير محذوف، هو عائد الصلة، والتقدير: "من أضله الله".
قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ ﴿مَنْ﴾ هذه شرطية، والدليل على أنها شرطية أن الفعل بعدها وقع مجزومًا، ولكنه حرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وقد قال ابن مالك في الكافية:
إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق ... وإن يكن لينًا فحذفه استحق
يعني: إن كان حرف علة احذفه، وإذا كان ساكنًا اكسره.
وقوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ هذه الجملة جواب الشرط،
стр. 612
واقترنت بالفاء؛ لأن الجواب لا يصح أن يكون فعلًا للشرط، ومتى امتنع أن يكون الجواب فعلًا للشرط وجب اقترانه بالفاء، وقد جُمعت المواضع التي يقترن الجواب فيها بالفاء في بيت:
اسمية طلبية وبجامد وبما ... وقد وبلن وبالتنفيس
وقوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ قد يقول قائل: كيف كانت بالإفراد، والخطاب الذي قبلها بالجمع في قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾؟
قلنا: كأن هذه الجملة - والله أعلم - انفصلت عما قبلها، وصار المراد بها المخاطب، يعني: فلن تجد أيها المخاطب! له سبيلًا، ومعنى: ﴿سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا إلى الهداية.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - الإنكار على المؤمنين في الإختلاف في المنافقين، لقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾.
ويترتب على هذه الفائدة أن هذا يوحي بذم الإختلاف، وذم الإختلاف أمر ثابت؛ لأن هذه الأمة أوصيت بأن تقيم الدين ولا تتفرق فيه، والإختلاف تفرق، بل قد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥].
٢ - أن الإنسان يُركس ويُرد على الوجه المذموم بسبب عمله، ويؤخذ من قوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾.
٣ - إثبات الأسباب، ويؤخذ من قوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ لأن الباء السببية.
والناس في الأسباب طرفان ووسط: فمن الناس من أنكر
стр. 613
تأثير الأسباب إطلاقًا، وقال: لا أثر للسبب في المسبب، حتى كابروا المعقول والمحسوس، وقالوا: لو رميت الزجاجة بحجر فانكسرت فإن الحجر لم يكسرها ولكن انكسرت الزجاجة عنده لا به، قالوا: لأننا لو أثبتنا تأثير الأسباب لأثبتنا خالقًا مع الله، سبحان الله! وهذا القول إذا نسب للإسلام سوف يكون مثارًا للقدح في الإِسلام؛ لأن غير المسلمين يشاهدون أن الأسباب تؤثر.
الطرف الثاني: من يقول: إن الأسباب لها تأثير بمقتضى طبيعتها لا بأن الله سبحانه جعل فيها القوة المؤثرة، وهؤلاء قد ضلوا وأشركوا، وجعلوا مع الله شريكًا، وهؤلاء أيضًا على ضلال.
والقسم الثالث: الذين قالوا: إن للأسباب تأثيرًا بما أودع الله فيها من القوة الفاعلة، وليست هي التي تفعل، وهؤلاء هم أهل الحق وأهل الصواب، فالله تعالى هو الذي جعل الإحراق في النار فتحرق، وجعل الكسر في الحجر الذي يقع على الزجاج فينكسر.
والدليل على هذا: أن الله تعالى قال في نار إبراهيم: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، وطبيعة النار الحرارة والإحراق والإهلاك، لكن قال لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ فكانت بردًا وسلامًا عليه.
إذًا: الأسباب لا تؤثر بذاتها, ولكن بما أودع الله فيها من القوى الفاعلة.
٤ - أن الأعمال قد تكون سببًا لردة الإنسان بكثرة معاصيه،
стр. 614
فالسيئة تجذب السيئة، والصغائر بريد الكبائر، والكبائر بريد الكفر، وهذا واضح، يؤخذ هذا من قوله: ﴿أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾، فإذا رأيت من نفسك إركاسًا - والعياذ بالله - فانتشلها بالتوبة والإستغفار لله ، وسؤال الله الثبات، ولا تتهاون، ولا تقل: إن شاء الله سيقوى إيماني، بل من الآن، من حين أن تحس بالمرض فعليك بالدواء.
٥ - الرد على الجبرية، ويؤخذ من قوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾، فأثبت لهم كسبًا، والجبرية يقولون: إن الإنسان لا كسب له، وعمله مجبر عليه.
٦ - الرد على القدرية أيضًا، ويؤخذ من قوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾، والقدرية يقولون: إن أفعال العباد لا علاقة لتقدير الله بها إطلاقًا، فصار في الآية رد على كلتا الطائفتين المنحرفتين المبتدعتين، وأهل السنة والجماعة يقولون: للإنسان فعل ينسب إليه حقيقة، والمقدر لهذا الفعل هو الله ، وهذا هو المطابق للمنقول والمعقول والمحسوس.
٧ - توبيخ أولئك المؤمنين الذين يريدون أن يهدوا من أضل الله، لقوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾.
فإن قال قائل: يشكل على هذا إشكالًا كبيرًا الدعوةُ إلى الله ، ومحاولة إصلاح الخلق، فإن الداعي يريد أن يهتدي المدعوون؟
فيقال: الجواب عن هذا: أن الله أنكر على هؤلاء الذين يشاهدون أن الله أضل هؤلاء بالنفاق - والعياذ بالله -! ويحاولون أن يحكموا بإسلامهم، ويقولون: إنهم مسلمون كما هي الفئة الثانية.
стр. 615
٨ - أن الهداية والإضلال بيد الله، ويتفرع على هذه الفائدة: أن لا تسأل الهداية من الضلال إلا من الله ، وأن تجعل سؤالك لبعض الناس كيف اهتدى تجعله سؤالًا عن السبب والطريق، وأما الذي بيده أزِمَّة الأمور فهو الله ، ولهذا قال الله لنبيه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦].
٩ - إن من قدَّر الله إضلاله فإنه لا يمكن لأحد أن يقوم بهدايته، لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.
فإن قيل: هذا يقتضي أن يكون للعاصي حجة على معصيته، فيقول: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.
فالجواب عن هذا: أن يقال: لا حجة في هذا للعاصي إطلاقًا، وذلك لأن الإنسان لا يعرف أن الله أضله إلا بعد أن يضل هو، وضلاله هو صادر عن إرادته؛ أي: إرادة الإنسان وقدرته، فهو الفاعل، وهو الذي أضل نفسه، لكن لا يعلم أن الله قدر عليه الضلال إلا بعد وقوعه، فكيف يحتج بحجة لا يعلم بها إلا بعد وقوعها؟ ! فهذا باطل.
١٠ - بيان أن الأمور بيد الله سبحانه، لقوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، وإذا آمنت بذلك فلن تسأل الهداية إلا من الله .
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾ [النساء: ٨٩].
стр. 616
﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ ﴿وَدُّوا﴾ الفاعل هم المنافقون؛ لأن السياق فيهم.
وقوله: ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ ﴿لَوْ﴾ هنا مصدرية؛ أي: ودوا كفركم، فهي بمنزلة "أن" و"لو" تأتي لمعانٍ متعددة، تأتي مصدرية كما هنا، وتأتي للتمني، وتأتي شرطية، وتكون حرف امتناع لامتناع، وإذا أردت أن تعرف معاني الحروف فعليك بكتاب "المغني" لابن هشام ﵀، فإنه يأتي بالكلمة ويبين معانيها.
يقول : ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ أي: ككفرهم، وعلى هذا فـ "ما" هنا مصدرية، ولا يصح أن تكون موصولة؛ لأن المراد ودوا لو تكفرون ككفرهم.
وكفر المنافقين كفر غريب، فهم كما قال الله عنهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] فهو كفر مستور، ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب، هم يودون أن كل الناس يفعلون هكذا مع النبي ﵊، فيؤمنون ظاهرًا ويكفرون باطنًا؛ ولهذا قال الله : ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠]؛ أي: أن قومهم كذبوهم في دعوى الإيمان بهم، فقالوا: إنهم مؤمنون وهم لم يؤمنوا، هذا معنى قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾، وفيها قراءة سبعية "وظنوا أنهم قد كُذِّبُوا" أي: أيقنوا أنهم مكذبون، ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾.
قوله: ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ هنا الفاء عاطفة، وليست جواب "لو"؛ لأن "لو" ليست شرطية، وقوله: ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ أي:
стр. 617
فتكونون معهم سواءً لا فضل لكم عليهم، وهذا بمقتضى طبيعة الإنسان أنه يود إذا سلك منهجًا أن يسلكه الناس معه، فكل إنسان سواء صاحب الخير أو صاحب الشر يود إذا سلك منهجًا أن يسلكه الناس، وهؤلاء ودوا أن المؤمنين يكفرون كما كفروا ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾.
قال الله تعالى محذرًا عنهم وعن موالاتهم: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: يوالونكم أو توالونهم، يعني: لا تتخذوا منهم أولياء؛ لأنهم أعداء، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، وكذلك لا تتخذوا منهم أولياء توالونهم أنتم؛ لأن موالاة الكفار كفر.
وقوله: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هنا للغاية، يعني: استمروا في عداوتهم ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
واعلم أن ﴿حَتَّى﴾ تكون غاية، وتكون علة، ففي قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] يتعين أنها علة، وفي قوله: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩١] هذه غاية، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: لا تتخذوا أولياء توالونهم أو يوالونكم، أما كونكم لا توالونهم فظاهر؛ لأنهم لم يتموا ما عليهم من المهاجرة، وأما كونكم لا تطمعون في أن يكون أولياء لكم؛ فلأن من كان على غير دينك لا يمكن أن يعينك أو أن ينصرك.
وقوله: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اختلف في المراد
стр. 618
بالهجرة هنا: فقيل: المراد حتى يهاجروا من بلاد الكفر إلى بلاد الإِسلام، فإن كانوا في بادية وجب عليهم أن يهاجروا إلى المدينة، وإن كانوا في مكة فكذلك، وقيل المراد بالهجرة: الخروج مع النبي ﷺ للجهاد؛ لأن من خرج في الجهاد فقد هاجر؛ أي: ترك بلده إلى ميدان المعركة.
وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في الطريق الموصلة إليه وهي دينه.
واعلم أن الله سبحانه أضاف السبيل إليه في عدة آيات مثل هذه الآية وأشباهها كثير، ومثل قوله تعالى: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧]؛ أي: طريقك، وسمي سبيل الله؛ لأن الله تعالى هو الذي وضعه لعباده، وهو - أي: هذا السبيل - يوصل إلى الله، فالواضع له هو الله، وهو يوصل إلى الله ، وقد أضافه الله تعالى إلى المؤمنين في قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، وإضافته إلى المؤمنين باعتبار أنهم سالكوه، فصار إضافة السبيل إما إلى الله وإما إلى المؤمنين، فأما إضافتها إلى الله فلوجهين:
الأول: أن الله هو الذي وضعه لعباده حتى يسيروا عليه.
والثاني: أنه موصل إلى الله .
وأما إضافته إلى المؤمنين فباعتبار أنهم سالكوه.
ومثل ذلك أيضًا يقال في الصراط، فإن الله أضافه إلى نفسه في قوله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣]، وفي قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وأضافه أيضًا إلى الذين أنعم الله عليهم في قوله: ﴿صِرَاطَ
стр. 619
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، ويقال: في توجيهه ما قيل في توجيه السبيل.
وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تولوا عن الهجرة في سبيل الله، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ يعني: إذا وجدتموهم فخذوهم أسرى، بدليل قوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾ فالأخذ أسر، والقتل إزهاق الروح، قوله ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ أي: في أي مكان وجدتموهم، سواء وجدتموهم في البر أو في بلادهم أو في غير ذلك، ما داموا لم يهاجروا في سبيل الله وتولوا عن سبيل الله.
وقوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ كررَّه مرة أخرى إما تمهيدًا لقوله: ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ وإما من باب التوكيد، وإما للأمرين جميعًا؛ لأن قوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا﴾ هو كقوله: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، لكن هنا زاد قال: ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾.
والفرق بين الولي والنصير: أن النصير هو من يدافع عنك ممن يعتدي عليك، فهو ينصرك، وأما الولي فهو الذي يتولاك بالعناية، وبتحصيل مطلوبك ودفع مرهوبك.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن الكفار يودون بكل المحبة أن يكفر المؤمنون كما كفروا، لقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾، ويتفرع على هذه الفائدة أنهم إذا كان هذا ودهم فسوف يسعون إليه بكل وسيلة، سواء كانت الوسيلة في تدمير الإقتصاد، أو بالسلاح، أو بنشر الأخلاق الرذيلة السافلة؛ لأن الأخلاق الرذيلة السافلة إذا انتشرت في الأمة فعليها الوداع.
المهم أننا ما دمنا نعلم أنهم يودون أن نكفر كما كفروا
стр. 620
فلا بد أن يسعوا لذلك بكل طريقة، بالتهديد تارة، وبالترغيب تارة، وبتسهيل الباطل تارة، وكما نشاهد الآن أن دول الكفر تلعب لعبًا لا يستهان به بدول المسلمين.
٢ - أن بني آدم بطبيعتهم يتسلى بعضهم ببعض، ويقوى بعضهم ببعض، لقوله تعالى: ﴿كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ ولا شك أنه إذا اشترك أحد معك فيما أصابك فإنه تشجيع لك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ [الزخرف: ٣٩]، بينما في الدنيا إذا تشارك المجرمون في العذاب هان عليهم، كما قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر:
ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلي النفس عنه بالتأسي
فالحاصل أن الإشتراك في العقوبة يخففه، وهنا الإشتراك في الكفر يهون الكفر على أصحابه.
٣ - اعتزاز الكفار بمن يدخل في دينهم، لقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾.
٤ - تحريم اتخاذ أولياء من الكفار حتى يهاجروا في سبيل الله، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
٥ - أن من لم يهاجر في سبيل الله فإن هذا دليل على عدم صدقه في إيمانه؛ لأنه متى صدق الإنسان في إيمانه فسوف يدع الغالي والرخيص من أجل الحفاظ على هذا الإيمان.
٦ - الإشارة إلى الإخلاص، وتؤخذ من قوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
стр. 621
٧ - أن من تولى عن الهجرة في سبيل الله فإنه ليس وليًا لنا، ويجب علينا مقاتلته، لقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾؛ وذلك لأنه لا إيمان ولا عهد لهم لكونهم تولوا عن دين الله ولم يهاجروا في سبيل الله.
٨ - تأكيد النهي عن اتخاذ الأولياء من الكفار؛ لقوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية وبين محالفة النبي ﷺ لخزاعة بعد صلح الحديبية؟
فالجواب: أن المراد باتخاذ الأولياء أن ينصرهم الإنسان ويناصرهم على من قاتلوه وحاربوه، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، وأما مجرد أن يتخذ معهم حلفًا يتقوى بهم ويدفع بهم شرورًا كثيرة فهذا لا بأس به عند الحاجة إليه؛ لأن النبي ﷺ أقر ذلك في صلح الحديبية.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾ [النساء: ٩٠].
﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ هذا استثناء من قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
فقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ يعني: إلا قومًا وصلوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، واستجاروا بهم،
стр. 622
وعقدوا معهم الأحلاف، فهؤلاء ليس لهم حكم من سبقهم، ولهذا قال: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ إلى آخره.
وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الميثاق هو: العهد المؤكد، مأخوذ من الوثاق الذي هو الرباط الذي يربط به الشيء.
وقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ هذه معطوفة على ﴿يَصِلُونَ﴾، يعني: أو الذين جاءوكم، يعني: لم يلتجئوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، ولكنهم جاءوا إليكم.
وقوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ ﴿حَصِرَتْ﴾ بمعنى: ضاقت ولم تتسع للقتال، والجملة في قوله: ﴿حَصِرَتْ﴾ قيل: إنها في موضع نصب على الحال، على تقدير قد؛ أي: قد حصرت صدورهم ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾.
وقوله: ﴿أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ هؤلاء الآن جاءوا إلى المسلمين لئلا يقاتلوا المسلمين مع قومهم، ولكنهم لا يقاتلون قومهم مع المسلمين، ولهذا قال: ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ يعني: مع قومهم: ﴿أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ يعني: معكم، فهؤلاء قوم مسالمون.
قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ يعني: هؤلاء الذين جاءوكم. وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ ﴿لَوْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط. قوله: ﴿شَاءَ﴾ وجوابه قوله: ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾ وقوله: ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ هذه معطوفة على جواب "لو" بإعادة اللام الرابطة؛ ولهذا لو حذفت وقيل: لسلطهم عليكم فقاتلوكم لاستقام الكلام، إذًا: فهي اللام الأولى أعيدت للتأكيد.
وقوله: ﴿لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لجعل لهم سلطانًا عليكم
стр. 623
بالمقاتلة، وهل شاء الله ذلك؟ الجواب: لا. لأنهم لم يقاتلوا المسلمين.
وقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ فسرها بقوله: ﴿فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾؛ أي: اعتزلوكم فلم يكونوا معكم، ولم يقاتلوكم، وألقوا إليكم السلم؛ أي: السلام.
وقوله: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ لأنهم قوم مسالمون لم يقاتلوكم، ولم يقاتلوا قومهم، فهؤلاء مسالمون.
وقوله: ﴿فَمَا جَعَلَ﴾ هذه جواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾، ومعنى ﴿سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا يبيح لكم قتالهم.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - استثناء هؤلاء الصنف من الناس ممن أمرنا بقتالهم، وهم طائفتان: طائفة وصلوا إلى قوم بيننا وبينهم ميثاق ودخلوا فيهم.
والطائفة الثانية: قدموا وجاءوا إلينا فلم يقاتلونا مع قومهم، ولم يقاتلوا قومهم معنا، فهم مسالمون.
٢ - تمام وفاء الإِسلام بالعهد، حيث حمى العهد لمن باشر عقد العهد معنا ومن لجأ إليه، ويؤخذ من قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الآية.
٣ - أن من سالمنا سالمناه؛ لقوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾، وفي الجهاد تكون الهدنة، وهل يصح أن تزيد على عشر سنوات؟ الصحيح: أنه تصح الهدنة المطلقة المبنية على ضعفنا، ولنا إذا قوينا أن ننبذ إليهم.
стр. 624
٤ - إثبات مشيئة الله سبحانه، لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾.
٥ - أن أفعال العباد واقعة بمشيئة الله، لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ﴾، فيستفاد منها الرد على طائفة مبتدعة زائغة وهم: القدرية، الذين يقولون: إن فعل الإنسان مستقل به لا علاقة لله به، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾.
٦ - وفي قوله: ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ الرد على الجبرية حيث نسب القتال إلى الإنسان، وهم لا ينسبون الفعل إلى الإنسان إلا على سبيل المجاز، فمثلًا: يقولون: الرجل إذا صلى إنما صلى على سبيل المجاز، وإلا في الحقيقة أنه أجبر على الصلاة.
٧ - أنه إذا اعتزلنا من بيننا وبينه عهد وأمان، ولم يقاتل، وألقى السلم وجب الكف عنه، لقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾.
٨ - الحاصل بالمفهوم أنهم لو أخذوا منا الميثاق ولكنهم خانوا فقاتلونا فإن العهد ينتقض، ولا يكون بيننا وبينهم عهد، يؤخذ من مفهوم قوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾.
٩ - أن من ألقى السلاح وجب الكف عنه، لقوله: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾، لكن إن خيف أن إلقاءه السلاح خيانة وخداع فإنه لا عبرة بإلقائه؛ لأن العدو قد يلقي السلاح غدرًا وخيانة، وقد ينهزم أيضًا أمام جيوشنا غدرًا وخيانة، فالواجب التنبه.
فإن قال قائل: كيف نقول فيما وقع من أسامة بن
стр. 625
زيد ﵁ في قتله المشرك بعد أن قال: لا إله إلا الله، فأنبه النبي ﷺ ووبخه، وقال: "أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله" (١) مع أن الذي يظهر أنه قالها تعوذًا من القتل؟
قلنا: لا بد من قرينة قوية تدل على أنه يخشى منه الغدر والخيانة، وأما مجرد الظن فلا يكفي؛ لأن الأصل العصمة بالعهد، فيبنى على هذا الأصل حتى يُوجد ما يعارضه.
١٠ - أن الشرع منعًا ودفعًا وإذنًا كله لله ، لقوله: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾، وهذا يدل على أن الأمر بيد الله، فهو الذي يحكم بما شاء من حل وحرمة وإيجاب وغير ذلك.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾ [النساء: ٩١].
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ السين هنا للتنفيس، وأختها "سوف" للتسويف، والفرق بينهما: أن التسويف متأخر، والتنفيس حاضر، وكلتاهما تفيدان التقرير والثبوت والتحقيق، فمثلًا إذا قلت: أنت سوف تجد زيدًا، وأنت ستجد زيدًا فكلتاهما تفيد التوكيد والثبوت، ولكن سوف للتراخي والسين للقرب.
стр. 626
وقوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ هؤلاء قسم رابع ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾، ولا يمكن هذا إلا بالنفاق، فإذا جاءوكم ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ فأمنوا ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] فنافقوا، فهم يريدون أن يكون مرضين لهؤلاء وهؤلاء ولا يمكن هذا، لا يمكن أن ترضى أولياء الله وأعداءه في آن واحد؛ لأن أولياء الله وأعداء الله كلهم أعداء، ولا يمكن لعدو الله أن يوالي وليًا لله، أو بالعكس، فهؤلاء ليسوا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ لأنهم ليسوا مع المسلمين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكفار ظاهرًا، لكن في الباطن هم معهم.
وقوله: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ يعني: أن مآلهم الفتنة - والعياذ بالله! - والضلال، والمراد بالفتنة هنا: الخروج من الإِسلام، وقوله: ﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ يعني: ازدادوا ركسًا وعمقًا فيها، وبعدًا عن الهدى، وهكذا كل إنسان يريد الفتنة فإنه يزداد شرًا وإيغالًا في الفتنة.
وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يعني: إن ظهرت عداوتهم لكم، ولم يعتزلوكم حتى يتبينوا ويظهروا ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ يعني: الإستسلام أو المسالمة، والظاهر أن المراد المعنيان.
وقوله: ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ عنكم بالإيذاء ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ خذوهم أسرًا، واقتلوهم إماتة ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: حيث وجدتموهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾ [الممتحنة: ٢] أي: إن يجدوكم.
وقوله: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ ﴿وَأُولَئِكُمْ﴾
стр. 627
الإشارة هنا إشارة إلى بعيد مع قرب الذكر، لبعد منزلتهم وسفول منزلتهم؛ لأن القريب قد يشار إليه بإشارة البعيد إما لبعده نزولًا أو لبعده علوًا، حسب ما يقتضيه السياق.
وقوله: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: حقًا بينًا وسلطة بقتالهم، وأخذهم حيث ﴿لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾.
وهذه الآيات كلها في المنافقين وأشباه المنافقين؛ لأنها بُدئت بهم وانتهت بهم، فهي في المنافقين وأشباههم.
وخلاصتها بالمعنى الإجمالي: أن الناس أقسام: مسلمون، ومعاهدون، وذميون، ومنافقون، وكل قسم من هذه الأقسام له حكم يليق به.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - علم الله بالغيب، لقوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾.
٢ - إثبات الإرادة للعبد، وتؤخذ من قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾.
٣ - أنه لا يمكن الجمع بين الولاية والعداوة، ولا يمكن أن يكون الإنسان وليًا لأولياء الله، ووليًا لأعداء الله، هذا شيء لا يمكن، لقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾، وهذا قاله في مقام الذم لا في مقام المدح.
فإن قال قائل: هل يمكن الجمع بين العداوة والولاية في شخص معين؟
فنقول: نعم يمكن، فإذا كان هذا الشخص يأتي بالإيمان
стр. 628
والتقوى من جانب، وعنده شيء من الكفر والفسوق من جانب آخر، صار وليًا من جانب وعدوًا من جانب آخر، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة في أن الإيمان والكفر قد يجتمعان، لكن ليس الإيمان المطلق ولا الكفر المطلق؛ لأن الإيمان المطلق والكفر المطلق لا يمكن أن يجتمعا، لكن مطلق الإيمان ومطلق الكفر يمكن أن يجتمعا.
٤ - التحذير من الوقوع في الفتن، وأن الإنسان كلما وقع في الفتنة أُركس فيها.
٥ - الرد على الجبرية، لقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾.
٦ - أن هؤلاء القوم لما لم يكونوا صادقين في الإيمان كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها، وهكذا كل إنسان ليس صادقًا في إيمانه، فإنه كلما رُدَّ إلى الفتنة ازداد شرًا وركسًا.
٧ - أنه يجوز أن يقاتل أمثال هؤلاء إذا لم يعتزلوا المسلمين أي: لم يكفوا عنهم ويلقوا إليهم السلم، يعني: السلام.
٨ - حسن بلاغة القرآن حيث قال هنا: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ وهناك في الآية الأولى قال ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
لأن اختلاف الألفاظ يؤدي إلى النشاط، واتفاقها يؤدي إلى الملل غالبًا.
٩ - أن الله سبحانه جعل للمؤمنين على هؤلاء سلطانًا مبينًا؛ أي: سلطة شرعية، وربما يكون أيضًا سلطة قدرية ظاهرة بينة.
* * *
стр. 629
* قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢].
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾.
الإعراب: ﴿مَا كَانَ﴾ فعل ناقص منفي، وخبره قوله: ﴿لِمُؤْمِنٍ﴾، واسمه قوله: ﴿أَنْ يَقْتُلَ﴾ على أنه مؤول بالمصدر؛ أي: ما كان لمؤمن قتل مؤمن إلا خطأً، وأما ﴿إِلَّا﴾ فهي أداة استثناء، وقوله: ﴿خَطَأً﴾ يحتمل أن تكون صفة لموصوف محذوف أي: إلا قتلًا خطأً، كقوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١] أي: أن اعمل دروعًا سابغات، وحذف الموصوف مع بقاء الصفة كثير في اللغة العربية، وفي القرآن الكريم.
يقول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، المؤمن هو: الذي استقر الإيمان في قلبه، والإيمان شرعًا أخص من الإيمان لغة؛ إذ إن الإيمان شرعًا هو الإقرار بالقلب المتضمن للقبول والإذعان؛ أي: قبول الخبر، وقبول الطلب، والإذعان بذلك الإنقياد، وعدم الإستكبار.
وقوله: ﴿أَنْ يَقْتُلَ﴾ القتل هو: إزهاق الروح بأي وسيلة كانت، سواء بالسيف، أو بالسهم، أو بالإحراق، أو بالإغراق أو بأي نوع من أنواع القتل.
стр. 630
وقوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ يعني: أنه لا يمكن أن يقتله خاطئًا، بل مُخطئًا، والفرق بين الخاطئ والمخطئ: أن الخاطئ هو: من ارتكب الخطأ عمدًا، والمخطئ: من ارتكبه بغير عمد وقصد.
ويكون الخطأ إما بالقصد وإما بالآلة، أما الخطأ بالقصد فمثل: أن يرمي صيدًا رمية قاتلة فيصيب إنسانًا لم يقصده، فهذا خطأ بالقصد، والخطأ بالآلة مثل: أن يضربه عمدًا بسوط لا يقتل مثله غالبًا، فهذا خطأ بالآلة؛ لأنه لم يظن أنها تقتله، ولهذا لم يكن قاصدًا لقتله، وإنما العصا يؤدب بها الإنسان عادة، ولكن قدر الله أن تسري هذه الجناية حتى يموت المضروب.
ثم قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ "مَنْ" هذه شرطية، وفعل الشرط قوله: ﴿قَتَلَ﴾ وقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ﴾ جواب الشرط، وقرن بالفاء لأنه جمله اسمية، وكلمة "تَحْرِير" مبتدأ، والخبر محذوفًا، والتقدير: "فعليه تحرير رقبة".
وتحرير الشيء هو تخليصه، والمراد بهذا التحرير: تخليص الرقبة من الرق خاصة، لا تخليصها من الهلاك، ولهذا لا يعتبر من أنقذ شخصًا محررًا له، بل من حرره من الرق وخلصه منه فهو المحرر.
والمراد بالرقبة هنا: النفس كاملة، لكن يعبر بالرقبة عنها لأن الجسد لا يمكن أن يقوم بدون رقبة، ولهذا إذا قطعت رقبته هلك.
وقوله تعالى: ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ المراد بالإيمان هنا ما يشمل الإِسلام، وليس المراد بالإيمان: الإيمان المطلق، بل المراد: مطلق الإيمان, ولهذا لو أعتق فاسقًا لأجزأه.
стр. 631
وقوله: ﴿وَدِيَةٌ﴾ معطوفة على "تحرير"، يعني: وعليه ﴿دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ولم يبين الله من يسلمها، بل قال: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ بالبناء للمفعول.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ مستثنى من قوله: ﴿وَدِيَةٌ﴾، يعني: وعليه دية مسلمة إلى أهله ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أي: يتصدقوا على من وجبت عليه الدية بإسقاطها، وبالعفو عنه تسقط، والمراد بالتصدق هنا: العفو والإسقاط؛ وليس المراد البذل، بل الإسقاط.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أصلها إلا أن يتصدقوا, ولكن أدغمت التاء بالصاد فصارت ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾.
وقولهه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ﴿فَإِنْ كَانَ﴾ الضمير يعود على المقتول، وهو اسم كان، وقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ جملة في موضع نصب على الحال من الضمير المستتر في قوله: ﴿كَانَ﴾ يعني: والحال أنه مؤمن.
قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ أي: فعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة، وعليه فيكون الخبر محذوفًا، والتقدير: فعليه.
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ﴾ ﴿إِنْ كَانَ﴾ الضمير يعود على المقتول وقوله: ﴿مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: عهد، وسمى العهد ميثاقًا؛ لأنه بمنزلة الحبل يوثق به المأسور، إذ إن العهد رباط بين المتعاهدين؛ بحيث لا يجرؤ أحدهما على الآخر، ولا يعتدي أحدهما على الآخر.
وقوله: ﴿مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ هؤلاء القوم كفار؛ لأن المؤمنين قد ذكروا في الأول.
стр. 632
وقوله: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ أي: فعليه - أي: على القاتل - دية مسلمة إلى أهله؛ أي: أهل المقتول.
والمراد بالأهل في الموضعين الورثة؛ لأن الورثة هم الذين يرثون ما خلفه الميت، والدية من مخلفات الميت.
وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: من لم يجد الرقبة، إما أن تكون الرقاب معدومة، وإما أن يكون ثمنها معدومًا، ولهذا جاءت الآية الكريمة ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ ولم يذكر المفعول ليكون ذلك أشمل وأعم؛ أي: فمن لم يجد الرقبة أو لم يجد ثمنها قوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: فعليه صيام، وعلى هذا فيكون ﴿فَصِيَامُ﴾ مبتدأ، والخبر محذوف والتقدير: فعليه، وقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ يعني: يتبع بعضهما بعضًا بحيث لا يفطر بينهما.
وقوله: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ هذه مصدر لفعل محذوف؛ أي: يتوب بذلك توبة إلى الله، والتوبة إلى الله هي: الرجوع إليه من معصيته إلى طاعته، وسيأتي أن لها شروطًا.
وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أي: أن ما شرعه الله من هذه الأحكام هي توبة منه على عبده، وإلا لو شاء لشق علينا, ولكان الواجب بقتل الخطأ أكبر من ذلك.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناسخ، ولفظ الجلالة اسمها، وقوله: ﴿عَلِيمًا﴾ خبرها، و ﴿حَكِيمًا﴾ خبر ثانٍ، ولا يصح أن يكون صفة؛ لأن الضمير لا يوصف ولا يوصف به، وعلى هذا فيتعين أن نعربها على أنها خبر ثانٍ.
стр. 633
والعلم: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، فإذا أدركت - مثلًا - أن هذه ورقة سمي هذا علمًا؛ لأنك أدركتها على ما هي عليه إدراكًا جازمًا، وإذا قلت: يترجح عندي أنها ورقة فهذا ليس بعلم؛ لأنه ليس جازمًا، وإذا قلت: لا أدري ما هي، فهذا أيضًا ليس بعلم؛ لأنك لم تدركها.
وأما قوله: ﴿حَكِيمًا﴾ فالحكيم: مأخوذ من الحكم والإحكام، فهو حكيم بمعنى: حاكم وبمعنى: محكِم، فالحاكم بين عباده والحاكم على عباده هو الله، وتأمل كيف قلنا: الحاكم على عباده وبين عباده! فالحاكم بين عباده يعني: فصل النزاع بينهما، والحاكم عليهم يعني: الذي له الحكم على العباد يحكم فيهم بما شاء، وهو أيضًا مشتق من الحكمة، والحكمة قال العلماء هي وضع الشيء في موضعه اللائق به، فيكون اسم الحكيم مشتملًا على حكم وإحكام، والحكم نوعان، والحكمة نوعان أيضًا، وإذا ضربت اثنين في اثنين صار الحاصل أربعة، كما سبق بيانه.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - امتناع قتل المؤمن للمؤمن عمدًا، ويؤخذ من قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، وإذا جاءت "ما كان" أو "لم يكن" أو "لا ينبغي" أو "ما ينبغي" فإنها تفيد الإمتناع، ولكن هذا الإمتناع شرعي؛ لأنه قدرًا يمكن أن يقتله عمدًا لا خطأً، فإذًا: هو شرعًا لا يمكن، ولهذا يعتبر من قتل المؤمن خطأ يعتبر ناقص الإيمان جدًا، حتى إنه يصح أن ننفي عنه الإيمان, فنقول: هذا ليس بمؤمن؛ أي: ليس بمؤمن كامل
стр. 634
الإيمان؛ لأنه إذا كان الإنسان لا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن، فما بالك بمن يقتل؟ !
٢ - أن المؤمن قد يقتل غير المؤمن عمدًا، لقوله: ﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ ولكن هل هذا جائز؟
الجواب: فيه تفصيل: إن كان محاربًا فقتله جائز، ثم قد يجب أو لا يجب على حسب ما تقتضيه الحال، وإن كان معاهدًا أو مستأمنًا أو ذميًا فقتله حرام، ونقول: ما كان له أن يقتله.
٣ - حكمة الشرع حين فرق بين الخطأ والعمد؛ لأن الخطأ لا يقع عن قصد، والعمد يقع عن قصد، فالمخطئ أهل للمسامحة، والعامد ليس أهلًا لها، وهذا لا شك من الحكمة في الشرع، ولولا هذه الحكمة لاستوى العامد والمخطئ.
٤ - تقسيم القتل إلى خطأ وغير خطأ؛ لأن استثناءه في قوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ يدل على أن هناك عمدًا، وهو كذلك، وسيأتي ذكر العمد في الآية التي بعدها.
٥ - أن قتل الخطأ بنوعيه على حسب ما فسرنا من قبل يوجب شيئين:
الأول: العتق.
والثاني: الدية. ويؤخذ من قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾.
ومن قتل غير مؤمن فقد ذكر الله ما يلزمه فيما بعد في نفس الآية.
٦ - فضيلة العتق وعلو منزلته؛ لأنه صار كفارة لهذا الذنب
стр. 635
وهو قتل المؤمن، وهذا يدل على فضيلته، وعلو مرتبته، وأنه هام، وهو كذلك.
٧ - نظر الشريعة إلى تحرير الرقاب من الرق، ويتفرع على هذه الفائدة الرد على من أنكر على المسلمين الإسترقاق، فيقال: إن الإسترقاق جاء نتيجة لأمر ضروري، ومع ذلك فإن هناك مشجعات كثيرة على التحرير.
٨ - اشتراط الإيمان في عتق الرقبة في القتل، لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، وهل يلحق بذلك كل رقبة كانت كفارة لمعصية؟
الجواب: في هذا للعلماء قولان:
فمنهم من قال باشتراط الإيمان في كل رقبة أعتقت كفارة، ففي قوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، والرقبة هنا مطلقة، فهل يشترط فيها الإيمان؟ يرى بعض أهل العلم أنه يشترط، ويرى آخرون أنه لا يشترط، وهذا مبني على تخصيص النص بنص آخر، وقد بينا أنه إذا اتفق السبب والحكم فإنه يخصص، وإن اختلف الحكم فإنه لا يخصص مع اتفاق السبب، وإن اتفق الحكم مع اختلاف السبب فأكثر العلماء على أنه يخصص، فالسبب في تحرير الرقبة هنا: هو القتل، وفي كفارة اليمين هو الحلف، فالسبب مختلف، لكن الحكم واحد وهو تحرير الرقبة، وأكثر العلماء على أنه يقيد المطلق بكفارة اليمين على المقيد في كفارة القتل.
٩ - جواز إعتاق الذكر والأنثى في كفارة القتل، وتؤخذ من