وقوله: ﴿وَدِيَةٌ﴾ معطوفة على "تحرير"، يعني: وعليه ﴿دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ولم يبين الله من يسلمها، بل قال: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ بالبناء للمفعول.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ مستثنى من قوله: ﴿وَدِيَةٌ﴾، يعني: وعليه دية مسلمة إلى أهله ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أي: يتصدقوا على من وجبت عليه الدية بإسقاطها، وبالعفو عنه تسقط، والمراد بالتصدق هنا: العفو والإسقاط؛ وليس المراد البذل، بل الإسقاط.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أصلها إلا أن يتصدقوا, ولكن أدغمت التاء بالصاد فصارت ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾.
وقولهه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ﴿فَإِنْ كَانَ﴾ الضمير يعود على المقتول، وهو اسم كان، وقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ جملة في موضع نصب على الحال من الضمير المستتر في قوله: ﴿كَانَ﴾ يعني: والحال أنه مؤمن.
قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ أي: فعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة، وعليه فيكون الخبر محذوفًا، والتقدير: فعليه.
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ﴾ ﴿إِنْ كَانَ﴾ الضمير يعود على المقتول وقوله: ﴿مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: عهد، وسمى العهد ميثاقًا؛ لأنه بمنزلة الحبل يوثق به المأسور، إذ إن العهد رباط بين المتعاهدين؛ بحيث لا يجرؤ أحدهما على الآخر، ولا يعتدي أحدهما على الآخر.
وقوله: ﴿مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ هؤلاء القوم كفار؛ لأن المؤمنين قد ذكروا في الأول.
стр. 632
وقوله: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ أي: فعليه - أي: على القاتل - دية مسلمة إلى أهله؛ أي: أهل المقتول.
والمراد بالأهل في الموضعين الورثة؛ لأن الورثة هم الذين يرثون ما خلفه الميت، والدية من مخلفات الميت.
وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: من لم يجد الرقبة، إما أن تكون الرقاب معدومة، وإما أن يكون ثمنها معدومًا، ولهذا جاءت الآية الكريمة ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ ولم يذكر المفعول ليكون ذلك أشمل وأعم؛ أي: فمن لم يجد الرقبة أو لم يجد ثمنها قوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: فعليه صيام، وعلى هذا فيكون ﴿فَصِيَامُ﴾ مبتدأ، والخبر محذوف والتقدير: فعليه، وقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ يعني: يتبع بعضهما بعضًا بحيث لا يفطر بينهما.
وقوله: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ هذه مصدر لفعل محذوف؛ أي: يتوب بذلك توبة إلى الله، والتوبة إلى الله هي: الرجوع إليه من معصيته إلى طاعته، وسيأتي أن لها شروطًا.
وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أي: أن ما شرعه الله من هذه الأحكام هي توبة منه على عبده، وإلا لو شاء لشق علينا, ولكان الواجب بقتل الخطأ أكبر من ذلك.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناسخ، ولفظ الجلالة اسمها، وقوله: ﴿عَلِيمًا﴾ خبرها، و ﴿حَكِيمًا﴾ خبر ثانٍ، ولا يصح أن يكون صفة؛ لأن الضمير لا يوصف ولا يوصف به، وعلى هذا فيتعين أن نعربها على أنها خبر ثانٍ.
стр. 633
والعلم: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، فإذا أدركت - مثلًا - أن هذه ورقة سمي هذا علمًا؛ لأنك أدركتها على ما هي عليه إدراكًا جازمًا، وإذا قلت: يترجح عندي أنها ورقة فهذا ليس بعلم؛ لأنه ليس جازمًا، وإذا قلت: لا أدري ما هي، فهذا أيضًا ليس بعلم؛ لأنك لم تدركها.
وأما قوله: ﴿حَكِيمًا﴾ فالحكيم: مأخوذ من الحكم والإحكام، فهو حكيم بمعنى: حاكم وبمعنى: محكِم، فالحاكم بين عباده والحاكم على عباده هو الله، وتأمل كيف قلنا: الحاكم على عباده وبين عباده! فالحاكم بين عباده يعني: فصل النزاع بينهما، والحاكم عليهم يعني: الذي له الحكم على العباد يحكم فيهم بما شاء، وهو أيضًا مشتق من الحكمة، والحكمة قال العلماء هي وضع الشيء في موضعه اللائق به، فيكون اسم الحكيم مشتملًا على حكم وإحكام، والحكم نوعان، والحكمة نوعان أيضًا، وإذا ضربت اثنين في اثنين صار الحاصل أربعة، كما سبق بيانه.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - امتناع قتل المؤمن للمؤمن عمدًا، ويؤخذ من قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، وإذا جاءت "ما كان" أو "لم يكن" أو "لا ينبغي" أو "ما ينبغي" فإنها تفيد الإمتناع، ولكن هذا الإمتناع شرعي؛ لأنه قدرًا يمكن أن يقتله عمدًا لا خطأً، فإذًا: هو شرعًا لا يمكن، ولهذا يعتبر من قتل المؤمن خطأ يعتبر ناقص الإيمان جدًا، حتى إنه يصح أن ننفي عنه الإيمان, فنقول: هذا ليس بمؤمن؛ أي: ليس بمؤمن كامل
стр. 634
الإيمان؛ لأنه إذا كان الإنسان لا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن، فما بالك بمن يقتل؟ !
٢ - أن المؤمن قد يقتل غير المؤمن عمدًا، لقوله: ﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ ولكن هل هذا جائز؟
الجواب: فيه تفصيل: إن كان محاربًا فقتله جائز، ثم قد يجب أو لا يجب على حسب ما تقتضيه الحال، وإن كان معاهدًا أو مستأمنًا أو ذميًا فقتله حرام، ونقول: ما كان له أن يقتله.
٣ - حكمة الشرع حين فرق بين الخطأ والعمد؛ لأن الخطأ لا يقع عن قصد، والعمد يقع عن قصد، فالمخطئ أهل للمسامحة، والعامد ليس أهلًا لها، وهذا لا شك من الحكمة في الشرع، ولولا هذه الحكمة لاستوى العامد والمخطئ.
٤ - تقسيم القتل إلى خطأ وغير خطأ؛ لأن استثناءه في قوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ يدل على أن هناك عمدًا، وهو كذلك، وسيأتي ذكر العمد في الآية التي بعدها.
٥ - أن قتل الخطأ بنوعيه على حسب ما فسرنا من قبل يوجب شيئين:
الأول: العتق.
والثاني: الدية. ويؤخذ من قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾.
ومن قتل غير مؤمن فقد ذكر الله ما يلزمه فيما بعد في نفس الآية.
٦ - فضيلة العتق وعلو منزلته؛ لأنه صار كفارة لهذا الذنب
стр. 635
وهو قتل المؤمن، وهذا يدل على فضيلته، وعلو مرتبته، وأنه هام، وهو كذلك.
٧ - نظر الشريعة إلى تحرير الرقاب من الرق، ويتفرع على هذه الفائدة الرد على من أنكر على المسلمين الإسترقاق، فيقال: إن الإسترقاق جاء نتيجة لأمر ضروري، ومع ذلك فإن هناك مشجعات كثيرة على التحرير.
٨ - اشتراط الإيمان في عتق الرقبة في القتل، لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، وهل يلحق بذلك كل رقبة كانت كفارة لمعصية؟
الجواب: في هذا للعلماء قولان:
فمنهم من قال باشتراط الإيمان في كل رقبة أعتقت كفارة، ففي قوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، والرقبة هنا مطلقة، فهل يشترط فيها الإيمان؟ يرى بعض أهل العلم أنه يشترط، ويرى آخرون أنه لا يشترط، وهذا مبني على تخصيص النص بنص آخر، وقد بينا أنه إذا اتفق السبب والحكم فإنه يخصص، وإن اختلف الحكم فإنه لا يخصص مع اتفاق السبب، وإن اتفق الحكم مع اختلاف السبب فأكثر العلماء على أنه يخصص، فالسبب في تحرير الرقبة هنا: هو القتل، وفي كفارة اليمين هو الحلف، فالسبب مختلف، لكن الحكم واحد وهو تحرير الرقبة، وأكثر العلماء على أنه يقيد المطلق بكفارة اليمين على المقيد في كفارة القتل.
٩ - جواز إعتاق الذكر والأنثى في كفارة القتل، وتؤخذ من
стр. 636
الإطلاق في قوله: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ولم يقل: ذكر ولا أنثى، فيكون مطلقًا.
١٠ - أنه لو أعتق رقبة كافرة - مثل أن يعتق عبدًا لا يصلي - فإنه لا يجزئه في كفارة القتل.
١١ - تعظيم القتل؛ ولهذا أوجب الله فيه الكفارة، مع أن القاعدة الشرعية أن المخطئ لا كفارة عليه، وأنه مرفوع عنه القلم لقوله ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه" (١) لكن تعظيمًا لشأن القتل صار الذي يصدر منه القتل ولو مخطئًا عليه الكفارة.
١٢ - أن من أعتق رقبة غير مؤمنة فإنها لا تجزئه، وهل يشترط في هذه الرقبة السلامة من العيوب الجسدية كما اشترط السلامة من العيب الشرعي؟
الجواب: في هذا خلاف:
فيرى بعض العلماء أنه لا بد أن تكون الرقبة سليمة من العيوب الضارة بالعمل؛ لأن إعتاق من فيه عيوب ضارة بالعمل يؤدي إلى أن يكون عالة على المجتمع، فمثلًا: لو كان هذا الرجل قد قطعت يداه وهو عبد فعلى القول باشتراط السلامة لا
стр. 637
يجزئ، وعلى القول بعدم الإشتراط يجزئ، وأكثر العلماء فيما أظن على أنه يشترط أن يكون سليمًا من العيوب الضارة بالعمل؛ لأن إعتاق مثل هذا العبد الذي فيه عيوب ضارة بالعمل يوجب أن يكون العبد عالة على الغير.
١٣ - وجوب الدية في قتل الخطأ، لقوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾.
١٤ - أنه يجب على من وجبت عليه الدية أن يوصلها إلى أهل الميت، لقوله: ﴿مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، فأهله هم الورثة، وهل تؤجل أو هي على الفور؟
في هذا خلاف بين العلماء:
فمنهم من قال: إنها لا تؤجل إلا إذا رأى الحاكم أن في تأجيلها مصلحة؛ لأن الأصل في وجوب الدين قضاؤه على الفور، فإذا رأى الحاكم التأجيل أجلها، وتؤجل ثلاث سنين.
وهل الدية واجبة على القاتل بالأصالة وعلى العاقلة بالتبعية أو هي واجبة على العاقلة أصلًا؟
الجواب: في هذا خلاف أيضًا:
فمن العلماء من يقول: إنها واجبة على القاتل بالأصالة، وعلى غيره بالتبعية؛ لأن القاتل هو المباشر للقتل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وتحميل العاقلة إنما هو من أجل إعانته ومساعدته، فإذا قدرنا أن هذا الرجل الذي قتل خطأً عنده ملايين الدراهم والعاقلة أحوالهم ضعيفة، فإنه قد لا يكون من الحكمة أن نحمل العاقلة ونضيق عليها في معيشتها ثم ندع هذا القاتل الذي وقعت الجريمة منه مع غناه وكثرة ماله.
стр. 638
ومن العلماء من يقول: هي واجبة على العاقلة بالأصالة، وعلى هذا فلا يلزم القاتل شيء حتى وإن كان من أغنى الناس والعاقلة فقراء؛ لأنها واجبة على العاقلة.
والظاهر لي: أن نقول بالقول الوسط: إذا كان عند العاقلة قدرة ألزمناها، بمعنى: أن العاقلة إذا كانت ذات غنى واسع فإننا نلزمها, لما في ذلك من التعاون وإشعار القرابة بأن بعضهم لبعض ظهير، وأما إذا كانت العاقلة لا يستطيعون تحمل الدية إلا بكلفة ومشقة وفقد بعض الحوائج والقاتل غني فإننا نلزمه؛ لأنه هو الأصل.
ووجوب الدية على العاقلة، لا يعكر عليه قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
لأن هذا من باب التعاون؛ لأن الخطأ يقع كثيرًا، فكان من رحمة الله أن يحمل هؤلاء كما يحملون في النفقة.
فإن قال قائل: ما هي الدية؟
قلنا: قد بينتها السنة: بأنها مائة من الإبل للذكر الحر، وخمسون من الإبل للأنثى الحرة، وهذا هو القول الصحيح: أن الإبل هي الأصل في الدية، وأما البقر والغنم والذهب والفضة والحلل فإنها قيم، وإلا فالأصل هو الإبل.
١٥ - يؤخذ من قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾، وهو مستثنى من قوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾، أن العفو عن الدية من الصدقة، وذلك أن الصدقة إما إعطاء وإما إبراء، فالإعطاء ظاهر، والإبراء هو: أن يبرئ الإنسان شخصًا مدينًا من الدين ويسقطه عنه، لكن هذا لا يجزئ في الزكاة عن زكاة العين، يعني: لو كان على إنسان
стр. 639
زكاة، وكان له دين على فقير، فأبرأ الفقير من الدين واحتسبه من الزكاة فإن ذلك لا يجزئ؛ أي: لا يجزئ الدين عن زكاة العين.
١٦ - جواز العفو عن الجاني، ولكن هذا مقيد بما إذا كان في العفو إصلاح، لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، فإن لم يكن فيه إصلاح فترك العفو أولى، بل قد يجب الأخذ بالحق وترك العفو؛ لأن الإصلاح أهم من المصلحة الخاصة، فالعفو عن الدية مصلحة خاصة، لكن الإصلاح مصلحة عامة، فإذا كان هذا الذي قتل خطأً رجلًا متهورًا لو عفونا عنه لذهب يقتل مرة أخرى، وثالثة ورابعة، فإن العفو عن هذا ليس من الإصلاح؛ وعليه فلا ينبغي العفو.
١٧ - أن قتل المعاهد حرام، ووجه الدلالة: أن الله أوجب في قتل من بيننا وبينهم ميثاق الدية والكفارة.
١٨ - أن دية الكافر المعاهد ليست كدية المسلم؛ لأنه قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ﴾ وهذه نكرة، وإعادة الكلمة بلفظ النكرة تدل على أن الثاني غير الأول، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح: ٥ - ٦]، قال النبي ﷺ : "لن يغلب عسر يسرين" (١)، ولو كانت دية المعاهد كدية المؤمن لقال: فالدية مسلمة إلى أهله، فالدية، يعني: التي سبقت، ولكن هذه دية أخرى.
стр. 640
فإن قال قائل: فما هي إذًا؟
فالجواب نقول: اختلف فيها العلماء: منهم من قال: إن ديته ثلث دية المسلم، ومنهم من قال: أن ديته نصف دية المسلم، وهذا هو الصحيح، فمثلًا: إذا كانت دية المسلم مائة بعير فدية من بيننا وبينهم ميثاق من الكتابيين خمسون بعيرًا.
١٩ - احترام الدين الإِسلامي للعهود والمواثيق، ولذلك لم يهدر حق المعاهد الذي بيننا وبينه ميثاق، بل أوجب الدية لأهله.
٢٠ - وجوب الكفارة في قتل من بيننا وبينهم ميثاق وإن كانوا غير مسلمين، لقول الله ﵎: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
٢١ - وجوب إيصال الدية إلى مستحقيها، فلو قال هي عندي في البيت تعال وخذها فإنه لا يلزمه؛ ولأنه لا بد أن يسلمها من وجبت عليه إلى من هي له.
٢٢ - أن الدية في الخطأ لا تجب على القاتل؛ لأنه لم يقل يسلمها بل قال: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾، فعلى من تجب؟
الجواب: تجب على العاقلة، وهم ذكور العصبة الأغنياء، ويجتهد الإِمام والقاضي في تحميل كل منهم ما يناسب حاله، فالأقرب يحمل أكثر من الأبعد، والغني يحمل أكثر من المتوسط، والفقير ليس عليه شيء؛ لأنه فقير.
٢٣ - أن من لم يجد الرقبة أو ثمنها فعليه صيام شهرين متتابعين، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾.
٢٤ - أن من لم يستطع الصيام فلا شيء عليه، لا عتق رقبة لأنه لا يجد، ولا صيام لأنه لا يستطيع، ولا إطعام لأنه لم يُذكر
стр. 641
في الآية؛ ولهذا لما أراد الله أن يكون الإطعام بدلًا عن الصيام ذكره كما في آيات الظهار.
فإن قال قائل: أفلا يصح أن يقاس هذا على الظهار؟
قلنا: لا يصح؛ وذلك لاختلاف السبب، فإن سبب الكفارة في الظهار هو الظهار، وسبب الكفارة في القتل هو القتل، وبينهما فرق، فالظهار سماه الله تعالى منكرًا من القول وزورًا، والقتل الخطأ لم يصف الله تعالى فاعله بما يقتضي قبح فعله.
٢٥ - أن على القاتل خطأ مع الكفارة أن يتوب؛ لقول الله تعالى: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾، وحينئذ يرد على ذلك إشكال، وهو: كيف تجب عليه التوبة والكفارة مع أن فعله خطأ؟ !
فنقول: لأن الخطأ قد يكون نتيجة للتساهل في عدم التحري، مثلًا: من قتل الخطأ أن يرمى صيدًا فيصيب آدميًا، فنقول: هذا الرجل لو أنه تأنى حتى تحقق الأمر لسلم من هذا الخطأ، فلذلك لما كانت النفوس عظيمة، والعدوان عليها عظيمًا، وكان الإنسان قد يقصر في بعض الأحيان أوجب الله الكفارة وأوجب التوبة.
فإن قال قائل: وهل تجب الكفارة في القتل العمد؟
قلنا: لا تجب في القتل العمد؛ لأن قتل العمد أعظم من أن يكفر بالعتق أو بالصيام، ومن قاسه على القتل الخطأ فقد أخطأ؛ وذلك للفرق بين الجناية وبين مقتضيات الجناية، فإن مقتضى العمد أن يقتل القاتل والخطأ لا يقتل، كذلك في العمد الدية في مال القاتل مغلظة، والخطأ على عاقلته ومخففة أيضًا، فلا يمكن أن يقاس هذا على هذا مع اختلاف السبب والمقتضى.
стр. 642
فإن قال قائل: إذا عفا أهل الدية عنها فهل تسقط الكفارة؟
فالجواب: لا؛ لأن الكفارة حق لله، والدية حق للآدمي، وكذلك لو عجز الإنسان عن إعتاق الرقبة، وعجز عن صيام شهرين متتابعين.
فلا تسقط الدية، وذلك لأن الدية حق للآدمي فلا تسقط إذا سقط حق الله.
٢٦ - إثبات اسمين من أسماء الله: أحدهما: العليم، والثاني: الحكيم، والله تعالى يقرن بين العليم والحكيم في مواضع كثيرة؛ ليبين أن ما يحكم به سبحانه من الأحكام الشرعية والأحكام الكونية فإنه صادر عن علم وحكمة لا عن جهل وسفه، وأصل الخطأ في الحكم إما من الجهل، وإما من السفه، فإن كان عن غير علم فهو من الجهل، وإن كان عن غير حكمة فهو من السفه، ولهذا فالآيات التي تتضمن أحكامًا يختمها الله جل وعلا كثيرًا بهذين الإسمين.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣].
هذه الآية من أعظم الآيات التي جاءت في الوعيد، قال الله فيها: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، المؤمن هنا: يراد به ما هو أعم من المؤمن؛ فالمؤمن يشمل ناقص الإيمان وكامل الإيمان.
وقوله: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ أي: متعمدًا للقتل قاصدًا له، ولا يكون
стр. 643
هذا إلا بتعمد الفعل بما يقتل غالبًا، يعني: أن يتعمد القتل بما يقتل به غالبًا؛ كالسيف، والرصاص، والحجر الكبير، والسم، والسحر، وما أشبه ذلك، وعلى هذا إذا لم يقصد الفعل فليس بعمد، وإذا قصده بما لا يقتل غالبًا فليس بعمد، لكن الأول يُسمى ﴿خَطَأً﴾.
والثاني يسمى "شبه عمد"؛ لأنه تعمد الفعل لكن بآلة لا تقتل غالبًا، فسماه العلماء شبه عمد، وقد مر علينا أن الخطأ يكون في القصد، ويكون في الآلة.
وقوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هذه الجملة جواب الشرط في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ﴾، وقوله: ﴿جَزَاؤُهُ﴾ أي: عقوبته التي سيجازى بها هي ﴿جَهَنَّمُ﴾، وهي اسم من أسماء النار، وسميت بذلك لبعد قعرها وظلمتها، أعاذنا الله وإياكم منها.
وقوله: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ الخلود بمعنى: المكث، ولكن من نعمة الله أنه لم يصف ذلك بأنه أبدًا، بل قال: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾.
قوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ والغضب أبلغ من العقوبة؛ لأن الله إذا غضب فإنه لا يكلم من غضب عليه، ولا يرحمه كما يرحم غيره، وينتقم منه بما يقتضيه ذنبه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] أي: لما أغضبونا انتقمنا منهم.
وقوله: ﴿وَلَعَنَهُ﴾ أي: طرده وأبعده عن رحمته.
قوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ أعده يعني: هيأه؛ أي: هيأ له العذاب العظيم.
стр. 644
من فوائد الآية الكريمة:
١ - في هذه الآية الكريمة دليل على أن قتل المؤمن عمدًا من كبائر الذنوب؛ لورود الوعيد عليه، وكل ذنب رُتب عليه الوعيد والعقوبة فهو من كبائر الذنوب.
ولكن من قتل مؤمنًا متعمدًا وتاب تاب الله عليه، وما ينسب إلى ابن عباس ﵄ أنه قال: "إن قاتل المؤمن عمدًا لا توبة له" (١)، محمول على أن المراد لا توبة له باعتبار حق المقتول؛ ولأن القتل عمدًا يتعلق فيه ثلاثة حقوق: حق الله، وحق أولياء المقتول، وحق المقتول، أما حق الله فلا شك أنه يسقط بالتوبة بنص القرآن: قال الله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]، وأما حق أولياء المقتول فيسقط بتسليم القاتل نفسه لهم؛ لأن حقهم أن يقتلوه وقد سلم نفسه، وأما حق المقتول فالمقتول قد مات فبقي حقه؛ لأنه لا يُعلم سماحه، فيحمل ما جاء عن ابن عباس ﵄ على هذا؛ أي: أنه لا توبة له باعتبار حق المقتول، على أن القول الصحيح أن له توبة حتى باعتبار حق المقتول؛ لأن الله تعالى يوفي عنه يوم القيامة، حيث تاب توبة نصوحًا.
٢ - أنه لا بد من القصد لقوله: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾، ولكن هل يشترط في القصد أن يعلم أنه مؤمن، أو إذا تعمد أن يقتل هذا الرجل وإن كان يشك هل هو مؤمن أو معاهد فإنه عمد؟
стр. 645
الجواب: هذه فيها خلاف بين العلماء: فمنهم من قال: إنه إذا تعمد فعل ما لا يجوز وأصاب مؤمنًا فهو عمد، مثل أن يرمي معاهدًا - والمعاهد لا يجوز رميه - فيصيب مؤمنًا، بل قالوا: لو رمى بعيرًا يحرم عليه رميها ثم أصاب إنسانًا فإنه يعتبر عمدًا.
ولكن الصحيح في هذه المسألة: أنه إذا تعمد قتل شخص فأصاب من كان مثله فهو عمد، يعني إذا أراد أن يقتل زيدًا فأصاب عمرًا فهذا عمد، لكن لو أراد أن يقتل بعيرًا فأصاب رجلًا فليس بعمد، وذلك لظهور الفرق بين الآدمي وبين البهيمة، ولا يمكن أن يقال: قصد قتل البهيمة كقصد قتل المؤمن.
فالصواب في هذه المسألة أن يقال: العمد يشمل ما إذا قصد هذا المؤمن بعينه، أو قصد من كان في وصفه من المؤمنين، فكله يعتبر عمدًا.
ولا يشترط العلم بالعقوبة لإقامة القصاص، وهذا عام في كل شيء، متى علم الإنسان أن هذا شيء محرم ترتب عليه أثره، ولهذا أوجب النبي ﷺ على الذي أتى أهله في رمضان الكفارة مع أنه لا يدري، بدليل أنه جاء يسأل: ما الذي عليه؟ (١).
٣ - أن من قتل مؤمنًا غير متعمد فلا عقوبة عليه؛ أي: لا يعاقب بهذه العقوبة؛ وذلك لأن القيد يعتبر شرطًا في ترتب ما يترتب عليه.
٤ - أن قاتل المؤمن عمدًا يخلد في النار، لقوله: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾، وقد اختلف العلماء ﵏ في معنى الخلود: فمنهم من قال: إن الخلود هو المكث الطويل، ولا يشترط أن يكون
стр. 646
دائمًا؛ ولهذا لم تقيد الآية بالأبدية، وعلى هذا القول لا يكون في الآية إشكال إطلاقًا، ومن العلماء من يقول: الخلود هو المكث الدائم، وعلى هذا القول يرد على هذه الآية إشكال، وهو: أن قاتل النفس عمدًا لا يخرج من الإيمان، لقول الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، والمؤمن لا يخلد النار؟ ! وهذا إشكال كبير جرى بين أهل السنة وأهل البدعة، وفيه مناظرات كثيرة، وأشكلت كذلك على أهل السنة، حيث إن ظاهرها أن قاتل المؤمن عمدًا يخلد في النار فهو كافر، وهذا مذهب المعتزلة والخوارج، وأجابوا عنها بالآتي:
فقيل: إن الآية محمولة على من استحل ذلك؛ أي: من استحل قتل المؤمن عمدًا، لكن هذا القول ساقط؛ لأن من استحل قتل المؤمن عمدًا فهو كافر، سواء قتل أم لم يقتل، ولهذا لما ذُكر هذا القول للإمام أحمد ﵀ تبسم، وقال: "إذا استحل قتله فهو كافر، سواء قتله أم لم يقتله" (١).
وهذا التخريج يشبهه تخريج من خرج أحاديث كفر تارك الصلاة على أن المراد من استحل ذلك، فإنه يقال: من استحل ترك الصلاة فهو كافر، سواء ترك أم لم يترك، فحمل نصوص كفر تارك الصلاة على المستحل الذي لا يعتقد فرضيتها فيه تحريف للنص، من وجهين:
الوجه الأول: صرف اللفظ عن ظاهره.
والوجه الثاني: تحميل النص معنى لا يدل عليه.
فالجناية على النصوص في هذه المسألة من وجهين.
стр. 647
وقال بعض العلماء: إن الآية على تقدير شيء محذوف، والتقدير: فهذا جزاؤه إن جازاه، وإن لم يجازه ففضل الله واسع، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، ولكن هذا التخريج لا نخرج به من المأزق؛ لأن كلامنا على ما إذا جازاه، فهل يخلد أو لا؟ والله ذكر في الآية أنه سيجازيه بهذا، فيكون هذا التخريج ضعيفًا.
الوجه الثالث: أن المراد بالخلود هنا المكث الطويل.
الوجه الرابع: أن هذا الوعيد مرتب على سبب، والسبب قد يوجد له مانع يمنع من نفوذه؛ لأن الأشياء لا تتم إلا بوجود أسبابها وانتفاء موانعها، فيقال: هذا جزاؤه، ولكن إذا دلت النصوص على أن هناك مانعًا يمنع من الخلود الدائم فنأخذ بهذا المعنى؛ كقول الله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]، فلو كان أحد الأبوين كافرًا فإنه لا يستحق الميراث مع أن الآية ظاهرها العموم، فيقال: إن نصوص الشرع يُقيد بعضها ببعض، وهذا الوجه أسلمها على تقدير أن الخلود هو المكث الدائم، أما إذا قلنا: إن الخلود هو المكث الطويل فإنه لا يرد على الآية شيء مما ذكرنا.
الوجه الخامس: أن من قتل مؤمنًا عمدًا أو شك أن يمسخ، ويطبع على قلبه، ويموت على الكفر، ويؤيده قول النبي ﷺ : "لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا" (١) والمعنى: أن مآله والعياذ بالله أن يزول الإيمان منه بالكلية ثم يموت على الكفر.
٥ - إثبات الغضب لله ، والغضب صفة من
стр. 648
الصفات الفعلية التي تقع بمشيئة الله تعالى، وكل صفة مرتبة على سبب فهي من الصفات الفعلية؛ لأنها توجد بوجود ذلك السبب وتنتفي بانتفائه، ولكن هل الغضب على ظاهره؛ أي: أنه صفة في الغاضب يترتب عليها الإنتقام، أو إنه شيء بائن عن الغاضب والمراد به الإنتقام؟ نقول: أما السلف فيقولون: إن الغضب صفة في الغاضب يترتب عليها الإنتقام، وليست هي الإنتقام، ويدل لذلك: أن هذا هو ظاهر اللفظ، وأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، فلو قيل: إن الغضب هو الإنتقام لكان معنى الآية: فلما انتقمنا منهم انتقمنا منهم، وهذا معنى ينزه عنه كلام الله، والآية صريحة في أن الإنتقام كان سببه الغضب، والسبب غير المسبب.
إذًا فالغضب صفة قائمة بالله ، وليست هي الإنتقام، أما أهل التعطيل والتحريف فقالوا: إن الغضب هو الإنتقام، أو إرادة الإنتقام، ولكن أهل السنة قالوا: إننا نلزمكم بأن تقولوا بأن الغضب صفة قائمة بالله؛ لأنه لا ينتقم إلا ممن غضب عليه، فالإنتقام لازم من لوازم الغضب، وإرادة الإنتقام كذلك؛ لأن الله لم ينتقم منهم أو يرد الإنتقام منهم إلا لأنهم أغضبوه، وعليه فيتعين علينا أن نؤمن بأن الله تعالى يغضب.
فإن قال قائل: الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم يغلي منها دم القلب، وتنتفخ منها الأوداج، ويحمر الوجه، وينتفش الشعر، فهل تقولون بثبوت هذا لله؟
قلنا: لا، بل هذا غضب المخلوق، أما غضب الخالق فلا نعلم كيفيته، لكن نؤمن بأنه جل وعلا يغضب.
стр. 649
فإن قيل: الغضب صفة نقص، بدليل أن النبي ﷺ نهى عنها حين قال الرجل: "أوصني، قال: لا تغضب، فردد مرارًا قال: لا تغضب" (١)؟
قلنا: هي صفة نقص بالنسبة للمخلوق، أما بالنسبة للخالق فإنها صفة كمال؛ لأنها تدل على كمال السلطة وكمال القوة، ولهذا إذا أسأت إلى شخص أقوى منك غضب، وإن أسأت إلى شخص دونك حزن، فذاك يغضب؛ لأنه قادر على الإنتقام، والثاني يحزن؛ لأنه عاجز عن الإنتقام.
٦ - أن من قتل مؤمنًا متعمدًا فمن جزائه أن يلعن بأن يطرد من رحمة الله، لقوله: ﴿وَلَعَنَهُ﴾، ويتفرع على هذه الفائدة: هل يجوز أن نلعن القاتل بعينه، ونقول: أنت ملعون مغضوب عليك؟
الجواب: لا، لكن نقول: أنت قاتل للمؤمن عمدًا، والله يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ إلى آخر الآية، فنفرق بين أن نحكم على هذا الرجل بأنه ملعون؛ لأنه يجوز أن يتوب فتزول اللعنة.
٧ - أن الله تعالى هيأ العذاب لمن يستحقه، لقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾، ويتفرع على هذه الفائدة: أن النار التي يعذب بها الكافرون موجودة الآن، كما قال تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، ورآها النبي ﷺ في صلاة الخسوف.
٨ - عظم عذاب النار، لقوله: ﴿عَظِيمًا﴾، والعظيم إذا
стр. 650
استعظم الشيء صار بقدر عظمة هذا المستعظِم؛ أي: أنه شيء عظيم عظمًا كبيرًا.
٩ - إذا كان ورثة المؤمن المقتول كفارًا فإنه لا دية له؛ أولًا: لأنه لا يمكن أن يرثوه وهم كفار؛ لأنه لا يرث الكافر المسلم، وثانيًا: لأننا لو أعطيناهم لاستعانوا به علينا.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الفائدة من تصدير الخطاب بالنداء هي: الدلالة على أهمية الشيء؛ ولهذا صدر بما يقتضي التنبه.
وكونه يوجه النداء إلى المؤمنين أولًا: للتنبيه على أن امتثال ما ذكر سواء كان أمرًا أو نهيًا من مقتضيات الإيمان، ولهذا خوطب به المؤمن.
ثانيًا: الدلالة على أن مخالفة هذا من نواقص الإيمان؛ أي: من منقصات الإيمان.
الثالث: الإغراء؛ لأنك إذا وصفت الإنسان وقلت: يا مؤمن! فإن هذا يحثه، ويجعله يقدم، كما لو قلت: يا أيها الرجل، فتحثه وكأنك تقول: مقتضى رجولتك كذا وكذا.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: إذا خرجتم
стр. 651
مجاهدين في سبيل الله؛ لأن الضرب يكون في الأرض وتختلف النيات فيه، كما قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] فهؤلاء هم التجار، وهؤلاء مجاهدون فقوله: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: خرجتم مجاهدين في سبيل الله.
وقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ هذه الآية نزلت في قوم خرجوا للجهاد فأصابوا قومًا قالوا: أسلمنا، لكنهم لم يقولوها بهذا اللفظ، بل قالوا: صبأنا، فظنوا أن معنى قولهم: صبأنا أي: بقينا صابئين؛ أي: غير مسلمين، فقاتلوهم، فقال الله : ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وفيه قراءة: "فتثبتوا" في الموضعين، يعني: تقرأ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أو تقرأ "فتثبتوا" وعلى هذا فليس فيها إلا قراءتان، بمعنى أنك إذا قرأت الأول ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ فاقرأ الثاني ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، وإذا قرأت الأول "فتثبتوا" فاقرأ الثاني "فتثبتوا"، ولا يجوز أن تخالف فتقرأ الأول ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ والثاني "فتثبتوا" أو بالعكس.
وقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أي: اطلبوا بيان الأمر، والتبين نتيجة التثبت، ولهذا كانت القراءتان بمنزلة المعنيين اللذين يترتب أحدهما على الآخر، والذي يترتب على التثبت هو التبين؛ لأنه يجب أن يتثبت أولًا ليتبين له الأمر، فيكون في مجموع القراءتين فائدة عظيمة، أنك تتثبت وبالتثبت يتبين الأمر، فلا تستعجل.
وقد سبق ذم المستعجلين في قوله ﵎: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
فقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أي: فتثبتوا، ولا تقدموا على فعل شيء
стр. 652
تندمون عليه، وما أكثر ما يندم الإنسان إذا أقدم على شيء قبل التبين، حتى في خاصة نفسه، فلو أنه أراد أن يفعل فعلًا ثم بمجرد ما طرأ على نفسه أو على قلبه فعل قبل أن يتروى في الأمر، وقبل أن ينظر النتائج فستجده يندم، فكيف إذا كان الفعل متعلقًا بغيره؟ يكون أشد. وكثيرًا ما يدخل الإنسان بيته فيجد الولد يصيح فيقول: ما لك يا بني؟ ! فيقول: ضربني أخي، ثم ينهال الأب ضربًا على الأخ الذي ادعى الصغير أنه ضربه، فإذا تبين الأمر فقد يكون الخطأ من الصغير، فنقول: تثبت، ولا تقدم حتى تتبين.
وسبب ذلك: أن الإنسان تأخذه الغيرة فيندفع، والغيرة إذا لم تكن مضبوطة بحد من الشرع وحد من العقل أصبحت غِيرة، والغِيرة هي: فساد الطعام في المعدة، حتى إذا تجشأ الإنسان ظهر لها رائحة كريهة، وكأنها اللحم المنتن، فالغيرة لا بد أن تكون مضبوطة بحد من الشرع والعقل، ولهذا قال: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾.
وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ ﴿السَّلَامَ﴾، فيها قراءتان: "السَلَم" و"السلام"، وقوله: ﴿لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ أي: مد إليكم السلام، وأبلغه إياكم؛ لأنه مسلم، فالسلام هنا بمعنى الإسلام، لا تقولوا له: ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ بل خذوه بظاهر حاله؛ لأن هذا هو الواجب علينا أن نجري الأحكام في الدنيا على ظاهر الحال؛ لأننا لا نعلم ما في القلوب، وأما في الآخرة فالأحكام تجري على ما في القلوب، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق: ٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾
стр. 653
[العاديات: ٩ - ١٠]؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يعتني بعمل القلب أكثر مما يعتني بعمل الجوارح؛ لأن عمل الجوارح قد يدخلها الهوى، وقد يتصنع الإنسان بعمله للدنيا، ولكسب الناس، وللجاه، وللمال، ولغير هذا، لكن عمل القلب لا يمكن أن يتصنع فيه الإنسان؛ لأنه لا يقع إلا بإخلاص إذا كان صالحًا.
وقوله: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كأن الله يشير إلى التوبيخ لهؤلاء القوم الذين تعجلوا؛ فإن منهم من يريد الغنيمة، ولذا قال: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ لأن كل ما في الدنيا فإنه عرض أي عارض يزول، كما هو الواقع، فالدنيا لا شك أنها عرض، وأنها تزول، وأن الإنسان يزول عنها، فأنت إما أن تفقد الدنيا، وإما أن تفقدك الدنيا، فكل إنسان إما أن يفتقر ويفقد ما عنده من الدنيا، وإما أن يموت فيفقده المال، ولهذا سمى الله سبحانه متاع الدنيا عرضًا؛ لأنه يزول، وأما الباقي فهو ثواب الآخرة، قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧].
وقوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ سبحان الله! لما وبخهم على إرادة الغنيمة في هذه القصة التي وقعت وعدهم بأن هناك مغانم كثيرة، كما قال تعالى في سورة الفتح: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠]، فالله سبحانه عنده مغانم كثيرة، وما أكثر المغانم التي غنمها المسلمون في غزواتهم، غنموا أموالًا كثيرة حتى قيل: إنه كان يؤتى بالدنانير وتوضع في المسجد كأنها سفرة من طعام، أي ليست في الأكياس أو الجروب، بل توضع على الأرض كأنها سفرة من طعام، أو كأنها تل من رمل، وغنم
стр. 654
الناس غنائم عظيمة كثيرة في زمن الفتوحات الإسلامية.
قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كحال هؤلاء القوم كنتم من قبل؛ أي: كنتم أنتم كفارًا قبل أن تكونوا مؤمنين تجاهدون الكفار على أن تكون كلمة الله هي العليا، أو أن المعنى كنتم مستضعفين فلم تجهروا بإسلامكم فلما قويتم جهرتهم به.
قوله: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ المن هو: العطاء بلا ثمن؛ أي: أعطاكم الله سبحانه عطاءً بلا ثمن إلا الشكر، والشكر في الواقع ليس ثمنًا للنعمة؛ لأن الله تعالى لا ينتفع به، وإنما الذي ينتفع به هو العبد الشاكر. فإذًا: نعمة الله عليك بالتوفيق للشكر نعمة عليك، ولو شاء الله تعالى ما شكرت، وفي هذا يقول الشاعر:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر
فإذا أعطاك الله خيرًا دينيًا أو دنيويًا ثم شكرته فتوفيقك للشكر نعمة تحتاج إلى شكر، فإذا شكرت فهذا التوفيق للشكر صار نعمة أخرى، وإذا شكرتها صار نعمة أخرى، إذًا: لا يمكن أن تبلغ شكر الله ، ولهذا كان من الأذكار الواردة عن النبي ﵊ أنه قال: "لا أحصي ثناء عليك؛ أنت كما أثنيت على نفسك" (١) ومع ذلك يمن الله علينا بالإسلام، ونسلم، ويجازينا عليه، ثم يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]
стр. 655
فيا سبحان الله! أنت المحسن إلينا أولًا وآخرًا، وما عملنا بالنسبة لإحسانك؟ ! بل عملنا من إحسانك إلينا، ثم هو سبحانه يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾، ويقول: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ [الإنسان: ٢٢] سبحان الله! من الذي وفقنا لهذا السعي هو الله ، فيشكرنا على ذلك وهو الذي وفقنا لذلك.
والحقيقة أن الإنسان مملوء من نعم الله ، ولا يمكن أن يحصي نعمة الله كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ولهذا قال: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾.
وقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أعادها مرة أخرى للتوكيد؛ ولأهمية الأمر، والتوكيد للشيء يدل على أهميته، ولهذا قال: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ إشارة إلى أنكم لو تعجلتم وزعمتم، أو أظهرتم للناس أنكم متريثون فإن الله لا يخفى عليه حالكم، فهو يعلم حالكم، و"الخبير": هو: العليم ببواطن الأمور.
والفرق بين الخبير والعليم:
أن الخبير يختص ببواطن الأمور، والعليم بظواهرها، ولكن العليم إذا ذكر وحده شمل العلم ببواطن الأمور وظواهرها، وإذا ذكر مع الخبير صار الخبير هو العليم ببواطن الأمور، والعليم هو العليم بظواهرها، مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣].
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ لماذا قدم
стр. 656
المعمول، هل المقصود إفادة الحصر كما هي القاعدة، أو المقصود شيء آخر، وما الذي يمنع الوجه الأول؟
والجواب: ليس المقصود الحصر، ويمنعه أن الله خبير بما يعملون وبغيره، بل المقصود تهديد هؤلاء، وكأنه قال - والله تعالى منزه عما أفرضه -: إن لم أعلم شيئًا فأنا عليم بما تعملون، فيكون فائدة ذلك ليس الحصر؛ لأن الله يعلم ما عمل هؤلاء وغيرهم، وإنما المقصود التهديد، يعني: لو فرض أني لا أعلم شيئًا فأنا عليم بما تعملون.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أهمية الحكم المذكور فيها، ووجهه: التصدير بالنداء.
٢ - أن امتثاله من مقتضيات الإيمان؛ لأنه صدر بتوجيه الخطاب للمؤمنين.
٣ - فضيلة المؤمنين؛ حيث يخاطبهم الله بما شاء من أحكام، ولا شك أن مخاطبة الله للإنسان لشخصه أو لوصفه لا شك أنها شرف، والناس يتدافعون عند ملوك الدنيا، فإذا قال هذا الملك: كيف أصبحت يا فلان؟ ! فإنه يعده شرفًا، فإذا وجه الله الخطاب للمؤمنين كان ذلك شرفًا لهم.
٤ - وجوب التثبت في الأمور، حتى في الجهاد في سبيل الله فلا بد أن تتثبت، وجه ذلك قوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وهذا فعل أمر، والأصل في الأمر الوجوب لا سيما في مثل هذه الأمور الخطيرة.
٥ - أن الواجب علينا معاملة الخلق بالظاهر، لقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ ولم يقل: لست
стр. 657
مسلمًا؛ لأنه ألقى السلام واستسلم، لكن لا تقولوا: لست مؤمنًا، يعني: لم يدخل الإيمان في قلبك.
٦ - التحذير من هؤلاء الناس الذين يتهمون المسلمين بأن عملهم رياء، فبعض الناس - والعياذ بالله! - إذا كره شخصًا وأُثني عليه عنده بأنه يعمل العمل الصالح قال: هذا مرائي، فيكون بهذا القول وارثًا للمنافقين؛ لأن المنافقين هم ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩].
٧ - أنه لا يجوز لنا أن نتعدى الظاهر الذي يبدو من الإنسان، حتى وإن وجدت قرائن تدل على خلاف ظاهره، والدليل: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾.
وقد وقع مثال تطبيقي لهذا في عهد النبي ﷺ ، فإن أسامة بن زيد ﵁ وعن أبيه - وهو حب رسول الله ﷺ أدرك رجلًا من المشركين فعلاه بالسيف، فقال الرجل لما غشيه أسامة وأدركه: لا إله إلا الله، ولكن أسامة قتله؛ يظن أنه قالها خوفًا من القتل، ولم يقلها من قلبه، فأخبر بذلك النبي ﷺ ، فجعل يقول: "أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة" الله أكبر! جعل يكرر هذا حتى قال أسامة: "تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ" (١) يعني: تمنيت أن يكون هذا في حال كفري حتى أسلم فيغفر لي ما قد سلف؛ لأن من أسلم غفر الله له ما سلف في كفره مهما كان.
فأقول: إن هذا يدل على التحذير من الحكم على الناس
стр. 658
بما يخالف الظاهر، ونحن لا نكلف ما لا نطيق، ووالله! لو أن الله جعل حكمنا على الناس على حسب الباطن لهلكنا، فمن يحقق الباطن، لا يمكن أن يحققه أحد، فنحن ليس لنا إلا الظاهر.
٨ - علم الله سبحانه ببواطن الأمور، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣]، فقد فسر النبي ﷺ الباطن بأنه الذي ليس دونه شيء، فكل شيء بأمره، وكل شيء بعلمه، وكل شيء بسمعه، وكل شيء ببصره، فعلوه فوق كل شيء، ولا يمنع من علمه بكل شيء.
٩ - تهديد الإنسان أن يعمل ما لا يرضي الله ، يعني: لا تظن أنك إذا عملت شيئًا فإنه يخفى على الله أبدًا، ومتى آمن الإنسان بهذا - ونسأل الله أن يجعلنا من المؤمنين به - فإنه لن يقدم على شيء لا يرضاه الله؛ لأنه يعلم أن الله يعلم بهذا، حتى في قلبه يحفظ قلبه من الإنحراف والإنجراف إذا علم بأن الله تعالى خبير بما يعمل، لكن هذه المسائل تحتاج إلى فطنة، وأن الإنسان دائمًا يكون مراقبًا لله سبحانه، خائفًا منه، وكلما هم بشيء ذكر عظمة الله وعلمه بما سيعمل حتى يمتنع، نسأل الله تعالى أن يحيي قلوبنا بذلك؛ لأننا في غفلة عن هذه الأمور، وقد يغلب الهوى على الهدى.
فقد تجد الإنسان إذا هوي شيئًا فعله، ولا يفكر أن لديه رقيبًا عتيدًا، ولا يفكر أن الله سبحانه في تلك الساعة يعلم ما يفعل؛ ولهذا قال النبي ﵊: "لا يزني الزاني
стр. 659
حين يزني وهو مؤمن" (١)، أي: لو كان عنده إيمان ما زنى؛ لأنه يعلم أن الله يعلمه.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦].
﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ ﴿لَّا﴾: هذه نافية، وقوله: ﴿يَسْتَوِي﴾: فعل مضارع، وقوله: ﴿الْقَاعِدُونَ﴾: فاعل، وقوله: ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ﴾: معطوف على قوله: ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، وذلك أن من الناس من تمنى على الله الأماني، تمنى أن يكون مثل المجاهدين في سبيل الله وهو قاعد، وهذا لا يمكن، ولهذا نفى الله المساواة فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: القاعدون عن الجهاد.
ثم قال: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وفي ﴿غَيْرُ﴾ قراءتان: الرفع على أنها صفة لـ ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، والثاني: النصب على أنها مستثناة، وكلاهما قراءتان سبعيتان صحيحتان، فيجوز أن تقرأ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ أو ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وهذا فيما بينك وبين نفسك، أو فيما بينك وبين الذين يفهمون، أما عند العامة فلا تذكر لهم
стр. 660
قراءتين؛ لأن في ذلك مفسدتين: خاصة وعامة، الخاصة أنهم يتهمونك بالخطأ، ويقولون: صلينا خلف إمام يلحن ويقول في قراءته: "لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُوْلي الضَّرَرِ" والذي في المصحف: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ إذًا: هذا إمام لا يصلح؛ لأنه يلحن.
والمفسدة العامة: أن الناس إذا قيل لهم: إنه لم يلحن، ولكنه قرأ بقراءة ثانية، ربما تهبط عظمة القرآن في نفوسهم، ويقولون: كيف يختلف القرآن؟ سبحان الله! فلهذا لا ينبغي أن يقال لكل إنسان: إن في هذا قراءتين كما قال علي ﵁: "حدثوا الناس بما يعرفون" أي: بما يمكنهم معرفته من غير نفور "أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ " (١)، والجواب: لا، إذًا: حدث الناس بما تبلغه عقولهم، وبما يمكن أن يخدموه ويعرفوه، وليس معنى قوله: "حدثوا الناس بما يعرفون" أن تحدثوهم بما كانوا قد عرفوه؛ لأن هذا لا فائدة فيه؛ فالذي قد عرفوه لا حاجة للتحديث به، اللهم إلا على سبيل التذكير بعد الغفلة فهذا يمكن.
وقول الله : ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ الضرر الذي يسقط وجوب الجهاد بيَّنه الله تعالى في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، فهذه الأعذار الثلاثة هي التي تسقط وجوب الجهاد، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ بشرط ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] فهؤلاء هم أهل العذر.
وقوله: ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ المجاهد:
стр. 661
هو الذي بذل جهده؛ أي: طاقته في إدراك ما يريد، وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في شريعة الله، وهذا يشمل القصد والتحرك، فالقصد بينه الرسول ﷺ بقوله: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (١)، والتحرك: أن يكون الجهاد على وفق الشرع، بحيث نقوم به حينما يكون فرضًا أو سنة، ونحجم عنه حينما يكون ضرره أكثر من التحرك به.
مثلًا: لو أن الأمة الإسلامية عندها تأخر في السلاح وفي العَدَد والعُدد أيضًا، والأمم ضدها أقوى منها سلاحًا وأكثر عددًا، فليس من المستحسن أن نقاتل، ولهذا لم يوجب الله القتال على الأمة الإسلامية إلا حين كانت مستعدة وقادرة، وأمر بالإستعداد فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].
وأما قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٩]، فإن هذه المسألة خاصة في بدر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] فأجاز للناس أن يفروا من عدوهم إذا كانوا أكثر من مثليهم.
إذًا قوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يشمل معنيين:
المعنى الأول: القصد، بأن يكون قصد المجاهد إقامة شريعة الله، وأن تكون كلمة الله هي العليا.
والمعنى الثاني: أن يكون على وفق الشريعة؛ لأن ﴿فِي﴾ للظرفية، والمظروف قوله: ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فإذا قلت: الماء في
стр. 662
الكأس، فالظرف: الكأس، والمظروف: الماء، والجهاد في سبيل الله لا بد أن يكون في سبيل الله؛ أي: في شرعه الذي شرعه.
وقوله: ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ الباء هذه كقولك: قطعت بالسكين، وضربت بالعصا، فهي للتعدية، يعني: أنها لبيان الأداة التي حصل بها الجهاد، والجهاد يكون بالأموال، ويكون بالأنفس، وقدم الله الجهاد بالأموال لسببين:
السبب الأول: أنه أهون على الإنسان، فالمال أهون على الإنسان في الغالب.
والشيء الثاني: قد يكون نفعه أكثر؛ لأن الإنسان بنفسه يقاتل، ويقتل من شاء الله، لكن إذا كان ذا مال كثير وبذل أموالًا عظيمة فإنه يموَّن من المجاهدين عشرات أو مئات أو أكثر.
وقوله: ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾ يعني: ذواتهم.
ثم بيَّن الله وجه انتفاء الإستواء وقال: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾، وهذه الدرجة لم يبينها الله ، لكن قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢] يستفاد منها أن هذه الدرجة درجة عظيمة كبيرة ليست هينة، وقد ذكر النبي ﵊ أن في الجنة مائة درجة أعدها الله تعالى للمجاهدين في سبيله (١).
وقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ "كُلًّا" نصبت؛ لأنها مفعول مقدم، و ﴿الْحُسْنَى﴾ مفعول ثانٍ، ولا يكون هذا من باب الإشتغال؛ لأن العامل لم يشتغل بضمير المفعول.
стр. 663
وقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ﴿الْحُسْنَى﴾ هي: الجنة كما فسر ذلك النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، قال: "الحسنى الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله" (١)، فالحسنى إذًا: الجنة، وهي وصف لموصوف محذوف تقديره: وعد الله الموعدة الحسنى، وهي اسم تفضيل، يعني: لا غاية في الحسن فيما سواها، بل كل ما يوجد من الحسن فهو دونها؛ لأن الحسنى اسم تفضيل؛ أي: أعلى ما يكون الحسن.
وقوله: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قال في الأول: ﴿دَرَجَةً﴾ وهنا قال: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فالأول في المنزلة، والثاني في حجم الأجر والثواب.
وقوله: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ الله أكبر! ﴿دَرَجَاتٍ﴾ هذه بدل، أو عطف بيان من قوله: ﴿أجْرًا﴾.
وقوله: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ وقد أبهمت في الآية، لكن قال الرسول ﵊ فقال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله" (٢).
وقوله: ﴿وَمَغْفِرَةً﴾ أي: مغفرة للذنوب.
وقوله: ﴿وَرَحْمَةً﴾ أي: تيسيرًا للمطلوب، وباجتماع المغفرة والرحمة يزول المرهوب ويحصل المطلوب، فيزول المرهوب بالمغفرة؛ لأن الذنب الذي حصل واستحق العقوبة عليه يغفر له، وبالرحمة يحصل المطلوب، والرحمة هي فوق المغفرة؛ ولهذا
стр. 664
تأتي المغفرة سابقة للرحمة في الغالب؛ لأنه كما يقال: التخلية قبل التحلية. والمغفرة تكررت في القرآن الكريم وفي غير القرآن أيضًا، وهي مشتقة من المِغفَر، وهو: الخوذة، وهي: عبارة عن شيء مثل الإناء من الحديد يلبس على الرأس حتى يُتقى بها السهام، ويتقى بها السيف. ومعنى مغفرة الذنوب: ستر الذنب، والتجاوز عنه؛ لأن هذا مقتضى الإشتقاق، فالذين يقولون: الغَفْر في اللغة: الستر، لم يحيطوا بالمعنى إلا إذا قالوا: الوقاية؛ لأنه ليس كل ساتر واقيًا.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
١ - نفي التساوي بين الناس، والعجب أننا نسمع من يدندن كثيرًا فيقول: إن دين الإسلام دين المساواة، وهذا غلط على دين الإسلام، فدين الإسلام ليس دين المساواة، ولكنه دين العدل، والعدل هو: إعطاء كل أحد ما يستحقه؛ ولذلك تجد أكثر ما في القرآن نفي المساواة، وليس إثباتها؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الرعد: ١٦]، وكقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] وهلم جرا.
فالقول بأن الإسلام دين المساواة في الحقيقة قد ينبني عليه مبدأ خطير، وهو:
أولًا: تسوية الذكور مع الإناث وأن تفضيل الذكور على الإناث يعتبر مخالفًا لدين الإسلام.
ثانيًا: الإشتراكية، بتسوية الناس في الرزق، بحيث نأخذ من مال الغني ونعطيه الفقير؛ لأن الدين دين المساواة، ولو قالوا:
стр. 665
الدين دين المواساة لكان صحيحًا؛ ولهذا تشرع التعازي في المصائب، وما أشبه ذلك.
٢ - حكمة الشريعة حيث لا تساوي بين المفترقين كما أنها لا تفرق بين المتساويين؛ فالشريعة الإسلامية من لدن حكيم خبير، فلا يمكن أن تجد فيها حكمين متناقضين، ولا يمكن أن تجد فيها شيئين متساويين ثم يختلفان في الحكم أبدًا، بل إذا تراءى لك أن هذين الشيئين متساويان وقد اختلفا في الحكم شرعًا فأعد النظر مرة بعد أخرى حتى يتبين لك، فإن لم يتبين لك فاتهم فهمك، ولا تتهم الأحكام الشرعية.
٣ - أن من قعد عن الجهاد لضرر فإنه كالذي أتى بالجهاد، لقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ثم استثنى فقال: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، فأولو الضرر مساوون للمجاهدين، ويشهد لهذا قول النبي ﷺ في غزوة تبوك: "إن في المدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا وهم معكم"، قالوا: كيف يا رسول الله! وهم في المدينة؟ ! قال: "حبسهم العذر" (١).
ويقاس على ذلك كل من تخلف عن عبادة لعذر، ولذلك جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا" (٢).
стр. 666
٤ - فضل الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، ووجهه: أنهم أعلى درجة من القاعدين الذين لا يجاهدون.
٥ - أن الجزاء من جنس العمل، لقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾، ويلزم من هذه الفائدة: أن تفاضل الجزاء يدل على تفاضل العاملين، ويمكن أن يستنبط منه فائدة ثانية وهي: الإستدلال به على ما ذهب إليه أهل السنة من أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، كما هو معروف.
٦ - حسن الإحتراس في كلام الله ، وجهه: أن الله لما ذكر فضل المجاهدين على القاعدين، فربما يتوهم الواهم نزول درجة القاعدين من المؤمنين، فأزال الله هذا الوهم بقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، وهذه طريقة القرآن، وانظر إلى المثال الآخر المطابق لهذا، وهو قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، وانظر إلى المثال الثالث: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] الشاهد في قوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، فهذه ثلاثة أمثلة تفيد أنه من بلاغة الكلام الإحتراس بدفع ما يتوهم وقوعه.
٧ - البشارة لعامة المؤمنين من القاعدين والمجاهدين بالحسنى، لقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، فهل ينبني على هذه الفائدة أن نشهد لكل مؤمن أنه في الجنة؟ الجواب: أما على سبيل العموم فنعم، وأما على سبيل الخصوص فنتوقف على ما جاء به النص، فمثلًا: نحن نقول: الصحابة كلهم وعدهم الله الجنة: المجاهد، والقاعد، لكن الشخص بعينه لا يمكن أن نشهد له إلا إذا شهد له النبي ﷺ .
стр. 667
وزاد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: من أثنى عليه الناس خيرًا فإننا نشهد له بالجنة، واستدل لذلك بقول الله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، واستدل بما ثبت في السنة حيث مرت جنازة فأثنى عليها الحاضرون خيرًا، فقال النبي ﷺ : "وجبت"، ثم مرت أخرى فأثنوا عليها شرًا فقال: "وجبت"، فقالوا: يا رسول الله! ما وجبت؟ فقال: "أما الأول فأثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وأما الثاني فأثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار"، ثم قال: "أنتم شهداء الله في الأرض" (١).
فاستدل شيخ الإسلام ﵀ بهذا على أنه تجوز الشهادة لمن اتفقت الأمة على الثناء عليه، وضرب لذلك أمثلة بالأئمة المشهورين المشهود لهم بالعدالة والإيمان والتقوى، مثل: الأئمة الأربعة: الإمام أحمد، والشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، ومثل سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة ﵏ ممن اتفقت الأمة على الثناء عليهم.
٨ - أنه لا فضل أعظم من الجنة، وتؤخذ من قوله: ﴿الْحُسْنَى﴾ لأن الحسنى اسم تفضيل مؤنث أحسن.
٩ - الحث على الجهاد في سبيل الله، وجه الدلالة: تفضيل الله للمجاهدين على القاعدين بالدرجات.
١٠ - عظم منَّة الله سبحانه على العباد؛ حيث جعل إثابتهم
стр. 668
على الأعمال مثل الأجرة التي استحقها الإنسان فرضًا على المستأجر، لقوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فسماه ﴿أَجْرًا﴾، كأجرة الأجير، مع أن الفضل لله تعالى أولًا وآخرًا، فهو الذي وفقك للعمل، وهو الذي منَّ عليك بالجزاء عليه، ويؤيد هذا المعنى قول الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]، فكتب على نفسه الرحمة، وهو سبحانه يوجب على نفسه وعلى عباده ما شاء، ولا أحد يعترض عليه.
١١ - عظم درجات المجاهدين في سبيل الله، وجه ذلك قوله: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ فأضافها إلى نفسه، ومعلوم أن العطاء يعظم بعظم المعطي، فلو قلت - مثلًا -: فلان تصدق - وهو من أغنى الناس - لذهب بالك إلى أنه تصدق بشيء كثير، ولو قلت: فلان تصدق - وهو فقير - لم يذهب بالك إلا إلى أنه تصدق بشيء قليل، ولهذا قال: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ فإضافة الشيء إلى الله يدل على عظمته، ومنه قوله ﷺ في الدعاء الذي علَّمه أبا بكر ﵁ يدعو به في صلاته: "فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني" (١).
١٢ - إثبات المغفرة لله، لقوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾، وهل تثبت المغفرة لغير الله؟ الجواب: نعم، تثبت لغير الله، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾
стр. 669
[التغابن: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣].
١٣ - إثبات الرحمة لله، والرحمة التي أضافها الله إلى نفسه نوعان: منها صفة لله، ومنها مخلوق من مخلوقات الله، سماه الله تعالى "رحمة"، فمن الأول: قول الله ﵎: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨] فهذه صفة، ومن الثاني: قوله ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨] فالمراد بالرحمة هنا ما يكون أثرًا للمطر من النبات وغير النبات، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٧]، فالمراد بالرحمة هي: الجنة، بدليل قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود: ١٠٦] وهذه رحمة مخلوقة، ومنه قوله في الحديث القدسي للجنة: "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء" (١) فتبين بهذا أن الرحمة تنقسم إلى قسمين: مخلوقة، وصفة، فالمخلوقة من جملة المخلوقات، شيء بائن من الله لا ينسب إليه إلا نسبة خلق وإيجاد، لكنه من آثار الرحمة التي هي الصفة، وأما الرحمة التي هي الصفة فهي صفة تابعة للذات؛ أي: لذات الله .
١٤ - إثبات هذين الإسمين لله وهما: الغفور، والرحيم، في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقد مر تفسيرهما.
* * *
стр. 670
* قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾ [النساء: ٩٧].
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ هذه ﴿إنَّ﴾ المؤكدة، وقوله: ﴿الَّذِينَ﴾ اسمها، وقوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ حال من الهاء في قوله: ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾، وخبر ﴿إنَّ﴾ قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، وما بين ذلك فهو اعتراض.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ أي: تقبضهم، والمراد بذلك: قبض أرواحهم من أبدانهم.
وقوله: ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ الملائكة هم: عالم غيبي، محجوبون عن العباد، لهم أوصاف معلومة في الكتاب والسنة، فما علمنا فيها وجب علينا الإيمان به على ما علمنا، وما لم نعلم فيها فالواجب علينا السكوت، كما هو الشأن فيما وصف الله به نفسه.
قالوا: والملائكة: مأخوذة من الألوكة، وهي: الرسالة، لقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١] فإن الألوكة هي الرسالة، وبناءً على ذلك يكون فيها إعلال بالقلب؛ لأن ملائكة جمع ملأك، وأصله مألك، لكن فيها تقديم وتأخير إعلالًا صرفيًا حسب قواعد الصرف التي كتبها العلماء.
وقوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: حال كونهم ظالمي أنفسهم؛ لكونهم بقوا في أرض يجب عليهم الهجرة منها؛ لأن بقاءهم مع وجوب الهجرة معصية وظلم لأنفسهم.
قوله: ﴿قَالوُا﴾ أي: الملائكة.
قوله: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: في أي مكان كنتم، وقيل: على أي