← Тафсир

Тафсир · id 547

تفسير العثيمين: النساء

ابن عثيمين

Полный текст (1 106 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

٤ - فضل الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، ووجهه: أنهم أعلى درجة من القاعدين الذين لا يجاهدون. ٥ - أن الجزاء من جنس العمل، لقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾، ويلزم من هذه الفائدة: أن تفاضل الجزاء يدل على تفاضل العاملين، ويمكن أن يستنبط منه فائدة ثانية وهي: الإستدلال به على ما ذهب إليه أهل السنة من أن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، كما هو معروف. ٦ - حسن الإحتراس في كلام الله ، وجهه: أن الله لما ذكر فضل المجاهدين على القاعدين، فربما يتوهم الواهم نزول درجة القاعدين من المؤمنين، فأزال الله هذا الوهم بقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، وهذه طريقة القرآن، وانظر إلى المثال الآخر المطابق لهذا، وهو قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، وانظر إلى المثال الثالث: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] الشاهد في قوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، فهذه ثلاثة أمثلة تفيد أنه من بلاغة الكلام الإحتراس بدفع ما يتوهم وقوعه. ٧ - البشارة لعامة المؤمنين من القاعدين والمجاهدين بالحسنى، لقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، فهل ينبني على هذه الفائدة أن نشهد لكل مؤمن أنه في الجنة؟ الجواب: أما على سبيل العموم فنعم، وأما على سبيل الخصوص فنتوقف على ما جاء به النص، فمثلًا: نحن نقول: الصحابة كلهم وعدهم الله الجنة: المجاهد، والقاعد، لكن الشخص بعينه لا يمكن أن نشهد له إلا إذا شهد له النبي ﷺ .

стр. 667

وزاد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: من أثنى عليه الناس خيرًا فإننا نشهد له بالجنة، واستدل لذلك بقول الله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، واستدل بما ثبت في السنة حيث مرت جنازة فأثنى عليها الحاضرون خيرًا، فقال النبي ﷺ : "وجبت"، ثم مرت أخرى فأثنوا عليها شرًا فقال: "وجبت"، فقالوا: يا رسول الله! ما وجبت؟ فقال: "أما الأول فأثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وأما الثاني فأثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار"، ثم قال: "أنتم شهداء الله في الأرض" (١). فاستدل شيخ الإسلام ﵀ بهذا على أنه تجوز الشهادة لمن اتفقت الأمة على الثناء عليه، وضرب لذلك أمثلة بالأئمة المشهورين المشهود لهم بالعدالة والإيمان والتقوى، مثل: الأئمة الأربعة: الإمام أحمد، والشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، ومثل سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة ﵏ ممن اتفقت الأمة على الثناء عليهم. ٨ - أنه لا فضل أعظم من الجنة، وتؤخذ من قوله: ﴿الْحُسْنَى﴾ لأن الحسنى اسم تفضيل مؤنث أحسن. ٩ - الحث على الجهاد في سبيل الله، وجه الدلالة: تفضيل الله للمجاهدين على القاعدين بالدرجات. ١٠ - عظم منَّة الله سبحانه على العباد؛ حيث جعل إثابتهم

стр. 668

على الأعمال مثل الأجرة التي استحقها الإنسان فرضًا على المستأجر، لقوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فسماه ﴿أَجْرًا﴾، كأجرة الأجير، مع أن الفضل لله تعالى أولًا وآخرًا، فهو الذي وفقك للعمل، وهو الذي منَّ عليك بالجزاء عليه، ويؤيد هذا المعنى قول الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]، فكتب على نفسه الرحمة، وهو سبحانه يوجب على نفسه وعلى عباده ما شاء، ولا أحد يعترض عليه. ١١ - عظم درجات المجاهدين في سبيل الله، وجه ذلك قوله: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ فأضافها إلى نفسه، ومعلوم أن العطاء يعظم بعظم المعطي، فلو قلت - مثلًا -: فلان تصدق - وهو من أغنى الناس - لذهب بالك إلى أنه تصدق بشيء كثير، ولو قلت: فلان تصدق - وهو فقير - لم يذهب بالك إلا إلى أنه تصدق بشيء قليل، ولهذا قال: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ فإضافة الشيء إلى الله يدل على عظمته، ومنه قوله ﷺ في الدعاء الذي علَّمه أبا بكر ﵁ يدعو به في صلاته: "فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني" (١). ١٢ - إثبات المغفرة لله، لقوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾، وهل تثبت المغفرة لغير الله؟ الجواب: نعم، تثبت لغير الله، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾

стр. 669

[التغابن: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣]. ١٣ - إثبات الرحمة لله، والرحمة التي أضافها الله إلى نفسه نوعان: منها صفة لله، ومنها مخلوق من مخلوقات الله، سماه الله تعالى "رحمة"، فمن الأول: قول الله ﵎: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨] فهذه صفة، ومن الثاني: قوله ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨] فالمراد بالرحمة هنا ما يكون أثرًا للمطر من النبات وغير النبات، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٧]، فالمراد بالرحمة هي: الجنة، بدليل قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود: ١٠٦] وهذه رحمة مخلوقة، ومنه قوله في الحديث القدسي للجنة: "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء" (١) فتبين بهذا أن الرحمة تنقسم إلى قسمين: مخلوقة، وصفة، فالمخلوقة من جملة المخلوقات، شيء بائن من الله لا ينسب إليه إلا نسبة خلق وإيجاد، لكنه من آثار الرحمة التي هي الصفة، وأما الرحمة التي هي الصفة فهي صفة تابعة للذات؛ أي: لذات الله . ١٤ - إثبات هذين الإسمين لله وهما: الغفور، والرحيم، في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقد مر تفسيرهما. * * *

стр. 670

* قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾ [النساء: ٩٧]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ هذه ﴿إنَّ﴾ المؤكدة، وقوله: ﴿الَّذِينَ﴾ اسمها، وقوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ حال من الهاء في قوله: ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾، وخبر ﴿إنَّ﴾ قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، وما بين ذلك فهو اعتراض. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ أي: تقبضهم، والمراد بذلك: قبض أرواحهم من أبدانهم. وقوله: ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ الملائكة هم: عالم غيبي، محجوبون عن العباد، لهم أوصاف معلومة في الكتاب والسنة، فما علمنا فيها وجب علينا الإيمان به على ما علمنا، وما لم نعلم فيها فالواجب علينا السكوت، كما هو الشأن فيما وصف الله به نفسه. قالوا: والملائكة: مأخوذة من الألوكة، وهي: الرسالة، لقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١] فإن الألوكة هي الرسالة، وبناءً على ذلك يكون فيها إعلال بالقلب؛ لأن ملائكة جمع ملأك، وأصله مألك، لكن فيها تقديم وتأخير إعلالًا صرفيًا حسب قواعد الصرف التي كتبها العلماء. وقوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: حال كونهم ظالمي أنفسهم؛ لكونهم بقوا في أرض يجب عليهم الهجرة منها؛ لأن بقاءهم مع وجوب الهجرة معصية وظلم لأنفسهم. قوله: ﴿قَالوُا﴾ أي: الملائكة. قوله: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: في أي مكان كنتم، وقيل: على أي

стр. 671

حال كنتم، فعلى المعنى الثاني تكون "في" بمعنى "على" كما هي في قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١١] أي: على الأرض، ويكون المراد بقوله: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: على أي حال كنتم، بدليل قوله في الجواب: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، أما على القول بأن المراد في قوله: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ السؤال عن المكان والموضع، فيكون الجواب في قوله: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ على تقدير شيء محذوف؛ أي: قالوا: بقينا في هذا؛ لأننا كنا مستضعفين في الأرض. وعلى كل فالمعنيان يدوران على شيء واحد، وهو: أن هؤلاء بقوا في أرض تجب عليهم الهجرة منها، فتأتي الملائكة لقبض أرواحهم فيوبخون: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: لماذا كنتم في هذا المكان؟ وقوله: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: أننا نعامل معاملة الضعيف من قبل الكفار؛ أي: الذين استضعفوهم، ولكن هذا ليس بعذر، ولهذا تقول لهم الملائكة: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾؟ وهذا الإستفهام للتقرير والتوبيخ، يعني: أن أرض الله واسعة، فلماذا لا تهاجروا؟ وقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا﴾ الفاء هل هي عاطفة أو سببية؟ الجواب: إذا قلنا: سبقها الإستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ﴾ فهي سببية، لكن الإستفهام هو للتقرير والإثبات، وتقدير الكلام: قد كانت أرض الله واسعة، وعلى هذا التقدير تكون الفاء عاطفة والمعنى: ألم تكن أرض الله واسعة ألم تهاجروا فيها؟

стр. 672

وقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ يعني: أن هناك أراضٍ غير الأرض التي أنتم مستضعفون فيها. قوله: ﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ هاجر: مأخوذة من الهجر، وهو: الترك، والمهاجرة: ترك البلد الذي عاش فيه الإنسان إلى بلد آخر، حتى الذي يخرج من بلد كان مستوطنًا له ثم يستوطن بلدًا آخر يقال: إنه مهاجر؛ لأنه ترك بلده. والهجرة شرعًا هي: الإنتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وإذا جاء لفظ له معنى لغوي ومعنى شرعي في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ فيحمل على المعنى الشرعي؛ لأن حقيقة كل متكلم على حسب ما يقتضيه كلامه. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ الفاء عاطفة، أو واقعة في خبر المبتدأ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، وقوله: ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ أي: مصيرهم، و ﴿جَهَنَّمُ﴾ اسم من أسماء النار، أعاذنا الله منها. قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أي: ساءت مرجعًا ومردًا، وهذا إنشاء ذم لها؛ لأن ساء مثل بئس، فهي جملة لإنشاء الذم. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الملائكة تتوفى بني آدم، لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، وظاهر هذا اللفظ أنهم جمع، فيطابق قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١] أي: الملائكة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]، وحينئذ يحصل التعارض في الظاهر بين هذه الآية وبين آيتين أخريين، هما قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾

стр. 673

[الزمر: ٤٢] وبين قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]. والجواب عن هذا الظاهر أن يقال: نسب الله تعالى التوفي إليه لأنه بأمره، وما وقع بأمر الملك فإنه كفعله، حتى في عامة حديث الناس، ولهذا يقال: بنى عمرو بن العاص ﵁ مدينة الفسطاط، وعمرو لم يبن، وإنما أمر. وأما الجمع بين كونه ذكر في هذه الآية وأمثالها بصيغة الجمع، وفي آية السجدة بصورة الإفراد، فيقال: ملك الموت مفرد مضاف فيعم، ولا ينافي الجمع؛ لأن المفرد المضاف يعم فلا ينافي الجمع، وهذا وجه ضعيف، أو يقال: إن الملائكة تساعد ملك الموت، كما جاء في الحديث الصحيح: أنهم يأمرون الروح فتخرج من الجسد، حتى إذا لم يبق إلا قبضها تولى قبضها ملك الموت، فإضافة الوفاة أو التوفي إلى الملائكة بالجمع لأنهم أعوان لملك الموت، وإضافة التوفي إلى ملك الموت لأنه هو المباشر لقبض الروح. وهنا يرد إشكال آخر ويقال: إننا نجد أنفسًا تقبض في المشرق وفي المغرب، وبينهما من المسافات ما لا يعلمه إلا الله ، فكيف يقال: إن ملك الموت واحد، وكيف يتصور أن واحدًا يقبض العديد من الناس في أماكن بعيدة متفرقة؟ فيقال: قد يكون المراد بملك الموت جنس الملك؛ أي: الملك الموكل بقبض الأرواح وإن كان أكثر من واحد، فيكون المراد به الجنس لا العين، وهذا وجه ضعيف، ويجاب بوجه آخر وهو: أن هذا من أمور الغيب، والواجب علينا في أمور الغيب أن

стр. 674

نصدق بها وإن لم تدركها عقولنا، وهذا أبلغ في التسليم لخبر الله ؛ حتى لا نتكلف في الجواب ونقول: إن ملك الموت يراد به الجنس؛ وهو أكثر من واحد، فنقول: إن الله على كل شيء قدير، وملك الموت يقبض الأرواح وإن كانت متباعدة، وإن كانت في آن واحد، وعلينا أن نصدق ونسلم. ٢ - أن للملائكة أجسامًا تقبض الأرواح، وتخاطب وتتكلم، وكلامها مفهوم، خلافًا لمن يقول: إن الملائكة هي القوى الخيرة، وأن الشياطين هي القوى الشريرة، فإن هذا قول باطل يكذبه القرآن والسنة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر: ١]، ورسول الله ﷺ رأى جبريل على صورته التي خُلق عليها وله ستمائة جناح قد سد الأفق. فالصحيح الذي يجب علينا اعتقاده: أن الملائكة أجسام، وأنهم يقومون ويفعلون، ويصعدون وينزلون بأمر الله . ٣ - أن العبرة في الأعمال بالخواتيم، لقوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني: أنهم في وقت الوفاة ظالمون لأنفسهم، فالعبرة بالخواتيم، ولهذا يجب على الإنسان أن يكون خائفًا من سوء الخاتمة، وأن يسأل الله سبحانه دائمًا حسن الخاتمة، وألا يموت إلا وهو مسلم. وقد أخبر النبي ﷺ في الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ : "أن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع" (١) والمراد: ذراع بالنسبة

стр. 675

لقرب الأجل لا بالنسبة للعمل، لكن معناه: أنه يعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يبقى عليه إلا شيء يسير فيموت، وليس المراد حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع للوصول إليها بعمله؛ لأن الحديث هذا مقيد بالحديث الآخر: "ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار" (١). وأيضًا لا يمكن أن الله سبحانه يخذل عبدًا قام بعبادته إلى أن يبقى عليه ذراع واحد ثم يخذله فيسيء خاتمته، فهذا ينافي كلام الله ورحمته، فإذا قررنا هذا التقرير بأن المعنى يكون بينه وبينها ذراع بالمدة لا بالعمل تبين أن الأعمال بالخواتيم. ٤ - توبيخ أولئك القوم الذين يموتون وهم ظالمون لأنفسهم، توبخهم الملائكة: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾، وقد سبق في التفسير معنى قوله: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾. ٥ - وجوب الهجرة، وأن من لم يهاجر فإنه يموت وقد ظلم نفسه، ولكن وجوب الهجرة مشروط بشروط منها: أولًا: القدرة، لقوله في الآية الكريمة التي بعد هذه الآية: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٩٨]؛ ولأن القاعدة العامة العظيمة العميقة فى الشريعة الإسلامية: أنه لا واجب مع العجز، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، فيشترط لوجوب الهجرة القدرة.

стр. 676

ثانيًا: أن يكون الإنسان مغموصًا ومغمورًا بحيث لا يستطيع أن يؤدي شعائر دينه في بلاد الكفر، فإن كان يستطيع فإنه لا تجب عليه الهجرة، بل إذا كان يستطيع أن يدعو إلى دين الله ويجد قبولًا من الناس فربما نقول: إن بقاءه واجب؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ثالثًا: أن يجد مكانًا خيرًا من هذا المكان الذي هو فيه، فإن كانت الدنيا كلها متساوية في أنه لا يستطيع الإنسان إظهار دينه سواء في هذا البلد أو في هذا البلد فلا يجب؛ لأن الإيجاب هنا لغو لا فائدة منه، فكيف نقول: يجب أن تهاجر من هذا المكان إلى مكان آخر لا تستطيع فيه إظهار دينك؟ ! وما الفائدة إلا مجرد التعب والعناء والقلق واختلاف البلدان عليه، وما أشبه ذلك. وهل الدعوة من شعائر الدين التي يهاجر الإنسان بسببها إن لم يتمكن منها؟ الدعوة محل نظر، فقد يقال: إن من أساسيات الدين الإسلامي الدعوة إلى الله ، فإذا عجز الإنسان عنها فهو آثم، وقد يقال: لا، بل الدعوة فرض كفاية، وأيضًا ليست متعلقة بشخص الإنسان، فهي عندي محل نظر. والله أعلم. وإذا كان المسلم لا يستطيع أن يقيم شعائر دينه في بلاده لكن يستطيع أن يقيمها في بلاد الكفر فهل يهاجر؟ نقول: الأولى ألا يهاجر؛ لأن هذه الحال ربما لا تدوم، فقد يغير الله الحال، وهي إن شاء الله ليست دائمة بإذن الله، وإذا هاجر أهل الخير عن البلد، ولم يبق إلا المستضعف صار الأمل ضعيفًا في إصلاح

стр. 677

البلاد، لكن إذا بقي هؤلاء الأخيار وعالجوا الأمور بحكمة، فالغالب أن الله يجعل لهم فرجًا، نسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين. ٦ - أن الظالم يحتج بأي حجة كانت، لقول هؤلاء: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ والواقع أنهم غير مستضعفين، لأن الملائكة قالت لهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾، لكن الإنسان إذا ابتلي حاول أن يدافع عن نفسه بأي حجة حتى وإن لم تكن صحيحة، وهذا نجده كثيرًا في مقام المناظرات بين العلماء في المسائل العقدية والعملية. فتجد بعض العلماء - مثلًا - حين يجيب عما هو عليه من المذهب عقديًا كان أم عمليًا تجده يجيب بأجوبة باردة. فتستغرب وتقول: كيف يجيب هذا العالم النحرير بهذا الجواب غير المفيد؟ لكن مقام الضيق والضنك يحرج رأيه، فتجده يجيب بغير ما هو حق حتى في نفسه، ولو أنه رجع إلى نفسه لوجد أن إجابته غير صحيحة. ٧ - أن الشريعة إن منعت بابًا ضيقًا فتحت بابًا أوسع، وتؤخذ من قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾، فالله تعالى لم يحجر عليهم الأرض، بل جعلها واسعة، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح: ٥ - ٦]. ٨ - أن التخلف عن الهجرة الواجبة من كبائر الذنوب، لقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ووجه الدلالة: أنه ترتب عليها عقوبة خاصة.

стр. 678

٩ - قبح هذا المأوى الذي هو جهنم، لقول الله ﵎: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ فأثنى الله عليها بالذم؛ لأن ساء وحسن متضادان، فساء ذم، وحسن مدح. ١٠ - يؤخذ من الآية أن النار مظلمة مجهمة، من قوله: ﴿جَهَنَّمُ﴾، ووجه الدلالة: أن جهنم من الجهمة وهي: الظلمة، وعلى هذا فتكون جهنم اسمًا عربيًا، وقيل: إن جهنم اسم فارسي، وأصله كهنام، لكن لما عُرِّب تحول إلى هذا. ١١ - يؤخذ من الآية أن الجهاد فرض كفاية؛ لأنهم لم يؤثموا، بل بُين لهم أنهم تأخروا عن القوم المجاهدين. * * * * قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٨ - ٩٩]. ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ هذا مستثنى من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٧]، ويحتمل أن يكون استثناءً منقطعًا، وذلك أن المستضعفين لا يمكن أن يتوعدوا بجهنم، ومن المعلوم أن الفرق بين الإستثناء المتصل والمنقطع: أن الإستثناء المتصل يكون المستثنى فيه بعض أفراد المستثنى منه، وهنا لا يستقيم. وكذلك لو قال قائل: إنها مستثناة من قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨] قلنا: أيضًا لا يصح الإستثناء متصلًا؛ لأن

стр. 679

هؤلاء المستضعفين ليسوا ظالمي أنفسهم، ولهذا يترجح القول بأن الإستثناء هنا منقطع، والإستثناء المنقطع ليس المستثنى من جنس المستثنى منه، هذا من حيث المعنى. ثانيًا: أداة الإستثناء فيه بمعنى أداة الإستدراك "لكن" فتكون "إلا" هنا بمعنى "لكن". وفيه حكم ثالث: وهو أن المستثنى إذا كان منقطعًا وجب نصبه فيما إذا كان الكلام تامًا منفيًا، بينما إذا كان المستثنى متصلًا والكلام تامًا منفيًا فيجوز فيه الوجهان؛ أي: النصب على الإستثناء أو الإتباع على البدلية. قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ يعني: الذين أصابهم الضعف، فالمستضعف بمعنى أصابه الضعف. وقوله: ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ ﴿مِنَ﴾ هذه بيانية، تبين المستضعفين؛ لأن "ال" في المستضعفين اسم موصول، والإسم الموصول من أقسام المبهم؛ كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ٦] فـ "من" هنا بيانية. قوله: ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾، الولدان إما ذكور وإما إناث، والرجال: جمع رجل، والرجل إنما يكون إذا بلغ، والنساء كذلك جمع امرأة، والمرأة لا يطلق عليها امرأة إلا إذا بلغت. إذًا: المستضعفون من الرجال إما لمرض، أو كبر، أو غير ذلك مما لا يتمكنون معه من الهجرة، وكذلك يقال في النساء، أما الولدان فالغالب عليهم الضعف مطلقًا؛ لأنهم كما قال : ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ يعني: لا يستطيعون أن

стр. 680

يتحيلوا حتى يخرجوا، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ فيأتون الأمر على وجه صريح، فهم لا حيلة عندهم فيمكثون، ولا يستطيعون الخروج صراحة، فامتنع عليهم الخروج، والحيلة: فِعْلة من الحول، لكنها قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وإذا كانت من الحول فالحول من التحول؛ وكأن المحتال يتحول من حال إلى أخرى على وجه لا يشعر به الغير. وقوله: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا ينفذون إليه بأنفسهم فيهاجرون. قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الفاء: حرف عطف، و"أولاء" اسم إشارة يعود على المستضعفين. قوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْا﴾ جملة ﴿عَسَى﴾ وما بعدها في محل ظرف خبر قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾، و ﴿عَسَى﴾ فعل للترجي، وقيل: إنها تأتي للتوقع، والفرق بين الترجي والتوقع: أن الترجي رجاء ما لم يوجد سبب وقوعه لكنه ممكن، والتوقع ما يوجد سبب وقوعه، فيتوقع أن يكون. وقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ هل هذا من الرجاء أو من التوقع؟ إذا نسبت ﴿عَسَى﴾ إلى الله فهي من التوقع، ولهذا قال بعض العلماء: إن ﴿عَسَى﴾ من الله واجبة، ولا يمكن أن تأتي للترجي؛ لأن الله تعالى لا يترجى شيئًا، بل هو قادر على كل شيء، والرجاء إنما يكون من شخص قد يتعسر عليه أن يفعل، أما الله فلا، وعلى هذا فتكون للتوقع، يعني: هؤلاء يتوقع أن الله يعفو عنهم. لكن قول بعض العلماء: ﴿عَسَى﴾ من الله واجبة إذا قلنا

стр. 681

بهذا فلماذا عبر بـ ﴿عَسَى﴾ التي لا تعطي الإنسان يقينًا بالوقوع؟ والجواب: نقول: لئلا يغتر الإنسان فيقول: أنا معفو عني، ثم لا يهتم، بل يقال: أنت يتوقع أن الله يغفر لك، ويتوقع أن تكون من المهتدين، في مثل قوله: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]، وقوله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢]، وأمثلة هذا كثيرة، حتى لا يغلب الطمع على الإنسان فيأمن من مكر الله. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ ﴿يَعْفُوَ﴾: العفو هو: التجاوز عن الذنب، ولكنه لا يكون ممدوحًا إلا إذا كان مع القدرة، أما إذا كان بدون قدرة فهو مذموم؛ لأنه عجز وذل، ولهذا يقال دائمًا: فلان يعفو مع القدرة؛ لأن هذا هو محل العفو المحمود؛ كقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ [النساء: ١٤٩] يعني: يعفو مع القدرة على المؤاخذة، فاعفوا أنتم عنهم حتى يعفو الله عنكم. من فوائد الآيتين الكريمتين: ١ - عفو الله عن هؤلاء الصنف من الناس في تركهم للهجرة. ٢ - أن الدين الإسلامي دين اليسر والسهولة، وأنه مع وجود المشقة ينتفي الحرج. ٣ - أن من الرجال البالغين من لا تجب عليهم الهجرة، وذلك لكونهم مستضعفين. ٤ - أن الواجب الوصول إلى القيام بالواجب بأي حيلة

стр. 682

تكون، لقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾، وهل يستدل بهذا على جواز استعمال الحيل؟ الجواب: نقول: لا، بل الحيل فيها تفصيل: ما كان تحيلًا على واجب فهو واجب، وما كان تحيلًا على محرم فهو محرم، وما كان تحيلًا على مباح فهو مباح، وهذا الأخير بشرط ألا يؤدي ذلك إلى اتهام المحتال، وعدم الثقة بقوله أو بفعله، والإحتيال على إظهار الحق بإيهام خلاف المقصود واجب، مثل صنيع سليمان ﵊ في المرأتين المتنازعتين في طفل إحداهما، قالت الكبرى: هو لي، وقالت الصغرى: هو لي، فقال: ائتوا بالسكين لأشقه بينكما، فقالت الصغرى: هو لها يا نبي الله! وقالت الكبرى: شقه (١)، فهذه حيلة، لكن على إظهار الحق. والحيلة على المحرم كأن يحتال على الربا بصورة عقد غير مقصود؛ كمسائل العينة مثلًا، فهذا حرام. والحيلة على مباح أن يحتال على أخيه في معاملة مباحة ليتوصل إلى مقصوده بها، فهذه جائزة بشرط ألا يؤدي ذلك إلى تهمة الإنسان وعدم الثقة بقوله أو فعله، هذا إذا قلنا: إن الحيلة هي التوصل إلى الشيء بما يخالف ظاهره، أما إذا قلنا: إن الحيلة المراد بها الحول، وأصله أنهم لا يستطيعون قوة على الهجرة، فإنه لا يكون فيها دلالة أصلًا على التحريم. ٥ - أنه تجب الهجرة على من يقدر عليها من أي سبيل،

стр. 683

سواء كان من السبيل السلطاني الأعظم الذي يمشي معه الناس، أو من السبل الأخرى، لقوله: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ وسبيلًا نكرة في سياق النفي فتعم. ٦ - أنه يرجى لهؤلاء أن يعفو الله عنهم، لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ فالرجاء هنا باعتبار ما يكون في قلب المخاطب، أما باعتباره منسوبًا إلى الله فقال بعض السلف: ﴿عَسَى﴾ من الله واجبة، يعني: أن الله وعدهم أن يعفو عنهم. ٧ - إثبات اسمين من أسماء الله هما: العفو، والغفور، فالعفو هو: المتجاوز عن السيئات، والغفور: هو الماحي لها، لكن إذا اجتمع العفو والغفور، صار المراد بالعفو ما يقابل ترك الواجب، والغفور ما يقابل فعل المحرم؛ أي: عفو عن التفريط في الواجب، غفور عن فعل المحرم. ٨ - إثبات الصفتين الدال عليهما قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾، وذلك لأن كل اسم من أسماء الله متضمن لصفة، وليست كل صفة متضمنة لاسم، وبهذا عرفنا أن الصفات أوسع من الأسماء؛ لأن كل اسم لا بد أن يتضمن صفة، وليس كل صفة يشتق منها اسم، بل من الصفات ما ليس معنويًا أصلًا مثل الوجه، واليد، والعين، فهذه ليست معنوية، فهي صفات خبرية لولا إخبار الله بها ما اعتقدناها ولا علمنا بها. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠].

стр. 684

قوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾. الإعراب: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ ... يَجِدْ﴾ هذه جملة شرطية، وفعل الشرط قوله: ﴿يُهَاجِرْ﴾، وجوابه قوله: "يجد"، وإذا كان فعل الشرط مضارعًا وجواب الشرط مضارعًا وجب جزمهما، أما إذا كان فعل الشرط ماضيًا وجوابه مضارعًا فإنه يجوز الرفع، قال ابن مالك: وبعد ماضٍ رفعك الجزا حسن ... ورفعه بعد مضارع وهم فيجوز مثلًا من قام يفوز، أما: من يقم يفز فصحيح أيضًا، ومن يقوم يفوز ضعيف. وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ فعل الشرط قوله: ﴿يَخْرُجْ﴾، وجوابه قوله: ﴿فَقَدْ وَقَعَ﴾، واقترن بالفاء لأن الجواب سبق بـ "قد"، وإذا وقع جواب الشرط مقترنًا بقد وجب اقترانه بالفاء، وضابطه: أنه كما كان الجواب لا يصلح أن يلي أداة الشرط وجب اقترانه بالفاء. قال ابن مالك: واقرن بفا حتمًا جوابا لو جعل ... شرطًا لأن أو غيرها لم ينجعل قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لا تفيد الحدوث، والمقصود: تحقيق ثبوتها لله. يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ سبق لنا معنى الهجرة، وأنها لغة: بمعنى الترك، وشرعًا: ترك البلاد التي لا يقيم الإنسان فيها دينه إلى بلاد أخرى

стр. 685

يقيم فيها دينه، وعبر عنها بعضهم بقوله: الإنتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. وقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ﴿فِي﴾ للظرفية، وسبيل الله تعالى طريقه، والهجرة في سبيل الله تتضمن شيئين: الإخلاص، والتزام الشريعة؛ لأن من نوى غير الله لم يكن في سبيل الله، كما قال النبي ﵊ حين سئل عن الرجل يقاتل شجاعة وحمية وليرى مكانه، فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (١). والثانية: أن تكون ضمن الشريعة لا مخالفة للشريعة. إذًا: في سبيل الله إخلاصًا واتباعًا. قوله: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ﴾ الأرض المراد بها هنا: الجنس، يعني: أرض الله عمومًا. قوله: ﴿مُرَاغَمًا﴾ أي: مهاجرًا يرغم به أعداءه، وبناءً على هذا تكون مراغمًا صفة لموصوف محذوف؛ أي: مهاجرًا مراغمًا، يعني: يراغم بها أعداءه؛ لأن الإنسان إذا خرج من بلاد الكفر التي ضيق عليه فيها إلى بلاد أخرى فإنه يراغم الأعداء، والصحابة ﵃ لما هاجروا إلى الحبشة أرسلت قريش باسمها من يتكلم فيهم عند النجاشي؛ لأن هذا يراغمهم، ويعرفون أنهم إذا خرجوا ربما يكونون أمة، وهذا هو الذي وقع. وكما في قصة أبي بصير ﵁ حينما هاجر من مكة إلى النبي ﷺ بعد صلح الحديبية؛ فإنه لحقه اثنان من المشركين يطلبون من النبي ﷺ أن يرده، فلما وصلا إلى النبي ﷺ وأبو

стр. 686

بصير عنده - قال: ارجع معهم، الشرط، فانطلق معهم راجعًا إلى مكة، وفي أثناء الطريق بعد أن أمنا منه قال لأحدهما وأخذ سيفه: هذا سيف ما شاء الله وأخذ يمدح السيف، فقال صاحب السيف: نعم، وكم ضربت به من هامة! فقال: أعطني أنظر إليه، فأعطاه إياه فسله فضرب هامته به، والصاحب الثاني هرب إلى المدينة، فلما وصل إلى المدينة وإذا أبو بصير ﵁ في إثره، فقال أبو بصير ﵁: يا رسول الله! إن الله قد أوفى بعهدك أو بذمتك سلمتني لهم، لكني نجوت، فقال ﷺ : "ويل أمه! مسعر حرب لو يجد من ينصره" (١)، وعرف أبو بصير أن الرسول ﷺ سيرده، فخرج من المدينة إلى الساحل، وبقي عند الساحل، وكلما أتت عير لقريش غار عليها، فسمع به أناس من أهل مكة من المستضعفين وغير المستضعفين فخرجوا إليه، فكوّنوا جماعة، فتعبت قريش من ذلك، وأرسلت إلى النبي ﷺ أنها ألغت هذا الشرط. إذًا: صار في هجرة الإنسان من بلاد الشرك مراغمًا لأهل البلد، يعني: ترغم بها أنوفها، والرغام هو: التراب، ورغم الأنف بالتراب معناه غاية الذل. وقوله: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ قد تشير إلى تجمع القوم؛ لأنه كان المتبادر أن يقال: "مراغمًا عاصمًا" لكنه قال: ﴿كَثِيرًا﴾ ولعل ذلك - والله أعلم - إشارة إلى أنه سيجتمع إليه من يكثر بهم. وقوله: ﴿وَسَعَةً﴾ أي: سعة في الرزق، وفي الدين، وفي

стр. 687

الصدر، وفي كل شيء، سعة في الرزق ولا يقول: إني غادرت بلدي فمن أين آكل وأشرب؟ وسعة في الدين؛ لأنه ليس له أحد يقوم ضده ويضيق عليه في دينه، وسعة في الصدر فتتسع بها صدورهم؛ لأنهم كانوا في بلاد الشرك مخنوقين ومضيقًا عليهم، والآن هم أحرار طلقاء. وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ﴾ يقال: إن رجلًا خرج من مكة مهاجرًا، وإنه مات في التنعيم أثناء سفره، فقيل: بطلت هجرته، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ﴾ انظر إلى قوله: ﴿مِنْ بَيْتِهِ﴾ فالبيت يحوي الإنسان، والإنسان يألفه، وهو وطنه، فيخرج من هذا البيت الأليف الذي هو الوطن مهاجرًا إلى الله ورسوله، يترك مأواه ومثواه من أجل الهجرة إلى الله ورسوله، والهجرة إلى الله بالإخلاص، وإلى رسوله بالإتباع، فيريد أن يهاجر إلى الله ليقيم شرعه، وإلى رسوله ﷺ ليتبعه وينصره أيضًا. وقوله: ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ يعني: ثم يموت، وكلمة ﴿يُدْرِكْهُ﴾ قد تعطي أنه كالفار الذي يريد أن يصل إلى مهاجره، لكن الموت لحقه فأدركه. وقوله: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ﴿وَقَعَ﴾: بمعنى: ثبت؛ أي: ثبت أجره على الله ، والأجر هو: الثواب، ولم يقل: وقع أجره على الله ورسوله، مع أن الهجرة كانت إلى الله ورسوله؛ لأن الهجرة إلى الرسول وسيلة، والغاية هي: الهجرة

стр. 688

إلى الله ، فلهذا كان الذي يثيب على الهجرة ليس الرسول ﷺ ، بل هو الله . وقوله: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ سبق لنا معناها وأن ﴿اللهِ﴾: يقال: إن أصلها: الإله، كالناس أصلها: الأناس، وكقولهم: هذا خير من هذا؛ أي: هذا أخير من هذا، والعرب يحذفون الهمزة أحيانًا للتخفيف، والإله فعال بمعنى مفعول، والمألوه هو: الذي تألهه القلوب، وتحبه وتعظمه في نفس الوقت، فبالمحبة يكون فعل المأمور، وبالتعظيم يكون ترك المحظور خوفًا من هذا العظيم، هذه هي اللفظة العظيمة ﴿اللهِ﴾. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ سبق الكلام على مثل هذه الجملة، وأنها تفيد ثبوت هذين الإسمين لله، وما تضمناه من الصفات، فالغفور: يتضمن المغفرة، والرحيم: يتضمن الرحمة، وبالجمع بينها يحصل المطلوب، والنجاة من المرهوب؛ لأن المغفرة للذنوب التي يتخلى عنها الإنسان هي بمغفرة الله، والرحمة للأعمال الصالحة التي توصل إلى رحمة الله . من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، وتؤخذ من قوله: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، فقد خرج من الضيق فوجد السعة. ٢ - أن فضل الله على عبده أكثر من عمل عبده له، وتؤخذ من قوله: ﴿وَيَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ فله ثوابان: المراغم، والسعة. ٣ - أن من أُذل بطاعة الله صار العز له في النهاية، وتؤخذ

стр. 689

من قوله: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾، فهذا الذي أُذِل هو الآن يُذل أنوف الذين أذلوه بالأمس. ٤ - أن فيها شاهدًا لقول الرسول ﵊: "واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا" (١)، وتؤخذ من قوله: ﴿وَسَعَةً﴾ والسعة تفريج بعد الضيق والكرب. ٥ - أن من سعى في الهجرة وأدركه الموت فإن أجره ثابت كامل، وتؤخذ من قوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، ويقاس على ذلك بقية الأعمال فمن خرج إلى المسجد يريد الصلاة فمات في أثناء الطريق يكتب له أجر الصلاة. يقال: إن الثواب لا قياس فيه، لجواز أن يكون تخصيص هذا العمل بهذا الثواب لحكمة لا نعلمها، لكن قال بعض أهل العلم: إن لنا شاهدًا على العموم، وهو قصة الرجل الذي مات في أثناء الطريق، وهو رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، قتلهم عمدًا، ثم جاء إلى رجل عابد، - وكلمة "عابد" معناها: أن العبادة خُلُق له - فسأله، وقال له: هل لي من توبة وأنا قد قتلت تسعة وتسعين نفسًا عمدًا؟ فاستعظم العابد هذا؛ لأنه عابد يخشى الله ويخاف عقابه، وقال: ليس لك توبة، فقتله وأتم به المائة، فهذا العابد جاهل جهلًا مركبًا، ثم دُلَّ على عالم فقال له: إنه قتل مائة نفس عمدًا، فهل له من توبة؟ قال العالم: ومن

стр. 690

يحول بينك وبين التوبة؟ - وسبحان الله! العلم كله خير - ولكن أنت في أرض ظالم أهلها، اذهب إلى القرية الفلانية ففيها الصالحون أو كلمة نحوها، فذهب الرجل تائبًا إلى الله، وفي أثناء الطريق أدركه الموت، فنزلت عليه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ملائكة العذاب تريد أن تقبض روحه باعتبار سوابقه، وملائكة الرحمة تريد أن تقبض روحه باعتبار مآله؛ لأن الرجل خرج تائبًا، فتنازعت الملائكة أيهم يقبض روحه؟ والله تعالى هو الذي أرسلهم اعتبارًا بما يحصل، ثم بعث الله إليهم ملكًا وحكم بينهم، فقال: قيسوا ما بين القريتين فإلى أيتهما كان أقرب فهو من أهلها، فقاسوا فوجدوا أنه أقرب إلى الأرض الصالحة بشبر، وقيل: إنه لما حضره الموت من شدة شوقه صار يدفع بنفسه إلى الأرض الصالحة، فتقدم هذا التقدم، فتولت روحه ملائكة الرحمة (١). قالوا: فإذا كان هذا فيمن قبلنا فنحن أفضل الأمم، فإذا شرعنا في عمل صالح وأدركنا الموت فإنه يكتب لنا، وهذا ما نرجوه من الله . وبناءً على ذلك نقول: من شرع في طلب العلم يريد بذلك ما يريده المخلصون في طلب العلم من حفظ الشريعة، والدفاع عنها، ونفع الخلق، ثم أدركه الموت، فإنه يكتب له ما نوى؛ لكن بشرط أن يكون شروعه شروعًا حقيقيًا، يعني يكون عنده اجتهاد وحرص، لا أن يكون المراد بذلك أن يقطع الوقت، ويقول: أنا لا يوجد لي شغل، فبدل أن أذهب للأسواق أحضر حلقات العلم، فهذا ليس

стр. 691

طالب العلم، بل طالب العلم هو الذي يفرغ نفسه تمامًا لطلب العلم. ٦ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور، والرحيم، وما تضمناه من صفة. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١]. ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الخطاب في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ للناس جميعًا، ويدخل فيه - بالأولى - المؤمنون؛ لأنهم هم الذين يخاطبون بالتكاليف الشرعية. وقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الضرب في الأرض هو: السفر فيها، وسمي ضربًا لأن الإنسان لا يخلو من أن يكون معه راحلة تحتاج إلى الضرب، ولهذا قال النبي ﷺ : "أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه" (١)، وحمله بعض العلماء على أنه كثير الأسفار. وقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ لم يقيده الله بكون هذا الضرب مشروعًا أو مباحًا أو مكروهًا أو محرمًا. وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ الجناح يعني: الإثم. وقوله: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ زعم بعضهم أن ﴿مِنَ﴾ هنا

стр. 692

زائدة، وأن المعنى: أن تقصروا الصلاة، وعُلل هذا القول: بأن صلاة السفر فرضت ركعتين، فلا يصح أن يقال: إنه قصر منها، بل يقال: إنها قصرت، ولكن هذا القول ضعيف، كما سنبين ذلك في الفوائد. وقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا شرط للحكم الثابت، بقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ فالجملة إذًا شرطية، وجواب الشرط الصحيح أنه لا حاجة إليه؛ لأنه معلوم من السياق، وقال بعضهم: إنه محذوف دل عليه ما سبق. وقوله: ﴿أَنْ يَفْتِنَكُمُ﴾ أي: أن يصدكم عن دينكم، وذلك بقتالهم إياكم، أو بأسباب أخرى يصدونكم بها عن الدين. ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ الجملة هنا موقعها مما قبلها أنها تعليل للحكم وهو قصر الصلاة. وقلنا: إن الضرب في الأرض هو السفر فيها، ووجه تسمية السفر ضربًا: أن المسافر يحمل العصا معه ليضرب راحلته، وقد جاء الضرب في الأرض في عدة آيات، منها قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، ففي هذه الآية يبين الله سبحانه انتفاء الجناح عن قصر الصلاة إذا كان الإنسان ضاربًا في الأرض خائفًا أن يفتنه الكفار، ويبين أن الكافرين ﴿كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. وقد سبق لنا الكلام في مثل هذا التعبير ﴿كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ وأن "كَان" هنا يراد بها: إثبات الحكم لا حدوث الحكم؛

стр. 693

لأنه لو أريد بها الحدوث لكان هذا يقتضي أن عداوتهم كانت سابقة وليس الأمر هكذا. من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان تيسير الله على العباد حين يوجد السبب الذي يقتضي ذلك، وذلك بقصر الصلاة في السفر، فإن هذا لا شك تيسير على العباد، وسهلت الصلاة بالسفر من وجه آخر، وهو: جواز الجمع بين الصلاتين المجموعتين، وسهلت من وجه ثالث وهو: جواز التيمم إذا عُدم الماء. فإن قال قائل: هذا حتى في الحضر؟ قلنا: لكنه في السفر أيسر منه في الحضر؛ لأن الحضر يجب على الإنسان أن يبحث بحثًا دقيقًا، أما في السفر فلا يلزمه أن يحمل الماء معه إلا إذا كان ذلك يسيرًا جدًا، أما أن يتكلفه بنوع من الكلفة فلا يلزم. ٢ - أن القصر ليس بواجب، لقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ هكذا استدل جمهور العلماء بهذه الآية على أن القصر ليس بواجب؛ لأن الله نفى الجناح في القصر، فدل ذلك على أنه ليس بواجب، لكن هذا الإستدلال فيه نظر، وجه النظر: أنه قد ينفى الجناح أو الحرج خوفًا من توهمه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، فهنا نفى الجناح دفعًا لتوهم بعض الصحابة أن الطواف بهما محرم؛ لأنه كان فيهما صنمان. وقال بعض أهل العلم - وهم الأكثر -: إن القصر ليس بواجب.

стр. 694

استدل القائلون بأن القصر واجب بحديث عائشة ﵂: "الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر" (١)، فقالوا: إن قولها: "أول ما فرضت ركعتين" مع قولها: "على الفريضة الأولى" (٢) يدل على أنه لا تجوز الزيادة على الركعتين في السفر، كما أنه لا تجوز الزيادة على الأربع في الحضر. واستدلوا لذلك أيضًا بحديث عمر ﵁: "صلاة السفر ركعتان" (٣)، فجزم بأن صلاة السفر ركعتان، وكذلك يروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "صلاة السفر ركعتان، وصلاة الحضر أربع، وصلاة الخوف ركعة" (٤). وأما الجمهور فأجابوا عن ذلك بأن معنى قول عائشة: "أقرت على الفريضة الأولى" (٥) أنها لم تزد، فالمراد به نفي الزيادة لا تحريم الزيادة. ويدل لهذا أن الصحابة ﵃ لما كان عثمان يتم

стр. 695

في منى أنكروا عليه، ولكنهم تابعوه، ومتابعتهم إياه يدل على أن القصر ليس بواجب؛ إذ أنه لو كان واجبًا ما صح أن يتابعوه، كما أن الإمام لو صلى خمسًا فإنه لا يتابع ولو كان ساهيًا، فكذلك إذا صلى المسافر أربعًا فإننا نقول: لو كان الواجب هو الركعتين، فلا تتابعوه على ذلك. وهذا دليل واضح جدًا على أن القصر ليس بواجب، وهو الأقرب عندي بعد أن كنت أرجح أن القصر واجب، لكن بعد التأمل رأيت أن قول الجمهور أقرب إلى الصواب، والله أعلم. ٣ - أن قصر الصلاة ثابت في كل ما يسمى ضربًا في الأرض، لقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وهذا مطلق، لم يُقيد بيومين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة، فدل ذلك على أن كل ما يسمى ضربًا في الأرض فإنه تقصر فيه الصلاة، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: "كل ما يسميه الناس سفرًا وضربًا في الأرض فإنه سفر، يثبت له أحكام السفر"، ودليله: الإطلاق، ودليل آخر أنه ثبت في صحيح مسلم أن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين" (١). وقال الجمهور: بل السفر هنا مطلق، لكنه قيدته السنة، وهو: يومان قاصدان، وتقريبه بالفراسخ ستة عشر فرسخًا، يعني: أربعة برد، والبرد: جمع بريد، وسميت بذلك لأنها مسافات كان يقطعها رسل البريد، فقد كانوا فيما سبق يجعلون مراحل للبرد:

стр. 696

كل أربعة فراسخ بريد، والفرسخ: ثلاثة أميال، يعني: كل اثني عشر ميلًا يكون بريدًا، فكان يذهب الفارس من هذا المكان إلى المكان الآخر وإذا بفارس آخر ينتظره، فيسلمه ما معه من الرسائل، فينطلق إلى مثله، وإذا الفارس الثالث ينتظره، وهلم جرا حتى يصلوا إلى آخر مرحلة، فلا بد من أن تكون هذه المسافة، وما دونها وإن سمي سفرًا وإن حمل له المتاع وإن شدت له الرواحل فإنه لا يحصل فيه القصد. فيقال: أين الدليل على هذا؟ فلم يرد عن النبي ﷺ أنه حددها، بل حديث أنس ﵁ الذي ذكرناه آنفًا يدل على أنه يقصر في ثلاثة أميال أو فراسخ، وإذا قلنا بالأعلى، وهو الفراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، فأين هي من الستة عشر فرسخًا؟ فإذًا: يرجع في ذلك إلى العرف. لكن إذا اختلف العرف فحينئذ يمكن أن نرجع إلى التحديد، ونقول بأنه يحدد بالفراسخ، ونقول ذلك عند الضرورة، أما إذا أمكن ضبط العرف فلا نعدل عنه. وقد قال شيخ الإسلام ﵀: إن هذا التحديد بالفراسخ غير صحيح بحسب الواقع؛ لأنه في عهد الرسول ﷺ ليس هناك أناس مساحون يقيسون الأرض حتى بالذراع، بل حتى بالشبر، بل حتى بالإصبع، بل حتى بحبة الشعير، بل حتى بشعرة؛ لأن الفقهاء الذين حددوا السفر حددوه إلى هذا الحد، فقالوا: الستة عشر فرسخًا هي كذا وكذا، وهذا كذا وكذا إلى أن وصلوا إلى التحديد بالشعرة. وبناءً على ذلك: لو كان هناك أناس منعزلون وبينهم وبين

стр. 697

الآخرين شعرة، والأولون أقرب إلى البلد، لصار الأولون غير مسافرين، والذين بينهم وبينهم شعرة مسافرين، وهذا صعب أن يحقق الإنسان مثل هذا، ويجعله حدًا للناس. فعلى كل حال: الذي نرى أن المرجع في هذا إلى العرف، وأن نطلق ما أطلقه الله، ومن المعلوم أن العرف يختلف، فلو أن قومًا خرجوا في رحلة فتغدوا في البر ثم رجعوا فإن هذا لا يُسمى سفرًا ولا ضربًا في الأرض، ولو خرجوا في هذه المسافة في رحلة لكنهم أقاموا يومين أو ثلاثة لعد ذلك سفرًا؛ لأن الناس يتأهبون له، وإن كان في العرف الآن لا يعدون النزهة سفرًا حتى لو بعدت، وحتى لو بقيت أيامًا، لكن هذا لا عبرة به، فكل ما يحمل له الزاد ويستعد له فإنه سفر. فإن قال قائل: الآن توجد فنادق، وتوجد سيارات وطيارات، ولا يحتاج الإنسان أن يحمل متاعًا. قلنا: هذا لا عبرة به، العبرة بنفس المسافة والطريق الذي إذا أراده الإنسان استعد له، أما كون المتاع والزاد تسهل بالأماكن فهذا لا يمنع أن يكون سفرًا. ٤ - أن الإنسان إذا أقام في سفره في مكان فإنه لا يلزمه الإتمام، بل يبقى قاصرًا؛ لأن الله قال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ ولم يقل: ما لم تمكثوا أربعة أيام أو عشرة أيام أو ما أشبه ذلك. وبناءً على هذا لو أن إنسانًا سافر إلى بلد غير بلده وأقام فيها شهرًا فهو مسافر؛ وذلك لأن النصوص جاءت مطلقة غير مقيدة، وجاءت نصوص أخرى إيجابية تدل على عدم التقييد، ومن ذلك:

стр. 698

أولًا: أن النبي ﷺ أقام عام الفتح في مكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، ولم يقل للناس: أتموا، وأقام في تبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة، ولم يقل للناس: أتموا. ثانيًا: أن الرسول ﷺ قدم مكة في حجة الوداع وهي آخر سفرة سافرها في اليوم الرابع من ذي الحجة، ومكث يقصر الصلاة، ولم يقل للناس: من قدم قبل اليوم الرابع فليتم، أو من قدم قبل عشرة أيام فليتم أو ما أشبه ذلك، فعلم من هذا أنه لا حد للإقامة التي تمنع أو تقطع حكم السفر، وهذا القول هو الذي اختاره شيخ الإسلام ﵀ ونصره بأدلة قوية ظاهرة، ذكر ذلك في أول باب "صلاة الجمعة" في "الفتاوى" وفي مواضع كثيرة من كلامه، ونصره نصرًا عزيزًا، وهو جدير بالنصر؛ لأن أي إنسان يقيد بأربعة أيام أو بخمسة أو بأكثر أو بأقل، يقال له: أين الدليل؟ ولو كان هذا القيد لازمًا لبينه الله تعالى في القرآن، أو لجاءت به السنة وبينته بيانًا واضحًا؛ لأن هذا مما تتوافر الدواعي على نقله، ومما يحتاج الناس إليه، فكيف يُترك عمل بلا بيان؟ ! ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة على نحو عشرين قولًا أو أكثر ذكرها النووي ﵀ في "شرح المهذب"، فمنهم من قال: أربعة أيام صافية، يعني: لا يحسب منها يوم الدخول ويوم الخروج، وهذا مذهب الشافعي ﵀، ومنهم من قال: أربعة أيام بيوم الدخول والخروج، وهذا مذهب الحنابلة، ومنهم من قال: خمسة عشر يومًا، وهذا مذهب أبي حنيفة ﵀، ومنهم من قال: تسعة عشر يومًا وهذا مذهب ابن عباس ﵄، وفي المسألة أيضًا آراء أخرى من أراد أن

стр. 699

يطلع عليها فليرجع إلى "شرح المهذب" فإنه قد بيّنها. ٥ - أنه لا يجوز قصر الصلاة إلا عند الخوف، لقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وهذا ظاهر الآية، لكن جاءت السنة تبين أن هذا ليس بشرط، يعني: أنه لا يشترط لجواز القصر الخوف، وذلك بما ثبت في "صحيح مسلم" أن رجلًا قال لعمر ﵁: إن الله يقول: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ونحن الآن آمنون، فقال عمر: لقد عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي ﷺ عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (١) وهذه سنة قولية تدل على أن الخوف ليس بشرط. وهناك سنة فعلية تدل على أن الخوف ليس بشرط، وهو أن النبي ﷺ قصر في حجة الوداع وهو آمن ما يكون؛ إذ لا يوجد خوف إطلاقًا. وقال بعض العلماء: إن الآية لا تدل على أن هذا القيد شرط؛ لأن هذا القيد جاء على الغالب، والناس حين نزول الآية كانت أسفارهم مخوفة، وما جاء بناءً على الغالب فإنه لا يكون قيدًا، وهذا معروف في أصول الفقه: أن القيد إذا كان بناءً على الغالب فإنه لا مفهوم له، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، فإن الربيبة لا يشترط لتحريمها على زوج أمها أن تكون في حجره، لكن هذا بناءً على الغالب، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى

стр. 700

الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، يعني: هذا هو الغالب، فقالوا: إن الآية خرجت مخرج الغالب فلا مفهوم لها، وهؤلاء عكس الذين يقولون: إنه يشترط الخوف. وقال بعض العلماء: إن هذا القيد قيد للقصر من صلاة السفر، والقصر من صلاة السفر أن يجعلها واحدة، وعلى هذا فيكون المراد بالخوف: أن تجعل الثنائية واحدة، واستدلوا لذلك بأنه جاء عن النبي ﷺ في صلاة الخوف أنه صلى بأصحابه ركعتين، كل طائفة صلت ركعة واحدة فقط وانصرفوا (١)، وهذا أيضًا قول في هذه الآية. فيكون المراد بقصر صلاة الخوف إلى ركعة لا إلى ركعتين. وقال بعض أهل العلم - وهو قول رابع -: إن القصر قصران: قصر عدد، وقصر صفة، فقصر العدد لا يشترط فيه الخوف، وقصر الصفة يشترط فيه الخوف، وقصر الصفة في صلاة الخوف هو: أنه يفعل فيها أشياء لو فعلت في حال الأمن لأبطلت الصلاة، فخفف في هيئتها وكيفيتها، وهذا نوع من القصر، فهو قصر كيفية وليس قصر كمية، فهذه أقوال الناس التي تحضرني في هذه الآية، ولكن نقول: إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام فإذا كان النبي ﷺ قال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (٢) لم يبق شيء لأهل الكلام فنقول: إن الله تعالى شرط ذلك في أول الأمر، ثم سهل على عباده وتصدق عليهم،

стр. 701

ونفى ورفع هذا الشرط في قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ٦ - أن الخوف له أثر في تغيير الأحكام، لقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهذا أمر معلوم، حتى إن الله قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٨ - ٢٣٩] يعني: وأنت راجل تمشي أو راكب فلك أن تصلي ما دام الخوف محققًا. بل حتى الوضوء أو الغسل من الجنابة إذا خاف الإنسان على نفسه يتيمم، فالخوف له تأثير في تغيير الأحكام الشرعية، حتى إن العلماء قالوا: لو صلى خلف جدار وعدوه يطلبه فإن قام رآه العدو وإن صلى قاعدًا لم يره فإنه يصلي قاعدًا. ٧ - حرص الكفار على فتن المؤمنين حتى في العبادات، لقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ٨ - أن جميع الكفار أعداء لنا، لقوله: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. ٩ - أن عداوة الكفار لنا بينة ظاهرة؛ لأن قوله: ﴿مُبِينًا﴾ هنا بمعنى: بين واضح. فإن قال قائل: كيف كانت بينة وقد اغتر بهم بعض الناس، وظنوا أنهم أولياء وليسوا بأعداء؟ قلنا: إن الأعشى يعميه ضوء النهار، والأعمى لا يرى الشمس، فهؤلاء الذين يظنون أن الكفار ليسوا بأعداء لنا لا شك أنهم قد أعماهم الله ، إما لمصالح دنيوية أو لغير ذلك، وإلا فمن تأمل أحوال الكفار وجد أنهم أعداء لنا، وأنهم يغزوننا بالسلاح ويغزوننا في الحرب وفي السلم، فلا يظن أن غزو الكفار لنا بالحرب، بل بالحرب وبالسلم، فإنهم إذا سالمونا أوفدوا علينا

стр. 702

من أخلاقهم السافلة وعقائدهم المنحرفة ما يفسد المسلمين، ثم إنهم إذا سالمونا فإن منتوجاتهم وصنائعهم تُستهلك عندنا، ويتوفر لهم اقتصادنا، فهم يسلبوننا أموالنا، ويسلبوننا أخلاقنا، وربما يسلبون عقائدنا، ويوردون علينا أخلاقهم وأفكارهم، وبهذا نعرف أن الكافر عدو في الحرب وفي السلم؛ لأن الله تعالى لم يقيد ذلك في حال الحرب، ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. ١٠ - التحذير من الإغترار بما يبديه الكافر من الموالاة، وجهه: أن العالم بما في الصدور والعالم بكل حال أخبرنا بأن الكافرين كانوا لنا عدوًا مبينًا، ولا أحد أعلم من الله بعباد الله. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾ [النساء: ١٠٢]. بعد أن ذكر الله أن الضارب في الأرض يقصر من الصلاة إن خاف أن يفتنه الذين كفروا، وبين أن الكفار أعداء لنا عداوة بينة ظاهرة، ذكر حكم الصلاة إذا تقابل الصفان؛ لأن الآية الأولى في الخوف إذا خيف، وأما الثانية فهي فيما إذا تقابل الصفان، فكيف تكون الصلاة حينئذٍ؟

стр. 703

قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ والخطاب للنبي ﷺ ، والضمير في قوله: ﴿فِيهِمْ﴾ يعود على الصحابة. قوله: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ يحتمل أن يكون المراد: الإقامة التي هي الإعلام بالقيام للصلاة، ويحتمل أن المراد بالإقامة: إقامة أركانها وواجباتها وشروطها وغير ذلك. وعلى الثاني يكون معنى قوله: ﴿فَأَقَمْتَ﴾ أي: أردت أن تقيم لهم الصلاة. قوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الفاء هنا رابطة لجواب شرط غير جازم، وعلى هذا فلا يكون للجملة التي بعدها محل من الإعراب؛ لأن جواب الشرط الذي لا يجزم ليس له محل من الإعراب، واللام في قوله: ﴿فَلْتَقُمْ﴾ للأمر، وسكنت لوقوعها بعد الفاء، ولام الأمر تسكن إذا وقعت بعد الفاء أو الواو أو ثم، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وفي هذه الآية: ﴿فَلْتَقُمْ﴾ وهو الحرف الثالث الذي إذا وقع قبل لام الأمر سكن لام الأمر، أما لام كي وهي التي للتعليل فإنها مكسورة ولو وقعت بعد هذه الحروف الثلاثة، مثل قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت: ٦٦]، ففي قوله: "ليتمتعوا": لا بد من كسر اللام. وقوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ لبيان الجنس، والطائفة هي الفرقة من الناس. وقوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ نقول في قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾ مثلما قلنا في قوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾.

стр. 704

والضمير في قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾ يعود على الذين قاموا مع الرسول ﷺ ، وليس على الطائفة الأخرى. وقوله: ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾ السلاح هو ما يقاتل به دفاعًا أو طلبًا، وينقسم إلى أقسام كثيرة: ثقيل، وخفيف ومتوسط، وسلاح يكون من بعيد، وسلاح يكون من قريب، والآية عامة، فيكون المراد: أسلحتهم التي يحتاجون إليها في الدفاع عن أنفسهم، والتي لا تشغلهم عن الصلاة. وقوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ الفاعل يعود على الطائفة باعتبار المعنى؛ لأن الطائفة مفرد، لكن معناها الجمع، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] ولم يقل: اقتتلتا؛ لأن الطائفة للجمع. وقوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ ﴿سَجَدُوا﴾ أي: أتموا صلاتهم، وخص السجود لأنه أفضل أركان الصلاة، حيث إنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، والمراد بذلك: إذا أتموا صلاتهم قوله: ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ أي: من وراء المصلين، وهنا قد يشكل قوله: ﴿مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ مع أنه لم يبق بعد إتمام صلاتهم إلا الرسول ﷺ ، لكن باعتبار ما يؤول إليه الأمر، فإن الطائفة الثانية سوف تأتي وتصلي. وفي قوله: ﴿مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ إشارة إلى أن العدو خلفهم وليس أمامهم. وقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾، قوله: ﴿وَلْتَأْتِ﴾ اللام نقول فيها ما قلنا فيما سبق، وقوله:

стр. 705

﴿وَلْتَأْتِ﴾ الفعل مجزوم بحذف حرف العلة، وأصل تأت: "تأتي" بالياء، لكن دخل عليها الجازم فحذفت الياء. وقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ أي: ثانية قوله: ﴿لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ وهنا قال: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ أما الأولى فلم يقل: فليصلوا معك، بل قال: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ فأضاف السجود إليهم وحدهم. وقوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ حذرهم: الحذر معناه: التثبت في الأمر والإستعداد له. وقوله: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾، وَدَّ: بمعنى: أحب، لكنه قيل: إن الود هو: صافي المحبة، فـ ﴿وَدَّ﴾ أعلى من "أحب". وقوله: ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ﴾ ﴿لَوْ﴾ هذه مصدرية، بمعنى "أن" وليعلم أن ﴿لَوْ﴾ تأتي مصدرية كما هنا، والغالب أنها تأتي بعد ﴿وَدَّ﴾ و"أحب" وما أشبهها، وتأتي شرطية مثل أن تقول: لو جاء زيد لأكرمته، وجوابها إن كان منفيًا فإنه يكون بدون اللام، وإن كان مثبتًا فإنه يأتي باللام، لكنه قد تقترن به اللام قليلًا إذا كان منفيًا بـ "ما" وعليه قول الشاعر: ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي وقوله: ﴿تَغْفُلُونَ﴾ أي: تتلهون بما أنتم فيه من الصلاة أو غيرها. وقوله: ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ أي: يميلون عليكم لقتالكم.
следующие страницы →