← Тафсир

Тафсир · id 547

تفسير العثيمين: النساء

ابن عثيمين

Полный текст (1 106 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ونفى ورفع هذا الشرط في قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ٦ - أن الخوف له أثر في تغيير الأحكام، لقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهذا أمر معلوم، حتى إن الله قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٨ - ٢٣٩] يعني: وأنت راجل تمشي أو راكب فلك أن تصلي ما دام الخوف محققًا. بل حتى الوضوء أو الغسل من الجنابة إذا خاف الإنسان على نفسه يتيمم، فالخوف له تأثير في تغيير الأحكام الشرعية، حتى إن العلماء قالوا: لو صلى خلف جدار وعدوه يطلبه فإن قام رآه العدو وإن صلى قاعدًا لم يره فإنه يصلي قاعدًا. ٧ - حرص الكفار على فتن المؤمنين حتى في العبادات، لقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ٨ - أن جميع الكفار أعداء لنا، لقوله: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. ٩ - أن عداوة الكفار لنا بينة ظاهرة؛ لأن قوله: ﴿مُبِينًا﴾ هنا بمعنى: بين واضح. فإن قال قائل: كيف كانت بينة وقد اغتر بهم بعض الناس، وظنوا أنهم أولياء وليسوا بأعداء؟ قلنا: إن الأعشى يعميه ضوء النهار، والأعمى لا يرى الشمس، فهؤلاء الذين يظنون أن الكفار ليسوا بأعداء لنا لا شك أنهم قد أعماهم الله ، إما لمصالح دنيوية أو لغير ذلك، وإلا فمن تأمل أحوال الكفار وجد أنهم أعداء لنا، وأنهم يغزوننا بالسلاح ويغزوننا في الحرب وفي السلم، فلا يظن أن غزو الكفار لنا بالحرب، بل بالحرب وبالسلم، فإنهم إذا سالمونا أوفدوا علينا

стр. 702

من أخلاقهم السافلة وعقائدهم المنحرفة ما يفسد المسلمين، ثم إنهم إذا سالمونا فإن منتوجاتهم وصنائعهم تُستهلك عندنا، ويتوفر لهم اقتصادنا، فهم يسلبوننا أموالنا، ويسلبوننا أخلاقنا، وربما يسلبون عقائدنا، ويوردون علينا أخلاقهم وأفكارهم، وبهذا نعرف أن الكافر عدو في الحرب وفي السلم؛ لأن الله تعالى لم يقيد ذلك في حال الحرب، ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. ١٠ - التحذير من الإغترار بما يبديه الكافر من الموالاة، وجهه: أن العالم بما في الصدور والعالم بكل حال أخبرنا بأن الكافرين كانوا لنا عدوًا مبينًا، ولا أحد أعلم من الله بعباد الله. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾ [النساء: ١٠٢]. بعد أن ذكر الله أن الضارب في الأرض يقصر من الصلاة إن خاف أن يفتنه الذين كفروا، وبين أن الكفار أعداء لنا عداوة بينة ظاهرة، ذكر حكم الصلاة إذا تقابل الصفان؛ لأن الآية الأولى في الخوف إذا خيف، وأما الثانية فهي فيما إذا تقابل الصفان، فكيف تكون الصلاة حينئذٍ؟

стр. 703

قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ والخطاب للنبي ﷺ ، والضمير في قوله: ﴿فِيهِمْ﴾ يعود على الصحابة. قوله: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ يحتمل أن يكون المراد: الإقامة التي هي الإعلام بالقيام للصلاة، ويحتمل أن المراد بالإقامة: إقامة أركانها وواجباتها وشروطها وغير ذلك. وعلى الثاني يكون معنى قوله: ﴿فَأَقَمْتَ﴾ أي: أردت أن تقيم لهم الصلاة. قوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الفاء هنا رابطة لجواب شرط غير جازم، وعلى هذا فلا يكون للجملة التي بعدها محل من الإعراب؛ لأن جواب الشرط الذي لا يجزم ليس له محل من الإعراب، واللام في قوله: ﴿فَلْتَقُمْ﴾ للأمر، وسكنت لوقوعها بعد الفاء، ولام الأمر تسكن إذا وقعت بعد الفاء أو الواو أو ثم، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وفي هذه الآية: ﴿فَلْتَقُمْ﴾ وهو الحرف الثالث الذي إذا وقع قبل لام الأمر سكن لام الأمر، أما لام كي وهي التي للتعليل فإنها مكسورة ولو وقعت بعد هذه الحروف الثلاثة، مثل قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت: ٦٦]، ففي قوله: "ليتمتعوا": لا بد من كسر اللام. وقوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ لبيان الجنس، والطائفة هي الفرقة من الناس. وقوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ نقول في قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾ مثلما قلنا في قوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾.

стр. 704

والضمير في قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾ يعود على الذين قاموا مع الرسول ﷺ ، وليس على الطائفة الأخرى. وقوله: ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾ السلاح هو ما يقاتل به دفاعًا أو طلبًا، وينقسم إلى أقسام كثيرة: ثقيل، وخفيف ومتوسط، وسلاح يكون من بعيد، وسلاح يكون من قريب، والآية عامة، فيكون المراد: أسلحتهم التي يحتاجون إليها في الدفاع عن أنفسهم، والتي لا تشغلهم عن الصلاة. وقوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ الفاعل يعود على الطائفة باعتبار المعنى؛ لأن الطائفة مفرد، لكن معناها الجمع، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] ولم يقل: اقتتلتا؛ لأن الطائفة للجمع. وقوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ ﴿سَجَدُوا﴾ أي: أتموا صلاتهم، وخص السجود لأنه أفضل أركان الصلاة، حيث إنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، والمراد بذلك: إذا أتموا صلاتهم قوله: ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ أي: من وراء المصلين، وهنا قد يشكل قوله: ﴿مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ مع أنه لم يبق بعد إتمام صلاتهم إلا الرسول ﷺ ، لكن باعتبار ما يؤول إليه الأمر، فإن الطائفة الثانية سوف تأتي وتصلي. وفي قوله: ﴿مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ إشارة إلى أن العدو خلفهم وليس أمامهم. وقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾، قوله: ﴿وَلْتَأْتِ﴾ اللام نقول فيها ما قلنا فيما سبق، وقوله:

стр. 705

﴿وَلْتَأْتِ﴾ الفعل مجزوم بحذف حرف العلة، وأصل تأت: "تأتي" بالياء، لكن دخل عليها الجازم فحذفت الياء. وقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ أي: ثانية قوله: ﴿لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ وهنا قال: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ أما الأولى فلم يقل: فليصلوا معك، بل قال: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ فأضاف السجود إليهم وحدهم. وقوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ حذرهم: الحذر معناه: التثبت في الأمر والإستعداد له. وقوله: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾، وَدَّ: بمعنى: أحب، لكنه قيل: إن الود هو: صافي المحبة، فـ ﴿وَدَّ﴾ أعلى من "أحب". وقوله: ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ﴾ ﴿لَوْ﴾ هذه مصدرية، بمعنى "أن" وليعلم أن ﴿لَوْ﴾ تأتي مصدرية كما هنا، والغالب أنها تأتي بعد ﴿وَدَّ﴾ و"أحب" وما أشبهها، وتأتي شرطية مثل أن تقول: لو جاء زيد لأكرمته، وجوابها إن كان منفيًا فإنه يكون بدون اللام، وإن كان مثبتًا فإنه يأتي باللام، لكنه قد تقترن به اللام قليلًا إذا كان منفيًا بـ "ما" وعليه قول الشاعر: ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي وقوله: ﴿تَغْفُلُونَ﴾ أي: تتلهون بما أنتم فيه من الصلاة أو غيرها. وقوله: ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ أي: يميلون عليكم لقتالكم.

стр. 706

وقوله: ﴿مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ كقولنا: ضربة رجل واحد؛ أي: يميلون عليكم جميعًا ميلة واحدة تقضي عليكم. وقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾، لا ﴿جُنَاحَ﴾ أي: لا إثم ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ أي: تأذٍ من المطر أن تضعوا الأسلحة، وجه ذلك: أن المطر سوف يبل الثياب ويبل السلاح، ويحصل بذلك ثقل على المقاتل، فإذا كان كذلك فلا حرج أن يضع السلاح، ولهذا قال: ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾. وقوله: ﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ أي: عاجزين عن حمل السلاح لمرض من جراح أو غير ذلك. قوله: ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ أي: ولا تحملوها. وقوله: ﴿أَنْ تَضَعُوا﴾ هذه من الذي حذف فيها حرف الجر اطرادًا، كما قال ابن مالك: وفي أنَّ وأنْ يطرد ... مع أمن لبسٍ كعجبت أن يدوا والتقدير: لا جناح عليكم في وضع أسلحتكم، وعلى هذا فتكون أن وما بعدها في محل نصب بنزع الخافض. وقوله: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ يعني: إذا وضعتم الأسلحة لأذى من مطر أو مرض فلا تغفلوا عن الحذر، بل خذوا حذركم. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ﴾ أي: هيأ. قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ أي: عذابًا ذا هوان، وهذا العذاب في الدنيا وفي الآخرة جميعًا. من فوائد الآية الكريمة: ١ - توجيه الخطاب إلى الرسول ﵊، وهل

стр. 707

الخطاب يشمله والأمة أو يختص به؟ نقول: في هذا تفصيل: فتارة يختص به، وتارة يعمه والأمة بمقتضى اللفظ، وتارة يعمه والأمة بمقتضى القياس والأسوة، فمن الأمثلة التي تختص به قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ١ - ٤] فالخطاب هنا للرسول ﵊ ولا يشمل الأمة. ومن الخطاب الذي يعمه والأمة بمقتضى اللفظ والسياق، قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ولم يقل: إذا طلقت، فصدر الخطاب بالتوجيه إلى الرسول ﵊، ثم عمم فقال: إذا طلقتم، وهذا يعمه ويعم الأمة لمقتضى اللفظ. وهناك خطاب خاص بالرسول لكنه حكمًا يعم الأمة، مثاله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] فهذا خطاب موجه للرسول ﷺ خاص لكنه يعمه والأمة. وهل يعمه والأمة بمقتضى أنه خطاب للأمة، لكنه خص به رئيس الأمة؛ لأن العادة أن الخطابات توجه إلى الرؤساء، أو أنه له وللأمة بمعنى أن الأمة تتأسى به فيكون من باب القياس؟ الجواب - والله أعلم - الأول؛ لأنه خوطب به الرسول ﷺ وهو زعيم الأمة، والخطابات في التوجيهات توجه إلى الزعماء. إذًا: قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ هذا لا شك أنه خطاب للرسول ﵊، لكن هل هو يختص به بمعنى أن صلاة الخوف لا تشرع على هذا الوجه إلا في حياة الرسول ﵊، وإذا كان مع الجيش؟

стр. 708

الجواب: قد قيل بذلك؛ أي: أن صلاة الخوف لا تشرع على هذا الوجه إلا في حياة الرسول ﷺ إذا كان في الجيش، لكن هذا قول ضعيف. فإذا قال قائل: كيف يكون ضعيفًا والخطاب موجه للرسول؟ قلنا: كما تقدم قريبًا إن العادة أن الخطاب موجه إلى زعيم الأمة، فإن كان الأمر هكذا وإلا فإنه بالقياس على حال الرسول ﵊. ٢ - أن الإمام مسئول عن صلاة المأموم، وتؤخذ من قوله: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ﴾ كأنه يقيمها لهم، وهذا يعني أنه يجب على الإمام أن يتبع السنة في صلاته، بينما لو كان يصلي وحده فله أن يخفف وله أن يثقل حسب ما يريد، لقول النبي ﷺ : "وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء" (١). ٣ - وجوب صلاة الجماعة على الأعيان، لقوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ وقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾؛ لأنها لو كانت فرض كفاية لاكتفي بالطائفة الأولى، فلما أمرت الطائفة الثانية بالصلاة جماعة دل هذا على أنها واجبة على الأعيان. وهذه الصفة من الصفات التي خرجت عن المألوف في الصلاة من عدة أوجه: منها: أن الركعة الثانية أطول من الأولى، والأصل أن

стр. 709

الأولى أطول من الثانية، ومنها: جواز انفراد المأمومين عن الإمام، ومنها أن يأتوا بما فاتهم قبل سلام الإمام. ٤ - عناية الله سبحانه بالمجاهدين حيث رحمهم ووزعهم إلى طائفتين، وإلا لكان المفروض أن يصلوا جميعًا، لكن من رحمته سبحانه أن شرع التوزيع. ٥ - عدم مشروعية تكرار الجماعة، وجهه: أن النبي ﷺ صلى بهم جماعة واحدة، وإلا لكان يصلي بالأولى ركعتين وبالأخرى ركعتين، ولكن يقال: إن هذه الفائدة خرمت بما ثبتت به السنة من أوجه صلاة الخوف ففي بعض أوجهها: أنه يصلي بكل طائفة ركعتين جماعة مستقلة. ٦ - وجوب أخذ الأسلحة في هذه الصلاة، وهذا مأخوذ من قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾. فإن قال قائل: لعل هذا الأمر للإباحة؛ لأنه لما كان من المتوهم أن المصلي لا يحمل شيئًا يشغله أمر بذلك، فكان هذا الأمر للإباحة، وإن شئت انتقلنا إلى أن يكون الأمر للإستحباب؛ لأن حمل ما يشغل مع أنه مكروه في غير صلاة الخوف يدل على أن حمله في صلاة الخوف مستحب. قلنا: كلا الإحتمالين يبطلان بقوله في آخر الآية ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ فإن هذا يدل على وجوب حمل السلاح، وأنه لا يرخص في ترك حمله إلا لسبب مرض أو أذى، وهذا هو القول الراجح، أنه يجب حمل السلاح في صلاة الخوف. ٧ - الرخصة في حمل النجاسة في هذه الحالة، وهذا

стр. 710

يتوقف على القول بأن الدم نجس؛ لأن الغالب أن الأسلحة ولا سيما بعد القتال لا تخلو من دماء، ولهذا قال العلماء: يجوز في هذه الحال أن يحمل الإنسان سلاحًا نجسًا؛ لأن الحاجة داعية لذلك. - يتفرع على هذا فائدة: أن من لم يجد إلا ثوبًا نجسًا فإنه يصلي فيه ولا إعادة عليه؛ لأنه لو لم تجز الصلاة فيها لوجب وضعها، وهذا هو القول الراجح، خلافًا لمن قال: من لم يجد إلا ثوبًا نجسًا فإنه يلزمه أن يصلي فيه ويعيد. وهذا قول ضعيف، والشريعة الإسلامية لا توجب العبادة على عباد الله مرتين. ٨ - أن السجود ركن من أركان الصلاة؛ لأنه عبر به عن إتمام الصلاة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولا يعبر عن الكل بالجزء إلا والجزء ركن فيه لا يمكن أن يصح بدونه. ٩ - فضيلة السجود، لقوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ حيث خصه من بين سائر الأركان، وإلا فإن قبله ركوعًا وقيامًا وبعده جلوس بين السجدتين. ١٠ - أنه لا يجب التشهد ولا السلام، لقوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ فيقال: وهذا ظاهر الآية، لكن الشريعة يكمل بعضها ببعض، وقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد" (١) فصرح عبد الله ﵁ بأنه فريضة، والنصوص يكمل بعضها بعضًا، وعلى هذا فنقول: إن قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ أي: أتموا صلاتهم بالسجود.

стр. 711

١١ - توجيه المصلين صلاة الخوف إلى أن يكونوا من وراء المصلين ليحموا ظهورهم، لقوله: ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾. فإن قال قائل: لماذا لا يكونون من أمامهم ووجوههم نحو العدو؟ قلنا: هذا غلط؛ لأنهم إذا كانوا أمام المصلين فإنهم يشوشون على المصلين، ولا سيما وأن وجوههم ستكون مواجهة لوجوه المصلين، وأيضًا فإن وجوه المصلين لا حاجة إلى أن يكون هؤلاء في جهتها؛ لأنهم يرونهم، لكن هم محتاجون إلى أن يكونوا من ورائهم حتى لا يبغتهم أحد حال السجود أو في حال القيام أيضًا. ١٢ - أن ظاهرها أن الآخرين يصلون جماعة، يعني: الذين أرادوا أن يتموا الصلاة يصلون جماعة، لقوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾، يعني: إذا تخلفوا عن الإمام والإمام قد قام الآن إلى الثانية فإنهم يتمون جماعة. فيقال: نعم، هذا ظاهر الآية لكنه ليس صريحًا، ولهذا فإن الظاهر: أنهم يتمون فرادى، كل يتم لنفسه، ثم يذهبون جميعًا إلى الميدان. ١٣ - أن المشروع للإمام في صلاة الخوف إطالة الركعة الثانية، يؤخذ من فعله ﷺ ؛ لأنه إذا كانت الطائفة الأولى سوف تنهي صلاتها ثم تذهب، ثم تأتي الثانية ثم تدخل مع الإمام وينتظرها حتى تقرأ الفاتحة، فسيكون الوقوف طويلًا، وهو كذلك. ١٤ - جواز انفراد الإنسان عن الإمام لعذر، وجهه: أن الطائفة الأولى انفردت وأتمت صلاتها، فإذا حصل للإنسان عذر

стр. 712

لا يستطيع معه إتمام صلاته، مثل أن يطرأ عليه حقن أو ما أشبه ذلك فله أن ينفرد ويكمل صلاته - إن كان يستفيد من هذا الإنفراد - بحيث لا تكون صلاته مع الإمام أفضل من صلاته إذا انفرد. ١٥ - مشروعية صلاة الخوف على هذا الوجه. ١٦ - جواز إقامة جماعتين في مكان واحد للحاجة، ومثال الحاجة: أن يكون المسجد ضيقًا كالمساجد التي تكون في السوق المزدحم بالباعة والمشترين، فلا يسعهم أن يصلوا ولا يتمكنون من المتابعة في السوق، فنقول: لا بأس أن تصلى جماعة أولى، ثم تأتي جماعة أخرى. ١٧ - أن الإنسان يجب أن يكون حذرًا كل ما دعت الحاجة إلى الحذر، وجهه: أن الله قال في الطائفة الثانية: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾ والطائفة الأولى لم يقل ذلك. والفرق بين هذا وهذا فرقان: الفرق الأول: أن الطائفة الأولى تشاغلت بالصلاة في وقت لا يمكن أن يستعد العدو لمهاجمتهم. والفرق الثاني: أن الطائفة الثانية دخلت في الصلاة في حالٍ عرف العدو أنهم مشتغلون في صلاتهم، فرأى الفرصة في الكر عليهم. ١٨ - أن الطائفة الثانية أدركت جميع الصلاة، بخلاف الطائفة الأولى؛ لأنه الله قال: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ وقال الله في الأولى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾. ويتفرع على هذه الفائدة عدل الشريعة الإسلامية، ووجهه: أن الطائفة الأولى لما أدركت فضل تكبيرة الإحرام مع الإمام عوضت الثانية بكونها

стр. 713

أدركت الصلاة مع الإمام، وهذا لا شك أنه من عدل الشريعة. ١٩ - أن أعداء المسلمين يتربصون بهم الدوائر ويتحينون الفرص، وتؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾، ويمكن أن يؤخذ من هذا أن أعداء الإسلام يستغفلون أهل العلم الذين يبينون للناس فضائل الإسلام وقبائح الكفر؛ لأنهم إذا كانوا يستغفلون هؤلاء في حال القتال فكذلك أيضًا في حال السلم يستغفلونهم من أجل ألا يردوا عليهم، ولا يبينوا معايبهم. ٢٠ - أن أعداء المسلمين يحبون الإجهاز على المسلمين بسرعة، وتؤخذ من قوله: ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ فسياسة الكفار واحدة من أول الأمر إلى آخره، يريدون القضاء على المسلمين بسرعة، مرة واحدة؛ لأن التباطؤ يؤدي إلى فوات الفرصة عندهم، فيقولون: لا نفوت الفرصة. ٢١ - ويؤخذ من الآية الكريمة أن الكفار يحرصون على عدم تسلح المسلمين، وهذا صحيح، فالكفار يودون أن نغفل عن أسلحتنا فكيف يعطوننا؟ ! وتدل على شدة حنق الكفار بالنسبة للإغارة علينا، فإن قوله: ﴿مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ تدل على الحنق وشدة الغيظ، وأنهم مقبلون بقوة. ٢١ - نفي الإثم عمن وضع السلاح إذا حصل له أذًى بحمله، لقوله: ﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾. ٢٢ - وجوب حمل الأسلحة، ووجهه قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا

стр. 714

أَسْلِحَتَكُمْ﴾، فنفى الجناح عند التأذي، فدل ذلك على أن حمله إن لم يكن تأذٍ واجب. ٢٣ - وجوب أخذ الحذر من الكفار، ويؤخذ من قوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، ويشمل هذا أخذ الحذر من هؤلاء الكفار اليوم دخولًا في اللفظ. ٢٤ - تهديد الكفار بما أعد الله لهم. * * * * قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣]. ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ﴾ القضاء يراد به الإتمام في اللغة العربية؛ أي: فإذا أتممتم، وقد ورد القضاء بمعنى الإتمام في عدة مواضع من القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] أي: أتمهن، فالمعنى: إذا أتممتم الصلاة وأنهيتموها. و"إذا" أداة شرط، وفعل الشرط قوله: ﴿قَضَيْتُمُ﴾ وجواب الشرط قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ وقرن بالفاء لأنه طلب، والجملة الطلبية إذا وقعت جوابًا للشرط وجب اقترانها بالفاء. قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾. وقوله: ﴿قِيَامًا﴾ حال من الفاعل في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا﴾ يعني: حال كونكم قيامًا. وقوله: ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا﴾، الواو هل هي بمعنى "أو" يعني بمعنى: قيامًا أو قعودًا، أو هي لمطلق الجمع؛ أي: اذكروا الله في حال قيامكم وفي حال قعودكم؟

стр. 715

الجواب: الثاني أحسن. وقوله: ﴿وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ معطوفة على الحال ﴿قِيَامًا﴾، وعلى هذا فيكون الجار والمجرور في موضع نصب على الحال. وقوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ يقال في جملة: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ما قيل في قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ موضع الجملة مما قبلها أنها تعليل، وقوله: ﴿كِتَابًا﴾ خبر كان، وقوله: ﴿مَوْقُوتًا﴾ خبر ثانٍ، ولا يصح أن تكون صفة. يقول : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ أي: فرغتم منها، و"أل" في قوله: ﴿الصَّلَاةَ﴾ للعهد وليست للجنس، وإنما قلنا ذلك لأنه لا يشرع الذكر دبر كل صلاة، إنما يكون دبر الصلوات المكتوبة. وعلى هذا فـ "أل" للعهد الذهني، وإن شئت فقل الذكري؛ لأن الله قال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]. وقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا﴾ أمر الله تعالى بذكره، وهذا أمر مجمل لم يبين كيف يذكر، ولا بماذا يذكر، ولكن السنة بينت ذلك فهو؛ كقوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فلم يبين والسنة بينت ذلك. وقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ المراد: اذكروه باللسان وبالقلب، وهذا هو المطلوب، لكن من ذكر بلسانه حصل المقصود إلا أنه ناقص؛ لأن الذكر ذكر القلب، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف: ٢٨]. وقوله: ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ بيان للحال التي يذكر

стр. 716

الإنسان فيها ربه بعد الصلاة، وأنه على أي حال كان فليذكر الله. وقوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ فعل من الطمأنينة، والطمأنينة هي: زوال القلق، والمراد بالطمأنينة هنا زوال الخوف والعدو. وقوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: أدوها تامة كما تؤدونها قبل الخوف. وقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ يعني: أن من جملة إقامة الصلاة أن تؤدى في وقتها، بدليل الجملة التعليلية بعد ذلك، وهي قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. من فوائد الآية الكريمة: ١ - الأمر بذكر الله بعد انتهاء الصلاة، لقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾. فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وبين آية الجمعة، حيث قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة: ١٠]؟ قلنا: الجواب: هو أن لكل مقام مقالًا، ففي سورة الجمعة منعهم الله من البيع بعد نداء الجمعة حتى يصلوا، فكأن الناس محبوسون عن البيع والشراء مدة الصلاة، فكان من أهم ما يكون عندهم أن يطلق حبسهم، ولهذا قال: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، والأمر في قوله: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ليس للوجوب ولا للإستحباب، ولكنه للإباحة كما سيأتي إن شاء الله تعالى، أما هنا فليس هناك أمر بالحضور إلى الصلاة وترك البيع والشراء، فلهذا بدأ بالذكر.

стр. 717

٢ - أنه لا يشرع الدعاء بعد التسليم، ويؤخذ من قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا﴾ ولم يقل فادعوا الله. فإن قال قائل: أليس من المشروع أن الإنسان إذا سلم استغفر ثلاثًا؟ قلنا: بلى لكن هذا الإستغفار استغفار لمحو ما عسى أن يكون في الصلاة من تفريط أو إخلال، فهو في الحقيقة تابع لها، ولهذا كان من الأفضل أن يبادر به الإنسان قبل الذكر حتى يزيل ما في الصلاة من إخلال وتقصير. ٣ - أن الذكر بعد الصلاة لا يشترط فيه أن يجلس الإنسان حتى ينهيه، بل له أن يذكر ولو كان قد انصرف، لقوله: ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ أي: على أي حال. ٤ - أن الذكر لا ينقص إذا قعد الإنسان من قيام، أو قام من قعود أو اضطجع، وهذا هو الأصل أنه لا ينقص بكون الإنسان قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، اللهم إلا أن يترتب على ذلك أنه إذا كان قائمًا فهو أنشط له، لكن الغالب أن القاعد أخشع؛ لأن القائم لا يقوم ليقف، وإنما ليمشي. ٥ - أن الواجب إذا زال الخوف أن تعاد إقامة الصلاة على ما كانت عليه حين الأمن، لقوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. ٦ - أن الصلاة فرض، لقوله: ﴿كِتَابًا﴾ لأن كتابًا بمعنى: فرضًا. ٧ - في قوله: ﴿كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ظاهره أن غير المؤمنين لا تجب عليهم الصلاة، بمعنى أنهم لا يطالبون بها، بل

стр. 718

يقال: أسلموا ثم صلوا، ولهذا لو صلى إنسان وهو باقٍ على كفره لم تقبل منه. فإن قال قائل: هل في هذه الآية دليل على من قال: إن الكفار لا يخاطبون بفروع الإسلام؟ نقول: نعم، استدلوا بها، لكن استدلالهم لا يتعين، لقوله تعالى في سورة المدثر: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)﴾ يعني: أي شيء أدخلكم النار؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ [المدثر: ٤٠ - ٤٣]، فدل هذا على أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام وهذا هو الحق، لكنهم لا يلزمون بها على كفرهم بل يقال: أسلموا ثم صلوا. ٨ - أن الصلاة موقتة، لقوله: ﴿مَوْقُوتًا﴾ وهذا مما يوجب أن يجتمع الناس عليها؛ لأنها لو كانت غير موقتة لاختلف الناس، فهذا يصلي في الصباح، وهذا في الظهر، وهذا في العصر، ويصلون سبع عشرة ركعة في أي وقت شاءوا، لكن من أجل أن يكون الناس متحدين في وقت واحد حددت الأوقات، وهذه الآية مطلقة لم يبين فيها الوقت، لكن بينته السنة تفصيلًا، وبينه القرآن بنوع من الإجمال في موضع آخر مثل قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، فإن هذه الآية انتظمت أوقات الصلوات الخمس، ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ قال بعض النحويين: إن اللام في قوله: ﴿لِدُلُوكِ﴾ بمعنى: "من"، بدليل الغاية، فيكون معنى الآية: من دلوك الشمس إلى غسق الليل، ودلوك الشمس هو زوالها، وغسق الليل شدة ظلامه، وأشد ما يكون الليل ظلامًا في منتصف

стр. 719

الليل؛ لأن منتصف الليل أبعد ما تكون الشمس عن الأرض. إذًا الآية الكريمة حددت الوقت من زوال الشمس إلى غسق الليل، لكن الله جعله وقتًا واحدًا؛ لأن هذه الأوقات الأربعة كلها متوالية، يدخل وقت العصر بخروج وقت الظهر، ووقت المغرب بخروج وقت العصر، ووقت العشاء بخروج وقت المغرب إلى منتصف الليل، ومن منتصف الليل إلى طلوع الفجر ليس وقتًا، ولذلك لو أن المرأة طهرت بعد نصف الليل لم يلزمها صلاة العشاء، ولا صلاة المغرب من باب أولى. لكن السنة فصلت أيضًا تفصيلًا زائدًا على هذا، فوقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال، والعصر إلى اصفرار الشمس، والضرورة إلى الغروب، والمغرب إلى مغيب الشفق الأحمر، والعشاء إلى نصف الليل، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ (١). ٩ - الإشارة إلى أن الوقت مقدم على جميع الشروط، وجهه: أن الله تعالى لما ذكر صلاة الخوف ثم صلاة الأمن بين أن هذا من أجل مراعاة الوقت، والأمر كذلك؛ أي: أن الوقت مقدم على جميع الشروط، ولهذا إذا لم تجد ماءً فتيمم، حتى تصلي في الوقت، وإذا لم تجد ماءً ولا ترابًا صل على حسب حالك، وإذا لم تجد ثوبًا تستر به العورة صل على حسب حالك، ولا تنتظر حتى تحصل على ثوب؛ لأن الوقت مقدم على كل شيء. ١٠ - أن الإنسان لو قدم الصلاة كلها أو جزءًا منها ولو

стр. 720

يسيرًا على الوقت فإنها لا تصح؛ ولهذا لو كبر تكبيرة الإحرام فقط لصلاة المغرب قبل مغيب الشمس بمقدار التكبيرة فإنها لا تصح، وإن أخر الصلاة عن وقتها فإن كان لعذر صحت، ودليل هذا قوله ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (١)، وإن كان لغير عذر فقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فجمهورهم على أنه يلزمه أن يصلي، وقال شيخ الإسلام ﵀: لا يلزمه أن يصلي، بل ولا تصح الصلاة منه، وما ذهب إليه الشيخ هو الصواب، ولكننا نقول له: لا تصل لا تخفيفًا عليه، ولكن عقوبة له؛ لأنها غير مقبولة منه، إذ لو قبلت الصلاة بعد وقتها ممن أخرها عن وقتها عمدًا لم يكن للتهديد فائدة، وقد قال النبي ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢). وعليه: فإذا جاءنا رجلان بعد طلوع الشمس؛ أحدهما ترك صلاة الفجر عمدًا، والثاني تركها نومًا لعدم من يوقظه، فيسألان: أنصلي صلاة الفجر بعد طلوع الشمس أو لا؟ فنقول: أما من غلبه النوم فيصلي، وأما الثاني فلا يصلي، فإن قيل: وكيف تسهلون على المتعمد وتؤاخذون النائم؟ ! فنقول: لم نتساهل معه، ولم

стр. 721

نيسر له، بل هذا عقوبة له أن الله لا يقبل منه ولو صلى ألف مرة؛ لأنه متعد لحدود الله. * * * * قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾ [النساء: ١٠٤]. قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ لما ذكر تعالى صلاة الخوف وما يترتب عليها، ووجوب أخذ الحذر من أعدائنا، وأن أعداءنا عداوتهم بينة، وذكر ما يتعلق بذلك في قولهم: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] قال: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾. وقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ أي: لا تضعفوا، و"لا" ناهية، وحذفت النون من أجل النهي. وقوله: ﴿فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي: في طلب القوم، والقوم هم أعداء المسلمين. ثم بيّن سبحانه أنه لا وجه للوهن والضعف في ترك طلبهم فقال: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾، يعني: هم يطلبونكم، ويريدون إيلامكم، وإذا تألمتم منهم فإنهم هم أيضًا يتألمون منكم كما تتألمون منهم، وهذا فيه التسلية للمجاهدين المقاتلين، ولكن الفرق بيننا وبينهم فرق كبير، أبعد مما بين السماء والأرض. قوله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ أنتم ترجون من الله النصر الذي وعدتم به إذا اتقيتم الله ، وترجون ثواب الآخرة، وهم لا يرجون ثواب الآخرة قطعًا، والنصر قد

стр. 722

يرجونه وقد لا يرجونه، وإذا رجوه فإنما يريدون الإنتصار عصبية لأوطانهم وقومهم، فصار الفرق عظيمًا بين هؤلاء وهؤلاء، ولهذا لما نادى أبو سفيان يوم أُحد فقال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال. أجابه الصحابة، فقالوا: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فإذا كنا نساويهم في ألم الجراح، وألم القتال، وألم فقد المال وغير ذلك، إذا كنا نساويهم في هذا فإننا نمتاز عنهم بأننا نرجو من الله ما لا يرجون، فكيف يكونون هم أقوياء في طلبنا ونحن ضعفاء، فهذا لا يليق. وقوله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ أي: تطمعون فيما عند الله من الثواب والنصر وهم لا يطمعون في ذلك؛ لأن قلوبهم خالية من الله . وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مثل هذا يقع في القرآن كثيرًا، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، ﴿كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١]، فهو كان ولا يزال، ولهذا نقول: إن "كان" هنا مسلوبة الزمان، يعني: لا تدل على المضي، وإنما تدل على تحقق الأمر ووقوعه، لا على أنه كان فزال. وقوله: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ لا يخفى علينا جميعًا أن علم الله سبحانه واسع، يشمل الماضي فلا ينسى، والمستقبل فلا يجهل، ويشمل الخفي والجلي، ويشمل ما في حقه وحق عباده، فهو يعلم سبحانه ماذا يجد علينا غدًا، وماذا سنعمل، ويعلم ما سيفعله سبحانه هو بنفسه غدًا وما لا يفعله، فعلم الله واسع، ثم إن علم الله متعلق بالواجب والجائز والمستحب، ولذلك تعتبر هذه

стр. 723

الصفة - أعني: صفة العلم - من أوسع الصفات؛ لأنها متعلقة بالواجب والجائز، والممكن والمستحيل. أما تعلق العلم بالواجب: فكعلمه جل وعلا بذاته وأسمائه وصفاته. وأما تعلقه بالممكن: فهو تعلقه بما يحدث في هذا الكون؛ لأن كل الكون من باب الجائز الممكن. وأما تعلقه بالمستحيل: فمثل قوله ﵎: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فهنا حكم جل وعلا أنه لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله لفسدتا، ووجود ذلك مستحيل، ومع هذا علم الله بنتائجه مع أنه مستحيل. فالحاصل: أن علم الله صفة من أوسع الصفات. والعلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، ولا نحتاج أن نقول: مطابقًا؛ لأننا قلنا: إدراك الشيء على ما هو عليه، فيغني عن كلمة مطابقًا، هذا هو العلم، فعدم الإدراك بالكلية جهل، وإدراك الشيء على خلاف ما هو عليه جهل أيضًا، لكنه جهل مركب، وإدراك الشيء بلا جزم بل بظن أو شك أو وهم لا يكون علمًا، فما غلب على الظن فهو ظن، ومقابله الوهم، وما تردد الأمر فيه فهو شك. وقوله: ﴿حَكِيمًا﴾ يصلح أن تكون صفة مشبهة من الحكمة، وأن تكون اسم فاعل حُول إلى فعيل من الحكم، فهي من باب المشترك، والقاعدة في التفسير: أنه متى احتمل اللفظ معنيين لا يتنافيان فإنه يحمل عليهما جميعًا، فعليه نقول: الحكيم من الحكمة ومن الحكم.

стр. 724

ثم نقول: حكم الله ينقسم إلى قسمين: حكم كوني: وهو ما قضاه كونًا. وحكم شرعي: وهو ما قضاه شرعًا. والحكمة تنقسم أيضًا إلى قسمين: حكمة في كون الشيء على صورته التي خُلق عليها، أو على صورته التي شرع والحكمة الثانية: حكمة غائية، بمعنى: أن الغاية من هذا الشيء حكمة، وحينئذ تبلغ أربعًا: حكمة في الصورة والغاية في الحكم الشرعي، وحكمة في الصورة والغاية في الحكم الكوني، فالجميع أربعة. مثلًا: في سورة الممتحنة ذكر الله سبحانه أحكامًا ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، وهذا حكم شرعي، وفي سورة يوسف قال أحد إخوته: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ وهذا حكم كوني. وأما مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة: ٥٠]، وقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨] وما أشبه ذلك فالظاهر أنه شامل للحكم الكوني والشرعي. أما الحكمة فإن الإنسان إذا تأمل المخلوقات بعناية وعقل وفهم تبين له أنه لا يوجد فيها شيء إلا لحكمة، حتى المصائب من الأمراض والهلاك والفتن كلها حكمة، لكن تحتاج إلى تدبر وتعمق ونظر، وليس نظرًا إلى الأمور على وجه سطحي، وتجد أن الله قدر هذا الشيء لحكم عظيمة، ولا أدل على هذا من قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، وقال الله ﵎: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ

стр. 725

وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢]، والأدلة على هذا كثيرة، مع أنها مصائب لكن لها حكم، وكم من إنسان نشاهده في وقتنا الحاضر تحصل عليه مصيبة إما في نفسه وإما في أهله، ويكون فاسقًا ثم يعود، وأنا أعرف بعض من كان فاسقًا ثم حصل حادث مات فيه أخوه أو أبوه فاهتدى، وأمثال هذا كثير. وكذلك في الأمور الشرعية لا ترى شيئًا شرعه الشرع إيجادًا أو إعدامًا إلا والحكمة في ذلك، يقول بعض أهل العلم: إن الله لم يأمر بشيء فيقول العقل: ليته لم يأمر به، ولم ينه عن شيء فيقول العقل: ليته لم ينه عنه. وقد ألف شيخ الإسلام ﵀ كتابًا في عدة مجلدات سماه: "موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول"، صريح المعقول يعني: العقل الصريح السالم من الشبهات والشهوات، للنقل الصحيح: الكتاب وما صح عن النبي ﷺ ، أما الأحاديث الضعيفة فقد يأتي فيها ما يخالف العقل، فإذًا: الحكمة في حكم الله الشرعي وفي حكم الله الكوني. وكل منهما إما أن تكون حكمة في الصورة التي هو عليها، أو في الغاية التي من أجلها حكم الله بها. من فوائد الآية الكريمة: ١ - تشجيع المسلمين على جهاد الكفار، لقوله: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾. ٢ - أنه ينبغي القوة والمتابعة في طلب الكفار، وألا يلحقنا الوهن، لقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾؛ أي: لا يلحقكم الوهن في طلبهم.

стр. 726

٣ - أن بني آدم في الأمور البشرية على حد سواء، فإذا كان الكافر يتألم فالمؤمن يتألم، حتى الأنبياء في الأمور البشرية كغيرهم من الناس، لكنهم يختلفون عنهم في الصفات المعنوية؛ كالصبر، والتحمل، والإقدام، والعزيمة وغير ذلك. ٤ - أنه ينبغي للإنسان إذا عمل العمل الصالح أن يكون راجيًا، لقوله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ ويكون هذا الرجاء عند ابتغاء القوم وطلبهم، وهكذا ينبغي للإنسان إذا وفقه الله للعبادة أن يكون راجيًا؛ أي: راجيًا ثوابها؛ لأن من بشرى الإنسان أن يوفق للعبادة، فمن وفق للعبادة على ما يرضي الله فهي بشرى بالقبول، كما أن من وفق للدعاء فهو بشرى بالإجابة، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ولهذا قال: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ وهذا ربما يكون الفيصل في مسألة تغليب الرجاء على الخوف، فإن السالكين اختلفوا هل الأفضل للسالك إلى الله أن يقدم الرجاء أو أن يقدم الخوف أو أن يكونا سواءً؟ فمنهم من أطلق أن الأفضل أن يكونا سواءً كالإمام أحمد ﵀، كما جاء عنه أنه قال: الخوف والرجاء بمنزلة جناحي الطائر، إن انخفض أحدهما تعلَّى الآخر، فلا بد أن يكونا سواءً، وقال: ينبغي على العبد أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا فأيهما غلب هلك صاحبه. ومن العلماء من قال: يقدم الرجاء، لقول الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن بي خيرًا فله،

стр. 727

وإن ظن بي شرًا فله" (١). ومنهم من قال: يغلب جانب الخوف، حتى يكون مبتعدًا عن محارم الله؛ لأن الذي يحملك على ترك المحارم هو الخوف من عقوباتها وآثارها السيئة. والذي يظهر لي أن يقال: إذا فعل الحسنة فالأولى أن يغلب جانب الرجاء، وإذا همَّ بالسيئة فالأولى أن يغلب جانب الخوف، وهذا أحسن ما يكون. أما عند الموت فينبغي للإنسان أن يغلب جانب الرجاء؛ لأنه في هذه الحال يجب أن يكون عنده توبة ورجوع إلى الله ؛ لأنه أحوج ما يكون إلى التوبة في ذلك الوقت. ٥ - أن الكافرين لهم رجاء، ولكنه ليس كرجاء المؤمنين، ربما يؤخذ هذا من قوله: ﴿مَا لَا يَرْجُونَ﴾، والكافر قد يكون عنده توكل، ورجوع إلى الله، وافتقار إليه، ولا سيما إذا وقع في الشدة، قال الله : ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فإذا لجأوا إلى الله وصدق لجوؤهم أنقذهم الله . وهنا أيضًا ربما يكون عندهم حال قتال المؤمنين رجاء،

стр. 728

يرجون الله أن يغلبوا المسلمين، لا سيما إذا كانوا يعتقدون أنهم على حق، فعندهم رجاء، وقد يقال: إن قوله: ﴿مَا لَا يَرْجُونَ﴾ ليس إثباتًا لأصل الرجاء مع الإختلاف في صفته، بل هو نفي للرجاء إطلاقًا، وهذا واقع في قوم ملحدين لا يؤمنون برب كالشيوعيين مثلًا، فإن هؤلاء لا يرجون الله إطلاقًا؛ لأنهم لا يعترفون به، فالآية صالحة لهذا ولهذا. ٦ - في الآية إشارة إلى أنه لا يشهد للشهيد بأنه في الجنة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾، والرجاء قد يتحقق وقد لا يتحقق، ولهذا نهي أن نقول عن شخص معين بأنه شهيد إلا من شهد له الرسول ﵊، فمن شهد له الرسول بالشهادة شهدنا له، وكذلك من شهد له القرآن كما في غزوة أُحد حيث قال الله : ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. وفي حديث أُحد لما صعد النبي ﷺ الجبل ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ﵃، فارتجف بهم فقال: "اثبت أُحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" (١) يعني: أن أصناف الخلق الأربعة وجد منهم على هذا الجبل ثلاثة: نبي وصديق وشهيد، وعلى هذا فنحن نشهد أن عمر ﵁ شهيد، وأن عثمان ﵁ شهيد، ونشهد أن ثابت بن قيس ﵁ شهيد؛ لأن الرسول ﷺ قال له: "تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا،

стр. 729

وتدخل الجنة" (١)، وذلك في قصته المعروفة لما نزل قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢] وكان هو ﵁ جهوري الصوت، ولهذا كان خطيبًا وشاعرًا للرسول ﵊، فجمع بين الخطابة والشعر، فاختفى في بيته يبكي، إذ خاف أن يحبط الله عمله وهو لا يشعر ﵁، لكن من يخاف من العقاب أمنه الله منه، ففقده النبي ﵊ فسأل عنه، فقيل له: إنه يلازم بيته، فأرسل إليه، فلما جاءه قال: إن الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢] وإني يا رسول الله! أخاف أن يحبط عملي وأنا لا أشعر، فقال له: "ألا ترضى أن تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنة" (٢) فعاش حميدًا، وقتل شهيدًا، ونشهد أنه سيدخل الجنة ﵁. وجاء في قتله قصة غريبة، فلما قتل ﵁ مر به أحد الجنود فأخذ درعه الذي كان عليه، وكان في طرف الجيش، فوضعه تحت برمة - وهي قدر من الفخار يكون كالحجر، فوضع الدرع تحتها - فرأى أحد أصحاب ثابت ثابتًا في المنام، وقال له:

стр. 730

إن فلانًا أو رجلًا - نسيت هل هو عين الرجل أو أنه قال: رجلًا - مر بي وأخذ الدرع ووضعه تحت برمة في طرف الجيش، وعنده فرس يستن - والفرس إذا كان واقفًا على ثلاث قوائم يقال: إنه يستن -، وأخبر خالدًا بأني أوصي بكذا وكذا فليبلغ ذلك أبا بكر ﵃. فلما أصبح الرجل جاء إلى خالد بن الوليد ﵁ وأخبره بالخبر، فذهبوا إلى الجهة التي أخبر بها وإذا بالدرع تحت البرمة، وعنده فرس يستن، فأخذه، وبلغت وصيته أبا بكر ﵁ فأنفذها (١). قال العلماء: ولا يوجد أحد نفذت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس. فالحاصل: أننا لا نشهد لأحد بالشهادة إلا إن شهد له الرسول ﵊، وثبت عن النبي ﵊ أن الحريق شهيد، وأن الغريق شهيد، وأن المطعون شهيد، وأن من مات بهدم شهيد (٢)، فهل إذا مات أحد بهذه الأسباب نقول: هو شهيد بعينه؟ الجواب: لا، لكن نرجو أن يكون شهيدًا، وذلك لأن المظهر قد يكون على خلاف المخبر، لكن نقول: نرجو أن يكون من الشهداء، والحمد لله شهاداتنا لا يتوقف عليها كونه شهيدًا إن كان من الشهداء، وعدم شهادتنا لا يمنع أن يكون شهيدًا إن كان من الشهداء، لكن يكفينا أن نرجو أن يكون من الشهداء.

стр. 731

٧ - إثبات اسمين من أسماء الله هما: العليم، والحكيم، يؤخذ من قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، وإثبات ما تضمناه من الصفة وهي: العلم من العليم، والحكمة من الحكيم، والحكم من الحكيم أيضًا؛ لأن الحكيم ذو الحكمة والحكم، فيكون فيها ثلاث صفات: العلم، والحكمة، والحكم. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ لا يدل على أنه كان فمضى؛ لأن ﴿كَانَ﴾ هنا مسلوبة الزمان، وإنما أتي بها لتحقيق هذين الإسمين وما تضمناه من صفة. ٨ - إثبات كمال الله في حكمته تعالى، حيث قرن بين العلم والحكمة إشارة إلى أن حكمته صادرة عن علم، وليست عن صدفة؛ لأن الإنسان قد يفعل الفعل ويكون محكمًا متقنًا لكن على غير علم بل صدفة، كما يقال: "رب رمية من غير رامٍ" لكن حكمة الله مقرونة بالعلم مبنية عليه. ٩ - أنه يجب علينا التفويض التام فيما لا نعلم حكمته من أحكام الله الكونية أو الشرعية، وجه ذلك: أنه عليم، فعنده من العلم ما يخفى علينا فيخفى به وجه الحكمة بالنسبة إلينا؛ لأن حكمة الله صادرة عن علم. ولن نتكلم كلامًا واسعًا عن صفة العلم وصفة الحكمة؛ لأن هذا تكرر كثيرًا فيما تقدم. * * * * قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥]. قوله: ﴿إِنَّا﴾ الضمير يعود على الرب ، ولم يقل: "إني" تعظيمًا لشأنه جل وعلا، وتعظيمًا للمتحدث عنه وهو إنزال

стр. 732

الكتاب، فالتعظيم هنا لعظمة المنزِل ولعظمة المنزَل، وكذلك قوله: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ "نا" هنا للتعظيم. وقوله: ﴿إِلَيْكَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ مباشرة، وللناس بواسطة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]، فهو منزل إلى الرسول مباشرة، وإلينا بواسطة الرسول ﵊. وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ هو القرآن، وسمي بذلك لوجوه ثلاثة: الوجه الأول: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ. والثاني: أنه مكتوب بأيدي الملائكة البررة، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١٢ - ١٦]. والوجه الثالث: أنه مكتوب بأيدي البشر، يكتبه الناس وقد سهل الله لهم ذلك، فهو يكتب من عهد الرسول ﷺ وإلى يومنا هذا. وأصل الكَتْب مأخوذ من الجمع، لاجتماع الكلمات والحروف، ومنه الكتيبة للطائفة المجتمعة في قتال الأعداء، وكتاب هنا بمعنى مكتوب، فهو فعال بمعنى مفعول. ﴿بِالْحَقِّ﴾ الباء هنا إما أن تكون للمصاحبة، وإما أن تكون للتعدية، وكلاهما صحيح، فهو نازل بحق ليس مكذوبًا، بل نزل من عند الله حقًا، وهذا لإثبات نزوله من عند الله. كذلك هو نازل بالحق؛ لأن كل ما نزل به القرآن فهو حق، إن كان خبرًا فهو صدق، وإن كان حكمًا فهو عدل، فالحق وصف للقرآن في حد ذاته، وأنه صدق ومن عند الله، وفيما جاء به فأخباره كلها صدق، وأحكامه كلها عدل.

стр. 733

ثم مع ذلك من تدبر القرآن جاعلًا إياه دليلًا على الحق فإنه لا بد أن يهتدي للحق، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]، وتيسيره شامل لتيسير لفظه ومعناه، والعمل به، لكن يحتاج إلى تذكر. إذًا: قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ له معنيان، المعنى الأول: أن نزوله من عند الله حقًا، والمعنى الثاني: أن ما جاء به القرآن فهو حق. قوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ الخطاب للرسول ﵊ وقوله: ﴿لِتَحْكُمَ﴾ يحكم بالقرآن، فالرسول ﷺ يستدل بالقرآن، كما أننا نحن نستدل بالقرآن. وقوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ المقصود تحكم بينهم في فصل الخصومات، وفي بيان أحكام أعمالهم، فيشمل هذا وهذا، فهو يحكم فيفصل بين الخصوم ﵊ بما أراه الله، وكذلك يحكم بين الناس في أحكام أعمالهم، فيقول: هذا حق، وهذا باطل، وهذا واجب، وهذا محرم، وما أشبه ذلك. وقوله: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ متعلق بتحكم أي: تحكم بالذي أراك الله، وقوله: ﴿أَرَاكَ اللَّهُ﴾ الظاهر أنه من الرأي ومن الرؤية، فيشمل هذا وهذا، فيشمل ما استنبطه النبي ﵊ من القرآن، وإن لم تكن دلالته صريحة باللفظ وهذا من الرأي، أو مما أراه الله بما يتبين له من ألفاظ القرآن، ويحتمل أن تكون الإراءة هنا بمعنى العلم؛ أي: بما أعلمك؛ فتشمل المعنيين. وقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ لما ذكر أن الله أنزل عليه الكتاب بالحق، نهاه أن يكون خصيمًا للخائنين؛ أي: لذوي

стр. 734

الخيانة، والخيانة هي: الغدر في موضع الأمانة، وهي صفة ذم بكل حال، بخلاف المكر والخديعة فإنها تكون أحيانًا مذمومة، وأحيانًا محمودة، فإذا كانت في موضع يحسن فيه المكر والخداع فهي محمودة، وإذا كانت بموضع لا يحسن فيه الخداع والمكر فهي مذمومة، أما الخيانة فلكونها غدرًا في موضع الإئتمان فهي مذمومة بكل حال. ولذلك يوصف الله بالمكر والخداع ولا يوصف بالخيانة، كما في قول الله : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] وقوله: ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال: ٧١] ولم يقل: فخانهم، وكان مقتضى المقابلة أن يقول: فخانهم، كما قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ لكن الخيانة لما كانت صفة ذم بكل حال صار الله تعالى منزهًا عنها. وقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ أي: مخاصمًا، وهل يكون عليهم خصيمًا؟ الجواب: نعم، يعني: ضدهم. من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان عظمة الرب، لقوله: ﴿إِنَّا﴾، وقوله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾. فإن قيل: هل تعظيم المتكلم نفسه صفة مدح أو صفة ذم؟ نقول: أما بالنسبة لله فهي صفة مدح بلا شك؛ لأنه جل وعلا هو المتكبر المتعال، المستحق للحمد والمدح، أما من الإنسان فهذا فيه تفصيل: فقد يكون من المستحسن أن تعبر عن نفسك بصيغة التعظيم إذا كان في ذلك إهانة للأعداء، وبيان لمنزلتك، فإن التعظيم في هذا المكان أمر ممدوح، قال النبي ﷺ في مشية الخيلاء: "إنها مشية يبغضها الله إلا في هذا

стр. 735

الموضع" (١)، ولما كانت رسل قريش تأتي إلى الرسول ﵊ في صلح الحديبية كان المغيرة بن شعبة ﵁ واقفًا على رأسه ومعه السيف، وهذا تعظيم ينهى عنه، والرسول ﷺ كان يأمر المصلين خلف من كان قاعدًا أن يصلوا قعودًا، لكن في هذا القيام لإغاظة الأعداء كان ممدوحًا. كما أنه ﵊ في تلك الحال كان إذا بصق البصاق يتلقاه الصحابة ﵃ بأيديهم يمسحون به وجوههم وصدورهم، ولم يكونوا يفعلون هذا في كل حال، لكن إغاظة للكفار، وكانوا يقتتلون على وضوئه، وقد أثَّر هذا في رسول قريش لما رجع إلى قريش؛ فإنه قال: لقد دخلت على ملوك كسرى وقيصر والنجاشي فلم أر أحدًا يعظمه أصحابه مثل ما يعظم أصحاب محمد محمدًا ﵊ (٢)، وأمثالها كثير. المهم: أن من التواضع أن يذكر الإنسان نفسه بصيغة المفرد، لكن في مقام ينبغي فيه أن يكون معظمًا لنفسه، معتدًا بشخصه، فإنه ينبغي أن يذكر اللفظ الدال على التعظيم. ٢ - علو الله لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾، والنزول لا يكون إلا من علو، والقرآن كلام الله، فإذا كان القرآن نازلًا لزم أن يكون المتكلم به عاليًا. ٣ - أن القرآن كلام الله غير مخلوق، لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾.

стр. 736

فإذا قال قائل: هذا الإستدلال ممنوع؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقال: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وكل هذه مخلوقة فلا يلزم من إنزال الله شيئًا أن يكون غير مخلوق؟ فالجواب: أن يقال: هذه أعيان قائمة بنفسها منفصلة عن منزلها، أما القرآن فهو كلام والكلام ليس عينًا قائمة بنفسها، بل هو وصف للمتكلم؛ فإذا كان الله أنزله لزم أن يكون الله فوق، وبهذا بطلت شبهة الجهمية والمعتزلة الذين يقولون بخلق القرآن. ٤ - المنقبة العظيمة لمحمد ﷺ ، لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾. ٥ - جواز كتابة القرآن، وهذا أمر متفق عليه بين الأمة، بل قد تكون كتابته واجبة، ولكن على أي وجه يكتب؟ هل بالحروف اللاتينية أم بالحروف العربية أو بالخط الكوفي أو بالخط الفارسي أو بأي شيء؟ الجواب: أحسن ما يكتب فيه أن يكون على الحرف العثماني، هذا أحسن ما يكون، ولكن هل يجوز أن يكتب على غير هذا الوجه بالقواعد المعروفة عند الناس، مثل "الصلاة" نكتبها لام ألف وبعدها هاء، "الزكاة" كذلك، أو أنه لا بد نكتبها على الخط العثماني؟ للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: أنه يجب أن يكتب بالخط العثماني، وإن خالف القواعد المعروفة العرفية.

стр. 737

والثاني: يجب أن يكتب حسب القواعد العرفية حتى لا يخفى على العامة؛ لأن العامة لولا أنهم يتلقون الزكاة من أفواه العلماء من هذا اللفظ لنطقوا بها حسب الكتابة: الزكوات، فيجب أن يكتب بالخط العرفي حتى لا يشتبه على الناس. والقول الثالث: التفصيل: فإذا كان المقصود التعليم فليكتب بالخط العرفي؛ لأنه أقرب للفهم، وإذا كان المقصود التلاوة ونحن نتكلم أو نكتب لقوم يعرفون القرآن تلاوة فيكون بالخط العثماني، ولم نر أحدًا جوَّز أن يكتب القرآن بشكل رسوم، أو سيارات، أو مثل إذا كتب: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] كتب بصورة طائر، ﴿الْجِبَالَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] يكتبها بصورة جبل، ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ [القلم: ١] يكتبها بصورة قلم، هذا ما رأينا أحدًا فعله، وهو إلى الإستهزاء بكتاب الله أقرب منه إلى التعظيم، والتعظيم له حدود فلا بد أن يكون بالحدود الشرعية. أرأيت لو قال قائل: أنا أريد أن أقدس الكتاب العزيز وأحمله في جيبي حتى في موضع قضاء الحاجة؛ لأني أنا أحب القرآن فأجعله معي دائمًا، فهل يصح هذا أو لا يصح؟ الجواب: لا يصح؛ لأن التعظيم في حدود، فلا تكتب على جدرانك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]؛ لأنك لا تقدر أن تقرأه، وإذا رآها إنسان لا يقدر أن يقرأها؛ لأنها مرسومة على شكل قصر، وربما تكتب على شكل البيت الذي كتبت في مجلسه، فهذا لا يقره عاقل، لكن مع الأسف أن الناس الآن صاروا يتعبدون الله تعالى على غير بصيرة، ولا أظن - إن شاء الله -

стр. 738

أن الحامل لهم على هذا امتهان القرآن، ولكن الحامل لهم على هذا محبة القرآن - فيما نظن والعلم عند الله - ولكنهم أخطأوا الطريق، وكم من إنسان أراد خيرًا لكن أخطأ في المنهج والمسير الموصل إلى هذا الطريق. ٦ - وصف القرآن بما لا يدع مجالًا للشك أن التمسك به هو الخير للأمة، لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، فإذا أرادت الأمة العزة والتمكين والنصر فلتكن قائمة بالقرآن الكريم؛ لأن القرآن نزل بالحق. ٧ - إثبات العلل في أفعال الله الشرعية والكونية، وتؤخذ من قوله: ﴿لِتَحْكُمَ﴾؛ لأن اللام للتعليل، ولا شك أن تعليل أحكام الله ثابت ثبوتًا قطعيًا لا إشكال فيه، والحكمة من تمام صفاته سبحانه. وقد أنكر قوم أن يكون فعل الله تعالى أو حكمه بحكمة، وقالوا: إن أفعاله ليس لها حكمة؛ لأنه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ولأنه يفعل لمجرد مشيئة، لكنهم أخطأوا باستدلالهم، وأخطأوا بحكمهم؛ لأننا لو رفعنا الحكمة عن أفعال الله وأحكامه لكانت أحكامه وأفعاله لعبًا ولهوًا ولغوًا، والله يقول: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص: ٢٧]، ويقول : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]، ويقول جل وعلا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥]، ويقول تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ

стр. 739

يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ [القيامة: ٣٦] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الأفعال بلا حكمة لعب ولهو وسدًى وعبث. والغريب أن استدلالهم بالآية: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ دليل عليهم في الواقع؛ لأنه لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته، فأفعاله كلها لا تحتاج إلى السؤال؛ لأن حكمتها واضحة، وقد تخفى علينا، ولكن هذا هو الأصل، أما نحن فنُسأل، وأما تعليلهم بأنه لو كانت أفعاله بحكمة لكانت أفعاله واجبة؛ لأن الحكيم يجب أن يتبع ما تقتضيه الحكمة، فنقول: وليكن هذا، لكن من الذي أوجب عليه هذه الأفعال؟ الجواب: هو الله الذي أوجب على نفسه، كما قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وقال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢)﴾ [الليل: ١٢] فالتزم الله بالهدى والبيان للناس، وأما الملك فقال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾ [الليل: ١٣]. ٨ - تفويض الأمر إلى النبي ﷺ بالحكم بين الناس بما أراه الله، ويتفرع على هذه الفائدة أن له أن يجتهد، وهو كذلك، ثم إن لم يكن اجتهاده موافقًا للواقع فلا شيء عليه، ولهذا قال النبي ﵊: "إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فإنما أقتطع له قطعة من النار" (١).

стр. 740

٩ - نهى النبي ﷺ أن يكون مخاصمًا للخائنين، لقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. ويتفرع على ذلك: أنه لا يحسن للمحامين أن يتولوا مهنة المحاماة من أجل الإنتصار لمن وكلهم لا للحق، كما هو شأن الكثير اليوم، فأحدهم تجده يحامي عن الشخص في المخاصمات لا من أجل أن يصل إلى الحق، ولكن من أجل أن يغلب فيُعطى ما شُرط له. ١٠ - أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، وهذا يعلم بسبب نزول الآية، وسبب نزول الآية أن رجلًا من الأنصار - قيل: إنه منافق، والله أعلم - سرق درعًا وأخفاه، ولما علم أن الناس علموا بذلك حمله ووضعه في بيت رجل آخر قيل: إنه يهودي، وقيل: غير يهودي، من أجل أن يتهم هذا الذي جُعل في بيته، ولما أحس قومه بأن الأمر بلغ النبي ﷺ ذهبوا إلى النبي ﷺ ، وقالوا: إن صاحبنا لم يسرق، وإنما السارق غيره، يريدون أن يبرئه النبي ﷺ من ذلك حتى يبرأ؛ لأنهم قالوا له: إن لم تبرئه فإن الناس سوف يتكلمون فيه، لكن إذا جاءت براءته من عندك أسكتت الناس، فَهَمَّ النبي ﷺ بذلك لثقته بأصحابه وعدم ثقته باليهود (١)، وهذا على قول أكثر المفسرين: أن الذي وضعت في بيته هذه السرقة كان يهوديًا، فأنزل الله عليه هذه الآيات ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾، ومعنى ﴿خَصِيمًا﴾ أي: مخاصمًا لهم، وفعيل تأتي بمعنى مُفْعِل، مثل قول الشاعر: أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع فالسميع بمعنى: المسمع. * * *
следующие страницы →