فإذا قال قائل: هذا الإستدلال ممنوع؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقال: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وكل هذه مخلوقة فلا يلزم من إنزال الله شيئًا أن يكون غير مخلوق؟
فالجواب: أن يقال: هذه أعيان قائمة بنفسها منفصلة عن منزلها، أما القرآن فهو كلام والكلام ليس عينًا قائمة بنفسها، بل هو وصف للمتكلم؛ فإذا كان الله أنزله لزم أن يكون الله فوق، وبهذا بطلت شبهة الجهمية والمعتزلة الذين يقولون بخلق القرآن.
٤ - المنقبة العظيمة لمحمد ﷺ ، لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾.
٥ - جواز كتابة القرآن، وهذا أمر متفق عليه بين الأمة، بل قد تكون كتابته واجبة، ولكن على أي وجه يكتب؟ هل بالحروف اللاتينية أم بالحروف العربية أو بالخط الكوفي أو بالخط الفارسي أو بأي شيء؟
الجواب: أحسن ما يكتب فيه أن يكون على الحرف العثماني، هذا أحسن ما يكون، ولكن هل يجوز أن يكتب على غير هذا الوجه بالقواعد المعروفة عند الناس، مثل "الصلاة" نكتبها لام ألف وبعدها هاء، "الزكاة" كذلك، أو أنه لا بد نكتبها على الخط العثماني؟
للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يجب أن يكتب بالخط العثماني، وإن خالف القواعد المعروفة العرفية.
стр. 737
والثاني: يجب أن يكتب حسب القواعد العرفية حتى لا يخفى على العامة؛ لأن العامة لولا أنهم يتلقون الزكاة من أفواه العلماء من هذا اللفظ لنطقوا بها حسب الكتابة: الزكوات، فيجب أن يكتب بالخط العرفي حتى لا يشتبه على الناس.
والقول الثالث: التفصيل: فإذا كان المقصود التعليم فليكتب بالخط العرفي؛ لأنه أقرب للفهم، وإذا كان المقصود التلاوة ونحن نتكلم أو نكتب لقوم يعرفون القرآن تلاوة فيكون بالخط العثماني، ولم نر أحدًا جوَّز أن يكتب القرآن بشكل رسوم، أو سيارات، أو مثل إذا كتب: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] كتب بصورة طائر، ﴿الْجِبَالَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] يكتبها بصورة جبل، ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ [القلم: ١] يكتبها بصورة قلم، هذا ما رأينا أحدًا فعله، وهو إلى الإستهزاء بكتاب الله أقرب منه إلى التعظيم، والتعظيم له حدود فلا بد أن يكون بالحدود الشرعية.
أرأيت لو قال قائل: أنا أريد أن أقدس الكتاب العزيز وأحمله في جيبي حتى في موضع قضاء الحاجة؛ لأني أنا أحب القرآن فأجعله معي دائمًا، فهل يصح هذا أو لا يصح؟ الجواب: لا يصح؛ لأن التعظيم في حدود، فلا تكتب على جدرانك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]؛ لأنك لا تقدر أن تقرأه، وإذا رآها إنسان لا يقدر أن يقرأها؛ لأنها مرسومة على شكل قصر، وربما تكتب على شكل البيت الذي كتبت في مجلسه، فهذا لا يقره عاقل، لكن مع الأسف أن الناس الآن صاروا يتعبدون الله تعالى على غير بصيرة، ولا أظن - إن شاء الله -
стр. 738
أن الحامل لهم على هذا امتهان القرآن، ولكن الحامل لهم على هذا محبة القرآن - فيما نظن والعلم عند الله - ولكنهم أخطأوا الطريق، وكم من إنسان أراد خيرًا لكن أخطأ في المنهج والمسير الموصل إلى هذا الطريق.
٦ - وصف القرآن بما لا يدع مجالًا للشك أن التمسك به هو الخير للأمة، لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، فإذا أرادت الأمة العزة والتمكين والنصر فلتكن قائمة بالقرآن الكريم؛ لأن القرآن نزل بالحق.
٧ - إثبات العلل في أفعال الله الشرعية والكونية، وتؤخذ من قوله: ﴿لِتَحْكُمَ﴾؛ لأن اللام للتعليل، ولا شك أن تعليل أحكام الله ثابت ثبوتًا قطعيًا لا إشكال فيه، والحكمة من تمام صفاته سبحانه.
وقد أنكر قوم أن يكون فعل الله تعالى أو حكمه بحكمة، وقالوا: إن أفعاله ليس لها حكمة؛ لأنه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ولأنه يفعل لمجرد مشيئة، لكنهم أخطأوا باستدلالهم، وأخطأوا بحكمهم؛ لأننا لو رفعنا الحكمة عن أفعال الله وأحكامه لكانت أحكامه وأفعاله لعبًا ولهوًا ولغوًا، والله يقول: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص: ٢٧]، ويقول : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]، ويقول جل وعلا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥]، ويقول تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ
стр. 739
يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ [القيامة: ٣٦] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الأفعال بلا حكمة لعب ولهو وسدًى وعبث.
والغريب أن استدلالهم بالآية: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ دليل عليهم في الواقع؛ لأنه لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته، فأفعاله كلها لا تحتاج إلى السؤال؛ لأن حكمتها واضحة، وقد تخفى علينا، ولكن هذا هو الأصل، أما نحن فنُسأل، وأما تعليلهم بأنه لو كانت أفعاله بحكمة لكانت أفعاله واجبة؛ لأن الحكيم يجب أن يتبع ما تقتضيه الحكمة، فنقول: وليكن هذا، لكن من الذي أوجب عليه هذه الأفعال؟ الجواب: هو الله الذي أوجب على نفسه، كما قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وقال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢)﴾ [الليل: ١٢] فالتزم الله بالهدى والبيان للناس، وأما الملك فقال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾ [الليل: ١٣].
٨ - تفويض الأمر إلى النبي ﷺ بالحكم بين الناس بما أراه الله، ويتفرع على هذه الفائدة أن له أن يجتهد، وهو كذلك، ثم إن لم يكن اجتهاده موافقًا للواقع فلا شيء عليه، ولهذا قال النبي ﵊: "إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فإنما أقتطع له قطعة من النار" (١).
стр. 740
٩ - نهى النبي ﷺ أن يكون مخاصمًا للخائنين، لقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾.
ويتفرع على ذلك: أنه لا يحسن للمحامين أن يتولوا مهنة المحاماة من أجل الإنتصار لمن وكلهم لا للحق، كما هو شأن الكثير اليوم، فأحدهم تجده يحامي عن الشخص في المخاصمات لا من أجل أن يصل إلى الحق، ولكن من أجل أن يغلب فيُعطى ما شُرط له.
١٠ - أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، وهذا يعلم بسبب نزول الآية، وسبب نزول الآية أن رجلًا من الأنصار - قيل: إنه منافق، والله أعلم - سرق درعًا وأخفاه، ولما علم أن الناس علموا بذلك حمله ووضعه في بيت رجل آخر قيل: إنه يهودي، وقيل: غير يهودي، من أجل أن يتهم هذا الذي جُعل في بيته، ولما أحس قومه بأن الأمر بلغ النبي ﷺ ذهبوا إلى النبي ﷺ ، وقالوا: إن صاحبنا لم يسرق، وإنما السارق غيره، يريدون أن يبرئه النبي ﷺ من ذلك حتى يبرأ؛ لأنهم قالوا له: إن لم تبرئه فإن الناس سوف يتكلمون فيه، لكن إذا جاءت براءته من عندك أسكتت الناس، فَهَمَّ النبي ﷺ بذلك لثقته بأصحابه وعدم ثقته باليهود (١)، وهذا على قول أكثر المفسرين: أن الذي وضعت في بيته هذه السرقة كان يهوديًا، فأنزل الله عليه هذه الآيات ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾، ومعنى ﴿خَصِيمًا﴾ أي: مخاصمًا لهم، وفعيل تأتي بمعنى مُفْعِل، مثل قول الشاعر:
أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع
فالسميع بمعنى: المسمع.
* * *
стр. 741
* قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾ [النساء: ١٠٦].
﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي: اطلب مغفرته، والمغفرة هي: ستر الذنب والتجاوز عنه، يعني: إسقاط العقوبة عنه.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الجملة صلتها بما قبلها التعليل؛ أي: استغفر الله لأنه جل وعلا يغفر ويرحم كل من استغفره وطلب رحمته.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن همَّ النبي ﷺ وميله إلى هؤلاء فيه شيء من التقصير، ولهذا قال الله له: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، فيؤخذ منها أنه يجب على الحاكم أن يتأنى في حكمه، وألا يتعجل، بل يتريث لا سيما مع وجود قرائن.
٢ - أن النبي ﷺ يمكن أن يقع منه الذنب، وهذا هو الحق، وأنه يمكن أن يقع منه الذنب إلا ذنبًا ينافي مقتضى الرسالة، مثل الخيانة، والكذب وما أشبه ذلك.
وقال بعض أهل العلم: إن النبي ﷺ لا يمكن أن يذنب، وأن المراد بذنوبه: ذنوب أمته، أو أن المراد بذلك: تعليمه لتتعلم الأمة، ولكن هذا ليس بصحيح، أما الأول فإن الله تعالى قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] والقرآن منزه عن التكرار؛ لأننا لو قلنا: "استغفر لذنبك" أي: ذنوب أمتك لكان قوله: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ تكرارًا لا فائدة منه.
وأما كونه نبيًا فلا يمكن أن يذنب، فنقول: إن الذنب إذا
стр. 742
تلته التوبة فقد يكون الإنسان بعدها خيرًا منه قبلها، فهذا آدم ﵊ كان من الأنبياء فأذنب فصارت منزلته وحاله بعد الذنب أكمل منها قبل الذنب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢١ - ١٢٢]، نعم النبي ﵊ معصوم من أن يُقر على ذنب، بخلاف غيره، بمعنى: أنه إذا أذنب فلا بد أن يستغفر بتنبيه الله له أو بتنبهه هو، أما غيره فليست له هذه الميزة، وهذا يظهر به الفرق بين الأنبياء وغيرهم.
٣ - إثبات هذين الإسمين من أسماء الله وهما: الغفور، والرحيم، فبالغفور زوال المكروه؛ أي: زوال آثام الذنوب، وبالرحمة حصول المطلوب؛ أي: أن الله ييسر للإنسان ما تكون به رحمة الله له.
٤ - استنبط بعض العلماء: أنه ينبغي لمن استفتي أن يقدم بين يدي فتواه الإستغفار؛ لأن الله قال: ﴿لِتَحْكُمَ﴾ [لنساء: ١٠٥] ثم قال: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾؛ ولأن الذنوب تحول بين الإنسان وبين معرفة الصواب، كما قال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٣ - ١٤]، فهم لم يقولوا: إن القرآن أساطير الأولين إلا لأنه حيل بينهم وبين معرفة حقيقته بسبب ذنوبهم، التي رانت على قلوبهم، وهذا القول وجيه، فعلى الإنسان إذا أراد أن يفتي أن يقدم بين يدي فتواه الإستغفار، لا سيما إذا التبست عليه المسألة، أو اشتبه عليه الحكم، فهو يدعو بذلك، وكذلك يدعو بقوله: "اللهم اهدني
стр. 743
لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (١).
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧)﴾ [النساء: ١٠٧].
﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾ "لا" ناهية، والمجادلة هي: مماراة الخصم من أجل الظهور عليه، سميت بذلك إما من الجدْل وهو فتل الحبل وإحكامه؛ لأن المجادل يحكم حجته، وإما من الجدالة وهي الأرض؛ وكأن المجادل يطرح خصمه على الأرض حتى لا يكون به حراك.
وعلى كل حال: فهي المماراة والمدافعة من أجل الظهور على الخصم.
والنهي عن المجادلة لا يستلزم وقوعها، فقد يُنهى الإنسان عن الشيء وإن لم يقع، لكنه قد يقع، فينهى عن شيء متوقع غير واقع، فلا يلزم من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾ أن يكون النبي ﷺ جادلهم.
وقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: يطلبون لها الخيانة فيوقعونها فيها، وهم هؤلاء الذين قالوا: إن صاحبنا لم يسرق، وإن السارق هو اليهودي.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ وإذا كان الله
стр. 744
تعالى لا يحب من كان خوانًا أثيمًا فإنه لا يجوز الجدال عنه؛ أي: عن هذا الخوان الأثيم؛ لأن المجادلة عنه مضادة لله ؛ لأنها تأييد له، مع أن الله لا يحبه.
وقوله: ﴿خَوَّانًا﴾ هذه صيغة مبالغة، فيحتمل أن تكون على بابها وأن الله لا يحب كثير الخيانة، ويحتمل أن تكون للنسبة فلا يلزم منها الكثرة، ويكون المعنى: إن الله لا يحب من كان ذا خيانة، وفَعَّال تأتي للنسبة كقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] أي: بذي ظلم، وليس المعنى: بكثير الظلم؛ لأن الظلم منتفٍ عن الله تعالى قليله وكثيره.
إذًا الراجح: أنها للنسبة؛ أي: لا يحب من كان ذا خيانة.
وقوله: ﴿أَثِيمًا﴾ أي: مكتسبًا للإثم، والخيانة والإثم تنطبق تمامًا على هؤلاء الذين خانوا هذا اليهودي، وأثموا بالسرقة، فهم جمعوا بين أمرين: بين الإثم بالسرقة، وبين الخيانة بإلصاق هذا العمل في غيره.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - النهي عن معاونة الآثم، وهذا مطابق لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وتؤخذ من قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
٢ - أن اهتداء النبي صلوات الله وسلامه عليه هو بتوجيه الله تعالى وإرشاده، لقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾؛ فإن هذا توجيه من الله لنبيه محمد ﵊ ألا يجادل عن هؤلاء.
٣ - أن الخائن لغيره خائن في الحقيقة لنفسه، حيث أوقعها
стр. 745
في المآثم والخيانة، فلا يظن الخائن الذي يكتسب بخيانته ما يكتسب أنه رابح، بل هو خائن لنفسه، ولهذا قال النبي ﷺ : "من غش فليس منا" (١).
٤ - إثبات محبة الله؛ لأنه لما نفاها عن الخونة دل على ثبوتها للأمناء، وهذا كاستدلال الشافعي ﵀ بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥] على ثبوت رؤية الله تعالى من المؤمنين، فقال: لما حجب هؤلاء في حال الغضب ثبتت الرؤية للآخرين في حال الرضا.
والمحبة عند أهل السنة والجماعة والسلف الصالح وأئمة الهدى هي ما نعرفه من أنفسنا، ولكن محبة الله ليست كمحبتنا نحن، بل هي محبة كسائر صفاته، جل وعلا، هو أعلم بكيفيتها، ولكن نعلم معنى المحبة، وإذا كانت المحبة بيننا تختلف باعتبار إضافتها وباعتبار قوتها وضعفها، فالإختلاف بين المخلوق والخالق من باب أولى، ولهذا محبتنا للأشياء تختلف حسب متعلق المحبة، فأنت تحب العسل لحلاوته، وتحب صديقك لقربه منك وصداقته، وتحب زوجتك لشيء آخر، وهلم جرا، وتختلف المحبة بحسب متعلقاتها، وتحب ولدك محبة أخرى من جنس آخر، وتحب ابنك الصغير ما دام أنه صغير، لكن إذا كبر تضعف المحبة الأولى، وتنتقل إلى محبة ثانية من نوع آخر، فالمحاب تختلف باختلاف متعلقها.
وإذا كان الله تعالى يحب حقيقةً فما هي المحبة؟
стр. 746
الجواب: المحبة هي: المحبة، ولهذا قال ابن القيم ﵀ في كتابه: "روضة المحبين" لا يمكن أن تحد المحبة بمعنى أظهر من لفظها، يعني: مهما قلت: إن ميل الإنسان مثلًا إلى ما يلائمه، فهذه ليست بمحبة، بل هذا أثرها ولازمها، ولذلك المعاني النفسية لا يمكن إطلاقًا أن تعرف بغير لفظها.
إذًا: محبة الله ثابتة حقيقة، ولكنها لا تكيف ولا تمثل، لا تكيف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، ولا تمثل لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
ومن فسر المحبة بالثواب فهذا وقع في محرم؛ لأنه فسرها باللازم؛ لأن الإثابة فرع عن المحبة، فالصواب: أنها محبة حقيقية، لكنها تستلزم الثواب والرضا وما أشبه ذلك.
٥ - أن الخيانة من كبائر الذنوب، يؤخذ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾؛ لأنه إذا رتب على العمل عقوبة خاصة فهو من الكبائر، وهذا أحسن ما قيل في حد الكبيرة، وذكره شيخ الإسلام ﵀، فكل شيء يرتب عليه عقوبة خاصة فهو من الكبائر، سواء كانت العقوبة لعنة، أو غضبًا أو نفي إيمان، أو تبرءًا منه، أو غير ذلك.
٦ - التحذير من الخيانة، لكون الله تعالى نفى محبته للخائن الأثيم، والترغيب في أداء الأمانة؛ لأنه إذا وقع الذم على وصف لزم أن يكون المدح في ضده.
* * *
стр. 747
* قال الله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾ [النساء: ١٠٨].
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: هؤلاء الذين سرقوا ولكنهم وضعوا السرقة في بيت آخر خوفًا من العار الذي يلحقهم بالسرقة، فهم يستخفون من الناس أن يوصفوا بالسراق، لكنهم لا يستخفون من الله، والله أحق أن يُستخفى منه، وهو الأحق أن يُستحيا منه، وأن يخاف منه ، أما الناس فإنهم لا يضرونك ما دام الذي بينك وبين ربك سليمًا.
قوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ قوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ الجملة هنا: حال، من الواو في ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾، أو من لفظ الجلالة، وهو أقرب، يعني: ولا يستخفون من الله والحال أنه معهم.
وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ المعية يعني: المصاحبة، لكن معية كل شيء بحسبه، والأصل في معنى هذه الكلمة: هي المصاحبة، لكنها تختلف ويختلف مقتضاها بحسب ما تضاف إليه.
فيقال مثلًا: المرأة مع زوجها، ويقال: القائد مع جنده، ويقال: المتاع مع حامله، ويقال: القمر معنا، ويقال أشياء كثيرة تختلف فيها المعية من موضع إلى آخر، لكن يجمع هذه المعاني كلها مطلق المصاحبة، وتختلف مقتضياتها حسب ما تضاف إليه.
فالله تعالى مع هؤلاء الذين بيتوا ما لا يرضى من القول، ومع الذين اتقوا والذين هم محسنون، والمعيتان تختلفان بحسب مقتضاهما ولوازمهما، والله تعالى مع محمد عليه الصلاة والسلام
стр. 748
في الغار، ومع موسى وهارون في الرسالة، وتختلف هذه المعية عن معيته مع المؤمنين والمتقين، وما أشبه ذلك. فما الذي تستلزمه هذه المعية في هذه الآية؟
الجواب: تستلزم التهديد، بالإضافة إلى الإحاطة؛ لأن المعاني الخاصة تضاف إلى المعنى العام، وهو هنا الإحاطة التامة بالخلق.
ثم هذه المعية الصواب: أن المراد بها المعية الحقيقية، وأنه سبحانه معنا لكنه في السماء، ولا منافاة في ذلك لثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن الله تعالى جمع بين هذين المعنيين في آية واحدة فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] مع أنه ذكر أنه مستوٍ على العرش، ولا يمكن أن يجمع الله لنفسه بين وصفين متناقضين أبدًا.
الوجه الثاني: أنه لا منافاة بين العلو والمعية، فإن هذا ثابت للمخلوق، كما تقوله العرب: ما زلنا نسير والقمر معنا، مع أن القمر من أصغر الأجرام السماوية، ومع ذلك هو مع المسافر وغير المسافر، وهو في السماء، فإذا كان اجتماع حقيقة المعية والعلو في حق المخلوق ممكنًا فاجتماعهما في حق الخالق من باب أولى.
الوجه الثالث: أنه لو فرض امتناع اجتماعهما في حق المخلوق فإنه لا يقتضي انتفاء اجتماعهما في حق الخالق؛ لأن الله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فإذا كانت
стр. 749
السماوات السبع والأرضون السبع في يده جل وعلا كالخردلة في يد أحدنا فهل يمكن أن يقاس بالخلق؟ ! الجواب: لا يمكن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية: هو عليٌّ في دنوه، قريب في علوه.
إذًا: نحن نؤمن بأن الله تعالى معنا حقيقة، وهو في السماء، يعلم ما في قلوبنا، ويسمع ما نقول، ويرى ما نفعل، وله السلطة التامة علينا، وهذه كلها من مقتضيات المعية، وقد فسرها الكثير من السلف بهذه المقتضيات، فقالوا: هو معنا بعلمه، وهذا لا ينافي أن يكون المراد بالمعية الحقيقية؛ لأنهم فسروها أحيانًا باللازم، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مقدمة تفسيره؛ لأن التفاسير الواردة عن السلف قد تكون باللازم لا لانتفاء المعنى الحقيقي.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن هؤلاء بيتوا ما لا يرضى من القول، يعني: صاغوه واجتمعوا عليه ليلًا؛ لأن البيات لا يكون إلا بليل، ولهذا في بعض الروايات أنهم جاءوا إلى الرسول ﷺ بالليل بعد أن طبخوا ما طبخوا من آرائهم، فيستفاد من ذلك شدة اختفاء هؤلاء، وأنهم لا يحبون أن يطلع أحد عليهم.
وهل يؤخذ منه أننا إذا أردنا أن نخفي شيئًا نصنعه في الليل؟
الجواب: نعم، ربما يؤخذ منه، ولهذا في المثل السائر: "أمر قضي بليل".
٢ - إثبات الرضا لله لقوله: ﴿مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾
стр. 750
ووجهه: أن نفي الرضا عن هؤلاء يدل على ثبوته لغيره؛ إذ لو كان منتفيًا عن الجميع ما حسن أن ينفى عن هؤلاء، والرضا الثابت لله هو رضا حقيقي وليس كناية عن إثابتهم، كما قاله أهل التحريف، بل هو رضا اتصف الله به حقيقة، لكنه ليس كرضا المخلوقين، بل هو رضا أعظم وأجل، ولا يمكن أن نحيط به، وقد أثبت الله لنفسه الرضا، يعني: ذكره لنفسه وأضافه إلى نفسه على وجه الإثبات.
مثل قوله سبحانه: ﴿رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]، والله تعالى يرضى من الأقوال والأفعال والأشخاص، يعني: أن متعلق رضاه يكون إما بالأعمال وإما بالأقوال وإما بالأشخاص، لكن رضاه عن الأشخاص إنما هو لأفعالهم وأقوالهم التي ترضي الله .
٣ - إحاطة الله تعالى بكل شيء، لقوله: ﴿وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾.
فإن قال قائل: قُدّم المتعلِق على متعلقة وهذا يفيد الإختصاص؟
فالجواب على ذلك: ما أشرنا إليه سابقًا، بأن تقديم ذلك لا يعني الإختصاص، لكنه يعني شدة الوعيد، وتعلق الحكم بهذا المقدم، يعني: كأن الله تعالى يقول: لو لم يكن عالمًا بشيء لكان عالمًا بعمله فالمقصود من ذلك: شدة الوعيد على هؤلاء، وأنه لا يمكن أن يخفى أمرهم عن الله .
٤ - إثبات معية الله سبحانه، وتنقسم إلى أقسام:
معية يقصد بها بيان الإحاطة؛ أي: بيان إحاطة الله تعالى
стр. 751
بكل شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧].
وتارة يراد بها التهديد، كما في هذه الآية: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾.
وتارة يراد بها: النصر والتأييد، وهذه تكون معلقة بوصف ومعلقة بشخص، مثال المعلمة بالوصف قوله ﵎: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾ [الأنفال: ١٩]، وقوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]، فهذه معية تقتضي النصر والتأييد، لكنها مقيدة بوصف.
ومعية تقتضي النصر والتأييد مقيدة بشخص، مثل قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦]، وقوله ﷺ لأبي بكر ﵁: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، فهذه معية تقتضي النصر والتأييد والحفظ والكلاءة، لكنها مقيدة بشخص.
وهنا نسأل: هل المراد بالمعية حقيقتها أو لازمها؟
الجواب: نقول: المراد بها حقيقتها، ولكن السلف يفسرونها دائمًا باللازم، كما قالوا: إن المعية هي العلم، فهو معهم بعلمه، ولكن هذا تفسير لها ببعض مقتضياتها، فإن مقتضى المعية: العلم، والسمع، والبصر، والإحاطة، والسلطان، والقدرة، وغير ذلك، ولكنها معية حقيقية، وما فسره السلف بها فهو تفسير
стр. 752
باللازم، وكما قال شيخ الإسلام ﵀ في مقدمة التفسير: إن السلف قد يفسرون الشيء بلازمه.
فإذا قلنا: إنها حقيقية فهل هذا يعني: أننا ذهبنا إلى ما ذهب إليه أهل الحلول الذين قالوا: إن الله معنا بذاته في أمكنتنا؟
الجواب: لا، بل نحن ننكر هذا غاية الإنكار، ونقول: إنه ضلال، بل إنه كفر، وإنما نقول: إنه معنا حقيقة وهو في السماء؛ لأن الأدلة السمعية والعقلية كلها تدل على أن الله في السماء، ولا ينافي ذلك أن يكون معنا، لوجوه ثلاثة مرت في التفسير:
أولًا: أن الله جمع بينهما في وصفه نفسه، ولا يجمع الله تعالى بين متناقضين.
ثانيًا: أن العلو والمعية ممكنان في حق المخلوق، كما يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا أو النجم الفلاني معنا، بل أحيانًا يقولون: سرنا والجبل الفلاني معنا، ومع ذلك فالقمر في السماء والنجم في السماء، والجبل بعيد ثابت على الأرض، وما أشبه ذلك.
ثالثًا: لو فرض أن بين المعنى الحقيقي للمعية وبين العلو منافاة في حق المخلوقات فليس ذلك ثابتًا في حق الخالق؛ لأن الخالق ليس كمثله شيء في جميع صفاته، فهو كما قال شيخ الإسلام ﵀ في العقيدة الواسطية: هو عليٌّ في دنوه، قريب في علوه.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ [النساء: ١٠٩].
стр. 753
﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ "ها" للتنبيه و ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إما منادى محذوف الأداة، والتقدير: يا هؤلاء، وعليه فيكون قوله: ﴿جَادَلْتُمْ﴾ هو خبر المبتدأ، وإما أن تكون ﴿هَؤُلَاءِ﴾ هي الخبر، وتكون الجملة ﴿جَادَلْتُمْ﴾ في محل نصب على الحال؛ أي: ها أنتم مجادلين عنهم في الحياة الدنيا.
والإشارة في قوله: ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ إشارة إلى قوم الرجل الذي سرق درعًا واتهم به رجلًا من اليهود، كما ذكرناه في تفسير الآيات.
وقوله: ﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ وهم قد جادلوا عن رجل واحد، لكن هذا الجدل عن الرجل الواحد هو حقيقةً جدال عن الجميع؛ لأن وصمة السرقة لرجل من القبيلة هي وصمة لجميع القبيلة، إذ يعيرون بذلك، فيقال: منكم السراق كفلان، ولهذا قال: ﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾ والمجادلة إنما كانت عن شخص واحد.
قوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قد يكون الجدل فيه الغلبة ولو بالباطل في الحياة الدنيا؛ لأنه قد يجادل الإنسان بالباطل ويأتي بكلام فصيح بَيِّن، يلبس به الحق بالباطل وينجح.
ولكن: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ و ﴿فَمَنْ﴾ هنا استفهام بمعنى: النفي؛ أي: لا أحد يجادل الله عنهم يوم القيامة، والإستفهام إذا جاء في موضع النفي فإنه يكون أبلغ من النفي المجرد؛ وذلك لأنه يكون نفيًا مشربًا بالتحدي، كأن القائل يقول: إذا كان هذا الأمر ممكنًا فأتني به، فمجيء الإستفهام هنا في موضع النفي يكون أشد في النفي؛ لأنه مشرب معنى التحدي،
стр. 754
فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة؟ والجواب: لا أحد، ولا يستطيع أحد أن يجادل عنهم؛ وذلك لأنه لو فرضنا أن أحدًا جادل لشهدت عليه جوارحه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ [النور: ٢٤].
وقوله: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ أي: ذا وكالة وولاية يدافع ويمنع وينصر، والجواب: لا أحد.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن المجادلة والمخاصمة في الباطل إن نفعت في الدنيا فلن تنفع في الآخرة، وتؤخذ من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
٢ - أن الناس قد يتناصرون بالباطل؛ لأن هؤلاء القوم جادلوا بالباطل وهم يعلمون أن صاحبهم سرق، لقوله: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
٣ - تحريم المحاماة إذا علم المحامي أن صاحبه مبطل، وجه ذلك: أن الله أنكر على هؤلاء أن يجادلوا عن صاحبهم، أما إذا كان المحامي يريد أن يدافع عن الحق بإثباته فهذا جائز، بل قد يكون واجبًا، كما لو وكلك شخص لا يعرف ولا يكاد يبين أن تدافع عنه، فهذا لا بأس به.
٤ - إثبات اليوم الآخر، وهو يوم القيامة، لقوله: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
٥ - أن المجادلة يوم القيامة بالباطل لا تنفع وصاحبها مخصوم، ومن ثم يجب الحذر مما قاله النبي ﷺ في الحديث القدسي: "أن الله تعالى قال: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل
стр. 755
أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره" (١)، فإننا نعلم أن من كان الله خصمه فهو مخصوم بكل حال.
٦ - أن الله سبحانه لا يخفى عليه شيء، وأن من حاول أن يخفي عن الله شيئًا فإنه قد ظن بربه ظن السوء، ومع ذلك لن ينفعه هذا الظن، لقوله: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.
* * *
* قال الله : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ أي: ما يسوء غيره، كما يدل على هذا أن الآيات كلها في سياق قصة معينة، فيكون المراد بالسوء ما يسوء الغير؛ كاتهام هؤلاء اليهودي في السرقة.
قوله: ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ يعني: بالمعاصي؛ لأن المعاصي ظلم للنفس، إذ أن النفس عندك أمانة يجب عليك أن ترعاها حق رعايتها، فإذا عصيت الله فقد ظلمتها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢] لماذا؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
إذًا: هو يظلم نفسه بالمعاصي التي بينه وبين ربه، ويعمل سوءًا يسيء به إلى غيره.
стр. 756
قوله: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي: يطلب مغفرة الله بحاله ومقاله، أما المقال فظاهر، كأن يقول: اللهم اغفر لي، أو أستغفر الله، وأما الحال: فبأن يكون آتيًا بشروط التوبة الخمسة، وهي:
الأول: الإخلاص، بأن لا يحمله على التوبة مراعاة أحد من الناس.
الثاني: أن يندم، ويقع في نفسه حسرة على فعل الذنب.
الثالث: أن يقلع عن الذنب.
الرابع: العزم على ألا يعود.
الخامس: أن يكون في وقت التوبة؛ أي: في الوقت الذي تقبل فيه التوبة.
والمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست الستر فقط؛ لأن الإشتقاق يدل على أنه لا بد من ستر ووقاية؛ إذ أنها مأخوذة من المِغْفَر، والمغفر: ما يغطى به الرأس من الفولاذ ونحوه لاتقاء السهام، فيحصل به ستر ووقاية.
وأقول: إنها مشتقة من المِغْفَر؛ لأن الأصل أن المعاني مأخوذة من الأشياء المحسوسة، فلهذا تجد علماء اللغة يعيدون المعاني إلى الأصول المحسوسة، فيقولون: مشتقة من كذا، وأصل ذلك ما قيل: إن الإنسان صار يتكلم تقليدًا لما يسمع حوله من صرير الرياح وحفيف الأشجار وما أشبه ذلك، هكذا قيل: مع ما علَّم الله آدم من أسماء.
إذًا: المغفرة هي: ستر الذنب والتجاوز عنه.
стр. 757
وقوله: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ كأن يقول: اللهم اغفر لي، أو أستغفر الله.
وقوله: ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿يَجِدِ﴾ هذه جواب الشرط "من"، ولذلك صارت مجزومة، وحركت بالكسر لالتقاء الساكنين، والمعنى: ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: أن الله يغفر له، والغفور هو: ذو المغفرة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] والرحيم: هو ذو الرحمة كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨]، فأنت إذا استغفرت الله ، وتبت إليه على الوجه الذي يرضاه فستجد الله غفورًا رحيمًا.
والرحمة تطلق على الرحمة التي هي صفته، وعلى آثار الرحمة التي هي خلقه.
أما القسم الأول فهو الأصل، وهو أن الرحمة صفة من صفات الله ، وأما الثاني: فمنه قوله تعالى للجنة: "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء" (١) وليس المعنى الرحمة التي هي وصفه؛ لأن الجنة مخلوق بائن، ومن ذلك أيضًا على قول بعض أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨] ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ يعني: النبات وما يحصل من الرزق بالماء النازل من السماء.
أما الرحمة التي هي وصفه فإنها تنقسم عند أهل العلم إلى قسمين: عامة، وخاصة، فالعامة هي التي تشمل كل مخلوق، والخاصة هي المختصة بالمؤمنين، وهي التي تتصل بها سعادة الدنيا والآخرة.
стр. 758
والرحمة العامة: الرحمة لعموم الخلق في الدنيا، ولهذا نجد أن الكفار لله تعالى عليهم رحمة، فرزقهم .. وأمدهم .. وأعطاهم عقولًا؛ أي: عقولًا يدركون بها لا عقول رشد وتصرف، وهذه رحمة عامة، وكل ما مر بك من ذكر اسم الرحيم فالمراد الرحمة العامة، ويدخل فيه الخاصة، أما إذا خصت فهي الخاصة؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] وهذه رحمة خاصة بالمؤمنين.
والعجب! أن الأشاعرة أنكروا وصف الله تعالى بالرحمة، وأثبتوا له الإرادة، وقالوا: لا يجوز أن نثبت لله رحمة؛ لأن الرحمة رقة ولين ولا تليق بالخالق، وهذا بناءً على أصلهم الفاسد، وهو أنهم يتلقون ما يعتقدون في ربهم من عقولهم الفاسدة أيضًا؛ لأن الدليل الصحيح لا يناقض العقل الصريح، فيقول أحدهم: لا تصف الله بالرحمة، فمعنى الرحيم عنده: المنعم، أو مريد الإنعام، المنعم لأن النعمة منفصلة بائنة مخلوقة، أو مريد الإنعام لأنهم يثبتون الإرادة.
وسبحان الله! انظر إلى العقل المتناقض، يقول: الإرادة دل عليها العقل بواسطة التخصيص، يعني: تخصيص بعض المخلوقات بشيء من الأشياء يدل على الإرادة، فكون الآدمي على هذا الوصف، والحصان على هذا الوصف، فما الذي جعل هذا على وصف وهذا على وصف؟ الجواب: إرادة الله ، فقالوا: إن تخصيص المخلوقات بما تختص به يدل على إرادة الله.
والإستدلال بهذا على الإرادة استدلال خفي لا يدركه إلا طلبة العلم، بعد أن يقرؤوا، ولا يثبتون الرحمة التي آثارها يعرفها
стр. 759
الخاص والعام، فالليل والنهار، والمطر والأشجار والأنهار والبحار كل واحد يعرف أن هذه من رحمة الله، ولذلك تجد العامي إذا أمطرت السماء يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته، ولا يشك في هذا، لكن ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن من أساء إلى غيره ثم استغفر الله غفر الله له، وحينئذ يشكل علينا أن العلماء قالوا: إن الدواوين ثلاثة: منها: ديوان الخلق، يعني: المعاملة مع الناس، فإن هذا لا يغفره الله ، ولكن ظاهر النصوص أنه إذا صحت التوبة غفره الله، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] مع أنه ذكر القتل، فإذا تاب الإنسان من القتل توبة تمت شروطها فإن الله يغفره. ومن شروط التوبة في القتل: أن يسلم نفسه لأولياء المقتول، فإذا سلم نفسه لأولياء المقتول فقتلوه أو عفوا عنه مع ندمه على ما فعل، واستغفاره لربه، فإن حق المقتول يتحمله الله عنه يوم القيامة؛ لأن إيفاء المقتول حقه في هذه الصورة متعذر، والقاتل الذي صحت توبته يقول في نفسه: لو أمكنني أن استحل الميت لفعلت، لكني أنا الآن لا أقدر على أكثر من أن أسلم نفسي لأولياء المقتول، فهذا يتحمله الله عنه.
ولو أن أحدًا سرق مالًا من شخص، فقد عَمِل سوءًا في
стр. 760
غيره وتاب من ذلك، فهل يتوب الله عليه؟ الجواب: نعم، إذا تمت شروط التوبة، ومن شروط التوبة أن يرد المال لصاحبه، فإذا رد المال لصاحبه فقد تاب، وعلى هذا فنقول: ظاهر الآية هنا وغيرها أيضًا من النصوص أنه متى صحت التوبة حتى في حقوق الآدمي التي لا يستطيع أن يتخلص منها فإن الله تعالى يقبل توبته.
٢ - أن الإنسان تصح توبته من الذنب ولو تكرر، ووجهه، العموم في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ﴾ وهذا عام فيمن تكرر منه ذلك أو لم يتكرر، ويدل لهذا الحديث الثابت عن النبي ﵊: "أن رجلًا أذنب فاستغفر الله، فقال الله : علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي - ثم عاد ثانية ثم ثالثة إلى أن قال الله له -: اعمل ما شئت فقد غفرت لك" (١) فهذا يدل على أن التوبة تثبت وتقع من الله ولو تكرر الذنب، ولهذا قال العلماء: من شروط التوبة: أن يعزم على ألا يعود لا ألا يعود، فإذا عزم على ألا يعود فقد صحت توبته، وإذا عاد لم تبطل توبته الأولى، بل توبته الأولى صحيحة، وعليه أن يجدد توبة ثانية للذنب الثاني.
٣ - أن المعاصي ظلم للنفس؛ لقوله: ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ وهذا شيء ثابت مكرر في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، وقال: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١]، إلى غير ذلك من النصوص
стр. 761
الدالة على أن الإنسان هو الظالم لنفسه إذا عصى الله.
٤ - أن الإنسان قد يكون عدوًا لنفسه، كما أن أقرب الناس قد يكون عدوًا له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤] فأنت احذر نفسك؛ فإنها عدوك.
٥ - أن الله تعالى يقبل من عبده الإستغفار إذا تمت شروطه؛ أي: بلسان حاله ومقاله، لقوله: ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فأنت استغفر واصدق في استغفارك ستجد الله غفورًا رحيمًا.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ الله عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)﴾ [النساء: ١١١].
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ هذه الجملة الشرطية فعل الشرط فيها: قوله: ﴿يَكْسِبْ﴾، وجواب الشرط فيها قوله: ﴿فَإِنَّمَا﴾، والسؤال هنا: لماذا اقترن الفاء بالجواب؟
والجواب: أن يقال: إن هذه تشبه الجملة الإسمية؛ لاقترانها بإنما، وأصل "إنما" "إن" حرف توكيد زيد عليه ما الكافة فصارت إنما.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ يعني: لا على غيره.
ففي هذه الآية يخبر الله أن من اكتسب إثمًا فإنه لا يضر إلا نفسه؛ لأنه يكسبه على نفسه، لا على غيره.
وقوله: ﴿إِثْمًا﴾ نكرة في سياق الشرط، فتعم جميع الآثام الكبائر والصغائر، وتعم الآثام المباشرة والآثام السببية؛ لأن
стр. 762
الإنسان قد يباشر الإثم بنفسه، وقد يكون دالًا عليه أو معينًا عليه، فيكون ذلك إثمًا.
وقوله: ﴿وَكَانَ الله عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ سبق أن مثل هذا التعبير لا يدل على الحدوث، ولا على أن الله كان عليمًا حكيمًا فيما سبق فقط، وإنما الفعل هنا مسلوب الزمان، والمقصود به: تحقيق تسميته سبحانه بهذين الإسمين واتصافه بما دلا عليه.
في الآية الكريمة: كرر الله أن الإنسان إذا كسب إثمًا فإنما يكسبه على نفسه؛ لأن هذه الآيات كما ذكرنا فيما سبق أنها نزلت في قصة الرجل الذي سرق درعًا ثم رمى به يهوديًا، فأرادوا أن يتهموا هذا اليهودي، وجاؤوا إلى النبي ﷺ ، وتبين براءة اليهودي، فيقول الله : إذا كسب الإنسان إثمًا فإنما يكسبه على نفسه.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن الإنسان إذا كسب الإثم فإنما يكسبه على نفسه، ولا يحمله غيره، ويؤكد هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].
فإن قال قائل: أليس قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من سن في الاسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" (١).
الجواب: بلى، ولكن يكون عليه وزر من عمل بها وهو لم
стр. 763
يباشر العمل؛ لأنه هو الذي سن هذه البدعة السيئة، ولهذا ما قُتلت نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول منها كفل؛ لأنه أول من سن القتل، وعلى هذا فيقال: إن الذي سن البدعة واتبعه الناس عليها فإن سنه إياها من عمله.
٢ - أن الله تعالى لا يظلم أحدًا فيحمل غيره إثمه إلا بحق، وقد سبق أن من ظلم الناس فإن الناس يأخذون من حسناته حتى تفنى، ثم يؤخذ من سيئاتهم فتطرح عليه ويطرح في النار، وهذا ليس تحميلًا للغير إثم غيره، ولكنه من باب المقاصة والمجازاة، فإذا لم يكن عند هذا حسنات يؤخذ منها بقدر مظلمة الآخرين، فإنه يؤخذ من سيئاتهم وتطرح عليه ويطرح في النار.
٣ - إثبات هذين الإسمين من أسماء الله: العليم، والحكيم؛ لقوله: ﴿وَكَانَ الله عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
٤ - إثبات ما تضمنه هذان الإسمان من صفات الله، فالعليم تضمن: العلم، والحكيم تضمن: الحكمة والحكم؛ لأنه مر أن الحكيم مشتق من الحكم والإحكام الذي هو الحكمة.
٥ - أن من علم الله وحكمته أن من كسب إثمًا فإنه يكسبه على نفسه، فإن ذلك من الحكمة البالغة.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ [النساء: ١١٢].
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ الخطيئة والإثم من الكلمات التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، فالخطيئة والإثم والسوء وما أشبه ذلك معناها واحد إذا انفردت كل كلمة عن
стр. 764
الأخرى، أما إذا اقترنت إحداهما مع الأخرى فلا بد أن نحمل كل واحدة على معنى، لئلا يلزم التكرار بلا فائدة، والأصل في العطف أنه يقتضي المغايرة، فما هي الخطيئة وما هو الإثم؟
قال بعض العلماء: الخطيئة: ما ارتكبه الإنسان عن غير قصد، والإثم ما ارتكبه عن قصد، وفي هذا نظر؛ وذلك لأن الخطيئة المرتكبة عن غير قصد قد رفع الله عنها الحرج والإثم، فلا تكون خطيئة، وأجيب عن ذلك: بأنه لا مانع أن يكسب خطيئة ويكون هناك مانع من العقوبة عليها، وإلا فالأصل أن من فعل الخطيئة عوقب عليها، لكن هناك مانع، وهو عفو الله .
وقيل: الخطيئة: ما تعدى إلى الغير، والإثم ما كان خاصًا بالإنسان، وقيل بالعكس، وكل هذه أقوال قيلت دفعًا لوجود التكرار في الآية.
وقوله: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ الفعل لا يمكن أن يدخله الكسر، فلماذا كان هذا الفعل مكسورًا؟ الجواب: لأنه مجزوم بحذف حرف العلة وهو الياء.
وقوله: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ أي: بريئًا من هذا الإثم، وذلك كرمي هؤلاء الفئة لليهودي بأنه هو السارق.
وقوله: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾ أي: كذبًا.
وقوله: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: عقوبة بينة، فكلمة "مبين" بمعنى بينًا؛ لأن المبين يأتي بمعنى البين ويأتي بمعنى المبيِّن للشيء؛ إذ إن "أبان" يستعمل لازمًا كما يستعمل أبان متعديًا، فتقول مثلًا: أبان لي الحجة وهذا متعدٍ، ويقال: أبان الفجر أي: ظهر، وهذا لازم وعليه فكلمة "مبين" بمعنى بين.
стр. 765
وقوله: ﴿احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾ لأنه كذب على الغير: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ لأنه جمع بين الخطيئة أو الإثم وبين رمي غيره بها، فجمع بين السيئتين، ولهذا كان إثمًا مبينًا.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - تحريم رمي الغير بما يفعله الإنسان من خطيئة، ووجه ذلك: قوله: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، فإن رمى الغير بخطيئة أو إثم لم تنسب إليه من قبل، فهل يكون داخلًا في ذلك، يعني: أن رجلًا اتهم شخصًا بعمل خطيئة أو إثم وقال: إنه عمل الخطيئة والإثم، فهل نقول: إنه احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا؟
الجواب: نعم، نقول ذلك، لكن الآية إنما خصت ذلك فيمن فعل الشيء ثم رمى غيره لأنها تحكي القضية الواقعة، وحكاية القضية الواقعة لا يكون لها مفهوم ما دام المعنى ثابتًا في هذا ونظيره، ولا شك أن من رمى غيره بفعل خطيئة وهو كاذب أنه متحمل للإثم والبهتان.
٢ - أن السيئات تتضاعف بتعدد أوصافها، لقوله: ﴿بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، وهذا هو الواقع وهو العدل، أرأيت من قذف قريبًا له ومن قذف أجنبيًا عنه، كلاهما قد قذف، لكن انضم إلى قذف القريب قطيعة الرحم، فتكون هذه السيئة متضاعفة فلا جرم أن يتضاعف إثمها؛ لأن الأحكام مرتبة على أوصافها.
وكذلك من تصدق على بعيد وتصدق على قريب، ففعله كله صدقة، لكن صدقته على البعيد صدقة فقط، وعلى القريب صدقة وصلة، فالأعمال السيئة تتضاعف بتضاعف الأوصاف، وكذلك الأعمال الصالحة تتضاعف بتضاعف الأوصاف.
стр. 766
٣ - التحذير من رمي الغير بالخطايا والآثام، لقوله: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣].
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ ﴿لَوْلَا﴾ شرطية، ويقال في إعرابها: حرف امتناع لوجود، والموجود هنا: ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾، والممتنع قوله: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ﴾، وهناك "لو"، ويقال فيها: حرف امتناع لامتناع؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٦٤]، "فلو" هذه حرف امتناع لامتناع، وتقول: لو جاء زيد لأكرمته، ولهما بنت عم بعيدة وهي: "لما"، ويقال فيها: حرف وجود لوجود، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، فـ "لما" هذه حرف وجود لوجود، وجد الكفر لوجود المجيء، وتقول: لما جاء زيد جاء عمرو، وجد مجيء عمرو لوجود مجيء زيد، وعلى هذا فقد توزعت هذه الأحرف الثلاثة الوجود والعدم.
وهنا يقول الله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ والفضل هو: العطاء الزائد، والرحمة أعم؛ لأن الرحمة يكون فيها دفع المكروه وحصول المطلوب، والفضل حصول المطلوب.
وقوله: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ﴾ هذا جواب ﴿لَوْلَا﴾، وهذه
стр. 767
الطائفة هي التي ادعت أن السارق هو اليهودي، واجتمعوا على ذلك حتى لبسوا على النبي ﷺ ، وهموا أن يضلوه.
وهنا إشكال: فإن ظاهر الآية الكريمة أنهم لم يهموا أن يضلوه، وإذا نظرنا إلى القصة وجدنا أنهم هموا، يعني: أنهم جاءوا إلى الرسول ﷺ بأجمعهم، وأنكروا أن يكون صاحبهم هو السارق، ورموا اليهودي بالسرقة، فقد هموا وفعلوا؟
والجواب عن ذلك أن يقال: هموا همًا يحصل به إضلاله، ولكنهم لم يصلوا إلى مرادهم، فصح أن يكون قوله: ﴿لَهَمَّتْ﴾ جوابًا لقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾.
وقوله: ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ ﴿أن﴾ هنا مصدرية، حذف منها حرف الجر، وتقديره: "بأن يضلوك" وحذف حرف الجر مع أَنْ وأَنَّ مطرد، وإذا حذف حرف الجر نصب المجرور، فهذه قاعدة مطردة في أَنَّ وأَنْ، كما قال ابن مالك:
وفي أَنَّ وأَنْ يطرد ... مع أمن لبس كعجبت أن يدوا
أما مع غير أَنَّ وأَنْ فهو سماعي، سمع عن العرب ولا يقاس عليه، ومن ذلك قول الشاعر:
تمرون الديار ولم تعودوا ... كلامكم إذًا عليّ حرام
الشاهد في قوله: الديار، والأصل أن يقول: تمرون بالديار ولم تعودوا، ولكن حذف الباء فنصب المجرور بنزع الخافض، لكنه غير مطرد إلا في أنْ وأنَّ.
وقوله: ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ الإضلال معناه في الأصل: يقال: ضل الطريق بمعنى تاه، ولم يكن سيره على بينة، والمراد إضلال الرسول ﵊ هنا الذي همَّ به هؤلاء، ولكن
стр. 768
فضل الله ورحمته تداركت النبي ﷺ ، أن يحكم بأن السارق هو اليهودي.
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ [الإسراء: ٧٤] يعني: لو ركنت إليهم ولو شيئًا قليلًا ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾ [الإسراء: ٧٥] وتأمل هذه الآية يتبين لك عظم مخالفة الشرع من أجل عباد الله.
فقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ وهذا هو الرسول ﵊، لولا أن الله ثبته لركن إليهم شيئًا قليلًا، فما بالك بنا نحن؟ ! فالواجب على الإنسان أن يتنبه لمثل هذه الآية، وأن يسأل الله دائمًا الثبات على ألا تأخذه في الله لومة لائم، ولو فعل لأذاقه الله ضعف الحياة وضعف الممات؛ لأن ذنب الرسول ﷺ ليس كذنب غيره.
قوله سبحانه: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ يعني: أنهم بتحايلهم واتهامهم للغير وإرادتهم أن يضلوا الرسول ﵊ لا يمكن أن يضل، بل هذا لا يحصل به إلا ضلال أنفسهم.
وقوله: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿من﴾ هذه زائدة زائدة، تكون زائدة إعرابًا زائدة معنى، زائدة الأولى هي من الفعل اللازم، والثانية من المتعدي؛ لأن معنى زائدة هي بنفسها، وزائدة معنًى؛ أي: زادت المعنى. كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧] تكون متعدية وتكون لازمة.
وعلى كل حال قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿مِن﴾ هذه زائدة إعرابًا
стр. 769
وزائدة للمعنى، والزيادة في الإعراب: هو أنه لو حذفت لاستقام الكلام، فلو كان في غير القرآن وقيل: وما يضرونك شيئًا لصح الكلام، وهي زائدة من حيث المعنى يعني: تزيد في المعنى؛ لأن الحروف الزائدة من أدوات التوكيد، فهي تؤكد المعنى، ولهذا نقول: إن قوله: ﴿شيئًا﴾ هنا نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، فإذا دخلت عليها: ﴿مِن﴾ كانت نصًا في العموم؛ كـ "لا" النافية للجنس.
وقوله: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: لا يمكن أن يضروك بأي شيء من الأشياء؛ لأن الله سبحانه قد منَّ عليك بفضله ورحمته.
وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ الكتاب هو القرآن، والحكمة في معناها وجهان:
الوجه الأول: أن المراد بذلك أسرار الشريعة؛ أي: أسرار أحكامها، فإن شريعة الرسول ﵊ كلها مشتملة على أسرار وحكم عظيمة.
والوجه الثاني: المراد بالحكمة: السنة، فالله أنزل عليك القرآن والسنة، والمعنيان لا يتنافيان في الواقع (١)، فالرسول ﷺ أنزل عليه الكتاب وأنزل عليه السنة، وكذلك الكتاب والسنة كلاهما مشتمل على أحكام وحكم بالغة، قد تنالها العقول وقد لا تنالها.
وقوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ علم الله نبيه ﷺ ما لم يكن يعلم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
стр. 770
رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] , وهذا لا ينقص النبي ﷺ شيئًا، بل يزيده، وفيه دلالة على أنه رسول الله حقًا، فمن أين جاءه هذا العلم؟
الجواب: من الله ، ولهذا وصف الله محمدًا ﷺ بأنه أمِّي وصف ثناء لا وصف قدح؛ لأن كونه أميًا ثم يأتي بهذا الكتاب العظيم الذي أعجز البشر يدل على أنه رسول الله حقًا.
وقوله: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ هذا توكيد لقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ وما ظنك بوصف الفضل بالعظم من العظيم الذي لا أعظم منه؟ ! يكون هذا العظم عظمًا بالغًا جدًا؛ لأن وصف العظيم للشيء بالعظيم يدل على عظمة كبيرة، ولهذا تجد الفقير مثلًا يستعظم أن يكون عنده ألف ريال، والغني يستصغرها ولا يراها شيئًا، فوصفه بالعظم وهو من عند الله الذي هو أعظم من كل شيء يدل على عظم الفضل الذي أوتيه الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - بيان فضل الله على رسوله ﷺ .
٢ - إثبات الرحمة الخاصة، فإن قوله: ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ رحمة خاصة لم تكن لغير الرسول ﷺ ، والرحمة نوعان: عامة وخاصة، فالعامة هي التي تشمل جميع العباد لقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، وأما الرحمة الخاصة فهي للمؤمنين خاصة لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
٣ - أن النبي ﷺ محتاج لفضل الله ورحمته، ولولا فضل الله
стр. 771
عليه ورحمته لحصل له ما يحصل لغيره، لقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾.
٤ - أن الإنسان إذا منع من الضلال بسبب أو بغير سبب فذلك من فضل الله عليه، ويتجلى ذلك أن الإنسان أحيانًا يرى رأيًا في مسألة من المسائل أنها حرام أو حلال ثم يقيض الله له من يناظره في هذه المسألة حتى يتبين له الحق ويأخذ به، فهذا من نعمة الله عليه، ومن فضل الله عليه، وأحيانًا ينقدح له الحق دون مناظرة إما بالتأمل والتدبر، وإما بأن ينظر إلى أشياء أخرى يقيسها عليها أو غير ذلك.
المهم: أن الإنسان متى تبين له الحق بأي سبب فإن ذلك من نعمة الله عليه، فليحمد الله على ذلك.
٥ - الحذر من أهل السوء، وألا يغتر الإنسان بظاهر الحال، لكن إذا لم يكن إلا ظاهر الحال فلا بد أن يحكم بذلك، لقول النبي ﷺ : "إنما أقضي بنحو ما أسمع" (١) ولكن عليه أن يحترس، فإن الإنسان قد يغر غيره بحاله، لقوله: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾.
٦ - أن من أراد إضلال الخلق فإنه لا يضر إلا نفسه، لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ لأنهم عموا في الواقع عن الحق، ودعوا الناس إلى الباطل، فاكتسبوا إثمًا إلى آثامهم فأضلوا أنفسهم بذلك.
٧ - عصمة الرسول ﷺ من إضرار هؤلاء، لقوله: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾.
стр. 772
٨ - أن القرآن الكريم منزل من عند الله، لقوله: ﴿وَأَنْزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
٩ - إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿أَنْزَلَ﴾، والنزول يكون من أعلى. وعلو الله نوعان: علو معنوي، وعلو ذاتي.
فأما العلو المعنوي: فهو كمال أوصافه ، وهذا لا ينكره أحد ممن ينتسب إلى الإسلام، فكل من ينتسب إلى الإسلام يقر بعلو الله علوًا معنويًا.
والثاني: علو ذاتي، وهذا يثبته السلف وأئمة الأمة، وينكره الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، فهم ينكرون العلو الذاتي، وانقسموا إلى قسمين:
قسم منهم يقول: إن الله معنا في كل مكان، فليس له مكان أعلى، فإن كنا في المسجد فهو معنا، وإن كنا في البيت فهو معنا، وإن كنا في السوق فهو معنا، في أي مكان فهو معنا، ومع فلان وفلان في أي مكان، ولا شك أن هذا ضلال مبين؛ فإن الرب واحد، فكيف يكون ذاتيًا في كل مكان، فهذا يلزم منه إما التعدد وإما التجزؤ، ويلزم منه أيضًا أن يكون الله حالًا بالأمكنة، وهو أعظم من كل شيء؛ بل السماوات مطويات بيمينه، والأرض جميعًا قبضته سبحانه.
وأما الآخرون فقالوا: إن الله تعالى لا يوصف بأنه فوق العالم، ولا تحت العالم، ولا يمين العالم، ولا شمال العالم، ولا متصل بالعالم، ولا منفصل عن العالم، فأين هو؟ ! ! وهذا هو وصف العدم، ولهذا قال محمود بن سبكتكين ﵀ لمحمد بن فورك لما وصف الله بهذه الصفة، قال: فرِّق لنا بين
стр. 773
الرب الذي تعبده وبين العدم؟ أي: أن هذا هو العدم، ولو قيل للإنسان: صف العدم بأبلغ من هذا الوصف ما وجد إلى ذلك سبيلًا.
أما أهل الحق فقالوا: إن الله تعالى بذاته فوق كل شيء، ولا يمكن أن يكون في كل مكان، ولا يمكن أن نصفه بالعدم كما وصفه هؤلاء.
١٠ - أن القرآن كلام الله، وجهه: أن الله قال: ﴿وَأَنْزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ ومعلوم أن القرآن كلام، والكلام صفة المتكلم، فإذا كان الإنزال دالًا على علو المنزل كان ذلك دليلًا على أن القرآن كلام الله؛ لأن القرآن وصف لا يمكن أن يقوم بذاته، فلزم أن يكون كلام الله .
فإن قال قائل: في هذا الإستدلال نظر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦] وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] , ولا شك أن هذه الأشياء الثلاثة ليست كلام الله، ففي هذا الإستدلال نظر؟
فالجواب على ذلك أن يقال: هذه الأشياء أعيان قائمة بنفسها فهي مخلوقة، وأما القرآن فهو صفة لا تقوم بنفسها؛ لأنه كلام، فلزم من ذلك أن يكون صفة لله وليس بمخلوق، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة.
أما الأشاعرة فقالوا: هذا القرآن الذي بين أيدينا مخلوق، وكلام الله غير مخلوق؛ لأنهم يرون أن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وحقيقة قولهم: أنهم فسروا الكلام بالعلم وليس
стр. 774
بالكلام؛ لأن المعنى القائم بالنفس ليس كلامًا، بل إن الجهمية خير منهم في هذا الباب؛ لأن الجهمية يقولون: كلام الله مخلوق، وهو هذا الذي بين أيدينا، وهم يقولون: هذا الذي بين أيدينا مخلوق، وليس هو كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله! فصار الجهمية من هذا الوجه أحسن منهم.
١١ - فضيلة الرسول ﵊ حيث كان محلًا لإنزال الكتاب عليهم، وقد قال الله ﵎: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
١٢ - أن القرآن كتاب، فِعَال بمعنى مفعول، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة الكرام البررة، ومكتوب في المصاحف التي بأيدينا.
١٣ - أن النبي ﷺ أوتي الحكمة، والحكمة قيل: إنها السنة؛ لأن السنة حكمة، ولكن هذا القول وإن كان ذهب إليه كثير من العلماء ففي النفس منه شيء؛ لأن الحكمة الكائنة في القرآن كالحكمة الكائنة في السنة أو أعظم، وحينئذ نقول: المراد بالحكمة هي: الأسرار التي اشتملت عليها شريعة النبي ﷺ ، وما جاء به هذا القرآن، فيكون الله تعالى قد أنزل على رسوله أحكامًا وحكمًا، وهذا القول عندي هو الأرجح؛ لأن التعبير عن السنة بأنها منزلة من عند الله فيه شيء أيضًا؛ لأنه ليست السنة كلها وحيًا، بل منها ما هو وحي، ومنها ما هو إقرار من الله للرسول ﵊، وما أقر الله رسوله عليه فهو من عنده.
١٤ - فضيلة العلم؛ لأن الله امتن به على رسوله ﷺ حيث
стр. 775
قال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾، ولا شك أن العلم أشرف ما يلقاه الإنسان بعد الإسلام، فهو خير من المال، وخير من الأولاد، وخير من الأزواج، وخير من الدنيا كلها، وانظر إلى العلماء الذين نور علمهم بين أيدينا اليوم، وانظر إلى من في زمنهم من الملوك والسراة والوجهاء والأعيان وغير ذلك ذهب ذكرهم، لكن العلماء بقي ذكرهم، وصاروا يدرسون الناس وهم في قبورهم، وهذه فضيلة عظيمة للعلم، فما أُعطي الإنسان بعد الإسلام خيرًا من العلم.
والعجب! أن العلم كما قال القائل:
يزيد بكثرة الإنفاق منه ... وينقص إن به كفًا شددتا
فكلما علّمت غيرك ازداد علمك، وكلما أمسكت العلم نقص علمك، والمال بالعكس، ولولا أن الله ينزل البركة فيمن تصدق حتى لا تنقصه الصدقة لانتهى المال عن قرب.
١٥ - أن رسول الله ﷺ لا يعلم إلا من عند الله، ولا علم له بشيء إلا من عند الله، لقوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾.
فإن قال قائل: هذا يقتضي أن الرسول ﷺ كان جاهلًا من قبل، وهذا نقص فيه؟
فنقول: كلا، ليس نقصًا، بل هو كمال له؛ لأن إعطاءه الكمال بعد النقص من هذا الباب يعتبر كمالًا، ولا شك أن الرسول ﵊ قبل أن ينزل عليه الكتاب لا شك أنه كان لا علم عنده، لقول الله ﵎: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، ولقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا