← Тафсир

Тафсир · id 547

تفسير العثيمين: النساء

ابن عثيمين

Полный текст (1 106 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

عليه ورحمته لحصل له ما يحصل لغيره، لقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾. ٤ - أن الإنسان إذا منع من الضلال بسبب أو بغير سبب فذلك من فضل الله عليه، ويتجلى ذلك أن الإنسان أحيانًا يرى رأيًا في مسألة من المسائل أنها حرام أو حلال ثم يقيض الله له من يناظره في هذه المسألة حتى يتبين له الحق ويأخذ به، فهذا من نعمة الله عليه، ومن فضل الله عليه، وأحيانًا ينقدح له الحق دون مناظرة إما بالتأمل والتدبر، وإما بأن ينظر إلى أشياء أخرى يقيسها عليها أو غير ذلك. المهم: أن الإنسان متى تبين له الحق بأي سبب فإن ذلك من نعمة الله عليه، فليحمد الله على ذلك. ٥ - الحذر من أهل السوء، وألا يغتر الإنسان بظاهر الحال، لكن إذا لم يكن إلا ظاهر الحال فلا بد أن يحكم بذلك، لقول النبي ﷺ : "إنما أقضي بنحو ما أسمع" (١) ولكن عليه أن يحترس، فإن الإنسان قد يغر غيره بحاله، لقوله: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾. ٦ - أن من أراد إضلال الخلق فإنه لا يضر إلا نفسه، لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ لأنهم عموا في الواقع عن الحق، ودعوا الناس إلى الباطل، فاكتسبوا إثمًا إلى آثامهم فأضلوا أنفسهم بذلك. ٧ - عصمة الرسول ﷺ من إضرار هؤلاء، لقوله: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾.

стр. 772

٨ - أن القرآن الكريم منزل من عند الله، لقوله: ﴿وَأَنْزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. ٩ - إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿أَنْزَلَ﴾، والنزول يكون من أعلى. وعلو الله نوعان: علو معنوي، وعلو ذاتي. فأما العلو المعنوي: فهو كمال أوصافه ، وهذا لا ينكره أحد ممن ينتسب إلى الإسلام، فكل من ينتسب إلى الإسلام يقر بعلو الله علوًا معنويًا. والثاني: علو ذاتي، وهذا يثبته السلف وأئمة الأمة، وينكره الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، فهم ينكرون العلو الذاتي، وانقسموا إلى قسمين: قسم منهم يقول: إن الله معنا في كل مكان، فليس له مكان أعلى، فإن كنا في المسجد فهو معنا، وإن كنا في البيت فهو معنا، وإن كنا في السوق فهو معنا، في أي مكان فهو معنا، ومع فلان وفلان في أي مكان، ولا شك أن هذا ضلال مبين؛ فإن الرب واحد، فكيف يكون ذاتيًا في كل مكان، فهذا يلزم منه إما التعدد وإما التجزؤ، ويلزم منه أيضًا أن يكون الله حالًا بالأمكنة، وهو أعظم من كل شيء؛ بل السماوات مطويات بيمينه، والأرض جميعًا قبضته سبحانه. وأما الآخرون فقالوا: إن الله تعالى لا يوصف بأنه فوق العالم، ولا تحت العالم، ولا يمين العالم، ولا شمال العالم، ولا متصل بالعالم، ولا منفصل عن العالم، فأين هو؟ ! ! وهذا هو وصف العدم، ولهذا قال محمود بن سبكتكين ﵀ لمحمد بن فورك لما وصف الله بهذه الصفة، قال: فرِّق لنا بين

стр. 773

الرب الذي تعبده وبين العدم؟ أي: أن هذا هو العدم، ولو قيل للإنسان: صف العدم بأبلغ من هذا الوصف ما وجد إلى ذلك سبيلًا. أما أهل الحق فقالوا: إن الله تعالى بذاته فوق كل شيء، ولا يمكن أن يكون في كل مكان، ولا يمكن أن نصفه بالعدم كما وصفه هؤلاء. ١٠ - أن القرآن كلام الله، وجهه: أن الله قال: ﴿وَأَنْزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ ومعلوم أن القرآن كلام، والكلام صفة المتكلم، فإذا كان الإنزال دالًا على علو المنزل كان ذلك دليلًا على أن القرآن كلام الله؛ لأن القرآن وصف لا يمكن أن يقوم بذاته، فلزم أن يكون كلام الله . فإن قال قائل: في هذا الإستدلال نظر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦] وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] , ولا شك أن هذه الأشياء الثلاثة ليست كلام الله، ففي هذا الإستدلال نظر؟ فالجواب على ذلك أن يقال: هذه الأشياء أعيان قائمة بنفسها فهي مخلوقة، وأما القرآن فهو صفة لا تقوم بنفسها؛ لأنه كلام، فلزم من ذلك أن يكون صفة لله وليس بمخلوق، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة. أما الأشاعرة فقالوا: هذا القرآن الذي بين أيدينا مخلوق، وكلام الله غير مخلوق؛ لأنهم يرون أن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وحقيقة قولهم: أنهم فسروا الكلام بالعلم وليس

стр. 774

بالكلام؛ لأن المعنى القائم بالنفس ليس كلامًا، بل إن الجهمية خير منهم في هذا الباب؛ لأن الجهمية يقولون: كلام الله مخلوق، وهو هذا الذي بين أيدينا، وهم يقولون: هذا الذي بين أيدينا مخلوق، وليس هو كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله! فصار الجهمية من هذا الوجه أحسن منهم. ١١ - فضيلة الرسول ﵊ حيث كان محلًا لإنزال الكتاب عليهم، وقد قال الله ﵎: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. ١٢ - أن القرآن كتاب، فِعَال بمعنى مفعول، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة الكرام البررة، ومكتوب في المصاحف التي بأيدينا. ١٣ - أن النبي ﷺ أوتي الحكمة، والحكمة قيل: إنها السنة؛ لأن السنة حكمة، ولكن هذا القول وإن كان ذهب إليه كثير من العلماء ففي النفس منه شيء؛ لأن الحكمة الكائنة في القرآن كالحكمة الكائنة في السنة أو أعظم، وحينئذ نقول: المراد بالحكمة هي: الأسرار التي اشتملت عليها شريعة النبي ﷺ ، وما جاء به هذا القرآن، فيكون الله تعالى قد أنزل على رسوله أحكامًا وحكمًا، وهذا القول عندي هو الأرجح؛ لأن التعبير عن السنة بأنها منزلة من عند الله فيه شيء أيضًا؛ لأنه ليست السنة كلها وحيًا، بل منها ما هو وحي، ومنها ما هو إقرار من الله للرسول ﵊، وما أقر الله رسوله عليه فهو من عنده. ١٤ - فضيلة العلم؛ لأن الله امتن به على رسوله ﷺ حيث

стр. 775

قال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾، ولا شك أن العلم أشرف ما يلقاه الإنسان بعد الإسلام، فهو خير من المال، وخير من الأولاد، وخير من الأزواج، وخير من الدنيا كلها، وانظر إلى العلماء الذين نور علمهم بين أيدينا اليوم، وانظر إلى من في زمنهم من الملوك والسراة والوجهاء والأعيان وغير ذلك ذهب ذكرهم، لكن العلماء بقي ذكرهم، وصاروا يدرسون الناس وهم في قبورهم، وهذه فضيلة عظيمة للعلم، فما أُعطي الإنسان بعد الإسلام خيرًا من العلم. والعجب! أن العلم كما قال القائل: يزيد بكثرة الإنفاق منه ... وينقص إن به كفًا شددتا فكلما علّمت غيرك ازداد علمك، وكلما أمسكت العلم نقص علمك، والمال بالعكس، ولولا أن الله ينزل البركة فيمن تصدق حتى لا تنقصه الصدقة لانتهى المال عن قرب. ١٥ - أن رسول الله ﷺ لا يعلم إلا من عند الله، ولا علم له بشيء إلا من عند الله، لقوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾. فإن قال قائل: هذا يقتضي أن الرسول ﷺ كان جاهلًا من قبل، وهذا نقص فيه؟ فنقول: كلا، ليس نقصًا، بل هو كمال له؛ لأن إعطاءه الكمال بعد النقص من هذا الباب يعتبر كمالًا، ولا شك أن الرسول ﵊ قبل أن ينزل عليه الكتاب لا شك أنه كان لا علم عنده، لقول الله ﵎: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، ولقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا

стр. 776

الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] أي: لولا أن الله منَّ عليك بالعلم، نسأل الله أن يمن علينا بالعلم النافع. وقوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ الآية لا تدل على أنه علَّمه كل شيء، بل علمه ما لم يكن يعلمه من قبل، فجائز أن يكون علّمه ألف مسألة أو مليون مسألة أو عشر مسائل؛ لأنه قال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾، ولم يقل: علمك كل شيء، وبهذا نرد على أولئك الكاذبين الذين يقولون: إن الرسول ﷺ يعلم الغيب، ونقول: كذبتم، ورب العرش! الرسول ﷺ لا يعلم الغيب، وإذا كان بعض أخص أصحابه لا يدري أين ذهبوا وهم في مكان واحد، فكيف تقولون: إنه يعلم الغيب؟ ! وإذا كان يدخل بيته ولا يدري ما في البيت، ويقول: "هل عندكم شيء؟ " (١) وإذا قالوا: ليس عندنا شيء، قال: "ألم أر البرمة على النار؟ ! " (٢)، وهو لا يدري، فلعله ماء يفور، فالنبي ﵊ لا يعلم الغيب أبدًا، وقد قال الله ﵎ في كتابه العظيم: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، وليس يعطيه علم كل شيء، حتى الساعة جاء جبريل ﵇ يقول للرسول ﷺ : "متى الساعة؟ فقال: ما المسئول عنها بأعلم من

стр. 777

السائل" (١) فأشرف الرسل من الملائكة وأشرف الرسل من البشر كلاهما لا يعلم متى تقوم الساعة. ١٦ - بيان فضل الله على رسوله ﷺ وعظمه؛ لقوله: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. وربما يتفرع من هذه الفائدة: أن أعظم فضل يتفضل الله به على العبد هو العلم، ولا شك في هذا، ثم هذه البشرى هي لأهل العلم؛ إذا علمهم الله تعالى من شريعته ما علمهم، فإنما هم ورثة النبي ﷺ حيث علمهم من شريعته ما لم يكونوا يعلمون. * * * * قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ﴾ الإعراب: ﴿لَا خَيْرَ﴾: ﴿لا﴾ نافية للجنس، واسمها قوله: ﴿خَيْرَ﴾ مبني على الفتح في محل نصب، وقوله: ﴿فِي كَثِيرٍ﴾ هو خبرها، وقوله ﴿إِلَّا مَنْ﴾ هذه بدل. قوله: ﴿مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ يحتمل أن تكون جمعًا؛ كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧] فنجوى هنا بمعنى: متناجين؛ أي: ما يكون من متناجين ثلاثة إلا وهو رابعهم.

стр. 778

ويحتمل أن تكون مصدرًا، وعلى هذا فيكون المعنى: لا خير في كثير من مناجاة من تناجوا، هذا من حيث الإعراب، أما من حيث المعنى فهو واحد لا يختلف، والمعنى: أن كثيرًا مما يتناجى به هؤلاء لا خير فيه، والقليل فيه الخير. قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ﴾ ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ﴾ هل تحتاج إلى تقدير مضاف، فنقول: التقدير: إلا نجوى من، أو لا تحتاج؟ الجواب: نقول: هذا مبني على كلمة نجواهم، فإن قلنا: إنها مصدر احتاجت إلى التقدير، يعني: إلا نجوى من، وإن قلنا: نجوى بمعنى متناجين، فـ "من" هنا لا تحتاج إلى تقدير؛ لأن المعنى: لا خير في كثير من المتناجين إلا من أمر ففيهم الخير. والنجوى سواء قلنا: إن المعنى: متناجين، أو إنها مصدر النجوى فهي: الكلام الذي يسره الإنسان إلى جليسه، وسيأتي إن شاء الله بيان حكمها. وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ يعني: إلا الذي أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، فهذه ثلاثة أشياء. وقوله: ﴿مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ أي: من قال لغيره: تصدق، وهذه الكلمة تصدق إن وقعت من أعلى فهي أمر، أو من مساوٍ فهي التماس ومشورة، وهو شامل لهذا وهذا؛ أي: سواء كان الآمر له الإمرة على من وجه إليه الخطاب، أو كان الآمر ليس له إمرة، لكنه قاله على سبيل النصيحة والمشورة. وقوله: ﴿بِصَدَقَةٍ﴾ منكر، والتنكير يدل على الإطلاق، فيشمل القليلة والكثيرة. وقوله: ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ المعروف ما ليس بمنكر، وهو أعم

стр. 779

من الصدقة؛ لأن الصدقة إحسان، والمعروف ما يتعارف الناس عليه وإن لم يكن صدقة، مثال الأمر بالمعروف: كأن يأمر بالتسامح، أو يأمر بالتواصل، أو يأمر بالإحسان، وهذا لا يكون داخلًا في الصدقة، إذا خصصنا الصدقة بأنها صدقة المال. وقوله: ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ الإصلاح هو إزالة الفساد بين الناس، مثل أن يكون بين اثنين عداوة، فيسعى شخص إلى إزالة هذه العداوة، فهذا هو الإصلاح، وهو من أفضل الأعمال المقربة إلى الله. وقوله: ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾ يشمل المسلمين وغير المسلمين، فالإصلاح بين الناس خير سواء أصلحت بين المسلمين أو بين الكفار، أو بين المسلمين والكفار، وأخذنا العموم من قوله: ﴿النَّاسِ﴾. ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما سبق من الأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح. قوله: ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ ابتغاء: بمعنى طلب، مرضاة الله: أي: طلب أن يرضى الله عنه. قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ الفاء هنا رابطة لجواب ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ واقترن الجواب بالفاء؛ لأنه اقترن الجواب بسوف، يقول ابن مالك: واقرن بفا حتمًا جوابًا لو جعل ... شرطًا لإن أو غيرها لم ينجعل يعني: ما لا يصح أن يلي "إن" وجب أن يقرن بالفاء، وهذا ضابط اقتران الفاء بجواب الشرط. وما ذكر ابن مالك فيه فائدة، وهي: الإشارة إلى سبب

стр. 780

وجوب اقترانها بالفاء، وهو أنه لا يصح أن يكون فعلًا للشرط، فإذا لم يصح أن يكون فعلًا للشرط لم يصح أن يكون جوابًا، ولذلك وجب اقترانه بالفاء. ومعنى البيت إجمالًا: أنه إذا لم يصح أن يكون الجواب فعلًا للشرط وجب اقترانه بالفاء، وهذا الحكم؛ لأن ما لا يصح أن يكون شرطًا لا يصح أن يكون جوابًا، فلهذا وجب أن يقترن بالفاء. وقوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ في قوله: ﴿نُؤْتِيهِ﴾ قراءتان سبعيتان: ﴿نُؤْتِيهِ﴾، و"يؤتيه"، أما على قراءة "يؤتيه" فهي جارية على نسق الكلام؛ لأن الكلام كله في الغيب، وإذا قال: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ فقد خرج عن نسق الكلام، ويسمى هذا التفاتًا، وكل التفاتٍ لابد له من فائدة على حسب السياق. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن كثيرًا من كلام الناس ليس فيه خير، فما هو الميزان لما فيه الخير وما لا خير فيه؟ الجواب: الميزان ذكره النبي ﷺ بقوله: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (١) وفي قوله ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (٢)، وفي نهيه ﷺ عن قيل

стр. 781

وقال وكثرة السؤال، فهذه ثلاثة أحاديث كلها تبين ما هو الخير في الكلام. ٢ - فضيلة الصدقة، وجه ذلك: أنه إذا كان الآمر بالصدقة في أمره خير؛ ففاعل الصدقة من باب أولى. ٣ - حث الإنسان على الأمر بالخير والإحسان، لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. ٤ - فضيلة الأمر بالإصلاح بين الناس. ٥ - فضيلة الأمر بالمعروف؛ حيث قرنه الله تعالى بالأمر بالصدقة، لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾، والمعروف هو: كل ما عرفه الشرع وأقره فهو معروف، وكل ما أنكره ونهى عنه فهو منكر. ٦ - بيان أن هذه الأمور الثلاثة فيها خير وإن فعلها الإنسان بغير قصد ابتغاء وجه الله، وجهه: أن الله تعالى لما نفى الخير في كثير من النجوى استثنى هذه الثلاثة، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ٧ - وجوب العناية بالإخلاص؛ لأن هذه الثلاثة وإن كان فيها خير لأنها متعدية لكنه لا يحصل فيها الأجر العظيم. ٨ - أنه يصح إطلاق الفعل على القول، وتؤخذ من قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ مع أن الذي حصل أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح، وهذا إذا قلنا: إنها عائدة على مفهوم الأمر، أما إذا

стр. 782

قلنا: إنها عائدة على الصدقة والمعروف والإصلاح فإن هذا فعل ولا إشكال فيه؛ لأن المشار إليه بذلك مختلف فيه كما ذكرناه سابقًا. ٩ - إثبات الرضا لله ، لقوله: ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾، والرضا صفة فعلية؛ لأن كل صفة تتعلق بمشيئة الله إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها فهي صفة فعلية، هذا هو الضابط في ذلك، والرضا متعلق بالأشياء؛ لأن سببه الفعل الذي يرضى به الله، والفعل الذي يرضى به الله تابع لمشيئة الله؛ لأنه من فعل العبد وفعل العبد كائن بمشيئة الله. إذًا: فالرضا من الصفات الفعلية، وليعلم أن الصفات الفعلية كلها باعتبار الجنس صفات ذاتية، لكن أنواعها وأفرادها هي التي تحدث وتتجدد، أما أصلها وهو الفعل فهو صفة ذاتية، والدليل: أن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالًا، لكن المتجدد هو أنواع الفعل أو آحاد الفعل، فمثلًا: الإستواء على العرش مما حدث نوعه؛ لأننا لا نعلم فعلًا هو الإستواء إلا ما كان خاصًا بالعرش، وما كان خاصًا بالعرش فإنه قطعًا حصل بعد خلق العرش. والنزول إلى السماء الدنيا؛ هو حادث النوع، وحادث الآحاد أيضًا؛ لأن الله ينزل كل ليلة، والإستواء على العرش مطلق عام، ليس له حد بليلة ولا بيوم ولا بأسبوع ولا بشهر، لكن النزول متجدد؛ لأنه ينزل كل ليلة، فتبين أن صفات الأفعال أصلها ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال فَعَّالًا. وإذا قلت: ما الدليل على هذا؟

стр. 783

فنقول: لأن الفعل كمال، ولو قلنا: إنه يأتي أو يمر عليه زمن لم يكن فاعلًا لكان هذا نقصًا في الله ؛ لأننا إذا قلنا: أتى عليه زمن لم يكن فاعلًا فهذا لأنه غير قادر، فإن قلت: إنه غير قادر فهذا أمر مشكل، وإن قلت: إنه قادر، قلنا: هات الدليل على التحديد؛ لأن تحديد ما لم يقم عليه دليل يعتبر تحكمًا، فمن أي وقت صار الفعل ممكنًا في حقه؟ فلذلك نقول: إن صفات الأفعال أصلها ذاتي؛ لأن الله لم يزل ولا يزال فعالًا، أما أنواعها وآحادها فهي فعلية؛ لأنها تتعلق بمشيئته ﵎. وأما عند أهل التعطيل كالأشاعرة والمعتزلة والجهمية وأشباههم فيقولون: إن الله ليس له رضًا، لكنهم لا ينكرونه إنكار جحود، بل إنكار تأويل؛ لأن نفي الإنكار تكذيب للقرآن، ومكذب القرآن كافر، أما إذا قالوا: نعم، لله رضًا، لكن المراد بالرضا كذا، فهذا يسمى إنكار تأويل، ولا يكفرون بذلك إلا إذا كانت عندهم بدع كبيرة تكفر، فهذا شيء آخر. وبماذا يفسرون الرضا؟ يقولون: الرضا هو: الإثابة، فيقال: إن الإثابة ليست هي الرضا؛ لأن الإثابة فعل منفصل بائن عن الله ، فيثيب هؤلاء الذين يرضى عنهم بشيء منفصل بائن عن الله، بالجنة ونعيمها، وبالحياة الطيبة في الدنيا، وما أشبه هذا. إذًا: تفسيره بالإثابة غلط، ونقول: إذا فسرتموه بالإثابة لزم من ذلك ثبوت الرضا، إذ لا يمكن أن يثيب إلا من رضي عنه، ولا يثيب من غضب عليه أبدًا، بل يثيب من رضي عنه، ولهذا

стр. 784

مهما فروا من إنكار الرضا فإنه سوف يكون لازمًا لهم، مع المعاناة والتحريف لا يمكن أن ينفلتوا منه إطلاقًا، ولهذا نجد أن أريح المذاهب وأسهلها هو مذهب أهل السنة والجماعة، مذهب السلف الذين يقولون: ما أثبته الله لنفسه أثبتناه، وما نفاه عن نفسه نفيناه، فنقول: نحن نثبت الرضا لله كما أثبته لنفسه، وننفي عنه المثل كما نفاه عن نفسه، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وننفي التكييف أيضًا؛ لأنه لا علم لنا به، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] فتجد مذهب السلف سهلًا ليس فيه قلق، وليس فيه تناقض، وإنما التناقض عند أهل التحريف من المعتزلة وغيرهم. ١٠ - إثبات صفات الفعل في قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ١١ - أنه لا ينبغي للإنسان أن يستعجل الثواب، إذ قد يؤخر الله الثواب لحكمة، وتؤخذ من قوله: ﴿فَسَوْفَ﴾ الدالة على التسويف، وهي تدل على التحقيق، لكن تدل على أن الشيء ليس منتظرًا قريبًا، بل ولو على المدى البعيد، ولهذا لا تستعجل ثواب الله، بل ولا تستعجل إجابة الله للدعاء، كما جاء في الحديث: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي" (١) وكذلك انتظار الثواب لا تستعجل به.

стр. 785

ثم إنه ينبغي للإنسان أيضًا - ونسأل الله أن يعيننا على ذلك - إذا عمل العمل الصالح أن لا يستعجل ثواب الدنيا، فيكون مريدًا في الدنيا، يعني: مثلًا: من آمن وعمل صالحًا فقد قال الله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] فلو عملت لأجل أن يحييك الله حياة طيبة فهذا لا شك أنه خير، لكن خيرًا من ذلك أن تنوي ثواب الآخرة، وسيأتيك ثواب الدنيا. فإن أردت ثواب الدنيا والآخرة فلا بأس؛ لأن الله لم يذكر لنا ثواب الدنيا عبثًا، ولكن لتنشط الهمم وتنبعث النفوس، وإلا لكان كل ثواب ذكره الله في الدنيا يعتبر عبثًا ولغوًا، فلا حرج على الإنسان أن ينوي ثواب الدنيا والآخرة، لكن من ينوي ثواب الدنيا فقط فهذا لا شك أنه ناقص الإخلاص. ١٢ - عظم ثواب من فعل ذلك ابتغاء وجه الله، لقوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ لأن تعظيم الشيء من العظيم يدل على عظمته. ١٣ - بيان فضل الله على عباده، حيث سمى ثوابهم على العمل أجرًا، بمنزلة أجرة الأجير التي لا بد أن يُعطاها؛ لأنه هو مستحق لها، وهذا من نعمة الله أن يسمي الثواب الذي جعله على العمل أجرًا، بمنزلة أجرة الأجير اللازمة، مع أن الله هو الذي منَّ بالعمل، وهو الذي منَّ بالثواب، وبهذا يزول الإشكال في مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] فهذه الآية من المتشابه اتبعها من اتبعها من اليهود، وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١] والدليل على أنه فقير أنه طلب القرض فقال: ﴿مَنْ

стр. 786

ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ فيقال: تبًا لكم! إن الله غني عن عباده، قبل أن يخلقهم وبعد أن يخلقهم، لكنه شبه العمل بالقرض من باب الإحسان، وبيان أنه ملتزم بأن يثيب المطيع. فإن قال قائل: تقديرك هذا يقتضي أن يكون الله قد وجب عليه شيء؟ والله تعالى لا يجب عليه شيء؟ فالجواب: نعم، لا يجب عليه شيء من قبل الناس، فالناس لا يوجبون على الله شيئًا، لكن هو سبحانه أوجب على نفسه، وإذا أوجب على نفسه فهو من كماله، كما قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤] فهو الذي كتب على نفسه أن يثيب المطيع، وأن من عمل سوءًا بجهالة ثم تاب تاب الله عليه، ولهذا لما قال القائل: ما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا عمل لديه ضائع إن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع قال ابن القيم مثل هذا القول إلا أنه قيده ووضحه فقال: ما للعباد عليه حق واجب ... هو أوجب الأجر العظيم الشأن إن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله والفضل للمنان فبين ﵀ أنه لا واجب على الله للعباد إلا ما أوجبه على نفسه، فإذا أوجب الله على نفسه شيئًا فهو من فضله . * * * * قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].

стр. 787

قوله: "مَن" هذه شرطية، وليست موصولة؛ لأن الفعل بعدها مجزوم، وفك الإدغام هنا جائز، ولو أدغم لقال فيه: ومن يشاقِّ الرسول. وقوله: ﴿الرَّسُولَ﴾ "أل" هنا للعهد الذهني، والمراد به الرسول الذي أرسل إلى هذه الأمة، وهو محمد ﷺ . وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ متعلق بالمشاقة يعني: وجدت مشاقته ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ أي: تبين له الحق وظهر، والهدى: العلم الذي جاء به النبي ﷺ . ومن المعلوم أن النبي ﷺ بعث بالهدى ودين الحق، فالهدى هو: العلم، ودين الحق هو: العمل الصالح. وقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿يُشَاقِقِ﴾، يعني: يجمع بين الأمرين: مشاقة الرسول، واتباع غير سبيل المؤمنين. والمشاقة معناها: أن يكون في شق غير شق الرسول ﷺ ، فهي مأخوذة من الشق، وليس من المشقة. وقوله: ﴿غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يمكن أن نجعل ﴿غَيْرَ﴾ صفة لموصوف محذوف؛ أي: ويتبع سبيلًا غير سبيل المؤمنين، ويمكن أن نجعلها مفعولًا به بدون أن نقدر موصوف. وسبيل المؤمنين: هي طريقهم، ومن المعلوم أن المؤمنين ليس لهم طريق إلى الله إلا بشرعه. قوله: ﴿نُوَلِّهِ﴾ هذا جواب الشرط، وقوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ يعني: نتخلى عنه، ونجعل أمره إلى ما تولاه؛ كقوله ﷺ : "ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر

стр. 788

إليه" (١)، ومعنى: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ أي: نتركه فلا نتولاه، ونقول: لك ما توليت، ومن تعلق شيئًا وكِّل إليه. قوله: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ أي: ندخله جهنم حتى يصلاها، وصليها؛ أي: احتراقه بها. وقوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ الجملة جملة إنشائية للذم؛ أي: ما أسوأها مصيرًا، والمصير بمعنى: المرجع. فهذه الآية فيها التحذير والوعيد على من شاق الرسول ﵊، واتبع غير سبيل المؤمنين، بأن الله تعالى يعاقبه على ذلك بعقوبتين: العقوبة الأولى: أن الله يوليه ما تولى ويتخلى عنه. والعقوبة الثانية: أن الله يصليه جهنم، وجهنم اسم من أسماء النار. من فوائد الآية الكريمة: ١ - تحريم مشاقة الرسول، وأنها من كبائر الذنوب، وجهه: أنه رتب عليها العقوبة، وهي: التخلي عنه، وصليه جهنم. فإن قال قائل: هل هذا عام في كل مشاقة، أو هو مقيد بحسب ما تقتضيه النصوص؟ فالجواب: الثاني؛ لأن بعض أسباب المعاصي لا تخرج من الدين، ولا يترتب عليها هذا العقاب، لكن لو أن الإنسان أراد بمعصيته مخالفة الرسول صراحة وأظهر عدم رضاه بهذا الحكم فهذا يكفر، لا من أجل المعصية التي فعلها ولكن من أجل

стр. 789

المشاقة والمخالفة، وعدم الإلتزام بما جاء به الرسول ﷺ . ٢ - العذر بالجهل، لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾، فلو أنكر الإنسان شيئًا مما جاء به الرسول ﵊، وصار يحاج عليه، لكنه جاهل فإنه معذور؛ لأن الآية صريحة: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾. ٣ - أن ما جاء به النبي ﷺ فهو هدى ونور، ويتبين بأن يتأمل الإنسان ما جاء به الرسول ﵊ من العبادات والأخلاق والمعاملات وغير هذا، فإذا تأمله بعلم وعدل - يعني: كان منصفًا - تبين له الحق وعرف أن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق. ٤ - أنه مع التردد لا تقوم الحجة، لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ﴾، لكن على الإنسان أن يتبين ولا يقول: أنا ما اتضح لي الحق ولا أعرفه، يجب أن يبحث، وهذا يرد علينا، ففي بعض البلاد الإسلامية يكون فيها عوام مشركون شركًا صريحًا لا إشكال فيه، فيعبدون القبور، ويستغيثون بالأموات، وغير ذلك مما يأتونه من الشرك الأكبر، ويقال لهم: إن هذا شرك، لكن لا يبحثون، فهؤلاء لا يعذرون بجهلهم؛ لأنهم لم يطلبوا التبين، وهم مفرطون بلا شك. ٥ - الإحتجاج بالإجماع، لقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فإنه يستدل بذلك على أن سبيل المؤمنين حق، وهو كذلك يعني: أن الأمة إذا أجمعت على شيء فإنه حق، ولا يمكن لهذه الأمة التي اختارها الله ، وجعلها شهيدة على الناس كما قال: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وهي تشهد

стр. 790

على أفعالهم وعلى أحكام أفعالهم، لا يمكن أن يقال: إن إجماعها ضلالة أبدًا، بل إجماعها على الشيء حق، ولكن الذي يبقى هو تحقيق الإجماع، فهذا هو المشكل؛ لأنك أحيانًا ترى من العلماء الأجلاء من ينقل الإجماع والخلاف قائم موجود، وبعض العلماء - عفا الله عنهم - لا يقول: لا أعلم مخالفًا، إذ لو قال كذا لكان معذورًا، لكنه يقول: بالإجماع، أو أجمعوا على كذا، بينما الخلاف موجود بكثرة. ومن الغرائب: أنه نقل الإجماع على أن شهادة العبد مردودة، ونقل إجماع آخر على أن شهادة العبد مقبولة، وهذا لا يمكن، لكن السبب في ذلك عدم التحري والإطلاع على أقوال أهل العلم، وقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتاب الصواعق المرسلة طائفة كبيرة مما نقل فيه الإجماع، ونقله أئمة أجلاء وليس فيه إجماع. ومن الأمثلة بالإضافة إلى مسألة شهادة العبد، نقل بعض العلماء الإجماع على أن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة يبين المرأة، وقال: هذا مجمع عليه، ومن قال: إنه لا يبينها فقد خرج عن الإجماع وخالف سبيل المؤمنين، هذا الإجماع لا يمكن أن يصح أبدًا، لا بعد عهد عمر ولا قبل عهد عمر ﵁، أما قبل عهد عمر ﵁ فإنه لا يصح قطعًا، فقد قال ابن عباس ﵄: "كان الطلاق الثلاث على عهد النبي ﷺ ، وفي عهد أبي بكر، وسنتين من خلافة عمر واحدة" (١)، يعني:

стр. 791

الرجل إذا قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق فهي واحدة، ولهذا لما قال النبي ﷺ لركانة: "كيف طلقتها"؟ قال: طلقتها ثلاثًا، قال: "في مجلس واحد"، قال: نعم، قال: "فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت" (١)، وهذا واضح أنه كرر فقال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، لكن سأله وقال: "في مجلس واحد" لأنه إذا كان في مجلسين فيحتمل أنه راجع فيما بين الطلقتين، وإذا راجع فيما بين الطلقتين صارت الثانية واقعة. فعلى كل حال: أنا أريد أن أمثل أن بعض العلماء نقل الإجماع على أنها تبين بطلاق الثلاث، سواء كانت متفرقة أو مجموعة، ونحن نقول: هذا لا يصح؛ لأنه إذا كان في عهد الرسول ﷺ وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة كيف يصح الإجماع؟ ولهذا قال بعض العلماء: إن الإجماع على أنها لا تقع إلا واحدة، وهو إجماع قديم سابق، والذي قال ذلك: أسعد بالصواب ممن قال: إن الإجماع على أنها تبين بها المرأة ولا شك. فالمهم أن هذه مسائل يحتاج الإنسان فيها إلى تحرير المسألة، والإطلاع الكامل، وقد عرف عن بعض العلماء التساهل في نقل الإجماع، وعذرهم في ذلك أنهم لم يطلعوا على مخالف فتساهلوا في الأمر. ولا إجماع مع مخالفة الخمسة أو العشرة، بل ولا مع مخالفة الواحد والإثنين، إلا عند بعض العلماء، فابن جرير ﵀ يرى أن خلاف الواحد والإثنين لا ينقض

стр. 792

الإجماع، والصواب: أنه لا بد من إجماع كل المجتهدين، والعوام لا نعتبرهم، والمقلدون لا نعتبرهم؛ لأن العلماء أجمعوا على أن المقلد ليس من العلماء فلا يعتبر قوله؛ لأن المقلد نسخة من كتاب مؤلف في هذا المذهب، فالإجماع يكون من المجتهدين، وهنا في قوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشمل العامي والمقلد والعالم، فتخصيص ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالمجتهدين لأن العامي تابع للعالم، إذ ليس له رأي في الواقع فلا يعد، ولذلك تجد العامي يتبع العالم الذي في بلده، حتى إنه قبل أن يوجد الإتصال التام بين الناس إذا قيل مثلًا: قال الشيخ في الرياض كذا وكذا، ثم قيل: وقال الشيخ في بلد آخر كذا وكذا، لا يعتبرون القول الثاني؛ لأن العامي مع شيخ بلده. ٦ - أن سبيل المؤمنين طاعة الرسول ﵊؛ لأنه قال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ﴾، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إذًا: سبيل المؤمنين هي عدم المشاقة وهو كذلك، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أقوى اتباعًا لرسول الله ﷺ ، حتى كأنه يشاهد الرسول أمامه فيتبع أثره، وإذا اتبع الإنسان هذه الطريقة حصل له الراحة والطمأنينة وقوة الإيمان، كلما فعل شيئًا كأن الرسول ﷺ أمامه يرشده بقوله أو بفعله. وهذه المسألة يجب علينا أن ننتبه لها؛ حتى لا تضيع علينا أعمالنا سدى؛ لأن أكثرنا عنده الإتباع المطلق - والحمد لله -، لكن الإتباع الخاص في كل فعل يفعله أو يقوله، فهذا يُفقد منا كثيرًا فلا بد من التنبه له. ٧ - عقوبة من شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين بأنه

стр. 793

يولى ما تولى فيضيع، وهذا هو الواقع، ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، فالذنب سبب للذنب الآخر، وكلما أذنب الإنسان ذنبًا فليتهيأ لذنب آخر عقوبة له إلا أن يتوب. ٨ - إثبات النار والعذاب بها، لقوله: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، وهذه النار - أعاذنا الله منها - موجودة وهي مؤبدة. وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، ولم يعرف لأحد في ذلك خلاف إلا أقوال شاذة لا عبرة بها؛ لأن الله صرح بتأبيدها في آيات ثلاث في القرآن الكريم، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤] أعاذنا الله وإياكم منها. ٩ - ثناء الله بالذم والقدح على النار، لقوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، وصدق الله فإن أسوأ مصير يصير إليه الإنسان أن يصير إلى النار. * * * * قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦]. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ سبق الكلام على هذه الآية،

стр. 794

وكررها الله مرتين في هذه السورة، وكان بين الآيتين ذكر قتل النفس، وقد مر أن أهل العلم قالوا: إن قاتل النفس له توبة، واستدلوا لذلك بأن الله ذكر قتل النفس بين آيتين كلتاهما تدل على أن ما سوى الشرك فالله تعالى يغفره. وسبق القول في معنى ما دون ذلك. وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ وفي الآية الأولى: ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]. فيؤخذ من مجموع الآيتين أن المشرك مفترٍ ضال، وهو كذلك؛ لأن دعواه أن لله شريكًا كذب وافتراء عظيم. وكونه يبني على هذه الدعوى أن يشرك بالله يكون هذا ضلالًا، فمجرد قوله: إن الله له شريك، افتراء، ثم تطبيق ذلك في عمله يعتبر ضلالًا، فيؤخذ من الآيتين الكريمتين: أن المشرك مفتر ضال. وقوله: ﴿بَعِيدًا﴾ لعظم إثمه وذنبه. * * * * قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾ [النساء: ١١٧]. قوله سبحانه: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾. ﴿إِنْ﴾ هنا بمعنى "ما"، وعلامة كون ﴿إِنْ﴾ بمعنى "ما" أن تأتي بعدها ﴿إِلَّا﴾ ففي قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ﴾ [المائدة: ١١٠] المعنى: ما هذا، وفي قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] المعنى: ما هذا إلا ملك كريم، وفي قوله:

стр. 795

﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾ [فاطر: ٢٣] أي: ما أنت إلا نذير، فـ ﴿إِنْ﴾ تأتي بمعنى "ما" وعلامتها أن يأتي بعدها ﴿إِلَّا﴾، كما أن ﴿إِنْ﴾ لها معانٍ متعددة: فتأتي نافية، وتأتي مخففة من الثقيلة مثبتة عكس النافية؛ لأن المخففة من الثقيلة تفيد التوكيد، إذ أنها هي "إنَّ" لكن خففت، فتكون للتوكيد عكس "إِنْ" فإنها للنفي، قال الشاعر: ونحن أباةُ الضيم من آل مالكٍ ... وإن مالك كانت كرام المعادن أي: وإنَّ مالكًا كانت كرام المعادن، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤ ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ بمعنى: إنّ، واسمها، يقولون: إنه ضمير الشأن المحذوف، والتقدير: وإنه؛ أي: الشأن، أو وإنهم؛ أي: القوم، وبعضهم يقول: لا نقدر ضمير الشأن، بل نقدر ضميرًا مناسبًا للسياق، فإذا كانوا جماعة قلنا التقدير: إنهم ولا مانع. على كل حال: هذه ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، وهي على العكس من ﴿إِنْ﴾ النافية؛ لأنها للإثبات، وتوكيد الإثبات بخلاف ﴿إِنْ﴾ النافية. وتأتي ﴿إِنْ﴾ شرطية، وهذا كثير مثل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وتأتي زائدة يعني: وجودها كالعدم كقول الشاعر: بني غدانة ما إن أنتم ذهبٌ ... ولا صريف ولكن أنتم الخزف فالشاعر يهجو هؤلاء القوم، ويقول: لا أنتم ذهب ولا فضة، بل أنتم خزف، والناس معادن كما قال النبي ﷺ : "الناس معادن" (١)، معدن طيب ومعدن رديء.

стр. 796

على كل حال: هي في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ نقول: ﴿إِنْ﴾ نافية؛ أي: ما يدعو هؤلاء المشركون من دون الله - أي: سوى الله - إلا إناثًا، ومعنى قوله: ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ قيل: إن أسماء هذه الأصنام أسماء إناث: اللات، والعزى، ومناة، فهذه كلها أسماء إناث، والمؤنث دون المذكر في قوته ومرتبته ومقامه، وفي كل شيء قال الله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقيل المعنى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ أي: إن يدعون إلا شيئًا مثل الإناث لا يدفع عن نفسه فكيف يدفع عن غيره، وعلى هذا القول يدخل في ذلك الأصنام المذكرة مثل: هبل، فهبل مذكر، ومع ذلك يعبد من دون الله، وعلى هذا يكون هذا القول أولى بالصواب؛ لأنه أعم، ولأنه يدل على حقيقة هذه الأصنام وأنها لا تدفع عن نفسها شيئًا فكيف عن غيرها. قوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ أي: وما يدعون إلا شيطانًا مريدًا، والدعاء هنا بمعنى العبادة، يعني: وما يعبدون إلا الشيطان، والعبادة هنا بمعنى الطاعة؛ أي: يطيعون الشيطان، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠ - ٦١]، فالشيطان يأمرهم بالشرك فيشركون، فيكون شركهم بالشيطان شرك طاعة، وشركهم بالأصنام شرك عبادة، وقوم هذه حالهم لا خير فيهم، فهم لا يعبدون إلا ما لا ينفعهم، ولا يأتمرون إلا بأمر الشيطان.

стр. 797

وقوله: ﴿شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ المَريد: هو البالغ في العدوان والعتو غايته، وهل الشياطين أقسام: منهم المريد ومنهم غير المريد، أم أنها صفة كاشفة؟ في هذا قولين، فيحتمل أنها صفة كاشفة، والمعنى أن كل شيطان فهو مريد، ويحتمل أنها صفة مقيدة، وأن الشياطين ينقسمون إلى مردة وغيرهم، ولهذا جاء في حديث تصفيد الشياطين في رمضان في بعض الألفاظ: "تصفد مردة الشياطين" (١) أي: الشياطين العتاة الأقوياء بعتوهم. * * * * قال الله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾ [النساء: ١١٨ - ١١٩]. ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ اللعن بمعنى: الطرد والإبعاد عن رحمة الله ، وهذا يتعين أن يكون خبرًا؛ لأنه من الله، والله يفعل ولا يدعو على أحد، فالله تعالى يخبر بأنه لعنه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ [ص: ٧٨]، وفي الآية الثانية: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)﴾ [الحجر: ٣٥]، فلعنة الله ولعنة اللاعنين على إبليس إلى يوم الدين. قوله: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قوله: ﴿وَقَالَ﴾ الفاعل الشيطان، والواو للاستئناف، ولهذا يتعين

стр. 798

الوقوف على قوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ ثم تستأنف، ﴿وَقَالَ﴾ أي: الشيطان. وقوله: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ مقول القول: هو جملة ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾، وهذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام، ونون التوكيد. وقوله: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ المعنى: أتخذهم أولياء أتولاهم ويتولوني، والنصيب: الجزء من الشيء، وهذا النصيب أكبر بكثير من النصيب السابق؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن الله يقول يوم القيامة: "يا آدم؛ فيقول: لبيك وسعديك! فيقول: أخرج من ذريتك بعث النار، فيقول: يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون" (١). لكن يجب أن نعلم أن الشيطان لم يقل: لأتخذن من بني آدم، بل قال: ﴿مِنْ عِبَادِكَ﴾ و ﴿عِبَادِكَ﴾ أعم وأشمل من بني آدم، ولهذا قال: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ وهم الذين أغواهم من بني آدم. فعليه نقول: هل المراد بالعباد هنا: بنو آدم؟ إن قيل: هم بنو آدم صار من باب العام الذي يراد به الخاص، وحينئذ يكون هذا النصيب المفروض أكثر بكثير من الذين سلموا من إغوائه، وإذا قلنا: المراد بالعباد ما يشمل كل الخلق، ومنهم الملائكة الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، كذلك كل المخلوقات متذللة لله تذللًا شرعيًا أو تذللا قدريًا.

стр. 799

وعلى هذا يكون النصيب المفروض بالنسبة للعباد على سبيل العموم قليلًا، لكنه بالنسبة لبني آدم كثير؛ لأن من الألف من بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعين في النار وواحدًا في الجنة. وقوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ الفرض بمعنى الحتم، يعني: محتمًا مقدرًا، وقد أعطاه الله ذلك، ومكنه من إضلال بني آدم لحكمة أرادها سبحانه، ولكنه توعد من تابعه، وقال: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ [ص: ٨٥]. قوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ فهو يتخذهم أولياء يتولاهم ويتولونه، ويضلهم أيضًا عن صراط الله ، سواء في هذه الأمة أو في غيرها، والجملة هنا: مؤكدة بما أكدت به الجملة قبلها أي ثلاثة مؤكدات، وقوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن الصراط المستقيم. قوله: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أي: أَعِدُهُم بالأماني، وفعلًا وقع هذا لآدم، حيث قال له الشيطان: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]، ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾ [الأعراف: ٢١] فنسي آدم ﵊ أن الله نهاه وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] لكن وعدهم بأماني وقال: ﴿أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ يعني: على الشجرة التى إذا أكلتها تخلد، ويصير لك الملك الذي لا يبلى، فالشيطان يمني ابن آدم بعدة أماني: منها: أنه يسهل عليه أمر المعصية، ويقول: هذه سهلة .. وهذه صغيرة تكفر بالصلوات .. وتكفر بالعمرة، وهكذا، وما علم المسكين الذي أضله الشيطان أن الصلوات والعمرة إلى العمرة وما أشبه ذلك مما يكفر به الذنوب لا بد أن تكون كاملة، ومن

стр. 800

يأتي بكمال الصلاة؟ أكثر الناس عسى أن تصل صلواتهم إلى حد الإجزاء. وكذلك أيضًا يقول: هذه سهلة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. يُمَنيّه فيقول: أنت لو فرض أنك مت على المعصية فلك أولاد صالحون يدعون لك، وإذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث، وهلم جرا. المهم أنه يوقع الأماني في نفوسهم بأشكال كثيرة. قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ هل المعنى آمرنهم أمرًا صريحًا مواجهة أو أمر وحي من داخل النفس؟ الجواب: الثاني، وربما يتصور الشيطان بصورة إنسي فيأمره أمرًا صريحًا، لكن الأصل أنه أمر داخلي يأمره أن يفعل كذا وكذا، ولهذا قال: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ الفاء هذه للعطف، وهي معطوفة على آمر، وسيأتي إن شاء الله أنها تدل على تمام الإنقياد من هؤلاء. وقوله: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ يبتكن: أي: يقطعون، وإعراب قوله: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾ الفاء: عاطفة تدل على الترتيب والتعقيب، واللام: موطئة للقسم، يعني: تمهد للقسم لأنه يقدر قبلها، ويبتك: فعل مضارع مرفوع، وعلامة الرفع النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والنون للتوكيد؛ ولم يبنَ الفعل مع أن النون للتوكيد؛ لأنه غير مباشر، والواو محذوفة لالتقاء الساكنين، وهي فاعل، وأصل الكلمة هذه: "فليبتكونن آذان الأنعام" فحذفت النون الأولى كراهة توالي الأمثال، ولم تحذف نون التوكيد لأنه أتي بها

стр. 801

لعلامة، ولو حذفت لفاتت هذه العلامة، ثم حذفت الواو؛ لأنه لما حذفت النون الأولى التقت النون الثانية وأولها ساكن، بالواو الساكنة، فالتقى ساكنان، وابن مالك ﵀ يقول: إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق ... وإن يكن لينًا فحذفه استحق وهنا الأول لين، يعني: أحد حروف العلة، فيحذف. والمعنى: فليبتكن أي: فليقطعن آذان الأنعام، وليس مجرد التقطيع داخلًا في الآية، لكنهم يقطعون آذان الأنعام علامة على أنها محرمة؛ لأنهم يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله؛ فعندهم قواعد وضوابط معروفة، وقوانين وضعية وليست شرعية، ومنها أن الناقة إذا ولدت كذا وكذا بطنًا يجب أن تطلق، والعلامة قطع الأذن، وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] لكنها مفصلة لهذا التقطيع، وليسوا يقطعونها علامة ودليلًا على أنها ملك فلان كما لو قطعوها على أنها وسم، بل يقطعونها اعتقادًا باطلًا أنها أصبحت حرة، لا تركب، ولا يحمل عليها، ولا يشرب من لبنها، ولا غير ذلك. وقوله: ﴿الْأَنْعَامِ﴾ جمع نعم، كأسباب جمع سبب، والنعم يطلق على ثلاثة أشياء: الإبل والبقر والغنم. قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ هذا معطوف على قول الله: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾ يعني: أن الشيطان يأمر عباد الله أن يغيروا خلق الله، فما المراد بخلق الله؟ هل المراد به الفطرة التي فطر الناس عليها، فيكون المعنى: أنهم يغيرون فطرة الخلق من

стр. 802

التوحيد إلى الشرك، ومن اليقين إلى الشك، كما قال الله ﵎: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، أو المراد بتغيير خلق الله الوشم والوشر والنمص وما أشبه ذلك؟ الجواب: فيه قولان للعلماء، والصواب أنه شامل، بناءً على قاعدة التفسير المشهورة، أنه متى ذكر في الآية قولان لا تضاد بينهما، والآية تحتملهما وجب حملها على المعنيين جميعًا، وعلى هذا فهو يأمرهم أن يغيروا خلق الله الذي هو الفطرة التي فطر الناس عليها، وخلق الله التغيير الحسي بالتفليج والوشم والوشر وغير ذلك؛ لأن هذا أعم. وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ صدق الله ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ﴾ أي: يجعله ﴿وَلِيًّا﴾ أي: متولي؛ أي: يتولى الشيطان ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ وتولي الشيطان يكون بطاعته، فمن أطاع الشيطان وعصى الرحمن ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ والخسران ضد الربح، بل إن الخاسر هو الذي لم يحصل ولا على رأس ماله، فهو لم يربح بل خسر. وقوله: ﴿مُبِينًا﴾ مشتقة من أبان، فهي مشتقة من فعل رباعي، وأصلها مُبْين، لكن نقلت حركة الياء للساكن الصحيح قبلها، ونقل السكون الذي على ما قبلها إليها، فصارت ﴿مُبِينًا﴾ وهي من أبان، وأبان يصلح أن يكون لازمًا ويصلح أن يكون متعديًا، نقول: بان الفجر وأبان الفجر، فإذا جعلناها من اللازم ﴿مُبِينًا﴾ صارت بمعنى بيِّن واضح، وإذا جعلناها من المتعدي

стр. 803

أبان الشيء يعني: أظهره، صار المعنى أنه خسارة تظهر ذلك فيمن خسر وتتضح. * * * * قال الله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ [النساء: ١٢٠]. ﴿يَعِدُهُمُ﴾ ضمير الفاعل يعود على الشيطان، والهاء ضمير المفعول به يعود على العباد الذين أضلهم الشيطان، يعدهم بماذا؟ يعدهم بأشياء يتمنونها ويرجونها فيتبعونه، فمثلًا يقول للإنسان: افعل هذه المعصية وتب إلى الله، افعل هذه المعصية وهي صغيرة، افعل هذه المعصية ولك كذا وكذا، كما قال لآدم: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]. قوله: ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ أي: يرجيهم ويفتح أمامهم الآمال الكاذبة. قوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ وهنا إظهار في موضع الإضمار، وكان مقتضى السياق أن يقول: وما يعدهم إلا غرورًا، لكنه أظهر في مقام الإضمار لإظهار عداوته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]. وقوله ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ يعني: إلا خداعًا وباطلًا. من فوائد الآيات الكريمات: ١ - بيان حقيقة الأصنام، وأنها من الجنس الضعيف، لقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، وقد سبق لنا في التفسير هل المعنى أنهم يسمون الأصنام بأسماء الإناث، أو أن هذه الأصنام بضعفها مثل الإناث بالنسبة للذكور؟

стр. 804

٢ - أن عبادة الشيطان دعاء، لقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾. ٣ - أن الطاعة تسمى دعاء وعبادة، لقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾. ٤ - أن الشيطان يغوي بني آدم حتى يضلهم إلى هذا الحد، فيجعلهم عبادًا له، وقد سبق لنا الكلام عن كلمة مَرِيد هل هي صفة كاشفة أو صفة مقيدة؟ بمعنى هل الشياطين كلهم مردة، أو أنهم ينقسمون؟ وذكرنا في هذا قولين: يحتمل أنها صفة كاشفة، والمعنى: أن كل شيطان فهو مريد، ويحتمل أنها صفة مقيدة وأن الشياطين ينقسمون إلى مردة وغيرهم. ٥ - أن الله لعن الشيطان، لقوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾. ٦ - التحذير من الإنصياع لأوامر من لعنه الله؛ لأن هذه الجملة كالتعليل لذمهم حينما عبدوا الشيطان. ٧ - أن الشيطان أقسم بأن يتخذ من عباد الله نصيبًا مفروضًا، لقوله: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. ٨ - إثبات القول للشيطان، وأنه يقول كما أنه يفعل أيضًا، وقد أخبر النبي ﷺ أنه يأكل ويشرب بشماله، فهو يقول ويفعل ويُمَنِّي ويعد ويضر. ٩ - أن نصيب الشيطان من عباد الله مفروض؛ أي: مقدر لا بد أن يكون، وهذا كقوله تعالى في سورة هود: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]. ١٠ - أن الشيطان أقسم قسمًا مؤكدًا أن يضل هؤلاء النصيب الذين فرضوا له، وهذا القسم له مدلوله، فيتفرع عليه أنه

стр. 805

يجب علينا أن نحذر من وساوس الشيطان لأنها كلها ضلال، لقوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾. ١١ - أن هذا الإضلال الذي يقع من الشيطان لبني آدم مصحوب بالأمنيات، بمعنى أنه يدخل عليهم الأماني وأنهم ينالون خيرًا، وأن المعاصي لا تضرهم، وأن التوبة قريبة وما أشبه ذلك. ١٢ - الحذر ممن يضلك ويدخل عليك الأماني الكاذبة؛ لأن الضلال كله شر. ١٣ - تحريم قطع آذان الأنعام إذا كانت على الوجه الذي يستعمله أهل الجاهلية، وقد سبق أن أهل الجاهلية يقطعون أذان الأنعام للإشارة إلى أنها محرمة مسيبة، فهل يقال بناءً على ذلك: أن الإنسان لو قطع آذان الأنعام لمصلحة دنيوية فهل يجوز أو لا؟ الجواب: أنه يجوز؛ لأن هذا ليس من أوامر الشيطان. ١٤ - أن الشيطان يأمر بني آدم فيغيرون خلق الله، لقوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، وهل المراد تغييرهم خلق الله تعالى بالأنعام أو هو عام؟ الصواب: أنه عام، وقد مر علينا ذلك في التفسير، وأشرنا إلى حديث عبد الله بن مسعود ﵁. ١٥ - أن الأصل في تغيير خلق الله المنع؛ لأنه من أوامر الشيطان، وقولنا: الأصل احترازًا من تغيير خلق الله الذي أمر الله به؛ كحلق العانة، والشارب، ونتف الإبط وما أشبه ذلك، فإن هذا من التغيير؛ ولكنه مأذون فيه، فلا يدخل في أوامر الشيطان، إذ أن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء. وهل من تغيير خلق الله صبغ الشيب بالسواد؟ الجواب: نعم؛ لأن هذا الذي صبغه بالسواد أراد أن يعيد

стр. 806

نفسه شابًا، فيغير خلق الله من الشيخوخة إلى الشباب، ولهذا أمر النبي ﵊ بتغيير الشيب بغير السواد (١). ويدخل في تغيير خلق الله الوشم والوشر والنمص، كل هذا داخل. وهل يدخل في تغيير خلق الله حلق اللحية؟ الجواب: يحتمل أن يقال: إنه داخل، لا سيما إذا أصر الإنسان عليه وواظب عليه، ويحتمل أن يقال: إن هذا ليس تغييرًا لأن اللحية تنبت، وإذا كانت تنبت لم يغير الخلق، لكن غالب الذين ابتلوا بحلق اللحية يستمرون عليه، فيكون عملهم هنا محاولة لتغيير خلق الله ، وقد صرح بعض العلماء بأن حلق اللحية من تغيير خلق الله. ١٦ - التحذير من اتخاذ الشيطان وليًا، لقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾. فإن قال قائل: بماذا نعرف أن هذا الرجل موالٍ للشيطان أو لا؟ فالجواب: نقول: كل من عصى الله فإنه موالٍ للشيطان، لكن الولاية قد تكون عامة وقد تكون خاصة، فإذا أطاع الشيطان في الكفر والشرك كانت الولاية عامة، وإذا أطاعه في معصية من المعاصي كانت خاصة، وليعلم أنه يفوت من ولاية الإنسان لربه إذا والى الشيطان بقدر ما والى به الشيطان. ١٧ - بيان أن أكثر الخلق قد خسروا؛ لأن أكثر الخلق قد اتخذوا الشيطان وليًا من دون الله. ١٨ - التأكيد على التحذير من الشيطان ووعده وأمانيه،

стр. 807

فتكون الجملة الأخيرة: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ تأكيدًا لقوله: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾. ١٩ - التحذير من غرور الشيطان، وإدخال الأماني والرجاء، لقوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. * * * * قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١٢١]. ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه الذين أطاعوا الشيطان واتبعوه. قوله: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: مرجعهم، وجهنم: اسم من أسماء النار، وسميت بذلك لأنها - والعياذ بالله - قعيرة وسوداء مظلمة، فهي كلها جهمة. قوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ أي: لا يجدون عنها ملاذًا ومفرًا، بل هم خالدون فيها ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] كما في آيات أخرى. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن مرجع الطائعين للشيطان جهنم، وأنه لا يمكن أن يخرجوا منها، ويكون ذلك على من أطاعوه طاعة مطلقة، أما من أطاعوه في بعض المعاصي فإن مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يخلدون في النار، وإنما يعذبون بقدر أعمالهم ثم يخرجون من النار. ٢ - إثبات جهنم وهي النار، لقوله: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾.

стр. 808

٣ - أن أهل جهنم لا يمكن أن ينجوا منها، والمراد بأهلها الكفار الذين خرجوا من الإسلام إلى الكفر. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء: ١٢٢]. مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن القرآن الكريم مثاني تثنى فيه المعاني، فإذا جاء الوعيد جاء الوعد، وإذا جاء ذكر النار جاء ذكر الجنة، وإذا جاء ذكر المؤمنين جاء ذكر الكافرين، وهلم جرا، وذلك من أجل أن لا يكون الإنسان خائفًا دائمًا فيستولي عليه اليأس، ولا راجيًا دائمًا فيستولي عليه الأمن من مكر الله، بل يكون بين هذا وهذا. قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لا يكفي الإيمان، بل لا بد من إيمان وعمل، وقوله: ﴿آمَنُوا﴾ أي: آمنوا بكل ما يجب الإيمان به من أمور الغيب، وقد بيَّن النبي ﷺ أصول ذلك في حديث جبريل ﵇ حيث قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره" (١). وأما قوله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فالمراد بالصالحات الأعمال. ولهذا قال النحويون: إن الصالحات صفة لموصوف محذوف، والتقدير: الأعمال الصالحات، وحذف الموصوف كثير

стр. 809

في اللغة وفي القرآن أيضًا، كما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١]؛ أي: دروعًا سابغات. والأعمال الصالحات ما كان خالصًا صوابًا، فالخالص: هو الخالص لله الذي ليس فيه شرك لأحد، والصواب: هو الذي كان على شريعة الله، وبهذا ينتفي الإشراك وتنتفي البدعة، فالإشراك ينتفي بالإخلاص، والبدعة تنتفي بالمتابعة، ولا يمكن أن تتحقق المتابعة إلا إذا وافقت الشرع في أمور ستة، وهي: السبب، والجنس، والقدر، والهيئة، والزمان، والمكان، إذا وافق العمل الشرع في هذه الأمور الستة تحققت فيه المتابعة، وإن اختل واحد منها فلا متابعة. أولًا: السبب، فلو أن الإنسان تعبد لله تعالى عبادة مقرونة بسبب لم يجعله الله سببًا فلا متابعة، ومن ذلك ما يحدث في مولد النبي ﷺ من الصلاة عليه والأذكار وغير ذلك، فهي حتى وإن كانت مباحة فإنها ليست موافقة للشرع؛ لأن مرور الوقت الذي ولد فيه ليس سببًا لإحداث هذه العبادة. كذلك أيضًا يوجد بعض الناس إذا تجشأ قال: الحمد لله، وهذا لا يصح؛ لأن التجشأ ليس سببًا للحمد، وإلا لكان خروج الريح من الدبر سببًا للحمد، ولا قائل به حتى من العوام. إذًا: نقول: هذا يعتبر غير متبع فيه الرسول ﵊. وبعض الناس إذا أعطيته بخورًا، قال: اللهم صل على محمد، فجعل تبخره سببًا للصلاة على النبي ﷺ ، فنقول: هذا

стр. 810

ليس فيه اتباع؛ لأن النبي ﷺ كان يتطيب ولم ينقل عنه أنه كلما تطيب صلى على النبي. ومن ذلك أيضًا: أن بعض الناس إذا تثاءب يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فهذا ليس له أصل، وليس من الشرع؛ لأن النبي ﷺ دلنا على ما نفعله فإذا حصل التثاؤب، بأن يكظم الإنسان ما استطاع فإن لم يستطع فإنه يضع يده على فيه. الثاني: أن تكون العبادة موافقة للشرع في جنسها، فلو تعبد لله تعالى بشيء لم يتعبد الله عباده بجنسه فإنه لا يقبل، ولا يكون من الشرع، مثاله: أن يضحي بفرس، والفرس حلال، لكنه لو ضحى به لم تقبل أضحيته؛ لأنه مخالف للشرع في جنسه، إذ أن الأضاحي لا تكون إلا من بهيمة الأنعام. الثالث: أن تكون العبادة موافقة للشرع في قدرها، فلو أنه صلى خمسًا في رباعية، أو أربعًا في ثلاثية، أو ثلاثًا في ثنائية لم تصح عبادته؛ لأنه زاد على القدر المشروع، وكذلك لو توضأ أربع مرات فإن هذه الزيادة لا يؤجر عليها؛ لأنه زاد عن الأمر المشروع، وكذلك لو طاف ثمانية أشواط فالزائد ليس من الشرع فلا يثاب عليه. الرابع: أن تكون العبادة موافقة للشرع في هيئتها، بأن تكون على الهيئة التي وردت، فلو أن الإنسان صلى فسجد قبل أن يركع، أو أتى بالركوع ولكن بعد السجود لم تقبل لمخالفتها الشرع في هيئتها، وكذلك لو توضأ منكسًا فبدأ بغسل الرجل ثم مسح الرأس، ثم غسل اليدين إلى المرفقين، ثم غسل الوجه، فإن هذا الوضوء لا يصح.
следующие страницы →