نفسه شابًا، فيغير خلق الله من الشيخوخة إلى الشباب، ولهذا أمر النبي ﵊ بتغيير الشيب بغير السواد (١).
ويدخل في تغيير خلق الله الوشم والوشر والنمص، كل هذا داخل.
وهل يدخل في تغيير خلق الله حلق اللحية؟
الجواب: يحتمل أن يقال: إنه داخل، لا سيما إذا أصر الإنسان عليه وواظب عليه، ويحتمل أن يقال: إن هذا ليس تغييرًا لأن اللحية تنبت، وإذا كانت تنبت لم يغير الخلق، لكن غالب الذين ابتلوا بحلق اللحية يستمرون عليه، فيكون عملهم هنا محاولة لتغيير خلق الله ، وقد صرح بعض العلماء بأن حلق اللحية من تغيير خلق الله.
١٦ - التحذير من اتخاذ الشيطان وليًا، لقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾.
فإن قال قائل: بماذا نعرف أن هذا الرجل موالٍ للشيطان أو لا؟
فالجواب: نقول: كل من عصى الله فإنه موالٍ للشيطان، لكن الولاية قد تكون عامة وقد تكون خاصة، فإذا أطاع الشيطان في الكفر والشرك كانت الولاية عامة، وإذا أطاعه في معصية من المعاصي كانت خاصة، وليعلم أنه يفوت من ولاية الإنسان لربه إذا والى الشيطان بقدر ما والى به الشيطان.
١٧ - بيان أن أكثر الخلق قد خسروا؛ لأن أكثر الخلق قد اتخذوا الشيطان وليًا من دون الله.
١٨ - التأكيد على التحذير من الشيطان ووعده وأمانيه،
стр. 807
فتكون الجملة الأخيرة: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ تأكيدًا لقوله: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾.
١٩ - التحذير من غرور الشيطان، وإدخال الأماني والرجاء، لقوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾ [النساء: ١٢١].
﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليه الذين أطاعوا الشيطان واتبعوه.
قوله: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: مرجعهم، وجهنم: اسم من أسماء النار، وسميت بذلك لأنها - والعياذ بالله - قعيرة وسوداء مظلمة، فهي كلها جهمة.
قوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ أي: لا يجدون عنها ملاذًا ومفرًا، بل هم خالدون فيها ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] كما في آيات أخرى.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن مرجع الطائعين للشيطان جهنم، وأنه لا يمكن أن يخرجوا منها، ويكون ذلك على من أطاعوه طاعة مطلقة، أما من أطاعوه في بعض المعاصي فإن مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يخلدون في النار، وإنما يعذبون بقدر أعمالهم ثم يخرجون من النار.
٢ - إثبات جهنم وهي النار، لقوله: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾.
стр. 808
٣ - أن أهل جهنم لا يمكن أن ينجوا منها، والمراد بأهلها الكفار الذين خرجوا من الإسلام إلى الكفر.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء: ١٢٢].
مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن القرآن الكريم مثاني تثنى فيه المعاني، فإذا جاء الوعيد جاء الوعد، وإذا جاء ذكر النار جاء ذكر الجنة، وإذا جاء ذكر المؤمنين جاء ذكر الكافرين، وهلم جرا، وذلك من أجل أن لا يكون الإنسان خائفًا دائمًا فيستولي عليه اليأس، ولا راجيًا دائمًا فيستولي عليه الأمن من مكر الله، بل يكون بين هذا وهذا.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لا يكفي الإيمان، بل لا بد من إيمان وعمل، وقوله: ﴿آمَنُوا﴾ أي: آمنوا بكل ما يجب الإيمان به من أمور الغيب، وقد بيَّن النبي ﷺ أصول ذلك في حديث جبريل ﵇ حيث قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره" (١).
وأما قوله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فالمراد بالصالحات الأعمال. ولهذا قال النحويون: إن الصالحات صفة لموصوف محذوف، والتقدير: الأعمال الصالحات، وحذف الموصوف كثير
стр. 809
في اللغة وفي القرآن أيضًا، كما في قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١]؛ أي: دروعًا سابغات.
والأعمال الصالحات ما كان خالصًا صوابًا، فالخالص: هو الخالص لله الذي ليس فيه شرك لأحد، والصواب: هو الذي كان على شريعة الله، وبهذا ينتفي الإشراك وتنتفي البدعة، فالإشراك ينتفي بالإخلاص، والبدعة تنتفي بالمتابعة، ولا يمكن أن تتحقق المتابعة إلا إذا وافقت الشرع في أمور ستة، وهي: السبب، والجنس، والقدر، والهيئة، والزمان، والمكان، إذا وافق العمل الشرع في هذه الأمور الستة تحققت فيه المتابعة، وإن اختل واحد منها فلا متابعة.
أولًا: السبب، فلو أن الإنسان تعبد لله تعالى عبادة مقرونة بسبب لم يجعله الله سببًا فلا متابعة، ومن ذلك ما يحدث في مولد النبي ﷺ من الصلاة عليه والأذكار وغير ذلك، فهي حتى وإن كانت مباحة فإنها ليست موافقة للشرع؛ لأن مرور الوقت الذي ولد فيه ليس سببًا لإحداث هذه العبادة.
كذلك أيضًا يوجد بعض الناس إذا تجشأ قال: الحمد لله، وهذا لا يصح؛ لأن التجشأ ليس سببًا للحمد، وإلا لكان خروج الريح من الدبر سببًا للحمد، ولا قائل به حتى من العوام.
إذًا: نقول: هذا يعتبر غير متبع فيه الرسول ﵊.
وبعض الناس إذا أعطيته بخورًا، قال: اللهم صل على محمد، فجعل تبخره سببًا للصلاة على النبي ﷺ ، فنقول: هذا
стр. 810
ليس فيه اتباع؛ لأن النبي ﷺ كان يتطيب ولم ينقل عنه أنه كلما تطيب صلى على النبي.
ومن ذلك أيضًا: أن بعض الناس إذا تثاءب يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فهذا ليس له أصل، وليس من الشرع؛ لأن النبي ﷺ دلنا على ما نفعله فإذا حصل التثاؤب، بأن يكظم الإنسان ما استطاع فإن لم يستطع فإنه يضع يده على فيه.
الثاني: أن تكون العبادة موافقة للشرع في جنسها، فلو تعبد لله تعالى بشيء لم يتعبد الله عباده بجنسه فإنه لا يقبل، ولا يكون من الشرع، مثاله: أن يضحي بفرس، والفرس حلال، لكنه لو ضحى به لم تقبل أضحيته؛ لأنه مخالف للشرع في جنسه، إذ أن الأضاحي لا تكون إلا من بهيمة الأنعام.
الثالث: أن تكون العبادة موافقة للشرع في قدرها، فلو أنه صلى خمسًا في رباعية، أو أربعًا في ثلاثية، أو ثلاثًا في ثنائية لم تصح عبادته؛ لأنه زاد على القدر المشروع، وكذلك لو توضأ أربع مرات فإن هذه الزيادة لا يؤجر عليها؛ لأنه زاد عن الأمر المشروع، وكذلك لو طاف ثمانية أشواط فالزائد ليس من الشرع فلا يثاب عليه.
الرابع: أن تكون العبادة موافقة للشرع في هيئتها، بأن تكون على الهيئة التي وردت، فلو أن الإنسان صلى فسجد قبل أن يركع، أو أتى بالركوع ولكن بعد السجود لم تقبل لمخالفتها الشرع في هيئتها، وكذلك لو توضأ منكسًا فبدأ بغسل الرجل ثم مسح الرأس، ثم غسل اليدين إلى المرفقين، ثم غسل الوجه، فإن هذا الوضوء لا يصح.
стр. 811
الخامس: أن تكون العبادة موافقة للشرع في الزمان، فلو أن الإنسان صلى قبل الوقت بدقيقة واحدة، فصلاته غير صحيحة؛ لأنها لم تكن في الوقت الذي عينه الشرع، ولو ضحى الإنسان - أي: ذبح أضحيته - في اليوم التاسع من ذي الحجة لم تقبل؛ لأنها في غير الزمن الذي عينه الشرع.
السادس: أن تكون العبادة موافقة للشرع في مكانها، فلو اعتكف في بيته بدلًا عن المسجد لم يقبل اعتكافه؛ لأنه على غير الوجه المشروع.
إذًا: العمل الصالح هو الذي توبع فيه النبي ﷺ ، ولا تتحقق المتابعة حتى تكون العبادة على وجه الشرع في أمور ستة.
قوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ هذه الجملة خبر لمبتدأ، وهو "الذين"، والسين فيها للتحقيق والتقريب، أما التحقيق فلا إشكال، وأما التقريب فإنه وإن كان بعيدًا فإنه لتحقق وقوعه يكون كالقريب؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، فعبر بالماضي عن المستقبل وذلك لتحقق وقوعه؛ لأنه قد يورد الإنسان عليه إيرادًا فيقول: إذا قلت: إن السين في ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ للتحقيق والتقريب فالإنسان ربما يبقى في الدنيا ثمانين سنة قبل أن يموت، فنقول: المحقق كالقريب، فالمستقبل لا شك أنه قريب مهما بعد، والماضي بعيد مهما قرب.
قوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾ وأحيانًا يأتي التعبير "جنة" مفردًا، ولا منافاة، فهي جنة باعتبار الجنس، وجنات باعتبار الأنواع كما قال النبي ﷺ : "جنتان من
стр. 812
ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما" (١)، فما هي الجنة؟ يقول بعض الناس: الجنة هي البستان الملتف الأشجار مع كثرتها، وإذا عرفناها بهذا التعريف ربما تقل من قيمتها أمام العامة، فنقول: الجنات هي الدار العظيمة التي أعدها الله تعالى للمتقين، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ليس المعنى: من تحت أرضها، بل من فوق الأرض، لكنها من تحت القصور والأشجار، والنهر المطرد من تحت الأشجار والقصور يكون له منظر جميل جذاب، جعلنا الله من أهلها بمنه وكرمه.
قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ هذا جزاء المتقين الذين قاموا بالإيمان والعمل الصالح.
ثم قال : ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ ﴿وَعْدَ﴾ مصدر، عاملها مضمون الجملة السابقة، فهو مصدر مؤكد لمضمون الجملة، ولهذا لا يصح أن يذكر معه العامل؛ أي: عامل المصدر؛ لأنه إذا ذكر معه عامل المصدر بقي التوكيد لهذا العامل لا للجملة، والمقصود هو تأكيد الجملة؛ أي: أن هذا الخبر من الله وعد.
وقوله: ﴿حَقًّا﴾ قيل: إنه مصدر مؤكد لمصدر قبله؛ أي: حق؛ أي: أن هذا الوعد حق وقيل إنه: مصدر لفعل محذوف، والتقدير: أحق ذلك حقًا.
стр. 813
والحق هو الشيء الثابت، وضده الباطل، وهو الزائل الضائع سدى، وأما الحق فهو ثابت وليس بضائع، بل هو مقصود بذاته، وله ثمراته العظيمة.
قوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام، لكنه مشرب معنى النفي، فهو أبلغ من الإستفهام المجرد، وأبلغ من النفي المجرد، وقد ذكرنا فيما سبق أنه إذا أشرب الإستفهام معنى النفي فإنه يكون مشربًا معنى التحدي؛ أي: إن كنت تزعم أن أحدًا أصدق من الله قيلًا فأت به.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾ أصدق: اسم تفضيل مأخوذ من الصدق، والصدق هو: الإخبار بما يوافق الواقع، وضده الكذب، وهو: الإخبار بما يخالف الواقع.
وقوله: ﴿قِيلًا﴾ بمعنى: قولًا، وهو تمييز واقع بعد اسم التفضيل؛ كقوله تعالى: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤].
من فوائد الآية الكريمة:
١ - بيان جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
٢ - أن الإيمان وحده لا يكفي، بل لا بد من عمل، وأن العمل وحده لا يكفي، بل لا بد من إيمان، فلا يستحق الجنة إلا من جمع بين الإيمان والعمل الصالح، وإذا ذكر ثواب الجنة مقيدًا أو معلقًا بالإيمان وحده، فالمراد بذلك الإيمان المتضمن للعمل الصالح.
٣ - أن العمل لا ينفع صاحبه إلا إذا كان صالحًا، والعمل الصالح هو: الخالص الصواب؛ أي: ما ابتغي به وجه الله، وكان على شريعة الله.
стр. 814
٤ - أن نشهد لكل مؤمن عمل الصالحات بأنه يدخل الجنة، لقوله تعالى: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ وهذا على سبيل العموم، فإننا نشهد لكل مؤمن عامل للصالحات أنه سيدخل الجنة، لكن لا نطبق الشهادة هذه على جميع أفراد العموم، بمعنى: أن نخص واحدًا بعينه إلا من شهد الله له بذلك، أو شهد له رسوله ﷺ ، أو أجمعت عليه الأمة.
إذًا: الشهادة لمعين بالجنة لا تكون إلا لأحد ثلاثة:
الأول: من أخبر الله عنه بأنه من أهل الجنة.
والثاني: من أخبر عنه الرسول ﵊.
والثالث: من أجمعت الأمة عليه؛ أي: على الثناء عليه وأنه من أهل الخير وأنه من أهل الحق.
فمن الأول: أبو بكر ﵁، فإن قول الله ﵎: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾ [الليل: ١٤ - ٢١]، أكثر المفسرين يقولون: إن هذه نزلت في أبي بكر، وعلى هذا تكون الآية دالة على الإخبار أنه ﵁ سيجنب النار، وإذا جنب النار فسيكون من أهل الجنة لأنه ليس هناك إلا داران.
وأما من شهد له النبي ﷺ بالجنة فكثير، فمثلًا: زوجات الرسول كلهن في الجنة؛ لأن زوجاته في الدنيا هن زوجاته في الآخرة، ومن ذلك العشرة المبشرون بالجنة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وسعيد، وسعد بن أبي وقاص .. ﵃،
стр. 815
ومنهم ثابت بن قيس بن شماس ﵁، فقد شهد له النبي ﷺ بالجنة، ومنهم بلال ﵁ شهد له النبي ﷺ بالجنة، ومنهم عكاشة بن محصن ﵁ شهد له النبي ﷺ بالجنة، والأمثلة على هذا كثيرة.
وأما ما أجمعت الأمة عليه فدليله: "أن النبي ﷺ مرت به جنازة فأثنوا عليها خيرًا فقال: "وجبت"، ثم مرت به أخرى فأثنوا عليها شرًا فقال: "وجبت"، قالوا: ما وجبت يا رسول الله؟ ! قال: "أما الأول فأثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وأما الثاني فأثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في أرضه" (١).
ولكن من كان ظاهره الإيمان والعمل الصالح نقول: إن من آمن وعمل صالحًا فهو من أهل الجنة، ولا نقول هذا بعينه؛ لأننا لا نعلم ماذا يختم له، نسأل الله أن يختم لنا بخير، فهذا الرجل الذي كان مع النبي ﷺ في غزاة، وكان بطلًا شجاعًا مقدامًا لا يدع للعدو شاذة ولا فاذة، فقال النبي ﷺ : "هو من أهل النار" فعظم ذلك على الصحابة وشق عليهم، لما يرونه من جهاده، فقال رجل من الصحابة: لألزمنه، يعني: ألازمه حتى أنظر ماذا تكون خاتمته، فلزمه، فأصاب هذا الرجل سهم من العدو فجزع جزعًا شديدًا، فسل سيفه ثم وضع ذبابته على صدره واتكأ عليه حتى خرج مع ظهره فمات والعياذ بالله، فجاء الرجل الذي لزمه إلى النبي ﷺ ، وقال: أشهد أنك رسول الله، إن الرجل الذي قلت: إنه من أهل النار، حصل عليه كيت وكيت، فقال ﵊: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس،
стр. 816
وهو من أهل النار" (١) نعوذ بالله.
ولهذا لا يجوز أن نشهد لشخص بأنه في الجنة وإن كنا نرى أن عمله من عمل أهل الجنة.
٥ - أن الله يقول، والقول هو لفظ مسموع، فيكون الله سبحانه يقول قولًا حقيقيًا، وهو مسموع، وإلا لما كان قولًا؛ لأن القول الذي هو قول النفس لا بد أن يقيد كما في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨].
وأما إذا أطلق فالمراد به القول المسموع، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، أن الله تعالى يقول قولًا مسموعًا، وأنه بصوت وأنه بحرف، وهذا لا يتضمن أي نقص ولا مماثلة بل هو كمال، وهناك مذاهب ذكرها ابن القيم في مختصر الصواعق المرسلة بلغت ثمانية مذاهب، فلتراجع في موضعها في كلام الله ، والمشهور من هذه المذاهب: مذهب الأشاعرة بأن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأما ما يسمع فهو أصوات مخلوقة خلقها الله لتعبر عما في نفسه.
وقالت الجهمية: بل كلام الله مخلوق، وإضافته إلى الله تعالى من باب التشريف وليس من باب الوصف، فقالوا: إن كلام الله كغيره من المخلوقات، وكلاهما خالف السنة؟ والأشاعرة أبعد عن السنة من المعتزلة؛ لأن الجميع اتفقوا على أن ما يسمع فهو مخلوق، لكن المعتزلة قالوا: هو كلام الله، والأشاعرة قالوا: ليس كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله، وكلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وعلى كلامهم يكون الكلام بمعنى العلم تمامًا، وهذا كله باطل.
стр. 817
٦ - وصف كلام الله تعالى بالصدق، لقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ وهل يمكن أن يوصف بالكذب؟ كلا والله، لا يمكن.
فإن قال قائل: أليس أهل البلاغة يقولون: إن الخبر هو ما احتمل الصدق والكذب؟
قلنا: بلى، لكنهم يقيدون ذلك فيقولون: ما احتمل الصدق والكذب لذاته؛ أي: بقطع النظر عن قائله، فإن من القول ما يقطع بكذبه، ومن القول ما يقطع بصدقه، ولا يحتمل هذا ولا هذا.
٧ - أنه يصح أن نضع اسم التفضيل بين صفات الله وصفات الخلق، فنقول: كلام الله أصدق الكلام، وعلم الله أوسع العلوم، والله تعالى أعلم من غيره، وقد ظن بعض الناس أنك إذا قرنت الوصف باسم التفضيل فإنك قد مثلت الله، حتى ذهبوا يفسرون قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ٥٥] يفسرونها بأنه عالم، فيقولون: أعلم أي: عالم، فسبحان الله! فروا من النقص، ولكنهم وقعوا في أنقص منه؛ لأن اسم التفضيل يدل على علو صفات الله وأنها أعلى الصفات، وليس فيها نقص بوجه من الوجوه، فهم يقولون: عالم، وإذا قلت: عالم لم يمنع المشاركة والمساواة، فإنك تقول: عمرو عالم، وزيد عالم، ومحمد عالم، وأبو بكر عالم، فيستوون، لكن يؤتى الإنسان من حيث أن عنده عقيدة فيحاول أن يصرف النصوص إليها فيقع في الزيغ، نسأل الله العافية.
стр. 818
إذًا: أعلم في أسماء الله وصفاته على بابها، حتى إن الله تعالى قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]، وكل يقول الجواب: الله خير، حتى المشركون مع أصنامهم يقولون: الله خير.
ذكر أن النبي ﷺ سأل أبا عمران بن حصين: كم إلهًا تعبد، قال: "ستة، خمسة في الأرض وواحد في السماء"، قال: من تعد لرغبتك ورهبتك، قال: "الذي في السماء" (١)، فهم يقرون بأن الله تعالى فوق كل شيء، حتى المشركون يقرون بذلك.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الخطاب في قوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ لهذه الأمة، وقوله: ﴿وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: بذلك اليهود والنصارى، وذلك أن اليهود والنصارى قالوا: نحن أهل الكتاب، ونحن أسبق منكم، ونحن أولياء الله وأحباؤه، وما إلى ذلك، يريدون أن يفضلوا أنفسهم على هذه الأمة، وهذه الأمة تقول: إن رسولنا خاتم النبيين، وإن هذه الأمة فضلت على الناس، وتريد أن تكون أفضل من أهل الكتاب، ففصل الله بينهم، وحكم بينهم بحكم عدل، فقال: الأمر ليس بأمانيكم يا أيها المسلمون! ولا بأماني أهل الكتاب، وليس الأمر يعطى على
стр. 819
حسب أمنية الشخص؛ فإذا تمنى حصل له ما تمنى، كما قال الله تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ [النجم: ٢٤ - ٢٥].
وقوله: ﴿أَهْلِ﴾ يعني: اليهود والنصارى، والكتاب: يراد به التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى، ثم جاء الحكم فقال: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿مَنْ﴾ هذه شرطية، وقوله: ﴿يَعْمَلْ﴾ فعل الشرط، وقوله: ﴿يُجْزَ﴾ جواب الشرط، وقوله: ﴿بِهِ﴾ أي: بسوئه، سواء منكم أي: هذه الأمة، أو من أهل الكتاب.
وإذا نظرنا في هذا الحكم وجدنا أنه ينطبق على أهل الكتاب أكثر مما ينطبق على هذه الأمة؛ لأن أهل الكتاب عملوا سوءًا وذلك بتكذيبهم محمدًا ﷺ ، فيجزون به.
قوله: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ﴾ معطوفة على جواب الشرط.
قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من سواه، قوله: ﴿وَلِيًّا﴾ يتولاه لتحصيل المصالح.
قوله: ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يدافع عنه المساوئ والمفاسد.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن التمني لا يجدي شيئًا، لقوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، وهذا يشهد لما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني" (١).
стр. 820
٢ - العدل بين المتخاصمين؛ حتى وإن كان أحدهما على حق والثاني على باطل، فالواجب العدل وأن يحكم لكل واحد ما يستحق، وجه ذلك: نفي كون الشيء بالأماني بالنسبة للمسلمين واليهود والنصارى، ثم إثبات أن من عمل سوءًا جوزي به، وهذا غاية العدل، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
٣ - التهديد لمن عمل سوءًا، لقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فإن عمله لن يضيع وسوف يجزى به، والآية مطلقة فهل يجزى في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما؟ الجواب نقول: أما إذا كانت العقوبة في الدنيا عقوبة شرعية فإنه لا يجمع عليه بين العقوبتين، ولهذا صح عن النبي ﷺ أن من أصاب حدًا فأقيم عليه في الدنيا كانت كفارة له (١)، وأما العقوبات غير الشرعية وهي العقوبات القدرية التي ينزلها الله بالمرء من مرض أو فقر أو غير ذلك، فهذه قد تكفر السيئات ولا يبقى عليه شيء في الآخرة، وقد لا تكفر السيئات جميعًا.
٤ - جواز إخلاف الوعيد؛ لأن من الوعيد قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ولكن الله تعالى قال في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهذا يدل على أن من عمل سوءًا قد يغفر الله له ما عدا الشرك.
стр. 821
فإذا قال قائل: كيف نجيب عن هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وهي خبر؟
قلنا: هذه يراد بها التهديد، وهي من باب الوعيد، والعفو عن الوعيد من باب الكرم، وهو مدح وليس بذم، ولهذا امتدح الشاعر نفسه بقوله:
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
٥ - أن الإنسان لا يجازى بأكثر مما عمل من السوء، لقوله: ﴿يُجْزَ بِهِ﴾، والباء هنا للعوض، أو للبدل، بخلاف من عمل حسنًا فإنه يعطى أكثر، كما في آيات أخرى.
٦ - كمال قوة الله تعالى وسلطانه، لقوله: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، ومثل هذه الآية قد تكررت في القرآن كثيرًا، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣]، ومثل قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾ [الأحزاب: ٦٥] وهذا كثير؛ لأن الله سبحانه كامل القوة، وكامل السلطان، فلا أحد يمنعه ولا أحد يدفعه.
٧ - أن المصائب في الدنيا كفارات؛ لأنها نوع من الجزاء، وقد أخبر النبي ﷺ أنه ما من غم ولا هم ولا حزن يصيب العبد إلا كفر به عنه حتى الشوكة إذا أصابته فإن الله يكفر بها عنه (١).
* * *
стр. 822
* قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ [النساء: ١٢٤].
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط قوله ﴿يَعْمَلْ﴾، وجواب الشرط قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾، وقرنت بالفاء لأنها جملة اسمية.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾ قلنا: هي شرطية، والشرط يفيد العموم، وأكد هذا العموم بقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ ادعى بعضهم أن "من" زائدة، وقال: إن التقدير: ومن يعمل الصالحات، وهذا قول ليس بصحيح؛ لأن من لا تزاد إلا في نفي أو شبهه، كما قال ابن مالك ﵀:
وزيد في نفي وشبهه فجر ... نكرة كما لباغ من مفر
ووجودها هنا أكمل من عدمها؛ لأن "من" لبيان جنس العمل المبهم، في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾ فـ "من" هنا بيانية.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ أي: من الأعمال الصالحات، وهذا الأسلوب كثير في القرآن، وهو أن يحذف الموصوف وتبقى الصفة، وعكسه قليل، يعني: حذف الصفة قليل، وحذف الموصوف كثير، وذلك لأن الصفة تدل على الموصوف ولا عكس.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ أي: من الأعمال الصالحات، والصالحات ما جمع شرطين: الشرط الأول: الإخلاص، والثاني: المتابعة لشريعة الله، سواء كان لشريعة محمد ﷺ إن كان
стр. 823
من هذه الأمة، أو لشريعة من شريعته باقية من الرسل السابقين.
قوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ "من" هذه بيان لـ "من" في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾.
وقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ وهذا من باب التفصيل بعد الإجمال، وإلا فمن المعلوم أن "من" للعموم الشامل للذكر والأنثى.
قوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الجملة حالية، حال من فاعل يعمل، يعني: والحال أنه مؤمن، وهذا شرط لا بد منه، إذ أن العمل الصالح لا ينفع مع عدم الإيمان، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد قوة في العمل الصالح.
قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ وفي قراءة: "يُدْخُلُونَ"، فعلى القراءة التي في المصحف تكون الجنة مفعولًا به، وعلى القراءة الأخرى: يُدخلون الجنة، تكون مفعولًا ثانيًا ليدخلون، ونائب الفاعل في محل المفعول الأول.
وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ هذا إظهار في موضع الإضمار، ولو قيل: فإنهم يدخلون الجنة لصح؛ لأن اسم الإشارة من باب الأسماء الظاهرة.
والنكتة في هذا الإظهار: بيان علو مرتبتهم، حيث أشار إليهم بإشارة البعيد ﴿فَأُولَئِكَ﴾.
وقوله: ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه المتقين، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أسأل الله أن يجعلنا من أهلها، آمين.
وقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ يعني معناه: أن كل إنسان يكون
стр. 824
في مكانه الذي يستحقه بدون نقص، والنقير هو: النقرة التي تكون في ظهر النواة، وفي النواة ثلاثة أشياء كلها مضرب للمثل في القلة: الفتيل، والنقير، والقطمير.
أما الفتيل فهو: الحبل الذي في مجرى النواة من جهة بطنها.
وأما النقير فهو: النقرة التي في ظهرها.
وأما القطمير فهو: الغشاء الذي يكون عليها.
وكلها يراد بها ضرب المثل، وإنما قال الله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ لئلا يظن الظان أن الإنسان إذا كان في منزلة فربما ينزل من منزلته بسبب من الأسباب، وليس الأمر كذلك، ونضرب لهذا مثلًا: وهو أن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] والذرية هنا المراد بهم من يتبعون آباءهم وهم الصغار فهؤلاء يتبعون آباءهم، فإذا كانت منزلة الإبن أدنى مرتبة من منزلة الأب فإن الإبن يُرقى إلى منزلة الأب، ولا يُنزل الأب في مقابلة ترقية الإبن، يعني: لا يقال مثلًا إذا كانت المسافة عشرين درجة ينزل الأب عشر درجات ويصعد الإبن عشر درجات، بل يرفع الإبن عشرين درجة ويلتحق بالأب بدون نقص على الأب، فهذا والله أعلم هو الفائدة في قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن القرآن الكريم كما وصفه الله مثاني؛ أي: تثنى فيه الأمور، فإذا ذكر المؤمن ذكر الكافر، وإذا ذكر جزاء
стр. 825
الكافر ذكر جزاء المؤمن وهكذا، وتأمل هذا تجده أكثر ما يكون في القرآن، والحكمة من ذلك: أن يكون الإنسان سائرًا إلى الله بين الخوف والرجاء؛ لأنه إذا ذكر ما أعد الله للمتقين غلب رجاؤه، وإذا ذكر ما أعده الله للكافرين غلب خوفه، والأولى أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا.
وقد اختلف العلماء ﵏ في هل لا بد أن يكون خوف الإنسان ورجاؤه واحدًا في كل حال أو في بعض الأحوال؟ وهل هو في كل عمل أو هو في بعض الأعمال؟
فمن العلماء من يقول: إذا كان الإنسان مريضًا فالأولى أن يغلب جانب الرجاء، حتى يقدم على ربه وهو يحسن الظن به، لقول النبي ﷺ : "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه" (١).
ومن العلماء من يقول: إذا هم بالسيئة فليغلب جانب الخوف حتى يرتدع، وإذا عمل العمل الصالح فليغلب جانب الرجاء أن الذي وفقه للعمل سوف يقبل منه.
وعلى كل حال: العلماء اختلفوا في هذا، فنقول: كل إنسان ونفسه، إذا رأيت من نفسك أنه غلب عليك الخوف حتى وصلت إلى اليأس من رحمة الله؛ سواء في أمور الدين أو أمور الدنيا فحينئذ قوِّم نفسك وعدل نفسك، وإذا رأيت أنك تغلب جانب الرجاء فقوم نفسك أيضًا؛ لأن بعض العصاة إذا قلت له: اتق الله يا أخي! وارتدع عن المعصية، يقول لك: الله غفور رحيم، فيغلب جانب الرجاء، وهذا خطأ، ومن الناس من يكون
стр. 826
بالعكس لو يفعل أدنى شيء من المعاصي أيس وقنط من رحمة الله، فغلب جانب الخوف.
٢ - أنه لا فرق بين الرجال والنساء فيما يستحقون من الجزاء، ووجه الدلالة: قوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ ثم ذكر الجزاء فقال: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾، لكن من حيث العمل فإن بينهما فرقًا، لقول النبي ﷺ : "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" (١)، ثم فسر النقصان في دينها بأنها إذا حاضت لم تصل ولم تصم، أما الجزاء على العمل فهما سواء.
٣ - أنه لا بد لقبول العمل أن يكون صالحًا، لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾، فإن كان فيه شرك لم يقبل؛ لفوات الشرط وهو الإخلاص، ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (٢) ومن عمل عملًا مبتدعًا بإخلاص تام لكن ليس على شريعة الرسول فإنه لا يقبل منه؛ لأنه على غير الإتباع، وقد قال النبي ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٣).
٤ - أنه لا بد أن يكون العمل الصالح مبنيًا على إيمان لا شك معه، لقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، وأما من عمل الصالحات ظاهرًا
стр. 827
لكن قلبه غير مؤمن - أعاذنا الله من ذلك - فإنه لن ينفعه العمل الصالح، كرجل مخلص يريد رضا الله ويتبع الرسول ﷺ ، لكنه متشكك مع إخلاصه فإنه لا يقبل منه.
ولكن هنا مسألة يجب التفطن لها، وهي أن القلب إذا كان خالصًا صريحًا فإن الشيطان يسلط عليه حتى يوقعه إما في شرك وإما في شك، وكلما كان الإنسان أصرح إيمانًا فإن الشيطان يزيد في ضربه بسهامه، وتشكيكاته، وغير ذلك، فلتكن على حذر، وأعرض عن هذا وانته عنه، واستعذ بالله منه فإنه لا يضرك.
ولهذا كثيرًا ما نسمع من يشتكي هذه الحال، فنقول له كما قال النبي ﷺ : "استعذ بالله ثم انته" (١) "استعذ بالله" هذا لجوء إلى الله فيما لا يمكن أن يخلصك من الشيطان إلا الله ، فاستعذ بالله، "وانته" هذا فيما يمكنك فعله، انته: بمعنى أعرض عن هذا ولا تفكر فيه، فلو كنت ذاهبًا لتصلي، وسألك سائل: لماذا تصلي؟ لقلت: إيمانًا بالله وابتغاءً لفضله وليس عندك في هذا شك، إذًا: ما يورده الشيطان على قلبك لا تلتفت إليه، وبكل سهولة يمكنك أن تتخلص من إيراداته، بيقينك بأنك ما جئت إلى المسجد ولا توضأت، وكذلك ما تركت الطعام والشراب والنكاح في صومك إلا وأنت مؤمن بالله ، ومؤمن بثوابه، وخائف من عقابه، بمثل هذه الأمور يمكن أن يستعين الإنسان على طرد هذه الوساوس، وإلا فإن الإنسان إذا استرسل معها ربما تهلكه، لكن الحمد لله أن الرسول ﷺ أعطانا هذا الدواء الناجع، بأن أقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم أنتهي، وأنظر إلى
стр. 828
عملي الذي أنا فيه وأقبل عليه، إن كان عبادة فعبادة، وإن كان أمرًا دنيويًا فأمرًا دنيويًا، المهم أن أتغافل عن هذا الشيء وأن لا استرسل معه؛ لأن الإسترسال معه الهلكة؛ لأنه وسواس لا حقيقة له.
ومن ثم جاءت الآية: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فوطن نفسك على الإيمان، ولا يكن في قلبك شيء من الشك؛ لأن النفس بكل بساطة تقول: لماذا توضأت؟ لماذا صليت؟ لماذا صمت؟ لماذا أديت الصدقة؟ وما أشبه ذلك.
٥ - علو منزلة من اتصف بهذه الصفة وهو العمل الصالح مع الإيمان، ويؤخذ من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾.
٦ - أنه يجوز لنا أن نشهد لكل من عمل صالحًا وهو مؤمن أنه في الجنة؛ لأن هذا خبر من الله، والله تعالى لا يخلف وعده.
فإن قال قائل: وهل نشهد لكل واحد بعينه؟
الجواب: لا؛ لأن هناك فرقًا بين العموم والخصوص، وبين الإطلاق والتقييد، فلا نشهد لأحد بعينه إلا من شهد له الله سبحانه أو شهد له رسول الله ﷺ بذلك، فإننا نؤمن بهذا، فنقول: فلان في الجنة.
كذلك الكفر نفس الشيء، نقول: من ذبح لغير الله فهو كافر مشرك، لكن لا تشهد لكل إنسان ذبح لغير الله بأنه مشرك؛ لأنه قد يكون عن جهل، أو عن تأويل أو ما أشبه ذلك، ففرق بين التعيين والتعميم، وبين الإطلاق والتقييد، وهذه مسألة قل من يتفطن لها.
بل كثير من الناس من يأخذ العمومات ثم يطبقها على كل
стр. 829
فرد، وهذا غير صحيح؛ لأن هذا الذي حكمنا بأنه مؤمن حسب الظاهر لنا، يمكن أن يكون من أهل النار، لقول النبي ﷺ : "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار" (١)، وكذلك بالعكس، ربما يكون هذا الرجل يعمل ما يقتضي أن يكون كافرًا ولكنه لا يدري وهو ينتسب للإسلام ويقول: إنه مسلم يصلي ويزكي ويصوم ويحج، لكن عنده خصلة شرك لا يعلم عنها، فهذا لا نقول: إنه من أهل النار، بل نقول: من فعل هذا فهو من أهل النار، لكن هذا الرجل بعينه لا، لاحتمال وجود الجهل أو التأويل.
٧ - نفي الظلم لقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، ومن الذي يمكن أن يظلم؟ الجواب: الله يمكن أن يظلم قدرًا، لكن شرعًا وحكمة لا يمكن، فيكون قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ الظلم منفي عن الله الذي بيده الجزاء، وهذا النفي هو نفي لشيء ممكن إذ لو كان لشيء مستحيل لم يكن كمالًا؛ لأن انتفاء المستحيل ليس للكمال فهو منتف، لكن هو شيء ممكن، إلا أنه لكمال عدل الله غير ممكن، وعلى هذا فهو ممكن قدرًا، ولو شاء الله لعذب من لا يستحق التعذيب، لكن حسب حكمة الله ورحمته يكون غير ممكن.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
стр. 830
"مَنْ" هنا اسم استفهام، والمراد به النفي، وقد قلنا عدة مرات: أن النفي إذا جاء بصيغة الإستفهام كان أبلغ مما لو أتى بصيغة النفي الصريح؛ وذلك لأنه إذا أتى بصيغة الإستفهام صار مشربًا معنى التحدي؛ أي: كأن المتكلم يقول: ائتني بأحسن من كذا .. ائتني بأظلم ممن افترى على الله كذبًا، وما أشبه ذلك.
قوله: ﴿دِينًا﴾ هنا منصوبة على التمييز؛ لأنها وقعت بعد اسم التفضيل.
وهي تمييز لكلمة ﴿أَحْسَنُ﴾؛ لأن أحسن مبهمة، لا ندري لأي شيء تضاف، فإذا جاءت بعدها كلمة منصوبة فهي مميزة ومبينة لها.
وقوله: ﴿دِينًا﴾ الدين هنا بمعنى العمل، وإنما قلنا ذلك لأن الدين يطلق بمعنى الجزاء، مثل قول الله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤]، وبمعنى: العمل كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦]، وكما في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].
إذًا: قوله: ﴿دِينًا﴾ أي: عملًا، فالعمل الذي يبتغي عامله مقابلًا يسمى دينًا.
قوله: ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ الإسلام بمعنى الإخلاص؛ أي: فوض أمره إلى الله ، وهذا يعني: الإخلاص في القصد.
قوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ جملة حالية من "مَنْ" في قوله: ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ﴾، والإحسان هنا: الموافقة للشريعة، فيكون في الآية دليل على شرطي العبادة، وهما الإخلاص والمتابعة، فالإخلاص
стр. 831
في قوله: ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، والمتابعة في قوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾؛ لأن إحسان العمل هو موافقته الشريعة.
قوله: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ هذه جملة معطوفة على ما سبق للتوكيد المعنوي؛ لأن ملة إبراهيم ﵊ هي الإخلاص، والقيام بالشريعة، فتكون هذه الجملة كأنها مؤكدة لما سبق ومتضمنة له.
وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ أبو الأنبياء؛ لأن الأنبياء من بعده كانوا من ذريته، وفيها قراءتان إبراهيم، وإبراهام؛ أي: إبدال الياء ألفًا، وإذا أبدلت الياء ألفًا لزم فتح الهاء.
وقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ يحتمل أن يكون حالًا من فاعل "اتبع"، وأن يكون حالًا من: ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، والثاني أرجح، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣]، ومن المعلوم أنه إذا كان إبراهيم حنيفًا وأمرنا باتباع ملته، فإننا سوف نكون حنفاء.
قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ الواو هنا استئنافية وليست عاطفة، فكأنه استأنف ليبين مرتبة إبراهيم الذي أمرنا باتباعه؛ لأن الله اتخذه خليلًا، والخليل هو ذو المحبة الخالصة، وسمي بذلك لأن المحبة شملت جميع جسده حتى تخللت عروقه، وفي ذلك يقول الشاعر:
قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلًا
من فوائد الآية الكريمة:
١ - الحث على الإخلاص، لقوله: ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾.
стр. 832
٢ - الحث على المتابعة، لقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾.
٣ - أنه لا أحد أحسن دينًا ممن هذا وصفه، وعلى هذا فلو قال النصارى: إنهم أحسن دينًا من المسلمين فنقول: هذا كذب؛ لأنه فقد منهم الإخلاص والمتابعة جميعًا، فالنصارى معلوم أنهم يقولون بالتثليث، وهم أيضًا لم يتبعوا شريعة الله؛ حيث كفروا بمحمد ﷺ .
٤ - فضيلة إبراهيم ﵊ حيث أمرنا باتباعه، وهذا يعني: أنه إمام، ولهذا يطلق عليه العلماء اسم أو لقب: إمام الحنفاء.
٥ - أن الله اتخذ إبراهيم خليلًا، وهذه منقبة عظيمة له، وهل اتخذ غيره؟
الجواب: نعم، وهو رسول الله ﷺ ، لقول النبي ﷺ : "إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا" (١).
٦ - الإشارة إلى أن الخلة أعلى رتبة من المحبة لاختصاص إبراهيم ومحمد ﷺ بها، ولو كانت بمعنى المحبة؛ أو في مرتبتها لكانت ثابتة لجميع من يستحق المحبة، ومن المعلوم أنه لا يصح أن تقول: إن الله اتخذ المؤمنين أخلاء؛ لأن الخلة خاصة، ومن ثم نعلم خطأ من يقول: إبراهيم الخليل ومحمد الحبيب؛ لأن هذا تنقص للرسول ﵊، حيث أنزل مرتبته من الخلة إلى المحبة التي يشترك فيها حتى المؤمن المتقي المقسط الصابر.
стр. 833
٧ - إثبات أفعال الله ، لقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، والإتخاذ حادث بعد وجود سببه، وهذا ما يعبر عنه أهل العلم بقيام الحوادث بالله ؛ أي: بأنه ﵎ يفعل ما يريد ومتى شاء، خلافًا لمن قالوا: إنه لا تقوم به الأفعال الإختيارية، وأنه لا يتجدد له فعل، لا كلام ولا خلق ولا غيره، ولا شك أن هذا قول باطل، ومضمونه نقص الله ، حيث لا يفعل ما يشاء متى شاء.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ [النساء: ١٢٦].
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ هذه الجملة خبرية مكونة من مبتدأ وخبر، قدم فيها الخبر لفائدة الحصر، ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ لا يشركه أحد في ذلك قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]، فلله ما في السماوات وما في الأرض.
وهنا قال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ولم يقل: من في السماوات، قال بعضهم: تغليبًا لغير العقلاء؛ لأن "من" في اللغة العربية يؤتى بها للعقلاء؛ أي: لذوي العقول، و ﴿وَمَا﴾ لغير العقلاء، وغير العقلاء من المخلوقات أكثر من العقلاء، ويحتمل أنه أتى بـ ﴿مَا﴾ ليعم ذلك الأشخاص والأوصاف؛ لأن تعيين "من" للعقلاء و ﴿مَا﴾ لغير العقلاء إنما هو في الأعيان، لكن ﴿مَا﴾
стр. 834
للأعيان والأوصاف، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] حيث قال: ﴿مَا﴾ ومعلوم أن النساء من ذوي العقول، لكن لما كانت المنكوحة لا تنكح لعينها، إنما تنكح لما قام بها من أوصاف، والأوصاف معانٍ وليست عقلًا، قال ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وهذا قول أرجح من القول الأول: أن ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ إنما أتت بـ ﴿مَا﴾ دون "من" ليعم الأشخاص والأوصاف.
وقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وفي بعض الآيات يقول الله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والظاهر والله أعلم أن هذا من باب تنوع السياق والأساليب؛ لأن المعنى لا يختلف، إذ أن المعطوف له حكم المعطوف عليه، فإذا قال: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهو كما لو قال: "ما في السماوات وما في الأرض"، والتنوع في السياق جاء في القرآن كثيرًا، كما يظهر للإنسان عندما يتلو القصص التي وردت في القرآن لعدد من الرسل، يجد اختلاف التعبير كثيرًا.
قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ "كان" هنا منزوعة الدلالة على الزمان؛ لأنها لو بقيت دالة على الزمان لكانت إحاطة الله تعالى بكل شيء إحاطة سابقة ماضية، مع أنه لم يزل ولا يزال محيطًا بكل شيء، ولكنها تأتي هنا في مثل هذا السياق لبيان ثبوت الحكم، فيكون هذا كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] وليس المعنى أن الله تجدد له المغفرة والرحمة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧] وليس المعنى أن العلم والحكمة يتجددان له، بل هذا لتوكيد اتصافه بهذا الوصف.
стр. 835
وقوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ علمًا وقدرة، وسمعًا وبصرًا، وتدبيرًا وغير ذلك من معاني ربوبيته .
من فوائد الآية الكريمة:
١ - عموم ملك الله، ويؤخذ ذلك من ﴿مَا﴾ الموصولة في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ لأن جميع أسماء الموصول تفيد العموم.
٢ - اختصاص ملك ما في السماوات والأرض بالله ، ويؤخذ ذلك من تقديم الخبر؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
٣ - أن السموات ذوات عدد، ويؤخذ ذلك من قوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ التي هي جمع، وهذا العدد بين في القرآن والسنة، قال الله ﵎: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾ [المؤمنون: ٨٦]، وقال: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ [النبأ: ١٢] وكذلك جاءت السنة بذلك، وأجمع الناس عليه.
٤ - أن الأرض واحدة، لقوله: ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ولم يقل: وما في الأراضين، فتكون الأرض واحدة، وهذا ظاهر اللفظ، لكن هذا الظاهر قد بين في مواضع أن المراد بالإفراد هنا الجنس، لا الوحدة؛ أي: جنس الأرض، وجاءت السنة صريحة بأن الأراضين سبع، وجاء القرآن ظاهرًا بأن الأراضين سبع، ففي السنة قال النبي ﷺ : "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه يوم القيامة من سبع أراضين" (١) وفي ظاهر القرآن قال الله: ﴿اللَّهُ الَّذِي
стр. 836
خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] فالمماثلة هنا يحتمل أن تكون في الصفة، ويحتمل أن تكون في العدد، والإحتمال الأول ممتنع لظهور الفرق بين السموات والأرض، فيبقى الإحتمال الثاني وهو المماثلة في العدد.
٥ - إحاطة الله تعالى بكل شيء، لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾، ويترتب على هذه الفائدة فائدة مسلكية مهمة، وهي: أنك إذا علمت إحاطة الله بكل شيء خفت منه، وخشيته، وراقبته؛ لأنه مهما كنت في أي مكان فالله محيط بك، فإذا آمنت بهذا خفت رب العالمين المحيط بكل شيء.
وينبني على ذلك خوف الله في القلب؛ لأن الله يعلم حتى ما في قلبك ومحيط به .
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ [النساء: ١٢٧].
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾ أي: يسألونك، والإفتاء هو: الإخبار عن حكم شرعي، وهو تبيين للحكم، وليس إلزامًا به، وبهذا يفرق بين القضاء وبين الإفتاء، فالقضاء تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به؛ لأن القاضي يقول للخصمين: الحق عليك يا فلان - وهذا تبيين
стр. 837
الحق - فاقضه لخصمك، وهذا إلزام -، بينما المفتي لا يستطيع أن يلزم حتى لو أفتى، لكن هل يجب أن يلتزم بما يفتي به؟ فيه تفصيل.
قال العلماء ﵏: إذا سأل المستفتي عالمًا مطمئنًا لقوله معتقدًا فيه الحق فإنه يلزمه العمل به، ولا يستفتي غيره؛ لأن الله قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] والفائدة من سؤالهم الأخذ بما يقولون، وإلا لكان ذلك عبثًا.
فلو أنك استفتيت عالمًا في قرية، وليس في نظرك من هو أعلم منه، وفي نيتك أنك إذا وصلت إلى المدينة التي يكثر فيها العلماء سألت، ففي هذه الحالة أنت ملتزم بفتوى هذا العالم التزامًا مقيدًا أو مؤقتًا، فلك أن تسأل إذا وصلت إلى الموارد العذبة.
قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ المستفتى رسول الله ﷺ ، والمفتي هو الله ؛ لأن ما يفتي به رسول الله هو ما يفتي به الله .
قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ ولم يبين الله الإستفتاء على أي شيء يقع، هل المراد بقوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ في تزويجهن؟ ! أم في التزوج منهن؟ ! أم في تمكينهن من البيع والشراء؟ أم في أي شيء؟ لكن الآية نزلت بسبب معلوم، وهو أنه يكون عند الرجل امرأة يتيمة من عمه أو ما أشبه ذلك، فيظلمها ويحجزها لنفسه، أو يحجزها لابنه، أو ما أشبه ذلك، فأشكل هذا الأمر على الصحابة فسألوا الرسول ﷺ ، فأفتاهم الله بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ﴾.
стр. 838
قوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ يعني: يفتيكم فيهن القرآن؛ لأنه كلام الله ، والواو هنا عاطفة لكنها ليست عطف مغايرة؛ وذلك لأن الكتاب هو الطريق الذي نتوصل به إلى معرفة فتوى الله سبحانه، إذ أن الله ليس يتكلم ويفتي؛ ولكنه يتكلم بالقرآن فتكون به الفتوى، فالعطف هنا ليس مغايرة تامة؛ لأن ما في الكتاب هو الوثيقة التي تدلنا على فتوى الله .
وقوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾، معطوفة على الجملة الأولى، ولا يصح أن تكون معطوفة على لفظ الجلالة؛ لأن الجملة الأولى استكملت بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، فيكون ما بعدها جملة معطوفة على جملة، والمراد بالكتاب هنا: القرآن و"أل" فيه للعهد الذهني.
قوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أي: في اليتيمة عنده لا يعطيها ما كتب لها، فيأتي الخاطب الكفء الذي يجب أن يعطى ولكنه يمنع، فلا يؤتيهن ما كتب لهن، ويمنع ذلك محاباة لنفسه؛ لأنه يرغب أن ينكحها.
وهنا قال: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنّ﴾ فأي الحرفين نقدر هنا: "في" أم "عن" بمعنى: ترغبون في نكاحهن أو عن نكاحهن؟ نقول: الآية محتملة وهذا من بلاغة القرآن وإيجازه؛ لأنه قد يكون راغبًا عنها فلا يريدها، لكنه لا يريد أن تكون لغيره، وقد يكون راغبًا فيها فلا يريد أن تكون لغيره، فتكون الآية شاملة للأمرين جميعًا.
قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ يعني: ويفتيكم الله، وما يتلى عليكم في الكتاب؛ في المستضعفين من الولدان، ما حالهم؟
стр. 839
وما شأنهم؟ وهل يأثمون بترك الهجرة مثلًا؟ وهل يجوز ظلمهم؟ فكل ما يتعلق بشأنهم أفتى الله به وبينه.
قوله: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ هذه الآية الظاهر أن التقدير فيها: وأوجب عليكم أن تقوموا لليتامى بالقسط، واليتامى جمع يتيم وهو الذي مات أبوه قبل بلوغه؛ أي: بلوغ الولد.
قوله: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ القسط: هو العدل، من أقسط يقسط إقساطًا، والإسم القسط، والمراد به العدل، وأما القسط فالمراد به الجور، ولهذا إذا كانت من الثلاثية فلها معنى، وإذا كانت من الرباعية فلها معنى آخر، فأقسط أي: عدل، وقسط: جار، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، وقال: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥].
فقوله: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل، والعدل يكون في كل شيء، حتى في مخالطتكم إياهم في الطعام؛ لأن الصحابة تورعوا عن مخالطة اليتامى في الطعام، فأباح الله لهم ذلك، فيكون هذا في كل شأن اليتامى.
قوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ "ما" هنا شرطية، بدليل قرن جوابها بالفاء.
وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾، يشمل أي خير، سواء كان متعديًا أو لازمًا، وسواء كان خيرًا ماليًا، أو خيرًا علميًا، أو بدنيًا أو أي خير.
قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ هذه جملة الجواب، واقترنت بالفاء لأنها جملة اسمية، وكلما كان جواب الشرط جملة
стр. 840
اسمية وجب قرنه بالفاء، ولكنها قد تحذف أحيانًا، كما في قول الشاعر:
من يفعل الحسنات الله يشكرها ... ..................
والأصل فالله يشكرها، فإن قال إنسان: إن الفاء سقطت هنا للضرورة، قلنا: لا ضرورة؛ لأن البيت لو قيل فيه: "من يفعل الحسنات فالله يشكرها" سكن التاء ولم يكن ضرورة.
وعلى كل حال: فقد تحذف الفاء في جواب الشرط، لكنها نادرة.
قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ عليمًا حين يفعل، وقبل أن يفعل وبعد؛ لأن علم الله سابق على المعلوم، بخلاف الخلق فإنه مقارن للمعلوم.
وقوله: ﴿عَلِيمًا﴾ إذا قلنا: إنه شامل العلم فما الجواب عن قول الله ﵎: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: ٣١]؛ لأن ﴿حَتَّى﴾ هنا للتعليل، وقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ يعني: نختبرنكم لنعلم الصابرين؟ والجواب: أن علم الله قسمان: علم سابق للفعل، وعلم لاحق، فالمعنى: حتى نعلم علمًا يكون به الشيء ظاهرًا، فنعلمه بعد وقوعه، هذا وجه.
ووجه آخر: أن المراد به العلم الذي يترتب عليه الجزاء، ولهذا قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ﴾ والعلم الذي يترتب عليه الجزاء لا يكون إلا بعد الفعل، وهذا الوجه أوضَح وأرجح، ويفهمه كل إنسان، وملخص ذلك أن نقول: إن علم الله نوعان: علم بأن الشيء سيقع وهذا سابق، وعلم بأنه وقع وهذا الذي يترتب عليه الجزاء.
стр. 841
وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ لم يقل: فإن الله يجازيكم به، كما هو المتوقع! فيقال: إن ذكر العلم فيه فائدة: وهو أنه لا يضيع لكم أي خير كان؛ لأن علم الله محيط به، فيكون هذا المعلوم ثابتًا لكم، ومن المعلوم من آيات أخرى كثيرة أن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
من فوائد الآية الكريمة:
١ - حرص الصحابة ﵃ على معرفة الأحكام الشرعية، لقوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾، ولكن يجب أن نعلم أن استفتاء الصحابة لرسول الله ﷺ استفتاء متطلب للحكم ليقوم به، ويعمل به، ولهذا إذا علموا بالأحكام عملوا بها، بخلاف بعض الناس اليوم، حيث يستفتي لينظر ما عند العالم، ثم إن شاء أخذ به وإن شاء استفتى عالمًا آخر، وهذا الأخير يعتبر متلاعبًا بدين الله ؛ لأنك إذا استفتيت عالمًا فإنك قد جعلت ما يفتيك به هو الطريق إلى الله ، فإذا كنت إنما تسأله لترى إن وافقت فتواه هواك أخذت بها عندئذ وإلا طلبت غيره، فهذا هو الذي يتبع هواه، ولهذا قال العلماء ﵏: من تتبع الرخص صار فاسقًا.
٢ - اعتناء الصحابة بشأن النساء، بل واعتناء الله فوق ذلك بشأنهن، لقوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، فالمستفتي الصحابة والمفتي هو الله ، والواسطة بين المستفتي والمفتي هو الرسول ﵊، وهذا
стр. 842
يدل على عناية الشرع بالنساء، وبناءً على هذا نعلم أن كل ما شرعه الشرع من أحكام النساء فإنه في مصلحتهن، حتى وإن ظن السفهاء والأغبياء أنه هضم لحقهن وظلم فإنهم خاطئون.
٣ - الرجوع إلى ما في كتاب الله ، وأن ما في الكتاب من الفتوى صادر من عند الله، لقوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ وهو كذلك؛ لأن الكتاب منزل من الله ، هو الذي تكلم به وأنزله على محمد ﷺ ، وأمره أن يبلغه الناس، وهو نفسه ﵎ تكفل ببيانه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩].
٤ - العناية بالنساء عمومًا، والعناية بيتامى النساء وهذا أخص؛ لأن يتيمة النساء اجتمع في حقها الضعف من حيث الجنس، فجنس النساء أضعف من الرجال، والضعف من حيث فقد العائل، وهو الأب، فلهذا أوصى الله بها بعناية.
٥ - جبروت أهل الجاهلية، حيث سلطوا جام ظلمهم على هؤلاء اليتامى من النساء، بحيث لا يؤتونهن ما كتب لهن، ويتحكمون فيهن وفي مصيرهن، لقوله: ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾.
٦ - أن مهر المرأة مفروض لها، لقوله: ﴿مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ [النساء: ٤]، وعلى هذا فصاحب المهر هو المرأة، وليس ولي المرأة، ولو كان أباها فالمهر إليها؛ تقديره عددًا، وتعيينه جنسًا، ولها أن تبرئ منه إذا كانت عاقلة رشيدة.
٧ - أنه يجوز للإنسان أن يتزوج موليته؛ لأن هؤلاء اليتامى
стр. 843
تحت ولاية هؤلاء الذين يرغبون أن ينكحوهن، وهو أحق الناس بتزويجها، فإذا أراد أن يتزوجها فلا نقول: إنه لا يجوز؛ لأنه ولي يعامل نفسه لنفسه كما لا يجوز للوكيل أن يشتري من مال موكله له، بل يجوز لولي اليتيمة إذا كانت تحل له أن يتزوجها، لكن عليه بتقوى الله فلا يظلمها ولا يهضمها، ولكن كيف يعقد النكاخ إذا كان هو الولي؟
الجواب: يأتي بشاهدين ويقول: أشهدكم أني زوجت نفسي ابنة عمي، بالولاية الشرعية، ولا يحتاج أن يقول: قبلت؛ لأن هذا إيجاب تضمن القبول، ولهذا النبي ﵊: "أعتق صفية وجعل عتقها صداقها" (١) ولم يحتج إلى إيجاب ولا قبول؛ لأن المعنى مفهوم.
٨ - العناية بالمستضعفين من الولدان؛ لأن المستضعف من الولدان سواء كان لصغره، أو لمرضه أو لجنونه، أو لغير ذلك من الأسباب التي صار بها ضعيفًا، فالعناية به لا شك أنها دليل على رحمة الإنسان، وقد قال النبي ﷺ : "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" (٢)، وقال: "الراحمون يرحمهم الرحمن" (٣)، ولهذا من أكبر أسباب حصول الرحمة في القلب
стр. 844
هو: الإشفاق على الصغار، والضحك إليهم، وإدخال السرور عليهم، فإن الإنسان يجد في ذلك رقة ورحمة في قلبه، ولو بقي يدرس مجلدات لإيصال الرحمة إلى قلبه ما حصل له ذلك.
وتأمل معاملة الرسول ﷺ للصغار، فمرة ركبه الحسن وهو ساجد يصلي بالناس، وتأخر في القيام من السجود، وأخبر الناس بعد سلامه أن ابنه ارتحله، وأنه أحب أن يقضي نهمته، وارتحله يعني: جعله راحلة؛ لأنه حين رآه ساجدًا ظنه يتهيأ له فركب عليه، فأقره النبي ﵊ (١)، مع أنه لو جاء أحد أئمة الناس اليوم ابنه وركبه لما اكتفى بإنزاله، بل قد ينفضه عن ظهره نفضًا - نسأل الله العافية - وهذا غلط.
كذلك أمامة بنت زينت كانت تبكي، فخرج بها ﷺ إلى المسجد وجعل يحملها في الصلاة (٢).
ولما خرج الحسن والحسين وعليهما ثياب يعثران بها، نزل من المنبر وحملهما بين يديه (٣)، والأمثلة على هذا كثيرة، كأن
стр. 845
يقول: "يا أبما عمير! ما فعل النغير" (١)، يمازحه ليدخل السرور عليه، ولو أننا سرنا على هذه الآداب لحصل في هذا خير كثير.
٩ - وجوب القيام لليتامى بالقسط، وهذا أمر عام، يجب على كل إنسان أن يقوم لله شهيدًا بالقسط، لكن اليتامى لهم أمر خاص للعدل بينهم؛ لأن اليتيم ليس له من يدافع عنه، وربما يأكله وليه من حيث لا يشعر، فلهذا أوصي بهم.
١٠ - أن كل ما عملناه من خير قليلًا كان أو كثيرًا فإن الله يعلمه.
- ويترتب على هذه الفائدة: الحذر من الإخلال بالواجب؛ لأنه إذا كان يعلم الخير الذي نعمله فهو يعلم أيضًا ما لا نعمله من الخير.
١١ - الحث على الخير، لأنك إذا علمت أن الله يعلمه وأنه سيجازيك عليه، نشطت وقويت همتك لفعله.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ [النساء: ١٢٨].
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ﴾ كيف نعرب امرأة؟ الجواب: إما أن نقول: (امْرَأة) فاعل لفعل محذوف، تقديره: (وَإِنْ خَافَتِ امْرَأة) وهذا مذهب البصريين، ويقول الكوفيون: (امْرَأة) مبتدأ، وما بعدها خبر؛ لأنهم يجوزون دخول الشرط على الجملة الإسمية،