← Тафсир

Тафсир · id 547

تفسير العثيمين: النساء

ابن عثيمين

Полный текст (1 106 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ لم يقل: فإن الله يجازيكم به، كما هو المتوقع! فيقال: إن ذكر العلم فيه فائدة: وهو أنه لا يضيع لكم أي خير كان؛ لأن علم الله محيط به، فيكون هذا المعلوم ثابتًا لكم، ومن المعلوم من آيات أخرى كثيرة أن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. من فوائد الآية الكريمة: ١ - حرص الصحابة ﵃ على معرفة الأحكام الشرعية، لقوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾، ولكن يجب أن نعلم أن استفتاء الصحابة لرسول الله ﷺ استفتاء متطلب للحكم ليقوم به، ويعمل به، ولهذا إذا علموا بالأحكام عملوا بها، بخلاف بعض الناس اليوم، حيث يستفتي لينظر ما عند العالم، ثم إن شاء أخذ به وإن شاء استفتى عالمًا آخر، وهذا الأخير يعتبر متلاعبًا بدين الله ؛ لأنك إذا استفتيت عالمًا فإنك قد جعلت ما يفتيك به هو الطريق إلى الله ، فإذا كنت إنما تسأله لترى إن وافقت فتواه هواك أخذت بها عندئذ وإلا طلبت غيره، فهذا هو الذي يتبع هواه، ولهذا قال العلماء ﵏: من تتبع الرخص صار فاسقًا. ٢ - اعتناء الصحابة بشأن النساء، بل واعتناء الله فوق ذلك بشأنهن، لقوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، فالمستفتي الصحابة والمفتي هو الله ، والواسطة بين المستفتي والمفتي هو الرسول ﵊، وهذا

стр. 842

يدل على عناية الشرع بالنساء، وبناءً على هذا نعلم أن كل ما شرعه الشرع من أحكام النساء فإنه في مصلحتهن، حتى وإن ظن السفهاء والأغبياء أنه هضم لحقهن وظلم فإنهم خاطئون. ٣ - الرجوع إلى ما في كتاب الله ، وأن ما في الكتاب من الفتوى صادر من عند الله، لقوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ وهو كذلك؛ لأن الكتاب منزل من الله ، هو الذي تكلم به وأنزله على محمد ﷺ ، وأمره أن يبلغه الناس، وهو نفسه ﵎ تكفل ببيانه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩]. ٤ - العناية بالنساء عمومًا، والعناية بيتامى النساء وهذا أخص؛ لأن يتيمة النساء اجتمع في حقها الضعف من حيث الجنس، فجنس النساء أضعف من الرجال، والضعف من حيث فقد العائل، وهو الأب، فلهذا أوصى الله بها بعناية. ٥ - جبروت أهل الجاهلية، حيث سلطوا جام ظلمهم على هؤلاء اليتامى من النساء، بحيث لا يؤتونهن ما كتب لهن، ويتحكمون فيهن وفي مصيرهن، لقوله: ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. ٦ - أن مهر المرأة مفروض لها، لقوله: ﴿مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ [النساء: ٤]، وعلى هذا فصاحب المهر هو المرأة، وليس ولي المرأة، ولو كان أباها فالمهر إليها؛ تقديره عددًا، وتعيينه جنسًا، ولها أن تبرئ منه إذا كانت عاقلة رشيدة. ٧ - أنه يجوز للإنسان أن يتزوج موليته؛ لأن هؤلاء اليتامى

стр. 843

تحت ولاية هؤلاء الذين يرغبون أن ينكحوهن، وهو أحق الناس بتزويجها، فإذا أراد أن يتزوجها فلا نقول: إنه لا يجوز؛ لأنه ولي يعامل نفسه لنفسه كما لا يجوز للوكيل أن يشتري من مال موكله له، بل يجوز لولي اليتيمة إذا كانت تحل له أن يتزوجها، لكن عليه بتقوى الله فلا يظلمها ولا يهضمها، ولكن كيف يعقد النكاخ إذا كان هو الولي؟ الجواب: يأتي بشاهدين ويقول: أشهدكم أني زوجت نفسي ابنة عمي، بالولاية الشرعية، ولا يحتاج أن يقول: قبلت؛ لأن هذا إيجاب تضمن القبول، ولهذا النبي ﵊: "أعتق صفية وجعل عتقها صداقها" (١) ولم يحتج إلى إيجاب ولا قبول؛ لأن المعنى مفهوم. ٨ - العناية بالمستضعفين من الولدان؛ لأن المستضعف من الولدان سواء كان لصغره، أو لمرضه أو لجنونه، أو لغير ذلك من الأسباب التي صار بها ضعيفًا، فالعناية به لا شك أنها دليل على رحمة الإنسان، وقد قال النبي ﷺ : "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" (٢)، وقال: "الراحمون يرحمهم الرحمن" (٣)، ولهذا من أكبر أسباب حصول الرحمة في القلب

стр. 844

هو: الإشفاق على الصغار، والضحك إليهم، وإدخال السرور عليهم، فإن الإنسان يجد في ذلك رقة ورحمة في قلبه، ولو بقي يدرس مجلدات لإيصال الرحمة إلى قلبه ما حصل له ذلك. وتأمل معاملة الرسول ﷺ للصغار، فمرة ركبه الحسن وهو ساجد يصلي بالناس، وتأخر في القيام من السجود، وأخبر الناس بعد سلامه أن ابنه ارتحله، وأنه أحب أن يقضي نهمته، وارتحله يعني: جعله راحلة؛ لأنه حين رآه ساجدًا ظنه يتهيأ له فركب عليه، فأقره النبي ﵊ (١)، مع أنه لو جاء أحد أئمة الناس اليوم ابنه وركبه لما اكتفى بإنزاله، بل قد ينفضه عن ظهره نفضًا - نسأل الله العافية - وهذا غلط. كذلك أمامة بنت زينت كانت تبكي، فخرج بها ﷺ إلى المسجد وجعل يحملها في الصلاة (٢). ولما خرج الحسن والحسين وعليهما ثياب يعثران بها، نزل من المنبر وحملهما بين يديه (٣)، والأمثلة على هذا كثيرة، كأن

стр. 845

يقول: "يا أبما عمير! ما فعل النغير" (١)، يمازحه ليدخل السرور عليه، ولو أننا سرنا على هذه الآداب لحصل في هذا خير كثير. ٩ - وجوب القيام لليتامى بالقسط، وهذا أمر عام، يجب على كل إنسان أن يقوم لله شهيدًا بالقسط، لكن اليتامى لهم أمر خاص للعدل بينهم؛ لأن اليتيم ليس له من يدافع عنه، وربما يأكله وليه من حيث لا يشعر، فلهذا أوصي بهم. ١٠ - أن كل ما عملناه من خير قليلًا كان أو كثيرًا فإن الله يعلمه. - ويترتب على هذه الفائدة: الحذر من الإخلال بالواجب؛ لأنه إذا كان يعلم الخير الذي نعمله فهو يعلم أيضًا ما لا نعمله من الخير. ١١ - الحث على الخير، لأنك إذا علمت أن الله يعلمه وأنه سيجازيك عليه، نشطت وقويت همتك لفعله. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ [النساء: ١٢٨]. ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ﴾ كيف نعرب امرأة؟ الجواب: إما أن نقول: (امْرَأة) فاعل لفعل محذوف، تقديره: (وَإِنْ خَافَتِ امْرَأة) وهذا مذهب البصريين، ويقول الكوفيون: (امْرَأة) مبتدأ، وما بعدها خبر؛ لأنهم يجوزون دخول الشرط على الجملة الإسمية،

стр. 846

والثالث: أن (امْرَأة) فاعل مقدم وهذا أيضًا للكوفيين، وعلى هذا يقال: (امْرَأة) فاعل مقدم ولا مانع، وكما مر من قبل أقول: إنه إذا اختلف النحويون فإننا نتبع الأسهل من أقوالهم؛ لأن الله سبحانه تعالى يحب السهولة. إذًا: (امْرَأة) إن شئنا قلنا: فاعل مقدم، وءان شئنا قلنا: مبتدأ، ولا مانع من أن تكون الجملة اسمية بعد أداة الشرط. قوله: (امْرَأة) نكرة في سياق الشرط فتكون عامة، والمراد المرأة المتزوجة. قوله: ﴿خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ أي: من زوجها، كما قال الله تعالى عن امرأة إبراهيم: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]، إذًا: البعل الزوج. قوله: ﴿نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ نشوزًا يعني: ترفعًا عليها، أو إعراضًا عنها، والإعراض أشد؛ لأن النشوز قد يخاطبها ويتكلم معها لكن بكلام فيه استعلاء وترفع واحتقار، أما الإعراض: فهو معرض عنها؛ لا يكلمها، ولا يعاشرها المعاشرة بالمعروف. ويمكن أن نقول: إن الإعراض عما يجب، والنشوز فيما يمتنع، يعني يعلو عليها فيعتدي عليها، أو يعرض عنها فلا يقوم بالواجب. قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، ﴿لَا جُنَاحَ﴾: أي: لا إثم، ﴿عَلَيْهِمَا﴾ أي: على المرأة وبعلها ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ "وفي قراءة أخرى: "أن يَصَّالحا" وأصل: يَصَّالحا: يتصالحا، فهما قراءتان سبعيتان" وإنما نفى الجناح دفعًا لتوهم المنع، فإن المرأة إذا سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة، فنفى الله الجناح في المصالحة من أجل أن يصطلحا على ما يشاءان، ولكن إذا لم يصطلحا بأنفسهما

стр. 847

وطلبا طرفًا ثالثًا فهل عليهما جناح؟ الجواب: لا، ليس عليهما جناح، وتأمل الفرق بين نشوز الزوج عن الزوجة ونشوز الزوجة عن الزوج، ليتبين لك الحكم إن شاء الله تعالى. قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ هذه جملة عامة في كل شيء، في حقوق الزوجة، وحقوق الرحم، وحقوق المصاهرة، وحقوق الجوار، وحقوق المعاملة، فالصلح خير في كل شيء، وهنا لم يقل: الصلح بينهما؛ لإفادة العموم، يعني: أن الصلح في كل شيء خير من عدمه، ومن المعلوم أن الصلح قد يتصور الإنسان أن فيه غضاضة عليه، فلهذا قال: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ يعني: أنه عند النزاع وطلب المصالحة تكون الأنفس شحيحة، كل نفس تريد أن يكون الصلح في جانبها وفي مصلحتها، وكأن الله يقول: دعوا هذا الشح الذي أحضرته الأنفس واطلبوا الخير في المصالحة. ولهذا نجد أنه إذا تعقدت الأمور بين شخصين، وأردنا أن نصلح بينهما فإن كل واحد منهما يركب رأسه، ويأبى أن يتنازل إلا بعد جهد جهيد. وفي قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ الشح منصوبة، وما قبلها مرفوع لأن الأنفس نائب فاعل، والشح مفعول ثانٍ. والسبب في قوله: "أحضرت" مع أنها أحضرها الله؛ لأن الله تعالى إذا أضاف إلى نفسه الشيء المذمومِ يأتي بصيغة اسم المفعول، وانظر إلى قول الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ [الجن: ١٠]، قال: ﴿أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ تأدبًا مع الله ، ومعلوم أنه شيء يريده الله ، وفي الرشد قال: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ فأضافوه إلى الله؛ لأنه خير، فلما كان الشح أمرًا مذمومًا فالأنفس نائب فاعل، قائم مقام المفعول الأول، والشح هو المفعول الثاني.

стр. 848

وقوله: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ إن تحسنوا فيما بينكم بفعل المطلوب، وتتقوا بترك المحظور، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، وسيجازيكم على الإحسان وعلى ما اتقيتموه. والإحسان والتقوى والبر وما أشبه ذلك إذا أفرد أحدهما عن الآخر شمل الآخر، وإن اقترنا فسر كل منهما بما يليق به. فقوله هنا: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ الإحسان بفعل الأوامر، والتقوى بترك النواهي، أما إذا أفرد الإحسان فإنه يشمل فعل الأوامر وترك النواهي، وكذلك التقوى إذا أفردت فإنها تشمل هذا وهذا. وهذا يوجد كثيرًا في القرآن الكريم، المسكين والفقير إذا أفرد أحدهما عن الآخر صار أحدهما شاملًا للآخر، وإن قرنا صار الفقير له معنى، والمسكين له معنى، فهما مما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. فقوله: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ الإحسان يكون في عبادة الله، ويكون في معاملة عباد الله، يجمع الأول قول النبي ﷺ لجبريل ﵇: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١) فهذا الإحسان. أما في المعاملة: فما ذكره النبي ﷺ ﵊ في قوله: "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه" (٢)

стр. 849

والكلام على الجملة الأخيرة "وليأت إلى الناس مما يحب أن يؤتى إليه" فهذا هو الإحسان في معاملة الناس، أن تأتي للناس ما تحب أن يؤتى إليك، وبهذا يتحقق الإيمان كما قال ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (١). أما التقوى هنا فهي تقوى محارم الله؛ أي: تقوى المحرمات في حقوق الله وفي حقوق عباد الله، فتجتنب البغي والعدوان والكذب والشرك وغير ذلك، سواء كان في حقوق الله، أو في معاملة عباد الله. قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: اسم موصول وصلته، والإسم الموصول يفيد العموم، وعلى هذا فتكون خبرة الله تعالى بكل ما نعمل من ظاهر وباطن، وخير وشر، وصغير وكبير؛ لأن "ما" اسم موصول يفيد العموم. وقوله: ﴿خَبِيرًا﴾ قال العلماء: إن الخبير أخص من العليم، إذ أن الخبير هو الخبير ببواطن الأمور، وإذا كان خبيرًا ببواطن الأمور كان عليمًا بظواهرها، والغرض من هذه الجملة - التي وقعت جوابًا للشرط - حث النفوس على الإحسان والتقوى؛ لأنك إذا علمت أن الله خبير بكل ما تعمل أوجب لك أن تخافه فتتقيه، وأوجب لك أن ترجوه فتحسن. وفي قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ إشكال، متعلق بتقديم

стр. 850

المعمول هنا، فإن العلماء يقولون: إن تقديم المعمول يفيد الحصر، وإذا قلنا به في هذه الآية أوجب إشكالًا وهو: أنه لا يكون خبيرًا إلا بما نعمل، وما سواه فليس خبيرًا به، وهذا مقتضى الحصر، فهل الغرض من التقديم هنا الحصر؟ الجواب: لا؛ لأننا نعلم أن الله يعلم، وهو خبير بكل شيء، لكن الحكمة في ذلك: شدة التحذير من المخالفة، كأنه قال: لو لم يعلم شيئًا لكان عالمًا بما تعملون، وحينئذ يتأكد علمه جل وعلا بما نعمل، فيكون في ذلك شدة التحذير من المخالفة، وهذه هي فائدة تقديم قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ في هذا الموضع. من فوائد الآية الكريمة: ١ - عناية الله بما يكون بين الزوجين، وجهه: أن الله ذكر هنا نشوز الزوج، وفي أول السورة ذكر نشوز الزوجة، مما يدل على عناية الله تعالى بما يكون بين الزوجين؛ لأن الزوجين هما الرابطة التي تربط بين الأولاد، وتربط أيضًا بين الصهر وصهره، وهي أحد النوعين في الربط، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]. ٢ - أن من الأزواج من ينشز على الزوجة، ويترفع عليها، ويعرض عنها، ولا يجلس إليها، ولا يستأنس بها، لقوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. ٣ - العمل بالقرائن، ويؤخذ من قوله: ﴿خَافَتْ﴾ ولم يقل: رأت نشوزًا بل خافت، ومن المعلوم أنها لم تخف من النشوز والإعراض إلا بوجود القرائن، والعمل بالقرائن ثابت بالقرآن

стр. 851

والسنة، فقد عمل شاهد يوسف بالقرينة، في قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٧]، وعمل سليمان ﵊ في قضائه بين المرأتين بالقرينة، حين دعا بالسكين ليشق الولد نصفين، والأمثلة على هذا كثيرة. ٤ - أنه يجوز أن يصطلح الزوجان فيما بينهما على ما شاءا، لقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾. - ويتفرع على هذه الفائدة: اطمئنان الزوج فيما لو صالحها على إسقاط حقها أو بعضه، فاذا اصطلحا على أن تبقى عنده ويُسقط بعض الحق فلا حرج عليه، والآية هنا: ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾. ٥ - أنه يجوز للزوجة عند المصالحة أن تسقط حقها من القسم، فإذا قال لها: إنه تزوج زوجة جديدة ورغب عن القديمة، وقال: إما أن تبقي عندي مع إسقاط حقك من القسم وإما الطلاق، فرضيت بذلك، فإنه يجوز؛ لأن الحق لها وهو غير مجبر على أن تبقى عنده، فيقول: إما أن تبقي عندي وترضي بإسقاط القسم، وإلا طلقتك، فلا مانع أن يقول هكذا، إن رضيت وقنعت فذلك المطلوب، وإن لم ترض طلقها ولا إثم عليه في هذا، ولا يقال: إنه أجبرها على التنازل عن حقها بتهديدها بالطلاق، ووجه عدم ورود ذلك: أن له أن يطلق بأي حال من الأحوال لو كرهها حتى بدون قصد الزواج من زوجة أخرى، فإذا كان كذلك فإنه لا إثم عليه. ٦ - أنهما لو تصالحا على إسقاط حقها بعوض، فلا يسقط

стр. 852

إلا بعوض، فلو قالت: لا أسقط حقي إلا أن تعطيني عن كل ليلة عشرة ريالات، فيكون عليه في كل شهر مائة وخمسون، إن كان له زوجة ثانية، وإذا تزوج بثالثة نقص سهمها وبالتالي حقها في العوض. على كل حال: إذا وافقت على أن تسقط حقها من القسم بعوض فلا بأس. وقول بعض العلماء: إنه لا يصح بعوض؛ لأن العوض لا بد أن يكون معوضه مالًا ليس بصحيح؛ لأن الله أطلق، حيث قال: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ وهذه فائدة التنكير في قوله: ﴿صُلْحًا﴾؛ لأن ﴿صُلْحًا﴾ يعني: أي: صلح كان، وهذا من بلاغة القرآن ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ يعني: أي: صلح كان، ولو قال: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا﴾ فقط، ربما يقال: إنه لا بد من قيود وشروط، لكن لما قال: ﴿صُلْحًا﴾ صار هذا عامًا، فأي شيء يتفقان عليه فلا بأس. فلو رضيت واصطلحا على أن يقسم لها يومًا وللأخرى يومين صح هذا. إذًا: لا تقييد في هذا، إلا في شيء واحد، وهو ما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا" (١) فمثلًا: لو قال لها والعياذ بالله: اختاري إما أن أطأك بالدبر وإلا طلقتك؟ وقالت: لا مانع، فلا يجوز هذا الصلح؛ لأنه أحل حرامًا، فإذا كان يقتضي أن يحل

стр. 853

حرامًا فإنه لا يجوز، ولو اصطلحا على أن يطلق زوجته الأخرى فلا يجوز؛ لأنه أحل حرامًا، ولأن فيه عدوانًا وظلمًا على الطرف الثالث. إذًا: الصلح الذي لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا جائز مطلقًا بلا تقييد. ٧ - هذه القاعدة العظيمة من الرب الذي هو على كل شيء قدير، وهي: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وقد يظن بعض الناس أنه إذا تنازل عن الحق أن في ذلك غضاضة وهضمًا لحقه، وأن العاقبة غير حميدة، لكن الله الذي بيده ملكوت السماوات والأرض يقول: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وإن شئت مثالًا على ذلك: فتدبر صلح الحديبية بين النبي ﷺ وبين قريش، ظاهر الصلح أن فيه غضاضة عظيمة على المسلمين، ولكن الذي بيده ملكوت السماوات والأرض تحول هذا الصلح بإذنه إلى خير للمسلمين، من الذي أسقط حق إرجاع المسلم إذا جاء إلى المسلمين من الكفار؟ الجواب: قريش كانت مستفيدة منه، وهي التي أسقطته، ومن الذي أسقط وضع الحرب بينهما عشر سنين؟ الجواب: قريش؛ لأنها نقضت العهد بمعاونتها لحلفائها على حلفاء النبي ﷺ ، فأنت يا أخي! لا تنظر إلى الأمور في حاضرها، بل صدق بوعد الله والعاقبة لك. وهل نقول هنا: الصلح خير فيما بين الزوجين، أو نقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ نقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إذًا: الصلح في جميع الأحوال خير؛ لأنه يحصل فيه سماحة النفس

стр. 854

والمودة، ولو أدى النزاع إلى التحاكم صار في النفوس بعض الشيء، إذ أن المحكوم عليه سوف يكون في قلبه شيء على خصمه، وربما على القاضي أيضًا، وربما على الشهود، فتنتشر العداوة، فإذا وقع الصلح انقاد الجميع عن سماحة نفس واطمئنان. ٨ - الإشارة إلى أن الصلح ثقيل على النفوس، لكن المؤمن يهون عليه الثقل إذا كان يؤمن بأن الصلح خير، ويؤخذ من قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ فالإنسان بطبيعته لن يتنازل عما يريد، ولن يتغاضى عن حقه، لكن في المصالحة التي هي خير لا بد من ثمن يبذل وهو الضغط على النفس التي أحضرت الشح؛ حتى توافق على الصلح. ٩ - الحث على الإحسان والتقوى، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. ١٠ - عموم علم الله في كل شيء حتى بما نعمل، وعلم الله بما نعمل علم سابق على عملنا ولا شك؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠]. فإن قال قائل: أليس الله يقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران: ١٤٢] قلنا: بلى قال الله هذا، والذي قال هذا هو الذي قال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠]، إذًا: كيف نجمع؟

стр. 855

الجواب: نقول: الطريقة السليمة هنا أن تؤمن بهذا وهذا، ولا تحاول إثبات أن هناك تعارضًا، فتقول: نحن نؤمن بأن الله سبحانه يعلم ما نعمل من قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، بل من قبل ذلك أيضًا، لكن الكتابة كانت قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وتؤمن بأن الله تعالى يبتلينا ويختبرنا ليعلم، لكن قد لا تطمئن النفس إلى الإستسلام المجرد، فنقول: علم الله سبحانه الذي يكون بعد عملنا وبعد اختبارنا علم يترتب عليه الثواب أو العقاب؛ لأنه لا يمكن أن يثاب العبد أو يعاقب إلا إذا امتحن، أما علمه السابق فهو سبحانه عالم بأنه سيمتحننا، وأننا سنعمل أو نترك، لكن إذا وقع الإبتلاء والإمتحان ثم خالف الإنسان أو وافق فهذا هو العلم الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، يعني: يترتب عليه الجزاء، فهذا هو العلم الذي قيد بالإبتلاء والإختبار. وفرق بعض العلماء بفرق آخر فقال: علم الله سبحانه بما لم نعمل علم بأنه سيكون، وعلمه بما عملناه علم بأنه كان، فتعلق العلم الأول بما يكون علم بشيء لم يقع، وتعلق العلم بما كان علم بأنه قد وقع، وهذا لا بأس به، ولكن العمدة الأول. ١١ - أن التهديد يكون باللفظ ويكون بالمعنى، فلو قال: إن فعلتم كذا فعليكم كذا، فهذا تهديد باللفظ، أما ما يتعلق بالمعنى فهو أن الله تعالى لما ذكر عموم خبرته بما يعمل، فيعني هذا: أن لا نخالف حذرًا من أن يعلم منا ما لا يرضيه، كما أن الأحكام الشرعية تستفاد بالأمر والنهي، والترغيب والترهيب، فإذا جاءت

стр. 856

الأحكام مقرونة بالترغيب، فهذا دليل على أنها مأمور بها، وإذا جاء الترهيب علمنا أنها منهي عنها. ويذكر أن أعرابيًا سمع قارئًا يقرأ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ والله غفور رحيم، فقال الأعرابي: ما هكذا الآية، اقرأ، فردها، وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّه﴾ والله غفور رحيم، فقال: ما هكذا الآية، فقرأها الثالثة أو الرابعة: وقال ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨] قال: الآن أصبت؛ لأنه عز وحكم فقطع، لعزته وقهره وغلبته وسلطانه عز، ولحكمته قطع، ولو غفر ورحم لما قطع، وهذا القول صحيح، ولهذا قال العلماء ﵏: لو تاب قاطع الطريق الذي أخذ أموال الناس وقتلهم قبل القدرة عليه سقط عنه الحد، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٤]، ولم يقل: فارفعوا عنهم العقوبة، لكن كونه يأمرنا أن نعلم بأن الله غفور رحيم يعني: أنه غفر لهؤلاء ورحمهم، فتسقط عنهم العقوبة، لكن هذا فيما يتعلق بحق الله، أما العقوبة الخاصة بحق الآدمي كالقصاص، ورد المال الذي أخذه فهذه باقية؛ لأنها حق آدمي. أما قول الله تعالى عن عيسى أنه قال له: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، ولم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم؛ لأن ما في الآية في الحقيقة ليس مغفرة محضة، فهما أمران: تعذيب ومغفرة، وكلاهما إذا

стр. 857

اجتمعا يقتضيان العزة والحكمة؛ لأنه من الحكمة أن يغفر الله تعالى لمن شاء، ومن العزة أن يعذب من شاء، فلما كانت الآية ليست في موضوع واحد ختمت بما يصلح لهذا وهذا. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾ [النساء: ١٢٩]. يقول الله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ "لن" للنفي فهي نافية، وللنصب تنصب الفعل المضارع، وللإستقبال. يعني: تجعل الفعل المضارع لمحض الإستقبال، ويقابلها: "لم"، التي تجعل الفعل المضارع للمضي، فإذا قلت: لم يقم زيد فهذا فيما مضى، وتشترك مع لن في النفي، وتختلف معها في العمل، وفي نقل الفعل من الحاضر والمستقبل إلى الماضي. وقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾ أي: لن يكون في طاقتكم. قوله: ﴿أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ أن تعدلوا هنا: فعل مضارع دخلت عليه أن المصدرية، ويؤول ما بعد أن بمصدر ليكون في هذه الآية مفعولًا لقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾؛ أي: لن تستطيعوا عدلًا بين النساء، ولو حرصتم، والعدل ضد الميل. قوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ ولما جاء قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ انتفى الإشكال الوارد في قوله ﵎: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، فيفسر ما في الآية

стр. 858

الماضية على أن قوله: ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ العدل الممكن؛ لأن العدل غير الممكن لا يمكن أن يكلف به الإنسان. قوله: ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ لو هذه شرطية، وفعل الشرط قوله: ﴿حَرَصْتُمْ﴾ وجواب الشرط قيل: إنه محذوف يدل عليه ما قبله، والتقدير: "ولو حرصتم فلن تستطيعوا"، وقيل - وهو الصواب -: أن لو وإن وما شابهها من أدوات الشرط في مثل هذا السياق لا تحتاج إلى جواب، بل هي كالقيد لما سبق فقط، فلا تحتاج إلى جواب، وهذا القول هو الذي رجحه ابن القيم فيما أظن، وهو الصحيح، فإذا قلت: أكرم زيدًا إن أكرمك، فلا تقل: إنَّ جواب الشرط في أكرمك محذوف دل عليه ما قبله، بل قل: لا يحتاج إلى جواب، بل هذا قيد لما سبق فقط. وقوله: ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أي: بذلتم الجهد للعدل فلن تستطيعوا، ولكن ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ ولم يقل: فلا تميلوا الميل؛ أي: فلا تميلوا الميل كله، وأما بعض الميل فلا حرج؛ لأنه داخل في نفي الإستطاعة. قوله: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ الضمير في "تذروها" يعود على التي مال عنها ولا شك؛ لأن التي مال إليها قد أقبل إليها وأكرمها، لكن التي مال عنها هي التي إذا أعرض عنها الإعراض الكلي صارت كالمعلقة بين السماء والأرض، وهذا إشارة إلى أنها لن تستقر، فإن المعلق بين السماء والأرض لا يستقر، لا هو في السماء فيستقر، ولا في الأرض فيستقر، وهذه التي ميل عنها كل الميل ستبقى معلقة، ليست أيمة ولا متزوجة، يعني: ليس هو الذي طلقها واستراحت ورزقها الله غيره، ولا هي بالمتزوجة التي

стр. 859

تسعد بالزواج كغيرها، وإنما شبهها الله بذلك تنفيرًا عن الميل الكلي الذي يجعل هذه المرأة كالمعلقة. قوله: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ هنا قال: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا﴾ وفي الآية التي قبلها قال: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾، والفرق أن هذا له زوجتان: إحداهما مال عنها كل الميل، والثانية: أقبل عليها، ومثل هذا سوف يحدث شقاقًا بين الزوجتين، فلهذا قال: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُو﴾ إشارة إلى أنه ينبغي أنه إن حدث بين الزوجتين شقاق وغيرة فليصلح بينهما؛ لأن هذا أمر فطري. ثم قال: ﴿وَتَتَّقُوا﴾ يعني: تتقوا في الإصلاح، بحيث لا تميلوا إلى واحدة دون الأخرى. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ... ﴿غَفُورًا﴾: لما حصل من الشقاق والميل وما أشبه ذلك. ﴿رَحِيمًا﴾ أي: ذا رحمة واسعة. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الله سبحانه نفى الحرج عن الإنسان حتى في معاملة الغير، لقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا﴾، وهذا خبر عن أمر فطري يستلزم رفع الجناح؛ لأن القاعدة الشرعية أن ما لا يستطاع لا يلزم به العبد. ٢ - علم الله سبحانه بأحوال العباد ونفسياتهم، لقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾، وهذا أمر معلوم بالضرورة أن الله سبحانه يعلم كل شيء، حتى ما يوسوس به الإنسان في نفسه. ٣ - أن الإنسان يجب عليه العدل فيما يستطيع؛ لأن الله

стр. 860

نفى الإستطاعة لرفع الحرج فيها، ومفهومه: أنه إذا استطاع الإنسان فإنه يجب أن يعدل، وقد سبق ما يعدل به بين النساء، وأنه يجب العدل بين النساء في كل شيء يقدر عليه، وأما المحبة وما ينشأ عنها فهذا صعب، فلا يكلفه الإنسان. ٤ - أن الإنسان لا ينبغي أن يكلف نفسه ما لا يستطيع ويشق عليه، لقوله: ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ فكأنه قال: لا تكلفوا أنفسكم بشيء لا تستطيعونه. ٥ - تحريم الميل كله بالنسبة للعدل بين الزوجات؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾. ٦ - أنه ينبغي للإنسان في خطابه أن يستعمل كل ما يكون فيه التنفير فيما ينفر منه، أو الترغيب فيما يرغب فيه؛ لأن هذا من أسلوب الحكمة، لقوله: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. ٧ - الإستعطاف في المقام الذي ينبغي فيه العطف؛ لأنه إذا تصور الإنسان أن هذه الزوجة التي مال عنها كالمعلقة بين السماء والأرض؛ فإن هذا يوجب العطف عليها، والرأفة بها ورحمتها. ٨ - أن إلصلح والتقوى سبب للمغفرة، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ووجهه ظاهر؛ لأن الإصلاح خير، والحسنات يذهبن السيئات، ولأن الإصلاح خير والحسنات يجلبن الرحمة. ٩ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور الرحيم، فبالمغفرة يزول المكروب، وبالرحمة يحصل المطلوب، ولهذا يقرن الله تعالى بين الغفور والرحيم في مواضع كثيرة؛ لأن بالمغفرة يزول المكروب، وبالرحمة يحصل المطلوب.

стр. 861

المغفرة: مغفرة الذنوب، وإزالة آثارها، والرحمة: حصول المطلوب والمحبوب، ولهذا سمى الله تعالى الجنة رحمة، فقال لها: "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء" (١). وهل المغفرة صفة حقيقة أو هي عبارة عن رفع المؤاخذة والعقوبة؟ الجواب: صفة حقيقة، تقتضي رفع المؤاخذة والعقوبة، وكذلك يقال في الرحمة. وهي صفة حقيقة يتصف الله بها، وليست عبارة عن الإحسان والإنعام وجلب المصالح، وهذا ما عليه السلف الصالح وأئمة هذه الأمة من بعدهم. وأما من قال: إن الله لا يوصف بالمغفرة ولا بالرحمة فقد ضل ضلالًا مبينًا، وحجته وهمية حقيقة وليست عقلية؛ لأنه يقول: "مغفرة" تقتضي فعلًا، والفعل من سمات المحدثين؛ لأنه بزعمه لا يقوم الحدث إلا بحادث، وبزعمه أن الرحمة لا تليق بالله؛ لأن فيها رقة وانفعالًا بالمرحوم، وهذا لا يليق بالله . ومعلوم أن هذا قياس في مقابلة النص، وأنه يشبه قياس إبليس حين خاطبه الله وأمره بالسجود، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. يعني: فأنا خير منه كيف أسجد له وهو دوني؟ ! فمن حكَّم العقل في مقابلة النص؛ فإنه يشبه إبليس تمامًا، وفعله من وحي إبليس. ونحن نقول: الرحمة التي هي الرقة والإنفعال من الرفق

стр. 862

بالمرحوم إنما هي رحمة العبد، أما رحمة الله فإنها تابعة لذاته لا نستطيع أن نكيفها. وأما قوله: إن العقل لا يدل عليها، فنقول: إن هذا خطأ، فالعقل يدل عليها: قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، فهذه النعم كلها من آثار الرحمة، ولولا رحمة الله ما أنعم على عباده بشيء، والعجيب: أنهم يستدلون على ثبوت الإرادة بأمر لا يفهمه بعض الطلبة فضلًا عن العامة، وينكرون إثبات الرحمة بالعقل مع أن العامة تفهم ذلك، ولو سألت أي عامي: المطر نزل وأروى الأرض وأنبت الأرض فعلام يدل، لقال: يدل على رحمة الله. لكنهم يقولون: إن تخصيص المخلوقات بما تختص به دليل على الإرادة. يعني: كون الإنسان إنسانًا، وكون البعير بعيرًا، والشمس شمسًا وما أشبه ذلك يدل على الإرادة، وإلا لما حصل تمييز بين الخلائق، ولولا الإرادة ما حصل تمييز بين الخلائق. فنقول: هذه الدلالة نوافقكم عليها، لكنها دلالة خفية أخفى من دلالة النعم على الرحمة، لكن من لم يجعل الله له نورًا فما له من نور. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾ [النساء: ١٣٠]. ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾: قوله: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ الضمير يعود على الزوجين، على الزوج الذي خاف من زوجه نشوزًا أو إعراضًا، وعلى الزوجة التي تركها زوجها كالمعلقة.

стр. 863

ومن المعلوم أنه لن يعرض عنها ولم يجعلها كالمعلقة إلا لكراهته لها، وحينئذ يحصل التفرق. وإذا تفرقا فإن الله سبحانه ييسر لكل واحد منهما ما يحصل به الغنى من سعة الله. قوله: ﴿يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ بماذا؟ قال بعضهم: يغني الزوج بزوجة صالحة يسعد بها، ويغني الزوجة بزوج صالح تسعد به، يعني: أن الزوج يجد امرأة، والزوجة تجد زوجًا. وقال بعضهم: يغني الله كلًا من سعته سواء بإبدال الزوج الأول، أو بالسلوان والنسيان، وأن يكون الأمر كأن لم يكن، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن السلوان وعدم ذكر أحدهم الآخر ليس إغناءً، والإغناء: أن يوجد ما يستغني به الإنسان، وهذا لا يكون إلا بزوج للزوجة وزوجة للزوج، وهذا وعد من الله ، وعد من القادر الذي يقدر على أن يبعث للمرأة زوجًا تسعد به، أو للرجل زوجة يسعد بها، وهو وعد حق وصدق؛ لأن الواعد به هو الله الذي لا يخلف الميعاد، وهو على كل شيء قدير، لكن أحيانًا يتخلف هذا لشك الإنسان، وعدم ثقته وإيمانه، فيحصل هذا المانع ولا يتحقق الموعود. قوله: ﴿وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ واسعًا. أي: ذو سعة عظيمة في جميع الصفات: واسع في علمه كما قال: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. واسع في قدرته كما قال: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّه

стр. 864

قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ٢٠] واسع في حكمته، ولهذا قرن الحكمة به، واسع في سمعه وبصره، وفي كل صفاته ، وواسع في إحاطته فهو محيط بكل شيء: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة: ١١٥]. المهم: أنه جل وعلا واسع بمعنى الكلمة على أوسع ما يكون. وقوله: ﴿حَكِيمًا﴾ أي: ذو حكمة وحكم، فهو الذي له الحكم الكوني والشرعي، وهو الذي له الحكمة الصورية أو الغائية، فالحكم الله ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وحكم الله ، كوني وشرعي، فما قضاه في خلقه فهو كوني، وما شرعه لخلقه فهو شرعي. إذًا: الضابط: الحكم الكوني ما قضاه الله في خلقه، والحكم الشرعي ما شرعه الله لخلقه ، كقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] فهذا حكم شرعي، وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١] حكم كوني. أما المثال لنفس الحكم بهذا المادة فقول الله ﵎ في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [لممتحنة: ١٠] وهذا حكم شرعي، وقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة: ٥٠] وهذا حكم شرعي، وقول أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠] فهذا كوني، وقوله: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨]، كوني شرعي. أما الحكمة فقد تكون في صورته التي خلقه الله عليها، وقد

стр. 865

تكون الحكمة في الغاية منه، فقوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] هذه حكمة لبيان الغاية الحميدة في خلق الإنس والجن، وقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤] هذه حكمة صورية وليس المراد أنه ليس لها معنى، وإنما "صورية" يعني: كونها على هذه الصورة المعينة، هذه من حكمة الله . فارتفاع الشمس والقمر بهذا المقدار، وتعاقب الليل والنهار على هذا الوجه كله من الحكمة الصورية. يعني: أن كونه على هذه الصورة هو الحكمة، ولو اختلف لفاتت الحكمة. فعلى هذا نقول: الحكم هنا أربع: حكمة في الشرع، وحكمة في القدر، وحكمة في الصورة، وحكمة في الغاية. إذا آمنت بهذا علمت أن الله لا يمكن أن يحدث شيئًا - ولو أعظم الشر والضرر - إلا لحكمة، فهذه الحروب التي وقعت، والتي تقع الآن كلها لحكمة، وإذا آمنا بذلك صبرنا وانتظرنا الفرج، ويحصل الفرج بإذن الله، ولا نقول: لماذا قدرها الله؟ أو نتسخط أو نقول: ليس فيها حكمة. بل يجب أن نؤمن بأن ذلك لحكمة؛ لأنه قدر الله، وقدر الله لا شك أنه لحكمة. كذلك في الشرع: إذا أمر الله بشيء أو نهانا عن شيء - حتى وإن كنا لا نعلم حكمته - يجب أن نعلم أن له حكمة؛ لأن هذا من مقتضى اسم الحكيم. فقد خلق الله الشياطين، وسلطها على من شاء من عباده، وخلق الله الشر، والأمراض، والفقر وغيره، ولها حكمة

стр. 866

ولا شك؛ لأننا نعلم أن الله لا يقدر شيئًا إلا لحكمة فنرضى ونسلم، والحقيقة أن عدم الرضا بالقدر يعني: الطعن في حكمة الله. ففائدة علم الإنسان بحكمة الله أنه يرضى ويسلم، ويعلم أن ما شرعه الله فهو حق، وأن ما قدره فهو حق، وحينئذ يستسلم للقضاء والقدر تمام الإستسلام. من فوائد الآية الكريمة: ١ - الإشارة إلى التفريق بين الزوجين في حال عدم التوافق، ووجه ذلك: أن الله وعد على التفرق خيرًا، فقال: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾، وهذا هو الحق، أننا إذا لم نجد سبيلًا إلى الإصلاح بين الزوجين والوئام بينهما فإن السبيل الوحيد هو التفريق؛ ليسعد كل منهما في حياته، ولنا دليل على هذا من السنة: جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس ﵁ وثابت بن قيس بن شماس ﵁ من المبشرين بالجنة. يعني: مقامه رفيع - فقالت: يا رسول الله! ثابت بن قيس لا أعتب عليه في خلق ولا دين - رجل مستقيم في خلقه مستقيم في دينه - ولكني أكره الكفر في الإسلام - والمراد بالكفر: كفر العشير. يعني: بأن لا تقوم بواجبه لكراهتها له، فهي تكرهه كرهًا عظيمًا - فقال لها: "أتردين عليه حديقته" فقد أمهرها حديقة - بستانًا لكن والله أعلم أن البساتين رخيصة في ذلك الوقت، وهذا حتى لا تحتج النساء علينا فتقول: البستان يساوي ملايين - قال: "أتردين عليه حديقته"، قالت: نعم يا رسول الله! فقال الرسول ﷺ -

стр. 867

لثابت: "اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة، فقبلها وطلقها" (١). وقد ذهب إلى هذا بعض العلماء وقال: إنه إذا قالت المرأة: أنا لا أستطيع البقاء مع الزوج إطلاقًا وإن أبقيتموني معه أحرقت نفسي، قالوا: إن القاضي يُلزم الزوج بالطلاق إذا ردت عليه مهره، وهذا القول ليس ببعيد من الصواب، والله تعالى أشار في هذه الآية إلى أن التفرق أولى وأحسن؛ لأن الله وعد به خيرًا. ٢ - رحمة الله بعباده، وأن المرأة والرجل إذا انكسرا بالفراق بينهما جبرهما الله بالإغناء فيغني كلًا من سعته. ٣ - سد باب اليأس من رحمة الله، حيث قال: ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾ ولم يقل: يغني كلًا فقط. بل قال: ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾ إشارة إلى أن فضل الله واسع، وأن لا تيأس حتى لو استبعدت أن الله يبدلك بخير منها، أو أن الله يبدلها بخير من زوجها، فلا تستبعد؛ لأن الله سيغنيك من سعته. ٤ - أن الله تعالى واسع وحكيم، لقوله: ﴿وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ وهذه من حكمته. ٥ - إن هذه السعة التي وعد الله تعالى بالإغناء منها مبنية على حكمة، وكأن هذا - والله أعلم - إشارة إلى أنه لو تخلف هذا الموعود، فإنه لن يتخلف إلا لحكمة، وأحيانًا يمنع الله سبحانه الإنسان ما يحب لمصلحة عظيمة، فأحيانًا يبتليه بما يملأ قلبه غمًا وهمًا دائمًا، لكن لحكمة عظيمة ..

стр. 868

وهي أن هذا الذي يصيب الإنسان من هم وغم وفوات محبوب كله يكفر الله به عنه، ونحن نعلم أن الدنيا تمضي، وينسى الإنسان ما حصل له، لكن يجد أجره وثوابه عند الله . ولهذا لما أخبر النبي ﵊ أن الحمى تكفر الذنوب، فقال له أحد الصحابة: يا رسول الله! ولكن إذا ابتليت بحمى - يعني: لا تمنعني عن الصلاة مع الجماعة ولا فعل الخير .. فهل يكفر الله بها عني - قال: "نعم" (١)، فسأل الله أن يبتليه بحمى لكنها لا تمنعه من صلاة ولا صيام ولا خير؛ لأجل أن تكفر عنه، ولكن هذا اجتهاد، والأولى أن تسأل الله العافية، فإن العافية أوسع من العقوبة بلا شك. لكن على كل حال: إنه إذا تخلف الموعود فإننا نعلم أنه تخلف لحكمة عظيمة، قد يجد الإنسان ثمراتها في المستقبل، إما في الدنيا وإما في الآخرة. ٦ - إثبات الحكمة لله ، ويتفرع على هذا فائدة عظيمة مسلكية منهجية، وهي الرضا بقضاء الله وشرع الله، ترضى لأنك تعلم أن هذا عن حكمة، حتى وإن كان فيه فوات مالك أو ولدك، فاعلم أنه لحكمة، وأنت إذا آمنت بهذا فسوف تسهل عليك كل مصيبة، إذا علمت أن ما أصابك من الله، وأن الله ذو حكمة عظيمة فيما يقدر. * * *

стр. 869

* قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)﴾ [النساء: ١٣١]. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ هذه تقدم لنا مرارًا أمثالها، وفيه أن تقديم الخبر: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يفيد الحصر، وأنه خاص بالله . وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يشمل ما فيهما من الأعيان والمنافع وغير ذلك، فكله ملك لله، لا يشاركه فيه أحد، ولهذا لا يمكن لأحد أن يتصرف في شيء من السماوات والأرض إلا بإذن الله ، الإذن الكوني أو الإذن الشرعي. قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ لمَّا ذكر ما يتعلق بالربوبية، وهو ملكه الواسع العام، ذكر ما يتعلق بالألوهية والعبادة، وهي: التقوى، فقال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. وقوله: ﴿وَصَّيْنَا﴾ الوصية: هي العهد بالشيء مع التأكيد، يعني: ليس مجرد أن أقول: يا فلان! افعل كذا وكذا، فليست هذه وصية، بل إذا قيل: "وصى" فمعناها: أنه عهد إليه بشيء مع التأكيد. قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الذين أوتوا الكتاب من قبلنا: هم اليهود والنصارى، ولكن الصحيح أنها أعم، وأن كل من أنزل الله إليه كتابًا فقد وصَّاه بالتقوى. ومن المعلوم أن كل رسول معه كتاب، كما قال تعالى:

стр. 870

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥]. إذًا: فـ ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هنا لا تختص باليهود والنصارى، بل كل من آتاه الله الكتاب، وصاهم الله تعالى بالتقوى. قوله: ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾: ﴿أَنِ﴾ هنا يسميها النحويون تفسيرية، وعلامتها: أن تأتي بعدما تضمن معنى القول دون حروفه. فإذا أتت ﴿أَنِ﴾ بعد فعل تضمن معنى القول دون حروفه فأعربها على أنها تفسيرية، وإن شئت فقل: ما حل محلها "أي" فهي تفسيرية. وهنا قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيكون قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ كأنها تفسير لما أوصى به الله سبحانه من قبلنا وهذه الأمة. وهنا لو قال قائل: قوله: ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ أليس من الممكن أن يقال: ولقد وصيناكم والذين أوتوا الكتاب من قبلكم حتى لا ينفصل الضمير؟ قلنا: بلى، لكن لما كان هؤلاء سابقين علينا كان مقتضى الترتيب الزمني أن يقدموا، كما أن من سبق غيره في المرتبة فإنه يقدم عليه ولو أمكن اتصال الضمير، مثل قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] وكان لقائل أن يقول: لماذا لم يكن الكلام: "يخرجونكم والرسول"، لأنه لا فصل مع إمكان الوصل، كما قال ابن مالك في الألفية: وفي اختيارٍ لا يجيء المنفصل ... إذا تأتى أن يجيء المتصل فنقول: نعم هو في الإمكان أن يكون هذا، لكن يفوت

стр. 871

الغاية، فهنا: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ليسوا أفضل منا، ولكنهم أسبق منا زمنًا، وفي قوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ تقديم الرتبة، فذكر الرسول ﵊ لئلا يكون تابعًا لغيره، فيقال: يخرجونكم والرسول. وقوله: ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذا ما أوصى به الله الأولين والآخرين، وتقوى الله مرت علينا كثيرًا مرارًا وتكرارًا على أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. والتقوى: أحيانًا تضاف إلى الله كما هنا، وأحيانًا تضاف إلى المخلوقات مثل: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣١]، وأحيانًا تضاف إلى الزمن مثل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، وليست التقوى المضافة إلى غير الله كالتقوى المضافة إلى الله؛ لأن التقوى المضافة إلى الله تقوى مع عبادة وتذلل لله ، أما اتقاء النار، واتقاء اليوم الذي يرجع فيه إلى الله فهذا مثل اتقائنا للسباع والذئاب وما أشبه ذلك! أي: أننا نخاف منها خوفًا طبيعيًا لا خوف عبادة ولا تقوى عبادة. وفي الأثر: "اتق شر من أحسنت إليه"، وهذا ليس تقوى عبادة، فكل تقوى تضاف إلى غير الله فليست تقوى عبادة، والتقوى المضافة إلى الله تقوى عبادة، بمعنى أن الإنسان يتقي مخالفة الله محبة له وتعظيمًا له. قوله: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: ولن تضروا الله. فإذا كفر كل الخلق فإنهم لن يضروا الله ؛ لأنه غني

стр. 872

عنهم، وفي الحديث القدسي من حديث أبي ذر ﵁ المشهور أن الله تعالى قال: "يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا" (١)، وأي شيء ينقص الله؟ ! الطاعة تنفع صاحبها، والسيئة تضر صاحبها، أما الرب فإنه لا يتضرر بمعصية ولا تنفعه الطاعة، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فهو غني عنهم أجمعين. قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ مر علينا أيضًا مرارًا وتكرارًا أن "كان" في مثل هذا الترتيب تفيد الثبوت والإستمرار، واتصاف الموصوف فيها. يعني: اتصاف اسمها بالصفة المضافة إليه فكان الله غنيًا حميدًا ولم يزل غنيًا حميدًا. والغني: هو من عنده غنًى يستغني به عن غيره، والحميد بمعنى: المحمود، فهو غني يحمد على غناه، وليس كل غني يحمد على غناه، فالغني البخيل كالفقير تمامًا، بل أردأ من الفقير؛ وأسوأ حالًا من الفقير؛ لأن الغني البخيل يذم، والفقير لا يذم، لكن الغني الحميد بمعنى: الذي ينفع غيره بغناه، وهذا هو المحمود، فالله سبحانه غني بذاته عن جميع مخلوقاته، ثم هو حميد بما يفعله بعباده من الخيرات والنعم ودفع النقم ... وغير ذلك. وقوله: "حميد": بمعنى حامد، وبمعنى محمود، فإن قال إنسان: أليس هذا من استعمال المشترك في معنيين؟ قلنا: وأي

стр. 873

ضرر في استعمال المشترك بمعنيين إذا كان لا منافاة بينهما، فالمشترك معناه: اللفظ الصالح لمعنيين على وجه الحقيقة، مثل: كلمة "عين" تطلق على الذهب: أندَّان أم عينان أم ينبري لنا ... فتى مثل نصل السيف ميزت ضاربه فالذهب يسمى عينًا، والماء الجاري يسمى عينًا حقيقة، والعين الباصرة تسمى عينًا حقيقة، فهنا: لو جاءت كلمة عين فهل يمكن أن تحملها على المعاني الثلاثة؟ الجواب: نقول: لا. إذا لم يمكن أن تجتمع، أما إذا أمكن فنحملها. وهنا "الحميد" فعيل، وتأتي بمعنى "فاعل" وتأتي بمعنى "مفعول"، إذًا: هو حميد. أي: محمود، محمود على صفاته الكاملة .. ومحمود على إنعامه .. وعلى أفعاله الدائرة بين العدل والإحسان، وهو أيضًا حامد لمن يستحق الحمد من عباده، ولهذا يثني الله سبحانه على من يستحقون الثناء مثل الأنبياء والرسل والأصفياء ... وما أشبه ذلك. من فوائد الآية الكريمة: ١ - عموم ملك الله سبحانه، لقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. ٢ - اختصاص الملك العام لله، سواء كان عامًا لشموله في الأعيان أو لشموله في الأفعال. "شموله في الأعيان" يعني: كل الموجودات ملك لله. و"شموله في الأفعال" أنه يفعل في هذه الموجودات ما يشاء. ولا يثبت مثل هذا لأحد من المخلوقين، فلا يوجد أحد

стр. 874

عنده شمول في الموجودات، ولا في الأفعال والتصرفات؛ لأن ملكي أنا محصور لا تملكه أنت، وملكك أنت محصور لا أملكه أنا، ثم ملكي بما أملك ليس ملكًا لجميع التصرفات، أتصرف فيه كما أشاء، بل هو ملك محدود. ٣ - أهمية تقوى الله ؛ لأنه أوصى بها الأولين والآخرين، لقوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾. والتقوى تكون بفعل الأوامر واجتناب النواهي. وأما قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وكل ما أمر الله به فهو بر، فالجواب: أن بعض الكلمات يكون لها معنًى إذا انفردت ومعنى إذا اقترنت بغيرها، فالتقوى إذا انفردت تشمل البر، والبر إذا انفرد يشمل التقوى، وإذا اجتمعا صار البر فعل الأوامر، والتقوى ترك النواهي. ٤ - أن مخالفة التقوى لا تضر الله شيئًا، لقوله: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. ٥ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغني والحميد، فيستفاد منهما: إثبات صفتين من صفات الله وهما "الغنى والحمد"، ويستفاد من ضم أحدهما للأخرى فائدة الإنضمام؛ لأن الغنى وحده كمال، والحمد وحده كمال، واجتماعهما يتولد منه كمال أعلى. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢)﴾ [النساء: ١٣٢].

стр. 875

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا تكرار، لكنه تكرار مهم، ففي الأول بيان غناه عن خلقه، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾، وفي الثاني: بيان مراقبته لخلقه، فالآية الأخيرة تتضمن التحذير من المخالفة، والأولى تتضمن الأمر بالموافقة. قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ الوكيل هو المراقب المتصرف، ولهذا يكون وكيل الإنسان متصرفًا فيما وكل فيه مراقبًا له. من فوائد الآية الكريمة: ١ - في هذه الآية من عموم ملك الله ما في الأولى. ٢ - وفي هذه الآية كمال مراقبة الله لعباده؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. فإن قال قائل: الوكيل عادة أدنى رتبة من الموكل، فكيف نقول: إن الله وكيل؟ فالجواب: الوكيل الذي هو عادة أدنى مرتبة من الموكل هو الذي يتصرف للغير بأمر الغير، فوكيلك أدنى منك مرتبة؛ لأنه يتصرف لك بأمرك، فهو دونك، أما الوكيل الذي بمعنى المراقِب فإن مرتبته تكون أعلى؛ لأنه سبحانه يراقب جميع العباد، ويحصي عليهم أعمالهم. ٣ - في الآية أيضًا كمال مراقبة الله ، وأن فيها الكفاية عن كل مراقب. * * * * قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾ [النساء: ١٣٣].

стр. 876

﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ الجملة لا يخفى أنها جملة شرطية، وفعل الشرط وجوابه كلاهما فعل مضارع، ولهذا جاءا مجزومين، ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وقوله: ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ بمعنى: يعدمكم حتى لا تكونوا في الوجود. وقوله: ﴿أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذا منادى، وصدر الله هذه الجملة بالنداء للتنبيه، و ﴿النَّاسُ﴾: يشمل الكافر والمؤمن. قوله: ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ أي: بآخرين يتقون الله ، ويقومون بأمره، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وهذا تهديد من الله أن يخالف أوامره أحد. قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾، أي: على إذهابكم والإتيان بآخرين قديرًا، والقدرة وصف يتمكن به القادر من الفعل بلا عجز، والقوة وصف يتمكن به من الفعل بلا ضعف، والدليل على أن القدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف، قول الله ﵎: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، ولم يقل: عليما قويًا؛ لأن الذي يقابل العجز هو القدرة. وقوله: ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ حذف في قوله: ﴿بِآخَرِينَ﴾ الموصوف، والتقدير "بقوم"، وعليه قول مالك ﵀: وما من المنعوت والنعت عقل ... يجوز حذفه وفي النعت يقل فالمنعوت يحذف كثيرًا كقوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١] ومثل هذه وغيرها.

стр. 877

قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾؛ أي: وعلى غيره أيضًا قدير، والتقديم هنا لا يدل على الحصر، ولكن تقديمه لتأكيد قدرته عليه، وهو محل الخصومة بين المنكرين والمثبتين للقدرة، فلذلك قدم المعمول للأهمية، ومر علينا قريبًا مثله. من فوائد الآية الكريمة: ١ - إثبات المشيئة لله، وتؤخذ من قوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾، والمشيئة الثابتة لله ليست مشيئة مطلقة مجردة عن الحكمة بل هي مشيئة مقرونة بالحكمة، فكل شيء علّقه الله بالمشيئة فالمراد المشيئة التي تقتضيها الحكمة، بدليل: قول الله ﵎: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠]، فدل ذلك على أن مشيئة الله مقرونة بالعلم والحكمة. ٢ - بيان قدرة الله ، وأنه قادر على أن يذهب الناس جميعًا ويأتي بآخرين، ومعلوم أن نوحًا ﵊ هو الأب الثاني للبشرية؛ لأن الله تعالى أهلك قومه إلا من كانوا معه، وقد قال المؤرخون: إن الذين بقوا من البشرية كلهم أولاد لنوح، وأن أولاد نوح: سام وحام ويافث هؤلاء الثلاثة تفرع منهم بنو آدم بعد أن أغرق الله أهل الأرض. فهنا أذهب الله أهل الأرض، وأتى بآخرين، وعمرت الأرض بساكنيها، إلى أن بعث الله محمدًا ﷺ فكان خاتم الأنبياء. ٣ - إثبات قدرة الله على كل شيء، فهو قادر على إعدام الموجود؛ لأنه شيء، وعلى إيجاد معدوم؛ لأنه شيء، وكل شيء فالله قادر عليه.

стр. 878

وهو قادر على أن ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الآخر، وقادر على أن يأتي للفصل بين العباد، وقادر على أن يتكلم، وكل شيء فالله قادر عليه. قال بعض أهل العلم: ولكن القدرة تتعلق بالشيء الممكن، أما الشيء المستحيل فلا تتعلق به القدرة، وأشكل هذا على بعض الناس، وقال: إن الله على كل شيء قدير، وأجاب عنه شيخ الإسلام ﵀ بأن المستحيل ليس بشيء؛ لأنه لن يوجد ولن يعدم، وليس بشيء حتى يقال: إنه خرج من عموم الآية، وإذا كان ليس بشيء فإنه لا يدخل في العموم حتى نقول: إن هذا خطأ، ولهذا قال السفاريني في عقيدته: بقدرة تعلقت بممكن ... كذا إرادة فع واستبن (١) وعلم الله يتعلق بالمستحيل بدليل قول الله تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فمستحيل أن يكون فيهما آلهة إلا الله، ومع ذلك علم الله تعالى بنتيجته لو كان، وهذا شيء مستحيل. فلو قال قائل: هل يقدر الله على أن يخلق مثل نفسه؟ قلنا: هذا مستحيل، مستحيل أن يخلق مثل نفسه؛ لأنه جل وعلا لا مثل له، كما أخبر عن نفسه، وإذا كان لا مثل له فإنه يستحيل أن يكون كذلك؛ لأن الله تعالى خبره صادق لا يخلف ولا يتغير. ويعبر بعض الناس بقوله: "إن الله على ما يشاء قدير"، وهذا التعبير غير صحيح؛ لأنه يقيد القدرة بما شاءه الله، وما لم يشأه فهو قادر عليه، ومفهوم هذا الكلام أنه ليس بقادر، فعلى

стр. 879

هذا نقول: أولًا: هذه الكلمة لم ترد لا في القرآن ولا في السنة: "إن الله على ما يشاء قدير". وثانيًا: أنها توهم معنى فاسدًا. ورتب بعض العلماء على هذا أمورًا فقال: إنها توهم مذهب المعتزلة الذين أنكروا تعلق مشيئة الله بفعل العبد، وقالوا: إن العبد يفعل الفعل باختياره، ولا تعلق لمشيئة الله به، فيكون غير قادر على أفعال العباد بناءً على ذلك؛ لأنه لا يشاؤها. وعلى كل حال: يجب التقيد بما جاء في القرآن والسنة، فنقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يدرك معنى مستحيلًا أو غير مستحيل فليقل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ويسكت. ونحن نبين لطلبة العلم وسيفهمون، لكن العامي قد لا يفهم هذا الكلام. فلا نخاطبه به. ويُذكر أن الشيطان - أبا الشياطين - الذي يجعل له كرسيًا على البحر، ويبث جنوده وسراياه في إضلال الخلق، قالت له ذريته: لمَ تفرح بموت العالم أكثر مما تفرح بموت العابد، قال: لأن العالم يرشد الناس ويهديهم، ويدلهم، ولا أتمكن من إضلاله، لكن العابد تنطلي عليه الأمور. قالوا: كيف ذلك؟ قال: أنا أختبرهم لكم، فأرسل من جنوده من يقول للعابد: هل يستطيع الله أن يجعل السموات والأرض في جوف بيضة، فالبيضة مفهومة، والسماوات والأرض كذلك، والعابد يعبد الله ليل نهار، ففكر وقال: لا يستطيع، فرجع المندوب وقال: إنه يقول: لا يستطيع، قال: انظروا، الآن كفر الرجل، وهو لا يدري، فأرسله إلى العالم وقال له: هل يستطيع الله أن يجعل السماوات والأرض في بيضة؟ قال: نعم يستطيع، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا

стр. 880

أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، لو قال للسماوات: كوني في جوف البيضة كانت، إما أن تكبر البيضة أو تصغر السماوات والأرض، فرجع إلى شيطانه وأخبره بقول العالم. قال: انظر! هذا تخلص وذاك المسكين كفر، وهذه قصة مرت عليَّ في بعض الكتب قديمًا، لكني أقول: قل للعامي ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ولا تقل القدرة تعلقت بالممكن ولا بالمستحيل ولا بالواجب. وأما قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشوري: ٢٩] فالمشيئة هنا معلقة بالجمع. يعني: إذا شاء جمعهم فإنه لا يمتنع عليه، فالمشيئة هنا شرط في الجمع، وليست شرطًا في القدرة. ٤ - إثبات القدرة على كل شيء، بإذهاب الناس والإتيان بآخرين بعدهم. * * * * قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾ [النساء: ١٣٤]. الإعراب: قول الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ هذه جملة شرطية، فعل الشرط فيها "كان"، وجواب الشرط قوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، واقترن الجواب بالفاء؛ لأنه لا يصح أن يكون فعلًا للشرط، وكل جواب لا يصح أن يكون فعلًا للشرط فإنه يتعين أن يقترن بالفاء، كما قال ابن مالك ﵀:
следующие страницы →