﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ الجملة لا يخفى أنها جملة شرطية، وفعل الشرط وجوابه كلاهما فعل مضارع، ولهذا جاءا مجزومين، ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وقوله: ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ بمعنى: يعدمكم حتى لا تكونوا في الوجود.
وقوله: ﴿أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذا منادى، وصدر الله هذه الجملة بالنداء للتنبيه، و ﴿النَّاسُ﴾: يشمل الكافر والمؤمن.
قوله: ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ أي: بآخرين يتقون الله ، ويقومون بأمره، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وهذا تهديد من الله أن يخالف أوامره أحد.
قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾، أي: على إذهابكم والإتيان بآخرين قديرًا، والقدرة وصف يتمكن به القادر من الفعل بلا عجز، والقوة وصف يتمكن به من الفعل بلا ضعف، والدليل على أن القدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف، قول الله ﵎: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، ولم يقل: عليما قويًا؛ لأن الذي يقابل العجز هو القدرة.
وقوله: ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ حذف في قوله: ﴿بِآخَرِينَ﴾ الموصوف، والتقدير "بقوم"، وعليه قول مالك ﵀:
وما من المنعوت والنعت عقل ... يجوز حذفه وفي النعت يقل
فالمنعوت يحذف كثيرًا كقوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١] ومثل هذه وغيرها.
стр. 877
قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾؛ أي: وعلى غيره أيضًا قدير، والتقديم هنا لا يدل على الحصر، ولكن تقديمه لتأكيد قدرته عليه، وهو محل الخصومة بين المنكرين والمثبتين للقدرة، فلذلك قدم المعمول للأهمية، ومر علينا قريبًا مثله.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - إثبات المشيئة لله، وتؤخذ من قوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾، والمشيئة الثابتة لله ليست مشيئة مطلقة مجردة عن الحكمة بل هي مشيئة مقرونة بالحكمة، فكل شيء علّقه الله بالمشيئة فالمراد المشيئة التي تقتضيها الحكمة، بدليل: قول الله ﵎: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠]، فدل ذلك على أن مشيئة الله مقرونة بالعلم والحكمة.
٢ - بيان قدرة الله ، وأنه قادر على أن يذهب الناس جميعًا ويأتي بآخرين، ومعلوم أن نوحًا ﵊ هو الأب الثاني للبشرية؛ لأن الله تعالى أهلك قومه إلا من كانوا معه، وقد قال المؤرخون: إن الذين بقوا من البشرية كلهم أولاد لنوح، وأن أولاد نوح: سام وحام ويافث هؤلاء الثلاثة تفرع منهم بنو آدم بعد أن أغرق الله أهل الأرض.
فهنا أذهب الله أهل الأرض، وأتى بآخرين، وعمرت الأرض بساكنيها، إلى أن بعث الله محمدًا ﷺ فكان خاتم الأنبياء.
٣ - إثبات قدرة الله على كل شيء، فهو قادر على إعدام الموجود؛ لأنه شيء، وعلى إيجاد معدوم؛ لأنه شيء، وكل شيء فالله قادر عليه.
стр. 878
وهو قادر على أن ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الآخر، وقادر على أن يأتي للفصل بين العباد، وقادر على أن يتكلم، وكل شيء فالله قادر عليه.
قال بعض أهل العلم: ولكن القدرة تتعلق بالشيء الممكن، أما الشيء المستحيل فلا تتعلق به القدرة، وأشكل هذا على بعض الناس، وقال: إن الله على كل شيء قدير، وأجاب عنه شيخ الإسلام ﵀ بأن المستحيل ليس بشيء؛ لأنه لن يوجد ولن يعدم، وليس بشيء حتى يقال: إنه خرج من عموم الآية، وإذا كان ليس بشيء فإنه لا يدخل في العموم حتى نقول: إن هذا خطأ، ولهذا قال السفاريني في عقيدته:
بقدرة تعلقت بممكن ... كذا إرادة فع واستبن (١)
وعلم الله يتعلق بالمستحيل بدليل قول الله تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فمستحيل أن يكون فيهما آلهة إلا الله، ومع ذلك علم الله تعالى بنتيجته لو كان، وهذا شيء مستحيل.
فلو قال قائل: هل يقدر الله على أن يخلق مثل نفسه؟ قلنا: هذا مستحيل، مستحيل أن يخلق مثل نفسه؛ لأنه جل وعلا لا مثل له، كما أخبر عن نفسه، وإذا كان لا مثل له فإنه يستحيل أن يكون كذلك؛ لأن الله تعالى خبره صادق لا يخلف ولا يتغير.
ويعبر بعض الناس بقوله: "إن الله على ما يشاء قدير"، وهذا التعبير غير صحيح؛ لأنه يقيد القدرة بما شاءه الله، وما لم يشأه فهو قادر عليه، ومفهوم هذا الكلام أنه ليس بقادر، فعلى
стр. 879
هذا نقول: أولًا: هذه الكلمة لم ترد لا في القرآن ولا في السنة: "إن الله على ما يشاء قدير". وثانيًا: أنها توهم معنى فاسدًا.
ورتب بعض العلماء على هذا أمورًا فقال: إنها توهم مذهب المعتزلة الذين أنكروا تعلق مشيئة الله بفعل العبد، وقالوا: إن العبد يفعل الفعل باختياره، ولا تعلق لمشيئة الله به، فيكون غير قادر على أفعال العباد بناءً على ذلك؛ لأنه لا يشاؤها.
وعلى كل حال: يجب التقيد بما جاء في القرآن والسنة، فنقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يدرك معنى مستحيلًا أو غير مستحيل فليقل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ويسكت. ونحن نبين لطلبة العلم وسيفهمون، لكن العامي قد لا يفهم هذا الكلام. فلا نخاطبه به.
ويُذكر أن الشيطان - أبا الشياطين - الذي يجعل له كرسيًا على البحر، ويبث جنوده وسراياه في إضلال الخلق، قالت له ذريته: لمَ تفرح بموت العالم أكثر مما تفرح بموت العابد، قال: لأن العالم يرشد الناس ويهديهم، ويدلهم، ولا أتمكن من إضلاله، لكن العابد تنطلي عليه الأمور. قالوا: كيف ذلك؟ قال: أنا أختبرهم لكم، فأرسل من جنوده من يقول للعابد: هل يستطيع الله أن يجعل السموات والأرض في جوف بيضة، فالبيضة مفهومة، والسماوات والأرض كذلك، والعابد يعبد الله ليل نهار، ففكر وقال: لا يستطيع، فرجع المندوب وقال: إنه يقول: لا يستطيع، قال: انظروا، الآن كفر الرجل، وهو لا يدري، فأرسله إلى العالم وقال له: هل يستطيع الله أن يجعل السماوات والأرض في بيضة؟ قال: نعم يستطيع، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا
стр. 880
أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، لو قال للسماوات: كوني في جوف البيضة كانت، إما أن تكبر البيضة أو تصغر السماوات والأرض، فرجع إلى شيطانه وأخبره بقول العالم. قال: انظر! هذا تخلص وذاك المسكين كفر، وهذه قصة مرت عليَّ في بعض الكتب قديمًا، لكني أقول: قل للعامي ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ولا تقل القدرة تعلقت بالممكن ولا بالمستحيل ولا بالواجب.
وأما قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشوري: ٢٩] فالمشيئة هنا معلقة بالجمع. يعني: إذا شاء جمعهم فإنه لا يمتنع عليه، فالمشيئة هنا شرط في الجمع، وليست شرطًا في القدرة.
٤ - إثبات القدرة على كل شيء، بإذهاب الناس والإتيان بآخرين بعدهم.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾ [النساء: ١٣٤].
الإعراب:
قول الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ هذه جملة شرطية، فعل الشرط فيها "كان"، وجواب الشرط قوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، واقترن الجواب بالفاء؛ لأنه لا يصح أن يكون فعلًا للشرط، وكل جواب لا يصح أن يكون فعلًا للشرط فإنه يتعين أن يقترن بالفاء، كما قال ابن مالك ﵀:
стр. 881
واقرن بفا حتمًا جوابًا لو جعل ... شرطًا لإن أو غيرها لم ينجعل
هذا هو الضابط، وقد حصر ما يشملها هذا الضابط بسبع جمل، مذكورة في قوله:
اسمية طلبية وبجامد ... وبما وقد وبلن وبالتنفيس
وقوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ جملة خبرية، قدم فيها الخبر لإفادة الحصر؛ لأن من قواعد البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير يقتضي الحصر.
قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ الإعراب فيها واضح لا يحتاج إلى ذكر.
يقول الله ﵎: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي: جزاءها ومتعها وزهرتها فقد فاته الخير الكثير؛ لأنه حرم ما عند الله من ثواب الدنيا والآخرة، ولهذا لم يقل: من كان يريد ثواب الدنيا نؤته منها، كما جاء ذلك في آية أخرى: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] بل جاء الجواب على خلاف ما يتوقع السامع، فكأنه لم ينل شيئًا.
وهذه الآية لها شواهد كثيرة: أن من أراد الدنيا فإن الدنيا والآخرة تفوته، ثم لا ينال ما أراد من الدنيا؛ كقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩].
ومن أراد الآخرة لا تفوته الدنيا، ولهذا قال الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى: ٢٠]،
стр. 882
فمن أراد الآخرة لم تفته الدنيا، ومن أراد الدنيا قد تفوته الدنيا والآخرة وإن أتته الدنيا فإنه لا يؤتى منها كل ما يريد، وهذا هو الحاصل في الإرادات، ومن أراد الدنيا والآخرة معًا فهل نقول: إنه بين درجتين، أو نقول: إنه ينال ثواب الدرجة الثانية وهي إرادة الآخرة؟
الجواب: نقول هنا: أيهما أغلب فيمن أراد الدنيا والآخرة، إذا كان الأغلب هو الآخرة فإنه ينال ثواب الدنيا والآخرة، وإذا كان الأغلب الدنيا فإنه ينقص من ثواب الآخرة بقدر ما نوى من الدنيا، فإذا كان نوى الآخرة كلها حصل له الثواب كله، أو بعضها يحصل له أقل.
وقد جاءت الأحاديث شاهدة بهذا، فعن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (١)، ولهذا نجد الكفار الذين يريدون الدنيا أحيانًا يوفقون في الدنيا، ويحصل لهم مرادهم أو بعضه، وأحيانًا لا يحصل لهم مرادهم، ويكونون أشد فقرًا من المسلمين.
وقوله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. يعني: وقد فاته ما يريد؛ لأنه في الواقع قد يؤتى ما يريد أو بعضه، ثم لو أتي فإنه لن يدوم، بل سيموت أو يفقد ما أوتي.
стр. 883
قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ يعني: أنه ثبت ثبوتًا أزليًا وأبديًا.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - ترتيب الثواب والجزاء على النية، لقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ﴾، وعلى هذا فيجب على الإنسان أن يصحح نيته تمامًا، وأن لا ينوي بعمل الآخرة إلا الآخرة، أما عمل الدنيا فهو للدنيا.
٢ - الرد على الجبرية، وذلك بإثبات الإرادة للعبد، والجبرية يقولون: إن العبد ليس له إرادة، وأنه مجبر على عمله ليس له إرادة، وهذه الآية وغيرها ترد عليهم.
٣ - بيان انحطاط رتبة الدنيا عند الله ، ولهذا قال: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قال ابن القيم ﵀ في النونية:
لو ساوت الدنيا جناح بعوضة ... لم يسق منها الرب ذا الكفران
لكنها والله أحقر عنده ... من ذا الجناح القاصر الطيران
يعني: لو أن الدنيا تساوي جناح بعوضة ما سقى الله أحدًا من الكفار، ولا أنعم عليهم بشيء؛ لكفرهم، لكن يتمتعون بها لأنها ليست عند الله بشيء، سواء تمتع بها أولياؤه أو أعداؤه، وهذا هو الواقع، فالدنيا إذا لم تكن وسيلة إلى الآخرة فلا خير فيها، حتى لو نعم فيها الإنسان فإن هذا النعيم جحيم، ولذلك تجد أشد الناس همًّا وأسىً وحزنًا وقلقًا هم أصحاب الدنيا، ولا يغرنك ما عندهم من اللباس والقصور، والنعيم والسيارات وغيرها، فقلوبهم والله أسوأ حالًا من أفقر المسلمين.
قال بعض السلف: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من لذة العيش لجالدونا عليه بالسيوف".
стр. 884
٤ - أن الذي يعطي الثواب هو الله لا غيره، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة، ويتفرع على هذه الفائدة: ألا نعتمد فيما نرجوه من ثواب الدنيا والآخرة إلا على ربنا ؛ لأنه هو الذي بيده الأمور ، حتى قال الرسول ﷺ لابن عمه عبد الله بن عباس: "واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك" (١).
٥ - إثبات الآخرة، ولم نقل: إثبات الدنيا؛ لأنه لا حاجة إلى ذلك، ولو قلنا: إثبات الدنيا لكان هذا من باب اللغو؛ كقول السماء فوقنا والأرض تحتنا.
وكأننا والماء من حولنا ... قوم جلوس حولهم الماء
فهذه الآية تدل على ما ذكرنا من إثبات الآخرة، وأنها آتية لا بد منها، وأنها هي الغاية لكل حي، ولهذا يجب علينا أن نشعر بأننا نحن في هذه الدنيا مسافرون كالمسافر تمامًا، بل أعجل من المسافر؛ لأن المسافر يسير ويمكث، ينزل لينام، يستريح، ويريح الإبل، لكن الحي في الدنيا لا يستريح، بل هو سائر ليلًا ونهارًا، قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، وسائر في كل حال، فعلينا أن نشعر أنفسنا بهذا لئلا نتخذها وطنًا.
ومن نعمة الله سبحانه على العباد جميعًا: أنه لم يجعل نعيم هذه الدنيا كاملًا، بل ينغص، لئلا يتخذ الإنسان الدنيا مقرًا ووطنًا، بل يعرف أنها ليست دار مقر، فصفوها كدر، وراحتها عناء، وبهذا يعلم: أن الآخرة هي الأهم.
٦ - إثبات اسمين من أسماء الله هما "السميع" و"البصير"،
стр. 885
وإثبات ما يترتب عليهما من وصف "السمع" و"البصر"، وإثبات ما يترتب عليهما من أثر وهو أنه "يسمع ويبصر"، يعني: ليس سميعًا بلا سمع أو بلا بصر، ولا ذا بصر بدون أن يبصر، أو ذا سمع بدون أن يسمع.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ [النساء: ١٣٥].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطاب لكل المؤمنين، ونحن - إن شاء الله تعالى - منهم، فالخطاب موجه إلينا، وإلى غيرنا من المؤمنين.
واعلم أن تصدير الله تعالى خطابه بالنداء يدل على أهميته؛ لأن النداء يلفت سمع السامع، ويتجه إلى المنادي ماذا تريد؟
ثم اعلم أن تخصيص النداء بالمؤمنين يفيد أنهم هم الأهل لتوجيه مثل هذا الخطاب إليهم؛ لأنهم مؤمنون ينفذون أمر الله إن كان أمرًا، ويتركون نهيه إن كان نهيًا، ويتأدبون بخلقه إن كان خلقًا، فكانوا أهلًا لأن يوجه الخطاب إليهم، وكفى شرفًا بالإيمان أن يوجه الله الخطاب إلى المتصفين به فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شرف عظيم أن يوجه رب العالمين إليك خطابًا.
ويدل أيضًا على تخصيص المؤمنين، وعلى أن ما ذكر من مقتضيات زيادة الإيمان، وأن مخالفته تنقص الإيمان.
قوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، ﴿قَوَّامِينَ﴾ فعالين.
стр. 886
فهي صيغة مبالغة، ويحتمل أن تكون على سبيل النسبة. أي: من ذوي القوامة.
قوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ القسط هو العدل، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١]، فالقسط هو العدل، والإقساط: هو الجور، و"أقسط" بمعنى عدل، وقسط بمعنى جار، ولهذا جاء اسم الفاعل من الأولى منها على وزن مُفْعِل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، وجاء اسم الفاعل من الثانية على وزن "فاعل": ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥].
قوله: ﴿بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ﴾ حال من فاعل قوامين، ويحتمل أن تكون خبرًا ثانيًا لقوله: ﴿كُونُوا﴾ لكن كونها حالًا أولى.
وقوله: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ أي: تشهدون بالقسط لله ، لا يحملكم على هذا رياء، ولا سمعة، ولا دنيا ولا غير ذلك، شهداء لله فقط، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢].
قوله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ الشهادة على النفس ممكنة، تشهد على نفسك قبل أن تشهد نفسك عليك، والشهادة على النفس هي الإقرار، بأن يقول: فعلت كذا وفعلت كذا.
قوله: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ﴾ أي: الأم والأب، حتى على الأم والأب اشهد ولو غضبوا؛ لأن رضا الله مقدم على رضا الوالدين.
قوله: ﴿وَالْأَقْرَبِينَ﴾ مثل الإخوان، والأبناء، والأجداد، والأعمام، والأخوات والخالات، والقرابة الذين ليسوا بأقربين من باب أولى، لكن الله نص على ذلك؛ لأن النفس قد تميل إليهم، فلا تشهد بالعدل.
стр. 887
ثم أشار سبحانه إلى أمر مهم يحمل على الشهادة للمشهود له أو عليه، فقال: ﴿إِنْ يَكُنْ﴾ أي: المشهود عليه أو المشهود له: ﴿غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾؛ لأن من الناس من يشهد للغني لغناه، أو للفقير لفقره، أو يشهد على الغني لغناه، أو على الفقير لسبب من الأسباب، فالله أمر بأن نشهد على هؤلاء ولو كان الإنسان غنيًا أو فقيرًا؛ لأن أمرهما إلى خالقهما ، ولهذا قال: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ فلا تقل: أشهد للفقير؛ لأنه فقير محتاج وصاحب عائلة؛ لأن ولاية الله لهم خير من شهادتك.
ثم قال: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ أي: هوى النفس، وهو: ميل الإنسان إلى ما يخالف الشرع، وهذا هو الهوى المذموم.
وقوله: ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ معناها لأجل أن تعدلوا، وليس هناك أحد يكره العدل، لكن لما أمر الله بالشهادة على النفس والوالدين والأقربين، وبيّن أنه تعالى هو الذي يتولى الجميع، ونهى عن اتباع الهوى، قال: ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ يعني: إن أردتم العدل فلا تتبعوا الهوى، وعلى هذا فيجوز أن نقول: التقدير: كراهة أن تعدلوا. يعني: أننا أمرناكم أو نهيناكم عن اتباع الهوى كراهة أن لا تعدلوا؛ أي: من أجل أن تعدلوا، والعدل هو الإستقامة، والمراد به في باب الأحكام: الحكم بما دل عليه الكتاب والسنة.
قوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ "إن تلووا" أي: تنحرفوا في الشهادة، فتزيدوا فيها أو تنقصوا منها، أو تعرضوا عن الشهادة بحيث لا تؤدونها، فهذا وعيد.
قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ وماذا يكون إذا كان الله بما نعمل خبيرًا؟
стр. 888
الجواب: الجزاء، وهذا من أشد ما يكون من الوعيد؛ لأن من علم أن الله تعالى خبير بعمله فلا يتجاسر أبدًا أن يخالف أمر الله .
من فوائد الآية الكريمة:
١ - وجوب إقامة الشهادة، لقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾.
٢ - وجوب العدل فيها، بحيث لا يزيد فيها ولا ينقص، ولا يأبى أن يؤديها عند الحاجة إليها؛ لأن هذا كله داخل في قوله: ﴿قَوَّامِينَ﴾.
٣ - أنه يجب العدل في أداء الشهادة، ومنه ما ذكره في قوله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾.
٤ - الإشارة إلى الإخلاص في أداء الشهادة، لقوله: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، فلا تظن أن الشهادة مجرد شهادة للغير أو على الغير، بل أداها قربة إلى الله ، مخلصًا بها لله بامتثال أمره بأدائها.
٥ - وجوب الإقرار على من عليه حق، لقوله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، فيجب على الإنسان أن يقر بالحق الذي عليه ولو كان مُرًا.
٦ - أن الإقرار شهادة، لقوله: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ وذلك أن الإنسان في الواقع إما أن يضيف الشيء إلى نفسه أو على نفسه، أو لغيره على غيره، فهذه ثلاثة أنواع:
الأول: دعوى، إذا أضاف الشيء إلى نفسه، وقال: هذا لي، أو أنا أطلبك مائة ريال، أو ما أشبه ذلك، فهذه دعوى تحتاج إلى بينة، وطريق حكم حسب ما تقتضيه الشريعة.
стр. 889
الثاني: إقرار، إذا أضاف الشيء على نفسه، وهذا إقرار، مثل أن يقول لفلان علي كذا.
الثالث: شهادة، إذا أضاف الشيء لغيره على غيره، وهذه شهادة، يشهد بالشيء لفلان على فلان، وكلها تعتبر شهادة.
٧ - وجوب الشهادة على الوالدين والأقربين بما يلزمهم، لقوله: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾، وعلى هذا فتقبل شهادة الولد على والديه، وهل تقبل لهما؟ في هذا خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: لا تقبل سدًا للباب ودفعًا للتهمة، ومنهم من فصل فقال: إذا عُلم أن الوالدين أهل تقى وصلاح، وأنهما لن يدعيا ما ليس لهما، وأن الولد أيضًا على جانب كبير من التقى والأمانة؛ فإن الشهادة للوالدين تقبل؛ لأن العلة وهي التهمة مفقودة في مثل هذه الصورة، ولكن أكثر العلماء كما أظن رد على قبول شهادة الإنسان لوالديه سدًا للباب، ولأن مقياس الأمانة أو عدم الأمانة أمر يصعب.
٨ - أن الله سبحانه نهى عن المحاباة للغنى أو للفقر، وتؤخذ من قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾.
٩ - أن الله سبحانه هو الولي على كل أحد، فلا تحاب أحدًا لغناه ولا لفقره، فالله ولي الجميع.
ومن هنا نأخذ فقه ما يروى عن عمر بن عبد العزيز ﵀، حين قيل له: ألا توصي لأولادك، قال: لن أوصي لهم، إن كان أولادي صالحين فالله يتولى الصالحين، وولاية الله لهم خير من ولايتي، وإن لم يكونوا صالحين فلا أعينهم على فسقهم، وهذا من فقهه ﵀، خلافًا لما يفعله الناس الآن من محاباة
стр. 890
القريب والولد والوالد، ولو كانوا من أفسق عباد الله.
١٠ - تحريم ما يسمى بالإشتراكية؛ لأن دعاة الإشتراكية - والحمد لله أنها خمدت نارهم - يقولون: إننا نريد أن نرحم الفقير، فنأخذ من مال الغني ونعطيه الفقير رحمة به، فيقال: إن الله أولى به منكم، والله له الحكمة في جعل الناس بعضهم فقير وبعضهم غني، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] أي: يسخر بعضهم بعضًا؛ لأنه لو كان الناس على حد سواء ما استقامت الأمور، فمن يبني لك بيتك إذا كان الناس كلهم أغنياء؟ ! ومن يبني لك بيتك إذا كانوا كلهم فقراء؛ لأنك ليس عندك شيء تبني به، فالله له الحكمة في اختلاف الطبقات، لكن مع ذلك لم يضيع حق الفقير، فأوجب الزكاة، وأوجب دفع الضرورة، وأوجب النفقة على الأقارب، وأوجب النفقة على الأزواج، وما أشبه ذلك، وهذا كله يسد حاجات كثير من الفقراء.
١١ - تحريم اتباع الهوى الذي يخالف العدل، ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ والهوى لا يذم مطلقًا ولا يحمد مطلقًا، فإذا كان الهوى تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ فهو محمود، وإذا كان مخالفًا له فهو مذموم، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ أي: كراهة أن تعدلوا.
١٢ - التحذير من الجور، لقوله: ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ وهذا يشمل كل موضع يتعين فيه العدل، فيكون - مثلًا - العدل بين الأولاد في العطية وغير العطية، حتى كان السلف يعدلون بين أولادهم في
стр. 891
القبل. يعني: إذا قبل صبيًا قبل الآخر، والعدل بين الزوجات أيضًا، والعدل بين الخصمين بين يدي القاضي ... وما أشبه ذلك.
١٣ - تحذير من أعرض عن إقامة الشهادة والعدل، أو لوى لقوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
١٤ - عموم علم الله وخبرته، لقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ لأن "مَا" اسم موصول تشمل كل ما يعمله ابن آدم.
١٥ - التحذير من مخالفة الله؛ لأن كل مؤمن يعلم أن الله خبير بعمله لا بد أن يتجنب ما يكون سببًا للعقاب، ويتعرض لما يكون سببًا للثواب.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ كل ما رأيت الخطاب مصدرًا بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فانتبه له، كما يذكر عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك، فإنها إما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه.
وقد ذكرنا فوائد تصدير الخطاب بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فلا حاجة إلى تكراره؛ لأنه معلوم.
وقوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قد يقول القائل: كيف يقول:
стр. 892
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم يقول: ﴿آمِنُوا﴾ والأمر بالحاصل لغو، وخطابهم بالإيمان ثم أمرهم، فهذا أمر بشيء حاصل؟
فيقال: هذا الفهم خطأ، فالمراد بقوله: ﴿آمِنُوا﴾ أي: حققوا إيمانكم واثبتوا عليه، فيكون الأمر بالإيمان في قوله: ﴿آمِنُوا﴾ أمرًا بأمرين:
الأول: تحقيق الإيمان؛ أي: الحرص على تكميله، من كل وجه.
والثاني: الثبات عليه؛ لأنه كم من مؤمن يزل ويقصر.
وقوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ المراد بالرسول هنا: محمد ﵊، بدليل ما يأتي بعده.
والإيمان بالله ذكرناه فيما سبق، ولا حرج أن نعيده، الإيمان بالله يتضمن أمورًا أربعة:
١ - الإيمان بوجوده.
٢ - الإيمان بربوبيته.
٣ - الإيمان بألوهيته.
٤ - الإيمان بأسمائه وصفاته.
ومن أنكر واحدًا منها فإنه لم يؤمن بالله.
والإيمان بالرسول ﵊، يتضمن الإيمان بأنه رسول الله حقًا وأنه جاء بالحق، فيصدقه فيما أخبر، ويمتثل أمره فيما أمر، وينزجر عما نهى وزجر.
قوله: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ المراد به هنا: القرآن: وعبر عنه بقوله: ﴿نَزَّلَ﴾؛ لأنه ينزل شيئًا فشيئًا، كما قال
стр. 893
تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء: ١٠٦].
قوله: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾، "الْكِتَاب" هنا اسم جنس، فـ "أل" هنا للإستغراق؛ أي: وكل كتاب أنزَل من قبل، وعبر عن الكتب السابقة بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ لأنها تنزل جملة واحدة.
والإيمان بكتاب الله: هو أن تؤمن بأنه من عند الله حقًا، وأن ما جاء فيه من أخبار فهي صدق، وما جاء به من أحكام فهي عدل، وأنه مهيمن على الكتب السابقة ناسخ لها.
والإيمان بالكتاب الذي أنزل من قبل: أن تؤمن بأن كل رسول قد أنزل الله عليه كتابًا، وتؤمن بما جاء من الكتب بالتعيين، مثل: التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، وأن تؤمن بأنها من عند الله ، وأن تؤمن بكل ما صح فيها من خبر، وقيدنا بكل ما صح فيها من خبر؛ لأنه دخلها التحريف والتبديل والتغيير، وأما الأحكام فلست مأمورًا باتباعها إلا حيث أمرك شرعك.
وقد اختلف العلماء ﵏ في شرع من قبلنا: هل هو شرع لنا أو ليس بشرع لنا؟
والتحقيق أنه شرع لنا، لقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] إلا إذا ورد شرعنا بخلافه، فإنه يكون منسوخًا، على أن العمل بالأحكام التي في الكتب الموجودة الآن بأيدي أهل الكتاب ليس مأمونًا؛ لأنهم حرفوا وبدلوا وغيروا.
ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ هذه خمسة من أركان الإيمان
стр. 894
والباقي: الإيمان بالقدر، وهو مذكور في آية أخرى.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ﴾: فينكره أو ينكر ما ثبت له من حقوق، أو من أسماء وصفات.
قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾ كذلك من يكفر بالملائكة، والملائكة: هم عالم غيبي، خلقهم الله ليقوموا بطاعته، ورتب لهم وظائف كل على حسب ما تقتضيه حكمته ، وهم أشرف من الجن وأقوى وأعظم، فإن النبي ﷺ رأى جبريل على صورته التي خلق عليها، له ستمائة جناح قد سد الأفق، وهذا شيء عظيم، والعفريت من الجن قال لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩] والملك جاء به قبل أن يرتد إليه طرفه، وهذا أقوى وأعظم.
والملائكة منهم من نعلمهم بأعيانهم مثل جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ومالك خازن النار، ورضوان -إن صح - خازن الجنة، ومنكر ونكير -إذا صح - وهما اللذان يسألان المرء بعد دفنه، أما عزرائيل فلم يصح، وهو مشهور عند العامة شهرة الشمس في رابعة النهار، وهذا الإسم عند العامة أشهر من اسم جبريل، لكنه لم يصح عن النبي ﵊، أنه بهذا الإسم.
ونؤمن أيضًا بما علمنا من أعمالهم وأوصافهم، فنحن نعلم أن جبريل ﵇ موكل بالوحي، وفيه حياة الأرواح والقلوب، وأن إسرافيل موكل بالنفخ في الصور، وفيه الحياة الآخرة حين ينفخ في الصور، فتخرج الأرواح وتحل في أجسادها، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، وفيه حياة الأرض،
стр. 895
وهؤلاء الثلاثة كان النبي ﵊، يستفتح صلاة الليل بقوله: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرفيل" (١)؛ لأن في هؤلاء الملائكة كل واحد له حياة معينة، واستقبال النهار بعد النوم يعتبر حياة جديدة كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠].
كذلك الإيمان بالكتب: سبق بيانه.
ونؤمن برسل الله ، على سبيل الإجمال، وعلى سبيل التعيين فيمن علمناه بعينه، وليس كل الرسل قد علمناهم، لقول الله ﵎: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، لكن نؤمن بهم على سبيل الإجمال، وأما المعين فنؤمن به على سبيل التعيين.
فنؤمن بأنهم رسل الله، وأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله ، وأنهم مبعوثون إلى أقوامهم، وأنهم أدوا الرسالة، ولهذا سنُستَشهد يوم القيامة لهم، وعلى أممهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
قوله : ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهو يوم البعث، وسمي اليوم الآخر؛ لأنه المنتهى ليس بعده يوم، والدنيا ثلاثة مراحل: مرحلة الأجنة، ومرحلة الحياة، ومرحلة البرزخ، والرابع النهاية: مرحلة البعث، ولهذا يسمى: اليوم الآخر.
قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ هذا جواب الشرط، "من"؛
стр. 896
أي: صار في متاهات بعيدة؛ لأن هذه الأشياء أمرها ظاهر، فجحدها وإنكارها ضلال بعيد.
والضلال البعيد يعود على كل من كفر بالأربع أو بواحد منها؛ لأن الذي يؤمن ببعض ويكفر ببعض كالذي كفر بالكل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].
من فوائد الآية الكريمة:
١ - وجوب الثبات على الإيمان, لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
٢ - وجوب تكميل الإيمان بناءً على قوله: ﴿آمِنُوا﴾؛ أي: اثبتوا وحققوا الإيمان بإكماله.
٣ - وجوب الإيمان بالله ورسوله وكتابه، لقوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾.
٤ - أن القرآن منزل، لقوله: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾. وفيما يتعلق بالله : فيه أن القرآن كلام الله؛ لأنه نزل من عنده، فيكون كلامه، وعلو الله أيضًا لقوله: ﴿نَزَّلَ﴾، والتنزيل يكون من أعلى إلى أسفل، وكل هذا أمر معلوم في العقيدة.
٥ - أن القرآن منزل على محمَّد ﵊، لقوله: ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾، ومنتهى نزوله قلب النبي ﵊، لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾
стр. 897
[الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤] فقد حل في قلب النبي ﵊، ووعاه، وبينه، ولم يفته حرف واحد، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩].
٦ - أن القرآن الكريم نزل مفرقًا، لقوله: ﴿نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ واستشهدنا بالآية الكريمة: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء: ١٠٦].
٧ - وجوب الإيمان بالكتب السابقة، لقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾، فلو أن أحدًا قال: أنا أؤمن بالقرآن، لكن التوراة والإنجيل لم تنزل على رسولنا فلن أؤمن بها، قلنا: إنك الآن كافر مرتد؛ لأنه لا بد أن تؤمن بالكتاب الذي أنزل من قبل كما أمرك الله.
٨ - أن هذا القرآن الكريم ختام الكتب، وتؤخذ من قوله: ﴿الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ ولم يقل ومن بعد، إشارة إلى أنه لا كتاب بعد القرآن الكريم.
- ويتفرع على هذه الفائدة أنه لا رسول بعد محمد ﷺ ؛ لأنه لو ثبت أن هناك رسولًا بعده للزم أن ينزل عليه كتاب.
٩ - التحذير من الكفر، لقوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
١٠ - أنه لا يصح الإيمان المبعض. بمعنى: أن يؤمن ببعض ويكفر ببعض، لقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
١١ - وجوب الإيمان بما ذكر، وهي خمسة أركان من أركان الإيمان الستة.
١٢ - وجوب الإيمان بكل ما أخبر الله به أو أخبر به
стр. 898
رسوله ﷺ مما يكون في اليوم الآخر؛ لأن الإيمان باليوم الآخر ليس أن تؤمن بأنه سيكون، بل أن تؤمن بكل ما يجري فيه مما جاء في الكتاب والسنة، بل قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀:
مما يدخل في الإيمان في اليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فجعل من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بعذاب القبر، وقوله حق؛ لأن من مات انتهى من الدنيا، ودخل في اليوم الآخر.
١٣ - أن الضلال يتفاوت، بعضه أشد من بعض، لقوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
إذًا: هناك ضلال ليس ببعيد، وهو كذلك، فالضلال يتفاوت، والإيمان يتفاوت، والأعمال تتفاوت: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢]، فمثلًا: جنس الواجب أفضل من جنس المستحب، ففريضة الصلاة أفضل من نافلتها، وقراءة الفاتحة أفضل من قراءة السورة التي بعدها؛ لأن قراءة الفاتحة ركن وما بعدها غير ركن، وصيام رمضان أفضل من تطوع بصوم في أي زمن، وهلم جرا.
وجنس الفريضة أفضل من جنس النافلة، ودليل هذا قوله تعالى في الحديث القدسي: "ما تقرب عبدي إلي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه" (١)، ثم أجناس الأعمال تختلف، فبعضها من أركان الإِسلام، وبعضها ركن مؤكد، وبعضها دون ذلك، وبعضها ليس من أركان الإِسلام.
إذًا: أعمال أهل الخير وأعمال أهل الشر كلها تتفاوت.
стр. 899
وينبني على ذلك: تفاوت الإيمان وتفاوت الفسق، فيكون هذا أقوى إيمانًا وذاك أضعف، والفسق هذا أعظم فسقًا وهذا دون ذلك، ففاعل الكبيرة أعظم فسقًا من فاعل الصغيرة إذا فسق بفعلها، وهذا الأصل هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، على أن الأعمال تتفاضل، وأن العاملين يتفاضلون، سواء السيئ أو الصالح.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ [النساء: ١٣٧].
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾: حصل منهم الإيمان مرتين، والكفر ثلاث مرات، وهؤلاء آمنوا ودخلوا في الإيمان, لكن الإيمان لم يستقر في قلوبهم فارتدوا والعياذ بالله.
وقوله: ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾؛ لأن الإيمان لم يستقر في قلوبهم، ولو استقر الإيمان في قلوبهم ما كفروا، لكنه لم يستقر - والعياذ بالله - كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة: ٨].
قوله: ﴿ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾، انظر التذبذب، بعد أن كفروا أول مرة بعد الإيمان آمنوا، بعد أن كفروا أول مرة بعد الإيمان آمنوا، وبعد ذلك ﴿كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ - نسأل الله العافية - بتلاعبهم بالدين، وصار الكفر الأخير أشد مما قبله؛ لأنهم متلاعبون متذبذبون، فهم لا يستقرون على قرار.
стр. 900
قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ هذا خبر ﴿إِنَّ﴾، وقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ هنا فعل مضارع منفي، واللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ تسمى لام النفي أو لام الجحود، وهي زائدة على قول بعض النحويين، وغير زائدة على قول آخرين، فالذين قالوا: إنها زائدة قالوا: التقدير: "لم يكن الله يغفر لهم" والذين قالوا غير زائدة، قالوا: إن قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ على تقدير الإرادة. يعني: لم يرد لغفرانهم.
وأيًا كان ففي قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ تيئيس لهم من المغفرة - والعياذ بالله - وأنهم سيبقون على كفرهم إلى يوم يلقونه.
قوله: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾: ﴿سَبِيلًا﴾، يعني: طريقًا إلى الخير، فلا يمكن أن يهديهم الله سبيلًا إلى الخير، وفي الآية التي في آخر السورة قال: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩] قال: ذلك في الذين كفروا وظلموا.
فهؤلاء الذين حصل لهم ذلك قد سد الله عنهم باب المغفرة وباب الرحمة، باب المغفرة في قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ وباب الرحمة في قوله: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن المتذبذب بين الإيمان والردة يكون مآله أن يزداد كفرًا، لقوله: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾، وذلك - والله أعلم - أن الإيمان لم يدخل قلبه.
٢ - من العلماء من استدل بهذه الآية على أن من تكررت
стр. 901
ردته لم تقبل توبته، قالوا: لأن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ فهل هذا الإستدلال صحيح؟
الجواب: قد يقول قائل: إنه ليس بصحيح؛ لأن آخر أمر هؤلاء أن ﴿ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ ولم يذكر الله توبتهم، فإذا قارنا هذا بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] قلنا: هذه الآية تقضي على ما ذكره هؤلاء العلماء الذين قالوا: إن من تكررت ردته لا تقبل توبته؛ لأن الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.
وإن قالوا: إننا لا نقول أنها لا تقبل توبته، وأنه لو تاب لم تقبل، لكننا نقول: إنه بعيد أن يتوب، ولهذا كان أمر هؤلاء أن يزداد الإنسان كفرًا.
وبناءً على هذا نقول: إذا ظهر من هذا الذي تكررت ردته، الإيمان الصحيح والإستقامة، وصلاح الحال فإننا نقبل منه: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ [إبراهيم: ٢٠] وهذا هو الأصح، أن من تكررت ردته يجب أن نتأنى في قبول توبته، حتى نعرف صدق توبته، وصلاحه واستقامته، وأنه تاب توبةً نصوحًا.
٣ - الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، وأن فعله لا ينسب إليه إلا مجازًا، فالرد عليهم من قوله: ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فأضاف الأفعال إليهم، ففيه رد على الجبرية؛ لأن الجبرية عندهم أن العبد ليس له فعل اختياري، بل هو مجبر على العمل؛ كتحرك السعفة في الرياح، فلما قيل لهم: كيف يكون ذلك والله تعالى يثيب
стр. 902
الطائع ويعاقب العاصي؟ ! أي حكمة في إثابة الطائع وعقوبة العاصي، والكل منهم يفعل بغير اختياره؟ !
قالوا: لا نتحاج على الله، والله يفعل ما يشاء، والظلم تصرف الفاعل في غير ملكه، والكل ملك لله، فإذا تصرف في ملكه بما شاء ولو بتعذيب المطيع وتنعيم العاصي فهو ملكه.
وبناءً على ذلك نفوا الحكمة في أفعال الله، وقالوا: ليس لله حكمة في أفعاله، فهو يفعل لمجرد المشيئة.
٤ - وفيها أيضًا: رد على القدرية، لقوله: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾، فدل هذا على أن الهداية بيد الله وليس يستقل بها العبد، والقدرية يقولون: إن الإنسان مستقل بفعله، وليس لله فيه مشيئة ولا خلق، وغُلاتهم يقولون: ولا علم ولا كتاب، فغُلاتهم ينكرون جميع مراتب القدر: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، ومقتصدوهم ينكرون مرتبتين من مراتب القدر، وهما: المشيئة والخلق. ويقولون: الله يعلم وقد كتب ما يكون، لكنه لا يشاء، والإنسان مستقل بعمله، وكلا الطائفتين غاليتان مفرطتان، فالقدرية غلوا في إثبات فعل العبد، وتطرفوا في إثبات خلق الله ومشيئته، والجبرية بالعكس.
٥ - أنه يجب على الإنسان أن يحذر من التردد والتقلب، فإن الغالب أن من هذه حاله لا يبارك له في عمره، ولا في عمله، فكونه كل يوم له رأي، وكل يوم له عمل، هذا لا شك أنه يضيع عليه الوقت، ولا يستفيد من عمره شيئًا، ولهذا يذكر عن عائشة ﵂، أنها قالت: "من بورك له في شيء فليلزمه" (١)
стр. 903
وهذا عام في كل شيء، في العمل، حتى في السيارة إذا بورك لك فيها فالزمها.
على كل حال: في هذا دليل على أن الإنسان لا ينبغي له أن يتقلب، وليثبت، ولكن ليس معنى قولنا هذا أنه يثبت على الباطل بعد أن يرى أنه باطل، بل الواجب إذا تبين له أنه باطل أن يأخذ بالحق، كما قال عمر ﵁ في كتابه إلى أبي موسى الأشعري، "لا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس أن تقضي بالحق فيه اليوم، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل" (١).
٦ - أن الله سبحانه إذا علم من حال العبد أنه لن يستقيم، فإنه لن يغفر له ولن يهديه؛ لأن هؤلاء: ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾.
- ويترتب على هذه الفائدة التي دلت عليها هذه الآية، ودل عليها قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] أن الأعمال الصالحة تجلب الأعمال الصالحة، والأعمال السيئة تجلب الأعمال السيئة، فإذا منَّ الله عليك بعمل صالح فأبشر أنه سيمنُّ عليك بعمل آخر تتبعه إياه.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾ [النساء: ١٣٨].
﴿بَشِّرِ﴾ الخطاب للرسول ﵊، ويمكن أن نجعله عامًا لكل من يتوجه الخطاب إليه، سواء للرسول ﷺ أم
стр. 904
غيره، والبشارة في الأصل هي الإخبار بما يسر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، فالتبشير: الإخبار بما يسر، فكيف قال: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾ وهل العذاب الأليم يسر؟ أجاب بعض العلماء بأن هذا من باب التهكم بهم، وهذا يقع كثيرًا في كلام الناس، إذا رأى إنسانًا متمردًا قال: أبشر بالخيبة، أبشر بالعقوبة وما أشبه ذلك، ومنه: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٨ - ٤٩] فإن بعض العلماء قال: المراد بقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ التهكم، وبعضهم قال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ في الدنيا، وهذا جزاؤك في الآخرة.
أما الجواب الثاني: فقالوا: إن البشارة هي الإخبار بما يتغير به الوجه من خير أو شر، وسميت بذلك؛ لأن البشرة تتغير، لكن إذا أخبر الإنسان بما يسره استنار وجهه، وإذا أخبر بما يسوؤه أظلم وجهه واكفهر، وعلى هذا فلا يكون في الآية إشكال، هل قيل هذا على سبيل التهكم أو على سبيل الحقيقة، بل يكون قيل على سبيل الحقيقة.
وقوله: ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ يعني: الذين نافقوا، بإظهار الإِسلام وإبطان الكفر، وهو مأخوذ من "نافقاء اليربوع"؛ أي: جحره؛ لأن اليربوع له جحر له باب مفتوح، يحفر في الأرض خندقًا، ثم يجعل في آخر الجحر قشرة رقيقة، حتى إذا أتي من باب الجحر سهل عليه أن يرفع هذه القشرة الرقيقة برأسه ويخرج، فهذا أصل النفاق من "نافقاء اليربوع".
стр. 905
والنفاق لم يكن معروفًا قبل الإِسلام، ولا في أول الإِسلام؛ لأن أول الإِسلام ليس هناك قوة للمسلمين يخافها الناس، لكن لما صار للمسلمين شوكة، وقوي المسلمون وذلك بعد انتصارهم في غزوة بدر في السنة الثانية بدأ النفاق يظهر، وقال المنافقون: إن أمره قد اشتد وظهر، فلا بد أن نداهنه، ولا بد أن تظهر أننا معه حتى لا ينالنا بسوء، وحصل لهم ما أرادوا، فإن الرسول ﷺ لم ينالهم بسوء، حتى أنه استؤذن في قتلهم فقال: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" (١) لكن هذا لا ينفعهم.
إذًا: أول ما ظهر النفاق حين قوي المسلمون بعد غزوة بدر.
قوله: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ﴿بِأَنَّ﴾ متعلق بقوله: ﴿بَشِّرِ﴾ وقوله: ﴿عَذَابًا﴾ اسم أن، و ﴿لَهُمْ﴾ خبرها مقدم، وقوله: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي: مؤلمًا. والعذاب الأليم سيأتي في آخر الآيات، في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥].
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أنه ينبغي لنا أن نصارح المنافقين بأن نبشرهم، سواءً بلفظ أبشروا، أو بلفظ "اعلموا"، ﴿بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ حتى يرتدعوا عن نفاقهم.
وهنا قاعدة ينبغي أن نفهمها: إذا وردت النصوص لفظية
стр. 906
فالأصل وقوعها عمليًا، أما إذا قلنا النصوص اللفظية لا يعمل بها إلا إذا علمنا أنه معمول بها فهذه قاعدة خطيرة وفاسدة، فبعض الناس يقول: النصوص اللفظية لا يعمل بها إلا إذا علمنا أن الصحابة عملوا بها، ونحن نقول: الأصل في النصوص اللفظية أنه معمول بها، وهنا لا نحتاج أن نقول: أثبتوا أن الرسول ﷺ كان يبشرهم، فالأصل أنه لما قيل له بَشِّر فبَشَّر.
٢ - أن المنافقين مستحقون للعذاب الأليم، لقوله: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ﴾ واللام هنا للإستحقاق.
٣ - أن عذابهم مؤلم موجع.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ [النساء: ١٣٩].
ثم بيَّن من صفاتهم ما ذكره بقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهذه من علامات النفاق، وأن الإنسان يتولى الكفار دون المؤمنين؛ لأنه يجد المؤمنين ضعفاء ليس لهم شوكة، والكفار أقوياء لهم الشوكة والسلطة فيتخذهم أولياء، يواليهم ويناصرهم ويداهنهم ولو على حساب الدين، كما يوجد الآن من بعض الناس بالنسبة لموالاة الكفار من دون المؤمنين، بل تجده سيفًا مسلولًا على المسلمين، وتجده على الكفار ماءً باردًا، يواليهم ويناصرهم، وهذه من صفات المنافقين، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
والتولي في جميع الأمور، أولياء في المحبة، أولياء في
стр. 907
النصرة والمساعدة ولو بالقول .. أولياء في تقوية اقتصادهم .. أولياء في مداهنتهم وعدم التعرض لهم وما هم عليه، المهم أن طرق الموالاة كثيرة.
وقوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أتت ﴿مِنْ﴾ الدالة على بعد الصلة بينهم وبين المؤمنين؛ كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥]، فهو أبلغ من قوله: "وبيننا وبينك حجاب"؛ لأنه لو قال: بيننا وبينك حجاب لكان من المحتمل أن يكون ليس بينهما إلا الحجاب فقط، لكن لما قال: "من بيننا وبينك" فمعناها أن هناك مسافة قبل أن نصل إلى الحجاب بيننا وبين هؤلاء.
وهنا أيضًا قال: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تدل على بعد الصلة بين المؤمنين والمنافقين.
قوله تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ أي: أيطلبون عند الكافرين العزة. يعني: الغلبة، والقوة والقهر، وهذا هو الذي يحصل من بعض من يتولى الكفار، يطلبون منهم العزة أن يعتزوا بهم، فأبطل الله هذا الإبتغاء بقوله: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.
فليست العزة عند الكفار، وهذا كقوله تعالى عن المنافقين أنفسهم: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، وهذا حق لكن من الأعز؟
قال الله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] وهنا لم يقل: "والله الأعز ورسوله والمؤمنون" لأنه لو قال: والله أعز لأثبت لهم عزة، ولكنه قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ بصيغة تقتضي الحصر بتقديم الخبر، من أجل أن يتبين أن المنافقين لا عزة لهم، وكيف يكون لهم عزة وهم يتقون ويداهنون ويخادعون.
стр. 908
قوله: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ كلمة ﴿جَمِيعًا﴾ حال من العزة، وهي تدل على أن هناك أنواعًا من العزة، وهكذا يقول العلماء: إن العزة ثلاثة أنواع: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الإمتناع، فالله تعالى وحده هو القاهر لكل شيء، الغالب لكل شيء، والله وحده هو ذو القدر العظيم، الذي لا يماثله شيء، والله وحده هو الذي يمتنع عليه كل نقص وكل عيب، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - بيان صفةٍ قبيحة من صفات المنافقين، وهي: موالاة الكافرين من دون المؤمنين.
إذًا: فكل من والى الكافرين من دون المؤمنين ففيه نفاق، ويكفر من ناصرهم على المسلمين، أو أحب انتصارهم على المسلمين، أو انتصار الباطل على الحق، أما مجرد الولاية بالعهد، أو الولاية بالمعاملة فهذه لا تخرج من الإِسلام، وقد لا تكون مذمومة فضلًا عن كونها تخرج من الإِسلام.
والحزن لمصائبهم لا شك أنه ولاية، لكن مسألة الكفر صعبة، ولكن ربما يأسف الإنسان لمصائبهم؛ لأنه يرى أنها تضره، إذ قد يكون علاقة الناس بهذه الدولة أقوى من علاقتهم بالدولة الكبرى, والله قال: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٤ - ٥] انتصار الروم على الفرس، وهناك فرق بين موالاتهم ومداهنتهم، فالموالاة: أن يناصرهم ويساعدهم ويتولاهم ويكون من أوليائهم، والمداهنة أن يسكت عن باطلهم ليسكتوا عنه لكن ليس بينه وبينهم صلة في الموالاة،
стр. 909
والمداهنة حرام، والموالاة أشد، لكن المداراة لا بأس بها إذا دعت الحاجة إليها.
٢ - أن من ابتغى العزة من دون الله فهو ذليل، لقوله: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ فإن هذا استفهام إنكاري.
٣ - أن العزة لله وحده، لقوله: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، فهو العزيز الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء.
٤ - أنه ينبغي للإنسان أن يقطع العلائق عن الخلائق، وأن يعلق قلبه بالله ، يبتغي منه العزة، والنصر ودفع البلاء ويبتغي منه تيسير الأمور ... وهكذا.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠].
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ الفاعل هو الله ، ونزَّل وأنزل معناهما واحد، وقيل: أنزل: فيما كانت جملة واحدة، ونزل فيما كان متفرقًا، ولكن آيات الكتاب العزيز تدل على أنه لا فرق، والذي يتدبر القرآن يدل على أنه لا فرق، فإن الله تعالى يعبر عن إنزال القرآن تارةً بالإنزال وتارةً بالتنزيل، وإذا فصل بهذا مثل قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]، فعلى حسب ما فصل.
فقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ﴾ أي: الله .
قوله: ﴿عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾، أي: في القرآن، وإذا فسرنا
стр. 910
الكتاب بالقرآن فهذا تفسير بالمراد، وإذا فسرنا الكتاب بالمكتوب فهذا تفسير باللفظ، فالتفسير باللفظ هو الذي يفسر اللفظ بما يوافق اشتقاقه، والتفسير بالمراد هو الذي يفسر اللفظ فيه بما أريد به بقطع النظر عن الإشتقاق، فإذا قلت: الكتاب بمعنى المكتوب فهذا تفسير لفظي باللفظ، وإذا قلت المراد به: القرآن فهذا تفسير بالمراد، وهذا يقع كثيرًا في القرآن الكريم، فتارةً تفسر الكلمة بمرادها، وتارة تفسر بما يوافق اشتقاقها.
وعلى كلٍ فالكتاب هنا: فِعَال بمعنى مفعول؛ أي: مكتوب، وسمي مكتوبًا؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، ولأنه مكتوب في المصاحف التي بين أيدينا, ولأنه مكتوب بأيدي السفرة الكرام البررة.
قوله: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ﴾، ﴿أَنْ﴾ هذه مصدرية، ويجوز أن تكون تفسيرية؛ لأن التنزيل يتضمن معنى القول دون حروفه، والتفسيرية هي التي تأتي مفسرة لما تضمن معنى القول دون حروفه.
والمنزل الآن قوله: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾، والآية التي أشار الله إليها هي قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨] يعني: إذا رأيت أحدًا يخوض في آيات الله إما بكفر أو استهزاء أو غير ذلك فلا تقعد معه، لكن لو نسيت فلا حرج عليك، إلا إذا ذكرت، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
стр. 911
وقوله: ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ المراد بالآيات هنا: الآيات الشرعية فيما يظهر، ولكن لا مانع أن نقول: هي أيضًا تشمل الآيات الكونية، أما الآيات الشرعية فهي ما جاءت به الرسل من الكتب المنزلة عليهم، وأما الآيات الكونية فهي المخلوقات، فإذا رأيت أحدًا يقرر أن تكون الطبيعة هي الخالقة المدبرة، فهذا كفر بآيات الله الكونية، أما الشرعية فيكون الكفر بها إما بالتكذيب أو بالعصيان والمخالفة، والعصيان والمخالفة إما أن يكون كفرًا أكبر أو يكون دون ذلك.
وقوله: ﴿وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ أي: تتخذ هزوًا وسخرية، سواء كان ذلك في ذاتها، أو فيما جاءت به من الأحكام، أو فيما أخبرت به من الحوادث، مثل أن يسخر بيوم القيامة، أو يسخر بآدم ﵇، أو يسخر بقصص الأنبياء السابقين، أو يسخر بالأحكام الشرعية، فكل هذا داخل في قوله: ﴿وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾.
قوله: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ المراد بالقعود المكث، سواء كان ذلك قعودًا أم وقوفًا أم اضطجاعًا، وليس المراد بالقعود ما هو ضد القيام والإضطجاع.
قوله: ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، ﴿حَتَّى﴾ تفيد الغاية؛ يعني: إلى أن يخوضوا في حديث غيره، وعبر بقوله: ﴿يَخُوضُوا﴾ لأن الذين كانوا يكفرون بآيات الله ويستهزئون بها يبعد كون قولهم جدًا، بل هم دائمًا ﴿فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢]، لكن مع ذلك إذا كان هذا الخوضُ لا يخدش الدين فلا بأس أن نبقى معهم، و ﴿حَتَّى﴾ هنا قلت: إنها للغاية، وتأتي لغير الغاية كثيرًا، فتأتي للتعليل مثل قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ
стр. 912
رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] فهنا ﴿حَتَّى﴾ للتعليل، ولا تكون للغاية لأن المعنى يختلف ولو قال: "لا تنفقوا حتى ينفضوا" كانت دلالة الآية على: أنهم إذا انفضوا فأنفقوا عليهم؛ لأن حتى الغائية هي التي يحل محلها: إلى أن؛ أي: "لا تنفقوا على من عند رسول الله إلى أن ينفضوا فإذا انفضوا فأنفقوا" وهذا ليس المراد، بل المعنى: ﴿لَا تُنْفِقُوا﴾ لأجل أن ينفضوا، أما التي معنا وهي قوله: ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ فهي للغاية.
وقوله: ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي: غير الحديث الذي يكفرون فيه بآيات الله ويستهزئون بها.
قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ جملة مؤكدة بـ "إن"، والمراد: إنكم إن قعدتم ﴿إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ أي: مثل هؤلاء الخائضين.
ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ يوم القيامة، والمنافق سبق أنه: هو الذي يظهر الإيمان ويبطن الكفر، والكافر هو المصرح بكفره.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - إثبات أن القرآن منزل من عند الله، لقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾.
- ويتفرع على هذه الفائدة: أن القرآن كلام الله؛ لأنه إذا كان نازلًا من عنده لزم أن يكون كلامًا، إذ أن الكلام صفة، وليس عينًا قائمةً بنفسها، بل صفة من الصفات.
- ويتفرع على هذا أيضًا إثبات علو الله؛ لأنه إذا كان الكلام من عنده، وهو نازل، دل هذا على أن المتكلم به عالٍ.
٢ - أن الحكم معلق بالسمع، لقوله: ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ﴾، كما
стр. 913
علق بالبصر والقلب .. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
٣ - ظاهر الآية - بقطع النظر عن آيات أخرى - أنه لا يجب الإنكار على الكافر بآيات الله المستهزئ بها؛ لأنه إنما نهى عن القعود معهم ولم يأمر بالإنكار عليهم، ولكن يقال: الجواب عن هذا: أن الله تعالى إنما أراد أن يبين حكم المشاركين، ونهيهم عن ذلك؛ أي: أن هذا المنكر يفهم من نهينا عن الجلوس معهم أن لا نقر المنكر، فالصواب: أن هذه الآية لا تدل على ارتفاع النهي عن هذا المنكر، سواءً دلت عليه أو سكتت عنه، فلدينا نصوص أخرى تدل على وجوب إنكار المنكر.
٤ - أن الأحكام تدور مع عللها, لقوله: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ فلما كانوا يكفرون بآيات الله ويستهزئون بها نهي عن القعود معهم، ثم أذن لنا بالقعود معهم إذا خاضوا في حديث غيره.
٥ - أن المشارك لفاعل المنكر كفاعل المنكر، لقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، ونحن قلنا: المشارك، والآية لا تدل على المشارك، وإنما تدل على أن الجالس معهم له حكم الفاعل، فنقول: إذا كان الجالس يعني: القاعد معهم له حكم الفاعل فالمشارك من باب أولى.
٦ - وجوب مغادرة المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ بها, ولا يجوز للإنسان أن يبقى ويقول: أنا منكر بقلبي، وقد قال النبي ﵊: "من رأى منكم منكرًا فليغيره
стр. 914
بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه" (١) وأنا الآن منكر بقلبي غاية الإنكار! !
فنقول: لو صدقت في ذلك لقمت؛ إذ أن الجوارح تبع للقلب، فلو كره القلب ذلك لكرهته الجوارح، وهذا لا يغنيك، ولا بد أن تفارق، وإلا كنت مثلهم.
فإن قال قائل: إذًا حرموا على الإنسان الجلوس مع حالق اللحية؛ لأن حلق اللحية حرام؟
فالجواب عن ذلك: أنه يجب علينا أن نغادر المكان حين نراه يحلقها بالفعل، أما وقد انتهى الفعل ولم يبق إلا أثره فلا يلزمنا أن نغادر المكان الذي هو فيه، ومثله لو قال قائل: إذا شممت رائحة الدخان في إنسان وجب عليك أن تفارقه؛ لأن أثر الدخان في فمه؟ فالجواب: لا يجب، نعم إذا رأيته يشرب الدخان حينئذ أنهاه، فإن نفع وإلا قمت، أما أثر المعصية فليس كفعل المعصية.
٧ - تحريم التعاون على الإثم والعدوان، وجهه: أنه إذا حرم القعود مع فاعل المنكر فالإعانة من باب أولى، مثل أن تهيئ له المكان، فترشه، وتطيبه، وتأتي بالأواني، وتصب له القهوة والشاي، فهذا حرام من باب أولى.
٨ - أن جليس الصالحين الذين يعملون الصالحات مثلهم ومنهم، بقياس العكس؛ لأنه إذا وزر بالجلوس مع العصاة أجر بالجلوس مع الطائعين، وقد استعمل النبي ﷺ هذا القياس بنفسه
стр. 915
صلوات الله وسلامه عليه، لما قال: "وفي بضع أحدكم صدقة" - يعني الإنسان إذا أتى زوجته فله صدقة - قالوا: يا رسول الله! يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيه أجر؟ ! قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام كان عليه وزر؟ " قالوا: نعم، قال: "كذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" (١) فهذا قياس العكس، وهذه مثلها؛ لأن الله تعالى إذا أثم القاعدين مع فاعل المنكر فإن فضله أوسع وأعظم، فيثيب القاعدين مع الصالحين وأهل الطاعات.
٩ - الحذر من جلساء السوء، والترغيب في جلساء الصلاح، وهذا ما حصل من رسول الله ﷺ ، حيث قال: "مثل الجليس الصالح كحامل المسك" (٢) المسك: نوع من الطيب يقال: إنه يخرج من دم غزال معين، وفي ذلك يقول المتنبي يمدح سيف الدولة:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
فنحن نقول: إن الرسول قال: "مثل الجليس الصالح كحامل المسك إما أن يحذيك - يعني: يعطيك مجانًا - وإما أن يبيعك - يعطيك بعوض - وإما أن تجد معه رائحةً طيبة" فلن تفلس من الجليس الصالح، "ومثل الجليس السوء كنافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه رائحةً كريهة" (٣) والكير: عبارة عن جلد