← Тафсир

Тафсир · id 547

تفسير العثيمين: النساء

ابن عثيمين

Полный текст (1 106 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وقوله: ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ المراد بالآيات هنا: الآيات الشرعية فيما يظهر، ولكن لا مانع أن نقول: هي أيضًا تشمل الآيات الكونية، أما الآيات الشرعية فهي ما جاءت به الرسل من الكتب المنزلة عليهم، وأما الآيات الكونية فهي المخلوقات، فإذا رأيت أحدًا يقرر أن تكون الطبيعة هي الخالقة المدبرة، فهذا كفر بآيات الله الكونية، أما الشرعية فيكون الكفر بها إما بالتكذيب أو بالعصيان والمخالفة، والعصيان والمخالفة إما أن يكون كفرًا أكبر أو يكون دون ذلك. وقوله: ﴿وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ أي: تتخذ هزوًا وسخرية، سواء كان ذلك في ذاتها، أو فيما جاءت به من الأحكام، أو فيما أخبرت به من الحوادث، مثل أن يسخر بيوم القيامة، أو يسخر بآدم ﵇، أو يسخر بقصص الأنبياء السابقين، أو يسخر بالأحكام الشرعية، فكل هذا داخل في قوله: ﴿وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾. قوله: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ المراد بالقعود المكث، سواء كان ذلك قعودًا أم وقوفًا أم اضطجاعًا، وليس المراد بالقعود ما هو ضد القيام والإضطجاع. قوله: ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، ﴿حَتَّى﴾ تفيد الغاية؛ يعني: إلى أن يخوضوا في حديث غيره، وعبر بقوله: ﴿يَخُوضُوا﴾ لأن الذين كانوا يكفرون بآيات الله ويستهزئون بها يبعد كون قولهم جدًا، بل هم دائمًا ﴿فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ [الطور: ١٢]، لكن مع ذلك إذا كان هذا الخوضُ لا يخدش الدين فلا بأس أن نبقى معهم، و ﴿حَتَّى﴾ هنا قلت: إنها للغاية، وتأتي لغير الغاية كثيرًا، فتأتي للتعليل مثل قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ

стр. 912

رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] فهنا ﴿حَتَّى﴾ للتعليل، ولا تكون للغاية لأن المعنى يختلف ولو قال: "لا تنفقوا حتى ينفضوا" كانت دلالة الآية على: أنهم إذا انفضوا فأنفقوا عليهم؛ لأن حتى الغائية هي التي يحل محلها: إلى أن؛ أي: "لا تنفقوا على من عند رسول الله إلى أن ينفضوا فإذا انفضوا فأنفقوا" وهذا ليس المراد، بل المعنى: ﴿لَا تُنْفِقُوا﴾ لأجل أن ينفضوا، أما التي معنا وهي قوله: ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ فهي للغاية. وقوله: ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي: غير الحديث الذي يكفرون فيه بآيات الله ويستهزئون بها. قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ جملة مؤكدة بـ "إن"، والمراد: إنكم إن قعدتم ﴿إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ أي: مثل هؤلاء الخائضين. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ يوم القيامة، والمنافق سبق أنه: هو الذي يظهر الإيمان ويبطن الكفر، والكافر هو المصرح بكفره. من فوائد الآية الكريمة: ١ - إثبات أن القرآن منزل من عند الله، لقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾. - ويتفرع على هذه الفائدة: أن القرآن كلام الله؛ لأنه إذا كان نازلًا من عنده لزم أن يكون كلامًا، إذ أن الكلام صفة، وليس عينًا قائمةً بنفسها، بل صفة من الصفات. - ويتفرع على هذا أيضًا إثبات علو الله؛ لأنه إذا كان الكلام من عنده، وهو نازل، دل هذا على أن المتكلم به عالٍ. ٢ - أن الحكم معلق بالسمع، لقوله: ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ﴾، كما

стр. 913

علق بالبصر والقلب .. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]. ٣ - ظاهر الآية - بقطع النظر عن آيات أخرى - أنه لا يجب الإنكار على الكافر بآيات الله المستهزئ بها؛ لأنه إنما نهى عن القعود معهم ولم يأمر بالإنكار عليهم، ولكن يقال: الجواب عن هذا: أن الله تعالى إنما أراد أن يبين حكم المشاركين، ونهيهم عن ذلك؛ أي: أن هذا المنكر يفهم من نهينا عن الجلوس معهم أن لا نقر المنكر، فالصواب: أن هذه الآية لا تدل على ارتفاع النهي عن هذا المنكر، سواءً دلت عليه أو سكتت عنه، فلدينا نصوص أخرى تدل على وجوب إنكار المنكر. ٤ - أن الأحكام تدور مع عللها, لقوله: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ فلما كانوا يكفرون بآيات الله ويستهزئون بها نهي عن القعود معهم، ثم أذن لنا بالقعود معهم إذا خاضوا في حديث غيره. ٥ - أن المشارك لفاعل المنكر كفاعل المنكر، لقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، ونحن قلنا: المشارك، والآية لا تدل على المشارك، وإنما تدل على أن الجالس معهم له حكم الفاعل، فنقول: إذا كان الجالس يعني: القاعد معهم له حكم الفاعل فالمشارك من باب أولى. ٦ - وجوب مغادرة المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ بها, ولا يجوز للإنسان أن يبقى ويقول: أنا منكر بقلبي، وقد قال النبي ﵊: "من رأى منكم منكرًا فليغيره

стр. 914

بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه" (١) وأنا الآن منكر بقلبي غاية الإنكار! ! فنقول: لو صدقت في ذلك لقمت؛ إذ أن الجوارح تبع للقلب، فلو كره القلب ذلك لكرهته الجوارح، وهذا لا يغنيك، ولا بد أن تفارق، وإلا كنت مثلهم. فإن قال قائل: إذًا حرموا على الإنسان الجلوس مع حالق اللحية؛ لأن حلق اللحية حرام؟ فالجواب عن ذلك: أنه يجب علينا أن نغادر المكان حين نراه يحلقها بالفعل، أما وقد انتهى الفعل ولم يبق إلا أثره فلا يلزمنا أن نغادر المكان الذي هو فيه، ومثله لو قال قائل: إذا شممت رائحة الدخان في إنسان وجب عليك أن تفارقه؛ لأن أثر الدخان في فمه؟ فالجواب: لا يجب، نعم إذا رأيته يشرب الدخان حينئذ أنهاه، فإن نفع وإلا قمت، أما أثر المعصية فليس كفعل المعصية. ٧ - تحريم التعاون على الإثم والعدوان، وجهه: أنه إذا حرم القعود مع فاعل المنكر فالإعانة من باب أولى، مثل أن تهيئ له المكان، فترشه، وتطيبه، وتأتي بالأواني، وتصب له القهوة والشاي، فهذا حرام من باب أولى. ٨ - أن جليس الصالحين الذين يعملون الصالحات مثلهم ومنهم، بقياس العكس؛ لأنه إذا وزر بالجلوس مع العصاة أجر بالجلوس مع الطائعين، وقد استعمل النبي ﷺ هذا القياس بنفسه

стр. 915

صلوات الله وسلامه عليه، لما قال: "وفي بضع أحدكم صدقة" - يعني الإنسان إذا أتى زوجته فله صدقة - قالوا: يا رسول الله! يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيه أجر؟ ! قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام كان عليه وزر؟ " قالوا: نعم، قال: "كذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" (١) فهذا قياس العكس، وهذه مثلها؛ لأن الله تعالى إذا أثم القاعدين مع فاعل المنكر فإن فضله أوسع وأعظم، فيثيب القاعدين مع الصالحين وأهل الطاعات. ٩ - الحذر من جلساء السوء، والترغيب في جلساء الصلاح، وهذا ما حصل من رسول الله ﷺ ، حيث قال: "مثل الجليس الصالح كحامل المسك" (٢) المسك: نوع من الطيب يقال: إنه يخرج من دم غزال معين، وفي ذلك يقول المتنبي يمدح سيف الدولة: فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال فنحن نقول: إن الرسول قال: "مثل الجليس الصالح كحامل المسك إما أن يحذيك - يعني: يعطيك مجانًا - وإما أن يبيعك - يعطيك بعوض - وإما أن تجد معه رائحةً طيبة" فلن تفلس من الجليس الصالح، "ومثل الجليس السوء كنافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه رائحةً كريهة" (٣) والكير: عبارة عن جلد

стр. 916

يربط بعضه ببعض، ويجعل له حلقوم يدخل على ماسورة تتصل بالجمر، وفي طرف هذا الجلد - وهو جلد لين - خشبتان تنفتحان وتنضمان، إذا فتحهما امتلأ الجلد هواءً ثم إذا ضمهما ودفعهما حينئذ يخرج هواء من الماسورة على الفحم فتشتعل النار، هذا هو الكير، وكانوا يستعملونه فيما سبق، وقد أدركناهم، وحال الكير إما أن يحرق ثيابك إذا طار الشرر على ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة. فيؤخذ من الآية الكريمة معنى هذا الحديث، فاحذر جلساء السوء، وعليك بجلساء الصلاح، فإنك لن تعدم خيرًا من جلساء الصلاح، ولن تعدم شرًا من جلساء السوء. ١٠ - أن النار لصنفين من العالَم، المنافقين، والكافرين، أما الصنف الثالث وهم المؤمنون فلهم الجنة، وهؤلاء الأصناف الثلاثة هم المذكورون في أول سورة البقرة. ١١ - إثبات وجود النار، وأنها واسعة، ووجه ذلك قوله: ﴿جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ﴾ ووجه أنها واسعة: أن تسعمائة وتسعة وتسعين من بني آدم في النار، والجن قال تعالى فيهم: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]، والظاهر أن الجن أكثر من بني آدم في النار دخولًا، ولهذا قدموا في الآية الكريمة. ١٢ - أن فيها التفاتًا. فبعد أن قال: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ وعبر هنا بالضمير، ثم تلاه قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ﴾ فعبر بالإسم الظاهر، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد، منها:

стр. 917

إرادة العموم كقوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٨] ولم يقل: "عدو له" مع أن هذا مقتضى السياق، لكن ليبين أن من كان عدوًا ﴿لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ فهو كافر، ولينبه على سبب عداوة الله وهي الكفر، وليكون المعنى أشمل، يعني: فيكون الله عدوًا للكافرين الذين كفروا بالمعاداة والذين كفروا بغيرها أيضًا. * * * * قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]. ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهم جَمَّاعون مَنَّاعون، كذابون خداعون، وانظر قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ التربص: الإنتظار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: ينتظرن. وقوله: ﴿يَتَرَبَّصُونَ﴾ أي: ينتظرون الدوائر، هل هي عليكم أو لكم؟ قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ قالوا: نريد من هذا الفتح، ونحن معكم، لا تحرمونا الغنيمة، قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ ولم يقل فتحًا؛ لأن ما يعطاه الكفار ليس فتحًا، ولكنه محنة، ﴿قَالُوا﴾ أي: للكافرين: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ

стр. 918

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فلولا نحن لأهلككم المؤمنون، لكن نحن منعناكم منهم، واستحوذنا عليهم، وصرنا درعًا لكم. وقوله: ﴿نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: نسيطر ونكون درعًا لكم، وقوله: ﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: نحن الذين حميناكم من المؤمنين، ولولا نحن لقاتلكم المؤمنون، فهم يدعون أنهم مع المؤمنين ويطلبون منهم الغنيمة، ويدعون أنهم حماة الكفار من أجل أن يكونوا أولياء لهم. قال تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فالفاء للتفريع، واسم الله الكريم مبتدأ، وقوله: ﴿يَحْكُمُ﴾ جملته خبر، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ يعني: بين المؤمنين وبين هؤلاء المنافقين، والكفار أيضًا، وقوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يَحْكُمُ﴾، والمراد بيوم القيامة هو يوم البعث، وسمي بذلك لأمور: أنه يوم يقوم فيه الأشهاد، وأنه يوم يقام فيه العدل. قوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ سبحان الله! الخصم يخبر بنتيجة الحكم قبل أن يحاكمه، فنحن الآن مخاصمون للكفار؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ بعد أن قال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ فأي حكم أبلغ من هذا؟ ! أن يقال للخصم: حاكم وليس لخصمك عليك سبيل؛ لأن الأمر واضح منتهٍ. من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان شدة عداوة المنافقين للمؤمنين، لقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ أي: ينتظرون الساعة التي يكون فيها الضرر على

стр. 919

المؤمنين، لكن قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦]. ٢ - أن المنافقين لهم حظ من الفيء، ويؤخذ من قوله: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾، فدل هذا على أن المنافق يعامل بالظاهر، فيعطى ما يعطاه المسلم. ٣ - أن المنافقين عندهم منَّة، وفي أنوفهم أنفة، إن كان الفتح للمسلمين طالبوا بالغنيمة، وإن كانت الغلبة للكفار منَّوا عليهم ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: فأعطونا من النصيب. ٤ - الدعوى الكاذبة للمنافقين بأنهم هم الذين منعوا الكفار منهم، لكونهم كثروا سوادهم وساعدوهم في الباطن، وأثلجوا صدورهم بالنصر. ٥ - إثبات الجزاء والحكم بين الناس، لقوله: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وهذا حكم لا حكم بعده. ٦ - إثبات أن الكافر ليس له سبيل على المؤمن مهما كان الأمر، أرأيتم لو أن المسلم أحرق نخيله وأمات مركوبه، فلا يأثم, ما دام أنهم كفار حربيون؛ لأن مالهم مباح، أما المعصوم وهو الذمي، والثاني المعاهد، والثالث المستأمن, فهؤلاء أموالهم محترمة. ٧ - أن الله سبحانه هو الحكم بين العباد، بدليل قوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ﴾ ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ﴾ وعلى هذا فلا حكم يوم القيامة لأحد، حتى الرسول ﷺ لا يحق له أن يحكم، ولهذا عند الشفاعة لا يستطيع الرسول عليه

стр. 920

الصلاة والسلام أن يشفع بدون أن يستأذن من الله. ٨ - يمكن أن يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن المحاكمة بين الكفار والمؤمنين في الدنيا، قد يكون فيها الحق للكافر؟ ووجهه: أن الله نفى أن يكون لهم سبيل يوم القيامة، أما في غير يوم القيامة فالناس كلهم تحت العدالة. ٩ - أن المنافقين أشد من الكفار؛ لأن الله بدأ بهم ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ﴾ وجميع الآيات التي فيها الجمع بين المنافقين والكفار يقدم الله فيها المنافقين، كقوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣]، إلا في آية واحدة، بسبب وهي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التحريم: ٩] وذلك لأن جهاد الكفار يكون بالسلاح علنًا، وجهاد المنافقين يكون بالعلم والبيان وليس بالقتال. * * * * قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢]. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ الجملة مؤكدة بـ ﴿إِنَّ﴾؛ لبيان حال هؤلاء المنافقين، ومعاملتهم مع الله . وقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ يعني: والمؤمنين أيضًا، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩] وبماذا يخادعون؟ بإظهار الإِسلام، فإن من رآهم ورأى حضورهم الصلاة وصدقاتهم، قال: إنهم مؤمنون، فهم يخادعون الله في هذا.

стр. 921

قال تعالى: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ يعني: أن الله يقابل خداعهم بخداع من عنده، ومخادعته إياهم أنه يملي لهم حتى يستمروا على هذا ويستمرئوه، فيبقون كفارًا مع شياطينهم، ومسلمين مع المؤمنين، ويعصمون بهذا النفاق دماءهم وأموالهم، وهذا هو خداع الله تعالى لهم، أنه يملي لهم ليستمروا في نفاقهم، ثم بالتالي يختم لهم بسوء الخاتمة. قوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾، أي صلاة كانت يقومون إليها كسالى، والكسلان: هو الذي يكون عنده فتور، وعدم نشاط على فعل الفعل، فهم إذا قاموا إلى الصلاة: ﴿قَامُوا كُسَالَى﴾ تجدهم يتثاقلون الوضوء، ويتثاقلون الذهاب إلى المسجد، ويتثاقلون الصلاة نفسها، وذلك لعدم رغبتهم في الصلاة، ووجه هذا: أن من كان راغبًا في الشيء فلا بد أن يقوم إليه نشيطًا. قوله: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ يعني: مع كونهم يقومون كسالى لا يخلصون في قيامهم، وإنما ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ أي: يظهرون أنفسهم بهذا المظهر ليراهم الناس فيقولوا: إنهم مسلمون. قوله: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ أي: لا يذكرون الله في صلاتهم، فحتى ولو صلوا ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ والمراد: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ لا يذكرونه بألسنتهم، وجوارحهم، وقلوبهم ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، فلا يذكرون الله بألسنتهم لأنهم لا يأتون بالواجب من تكبير وتسبيح وتحيات وغيرها، وكذلك لا يذكرون الله بأفعالهم، فلا يطمئنون في الصلاة، وإنما ينقرونها كنقر الغراب لأنها ثقيلة عليهم، وهم لا يأتونها من رغبة.

стр. 922

ولا يذكرون الله بقلوبهم لأن قلوبهم ساهية غافله، يؤدون الصلاة كأداء الآلة، بدون أن يشعروا بأنهم يناجون الله ، إذًا: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ في الصلاة ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني: بالقلب واللسان والجوارح. من فوائد الآية الكريمة: ١ - إثبات خداع المنافقين، وأنهم قوم أهل خداع ومكر، ولهذا كان من صفات المنافقين أنهم إذا عاهدوا غدروا، وإذا خاصموا فجروا، وإذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا؛ لأن كل هذا يتضمن الخداع. ٢ - إثبات الخداع لله ؛ أي: أنه جل وعلا يخدع من يخادعه، لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾. وهل الخداع صفة ذم أو صفة مدح؟ في ذلك تفصيل: إن كان في مقابلة من يخادع فهو صفة مدح؛ لأنه يدل على قوة المخادع؛ لأنه أشد مكرًا من عدوه وأشد خداعًا، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ [يونس: ٢١] وقال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]، أما إذا كان ليس له سبب، وكان خداعًا في موضع الإئتمان فإنه لا يسمى خداعًا، وإنما يسمى خيانةً، وهذا عيب بكل حال، ولهذا لا يوصف الله بالخائن إطلاقًا، حتى الذين يخونون الله لا يقابلهم الله بالخيانة، كما قال تعالى: ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال: ٧١] فقال: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ ولم يقل: فخانهم، ووجه ذلك: أن الخيانة خداع في موضع الإئتمان.

стр. 923

حتى إن الرسول ﷺ قال: "لا تخن من خانك" (١) لأن هذا ذم، فلا يوصف الله به. فإن قال قائل: هل يوصف الله بالخداع مطلقًا فيقال: إن الله مخادع؟ فالجواب: لا يوصف به إلا في مقابلة خداع أعدائه، وكذلك المكر، والكيد، والإستهزاء ونحوها من الصفات التي تكون مدحًا في حال دون حال، فإنه لا يجوز أن يوصف الله بها على سبيل الإطلاق. وعلى هذا نقول: المعاني والأوصاف إما أن تكون كمالًا محضًا: فهذا يوصف الله به، وإما أن تكون ذمًا ونقصًا محضًا: فهذا لا يوصف الله به مطلقًا، وإما أن تكون مدحًا في حال وذمًا في حال: فهذا يوصف الله به حين يكون مدحًا، ولا يوصف به حين يكون ذمًا. وعلى هذا: لو أن أحدًا وصف الله بالعجز لقلنا: إن هذا حرام بكل حال؛ لأن العجز صفة ذم، وكذلك لو وصفه بالخيانة قلنا: هذا حرام بكل حال؛ لأن الخيانة ذم بكل حال، والكلام كمال فيوصف الله بأنه متكلم، ومريد كذلك: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] لأن كل هذه صفات كمال. ٣ - أن المنافقين يصلون، لكن لا تقبل منهم صلاتهم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ

стр. 924

كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤] مع أن النفقة نفعها متعدٍ، ومع ذلك لا تقبل، فكيف بالعبادة التي نفعها غير متعد؟ فإنها من باب أولى أن لا تقبل، فصلاتهم لا تقبل، لكن هم يصلون مراءاة للناس. ٤ - أنهم إذا أدوا الصلاة مراءاة يؤدونها بكسل وبرود، وعدم نشاط. ٥ - أن من أدى الصلاة على وجه الكسل ففيه شبه بالمنافقين، فاحذر أن تكون مشابهًا للمنافقين، أد الصلاة بنشاط وفرح وسرور، ووالله إن المؤمن حقًا ليفرح إذا أقبلت الصلاة؛ لأنه سوف يقف بين يدي الله يناجيه، وإذا كان الواحد منا يفرح أنه سيلاقي صديقه أو خليله، ويعد لذلك العدة، فما بالك بملاقاة الله ومناجاته، ولهذا إذا رأيت في نفسك كسلًا في الصلاة فاتهم نفسك، فأنت بلا شك مشابه للمنافقين في هذه الخصلة، لكن اتهم نفسك، وعدل مسيرتك إلى الله ، ولا تتهاون؛ لأنه ربما يكون عندك الآن تهاون بسيط، لكن يزداد حتى تكون الصلاة عندك أثقل شيء. ٦ - أن من راءى الناس بعمله الصالح ففيه شبه بالمنافقين، والرياء بابه واسع، ليس في الصلوات أو النفقة أو الصوم أو الحج، فقط، بل هو أوسع من هذا، حتى الإنسان لو أنه لبس ثيابًا رثة ليظهر للناس بمظهر الزاهد فهو مراءٍ، ولذلك لا تظن أن الرياء يختص بالعبادات المحضة، قد يكون في أي شيء، فكل شيء تظهر فيه للناس أنك تتقرب به إلى الله ليراك الناس فإنه رياء - والعياذ بالله -، رياء محبط للعمل؛ لأن الله يقول في الحديث

стр. 925

القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (١) فالله غني عنا، ونحن المضطرون إليه، وهو في غنى كامل عنا، فإذا أشركنا بالله - نعوذ بالله من الشرك - أحدًا فإنه لن يقبله منا، فهو أغنى الشركاء عن الشرك. ٧ - التحذير من مراءاة الناس، فأنت ترائي الناس لماذا؟ الناس لا ينفعونك؟ ولا يضرونك، إنما الذي ينفعك ويضرك هو الله : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣] فلا تهتم بالناس مدحوك أو قدحوا فيك، أهم شيء أن تنظر إلى رضا الله ، وابتعد بعدًا تامًا عن الرياء. ولكن هنا مسألة وهي: أن الشيطان يأتي إلى الإنسان فيقول: إن صليت فقد راءيت، وإن حسنت صلاتك فقد راءيت، وهو بعيد من هذا، فهل يترك تحسين الصلاة خوفًا من ذلك، أو يترك العبادة خوفًا من ذلك؟ الجواب: لا، وهذا من مثبطات الشيطان للإنسان، ولكن ليشق طريقه وليستمر، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا يلتفت إلى هذه الوساوس؛ لأن الشيطان يتمنى أن لا نعبد الله؛ لأنه عصى الله، فيريد من الناس أن يعصوا ربهم أيضًا، فلا تترك العبادة من أجل الرياء. ثم إن طرأ على بالك أنك تحسنها من أجل رؤية الناس: فإن كنت طالب علم يقتدى به فانو أنك تحسنها من أجل أن يقتدي الناس بك، وتكون في هذه الحال عابدًا معلمًا، فإن

стр. 926

الرسول ﷺ كان إذا أتاه وقد يطلب منه أن يبين لهم كيفية الصلاة يقول لهم: "صلوا معنا"، وكان يصعد على المنبر حين بني له، ويصلي عليه ويقول: "فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي" (١)، وبهذا تطرد الشيطان عنك. ٨ - أن ذكر الله تعالى عند المنافقين قليل، وقلنا: إن الذكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، فهم ﴿لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، حتى بالجوارح الظاهرة التي يراها الناس لا يذكرون الله إلا قليلًا. ٩ - أنك إذا رأيت في نفسك قلة في ذكر الله، فإن فيك شبهًا بالمنافقين، ولهذا وصف الله المؤمنين أولي الألباب بأنهم: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١] وما يضرك إذا ذكرت الله؟ فليس هناك عضو كاللسان في عدم التعب، فإذا كان كذلك فأكثر من ذكر الله. وجاء في الحديث: أن رجلًا قال: يا رسول الله! إن شرائع الإِسلام قد كثرت عليَّ، - يعني: وقد كبرت - فقال له الرسول ﵊: "لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله" (٢) يعني: أدم ذكر الله. ١٠ - أن المنافقين يذكرون الله، ولكن ذكرهم قليل. * * *

стр. 927

* قال الله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾. ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ أي: مرددين، يرددهم الشيطان، مرةً هنا، ومرةً هنا. قوله: ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ أي: المؤمنين، ﴿وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ أي: الكافرين، فهم في الظاهر مسلمون، وفي الباطن كافرون، فهم إذا أتوا الكفار قالوا: إنا معكم، وإذا جاءوا إلى المسلمين قالوا: إنا معكم، ألم نكن معكم؟ ! فهم والعياذ بالله مذبذبين لا يستقرون على رأي، وهذا لأنهم لم يؤمنوا أول مرة، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠] ولهذا احذر أن لا تقبل الحق إلا مترددًا، فمتى بان لك الحق فقل: سمعًا وطاعة، وآمن خوفًا من أن يقلب فؤادك وبصرك إذا لم تقبل الحق في أول مرة. ومن هذا أو قريب منه ما يفعله بعض الناس، إذا قلت له: إن الرسول ﷺ أمر بكذا .. أو إن الله أمر بكذا .. قال: هل الأمر للوجوب؟ ! كأنه يقول: إذا لم يكن للوجوب فلن أفعل، وهذا غلط، إذا سمعت الله يأمر، أو الرسول ﷺ يأمر فقل: سمعنا وأطعنا، سواءً كان للإستحباب أو للوجوب، وإنما يسأل عن الواجب أو المستحب إذا ضيع الإنسان هذا الأمر وتركه، فحينئذٍ لا حرج عليه أن يقول: هل هو واجب فأقضيه، أو غير واجب فلا آثم بعدم القضاء، أما قبل أن تفعل فإن تمام العبودية أن تقول: سمعنا وأطعنا، ثم إن كان واجبًا فقد حصلت على ثواب

стр. 928

الواجب وإبراء الذمة، وإن لم يكن واجبًا حصلت على خير وثواب، فلم تندم، لكن الندم أن تتردد فتقول: هل هو واجب أو لا؟ ! ولا أعلم من الصحابة ﵃ أنهم سألوا الرسول ﵊ حين يأمرهم: أواجب ذلك أم سنة، إلا في قضية واحدة، في قصة بريرة ﵁، فإن الرسول ﷺ لما أمرها أن تبقى مع زوجها مغيث، قالت: إن كنت تأمرني فسمعًا وطاعة، وإن كنت تشير علي فلا حاجة لي به، وكانت بريرة أعتقت، وإذا أعتقت الزوجة تخير بين البقاء مع زوجها وبين فسخ النكاح، فلما عتقت خيرها الرسول ﵊ قال: "إن شئتِ بقيت مع زوجك، وإن شئتِ افسخي النكاح" (١)، فاختارت الفسخ، وإنما خيرها الشارع لأنها الآن ملكت نفسها ملكًا تامًا، وكانت حين العقد مملوكة لا تصرف لها في نفسها، أما الآن فقد تحررت، ولهذا جعل لها الخيار، فاختارت الفسخ، واختارت نفسها، فكان زوجها يلاحقها في أسواق المدينة وهو يبكي، يريد أن ترجع، فكان الرسول ﵊ يتعجب ويقول: ألا تعجبون من حب مغيث لبريرة وبغض بريرة لمغيث؟ ! وهذا حق أن نعجب؛ لأن العادة أن القلوب شواهد كما يقولون، تتبادل البغضاء والمحبة، لكن هذه - سبحان الله - أبت! وكامرأة ثابت بن قيس ﵁ المشهود له بالجنة، جاءت للرسول ﵊ تطلب المخالعة، وقالت: إني لا أعيب عليه في خلق ولا دين، لكني أكره الكفر في

стр. 929

الإِسلام، حتى أمره الرسول ﷺ أن يخالعها وترد عليه حديقته (١)، وهذا من العجب. المهم: أننا لا نعلم أن الصحابة راجعوا الرسول ﵊ في أمره وقالوا: هل هو على سبيل الإلزام أو على سبيل التطوع أبدًا، فلتكن كالصحابة قل: سمعنا وأطعنا، وأحمد الله أن الله شرع لك هذا الأمر؛ لأنه لولا أن الله شرعه لك لكان قيامك به بدعة لا يزيدك إلا ضلالًا وبعدًا عن الله. قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ الجملة هذه شرطية، وفيها إشكال وهو: أن "من" الشرطية تجزم الفعل. وإشكال آخر: أن الفعل لا يلحقه كسر، يعني: لا يكون مجرورًا، وهنا جاء مكسورًا، فهذان إشكالان. والجواب على الإشكال الأول: هو مجزوم، لكن كسر كسرة عارضة لالتقاء الساكنين. والجواب على الإشكال الثاني: ليست الكسرة الظاهرة كسرة إعراب، وإنما هي للتخلص من التقاء الساكنين. أما جواب الجملة الشرطية، فهو قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ فأي إنسان يكتب الله سبحانه ضلاله ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ إلى الهداية، وقوله: ﴿سَبِيلًا﴾ يعني: طريقًا، وهؤلاء المنافقون قد أضلهم الله، فلن تجد لهدايتهم سبيلًا - والعياذ بالله - ولكن ربما يمنّ الله على بعضهم فيهتدي، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].

стр. 930

قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ ﴿سَبِيلًا﴾ هذه نكرة في سياق النفي، فتعم كل سبيل، فلا يمكن أن يكون سبيل لمن أراد الله له الضلالة، نسأل الله أن يهدينا صراطًا مستقيمًا، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن حال المنافقين التردد بين الكفر والإيمان, لكن الحكم عليهم في الآخرة أنهم كفار، أما في الدنيا فيعاملون على ظواهرهم؛ لأن الأحكام في الدنيا على الظواهر. ٢ - أنك إذا رأيت نفسك مترددًا بين القبول والإنكار فاعلم بأن فيك شبهًا بالمنافقين؛ لأن المؤمن لا يمكن أن يكون مترددًا، ولا أن يكون له الخيرة فيما قضى الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، بل لا يترددون، وإنما يقبلون وينقادون. ٣ - أن الطمأنينة والإستقرار أمر مطلوب، ولهذا نجد أشد الناس استقرارًا وطمأنينة هم المؤمنون ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. ٤ - أن من أضله الله فلن يستطيع أحد أن يهديه، لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾. فإن قال قائل: لماذا يضل الله فلانًا ويهدي فلانًا؟ قلنا له: هذا الذي منع الله هدايته هل منعه ظلمًا أو عدلًا؟ الجواب: عدلًا ولا شك، وتفضل على الآخر فهداه، فهو لم يمنع أحدًا حقه، وإنما تفضل على هذا فهداه.

стр. 931

ثم اعلم أنه لن يكون الإضلال إلا لسبب من العبد؛ لقوله الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وكما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] فلو أنهم آمنوا أول مرة واستقاموا على الطريق لم يضلهم الله أبدًا. وبهذا نعرف أن حديث ابن مسعود ﵁: "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها" (١) أنه ليس المراد أنه لا يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع بحسب عمله، ولكن: المراد لا يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع بحسب أجله؛ لأنه لو كان عمله أوصله حتى لا يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع ما خذله الله أبدًا، لكنه في قلبه حسكة، كما جاء في الحديث الآخر: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار" (٢) وهذا التأويل متعين أن نقول: حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع باعتبار الأجل، يعني: حتى إذا قارب أجله وقارب الموت أظهر وأعلن أنه من أهل النار والعياذ بالله! ٥ - الإشارة إلى اللجوء إلى الله في طلب الهداية؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾، وعليه: فإذا دعونا أحدًا إلى الحق فأبى وتردد فإننا نلجأ إلى الله أن يهديه؛ لأن الله على كل شيء قدير، وكم من أناس كانوا أشقى القوم فصاروا أسعدهم، وكانوا أفسد القوم فصاروا أصلحهم، وما أمر عمر بن

стр. 932

الخطاب - الرجل الثاني من أتباع الرسول ﵊ ببعيد! وهذا خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، كانوا في أحد كفارًا معادين للإسلام، يريدون القضاء على أهل الإِسلام، ويريدون قتل الرسول ﵊، وقتل الصحابة، ومع ذلك كانوا بعد هذا قادة وشجعانًا في نصرة الإِسلام وهزيمة الكفار. فالله سبحانه يهدي من يشاء، فإذا علم الله في قلب الإنسان خيرًا - ونسأل الله أن يجعل قلوبنا هكذا - هداه للإسلام قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠]، فإذا علم الله من قلب العبد الخير وفقه له وهداه، حتى وإن ضل فالعاقبة أن الله يهديه! * * * * قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾ [النساء: ١٤٤]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ سبق الكلام على مثل هذا التعبير، وذكرنا أن تصديره بالنداء يفيد التنبيه، وأن تصديره بهذا الوصف - وصف الإيمان - يدل على أن امتثاله من مقتضيات الإيمان, وأن مخالفته نقص في الإيمان. قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لا تجعلوهم أولياء؛ لأن اتخذ بمعنى: جعل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] أي: جعله خليلًا له، لا

стр. 933

تجعلوهم أولياء أي: تتولونهم، وتثقون بهم، وتناصرونهم، وتعلقون آمالكم بهم من دون المؤمنين؛ لأن بعض المؤمنين يكون ضعيف الإيمان, وضعيف التوكل على الله، فيعتمد على هؤلاء الكفار لقوتهم، ويتولاهم ويرى أن المؤمنين لا يبلغون مبلغهم، وهذا لا شك أنه نقص في الإيمان والتوكل، فقد سبق أن الله قال: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]. وقوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من سواهم. قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ وهذا استفهام بمعنى الإنكار يعني: ﴿أَتُرِيدُونَ﴾ باتخاذكم ﴿الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ﴾ أي: تصيروا له ﴿عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: حجةً بينة وواضحة؛ لأن كونكم مؤمنين يقتضي أن تتولوا المؤمنين لا الكفار، فإذا عدلتم عن هذا الواجب إلى موالاة الكفار فقد جعلتم ﴿لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ تستحقون به عقوبة الله. من فوائد الآية الكريمة: ١ - فيها دليل على تحريم اتخاذ الكافرين أولياء؛ لأن الله نهى عن ذلك وحذر منه، نهى عن ذلك بقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، وحذر منه بقوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. ٢ - أنه لا تجتمع ولايتان: ولاية الكفار، وولاية المؤمنين؛ لقوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولا يعني ذلك أنهم لو اتخذوهم هم والمؤمنين أولياء جاز ذلك، بل نقول: إن قوله ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: أنكم إذا اتخذتم الكفار أولياء عدلتم عن ولاية المؤمنين.

стр. 934

٣ - أن الله سبحانه له سلطان وحجة على من خالف أمره، ويدل على هذا قوله تعالى حين ذكر إرسال الرسل: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] فهنا لو لم يرسل الرسل صارت الحجة ﴿لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ﴾ وإذا أرسل الرسل وبيَّنت الأحكام صارت الحجة لله على العباد. ٤ - وجوب موالاة المؤمنين ومناصرتهم؛ لأن المؤمنين إخوة، فما أصاب أحدهم فقد أصاب الآخر، وما حصل من ضرر وجب على جميع المؤمنين إزالته على حسب الحال والإمكان. * * * * قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥]. صلة هذه الآية بالتي قبلها هي: أن الذين يتخذون ﴿الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشبهون المنافقين، والمنافقون هم الذين اتخذوا ﴿الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فمن اتخذهم فقد شابه المنافقين، والمنافقون ليس لهم حظ في الآخرة إطلاقًا؛ لأنهم ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ يحلون فيه ولا يخرجون منه. و﴿الدَّرْكِ﴾ بمعنى المكان الأسفل الذي ليس دونه شيء، قوله: ﴿الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ولا يعني هذا أن غيرهم لا يدخلون فيه، لكن هم فيه يقينًا، وأما غيرهم فيحتمل أن يكونوا معهم فيه وأن يكونوا فوقهم. وقوله: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ فيها قراءة "في الدرَك" أي: فتح الراء بدلًا عن سكونها، وهي قراءة سبعية.

стр. 935

قوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ ﴿وَلَنْ تَجِدَ﴾ الخطاب إما للرسول ﷺ ، وإما لكل من يصح توجيه الخطاب إليه. وقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ أي: لن تجد لهم من يمنع العذاب عنهم، وينصرهم في هذه الحال. من فوائد الآية الكريمة: ١ - فيها دليل على أن المنافقين من أهل النار؛ لقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾. ٢ - أن النار دركات، والدرك كما قلنا المكان المهلك، فكل مكان أنزل مما فوقه حسب شدة العقوبة. ٣ - أن هؤلاء المنافقين ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، وهذا لا يعني أن غيرهم لا يشاركونهم بل قد يشاركهم غيرهم، لكننا نجزم بأن المنافقين ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾ وأن من سواهم قد يكونون فيه، وقد لا يكونون فيه. ٤ - أنه لا ناصر للمنافقين في الدنيا، وقد ينتصرون بسبب التمويه والخداع، ولكن في الآخرة لن ينتصروا, ولن يجدوا من ينصرهم؛ لقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾. ٥ - يستفاد من قوله: ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أن المنافقين أشد كفرًا من بعض الكفار الأصليين ولا شك، والمنافق أشد؛ لأن المنافق جمع بين الأمرين، بين الكفر والخداع، ولهذا قال الله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] فحصر العداوة فيهم لما يحصل منهم من المفاسد العظيمة. * * *

стр. 936

* قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٦]. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ من النفاق؛ أي: رجعوا من النفاق إلى خالص وصريح الإيمان. قوله: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أي: أعمالهم، أصلحوها بدل ما كانوا مفسدين كانوا مصلحين؛ لأنه سبق في سورة البقرة قول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢] فإذا أصلحوا بدل أن كانوا مفسدين فهذا الشرط الثاني. قوله: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ أي: توكلوا عليه ولم يلجئوا إلى غيره؛ لأن المنافقين من ديدنهم الرجوع إلى الكفار، وتعظيمهم الكفار، والإعتصام بهم، فهنا يعتصمون بالله بدلًا عن اعتصامهم بالكافرين. قوله: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ ﴿دِينَهُمْ﴾ أي: عبادتهم لله ، فلم يجعلوا مع الله شريكًا فيه، وقد سبق أن من صفات المنافقين أنهم يراءون الناس، فإذا أزالوا هذه الخصلة ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾. قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فلن يصلوا إلى درجة المؤمنين ومنزلة المؤمنين إلا بهذه الأوصاف الأربعة: الوصف الأول: التوبة من النفاق. الثاني: الإصلاح. الثالث: الإعتصام بالله. الرابع: إخلاص الدين لله.

стр. 937

ثم قال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ لم يقل: "وسوف يؤتيهم" بل قال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ليشملهم وغيرهم، وليكونوا هم ضمن المؤمنين، ولم يستحقوا هذا الوعد على انفرادهم. ﴿أَجْرًا﴾ أي: ثوابًا، وسمى الله الثواب أجرًا تفضلًا منه، كأنه بمنزلة أجرة الأجير التي لا بد أن يعطى إياها. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن المنافق تقبل توبته، لكن لن يكون مع المؤمنين حتى يتصف بالصفات الأربع، المذكورة في الآية، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء ﵏، فقال بعض العلماء: لا تقبل توبة المنافق؛ لأنه لم يظهر منه إلا الإِسلام أصلًا، فهم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، فإذا قالوا: إنهم آمنوا وتركوا النفاق فهذا هو ما كانوا يقولونه بالأول، وينكرون النفاق، وعلى هذا فلا تقبل توبتهم، بل يقتلون وأمرهم إلى الله، إذا كانوا صادقين فالله يوم القيامة يجزيهم بصدقهم، وأما إذا كانوا كاذبين فلهم النار، لكننا نحن في الدنيا لا نقبل توبتهم. ولكن الصحيح أن توبتهم مقبولة، إلا أنه يتحرى فيها ما لا يتحرى فيمن كفره صريح؛ لأن من كفره صريح يصرح إما كافر وإما مؤمن، ولا يظهر أنه مؤمن وهو كافر، لكن البلاء هو المنافق، ولهذا لا بد أن نتحرى ونرصده ذاهبًا وراجعًا. ٢ - أنه لا بد لمن أفسد أن يصلح مقابل إفساده، ولا تكفي التوبة المجردة، فلا بد من إصلاح ما أفسد. وبناءً على ذلك قال بعض العلماء: إن المبتدع لا توبة له؛

стр. 938

لأنه أفسد أممًا اتبعوه على بدعته فمن يصلح هذه الأمم؟ ! وعلى هذا فلا توبة له، ولكن الصحيح أن له توبة، وأن إصلاحه ما أفسد أن يعلن الرجوع عما كان من الفساد، وأن يدعو إلى الإصلاح. ولهذا يقال: إن أبا الحسن الأشعري ﵀، لما تاب من الإعتزال قام يوم الجمعة على الكرسي، ووضع عمامته، وقال: أما بعد: فمن عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا فلان .. ثم صرح برجوعه عن الإعتزال، وصار يرد على المعتزلة، فمثل هذا الرجل الذي كان مبتدعًا معتزليًا، توبته مقبولة؛ لأنه أصلح ما أفسد، ولهذا كان خطر البدعة عظيمًا لما يحصل بها من الفساد. ٣ - أن من كان معتصمًا بغير الله فإن من تحقيق توبته أن يعدل عن الإعتصام بغير الله إلى الإعتصام بالله؛ لأن الداء يداوى بدواء مقابل، فالإعتصام بغير الله شرك، يداوى بالإعتصام بالله ، ولكل داء دواء يناسبه. ٤ - أن من تمام التوبة إخلاص المشرك؛ لقوله: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ والمنافقون عندهم إشراك؛ لأنهم يراؤون الناس، ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ٥ - أن من اتصف بهذه الصفات فإنه يكون مع المؤمنين، ولو كان قبل ذلك منافقًا؛ لأن هذه الصفات تنتشله من النفاق إلى الإيمان, فهذه معية المؤمنين لا شك أنها منزلة عالية، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].

стр. 939

٦ - وعد المؤمنين بما هو أصدق الوعود، وهو قوله: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وهذا التزام من الله سبحانه، التزم على نفسه أن يثيب المؤمنين بالأجر العظيم، وهذا الأجر العظيم يكون في الدنيا، ويكون في الآخرة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. * * * * قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧]. ﴿مَا﴾ هنا استفهامية؛ يعني: أي شيء يفعله الله بعذابكم؟ ! قوله: ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ أي: أنكم إذا شكرتم الله على نعمه، وقمتم بطاعته، وآمنتم فإن الله لن يعذبكم؛ لأنكم لا تستحقون العذاب حسب وعده، فأي شيء يفعله الله بكم إذا قمتم بشكره والإيمان به؟ ! قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ شاكرًا لمن يستحق الشكر من عباده القائمين بأمره، كما قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]. وقوله: ﴿عَلِيمًا﴾ أي: عليمًا بمن يستحق الشكر من عباده، وهم الذين قاموا بطاعته. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الله سبحانه غني عن عذاب الخلق إذا قاموا بالشكر والإيمان. ٢ - أن من لم يشكر الله، أو من لم يؤمن به فإنه عرضة

стр. 940

للإنتقام والعذاب؛ لأن الله سبحانه نفى العذاب عمن شكر وآمن، وهذا يدل على أن من لم يشكر ويؤمن فإنه معرض لعقابه، وهذا هو الواقع، قال الله ﵎: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ [الأنفال: ٢٥]. ٣ - إثبات هذين الإسمين من أسماء الله وهما: الشاكر والعليم. فإذا قال قائل: كيف يشكر الله عباده؟ قلنا: بأن يثيبهم على ما عملوا، أكثر مما عملوا، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. مسألة: معاملة الكفار في التجارة ليست ولاية، الولاية: المناصرة، والإعتماد عليهم، وكونه يخشى من معرتهم، وأما الإتجار فلا بأس، لكن لا شك أن الإنسان إذا دار الأمر بين أن يتاجر مع كافر أو مع مؤمن لا شك أن التجارة مع المؤمن أولى. مسألة: في بعض البلاد التي يتواجد فيها الكفار ويعملون هناك، مع الوقت يصبح المسلم لا يبغضهم، وقد - مع العادة - يذهب ما في قلبه من بغض الكفار، فقد يصادقهم، فهل هذا داخل في أنه يواليهم؟ الجواب: نعم، ولا شك أن هذا عنده خلل في الدين؛ لأن هذا نوع من الولاء، والواجب أن أعاملهم لمصلحتي أنا لا لمصلحتهم هم، وأن أعاملهم بمعاملة دون أن يصل أثرها إلى القلب، وإلا فمن المعلوم أن الإنسان إذا أحسن إليه أحد سيحبه، فلو عجز مثلًا الأطباء المسلمون عن معالجة هذا المريض، وهذا

стр. 941

الطبيب الكافر عالجه فبرئ بإذن الله، لا شك أنه سيقع في قلبه محبة لهذا الرجل، لكن ليست محبة تصل إلى محبة الدين، إنما هي محبة طبيعية، أن الإنسان يحبه لأنه أحسن علاجه. * * * * قال الله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)﴾ [النساء: ١٤٨]. ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ هذه الجملة جملة خبرية منفية، ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾، و ﴿الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ معناه أن يقول: فلان ظلمني، فلان أخذ حقي، وفلان جحدني وما أشبه ذلك، فالله لا يحب هذا، إلا من ظلم بأخذ حقه أو عدوان عليه، فإن محبة الله لا تنتفي في حقه، مثال المظلوم: لو أن إنسانًا آذاه جاره فصار يتكلم عند الحاكم، أو عند الأمير، أو من يستطيع أن يزيل مظلمته، ويجهر بهذا السوء، وليس المراد بالجهر أن يصوت بين الناس، وإنما المراد أن يبينه لغيره، فإن هذا المظلوم له أن يقول ذلك. ومن هذا النوع قصة الجار الذي كان يؤذيه جاره، فأمره النبي ﷺ أن يخرج متاعه من بيته، فيمر الناس به فيقولون ما هذا؟ فيقول: آذاني جاري، فصار في هذا فضيحة للجار بالفعل. ومن الجهر بالسوء ممن ظلم أن يسبك إنسان أمامك، ويقول: أنت بخيل، أنت جبان، أنت سفيه، وما أشبه ذلك، فلك أن ترد عليه بما وصفك به من العيب، فتقول: السفيه أنت، الجبان أنت، البخيل أنت، كما قال بدون زيادة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]،

стр. 942

ولقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، ولقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢)﴾ [الشورى: ٤١ - ٤٢]، ولقول النبي ﷺ : "المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما، ما لم يعتد المظلوم" (١). فكل هذه النصوص تدل على أنه يجوز الجهر بالقول ممن كان مظلومًا، ومن ذلك ما يفضيه الإنسان إلى صديقه ورفيقه في شكاية الحال، كما لو أن إنسانًا ظلمه شخص وجاء إلى صديقه يتحدث، ويقول: فلان فعل بي كذا .. وفعل بي كذا .. وفعل بي كذا .. ومن ذلك أيضًا: الزوجة تشكو ما يحصل من زوجها إلى أخواتها أو إلى أمها، وما أشبه ذلك؛ لأن كل هؤلاء مظلومون، وقد استثنى الله تعالى من ظلموا. ومن ذلك إذا قال: لعنك الله، فقل: لعنك الله أنت؛ لأن هذا اعتداء بمثل ما اعتدى عليك، وعلى هذا نقول: إن ﴿الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ إذا كان من مظلوم فإن محبة الله لا تنتفي عنه، وهذا من نعمة الله أن رفع الحرج عنها؛ لأن الله إذا كان لا يحب ﴿الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ حتى من المظلوم صار في هذا حرج؛ لأن المظلوم يكاد يتشقق صدره حتى يتحدث عما في صدره من الظلامة، فيخف عليه الأمر. قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ ﴿سَمِيعًا﴾ لأقوالكم، ﴿عَلِيمًا﴾

стр. 943

بما في قلوبكم، يعني: فاحذروه، احذروا أن تقولوا ما لا يرضاه، واحذروا أن تخفوا في صدوركم ما لا يرضاه. من فوائد الآية الكريمة: ١ - إثبات المحبة لله؛ أي: أن الله يحب، ووجه الدلالة: أننا استدللنا على الإثبات بالنفي؛ لأن هذا النفي خص بحال معين، فيكون دليلًا على أن ما سوى ذلك تثبت به المحبة، ومحبة الله للعبد هي غاية ما يتمناه الإنسان، وأكمل مراتب الإنسان، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ولم يكن الجواب على ما يتوقع من أن يقال: "فاتبعوني تصدقوا في دعواكم"، بل قال: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وهذا هو الغاية. ومحبة الله تنال بهذا الشرط، وهو شرط يسير لمن يسره الله عليه، نسأل الله أن ييسره لنا، وهو: اتباع الرسول ﵊ ظاهرًا وباطنًا، في العقيدة والقول والفعل، فإذا حققت ذلك فإن محبة الله سوف تنالك، وأنكر قوم محبة الله كالأشاعرة، ونسأل الله أن يعفو عن الأموات منهم وأن يهدي الأحياء، أنكروا المحبة، وقالوا: إن الله لا يحب، لكن إنكارهم إياها ليس إنكار جحود، إذ لو كان إنكار جحودٍ لكفروا؛ لأنه تكذيب لما أثبته الله لنفسه، لكنه إنكار تأويل قصدوا به تنزيه الله، لكنهم ضلوا، فقالوا: إن المحبة لا تقع إلا بين متجانسين، والله مباين للخلق، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وقالوا: إن المحبة التي جاءت في الكتاب والسنة هي

стр. 944

الإحسان, ففسروها بأمر بائن منفصل عن الله، أو هي إرادة الإحسان؛ لأن الإرادة عندهم ثابتة لله ، فيقال لهم: هل الإحسان إلا ثمرة المحبة، وهل إرادة الإحسان إلا ثمرة المحبة؛ لأن الله لا يحسن إلى من لا يحب إلا على سبيل الإستدراج، ولهذا إذا رأيت الله ينعم على العبد مع إقامته على معاصيه فاعلم أن ذلك استدراج: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ [الأعراف: ١٨٢]. إذًا: عقيدتنا أن الله يُحِب، وأنه يُحَب جل وعلا، وأن محبته أعلى المراتب وأفضل المنازل. ٢ - حسن الإِسلام، وأنه يدعو إلى التراضي وعدم الجهر بالسوء، وأن لا نفضح أحدًا بسوئه، ولهذا كانت الغيبة من كبائر الذنوب، وهي ذكرك أخاك بما يكره. ٣ - عدالة الإِسلام، ووجه ذلك: أنه رخص للمظلوم أن يجهر بالقول، لكن بحسب مظلمته ولا يزيد، فإن زاد فكما قال النبي ﵊: "على البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم" (١). ٤ - أن الدين الإِسلامي لا يكبت النفوس، بل يوسع لها ويشرح الصدور، ويدخل السرور، ولهذا نهي الإنسان أن يتعرض لما فيه الغم والهم، والوساوس والأوهام، حتى أن النبي ﵊ قال في الذي يشكُ هل خرج منه ريح أو لا: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" (٢) والمعنى حتى يتيقن

стр. 945

يقينًا مثل الشمس، أما مجرد التخيل أنه خرج من بطنه شيء، أو من دبره شيء، أو من قبله شيء، فهذا يجب أن يطرح، لئلا يقع الإنسان في تذبذب وتردد. والدين الإسلامي يريد منك أن تكون دائمًا مبسوطًا، وفي سرور، وجه ذلك: أنه رخص للمظلوم أن يجهر بالسوء بقدر مظلمته؛ لأن ذلك تنفيس عن نفسه بلا شك. ٥ - إثبات هذين الإسمين لله وهما: السميع والعليم، أما السميع فقال العلماء: إنه ينقسم إلى قسمين: سمع بمعنى: إدراك المسموع، وسمع بمعنى: الإستجابة، والسمع الذي بمعنى إدراك المسموع يتنوع أيضًا، فتارة يراد به بيان إحاطة الله تعالى بكل مسموع، وتارةً يراد به التأييد والنصرة، وتارةً يراد به التهديد على حسب ما تقتضيه الحال والسياق. فمن الأول: قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] وهذه المرأة كانت في حجرة النبي ﵊ في الأرض، والرب في السماء فوق عرشه، وتقول عائشة: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كنت في الحجرة وإنه ليخفى علي بعض حديثها" (١) والله قال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾، ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ

стр. 946

تَحَاوُرَكُمَا﴾ فهذا سمع يراد به بيان إحاطة الله بكل مسموع. وتارةً يراد به التأييد والنصرة، مثل قول الله ﵎: لموسى وهارون ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦] يعني: فأؤيدكما وأنصركما. وقد يراد بذلك في هذه الآية التهديد أيضًا، وهو تهديد فرعون، وأما الذي للتهديد فمثل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وهؤلاء اليهود، قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ قال تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١] وهذا لا شك أن المقصود به التهديد، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠] فهو مسموع مكتوب، وستكون القراءة يومِ القيامة قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤]. قال بعض السلف: والله لقد أنصفك من جعلك حسيبًا على نفسك، خذ هذا الكتاب اقرأه وحاسب نفسك. القسم الثاني من أقسام السمع: سمع الإستجابة؛ أي: أن الله يستجيب، وذلك فيما إذا أضيف إلى الدعاء أو نحو ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] أي: لمجيبه، وليس مراد إبراهيم ﵊ أن الله يسمع دعاءه فقط؛ لأن سماع الدعاء لا شك أنه كمال، وأن الله تعالى مدرك لكل مسموع، لكن المقصود من دعاء الداعي الإستجابة،

стр. 947

فيكون معنى سميع الدعاء أي: مستجيب الدعاء، قالوا: ومن ذلك قول المصلي: سمع الله لمن حمده؛ أي: استجاب، وهذا حق، ويؤيد ذلك أنه عُدِّي باللام، "سمع الله لمن حمده"، ولو كان المراد إدراك الحمد، أو إدراك قول الحامد، لقال: سمع الله من حمده. أما العليم فهذا أوسع شيء، فعلم الله تعالى محيط بكل شيء جل وعلا، محيط بالظاهر والباطن، بالماضي والمستقبل، بالواجب والممكن والمستحيل، ولهذا لا شيء أعم من العلم فيما يحضرني الآن، فالعلم شامل جدًا، فهو يتعلق بالماضي والمستقبل. ومن ذلك قول موسى ﵊: حين سأله فرعون ما بال القرون الأولى ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥٢] سبحان الله! ﴿لَا يَضِلُّ﴾ جهلًا ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ ذكرًا، بل هو جل وعلا عالم بكل شيء، ولا ينسى الماضي، بينما العالم سوى الله أهل للنسيان، كذلك علم الله محيط بالظاهر والباطن: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] ولا شيء أخفى من هذا، فما توسوس به نفسك وتحدثك به فالله تعالى يعلم به، وأما الظاهر فظاهر علم الله به، وكذلك علم الله محيط بالواجب والممكن والمستحيل. أما المستحيل: فقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] هذا خبر عن علم، ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يكون في السموات والأرض آلهة سوى الله، ومستحيل

стр. 948

غاية الإستحالة، فهذا خبر عن مستحيل صادر عن علم. أما العلم بالواجب: فعلم الله تعالى بنفسه، وبماله من الأسماء والصفات، فإن هذا من العلم بالواجب، وهو أعلم بنفسه من غيره. وأما تعلقه بالممكن: فعلمه بما يحدث في الكون، فكل ما يحدث في الكون غير ما يتعلق بالله ، فهو ممكن؛ لأن الكون كله حادث بعد أن لم يكن "كان الله تعالى ولم يكن شيء قبله" (١)، وفي لفظ: "لم يكن شيء غيره" (٢)، فكل الكون حادث، وقابل للزوال؛ لأن كل حادث قابل للزوال، بدليل عدمه قبل وجوده، وكلمة "قابل" ليس معناها أن كل موجود فانٍ، لكنه قابل للفناء، وإنما قلنا ذلك لئلا يرد علينا مسألة الروح، فالروح مخلوقة بعد العدم، لكنها باقية لا تفنى، والولدان والحور في الجنة مخلوقة، ولكنها لا تفنى، بل تبقى أبد الآبدين، والجنة أيضًا مخلوقة وتبقى أبد الآبدين، والنار مخلوقة وتبقى أبد الآبدين؛ ولهذا نقول: كل موجود قابل للزوال لا أنه زائل؛ لأن من المخلوقات شيئًا لا يزول، لكن كونه حادثًا بعد أن لم يكن دليل على أنه من أقسام الممكن القابل للعدم والوجود. ووجه ذلك: أنه لو لم يكن قابلًا للوجود لم يوجد، ولو لم يكن قابلًا للعدم لم يعدم أولًا. المهم: أن علم الله محيط بكل شيء، وإيماننا بعلم الله ليس أن نؤمن بهذه الصفة العظيمة الواسعة الشاملة، لكن المهم

стр. 949

أن نحذر من أن يعلم في قلوبنا ما لا يرضاه عنا، أو أن يعلم من أفعالنا ما لا يرضاه عنا، أو من أقوالنا ما لا يرضاه عنا، أو مما نترك ما لا يرضاه عنا، هذا هو المهم، ولهذا يجب أن يركز طالب العلم على الفوائد المسلكية التي تستفاد من أسماء الله وصفاته، لا على أقسامها وتقسيمها وعمومها وشمولها، وأهم شيء أن تُعدل من منهجك ومسلكك، ولهذا قال الله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] أن تعبدوه بمقتضى هذه الأسماء، وقال النبي ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاهما دخل الجنة" (١) ومن إحصائها التعبد لله بمقتضاها، وفقنا الله إلى ذلك. * * * * قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ [النساء: ١٤٩]. ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ هذه جملة شرطية، وجواب الشرط قيل: إنه محذوف، وقيل: إنه قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ , وهذه الجملة وإن كان ظاهر الحال أنه لا رابط بينها وبين الشرط، لكنها تدل عليه، وسنتكلم إن شاء الله عن ذلك. قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾، ﴿تُبْدُوا﴾ أي: تظهروا، وعرفنا أن الإبداء بمعنى الإظهار من ذكر مقابله، وهو قوله: ﴿أَوْ

стр. 950

تُخْفُوهُ﴾ وهذه قاعدة مفيدة في التفسير، أنه ربما يخفى عليك معنى بعض الكلمات، فتنظر إلى ما يقابلها، فقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] لو أن أحدًا سأل ما معنى ﴿ثُبَاتٍ﴾ لعرفت معناها من ذكر مقابلها، وهو قوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ فيكون معنى ﴿ثُبَاتٍ﴾ أي: فرادى، إذًا: المعنى إن تظهروا خيرًا أو تخفوه فلن تعدموا أجره، فسوف تؤجرون عليه؛ لأن الخير مطلوب ونافق، سواءً كان مبدى، أو مخفي. في مقابل ذلك قوله: ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾، قوله: ﴿تَعْفُوا﴾ العفو هو الإبراء من التبعة، فالمعنى ﴿تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ أي: تبرئوا من أساء إليكم من تبعة سوئه. وقوله: ﴿عَنْ سُوءٍ﴾ أي: عما يسوء من قولٍ أو فعل. قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ أي: أنه ذو عفو مع القدرة على الإنتقام ممن أساء إليه، فإذا كان الله تعالى عافيًا عمن أساء مع القدرة، فأنتم من باب أولى أن تعفوا؛ لأنكم ليس لديكم القدرة في الإنتصار للنفس، والإنتقام من المجرم كالذي عند الله . من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الخير خير، سواء أبدي أو أخفي، فإن قيل: أيهما أفضل الإبداء أو الإخفاء؟ الجواب: قد يقول القائل: الإخفاء أفضل، وهنا قد يعارض قوله: كون الله بدأ بالإظهار فقال: ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم، ولكن الذي يظهر أن ذلك راجع إلى المصلحة، فإن كانت المصلحة في الإبداء أظهر، مثل أن يكون رجلًا ذا
следующие страницы →